حكم نكاح العبد بغير إذن مواليه
٩٩٢/ ٣٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبّانَ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٢/ ١٢٢)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في نكاح العبد بغير إذن مواليه) (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١)(١١١٢) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ﵁ مرفوعًا.
وقد حسنه الترمذي في الموضع الأول، وهو الذي ذكر الحافظ في "التلخيص"، وصححه في الموضع الثاني، كما ذكر الحافظ هنا، والصواب الأول، فإنه في سنده عبد الله بن عقيل، وفيه خلاف معروف، وقد تقدم أن الراجح فيه أنه في نفسه صدوق، فحديثه في مرتبة الحسن إذا لم يخالف، وكان أحمد وابن راهويه يحتجان به، كما ذكر الدارقطني والذهبي وغيرهما.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن مواليه -جمع مولى، وهو مالكه-، فإن فعل فالنكاح باطل، وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، والعاهر: الزاني، والزنا باطل، وإنما بطل نكاح العبد بغير إذن مواليه؛ لأن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده، مع ما في ذلك من الالتزام بالأمور المالية كالإنفاق على الزوجة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3012
النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
٩٩٣/ ٢٥ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَا يُجْمَعُ بَينَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ الْمَرْأَةِ وَخَالتِهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (لا تنكح المرأة على عمتها) (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وقد ذكر الحافظ أن هذا الحديث رواه من الصحابة ثلاثة عشر نفسًا، ثم ذكرهم (١).
° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها، وهذا النهي يقتضي التحريم وبطلان العقد بإجماع أهل العلم، قال ابن المنذر: (أجمعوا على ألا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) (٢). وذلك لأن الجمع بين الزوجات يورث بينهن العداوة والبغضاء غالبًا؛ لما جبلت عليه المرأة من الغيرة، ولا سيما مع ضرتها، فنهى الشرع أن يكون التعدد بين القريبات؛ خشية أن تكون القطيعة بين الأقارب، وقد جاء في رواية عند ابن حبان والطبراني التصريح بهذا التعليل، ففي حديث ابن عباس ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تزوج المرأة على العمة والخالة، قال: "إنكم إذا فعلتم ذلك
стр. 3013
قطعتم أرحامكم" (١).
ولا فرق في ذلك بين العمة والخالة حقيقة أو مجازًا؛ كعمات آبائها أو خالاتهم، وعمات أمهاتها أو خالاتهن، وإن علت درجتهن، من نسب كان ذلك أو من رضاع، فكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكرًا وآخر أنثى لأجل القرابة، لا يجوز الجمع بينهما، لما تقدم (٢).
° الوجه الثالث: هذا الحديث مخصص لعموم قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما سوى المذكور من المحرمات، فإن ظاهر الآية يقتضي إباحة هذا الجمع، لكن حديث الباب خصص عموم الآية. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3014
نهي المحرم أن يتزوج أو يزوج غيره
٩٩٤/ ٢٦ - عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَلَا يَخْطُبُ"، وَزَادَ ابْنُ حِبّانَ: "وَلَا يُخْطَبُ عَلَيهِ".
٩٩٥/ ٢٧ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، قَال: تَزَوّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
٩٩٦/ ٢٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيمُونَةَ نَفْسِهَا، أن النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ.
* الكلام عليها من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث عثمان ﵁ فقد تقدم تخريجه في كتاب "الحج"، رقم (٧٣٣).
وأما رواية ابن حبان المذكورة (٩/ ٤١٢٤) فهي من طريق فليح بن سليمان، عن عبد الجبار بن نُبيه بن وهب، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطُب، ولا يُخطب عليه".
والحديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الصحيح، غير عبد الجبار بن نُبيه، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وفي فليح بن سليمان كلام من جهة
стр. 3015
حفظه، قال الحافظ: (صدوق كثير الخطأ) (١)، ولعل الحافظ ذكر زيادة ابن حبان لما فيها من الفائدة، كما سيأتي، بغض النظر عما في سندها.
