← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] والعدول عنه تعففًا خروج عن هديهم، وميل عن الصراط المستقيم. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن تعاليم الشريعة قائمة على التيسير على المكلفين، وأن الانهماك في العبادة وأخذ النفس بالمشقة ليس من الدين في شيء، وليس من هدي النبي ﷺ . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (١). فمنهج الإسلام عدم التشدد في العبادة وتكليف النفس ما لا تطيق من الطاعات، ومن فعل ذلك غلبه الدين، وآخر الأمر العجز والانقطاع، والإنسان إذا أخذ بالقصد دام عمله، وتمكن من أداء الحقوق كلها، حَقِّ الله تعالى، وحَقِّ النفس، وحَقِّ الأهل، وحَقِّ الأصحاب، برفق وسهولة، وقد ورد في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (٢). ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على قاعدة عظيمة مفيدة، وهي أن موافقة السنة خير من كثرة العمل، لقوله ﷺ : "فمن رغب عن سنتي فليس مني" وهؤلاء أرادوا أن يعملوا أكثر من عمل الرسول ﷺ ، فأخبرهم أن هذا مخالف للسنة، فالخير كل الخير في اتباع هدي النبي ﷺ في صومه وصلاته وعاداته. ومن الأمثلة لهذه القاعدة: الإطالة في ركعتي الفجر، أو صلاة أكثر من ركعتين بعد طلوع الفجر، أو الإطالة في ركعتي الطواف، أو الجلوس عند مقام إبراهيم ﵇ بعد ركعتي الطواف للدعاء، ونحو ذلك مما فيه مخالفة للسنة. والله تعالى أعلم.

стр. 2942

استحباب اختيار الزوجة الودود الولود ٩٧١/ ٣ - وَعَنْهُ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الولُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ٩٧٢/ ٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ -أيضًا- مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: حديث أنس ﵁ أخرجه أحمد (٢٠/ ١٩١ - ١٩٢)، وابن حبان (٩/ ٣٣٨) من طريق خلف بن خليفة، حدثني حفص بن عمر، عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا. وهذا الحديث لا بأس برجاله، خلف بن خليفة من رجال مسلم (١)، وهو صدوق قد اختلط بأخرة، قال عبد الله بن أحمد قال أبي: (قد رأيت خلف بن خليفة قد قال له إنسان: يا أبا أحمد، حدثك محارب بن دثار؟ قال أبي: فلم أفهم كلامه، كان قد كبر فتركته) (٢)، وقال أحمد: (رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومائة، وقد حُمل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح) وقال الأثرم عن أحمد: ("أتيته فلم أفهم عنه"، قلت:

стр. 2943

في أي سنة مات؟ قال: "أظنه في سنة ثمانين أو آخر سنة تسع وسبعين") (١). وحفص بن عمر هو ابن أخي أنس بن مالك، صدوق، كما في "التقريب". والحديث له شواهد منها الحديث الذي بعده، وهو حديث معقل بن يسار، فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب (النهي عن تزويج من لم يلد من النساء) (٢) (٢٠٥٠)، والنسائي (٦/ ٦٥ - ٦٦)، وابن حبان (٩/ ٣٦٣ - ٣٦٤) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا مستلم بن سعيد ابن أخت منصور بن زاذان، عن منصور بن زاذان، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، هانها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: "لا"، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" وهذا السياق لأبي داود، والحديث إسناده قوي، رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير مستلم بن سعيد، فقد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق، وثقه أحمد، وقال ابن معين: (صويلح)، وقال النسائي: (ليس به بأس) (٣). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يأمرنا بالباءة) تقدم الكلام عليها، والمراد هنا: النكاح بدلالة السياق. قوله: (عن التبتل) أصل التبتل: الانقطاع، والمراد هنا: الانقطاع عن الزواج وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة. قوله: (الودود) بفتح الواو، صيغة مبالغة على وزن فعول، هي التي تتحبب إلى زوجها، وهي المحبوبة لكثرة ما هي عليه من خصال الخير والبر وحسن الخلق. قوله: (الولود) هي كثيرة الأولاد والإنجاب، ويعرف ذلك عادة في

стр. 2944

البكر بحال أمها وقريباتها؛ لأن الغالب سراية طباع الأقارب بعضهم إلى بعض. وجمع النبي ﷺ بين هذين الوصفين؛ لأن الولود إذا لم تكن ودودًا لم يُرغب في الزواج بها، والودود إذا لم تكن ولودًا لم يحصل المطلوب، وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد. قوله: (إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) أي: مفاخر بسببكم الأنبياء يوم القيامة، لكثرة أتباعي. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على الترغيب في الزواج لما فيه من المصالح العظيمة، ومنها إيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ يوم القيامة، وحصول الذرية من البنين وأولادهم الذين هم قرة العين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢]. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن التبتل وترك الزواج للقادر عليه انقطاعًا للعبادة وانشغالًا بطلب العلم ونحو ذلك، وهذا النهي يقتضي التحريم، ولهذا قال الصحابي: (وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا) وذلك لأن الانقطاع عن الزواج مخالفة لسنن المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وفيه تعطيل لإرادة الله الكونية من عمارة هذا الكون، فإن هذا الكون لن يُعمر إلا بحفظ الجنس البشري، ولا وسيلة لذلك إلا التناسل عن طريق الزواج، ولأن ترك الزواج من أجل العبادة أو طلب العلم رهبانية مبتدعة، وقد قرن النبي ﷺ بين الأمر بالزواج والنهي عن الرهبانية في حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تزوجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى" (١).

стр. 2945

° الوجه الخامس: الحديث دليل على استحباب نكاح المرأة الودود الولود؛ لأن وُدَّ المرأة لزوجها دليل على صحة مزاجها وقوة طبيعتها، كما أن وُدَّهَا مانع من أن يطمح بصرها إلى غيره، وباعث لها على تجملها لزوجها وعنايتها به، وفي هذا تحصين فرج زوجها ونظره، وفي هذا من المصالح ما لا يُحصر. وبالجملة فإن تَوادَّ الزوجين به تتم المصلحة المنزلية، وكثرة النسل بها تتم المصلحة الدنيوية والدينية (١). ° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن العمل على تحديد النسل المسمى تضليلًا تنظيم النسل، ليس من هدي الإسلام ولا من تعاليمه، بل هو كيد للإسلام وأهله بتقليل عدد المسلمين وإضعاف كيانهم، ليقوى عدوهم على السيطرة على بلادهم واستعمار أهلها، والتمتع بثروات البلاد الإسلامية وخيراتها، كما أن في الأخذ بهذه النظرية ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى. والمراد بذلك ما يمنع الحمل منعًا مستمرًا بحيث يقل النسل، وهذا خلاف مقصود الشارع من تكثير الأمة. وأما منعه منعًا مؤقتًا كأن تكون الأم كثيرة الحمل والحمل يتعبها، فتحب أن تنظم حملها كل سنتين مرة أو نحو ذلك، فهذا جائز إذا أَذن به الزوج ولم يكن به ضرر عليها، ودليل ذلك أن الصحابة ﵃ كانوا يعزلون عن نسائهم، وسيأتي لذلك مزيد بيان -إن شاء الله- عند الكلام على أحاديث العزل في باب "عشرة النساء" والله تعالى أعلم.

