وجهها، ووجه الاستدلال: أن هذه المرأة لو لم تكن كاشفة وجهها لما صعد الرسول ﷺ النظر فيها وصوبه، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يدعوه إلى نكاحها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة.
والجواب: أن هذا الحديث ليس فيه دليل لمن قال بجواز كشف المرأة وجهها؛ لأمرين:
الأول: ليس في الحديث ما يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، وقول الراوي: (فصعد فيها النظر وصوبه) لا يلزم منه كشف الوجه، بل إن أعلاها مستور كما أن أسفلها مستور، وقد صعد النظر إلى أعلاها وصوبه إلى أسفلها.
الثاني: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز حيث قال: (ولعل هذا كان قبل الحجاب، ولهذا لم يأمرها بالتستر عن الحاضرين، ويجب حمله على هذا).
أو أنه بعد الحجاب لكنها متلفعة، وهذا قاله ابن العربي، واستبعده الحافظ؛ لأن سياق الحديث يرده (١).
° الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن خطبة النكاح ليست بواجبة؛ لأنه لم يرد لها ذكر في شيء من طرق الحديث، كما تقدم.
° الوجه التاسع: استدل الجمهور من أهل العلم بهذا الحديث على أن النكاح لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج فحسب، بل ينعقد بكل لفظ يدل عليه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وقول في مذهب أحمد (٢)، وذلك في قوله: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن"، فإذا انعقد بلفظ التمليك ثبت انعقاده بأيّ لفظ يدل على ذلك.
ولأن العبرة في العقود بالمقصود والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، فألفاظ
стр. 2977
البيع والشراء والإجارة والهبة والنكاح ليست ألفاظًا تعبدية لا يجوز تجاوزها إلى غيرها، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس على اختلاف لغاتهم.
قالوا: إن اختلاف الرواة في نقل اللفظ يفيد شيئين:
١ - إما أن الرسول ﷺ قد قال اللفظين جميعًا: (ملكتكها، أنكحتكها).
٢ - أو أنه قال أحدهما، ولكن الراوي عبر بهذا وهذا.
لكن يشكل على ذلك أن النبي ﷺ لم يتكلم بهذه الألفاظ، وإنما تكلم بلفظ واحد، والباقي من تعبير الرواة بالمعنى، والظاهر أن الثابت لفظ (زوجتكها) على وفق قول الخاطب: زوجنيها؛ لأنه قلما يختلف لفظ المتعاقدين.
° الوجه العاشر: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه، وبه قال ابن حزم (١). وذلك من قوله: "زوجناكها بما معك من القرآن" والراجح أن الباء هنا للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، ويدل لذلك رواية مسلم "انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن" كما تقدم.
والقول الثاني: أنه لا يجوز جعل تعليم القرآن مهرًا في النكاح، وهذا قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى شرط أن يكون المهر مالًا، فما لا يكون مالًا لا يكون مهرًا، فلا تصح تسميته (٣)، ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله، فلم يصح أن يكون صداقًا؛ كالصلاة والصيام وغيرهما.
стр. 2978
والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقًا إذا كان المال متيسرًا على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقًا، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الباب، فإن الرسول ﷺ ما جعل تعليم القرآن صداقًا لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال، ولم يجد شيئًا، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز (١).
° الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على جواز الخطبة إذا تيقن أن الخاطب الأول قد أعرض ولم يبق له رغبة في الزواج، وليس في الحديث ما يدل على أن المرأة تقدم عليها خطبة لأحد، لكن الصحابي لو فهم أن للنبي ﷺ رغبة فيها لم يطلبها، فكذلك من فُهم أن له رغبة في الزواج من امرأة لا يصلح لغيره أن يزاحمه حتى يُظهر عدم رغبته بها بالتصريح، أو ما في حكمه.
° الوجه الثاني عشر: في الحديث دليل على جواز تزويج المعسر، وقد بوب البخاري عليه بذلك، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قال للرجل: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئًا، ومع ذلك زوجه، فإذا رضيت المرأة بالمعسر زوجًا لها، فلا مانع، وهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكلح الذي يريد العفاف" (٢).
وروى ابن جرير بسنده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (التمسوا الغنى في
стр. 2979
النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) وفي "تفسير البغوي" عن عمر ﵁ بنحوه، قال ابن كثير بعد سياق ما تقدم: (والمعهود من كرم الله ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية له ولها) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 2980
وجوب إعلان النكاح
٩٨٣/ ١٥ - عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أعْلِنُوا النِّكَاحَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الأسدي، أبو الحارث المدني، قال ابن حبان: (كان عالمًا فاضلًا)، وقال الحافظ: (ثقة عابد)، روى عن أبيه، وعن أنس، وعن خاله أبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم، وروى عنه أخوه عمر، وابن أخيه مصعب بن ثابت، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم، أخرج له الجماعة، وله أحاديث يسيرة، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل: أربع وعشرين ومائة (١) رحمه الله تعالى.
أما والده عبد الله بن الزبير ﵁، فقد تقدمت ترجمته في آخر كتاب "الحج"، حديث (٧٧٨).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٦/ ٥٣)، والحاكم (٢/ ١٨٣) من طريق ابن وهب، قال: حدثني عبد الله بن الأسود، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ﵁، به مرفوعًا.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، والحديث رجاله ثقات، غير عبد الله بن الأسود، فقد انفرد بالرواية
стр. 2981
عنه ابن وهب، كما قال أبو حاتم، وقال: (شيخ)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١).
وقال الألباني: (سنده حسن، رجاله ثقات معروفون، غير ابن الأسود، فقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصححه الحاكم، وكذا ابن دقيق العيد بإيراده إياه في "الإلمام" وقد اشترط في المقدمة أن لا يورد فيه إلا ما كان صحيحًا) (٢).
والحديث له شواهد، منها: حديث محمد بن حاطب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الدُّفُّ والصوت في النكاح" (٣)، والمراد بالصوت: الغناء المباح، كما سيأتي (٤).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب إعلان النكاح وإشهاره، وذلك إظهارًا للسرور، وفرقًا بينه وبين نكاح السر، فيتبين أن فلانًا تزوج فلانة، وأنه صاهر بني فلان، ومن وسائل إظهار النكاح: الإشهاد عليه عند العقد، وتشييع الزوج وقت الدخول بالذهاب معه، كما هي عادة الناس قديمًا وحديثًا، والضرب بالدف، ونحو ذلك.
وقد ورد أن من طرق الإعلان الشرعي أن يضرب عند الزواج بالدُّف، وأن توضع وليمة للعرس، قال البخاري: (باب ضرب الدف في النكاح والوليمة) ثم ساق من طريق خالد بن ذكوان، قال: (قالت الرُّبيِّع بنت معوِّذ بن عفراء: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر،
стр. 2982
إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: "دعي هذه، وقولي: بالذي كنت تقولين") (١).