وأما حديث ابن عباس ﵄: فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (نكاح المحرم) (٥١١٤)، ومسلم (١٤١٠) من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، أن ابن عباس ﵁ أخبره … وذكر الحديث.
وأخرجه البخاري في آخر كتاب "الحج" (١٨٣٧) من طريق الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄.
وهذا الحديث وإن كان إسناده صحيحًا، لكن متنه غير محفوظ، كما سيأتي إن شاء الله.
وأما حديث ميمونة ﵂ فقد أخرجه مسلم في "النكاح" (١٤١١) من طريق يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
وقد ذكر الحافظ هذين الحديثين معًا لما بينهما من التعارض في الظاهر، فإن حديث ابن عباس ﵄ في زواج النبي ﷺ بميمونة بنت الحارث مشكل على حديث عثمان ﵁، ومعارض في الظاهر لحديث ميمونة ﵂.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المحرم منهي أن (يَنكح) بفتح الياء؛ أي: يتزوج، أو (يُنكح) بضم الياء؛ أي: يعقد النكاح لغيره، أو (يخطُب) بضم الطاء، من الخِطبة -بكسر الخاء- أي: يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها، أو (يُخطب عليه) بضم الياء؛ أي: يتقدم أحد للخِطبة منه، وقد جاء الحديث بلفظ النفي، وهو بمعنى النهي، فيقتضي فساد العقد.
والحكمة من هذا النهي إبعاد المُحْرِمِ عن الترفُّهِ وشهوات الدنيا، ولأن الخطبة وسيلة إلى عقد النكاح، والنكاح وسيلة إلى الجماع المُحَرَّمِ حال
стр. 3016
الإحرام، وهذا شاهد لمسألة سد الذرائع الموصلة إلى المُحَرَّمِ، وتقدم ذلك في "الحج".
وقد ذكر ابن القيم الأدلة على وجوب سد الذرائع الموصلة إلى المُحَرَّمِ من تسعة وتسعين وجهًا، وذكر منها هذه المسألة (١).
° الوجه الثالث: أخذ الجمهور من أهل العلم بحديث ميمونة ﵂ في أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، وهذا موافق لحديث عثمان ﵁ في النهي عن نكاح المُحْرِمِ، ولا ينهى النبي ﷺ عن شيء ويفعله، فإن فعله فهو من خصائصه، أو من الأدلة على أن النهي ليس للتحريم، لكن لما جاءت الروايات الأخرى في أنه ﷺ تزوجها وهو حلال دل على أن هذا هو الصواب، ولهذا عمل به الصحابة ﵃. يقول ابن عبد البر: (ما أعلم أحدًا من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو مُحْرِمٌ إلا ابن عباس (٢) ﵄، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أميل؛ لأن الواحد أقرب إلى الغلط، وأكثر أحوال حديث ابن عباس ﵄ أن يجعل متعارضًا مع رواية من ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عثمان ﵁ قد روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن نكاح المُحْرِمِ، فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها؛ لأنه يستحيل أن ينهى عن شيء ويفعله، مع عمل الخلفاء الراشدين لها … ) (٣).
ومما يؤيد ذلك:
١ - أن ميمونة صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، ومن قواعد الترجيح في الأصول أن خبر صاحب الواقعة مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال.
стр. 3017
٢ - أن يزيد بن الأصم (١) روى عنها ذلك، وقال: (وكانت خالتي وخالة ابن عباس).
٣ - ما رواه أبو رافع ﵁ -مولى رسول الله ﷺ قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما) (٢). فأبو رافع كان هو الرسول بينهما، وهو المباشر للعقد، فهو أعلم بالحال التي وقع فيها من غيره.