стр. 2946

الصفات التي من أجلها تنكح المرأة ٩٧٣/ ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مَعَ بَقِيّةِ السّبْعَةِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (الأكفاء في الدين) (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٦٨١٦)، وابن ماجه (١٨٥٨)، وأحمد (١٥/ ٣١٩) كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. ويحيى بن سعيد هو القطان، وسعيد هو ابن أبي سعيد كيسان المقبري. وقد وهم الحافظ في عزو الحديث إلى السبعة، فإن منهم الترمذي -كما هو اصطلاحه في المقدمة- وهو لم يرو الحديث، ولهذا لم يذكره المزي مع من أخرج الحديث (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (تنكح المرأة) بضم التاء مبني لما لم يُسمَّ فاعله؛ أي: يُرغب في الزواج بها، والمرأة: نائب الفاعل.

стр. 2947

قوله: (لأربع) أي: لأربع خصال أو صفات، واللام للتعليل، والمعنى: أن الناس يراعون هذه الخصال في المرأة، ويرغبون فيها لأجلها، ولم يرد الأمر بمراعاتها (١). قوله: (ولحسبها) بفتح الحاء والسين؛ أي: لشرفها، والحسب في الأصل: هو الفعل الجميل للرجل وآبائه وأجداده من الكرم والنجدة، والشجاعة والمروءة، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم، فمن كانت صفاته أكثر قُدم على غيره، وقيل: المراد بالحسب هنا: أفعالها الحسنة الجميلة، لكن قد يشكل على هذا التفسير ما رواه الترمذي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال النبي ﷺ : "الحسب: المال، والكرم، والتقوى" (٢). فقد فسر النبي ﷺ الحسب بالمال، والجواب: أن الحسب لا يفسر في حديث الباب بالمال؛ لأنه قد عُطف عليه، والعطف يقتضي المغايرة، لكن إذا ذكر الحسب منفردًا فلا مانع من تفسيره بالمال، وإن ذكر مع المال فسر بما تقدم. قوله: (فاظفر بذات الدين) أي: فاحرص على الزواج بالمرأة ذات الدين؛ لأنك تكسب بزواجها منافع الدنيا والآخرة. قوله: (تربت يداك) بكسر الراء؛ أي: لصقتا بالتراب، وهو كناية عن الفقر، وهي جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى، معناها: الدعاء، لكن هذا مما يجري على اللسان، ولا يُراد به الدعاء، بل يراد بها الحث والتحريض على الفعل، وهي كقولهم: لا أبَ لك، ولا أُمَّ لك، ولا أَرْضَ لك، ونحو ذلك، يقال: تَرِبَ الرجل: إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، قال الشاعر: لولا توقُّعُ معترٍّ فأُرْضِيَهُ … ما كنت أُوثرُ إِتْرابًا على تَرَبِ ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الذي يدعو الرجل إلى

стр. 2948

الزواج بالمرأة هو مالها أو شرفها أو جمالها، وآخر ذلك الدين، وهذا الذي أخبر به النبي ﷺ هو الواقع في زماننا هذا، فالبحث عندهم عن الجمال، ومنهم من يحرص على المال كأن تكون معلمة مثلًا. ° الوجه الرابع: الحرص على الزواج بالمرأة ذات الدين، فإن هذا له تأثير كبير على الزوج نفسه، وعلى أولاده، وعلى بيته، والإنسان إنما يجلس إلى من ينفعه في دينه، فكيف بزوجته شريكة حياته؟ وقد قال النبي ﷺ : "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (١). ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على إباحة الزواج بالمرأة لأيِّ من المقاصد المذكورة؛ لأن الرسول ﷺ ساق هذا الحديث مساق الإخبار عما في الواقع وحال الناس، وليس المراد الأمر بذلك، ومن تزوج امرأة طمعًا في مالها -وهو أقوى الدواعي- وتجرد القصد عن غير المال من الأسباب الموجبة للائتلاف، فَأَخْلِقْ بالعقد أن ينحل، وبالألفة أن تزول، ولا سيما إذا غلب الطمع، وقل الوفاء، وبالغ الرجل في تسلطه على مال زوجته. وإذا تزوجها رغبة في جمالها، فذاك أدوم ألفة من المال؛ لأن الجمال صفة لازمة، والمال صفة زائلة، فإن سلم الجمال من الإدلال المفضي للملل، دامت الألفة وحسنت العشرة، وإلا فهو إلى الزوال أقرب. ° الوجه السادس: كيفية العمل بهذا الحديث: أن من أراد أن يتزوج بامرأة فإنه يبدأ بالسؤال عن الصفات التي يُرغب فيها؛ كالجمال مثلًا، فإذا تحققت له، يسأل عن الدين، فإن تحقق أقدم وإلا أحجم، فيكون الدين هو مدار القبول أو الرد. وأما إذا سأل عن الدين أولًا، ثم سأل عن الصفات الأخرى ولم تتحقق، فيكون رد المرأة مع أنها ذات دين. ° الوجه السابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن للزوج

стр. 2949

الاستمتاع بمال الزوجة، وهذا فيه نظر، لعموم قوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه" والحديث فيه ضعف، لكن تشهد له عمومات صحيحة؛ كقوله ﷺ في خطبة الوداع في عرفة: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم … " الحديث (١). ولا ينحصر قصد نكاح المرأة لأجل مالها في استمتاع الزوج به، بل قد يكون قصده أن تستغني بمالها عن كثرة مطالبة الزوج بما تحتاج إليه النساء من الكماليات، ولا سيما في زماننا هذا. ° الوجه الثامن: في الحديث دليل على الحث على مصاحبة أهل الدين والصلاح والاستقامة؛ لأن من صاحبهم استفاد من أخلاقهم وطباعهم وعلمهم، وأمن المفسدة من جهتهم. ° الوجه التاسع: كما ينبغي للزوج اختيار المرأة الصالحة ينبغي لولي المرأة أن يختار لها الزوج الصالح الكريم الخلق ذا الدين والمروءة، فلا يزوجها من ضَعُفَ دَينُهُ وساء خُلُقُهُ، قال رجل للحسن البصري: قد خطب ابنتي جماعة، فمن أزوجها؟ قال: (ممن يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2950

ما يدعى به للمتزوج ٩٧٤/ ٦ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَّأ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَال: "بَارَك اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَينَكُمَا في خَيرٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٤/ ٥١٧ - ٥١٨)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (ما يقال للمتزوج) (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، والنسائي في "الكبرى" (٩/ ١٠٧)، وابن ماجه (١٩٠٥)، وابن حبان (٩/ ٣٥٩) كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم (٢/ ١٨٣): (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (رفَّأ إنسانًا) بفتح الراء وتشديد الفاء مع الهمز وعدمه، ولها معنيان: الأول: إذا أراد أن يدعو له إذا تزوج بالرفاء، قال له: بارك الله لك وبارك عليك.