قال المهلب: (في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف، وبالغناء المباح) (٢).
والدُّف: بضم الدال، آلة مستديرة كالغربال ليس لها جَلاجل (٣)، يشد الجلد من أحد طرفيها، فإن شد من الوجهين فهو طبل.
وضرب الدف في الزواج لا بد له من ضوابط، لئلا يُساء استعماله، فتكون مفسدته أعظم من مصلحته، ومن ذلك ما يلي:
١ - أن الضرب بالدف خاص بالنساء دون الرجال، قال الحافظ ابن حجر: (الأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهن الرجال، لعموم النهي عن التشبه بهن) (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلما كان الغناء والضرب بالدُّفِّ والكَفِّ من عمل النساء، كان السلف يسمون من يفعل ذلك مخنثًا، ويسمون الرجال المغنين مخانيث، وهذا مشهور في كلامهم) (٥). وقال الحافظ ابن رجب: (وإنما يباح الدف إذا لم يكن فيه جلجل ونحوه مما يصوت، عند أكثر العلماء، نص عليه الإمام أحمد وغيره من العلماء، كما كانت دفوف العرب على عهد النبي ﷺ ، وقد رَخَّصَ في هذا الدف طائفة من متأخري أصحابنا مطلقًا في العرس وغيره، للنساء دون الرجال) (٦).
٢ - أن يكون الضرب خفيفًا لا إزعاج فيه، لا على من حضر الزواج
стр. 2983
ولا على الجيران، أما استعمال مكبرات الصوت وإسماع الرجال، وإيذاء الناس، وحرمانهم من نومهم وراحتهم، فلا شك في تحريمه، لعموم الأدلة الدالة على تحريم إيذاء المسلمين.
٣ - ألا يكون مع الضرب بالدف غناء بقصائد تشتمل على المجون والخلاعة، على هيئة ألحان المغنين، فإن اشتمل على قصائد الحِكَمِ والمواعظ والترحيب، فلا بأس.
يقول الحافظ ابن رجب: (وإنما كانت دفوفهم نحو الغرابيل، وغناؤهم بإنشاد أشعار الجاهلية في أيام حروبهم، وما أشبه ذلك، فمن قاس على ذلك سماع أشعار الغزل، مع الدفوف المصلصلة، فقد أخطأ غاية الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل) (١).
وقال الحافظ ابن حجر: (الأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفية، تقليلًا لمخالفة الأصل) (٢).
٤ - ألا يطول الوقت إلى ساعة متأخرة من الليل، لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، من السهر والنوم عن صلاة الفجر، وإمضاء ساعات الليل الفاضلة في اللهو، ونحو ذلك، وعلى هذا فما يحصل في أكثر حفلات الزواج في عصرنا هذا من أمور اللهو والطرب، والتوسع في ذلك باستعمال مكبرات الصوت، وقضاء الليل في أكل وشرب وغناء، لا شك في حرمته، لمخالفته الأحكام الشرعية، وما يترتب عليه من المفاسد، والله المستعان.
стр. 2984
اشتراط الولي في النكاح
٩٨٤/ ١٦ - عَنْ أبي بُرْدَةَ بنِ أَبي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِيني وَالتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ. وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ.
٩٨٥/ ١٧ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَليُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ"، أخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَ، وصَحّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ.
* الكلام عليهما من تخريجهما:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي موسى ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح" بابٌ (في الولي) (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، وأحمد (٣٢/ ٢٨٠) من طريق يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، هكذا موصولًا بذكر أبي موسى.
وقد وهم الحافظ في عزو الحديث للأربعة، فإن النسائي لم يخرجه في "سننه".
وروي مرسلًا من طريق شعبة، قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق، أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي"؟ فقال: (نعم) أخرجه الترمذي (١١٠٢).
ولعل الحافظ قال: (وأُعِلَّ بالإرسال) ولم يقل: وهو مرسل، للخلاف في وصله وإرساله، وتقوية الوصل.
стр. 2985
ويبدو أن الحافظ ذكر التابعي أبا بردة، ولم يقتصر على الصحابي أبي موسى ﵁ كعادته؛ للاختلاف في وصل الحديث وإرساله، وأبو بردة هو عامر بن عبد الله بن قيس، وأبوه عبد الله هو أبو موسى الأشعري ﵁، وقد تقدمت ترجمة أبي بردة في كتاب "الجمعة"، حديث (٤٦٤)، وترجمة أبيه في "مواقيت الصلاة"، حديث (١٥٣).
والراجح رواية الوصل لما يلي:
١ - أن الذين ذكروه موصولًا أكثر عددًا، فقد رواه موصولًا شريك بن عبد الله، وأبو عوانة، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، كل هؤلاء عند الترمذي، وزهير بن معاوية، عند ابن حبان (٩/ ٣٨٨) وغيره، وقيس بن الربيع، عند الحاكم (٢/ ١٧٠) فكل هؤلاء رووه عن إسحاق، وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله، وهما: شعبة وسفيان، فهما وإن كانا من جبال الحفظ والتثبت إلا أنهما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، كما تقدم في رواية الترمذي، ولا يخفى رجحان ما أُخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة، على ما أخذ عنه عرضًا في مجلس واحد.
٢ - أن في الذين ذكروه موصولًا إسرائيل بن يونس، وإسرائيل يكاد يكون أثبت الناس في أبي إسحاق السبيعي، فقد قال عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل: (كان يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ الحمد) (١).
ونقل الحافظ في "تهذيبه"، عن إسرائيل أنه قال: كنت أحفظ أحاديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن.
٣ - أن يونس وابنيه: إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم.
стр. 2986
٤ - أن الذين ذكروا أبا موسى معهم زيادة ثقة، وهي مقبولة عند أكثر أهل العلم، وقد نقل ابن كثير عن البخاري أنه قال: (الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة).
٥ - أن جماعة من الأئمة صححوا هذا الحديث، منهم البخاري كما ذكر البيهقي (١)، والدارقطني (٢)، وعلي ابن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، كما نقل ذلك الحاكم (٣)، والبيهقي (٤)، وابن كثير (٥).
٦ - أن الحديث له شواهد عن جماعة من الصحابة ﵃، ومن شواهده: حديث عائشة ﵄ الذي بعده، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" وسيأتي تخريجه إن شاء الله.
وأما الحديث الثاني في هذا الباب، وهو حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح" بابٌ (في الولي) (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وأبو عوانة (٣/ ١٨)، وابن حبان (٩/ ٣٨٤)، والحاكم (٢/ ١٦٨) كلهم من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.