٤ - أن ابن عباس كان صغيرًا وقت التحمل في هذه القصة، وقد لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها (٣)، ولهذا قال سعيد بن المسيب ﵀: (وَهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم) (٤) وقد ساقه الإمام أحمد محتجًا به (٥).
ويرى ابن حبان أن معنى قول ابن عباس: إنه تزوجها وهو محرم؛ أي: داخل في الحرم، لا أنه كان محرما؛ كما يقال: أَنْجَدَ إذا دخل نجدًا، وأَظْلَمَ إذا دخل في الظلمة، وأَحْرَمَ إذا دخل الحرم وإن لم يكن محرمًا (٦).
قال الصنعاني: (وهو تأويل بعيد، لا تساعد عليه ألفاظ الحديث) (٧)، وكذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز. والله تعالى أعلم.
стр. 3018
حكم الشروط في النكاح
٩٩٧/ ٢٩ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفَّى بِهِ، ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الشروط" (٢٧٢١)، ثم في كتاب "النكاح"، باب (الشروط في النكاح) (٥١٥١)، ومسلم (١٤١٨) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليَزَنِي، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا، واللفظ لمسلم.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن أولى الشروط بالوفاء، ما استحل به الرجل فرج المرأة، وهذا يفيد العناية بالشروط في باب النكاح، والحرص على أدائها، وعدم جحد شيء منها أو التساهل فيها، ومعلوم أن المسلمين على شروطهم في البيوع، والمساقاة، والإجارات، ونحو ذلك، لكن أحق هذه العقود وأولاها بالوفاء هو النكاح؛ لأن عوض هذه الشروط هو استحلال الفروج.
فإن اشترطت المرأة على زوجها شرطًا، لها فيه غرض صحيح، وهو لا يخالف شرع الله تعالى، والتزم به الزوج وجب عليه الوفاء به، كما لو شرطت زيادة في مهرها، أو شرطت ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو تكون عند أهلها، أو معها أولادها، أو تكون وحدها ليس معها ضرة في بيتها، ونحو ذلك.
стр. 3019
وقد ذكر الفقهاء أن الشروط الصحيحة في هذا الباب قسمان:
الأول: شرط يتضمنه العقد ويقتضيه، ومثل هذا لا حاجة إلى اشتراطه، فذكره في العقد لا يؤثر، وإهماله لا يسقطه، مثل اشتراط تسليم المرأة لزوجها وتمكينه من الاستمتاع بها، وكاشتراط النفقة والسكنى على الزوج، ونحو ذلك.
الثاني: ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه مصلحة ولا يخالف شرع الله تعالى، ومثل هذا شرط صحيح لازم، فإن وفَّى به الزوج، وإلا فلها الفسخ، وتقدمت أمثلته.
والمعتبر من الشروط ما كان حال العقد ووقته؛ كزوجتك ابنتي بشرط كذا، أو اتفقا عليه قبل العقد، فإن الأصح من قولي أهل العلم أنه كالشرط المقارن للعقد، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: (إنه ظاهر المذهب، ومنصوص الإمام ﵀، وقول قدماء أصحابه ومحققي المتأخرين؛ لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولًا واحدًا) (١).
فإن كان الشرط بعد العقد ولزومه، فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه لا يلزم، وقال ابن رجب: (ويتوجه صحة الشرط فيه، بناءً على صحة الاستثناء منفصلًا بنيةٍ بعد اليمين … ) (٢).
وأما الشروط الفاسدة فلا عبرة بها، كما لو شرط ألا مهر لها، أو لا ينفق عليها، أو شرط عليها عدم الوطء، أو اشترطت أن يفضلها على بعض ضرائرها، أو شرط عليها عدم زيارة أبويها، أو أحد أقاربها، أو شرطت طلاق ضرتها.
وللفقهاء تفاصيل كثيرة في موضوع الشروط، وما يصح معه العقد وما لا يصح.