стр. 2951

الثاني: إذا هنأه ودعا له بالتوفيق وحسن العشرة والذرية الطيبة. وأصل الرِّفاء -بكسر الراء والمد-: الالتئام والاتفاق وجمع الشمل، ومنه رفأ الثوب: إذا أصلحه، وبين القوم رفاء أي: التحام واتفاق (١). ويجوز أن يكون من الهدوء والسكون، تقول: رفوته: إذا سَكَّنْتَ ما به من روع (٢). قوله: (بارك الله لك) هذه جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأن المراد بها الدعاء، وكذا ما بعدها. ولعل الجمع بين (لك) و (عليك) أن البركة لما كانت نافعة تعدت باللام، ولما كانت نازلة من السماء تعدت بـ (على) وجاء الحديث بالوجهين للتأكيد والتفنن (٣). قوله: (وجمع بينكما) أي: بينك وبين زوجك، وهذا يفهم من السياق. قوله: (في خير) لفظ شامل لكل أنواع الخير من الطاعة وحسن المعاشرة والذرية الصالحة. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب الدعاء للمتزوج بأن يبارك الله تعالى له، وأن يبارك عليه، وأن يجمع بينه وبين زوجه في خير. وقد دعا النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف لما تزوج بقوله: "بارك الله لك" (٤). والدعاء للمتزوج من محاسن الشريعة الإسلامية، وذلك بأن يُهنأ المسلم بما حصل له من الخير وأن يدعى له بما يناسب الحال من البركة ودوام النعمة وشكرها. ولا يجوز العدول عن هذا الدعاء إلى ما اعتاده بعض الناس من قولهم: بالرِّفاء والبنين (٥). فإن هذا من عمل الجاهلية، وقد نهى عنه النبي ﷺ ، فقد

стр. 2952

ورد عن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جُشم، فدخل عليه القوم، فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تفعلوا ذلك، فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، قالوا: فما نقول يا أبا يزيد؟ قال: قولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر (١). وفي رواية لأحمد: لا تقولوا ذلك، فإن النبي ﷺ قد نهانا عن ذلك، وقال: "قولوا: بارك الله فيك، وبارك لك فيها"، ولعل الحكمة -والله أعلم- في النهي عن استعمال هذه الجملة، ثلاثة أمور: ١ - لقصد مخالفة ما كان عليه أهل الجاهلية. ٢ - لما فيه من الدعاء له بالبنين دون ذكر البنات، وفي هذا موافقة للعرب في جاهليتهم حيث كانوا يكرهون البنات، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [النحل: ٥٨]. ٣ - أنه ليس فيه ذكر اسم الله تعالى ولا حمده ولا ثناء عليه، وهذه أمور مطلوبة. واعلم أن لفظ الرفاء لا محذور فيه، فإن الصحابي عبر به، وهو أعلم بنصوص الشريعة وهدي النبي ﷺ ، وإنما المحذور الدعاء للمتزوج بالبنين (٢). وانظر إلى ما أرشد إليه النبي ﷺ من هذا اللفظ الوجيز البليغ، وهو دعاء جامع شامل لمصالح الدنيا والآخرة، فإن حصول البركة لهما وعليهما والجمع بينهما بخير ينتظم سعادة الزوجين وصلاحهما وصلاح ذريتهما. والله تعالى أعلم.

стр. 2953

مشروعية الخطبة عند عقد النكاح ٩٧٥/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ في الْحَاجَةِ: "إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَستَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣) من طريق شعبة، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (في خطبة النكاح) (٢١١٨) من طريق إسرائيل، والنسائي (٣/ ١٠٤ - ١٠٥)، والحاكم (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) من طريق شعبة -أيضًا- كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁، قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة في النكاح وغيره: الحمد لله … هذا لفظ أبي داود، وقد جاء في إسناد أبي داود من طريق إسرائيل عن أبي عبيدة وأبي الأحوص به. فجمع بينهما. وأخرجه الترمذي (١١٠٥)، والنسائي (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من طريق الأعمش، وابن ماجه (١٨٩٢) من طريق يونس بن إسحاق، كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة؛ إن الحمد لله نستعينه … الحديث.

стр. 2954

قال الترمذي: (حديث عبد الله حديث حسن، رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، ورواه شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، وكلا الحديثين صحيح، لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ) (١). وللحديث طريق ثالثة أخرجها أبو داود (١٠٩٧) (٢١١٩) من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود ﵁ … وسنده ضعيف، لجهالة أبي عياض، وكذا شيخ قتادة عبد ربه بن أبي يزيد. وروى الحديث أبو داود (٢١١٨)، وأحمد (٧/ ١٨٨) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا، ورواه عبد الرزاق (٦/ ١٨٧) عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق به نحوه موقوفًا، وتابعهما أبو الأحوص سلام بن سليم به موقوفًا، كما ذكر الدارقطني في "العلل" (٥/ ٣١٢) وبهذا تبين أن هذا الحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي، واختلف عليه رفعًا ووقفًا (٢)، وقد حسن الترمذي رواية أبي الأحوص، وأما رواية أبي عبيدة، فقد أُعلت بالانقطاع، لكونه لم يسمع من أبيه، والظاهر أنها في حكم الموصول؛ لأنه كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره، ما لم يوجد سبب يقتضي الرد (٣). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظة: قوله: (التشهد في الحاجة) هذه رواية، والرواية الثانية -كما تقدم-

стр. 2955

(علمنا رسول الله ﷺ خُطبة الحاجة في النكاح وغيره)، وظاهر السياق أن قوله: (في النكاح وغيره) الوارد في لفظ أبي داود من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، أنه من قول ابن مسعود ﵁، لكن خالفه شعبة، فجعلها من قول أبي إسحاق حيث قال: (قلت لأبي إسحاق: هذه في خُطبة النكاح أو في غيرها؟ قال: في كل حاجة) (١). والخُطبة هنا: بضم الخاء، من خطب يخطُب، من باب نصر ينصر، إذا تكلم بكلام يشتمل على الحمد والثناء وغيرهما، وأما الخِطبة: بالكسر، فهي أن يَخْطِبَ الرجل المرأة، ولهذا قالوا: تستحب الخُطبة عند الخِطبة، وهما يجتمعان في الماضي والمضارع، ويختلفان في المصدر (٢)، وتقدم هذا في "البيوع". قوله: (إن الحمد لله) هذا لفظ الترمذي وغيره، ولفظ أبي داود وغيره: (الحمد لله)، والتعبير بالجملة الاسمية أبلغ من الفعلية؛ لدلالتها على الثبوت والدوام، والفعلية تدل على التجدد والحدوث، وقد جمع بينهما، كما في رواية الطحاوي (٣) فقال: (إن الحمد لله، نحمده) أي: إنه حمد يتجدد كلما تجددت النعم، والحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وتقدم ذلك. قوله: (ونستعينه) أي: نطلب منه العون، وهو المساعدة على أداء حمده وعلى سائر الأمور الدينية والدنيوية. قوله: (ونستغفره) أي: نطلب منه مغفرة ما يحصل من التقصير في أداء حمده، وسائر ما يجب علينا فعله له، فهو أهل للمغفرة، وحذف المعمول يؤذن بالعموم. قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: نعتصم بالله تعالى ونلتجئ إليه، وشرور أنفسنا: هي الأخلاق الدنيئة، وإنما استعاذ من شرور الأنفس؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى الهوى والأغراض الفاسدة.

стр. 2956

قوله: (ومن سيئات أعمالنا) استعاذة من المعاصي ومن عقوباتها، ومن وقاه الله شر نفسه وسيئات عمله فقد أفلح. قوله: (من يهده الله فلا مضل له) هكذا بإثبات الضمير (يهده) وفي بعض نسخ أبي داود (من يهد الله) بدونه، والمعنى: من يدله ويوفقه الله تعالى ويرشده. قوله: (فلا مضل له) أي: فلا يقدر أحد على إضلاله وصرفه عن طريق الحق والرشاد. قوله: (ومن يضلل فلا هادي له) هكذا بدون الضمير، وفي الإتيان به في جانب الهداية وتركه في جانب الضلالة نكتة تشير إلى عناية الله تعالى بعبده. قوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله) جاءت الأفعال الأربعة بالنون؛ لأمرين: الأول: أن الاستعانة والاستغفار والاستعاذة تقبل النيابة فيجوز أن يستغفر الرجل لغيره، ويستعين الله له، ويستعيذ بالله له، وهذا التوجيه تشكل عليه رواية: (نحمده) لأن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد، ولا يقبل النيابة، ومع هذا جاء بالنون، لكن أكثر الروايات خلت من هذه الجملة كما تقدم. الثاني: أن المذكورات طلب وإنشاء، فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين. أما الشهادة فقد جاءت بلفظ الإفراد (وأشهد أن لا إله إلا الله) لأمرين: ١ - أن الشهادة لا تقبل النيابة بحال. ٢ - أن الشهادة إخبار عما في القلب مما يطابق اللسان، والإنسان إنما يخبر عن نفسه، لعلمه بحاله، بخلاف إخباره عن غيره، فإنه يخبر عن قوله ونطقه، ولا يخبر عن عقد قلبه (١).