وقال الترمذي: (وهو عندي حسن)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وهذا فيه نظر، فإن سليمان بن موسى لم يخرج له البخاري، وأخرج له مسلم في المقدمة، وهو مع جلالته في الفقه، فقد قال عنه الذهبي: (وُثِّق، وقال البخاري: عنده مناكير) (٦)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل)، لكنه ثقة في حديثه عن الزهري، كما نقله الحافظ عن ابن معين (٧).
стр. 2987
وقد طعن الحنفية ومنهم الطحاوي (١) في هذا الحديث بأنه من رواية سليمان بن موسى، عن الزهري، ولما سئل الزهري عن هذا الحديث، قال: لا أعرفه، والذي روى هذا القدح هو إسماعيل بن علية القاضي، عن ابن جريج الراوي عن سليمان، فإنه قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه (٢).
وأجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: لا نسلم بأن ابن جريج قال: إن الزهري نسيه، قال الإمام أحمد: (إن ابن جريج له كتب مدونة، ليس هذا في كتبه) (٣)، وكذا ابن معين ضعف مقولة ابن جريج، وابن علية الذي روى ذلك ضعيف في روايته عن ابن جريج.
الثاني: سلمنا أن الزهري نسيه، فلا يلزم أن يكون سليمان بن موسى وهم عليه؛ لأنه ثقة في حديث الزهري، كما تقدم، ولأن النسيان لم يعصم منه إنسان.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (لا نكاح إلا بولي) هذا النفي إما أن يراد به نفي الذات، أو نفي الكمال، أو نفي الصحة، والأول ممتنع؛ لأنه قد يوجد نكاح بلا ولي، والثاني غير مراد هنا، بدليل حديث عائشة ﵂ الذي بعده، فإنه حكم بالبطلان على النكاح بلا ولي، فتعين أن يكون لنفي الصحة؛ أي: لا نكاح صحيح أو معتبر شرعًا إلا بولي.
قوله: (أيما امرأة) هذه صيغة عموم معناها سلب الولاية عن عموم النساء، سواء كانت بكرًا أم ثيبًا.
قوله: (نكحت) بفتح النون؛ أي: تولت عقد زواجها بنفسها.
стр. 2988
قوله: (فنكاحها) المراد به العقد لا الوطء؛ لأن الكلام في صحة النكاح وبطلانه.
قوله: (باطل) عند أبي داود والترمذي وغيرهما تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات للتأكيد، والمعنى: فزواجها غير صحيح.
قوله: (فإن دخل بها) أي: الذي نكحته بغير إذن وليها، والمراد بالدخول: الوطء.
قوله: (فإن اشتجروا) وفي لفظ: (تشاجروا)، والضمير عائد على الأولياء، بدلالة ذكر الولي وسياق الحديث.
والاشتجار: الخصومة، ولها معنيان:
الأول: تنازعوا في شأن تزويجها حتى أدى ذلك إلى المنع من العقد على المرأة، وهذا هو المراد هنا، لقوله: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له".
الثاني: أن الأولياء يختلفون فيما بينهم فيمن يعقد عليها، وهذا غير مراد هنا، فإذا تشاجروا في السبق ومراتبهم سواء فالعقد لمن سبق إليه منهم إذا كان ذلك نظرًا منه للمصلحة.
قوله: (فالسلطان) هو الملك أو الوالي، ويقوم مقامه القضاة؛ لأنهم نوابه في مثل هذه المسائل، وقد جاء في "المسند" بعد سياق هذا الحديث قول عبد الله ابن الإمام أحمد: قال أبي: (السلطان: القاضي؛ لأن إليه أمر الفروج والأحكام) (١).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النكاح لا يصح إلا بولي؛ لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا نفي الكمال، كما تقدم.
والمراد بالولي: القريب الذي يتولى عقد النكاح على المرأة، والأب هو الأَوْلى بتزويج المرأة، ويأتي بعده الجد عند فقده على الراجح، ثم بقية
стр. 2989
العصبة الذكور على خلاف في ترتيبهم يعلم من مراجعة كتب الفقه.
وعلى هذا فالولي شرط لصحة النكاح، وهذا قول الجمهور من السلف والخلف، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد (١).
واستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى نهى عن عضل النساء اللاتي طُلِّقن وأتممن عدتهن عن العودة إلى أزواجهن إذا جاء الزوج خاطبًا، ورضيت المرأة بالعودة إليه، والمخاطب هم الأولياء، ولو كان للمرأة تزويج نفسها بدون وليها لم يكن لنهي الأولياء عن العضل فائدة.
والقول الثاني: عدم اشتراط الولي، بل هو مندوب إليه، وهذا قول أبي حنيفة، وجماعة (٢).
واستدلوا بالنص والقياس، أما النص فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فأضاف النكاح إليهن، وهذه الإضافة تفيد جواز صدوره من المرأة.
وأما القياس فإنهم قاسوا النكاح على البيع، فالمرأة الرشيدة البالغة تتصرف في مالها بالبيع والشراء دون ولاية، فكذا النكاح لها أن تعقد على نفسها بدون ولي.
والصواب قول الجمهور وأنه لا بد في النكاح من ولي يتولى العقد، لقوة أدلتهم، ومما يؤيد ذلك:
١ - صيانة المرأة عما يشعر بوقاحتها وميلها إلى الرجال.
٢ - أن الرجال أقدر من النساء على البحث عن أحوال الخاطب، فإن
стр. 2990
المرأة قاصرة النظر في التحري للزوج الكفء الصالح، وقد لا توفق إلى اختيار الرجل المناسب.
٣ - أن اشتراط الولي فيه مزيد إعلان النكاح.
٤ - أن ارتباط المرأة بالرجل الذي تختاره ليس شأنًا خاصًّا بها دون سواها، فالزواج يربط بين الأسر، والآباء والأخوة يهمهم شأن الأسرة التي يرتبطون بها.
أما الآيات التي استدل بها أصحاب القول الثاني، فلا دليل فيها على عدم اشتراط الولي، وإنما تدل على أن المرأة الحرة البالغة طرف مباشر في عقد النكاح، لا بد من أخذ رأيها وموافقتها، لا أنها تستبد بالعقد وتنفرد به.
وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص، ثم إنه لا مماثلة بين الأصل والفرع، فإن النكاح يختلف عن البيع، فعقد النكاح عقد له خطره وعواقبه، بخلاف البيع في بساطته وخفة أمره.
ومع أن أبا حنيفة لا يرى أن الولي شرط في النكاح كما يراه الجمهور؛ إلا أنه أعطى الولي حق إيقاف العقد وإبطاله إذا لم يكن الزوج كُفْأ (١).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المرأة تستحق المهر بالدخول بها ووطئها، لقوله: "فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها"، وإذا كان جميع المهر يتقرر بالدخول في النكاح الباطل، فهو من باب أولى يتقرر في النكاح الصحيح.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن المرأة التي ليس لها ولى فإن وليها السلطان، ويقوم مقامه القاضي، كما تقدم.