ومن الشروط اللازمة إذا شرطت ألا يتزوج عليها، فهذا يلزمه الوفاء به على قول الجمهور، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح؛ لأنها لا تحرم ما أحل الله له (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3020
النهي عن نكاح المتعة
٩٩٨/ ٣٠ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَال: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ، ثَلَاثةَ أيَّامٍ، ثُمَّ نَهى عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٩٩٩/ ٣١ - وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (نكاح المتعة) (١٤٠٥)(١٨) من طريق أبي عميس، عن إياس بن سلمة، عن أبيه قال: … فذكره.
أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا) (٥١١٥)، وفي كتاب "الصيد والذبائح" (٥٥٢٣)، ومسلم (١٤٠٧) من طريق الزهري، عن الحسن بن محمد بن علي وأخيه عبد الله، عن أبيهما، عن علي ﵁ مرفوعًا.
واللفظ المذكور مختصر من رواية البخاري في كتاب "الصيد والذبائح"، وتمامه: (ولحوم حمر الإنسية)، وهو أحد روايات مسلم بلفظ: (عن نكاح المتعة … ).
وجاء في بعض نسخ "البلوغ" ومنها طبعة حامد الفقي، والطبعة التي عليها شرح الصنعاني، زيادة حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، أخرجه السبعة إلا أبا داود.
стр. 3021
وحديث الربيع بن سبرة، عن أبيه، أخرجه مسلم، وسيأتي ذكره (١).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (رخَّص) أي: أباح.
قوله: (عام أوطاس) أي: سنة غزوة أوطاس: بفتح الهمزة، وهو وادٍ في ديار هوازن من أودية الطائف، قرب حنين، ولا يعرف الآن بهذا الاسم، وقد ذكر الشيخ عبد الله البسام ﵀ أن بعض الثقات المطلعين من سكان تلك المنطقة أخبروه بأن أوطاس هي المسماة الآن (البُهيتة) الواقعة بين السيل الكبير ونخلة اليمانية، وهي تبعد عن مكة شرقًا بنحو ستين كيلًا (٢).
وكانت غزوة أوطاس بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان، حيث فرَّ المنهزمون من هوازن وحلفائها بعد غزوة حنين وعسكروا في أوطاس، فأرسل لهم النبي ﷺ سرية بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁، وهو عم أبي موسى الأشعري، فقاتلهم حتى قتل، وتولى القيادة بعده أبو موسى الأشعري، فقاتلهم حتى بددهم وشردهم، والقصة في "الصحيحين".
قوله: (في المتعة) بضم الميم وكسرها، والمتعة: الانتفاع والتلذذ والمراد هنا: نكاح المرأة مدة مؤقتة على مال معين، فإذا انقضى الأجل وقعت الفرقة بدون طلاق، سمي بذلك؛ لانتفاع المرأة بما يعطيها الرجل، وانتفاعه بها لقضاء شهوته، دون قصد التوالد وسائر أغراض النكاح.
قوله: (ثلاثة أيام) الذي في "صحيح مسلم": (ثلاثًا)، والمعنى: أن الترخيص استمر ثلاثة أيام، وليس في الحديث ما يدل على أنهم تمتعوا من النساء في أوطاس، وإنما الذي وقع في هذا الحديث أن الرخصة في المتعة وقعت عام أوطاس، وعام أوطاس هو عام فتح مكة.
стр. 3022
قوله: (عام خيبر) أي: سنة فتح خيبر، وذلك في آخر المحرم سنة سبع، كما نقله الحافظ عن ابن إسحاق، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (١)، وتقدم ذكر ذلك في باب "المساقاة"، من كتاب "البيوع".
والمبطل في نكاح المتعة هو التصريح بذكر الأجل في العقد، فإن نواه بقلبه ولم يصرح به، فإنه لا يبطل النكاح، وهذا هو الزواج بنية الطلاق، والجمهور من أهل العلم على جوازه، إلَّا الأوزاعي، فإنه قال: إنه نكاح متعة، ورجح ابن قدامة القول بجوازه (٢)، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، إلَّا أنَّه عبر بالكراهة في بعض المواضع (٤)، وممن انتصر للمنع فضيلة شيخنا الدكتور: صالح المنصور ﵀ في رسالة له.