стр. 2957

قوله: (ويقرأ ثلاث آيات) جاء بيانها في تتمة الحديث، ولكن الحافظ حذفها اختصارًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. وقد جاء في بعض الروايات (أما بعد، ثم يذكر حاجته) والمراد هنا: أن يقول الولي من أب أو غيره: زوجتك ابنتي، ويقول الخاطب: قبلت، أو نحو ذلك. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية تقديم هذه الخطبة على عقد النكاح، وذلك بأن يبدأ العاقد بقراءة هذه الخطبة، ثم بعدها يصدر الإيجاب من الولي، والقبول من الزوج. وكان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بذكر مفاخر قومهم ونحو ذلك، يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به، وفي ذلك مصلحة، فإن الخطبة مبناها على التشهير، والنكاح يراد إشهاره وإظهاره ليتميز عن السفاح، وأيضًا الخطبة لا تستعمل إلا في الأمور المهمة، ومن ذلك النكاح، فأبقى النبي ﷺ أصل الخطبة، وغير وصفها وصيغتها (١). وهذه الخطبة سنة عند الجمهور وليست بواجبة، لما ورد في حديث سهل بن سعد ﵁ الآتي أن النبي ﷺ زوج الرجل بما معه من القرآن، ولم تذكر الخطبة في شيء من طرق الحديث، فلو قال: زوجتك، وقال: قبلت، كفى. ونقل الحافظ ابن حجر عن الظاهرية أنها شرط في العقد، ووافقهم من

стр. 2958

الشافعية أبو عوانة، فترجم في "مسنده": (باب بيان تثبيت وجوب الخطبة عند التزويج، وما يجب أن يُخطب به) (١). ° الوجه الرابع: هذه الخطبة ليست خاصة بعقد النكاح، وإنما هي عامة كما تقدم في بعض الروايات، ولهذا فقد ذكر النسائي هذا الحديث في كتاب "الجمعة"، باب (كيفية الخطبة) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا استحبت، وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عمومًا وخصوصًا من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك، وموعظة الناس، ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية)، ثم ذكر أن شيوخ زمانه وغيرهم كانوا يفتتحون بغيرها، ثم قال: (إن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح، فينما هي خطبة لكل حاجة، في مخاطبة العباد بعضهم بعضًا، والنكاح من جملة ذلك، فإن مراعاة السنة الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العادات والعبادات هو كمال الصراط المستقيم، وما سوى ذلك إن لم يكن منهيًا عنه، فإنه منقوص مرجوح، إذ خير الهدي هدي محمد ﷺ ) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 2959

مشروعية نظر الخاطب إلى المخطوبة ٩٧٦/ ٨ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأةَ، فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَات، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. ٩٧٧/ ٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ. ٩٧٨/ ١٠ - وَعنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيث مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. ٩٧٩/ ١١ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: "أَنَظَرْتَ إِلَيهَا؟ "، قَال: لَا، قَال: "اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيهَا". * الكلام عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو محمد بن مسلمة بن سلمة الأنصاري الأوسي، أسلم في المدينة قديمًا على يد مصعب بن عمير، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، وشهد بدرًا وأُحدًا، وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ حين ولّى الناس، وشهد بقية المشاهد ما عدا تبوك؛ لأن رسول الله ﷺ استخلفه على المدينة، وكان ﵁ ممن اعتزل، ولم يشهد الجمل ولا صفين. قال ابن عبد البر: (كان من فضلاء الصحابة). مات في المدينة سنة ست وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين سنة ﵁ (١).

стр. 2960

° الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث جابر ﵁ فقد رواه أحمد (٢٢/ ٤٤٠)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في الرجل ينظر إلى المرأة، وهو يريد تزويجها) (٢٠٨٢)، والحاكم (٢/ ١٦٥) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، عن جابر ﵁، وتمام الحديث: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها. والحديث حسنه الحافظ ابن حجر (١)، وهو من رواية محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه، لكنه صرح بالتحديث في رواية أخرى عند أحمد (٢٣/ ١٥٥) وقد اختلف على ابن إسحاق في تسمية الراوي عن جابر ﵁، فسماه عبد الواحد بن زياد عنه: واقد بن عبد الرحمن بن سعد، وهذا مجهول، كما قال ابن القطان (٢)، ورواه عن ابن إسحاق عمر بن علي المقدَّمي، وسماه مرةً واقد بن عبد الرحمن، كما في رواية البزار على ما ذكر ابن القطان، ومرةً واقد بن عمرو بن سعد، كما عند الحاكم (٢/ ١٦٥)، وهذا ثقة من رجال مسلم، وتابعه على ذلك إبراهيم بن سعد الزهري عند أحمد (٢٣/ ١٥٥)، وأحمد بن خالد الوهبي عند الطحاوي في "شرح المعاني" (٣/ ١٤)، والبيهقي (٧/ ٨٤)، وبهذا تكون رواية عبد الواحد، عن ابن إسحاق في تسمية الراوي واقد بن عبد الرحمن شاذة؛ لأنه خالف الجماعة الذين رووا الحديث عن ابن إسحاق وقالوا: واقد بن عمرو. وأما حديث المغيرة ﵁ فقد أخرجه الترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (٦/ ٦٩ - ٧٠)، وابن ماجه (١٨٦٥) (١٨٦٦)، وأحمد (٣٠/ ٦٦) من طريق عاصم بن سليمان الأحول، عن بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، هذا لفظ الترمذي، وقال الترمذي: (حديث حسن).

стр. 2961

وأما حديث محمد بن مسلمة فقد أخرجه ابن ماجه (١٨٦٤) من طريق حفص بن غياث، وأحمد (٢٥/ ٤١٠ - ٤١١) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة، عن عمه سهل بن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة يطارد امرأة ببصره، فقلت له: تنظر إليها وأنت من أصحاب محمد ﷺ ؟! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ألقى الله في قلب امرئ خِطبةً لامرأة فلا بأس أن ينظر إليها". ومحمد بن سليمان بن أبي حثمة مجهول، لم يرو عنه غير اثنين، ولم يوثقه إلا ابن حبان (١)، وحجاج بن أرطاة مدلس وقد عنعنه. وأخرجه ابن حبان (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن حجاج، عن سهل بن محمد بن أبي حثمة، عن عمه سليمان بن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة … فذكره. وهذه الرواية خطأ؛ لأن أبا معاوية قلب إسناده ولم يضبطه، كما قال الدارقطني في "العلل" (١٤/ ١٣). وحديث محمد بن مسلمة -هذا- في سنده اختلاف، ومداره على الحجاج بن أرطاة، قال الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٢٢٦) (قد اختلف الرواة عن الحجاج بن أرطاة في هذا الحديث، والصواب عندي -والله أعلم- ما رواه حفص بن غياث ويزيد بن هارون عن الحجاج، عن محمد بن سليمان، عن عمه سهل، عن محمد بن مسلمة) (٢). وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه مسلم (١٤٢٤) من طريق سفيان، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وتمامه: "فإن في أعين الأنصار شيئًا". ولعل الحافظ قدم حديث جابر ﵁ مع أن حديث أبي هريرة ﵁ أصح؛ لأن حديث جابر ﵁ تشريع عام وخطاب لكل فرد، أما الأحاديث