فالقاضي يتولى عقد النكاح في المسائل الآتية:
الأولى: إذا كانت المرأة لا ولي لها من قرابتها مطلقًا.
الثانية: إذا عَضَلَ الأقرب من الأولياء كالأب، بمعنى أنه منع المرأة من
стр. 2991
الزواج، فإن الولاية تنتقل إلى السلطان على قول الشافعي وأحمد في رواية عنه (١)، وذهب أبو حنيفة في المشهور عنه وأحمد في المنصوص عنه إلى أنها تنتقل إلى الأبعد بشرط كونه كفأ (٢).
الثالثة: أن يمتنع جميع الأولياء عن تزويجها ويعضلونها، فتنتقل الولاية إلى السلطان قولًا واحدًا.
ويوجد في المجتمع وعند بعض القبائل صور سيئة من العضل ومنع النساء من الزواج؛ لأغراض فاسدة وتصرفات قبيحة، ومنها: أن يريد الولي بقاء المرأة للخدمة، أو تقوم برعي إبله وغنمه، أو يلزمها بمن لا تريد الزواج منه؛ كابن أخيه أو نحوه من القرابة، أو لأجل أن يستفيد من مرتبها؛ كأن تكون معلمة، أو يتشدد في الصفات المطلوبة في الزوج، وهذا كله من الظلم والإساءة إلى المرأة، والتشبه بأهل الجاهلية، والوقوع فيما نهى الله عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].
الرابعة: إذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة زوجها السلطان، ولا يزوجها الأبعد على قول الشافعي، وقال أحمد وأبو حنيفة: يزوجها الأبعد من الأولياء، لقوله ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له"، وهذه لها ولي، فلا يكون السلطان وليًّا لها.
وقد اختلف الفقهاء في ضابط الغيبة التي تنتقل فيها الولاية إلى الأبعد بناء على ما في زمانهم من صعوبة الاتصالات، فبعضهم حدها بالزمن، وبعضهم حدها بالمسافة، أما اليوم فقد تغير الحال وأصبح الاتصال بمن هو في أقصى الدنيا أمرًا ميسورًا.
والصواب أن ضابط الغيبة ما يفوت فيها مصلحة المخطوبة، فإن لم يكن فيه تفويت مصلحة فلا بأس بالانتظار، وكذا لو كانت الغيبة قصيرة ويمكن الاتصال عليه بالهاتف، فيوكل من يقوم مقدمه في عقد النكاح.
стр. 2992
وإذا كانت المرأة في بلد لا سلطان فيه للمسلمين، وليس لها ولي، كما لو كانت في ديار الكفر كأمريكا أو بريطانيا أو روسيا ونحوها، فإن كان يوجد مؤسسات إسلامية فإنها تقوم بتزويجها، وإن لم يوجد جعلت أمرها إلى رجل عدل من المسلمين، وعقد لها (١). والله تعالى أعلم.
стр. 2993
وجوب استئذان البكر، واستئمار الثيب في النكاح
٩٨٦/ ١٨ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتى تُسْتَأذَنَ"، قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ إِذْنُهَا؟ قَال: "أنْ تَسْكُتَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
٩٨٧/ ١٩ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ : قال: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإذْنُهَا سُكُوتُهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ: "لَيسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (لا يُنْكِحُ الأبُ وغيره البكرَ والثيبَ إلا برضاهما) (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩) من طريق هشام، عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث.
وأما حديث ابن عباس ﵄ فأخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت) (١٤٢١) من طريق عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄.
وأما الرواية المذكورة فقد رواها عبد الرزاق (١٠٩٩) ومن طريقه أبو
стр. 2994
داود (٢١٠٠)، والنسائي (٦/ ٨٤)، والدارقطني (٣/ ٢٣٩) عن معمر، ورواه ابن حبان (٩/ ٣٩٩) والدارقطني (٣/ ٢٣٩) من طريق ابن المبارك، عن معمر، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستشار، وصمتها إقرارها".
والحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، لكن أعله أبو حاتم والدارقطني بأن معمرًا وهم فيه، فرواه عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير، وإنما سمعه ابن كيسان من عبد الله بن الفضل، اتفق على ذلك ابن إسحاق، وسعيد بن سلمة، عن صالح (١)؛ ولهذا قال الدارقطني: (إن الذي قبله أصح في الإسناد والمتن) ((٢).
ولعل الحافظ أورد رواية أبي داود والنسائي لصراحتها في مسألة الثيب، ولذكر اليتيمة فيها.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (لا تُنكح) بضم التاء؛ أي: لا تُزوج، وقد جاء النهي بصورة النفي؛ لأنه أبلغ.
قوله: (الأيِّم) بفتح الهمزة، وتشديد الياء المثناة التحتية، بعدها ميم، هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق وانقضت عدتها، وهذا المعنى هو المراد هنا لمقابلتها بالبكر.
وتطلق الأيم على كل امرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أم ثيبًا، وعلى كل رجل لا زوجة له بكرًا كان أم سبق له زواج، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأَيمَةُ في اللغة: العزوبة، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم وأيِّمة (٣).
стр. 2995
قوله: (تُسْتَأْمَرُ) بضم التاء المثناة الفوقية، مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: حتى يطلب منها أن تأمر وليها بالعقد على من ترغب الزواج به، وأصل الاستئمار: طلب الأمر، وهذا لا بد أن يكون بالقول.
قوله: (البكر) بكسر الباء الموحدة، العذراء التي لم تَزُلْ بكارتها، فلم يسبق لها زواج ولا وطء، والمراد بها: البنت البالغة التي تدرك أمور النكاح، وتعرف صفات الزوج الصالح من غيره؛ لأن الشرع جعل لإذنها اعتبارًا، وليس المراد بالبكر من يشمل الصغيرة، قال ابن دقيق العيد: (إن الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ) (١).
قوله: (تستأذن) بالضم؛ أي: يطلب الإذن منها ليعقد لها وليها النكاح على من ترغب الزواج به، وبين الاستئذان والاستئمار فرق، فإن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمَرة، ولهذا احتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، ولو صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، فهو صريح في القول، ولذا جعل في جانب الثيب، أما الإذن فهو دائر بين القول والسكوت، ولذا جعل في جانب البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفصح عن رغبتها.
قوله: (قالوا: وكيف إذنها) إنما سألوا عن الإذن دون الأمر، لتردد الإذن بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، وجعل السكوت إذنًا في حق البكر؛ لأنها قد تستحي أن تفصح، وهذا في جيل مضى؛ لما عليه النساء من الحياء، أما الآن فتغير الأمر، وأصبح للبنات رأي في زواجهن بكل صراحة وفصاحة.
قوله: (الثيب) هي التي زالت بكارتها بوطء، وهذه اللفظة مفسرة للفظ الأيم.