• الوجه الثالث: الأحاديث دليل على تحريم نكاح المتعة، وفساد العقد؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه، والنهي عند الإطلاق يقتضي التحريم والفساد، قال ابن دقيق العيد: (وفقهاء الأمصار كلهم على المنع) (٥).
والحكمة من تحريم نكاح المتعة:
١ - أن من مقاصد النكاح الاجتماع والألفة، وإعداد أسرة صالحة لبناء مجتمع سليم، وليس في المتعة شيء من ذلك؛ لأن المراد منها قضاء الشهوة فحسب.
٢ - أن المتعة فيها معنى الإجارة لكونها إلى أجل، والرجل لو قال: استأجرتك مدة للوطء لم يجز إجماعًا، فكذا نكاح المتعة فإنه استئجار للفرج، حيث تكون المرأة كالسلعة تنقل من يد إلى يد أخرى.
٣ - أنَّه لا يؤمن في نكاح المتعة من اختلاط الأنساب.
стр. 3023
٤ - أن تحريم نكاح المتعة من باب سد الذرائع، لئلا يكون وسيلة إلى الزنا، كما ذكر ابن القيم (١).
ولا ينبغي أن يلتفت إلى من أباحها، وهم الرافضة، مستدلين بأحاديث إباحتها مع أنَّها منسوخة، أو بأدلة أخرى غير ناهضة؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] (٢) قالوا: إن التعبير بالاستمتاع، ولفظ الأجور يدل على أن المراد نكاح المتعة، وهذا استدلال باطل من وجوه ثلاثة:
١ - أن لفظ الأجور جاء في الصداق، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥].
٢ - أن الأدلة قاطعة بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وهي أصرح بكثير من هذا الفهم.
٣ - لو سلمنا جدلًا أن الآية في نكاح المتعة، فإنها منسوخة (٣).
والرافضة متناقضون، فإن تحريم المتعة من رواية علي ﵁ كما مرَّ، وهو إمامهم بل ومعبودهم (٤)، يباحتها مروية عن ابن عبَّاس ﵄، وقد جعلها كالميتة؛ أي: للضرورة، ويحتمل أنَّه لما رأى توسع الناس وتسارعهم إلى الأخذ بفتياه رجع عنها، إلَّا أن ابن عبد البر حكم بضعف الآثار التي ورد فيها رجوع ابن عبَّاس (٥). وما دام أن النهي والتحريم المؤبد قد ثبت عن رسول الله ﷺ فلا كلام لأحد كائنًا من كان.
• الوجه الرابع: كان نكاح المتعة مباحًا في أول الإسلام (٦)، ثم حرم تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، كما في حديث الربيع بن سَبْرة الجهني، أن أباه
стр. 3024
حدثه أنَّه كان مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فقال: "يا أيها الناس إني قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة … " (١).
• الوجه الخامس: ظاهر الحديثين يدل على أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العُزبة حال السفر، ولم تُحَلَّ قط حال الحضر والرفاهية، ففي حديث جابر وسلمة بن الأكوع ﵄ قالا: (كنا في جيش، فأتانا رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد أُذِن لكم أن تستمتعوا، فاستمتعوا") (٢).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (٣).
عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عبَّاس يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة ونحوه؟ فقال ابن عبَّاس: نعم (٤).
قال الحافظ ابن حجر: (هذه أخبار يقوي بعضها بعضًا، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العُزبة في حال السفر، وهو يوافق حديث ابن مسعود ﵁ … ) (٥).