стр. 2962

الأخرى، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ فهي قضايا أعيان، والخطاب فيها لأفراد من الصحابة ﵃، وقد علم في الأصول أن النبي ﷺ إذا خاطب واحدًا من الصحابة بشيء فهو عام لجميع المكلفين إلا إن قام دليل على التخصيص، ثم إن حديث جابر ﵁ فيه فائدة وهي موضع نظر الخاطب. وفي الباب -أيضًا- حديث أبي حميد أو حميدة، وكان قد رأى النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم" (١). ° الوجه الثالث: هذه الأحاديث فيها دليل على مشروعية نظر الخاطب إلى مخطوبته، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم، بل نقل بعضهم الاتفاق، وكأنه لم يلتفت إلى خلاف من خالف لضعفه، فإن الأحاديث صريحة في ذلك وكثيرة، وقد عمل بها الراوي كما في حديث جابر ﵁، وقد روي عن مالك وغيره القول بعدم جواز نظر الرجل إلى مخطوبته، وهي رواية مرجوحة ذكرها ابن عبد البر، وذكرت عنه رواية بالجواز، وهي التي عليها كتب المالكية (٢)؛ وذلك لأن النكاح عقد يقتضي التمليك، فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه، ولأن النظر أحرى إلى استقامة الأحوال ودوام العشرة، وهذه الحكمة جاء ذكرها في حديث المغيرة، وهي قوله: "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"؛ أي: تكون بينكما المحبة والاتفاق، يقال: أَدَم الله بينهما، يأدِمُ أدْمًا، بالسكون؛ أي: ألَّف ووفق (٣). فإذا تزوجها بعد معرفة لم يكن هناك ندامة في الغالب؛ لأن النكاح بعد تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة، وبالجملة ففوائد الرؤية كثيرة، ومنها: ١ - متابعة السنة. ٢ - دوام المودة بين الزوجين.

стр. 2963

٣ - اجتناب كل واحد من الزوجين العيوب التي يكرهها الآخر. ٤ - إتمام الزواج على بينة، وعدم لوم الآخرين. وإباحة النظر إلى المخطوبة جاء على وفق القاعدة الشرعية: (ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة) وتقدم ذكرها في "البيوع" (١). ° الوجه الرابع: الأمر في قوله: "فليفعل" للإباحة عند الجمهور، لقوله: "فلا بأس أن ينظر إليها"، ولأن الأصل في النظر إلى المرأة الحظر، والأمر بعد الحظر للإباحة، وحمله النووي على الاستحباب، لقوله: "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، ونسب ذلك إلى الجمهور (٢). ومثل هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والقول بالاستحباب قوي جدًّا في نظري؛ لأنه أمر، وأقل أحواله الاستحباب، ولما يترتب على النظر من المصالح العظيمة. ° الوجه الخامس: لا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى الوجه، وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك، وسبب هذا أنه لم يرد دليل في تعيين المواضع التي يراها الخاطب، إلا أن الأدلة ذكرت الغرض من الرؤية، وهو الاطمئنان على أوصاف المرأة مما يكون له أثر في تقوية العقد وتأكيده، والقول المختار أنه ينظر إلى ما يدعوه ويرغبه في نكاحها؛ كالوجه والكفين والمظهر العام للجسم كالرقبة والقدمين والساعدين؛ لأنه نظر أبيح للحاجة فيقتصر عليها، وقد دل على ذلك فعل الراوي حيث قال: (حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها) وفي حديث جابر: (له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها)، ولأن مثل هذا النظر أبيح للمَحْرَمِ غيرِ الزوج، فإن نظره ليس نظر متعة وتلذذ، وإنما لأجل الحاجة ورفع الحرج. ° الوجه السادس: اختلفت هذه الأحاديث في وقت رؤية المخطوبة؛ ففي بعضها أن الرؤية تكون قبل الخطبة، كما في حديث محمد بن مسلمة ﵁: "إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر

стр. 2964

إليها"، وفي بعضها أن الرؤية تكون بعد الخطبة، كما في حديث جابر ﵁: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر … الحديث"، ومثل ذلك حديث أبي حميد أو حميدة، ونظرًا لتعدد الأدلة اختلف العلماء في وقت رؤية المخطوبة؛ هل يكون قبل خطبتها أو بعده. والأظهر -والله أعلم- هو العمل بالأحاديث كلها، على اختلاف الحال، فإن أمكن أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته قبل التقدم إلى خطبتها وبعد العزم على الزواج فلا بأس، وهذا أمر نادر الوقوع، ولا سيما في زماننا هذا، وإلا فإن الرؤية تكون بعد الخطبة، وطريق ذلك أن يذهب الخاطب إلى منزل مخطوبته، ويجلس معها بحضور أبيها أو أخيها أو غيرهما من محارمها، ويرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، كما أنها هي تراه، وأما ما يفعله بعض الناس من مجرد رؤيتها في مكان وهي لا تراه، فهذا وإن كان فيه مصلحة، لكن مقاصد الرؤية لا تتحقق بهذا الفعل، حيث إن الخاطب لا يرى إلا طولها، ثم هي تحرم من رؤيته. ° الوجه السابع؛ مع ثبوت هذا الحكم الشرعي، وصحة الأحاديث الواردة فيه، وما يترتب على تطبيقه من المصالح العظيمة، إلا أنه يوجد من بعض الأولياء من أعرض عن هذا الحكم، وصاروا لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى مخطوبته من باب الورع، وهذا ليس بورع، إذ لا ورع في مخالفة الشرع، أو من باب مخالفته لأعرافهم وتقاليدهم، والأعراف والتقاليد لا عبرة بها مع مجيء النصوص الشرعية. وفي مقابل هؤلاء أولياء متساهلون لا يغارون على حرماتهم وبناتهم، بل يسمحون لهن بمخالطة من خطبهن والتعرف عليهن، ولا ريب أن هذا من البدع المحدثة في الدين التي جرّت على الناس المصائب والبلايا، وهو تصرف مصادم لنصوص الشريعة القاضية بتحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية. ° الوجه الثامن: هذا النظر مقيد بضوابط بعضها من عمومات الشريعة، وبعضها من أحاديث الباب، وأهمها ما يلي:

стр. 2965

١ - أن يكون الرجل عازمًا على الزواج؛ لأن النظر إنما أبيح في حق من عزم عليه، وإلا فهو محرم في الأصل. ٢ - أن يغلب على ظنه إجابته، فإن لم يكن كذلك لم يجز له النظر، وهذا من باب الاحتياط، وهو مبني على أن النظر قبل الخطبة، والغالب أنه لا يُمَكَّنُ من النظر إلا بعد الموافقة عليه، كما تقدم. ٣ - ألا يكون النظر نظر تلذذ وشهوة؛ لأن هذا خاص بالزوج، والخاطب أجنبي، فلا يجوز له ذلك، لحديث أبي حميد: "إذا كان إنما ينظر إليها لخِطبة"، لكن إن عرضت له الشهوة فلا بأس؛ لأنه لا يمكن دفعها، ويرى آخرون أن هذا الضابط لا ضرورة له؛ لأن تأثير النظر في نفس الناظر لا يملكه المرء. ٤ - أن يكون النظر بقدر الحاجة؛ لأنه محرم في الأصل، لكن له أن ينظر حتى يتم المراد ويحصل المقصود من معرفة الأوصاف التي يريد معرفتها؛ لأن الغرض غالبًا لا يحصل بأول نظرة، وقد جاء في حديث سهل بن سعد ﵁ الآتي في قصة الواهبة (فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر فيها وصوَّبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه). ٥ - لا تجوز الخلوة بها ولا السفر بحجة التعرف عليها، ففي ذلك الفساد العريض. ٦ - لا يجوز له مصافحتها ولا مس أي عضو من بدنها؛ لأنها أجنبية منه. ٧ - هل يشترط علمها برؤية الخاطب لها؟ قولان: أرجحهما أنه لا يشترط، وقد نسبه الحافظ إلى الجمهور، لحديث أبي حميد: "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر لخطبة، وإن كانت لا تعلم"، ولأن جابرًا ﵁ قال: (فتخبأت لها)، ولأنها إذا علمت قد تتزين له بما يغره. والذي يظهر لي -والله أعلم- التفصيل، وهو أنه إن غلب على الظن أن

стр. 2966

الخاطب سيوافق على الزواج، فلا بأس بعلمها، وإن كان يغلب على الظن عدم ذلك؛ لوجود قرائن فالأوْلى ألا تعلم، لئلا تتأثر نفسيًّا. ٨ - أن يستر الخاطب ما رآه من المرأة ولا يذيعه إذا عدل عن الزواج بها، فربما أعجب غيره ما ساءه منها. وأما التعرف عليها بواسطة الصورة فالذي يظهر المنع، لما يلي: ١ - أن هذا مبني على القول بجواز التصوير في مثل هذه الحال. ٢ - أن الصورة لا تغني عن النظر إليها. ٣ - أن فن التصوير قد يبرز محاسنها أو يخفي عيوبها بما يَغُرُّ الخاطب. ٤ - أنه قد يُتلاعب بهذه الصورة، فيطلع عليها من لا يعنيه الأمر. وكذا المحادثة عبر الهاتف فالأحوط تركها، لا سيما إذا كانت بدون علم أهل الزوجة؛ كأبيها وأمها وإخوانها، فإنها تجلب الشهوة، ويترتب عليها أمور قد لا تحمد عقباها، لكن إن حادثها وقت رؤيتها -كما تقدم- فلا بأس لمعرفة عذوبة صوتها وطريقة حديثها، ومعرفة خلو لسانها من العيوب. ° الوجه التاسع: أما نظر المرأة إلى الخاطب فهذا لم يرد فيه دليل إلا عموم: "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، وقد قال به جمع من أهل العلم؛ لأنه إذا ثبت النظر للرجل فهو ثابت للمرأة من باب أولى؛ لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، ولأن العقد بالنسبة لها أصعب من الرجل، فإن الرجل يتخلص منها بالطلاق، وهي لا تستطيع التخلص إلا في حالات خاصة، ونصوص الشريعة غالبًا ما يخاطب بها الرجل مع أنها عامة في حق الجميع، والشارع لم يوجه المرأة إلى النظر للخاطب؛ لأن الرجال ظاهرون بارزون، يمكن المرأة أن ترى خطيبها بسهولة ويسر، وإذا وقع النظر على الصفة التي تقدمت رأت المرأة خطيبها بكل وضوح، كما يراها هو. والله تعالى أعلم.

стр. 2967

النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه ٩٨٠/ ١٢ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهُ ﷺ : "لَا يَخْطُبُ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (لا يخطب على خطبة أخيه حتى يَنْكِحَ أو يَدَعْ) (٥١٤٢)، ومسلم (١٤١٢) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب) هذا لفظ البخاري. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يخطب) بضم الطاء، مضارع خطب، من باب (قتل) خِطْبَةً بكسر الخاء، و (لا) ناهية، والمضارع بعدها مجزوم، أو نافية والمضارع بعدها مرفوع، والنفي أبلغ في المنع من النهي. والنهي للتحريم إلا بدليل يصرفه عنه، ونقل النووي الإجماع على ذلك، لكنه لا يترتب عليه فساد العقد، كما سيأتي إن شاء الله (١). وقال الخطابي، وأبو حفص العكبري من الحنابلة: إنه نهي تأديب وكراهة، وليس بنهي تحريم يبطل العقد (٢).

стр. 2968

والخِطبة: بكسر الخاء هي طلب المرأة للزواج، إما منها أو من وليها، وهي خطيبة ومخطوبة. قوله: (بعضكم) هكذا في بعض نسخ "البلوغ" وفي بعضها (أحدكم) ولفظ البخاري (ولا يخطب الرجل) والمراد بالبعض: بعض المسلمين؛ لأن الخطاب معهم، وهل له مفهوم، فتجوز الخطبة على خطبة غير المسلم، أو أنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، ولا تجوز خطبة المسلم على خطبة غير المسلم؟ فيه خلاف سيأتي إن شاء الله. قوله: (أو يأذن له) أي: يأذن الخاطب الأول للثاني. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الرجل أن يخطب على خطبة أخيه، وذلك بأن يتقدم بطلب زواج امرأة بعد أن تقدم إليها غيره، وتكون المرأة وأهلها في وقت المشاورة ودراسة حال هذا الخاطب؛ ليتم القبول أو الرد. ووجه النهي: أن هذا التصرف من أسباب العداوة والبغضاء، ولأنه ظلم للخاطب الأول، وتعدٍّ عليه، فإنه قد سبق إلى ذلك، كما أنه يؤدي إلى أن المرء يزكي نفسه ويذم غيره، وتزكية النفس مذمومة، وقد ورد في حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" (١). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على استثناء حالتين تجوز فيهما الخطبة على الخطبة: الأولى: أن يترك الخاطب الأول الخطبة ويعدل عنها، فيجوز لغيره أن يخطبها؛ لأنه بتركه للخطبة لم يصبح له حق يرعاه الشارع، ومَنْعُ غيره من الخطبة على خطبته السابقة إضرار بالمخطوبة، وقاعدة الشريعة أنه: لا ضرر ولا ضرار.

стр. 2969

الثانية: إذا أذن الخاطب الأول لغيره في الخطبة؛ لأن هذا يدل على تنازله عن حماية الشارع التي تقررت لصالحه. وذكر الفقهاء حالة ثالثة تجوز فيها الخطبة على الخطبة، وهي ما إذا جهل الخاطب الثاني بالخطبة السابقة، أو علمها وجهل بقبولها؛ لأنه جهل بواقع الحال، والجهل بوقائع الأحوال يصلح عذرًا عامًّا في الشريعة؛ لأن صاحبه حَسَنُ النية (١). ° الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الخطبة إذا وقعت على خطبة وتزوجها بذلك صح العقد ولا يلزم فسخه (٢)، لكن الخاطب الثاني آثم، وإنما كان العقد صحيحًا؛ لأن النهي في الحديث مسلط على الخطبة لا على العقد، فإن العقد استوفى شروطه وأركانه، والمخالفة في الوسيلة، وهي غير لازمة، فقد يجري العقد من غير خطبة، ويمكن أن تكون خطبة على خطبة ولا يكون عقد، ويبقى النهي قائمًا ولو لم يجر عقد. ° الوجه السادس: مفهوم قوله: "لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه" أن للمسلم أن يخطب على خطبة غير المسلم كالكتابي من يهودي أو نصراني؛ لأن المقصود بالأخ: هو الأخ المسلم، وقال آخرون: لا تجوز خطبة المسلم على غير المسلم، والحديث خرج مخرج الغالب؛ لأن خطبة المسلم لغير المسلمة، وخِطْبَةُ المسلم على خِطبة غير المسلم من الأمور النادرة، ثم إن المعنى الذي من أجله ورد النهي موجود وهو إثارة العداوة والبغضاء، بل قد يؤدي ذلك إلى فتنة بين المسلمين وغير المسلمين. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للصالح أن يخطب على خطبة الفاسق، مستدلين بأن عموم النهي في أحاديث الباب لم يفرق بين أن يكون الخاطب الأول فاسقًا أو صالحًا، ولأن الفسق لا يخرج الخاطب عن الإسلام.