قوله: (أحق بنفسها من وليها) صيغة التفضيل تدل على المشاركة،
стр. 2996
فالمعنى: أن لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولوليها حقًّا، وحقها أوكد من حقه، فلو أراد تزويجها كُفْأ وامتنعت لم تجبر، ولو أرادت الزواج من كفؤ فامتنع الولي أُجبر، فإن أصر زوجها القاضي.
قوله: (تُستأمر) أي: تستأذن، بدليل قوله: "وإذنها سكوتها"، وإبقاء اللفظ على ظاهره مشكل؛ لأن الاستئمار الذي هو استدعاء أمرها بالقول الصريح خاص بالثيب -كما تقدم- ولذا قال القرطبي: (إن حديث أبي هريرة أتقن مساقًا من حديث ابن عباس) (١).
قوله: (ليس للولي مع الثيب أمر) أي: إذا رفضت الزواج ولم ترض بمن يريده الولي، لما تقدم من اعتبار رضاها.
قوله: (اليتيمة) هي الصغيرة التي لا أب لها، والمراد هنا: البكر البالغة؛ لأنها قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها، سماها يتيمة باعتبار ما كان؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ﴾ [النساء: ٢] وفائدة التسمية: مراعاة حقها، والشفقة عليها في تحري الكفاءة، والصلاح، ولأن اليتيم مظنة الشفقة والرحمة.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا بد من رضا المرأة بمن يريد وليها أن يزوجها به.
أما الثيب فلا بد من صريح موافقتها على الزواج بأن تتكلم؛ لأن نطقها وتصريحها ممكن؛ لأنها تزوجت وعرفت صفة الزواج. وأما البكر فإنها تُستأذن ويكفي في إذنها أن تسكت، فإذا سكتت فهو علامة الرضا، والاكتفاء بالسكوت فيه مراعاة لتمام صيانتها، ولإبقاء حالة الاستحياء والانقباض عليها، فروعي في هذا المحل ما يليق بها (٢). إلا إذا اقترن السكوت بما يدل على عدم الموافقة، فإنه لا يعتبر إذنًا، ويعمل بالقرائن في مثل ذلك.
стр. 2997
ويعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به، فيذكر لها نسبه، وعمله، ونحو ذلك مما فيه مصلحة، لتكون على بصيرة من أمرها.
° الوجه الرابع - اتفق العلماء - إلا من شذ منهم - على منع الولي من إكراه المرأة الثيب البالغة العاقلة على الزواج.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الثيب البالغة لا تُنكح إلا بإذنها باتفاق الأئمة) ويقول: (البالغ الثيب لا يجوز تزويجها بغير إذنها، لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين) (١).
واستدلوا بقوله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها"، وبقوله: "ليس للولي مع الثيب أمر"، وعن الخنساء بنت خِذَام الأنصارية، أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فردَّ نكاحها (٢).
كما استدلوا من المعقول بأن الثيب البالغة رشيدة عالمة بالمقصود من النكاح مختبرة له، فلم يجز إجبارها عليه كالرجل (٣). وعلى هذا فإذا زوجها وليها بدون رضاها بطل العقد، لما تقدم، فإن أجازت العقد فيما بعد، فهل يلزم تجديده بعد رضاها؟ على قولين.
° الوجه الخامس: اختلف العلماء في إجبار البكر البالغة العاقلة على الزواج على قولين:
الأول: أنه يجوز لوليها أن يزوجها بغير إذنها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٤)، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قسم النساء قسمين، ولما أثبت لأحدهما الحق، دل على نفيه عن الآخر، وهو البكر، فيكون وليها أحق منها، وإلا فلا فائدة من التفرقة، ولا يقال: الفائدة من التفرقة في صفة الإذن؛ لأننا نقول: ظاهر الحديث أن الذي فُرِّقَ فيه حق
стр. 2998
الولي، وعلى هذا فالإذن في حقها على سبيل الاستحباب (١).
القول الثاني: أنها لا تزوج إلا برضاها، وليس لوليها إجبارها، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ورواية عن أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وصاحب "الفائق"، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن سعدي، وابن باز (٢).
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن تزويج البكر بدون إذنها، ولو لم يكن إذنها معتبرًا لما جعله غاية لإنكاحها.
كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الآتي: أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ .
كما استدلوا من المعقول بأن تزويج الفتاة مع كراهيتها مخالف للأصول والعقول، فإذا كان وليها لا يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام ولا شراب ولا لباس لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها منه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟! (٣).
وقد تتابع العلماء على النص على بطلان العقود التي تتم بالإكراه؛ كالبيع والشراء والإجارة، والقول بجواز إنكاح المرأة بغير رضاها مخالف للقاعدة العامة التي قررتها الشريعة، وأخذ بها أهل العلم (٤).
وهذا القول هو الراجح، لقوة دليله، ولأن التفريق بين الثيب فلا تجبر،
стр. 2999
والبكر فتجبر تفريق بين متماثلين، وهذا أمر يأباه القياس، وأما حديث ابن عباس ﵁ فالاستدلال به عن طريق المفهوم، وحديث أبي هريرة منطوق، فيقدم عليه، ولا فرق في ذلك بين الأب وغيره، فلا يجبرها أبوها على الزواج من شخص لا تريده، وحديث الباب عام؛ لقوله: "لا تنكح البكر حتى تستأذن"، وفي رواية لمسلم من حديث ابن عباس ﵄: "والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها" (١)، وهذا - على تقدير صحته (٢) - نص صريح في هذا الحكم.
لكن لو رغبت المرأة في غير الكفء، فإن لوليها الحق في منع زواجها منه، وهذه ثمرة الولاية في النكاح، وعلى الأسرة في موضوع زواج ابنتهم أن يتشاوروا فيما بينهم، وفي هذا خير كثير.
° الوجه السادس: الحديث دليل على اشتراط الولي في النكاح، كما هو قول الجمهور، لمجيء صيغة التفضيل الدالة على المشاركة والمفاضلة، والولي قد شارك المرأة في حقيَّةٍ ما، فدل على أن له مدخلًا، والله تعالى أعلم.
стр. 3000
ما جاء في أن المرأة ليس لها ولاية في النكاح
٩٨٨/ ٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأةُ المرأةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَها"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَات.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطني (٣/ ٢٢٧)، والبيهقي (٧/ ١١٠) من طريق جميل بن الحسن العتكي، حدثنا محمد بن مروان العقيلي، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وهذا الحديث لا بأس برجاله، غير جميل بن الحسن الأزدي العتكي، قال عنه ابن أبي حاتم: (أدركناه ولم نكتب عنه) (١)، واتهمه عبدان الأهوازي، وبه أعله الذهبي (٢)، ومحمد بن مروان قال عنه الحافظ في "التقريب" (صدوق له أوهام).
ورواه الدارقطني (٣/ ٢٢٨) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، به.
قال الألباني: (هذا سند رجاله ثقات، غير الجرمي هذا، وهو شيخ) (٣).
стр. 3001
وتمام الحديث: "فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"، وقد أعلت هذه الجملة بأنها من كلام أبي هريرة ﵁، فقد رواه الدارقطني (٣/ ٢٢٨)، والبيهقي (٧/ ١١٠) من طريق عبد السلام بن حرب، عن هشام، إلا أنه قال: (قال أبو هريرة: كنا نعد التي تنكح نفسها هي الزانية) فجعل آخره موقوفًا، قال البيهقي: (وعبد السلام قد ميَّز المسند من الموقوف، فيشبه أن يكون قد حفظه، والله أعلم).
ورواه البيهقي (٧/ ١١٠) من طريق الأوزاعي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)، فجعل الحديث كله موقوفًا، وكذا قال ابن عيينة، عن هشام بن حسان، فجعله موقوفًا أيضًا، ورواه موقوفًا عبد الرزاق، عن هشام (٦/ ٢٠٠)، والدارقطني (٣/ ٢٢٧) من طريق حفص بن غياث، والنضر بن شميل، ثلاثتهم عن هشام، عن محمد بن سيرين، ولعل الراجح هو الوقف (١).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في النكاح، فلا تزوج نفسها ولا تزوج غيرها من النساء، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيره، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، فإن فعلت شيئًا من ذلك لم يصح النكاح، وذلك لأن ولاية النكاح يعتبر فيها الكمال، والرجال أقدر على البحث عن أحوال الخاطب من النساء، والمرأة ناقصة قاصرة، تثبت الولاية عليها، لقصورها عن النظر لنفسها فغيرها أولى.
ومنع المرأة من الولاية فيه حفظ لها وصيانة لكرامتها، لا سيما وقد طبعت على الحياء الذي يمنعها من مثل ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3002
النهي عن نكاح الشغار
٩٨٩/ ٣١ - عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ، والشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيسَ بَينَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أن تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كلَامِ نَافِعٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (الشغار) (٥١١٢)، ومسلم (١٤١٥) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه البخاري (٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥)(٥٨) من طريق عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن عبد الله ﵁؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار، قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: يَنكِحُ ابنةَ الرجل، ويُنكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل، وينكحه أخته بغير صداق. وهذا لفظ البخاري، وفيه التصريح بأن تفسير الشغار من كلام نافع.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الشغار) بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الغين المعجمة أيضًا، مصدر شاغر يشاغر شغارًا، وهو مفاعلة ولا يكون إلا بين اثنين غالبًا، وهو لغة: الخلو، يقال: بلد شاغر، إذا خلا من السلطان، وأمر شاغر: إذا خلا من مدبره؛ كان النكاح سمي بذلك لشغوره عن الصداق؛ أي: خلوه، ويقال معناه: الرفع، يقال: شغر الكلب؛ أي: رفع رجله ليبول. قال ثعلب: وكأن
стр. 3003
كل واحد منهما يقول: لا ترفع رجل ابنتي ما لم أرفع رجل ابنتك، قال ابن الملقن: وهذا أقربها (١).
وقال الخطابي: (سمي بذلك لأنهما رفعا المهر بينهما، وإذا رفع المهر ارتفع العقد، فارتفع النكاح والمهر معًا) (٢).
وأما شرعًا: فهو أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما، أو بينهما مهر لأجل الحيلة، أو يقال: اختصارًا: إنكاح البضع بالبضع.
قوله: (ابنته) ذكر البنت لا مفهوم له، بل هو مثال، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، زاد ابن نمير: والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك، وأزوجك أختي (٣)، قال النووي: (أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام؛ كالبنات في هذا) (٤).
وقد اختلف العلماء في تفسير الشغار، قال الشافعي: (لا أدري تفسير الشغار في الحديث عن النبي ﷺ أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك) (٥). وقال الخطيب: (تفسير الشغار ليس من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما هو من قول مالك، وُصِلَ بالمتن المرفوع … ) (٦). ورواية الصحيحين المذكورة تدل على أنه من تفسير نافع، ولعل مالكًا تلقاه من نافع، كما قال الحافظ (٧).
قوله: (وليس بينهما صداق) فيه إشعار بعلة النهي عن نكاح الشغار، وهي خلوه من الصداق، وإن كان يحتمل أن يكون ذكر ذلك لملازمته لجهة الفساد (٨).
стр. 3004
° الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن نكاح الشغار، وهذا النهي يقتضي التحريم بإجماع أهل العلم، وأما بطلان العقد؛ ففيه قولان:
الأول: أن النكاح غير صحيح؛ لأن النهي يقتضي الفساد، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، كما حكاه الترمذي (١)، وحكاه ابن رشد عن مالك (٢).
القول الثاني: أن النكاح صحيح، ويفرض للمرأة مهر المثل، وهذا قول أبي حنيفة، وطائفة منهم: الليث، وأبو ثور، والطبري، ورواية عن أحمد مخرجة (٣)؛ لعموم أدلة شرعية النكاح؛ كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ولأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوجها على خمر أو نحوه مما لا يصح جعله صداقًا.
ويجيبون عن الأحاديث بأن النهي للكراهة، وتارة يقولون: بأن النهي يراد به ألا يُستحل الفرج بدون مهر، وهذا جواب ضعيف، فليس هذا من مواضع الكراهة، وقد حكم ببطلانه عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄، كما قال أحمد (٤)، وكذا معاوية ﵁، كما سيأتي، وعلى هذا فالصواب القول الأول.
° الوجه الرابع: اختلف العلماء في علة النهي عن نكاح الشغار على قولين:
الأول: أن العلة هي خلو بضع كل من المرأتين من الصداق، وهؤلاء أخذوا بتفسير الشغار المنصوص عليه في حديث ابن عمر ﵄.
الثاني: أن العلة ليست الخلو من الصداق، وإنما هي اشتراط كل منهما على الآخر أن يزوجه موليته، وهذا قول الإمام أحمد في رواية عنه، اختارها
стр. 3005
الخرقي (١)، وأيدها الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: (إن تفسير الشغار المذكور في حديث ابن عمر ليس من كلام النبي ﷺ ، فلا تقوم به حجة) (٢)، واستدلوا بما يلي:
١ - ما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁، وفيه تفسير الشغار؛ قالوا: وظاهره أنه من كلام النبي ﷺ لكونه جاء موصولًا بالحديث، بخلاف التفسير الآخر فهو من كلام نافع بدليل ما تقدم، وليس في حديث أبي هريرة ﵁ جملة: (وليس بينهما صداق) بل هو مطلق، لكن قد يشكل على هذا أنه قد اختلف على عبيد الله بن عمر في هذا التفسير فذكرها ابن نمير في روايته عنه -كما تقدم- ولم يذكرها أبو أسامة حماد بن أسامة، وعبدة بن سليمان، وروايتهما عند مسلم، كما لم يذكرها يحيى بن سعيد عن عبيد الله، وروايته عند ابن ماجه (٣)، وجاء في رواية النسائي من طريق إسحاق الأزرق عنه، بلفظ: (قال عبيد الله: والشغار كان الرجل يزوج ابنته على أن يزوجه أخته) (٤).