стр. 2970

والقول الثاني: أنه يجوز للصالح أن يخطب على خطبة الفاسق، وهذا قول أكثر المالكية، والأوزاعي، وابن حزم (١)، على أساس أن الدين النصيحة، وأن الصالح أولى بالمخطوبة من الفاسق. والقول الأول أرجح، لقوة دليله، وأما القول الثاني فهو اجتهاد مصادم للنص الصحيح فيمنع، إذ لا اجتهاد مع النص، ولأن المخطوبة ووليها هم أصحاب الشأن في قبول الخاطب الفاسق أو رفضه، لكن إن كانت المخطوبة عفيفة والخاطب الثاني عفيفًا وكان الخاطب الأول فاسقًا فقد يكون قول المالكية متجهًا، إذا نُظر إلى أن المسألة من باب الكفاءة، فتكون خطبة الفاسق كلا خطبة، ويمكن أن يبقى الحديث على عمومه، ويكون التحقق من الكفاءة راجعًا إلى المرأة ووليها، فإذا رضيا بخطبة الفاسق لم تجز الخطبة على خطبته (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2971

بِمَ ينعقد النكاح ؟ ٩٨١/ ١٣ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ ﵄، قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمّ طَأْطَأَ رسولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأةُ أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَال: "فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ "، فَقَال: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَال: "اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُر هَلْ تَجِدُ شَيئًا؟ " لا فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال: لَا واللهِ، يا رسولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيئًا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" فَذَهَبَ، ثُمّ رَجَعَ فَقَال: لَا واللهِ يا رسول الله، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولَكِنْ هَذا إِزَارِي -قَال سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءُ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنهُ شَيْءٌ" فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتى إذا طَال مَجْلسُهُ قَامَ. فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَال: "مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ؟ "، قَال: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَة كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَال: "تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ "، قَال: نَعَمْ، قَال: "اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ". وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "أمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". ٩٨٢/ ١٤ - ولأبي دَاوُدَ عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: "مَا تَحْفَظُ؟ "، قَال: سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَال: "قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً".

стр. 2972

* الكلام علي من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث سهل ﵁ فقد أخرجه البخاري في ثلاثة عشر موضعًا من "صحيحه" مختصرًا ومطولًا، أولها في كتاب "الوكالة" (٢٣١٠)، ثم في كتاب "فضائل القرآن"، ثم في كتاب "النكاح" وغيرها، وهذا اللفظ جاء في كتاب "فضائل القرآن"، باب (القراءة عن ظهر قلب) (٥٠٣٠)، وعند مسلم (١٤٢٥) (٧٦) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاريِّ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا. وقول الحافظ إن هذا اللفظ لمسلم فيه نظر، فإن لفظ البخاري مثله. والرواية الثانية لمسلم (١٤٢٥) (٧٧) من طريق حسين بن علي، عن زائدة، عن أبي حازم، به. ولعل الحافظ ذكرها لأنها مفسرة لما أُجمل قبلها من الروايات، فإنها نص على أن الصداق هو تعليمها شيئًا من القرآن، ولأن فيها التزويج الذي هو أصرح ألفاظ العقد. والرواية الثالثة للبخاري (٥١٢١) من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، وفيه: فقال النبي ﷺ : "أملكناكها بما معك من القرآن"، وأما لفظ "البلوغ" (أمكناكها) فهو عند البخاري برواية أبي ذر الهروي (١)، وبقية روايات الصحيح بلفظ (أملكناكها)، وقد أشار إليها الحافظ أثناء الشرح، وقال: (أخلق بها أن تكون تصحيفًا من ملكناكها) (٢). وهذا حديث جليل عظيم، اشتمل على فوائد كثيرة تتعلق بأحكام القرآن، وأحكام النكاح وغيرها، وسأقتصر في هذا الشرح على أهمِّ ما يتعلق بالنكاح. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أبو داود (٢١١٢) من طريق عِسْل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، وزاد: "وهي امرأتك".

стр. 2973

وهذا سند ضعيف، ضعفه الحافظ في "التلخيص"، فيه عِسْل، وهو أبو قرة التميمي، وتحديد سورة البقرة والتي تليها تفرد بها عِسْلٌ هذا، فهي زيادة منكرة؛ لأنها منافية للرواية الصحيحة، كما تقدم، ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث لبيان ضعفه، لكنه سكت عليه هنا. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (جاءت امرأة) لم يأت في شيء من روايات الحديث على تعددها اسم هذه المرأة، وقد جاء في "صحيح البخاري" قول عائشة ﵂: (كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ … ) (١). قال الحافظ: (هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة … ) (٢). قوله: (أهب لك نفسي) على حذف مضاف؛ أي: أمر نفسي، أو شأن نفسي فأتزوج على غير عوض، وإنما قدر المضاف؛ لأن الحر لا تملك رقبته. قوله: (فَصَعَّدَ النظر فيها) بفتح الصاد، وتشديد العين المهملة، رفع بصره؛ أي: نظر إلى أعلاها وتأملها. قولي: (وصَوَّبَهُ) بفتح الصاد، وتشديد الواو؛ أي: خفض نظره إلى أسفلها وتأملها، والتشديد في هذين الفعلين إما للمبالغة في التأمل، وإما للتكرير، وبه جزم القرطبي (٣). قوله: (طأطأ رأسه) أي: خفضه، وصمت ﷺ حياءً من مواجهتها بالرد، أو انتظارًا للوحي، أو تفكرًا في جواب يناسب المقام (٤). قوله: (انظر ولو خاتمًا من حديد) لو: للتقليل، وخاتمًا: خبر لكان المحذوفة مع اسمها، وهذا الحذف كثير، والتقدير: ولو كان الموجود خاتمًا، ومثله قوله ﷺ : "بلِّغوا عني ولو آية" (٥).