٢ - أن قول الرجل للرجل زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، شرط ليس في كتاب الله تعالى، (ومن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل).
٣ - أن هذا الشرط يتضمن ظلم المرأة وإيذاءها، وكأنها سلعة تباع وتشترى، فيمسكها وليها في بيته حتى يجد رغبته.
٤ - أن هذا النوع من النكاح سبب للنزاع المتواصل، والخصومات الكثيرة، حتى إنه إذا ساءت الحال بين هذا وزوجته، ساءت حال الآخر وزوجته.
٥ - فهم الصحابة ﵃ لذلك وعملهم به، فقد روى أبو داود، وأحمد عن معاوية، أن العباس بن عبد الله بن عباس، أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية بن أبي سفيان -وهو خليفة- إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: (هذا
стр. 3006
الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ) (١).
فهما قد سميا مهرًا، ومع هذا سماه معاوية شغارًا، وفهم من النهي بطلان العقد، فهو موافق لما في حديث أبي هريرة ﵁، وموافق للمعنى والمقصود من النهي.
وقد كان نكاح الشغار من أنكحة الجاهلية، وبقي موجودًا بعد الإسلام، ولذا جاء النهي عنه، وهو موجود في زماننا هذا، ويسمى نكاح البدل، ومن أهم أسبابه: أن بعض الناس قد يكون عنده مولية من بنت أو أخت ونحوهما، وله رغبة في الزواج، لكنه لا يجد من يقبله، فيجعل هذه المولية وسيلة لتحصيل غرضه، أو غرض ولده، فنهى الإسلام عن ذلك لما فيه من ظلم المرأة، واعتبارها وسيلة لتحقيق المقاصد، مع ما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة، كما تقدم.
فإذا وقع مثل ذلك، فقيل: العمل على حديث معاوية ﵁، فيلزم تجديد العقد، وقيل: الفسخ قبل الدخول لا بعده، وقيل: يحكم لكل من المرأتين بمهر المثل، والأَوْلى في ذلك رفع المسألة إلى القاضي وعليه أن يجتهد فيها. والله تعالى أعلم.
стр. 3007
تخيير البكر إذا زُوجت وهي كارهة
٩٩٠/ ٣٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن جَارِيةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ: أن أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٥)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها) (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥) من طريق حسين بن محمد المروذي، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، هكذا موصولًا.
وروي مرسلًا، أخرجه أبو داود (٢٠٩٧)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢١٧) عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ، بهذا الحديث، ولم يذكر ابن عباس.
وقد رجح إرساله أبو داود في "سننه"، وأبو حاتم، كما في "العلل" لابنه (١)، وقال عن وصله: (إنه خطأ، إنما هو كما رواه الثقات عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي ﷺ … مرسلًا)، وممن رجح إرساله -أيضًا- الدارقطني (٢)، والبيهقي (٣)، وقال عن وصله: (إنه خطأ).
وقد صحح وصله ابن القطان، فقال: (هو صحيح، ولا يضر أن يرسله
стр. 3008
بعض الرواة إذا أسنده من هو ثقة) (١).
وقال ابن القيم: (وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول هذا حديث صحيح … ) (٢). وقال الحافظ ابن حجر: (الطعن في الحديث لا معنى له، فإن طرقه يَقْوَى بعضها ببعض) (٣).
لكن يُشكل على كلام ابن القيم أن البيهقي حكم على وصله بأنه خطأ، وقد مرَّ في هذا الشرح أن حكم الأئمة الكبار مقدم على حكم غيرهم، فيكون المعتمد - هنا - قول من رجحوا الإرسال، ولوقيل: إنه مرسل جيد، لكان أصح.
° الوجه الثاني: دل الحديث على ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة من أن البكر البالغة لا يجوز إجبارها على النكاح، لا من أبيها ولا من غيره من الأولياء، بل لا بد من استئذانها، وأخذ رأيها وموافقتها، فإن وافقت فذاك، وإلا لم تكره، وقد تقدم قوله ﷺ : "لا تنكح البكر حتى تُستأذن"، وقوله: "البكر يستأذنها أبوها". قال الطيبي: (قيدها بالبكارة في قوله: "جارية بكرًا" دون الصغر لاعتبار كراهيتها، ولو كانت صغيرة لما اعتبر كراهيتها، فإن قوله: "وهي كارهة" حال لبيان هيئة المفعول عند التزويج) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3009
حكم المرأة إذا زوجها وليَّان
٩٩١/ ٢٣ - عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "أيُّمَا امْرَأةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأوَّلِ مِنْهُما"، رَوَاهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، كان سيد أهل زمانه علمًا، وعملًا، رأى جماعة من الصحابة، وسمع منهم، وأرسل عن كثيرين، منهم من لم يدركه، ومنهم من رآه رؤية ولم يسمع منه، قال الذهبي: (وهو مدلس، ولا يحتج بقوله: (عن) فيمن لم يدركه، وقد يدلس عمن لقيه، ويسقط من بينه وبينه، والله أعلم، ولكنه حافظ، علامة من بحور العلم، فقيه النفس، كبير الشأن، عديم النظير، مليح التذكير، بليغ الموعظة، رأس في أنواع الخير … ). مات سنة عشر ومائة ﵀ (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٣٣/ ٢٧٦)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (إذا أنكح الوليان) (٢٠٨٨)، والترمذي (١١١٠)، والنسائي (٧/ ٣١٤) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: وذكر الحديث، وتمامه: "وأيُّ رجل باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما".
قال الترمذي (حديث حسن)، وهذا الحديث من رواية الحسن البصري،
стр. 3010
عن سمرة، وهو مدلس، ولم يصرح بسماعه من سمرة، قال الحافظ: (صحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، فإن رجاله ثقات) (١).
قال الألباني: (بل صحته متوقفة على تصريح الحسن بالتحديث، فمانه كان يدلس، كما ذكره الحافظ نفسه في ترجمته من "التقريب"، فلا يكفي والحالة هذه ثبوت سماعه من سمرة في الجملة، بل لا بد من ثبوت خصوص سماعه في هذا الحديث، كما هو ظاهر) (٢).
وقد تقدم الخلاف في سماعه منه في باب "الغسل".
فقد قيل: إنه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنما هو كتاب، وقيل: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأما غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب.