стр. 2974

قوله: (إزاري) الإزار: ما يشد على الوسط من السرة فما دونها لستر العورة. قوله: (قال سهل: ما له رداء) الرداء: ما يوضع على الكتف، وهذه الجملة معترضة؛ لأن قوله: (فلها نصفه) من كلام الرجل صاحب القصة، والتقدير: ولكن هذا إزاري فلها نصفه، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أبي غسان محمد بن مطرف: (ولكن هذا إزاري ولها نصفه)، قال سهل: ماله رداء (١). قوله: (إن لبسته لم يكن عليها منه شيء … ) أي: إن نصف الإزار لا فائدة فيه؛ لأنه لا ينتفع إلا بجملته، ولو شقه بينها وبينه لم يسترها نصفه، ولم يستره نصفه. قوله: (عن ظهر قلبك) أي: تحفظهن، يقال: قرأ القرآن عن ظهر قلب؛ أي: من حفظه. قوله: (ملكتكها) اختلفت الروايات في هذه اللفظة الواردة عن النبي ﷺ ، والذي نقله القاضي عياض عن الدارقطني أن الصواب رواية: (زوجتكها)؛ لأن رواتها أكثر وأحفظ. قوله: (بما معك من القرآن) اختلف في هذه الباء، فقيل: إنها للمقابلة في العقود، وهي الداخلة على الأعواض؛ كزوجتك بكذا، وبعت كذا بكذا. وقيل: إنها للسببية؛ أي: بسبب ما معك من القرآن، والأول أقرب؛ لأنه يلزم على الثاني أنه ملكه إياها بحفظه القرآن إكرامًا للقرآن، فتصير بمعنى الموهوبة، ويؤيد الأول رواية مسلم: "فَعَلِّمْهَا من القرآن" كما تقدم. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز عرض المرأة الراغبة في الزواج نفسها على الرجل الصالح الذي ترجى السعادة بزواجه وصحبته، وقد

стр. 2975

بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح) قال ابن المنير: (من لطائف البخاري أنه لما علم الخصوصية في قصة الواهبة استنبط من الحديث ما لا خصوصية فيه، وهو جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبة في صلاحه، فيجوز لها ذلك، وإذا رغب فيها تزوجها بشرطه) (١). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج لمن رغب في الزواج بها، لقوله: (فصعد النظر إليها وصوبه) وتقدم بحث ذلك. ° الوجه الخامس: جواز هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ ونكاحها له من غير صداق، وهذا من خصائص النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [لأحزاب: ٥٠]، أما غير الرسول ﷺ فلا بد من الصداق، إما مسمى وإما مهر المثل. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب الصداق في النكاح وأنه لا بد منه، لقوله ﷺ : "فهل عندك من شيء تصدقها إياه" كما في بعض الروايات، وعلى أن الأَوْلى أن يذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، فإنها لو طلقت قبل الدخول ثبت لها نصف الصداق، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولو عقد لها بغير صداق صح النكاح لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فدلت الآية على جواز العقد على المرأة ولو لم يفرض لها مهرًا، ويجب لها مهر المثل بالدخول. ° الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من قال بجواز كشف المرأة

стр. 2976

وجهها، ووجه الاستدلال: أن هذه المرأة لو لم تكن كاشفة وجهها لما صعد الرسول ﷺ النظر فيها وصوبه، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يدعوه إلى نكاحها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة. والجواب: أن هذا الحديث ليس فيه دليل لمن قال بجواز كشف المرأة وجهها؛ لأمرين: الأول: ليس في الحديث ما يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، وقول الراوي: (فصعد فيها النظر وصوبه) لا يلزم منه كشف الوجه، بل إن أعلاها مستور كما أن أسفلها مستور، وقد صعد النظر إلى أعلاها وصوبه إلى أسفلها. الثاني: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز حيث قال: (ولعل هذا كان قبل الحجاب، ولهذا لم يأمرها بالتستر عن الحاضرين، ويجب حمله على هذا). أو أنه بعد الحجاب لكنها متلفعة، وهذا قاله ابن العربي، واستبعده الحافظ؛ لأن سياق الحديث يرده (١). ° الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن خطبة النكاح ليست بواجبة؛ لأنه لم يرد لها ذكر في شيء من طرق الحديث، كما تقدم. ° الوجه التاسع: استدل الجمهور من أهل العلم بهذا الحديث على أن النكاح لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج فحسب، بل ينعقد بكل لفظ يدل عليه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وقول في مذهب أحمد (٢)، وذلك في قوله: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن"، فإذا انعقد بلفظ التمليك ثبت انعقاده بأيّ لفظ يدل على ذلك. ولأن العبرة في العقود بالمقصود والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، فألفاظ

стр. 2977

البيع والشراء والإجارة والهبة والنكاح ليست ألفاظًا تعبدية لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس على اختلاف لغاتهم. قالوا: إن اختلاف الرواة في نقل اللفظ يفيد شيئين: ١ - إما أن الرسول ﷺ قد قال اللفظين جميعًا: (ملكتكها، أنكحتكها). ٢ - أو أنه قال أحدهما، ولكن الراوي عبر بهذا وهذا. لكن يشكل على ذلك أن النبي ﷺ لم يتكلم بهذه الألفاظ، وإنما تكلم بلفظ واحد، والباقي من تعبير الرواة بالمعنى، والظاهر أن الثابت لفظ (زوجتكها) على وفق قول الخاطب: زوجنيها؛ لأنه قلما يختلف لفظ المتعاقدين. ° الوجه العاشر: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه، وبه قال ابن حزم (١). وذلك من قوله: "زوجناكها بما معك من القرآن" والراجح أن الباء هنا للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، ويدل لذلك رواية مسلم "انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن" كما تقدم. والقول الثاني: أنه لا يجوز جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وهذا قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى شرط أن يكون المهر مالًا، فما لا يكون مالًا لا يكون مهرًا، فلا تصح تسميته (٣)، ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله، فلم يصح أن يكون صداقًا؛ كالصلاة والصيام وغيرهما.

стр. 2978

والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقًا إذا كان المال متيسرًا على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقًا، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الباب، فإن الرسول ﷺ ما جعل تعليم القرآن صداقًا لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال، ولم يجد شيئًا، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز (١). ° الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على جواز الخطبة إذا تيقن أن الخاطب الأول قد أعرض ولم يبق له رغبة في الزواج، وليس في الحديث ما يدل على أن المرأة تقدم عليها خطبة لأحد، لكن الصحابي لو فهم أن للنبي ﷺ رغبة فيها لم يطلبها، فكذلك من فُهم أن له رغبة في الزواج من امرأة لا يصلح لغيره أن يزاحمه حتى يُظهر عدم رغبته بها بالتصريح، أو ما في حكمه. ° الوجه الثاني عشر: في الحديث دليل على جواز تزويج المعسر، وقد بوب البخاري عليه بذلك، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قال للرجل: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئًا، ومع ذلك زوجه، فإذا رضيت المرأة بالمعسر زوجًا لها، فلا مانع، وهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكلح الذي يريد العفاف" (٢). وروى ابن جرير بسنده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (التمسوا الغنى في

стр. 2979

النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) وفي "تفسير البغوي" عن عمر ﵁ بنحوه، قال ابن كثير بعد سياق ما تقدم: (والمعهود من كرم الله ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية له ولها) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 2980

وجوب إعلان النكاح ٩٨٣/ ١٥ - عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أعْلِنُوا النِّكَاحَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الأسدي، أبو الحارث المدني، قال ابن حبان: (كان عالمًا فاضلًا)، وقال الحافظ: (ثقة عابد)، روى عن أبيه، وعن أنس، وعن خاله أبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم، وروى عنه أخوه عمر، وابن أخيه مصعب بن ثابت، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم، أخرج له الجماعة، وله أحاديث يسيرة، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل: أربع وعشرين ومائة (١) رحمه الله تعالى. أما والده عبد الله بن الزبير ﵁، فقد تقدمت ترجمته في آخر كتاب "الحج"، حديث (٧٧٨). ° الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٦/ ٥٣)، والحاكم (٢/ ١٨٣) من طريق ابن وهب، قال: حدثني عبد الله بن الأسود، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ﵁، به مرفوعًا. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، والحديث رجاله ثقات، غير عبد الله بن الأسود، فقد انفرد بالرواية
следующие страницы →