وعزو الحافظِ الحديثَ لابن ماجه فيه نظر، فإن ابن ماجه لم يرو الحديث بتمامه، وإنما روى الزيادة الخاصة بالبيع دون الجملة الأولى التي هي موضع الشاهد لكتاب النكاح.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة إذا زوجها وليان، بأن زوجها أحد أوليائها لرجل، وزوجها ولي آخر من أوليائها لرجل آخر، فإنها تكون زوجة للرجل الأول، لاستيفائه الشروط، ويكون نكاح الثاني باطلًا؛ لأنها بالزواج الأول صارت في عصمة زوج، فلم يصح أن يُعقد عليها نكاح آخر، ولا خلاف في ذلك، سواء أدخل بها الثاني أم لا؟ فإن دخل بها الثاني عالمًا فهو زنىً بالإجماع، وكذا إن دخل بها جاهلًا، لكنه لا حدَّ عليه، للجهل (٣).
والحديث محمول على أن الوليين في درجة واحدة؛ كأخوين مثلًا، وعقدا في وقتين مختلفين، أما إذا عقدا في وقت واحد، أو جهل الأول منها، بطلا معًا، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (ومهما قيل في سماع الحسن من سمرة، فالحديث جيد من حيث المعنى، ومطابق للأصول والقواعد الشرعية).
وهكذا يقال في بقية العقود؛ كالبيع والإجارة ونحوهما. والله تعالى أعلم.
стр. 3011
حكم نكاح العبد بغير إذن مواليه
٩٩٢/ ٣٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبّانَ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ١٢٢)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في نكاح العبد بغير إذن مواليه) (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١)(١١١٢) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ﵁ مرفوعًا.
وقد حسنه الترمذي في الموضع الأول، وهو الذي ذكر الحافظ في "التلخيص"، وصححه في الموضع الثاني، كما ذكر الحافظ هنا، والصواب الأول، فإنه في سنده عبد الله بن عقيل، وفيه خلاف معروف، وقد تقدم أن الراجح فيه أنه في نفسه صدوق، فحديثه في مرتبة الحسن إذا لم يخالف، وكان أحمد وابن راهويه يحتجان به، كما ذكر الدارقطني والذهبي وغيرهما.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن مواليه -جمع مولى، وهو مالكه-، فإن فعل فالنكاح باطل، وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، والعاهر: الزاني، والزنا باطل، وإنما بطل نكاح العبد بغير إذن مواليه؛ لأن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده، مع ما في ذلك من الالتزام بالأمور المالية كالإنفاق على الزوجة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3012
النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
٩٩٣/ ٢٥ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَا يُجْمَعُ بَينَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ الْمَرْأَةِ وَخَالتِهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (لا تنكح المرأة على عمتها) (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وقد ذكر الحافظ أن هذا الحديث رواه من الصحابة ثلاثة عشر نفسًا، ثم ذكرهم (١).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها، وهذا النهي يقتضي التحريم وبطلان العقد بإجماع أهل العلم، قال ابن المنذر: (أجمعوا على ألا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) (٢). وذلك لأن الجمع بين الزوجات يورث بينهن العداوة والبغضاء غالبًا؛ لما جبلت عليه المرأة من الغيرة، ولا سيما مع ضرتها، فنهى الشرع أن يكون التعدد بين القريبات؛ خشية أن تكون القطيعة بين الأقارب، وقد جاء في رواية عند ابن حبان والطبراني التصريح بهذا التعليل، ففي حديث ابن عباس ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تزوج المرأة على العمة والخالة، قال: "إنكم إذا فعلتم ذلك
стр. 3013
قطعتم أرحامكم" (١).
ولا فرق في ذلك بين العمة والخالة حقيقة أو مجازًا؛ كعمات آبائها أو خالاتهم، وعمات أمهاتها أو خالاتهن، وإن علت درجتهن، من نسب كان ذلك أو من رضاع، فكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكرًا وآخر أنثى لأجل القرابة، لا يجوز الجمع بينهما، لما تقدم (٢).
° الوجه الثالث: هذا الحديث مخصص لعموم قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما سوى المذكور من المحرمات، فإن ظاهر الآية يقتضي إباحة هذا الجمع، لكن حديث الباب خصص عموم الآية. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3014
نهي المحرم أن يتزوج أو يزوج غيره
٩٩٤/ ٢٦ - عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَلَا يَخْطُبُ"، وَزَادَ ابْنُ حِبّانَ: "وَلَا يُخْطَبُ عَلَيهِ".
٩٩٥/ ٢٧ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، قَال: تَزَوّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
٩٩٦/ ٢٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيمُونَةَ نَفْسِهَا، أن النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ.
* الكلام عليها من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث عثمان ﵁ فقد تقدم تخريجه في كتاب "الحج"، رقم (٧٣٣).
وأما رواية ابن حبان المذكورة (٩/ ٤١٢٤) فهي من طريق فليح بن سليمان، عن عبد الجبار بن نُبيه بن وهب، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطُب، ولا يُخطب عليه".
والحديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير عبد الجبار بن نُبيه، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وفي فليح بن سليمان كلام من جهة
стр. 3015
حفظه، قال الحافظ: (صدوق كثير الخطأ) (١)، ولعل الحافظ ذكر زيادة ابن حبان لما فيها من الفائدة، كما سيأتي، بغض النظر عما في سندها.
وأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (نكاح المحرم) (٥١١٤)، ومسلم (١٤١٠) من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، أن ابن عباس ﵁ أخبره … وذكر الحديث.
وأخرجه البخاري في آخر كتاب "الحج" (١٨٣٧) من طريق الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄.
وهذا الحديث وإن كان إسناده صحيحًا، لكن متنه غير محفوظ، كما سيأتي إن شاء الله.
وأما حديث ميمونة ﵂ فقد أخرجه مسلم في "النكاح" (١٤١١) من طريق يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
وقد ذكر الحافظ هذين الحديثين معًا لما بينهما من التعارض في الظاهر، فإن حديث ابن عباس ﵄ في زواج النبي ﷺ بميمونة بنت الحارث مشكل على حديث عثمان ﵁، ومعارض في الظاهر لحديث ميمونة ﵂.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المحرم منهي أن (يَنكح) بفتح الياء؛ أي: يتزوج، أو (يُنكح) بضم الياء؛ أي: يعقد النكاح لغيره، أو (يخطُب) بضم الطاء، من الخِطبة -بكسر الخاء- أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها، أو (يُخطب عليه) بضم الياء؛ أي: يتقدم أحد للخِطبة منه، وقد جاء الحديث بلفظ النفي، وهو بمعنى النهي، فيقتضي فساد العقد.
والحكمة من هذا النهي إبعاد المُحْرِمِ عن الترفُّهِ وشهوات الدنيا، ولأن الخطبة وسيلة إلى عقد النكاح، والنكاح وسيلة إلى الجماع المُحَرَّمِ حال