• الوجه السادس: اتفق أهل العلم قاطبة على تحريم المتعة، ولكن
اختلفوا في الوقت الذي حُرِّمت فيه تبعًا لاختلاف الأحاديث، ففي حديث علي ﵁ أن النهي عام خيبر سنة سبع، وفي حديث سلمة ﵁ أنَّه عام أوطاس في شوال سنة ثمان، وفي حديث سبرة ﵁ المتقدم أنَّه عام الفتح في رمضان سنة ثمان، والجواب من وجهين:
стр. 3025
الأول: أن الاختلاف في وقت التحريم مع الاتفاق على التحريم لا يؤثر في صحته، ما دام أن أهل العلم اتفقوا على التحريم.
الثاني: أن حديث سلمة وحديث سبرة ليس بينهما اختلاف كبير، فالراوي أطلق على عام الفتح عام أوطاس؛ لأن عام أوطاس هو عام الفتح، فالفتح في رمضان، وأوطاس في شوال في سنة ثمان، كما تقدم، وإلا كيف يقول عام الفتح: (إلى يوم القيامة) ثم تباح بعد شهر واحد في أوطاس؛ وحديث سلمة ليس فيه أنهم تمتعوا في أوطاس، وإنما فيه أن الرخصة في المتعة وقعت عام أوطاس، كما تقدم.
وأما حديث علي ﵁ في أن التحريم عام خيبر سنة سبع، وحديث سبرة في أن التحريم عام الفتح، فللعلماء في الجمع بينهما مسلكان:
الأول: أن التحريم كان عام خيبر، لحديث علي ﵁، ثم أبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس؛ لحاجة كانت بهم إليها، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، فيكون التحريم والإباحة وقعا مرتين، ولا يمنع إباحة الشيء عند الحاجة إليه، ونسخه عند الاستغناء عنه، وهذا رأي النووي (١)، واختاره الشنقيطي (٢)، وذلك لأن حديث علي ﵁ صريح في تحريم المتعة يوم خيبر، وحديث سبرة صريح في أن التحريم وقع يوم الفتح، ولذا جاء فيه: (إلى يوم القيامة)، إشارة إلى أنَّه تحريم مؤبد لن يكون بعده إباحة، والحق أن أحاديث تحريمها عام خيبر لا تخلو من احتمال.
الثاني: أن التحريم لم يقع إلَّا مرة واحدة وهو يوم الفتح، وقبله كانت مباحة، ولم يقع تحريم عام خيبر، والحامل لهؤلاء ثبوت الرخصة في المتعة بعد زمن خيبر، وأما حديث علي ﵁ فهو لم يُرِدْ أن تحريم المتعة وقع مع تحريم الحُمُرِ يوم خيبر، وإنما قرنهما جميعًا ردًّا على ابن عبَّاس ﵄ الذي
стр. 3026
يجيز المتعة للضرورة، ويبيح لحوم الحمر الأهلية، وتحريم الحمر كان يوم خيبر بلا شك.
لكن يشكل على هذا رواية "الصحيحين" من حديث علي ﵁: (نهى رسول الله ﷺ عن المتعة عام خيبر، ولحوم الحمر الإنسية) (١)، فظاهره أن الظرف للنهي عن المتعة، على أن السهيلي وجماعة كابن القيم يرون أن نكاح المتعة لم يحرم عام خيبر، ولم يحرم إلَّا مرة واحدة، وأنه لم يقع في عام خيبر متعة؛ لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يستمتعون باليهوديات، وأجاب ابن حجر بأن يهود خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع التمتع بهن، ثم إن الحديث ليس فيه أنهم تمتعوا عام خيبر وإنما فيه مجرد النهي (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3027
تحريم نكاح التحليل
١٠٠٠/ ٣٢ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ. رواه أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ.
١٠٠١/ ٣٣ - وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن مسعود ﵁ فقد رواه أحمد (٧/ ٣١٤ - ٣١٥)، والنَّسائي (٦/ ١٤٩)، والتِّرمِذي في أَبواب "النكاح"، باب (ما جاء في المحلل والمحلل له) (١١٢٠) من طريق سفيان الثَّوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا.
قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الحافظ: (صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري) (١).
وأما حديث علي ﵁ فقد رواه أَبو داود (٢٠٧٦)، والتِّرمِذي (١١١٩)، وابن ماجة (١٩٣٥) من طريق مجالد، عن الشعبي، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له).
وهذا سند ضعيف، فيه الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، ضعفه جمع من أئمة الحديث، وأكثرهم كذبه، وفيه -أيضًا- مجالد بن سعيد، قال عنه الحافظ في "التقريب": اليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره).
стр. 3028
لكن توبع، تابعه إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن عند أبي داود (٢٠٧٦)(٢٠٧٧)، وابن عون عند ابن ماجة (١٩٣٥)، وقَتَادة عند البيهقي (٧/ ٢٥٧) وفي بعضها اختلاف، فيبقى إعلاله بالحارث الأعور، لكن يشهد له ما قبله.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (لعن) اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، والمعنى: أن الرسول الله ﷺ يدعو على المحلل والمحلل له في لك.
قوله: (المُحَلِّل) بوزن اسم الفاعل، هو الذي يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا لتحل لزوجها الأول بوطئه.
قوله: (والمُحَلَّل له) بوزن اسم المفعول، هو المُطَلِّق أولًا، وذلك أن المرأة المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها حتَّى ينكحها زوجًا غيره، ويطأها -كما سيأتي- فإذا طلق رجل امرأته ثلاثًا، وتزوجها آخر بقصد التحليل؛ أي: بقصد أن يطأها ثم يطلقها، فيتزوجها الأول، فهذا الذي يسمى المحلل والمحلل له.
وإنَّما لعنهما رسول الله ﷺ لهتك المروءة، وقلة الحَمِيَّةِ، والدلالة على خسة النفس وسقوطها، أما بالنسبة للمحلَّل له فظاهر، وأما بالنسبة للمحلِّل، فلأنه يُعِيرُ نفسه بالوطء لغرض الغير؛ لأنه إنما يطؤها ليعرضها ويجهزها للمحلل له.
ويظهر لي أن سبب اللعن هو التحليل المقصود به إحلالها للزوج الأول.
• الوجه الثالث: الحديثان دليل على تحريم نكاح التحليل؛ لأن اللعن لا يكون إلَّا على فعل محرم، والنهي يقتضي التحريم والبطلان، وهذا الفعل يعد من كبائر الذنوب، ذكر هذا الذهبي وابن القيم، وغيرهما (١). ومما يدل على تحريم نكاح التحليل، قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
стр. 3029
بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ووجه الاستدلال: أن نكاح التحليل شبيه بالمسافحة وهو الزنا، حيث لم يقصد به الإحصان، وهو النكاح بعقد صحيح، بل الجماع مرة واحدة، ثم الطلاق (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إنكاح المحلل حرام باطل، لا يفيد الحل) (٢). فلا يحصل به الإباحة للزوج الأول لفساده، فإن قيل: سماه الرسول ﷺ محللًا، ولو لم يحصل به الحل لم يكن محللًا ولا محللًا له؛ فالجواب: أنَّه سماه محللًا؛ لأنه قصد التحليل في موضع لا يحصل فيه الحل، لا أنَّه مثبت للحل في الواقع، ولو كان محللًا في الحقيقة والآخر محللًا له لم يكونا ملعونين (٣). ويؤيد ذلك قول ابن عمر ﵄: (كنا نعد هذا في زمن رسول الله ﷺ سفاحًا) (٤).
ومما يدل على فساده أنَّه لو فرض أن هذا المُحَلِّلَ أراد أن يقيم معها بعد ذلك فلا بد من عقد جديد؛ لأن ما مضى عقد فاسد لا يباح به المقام معها، وهو قول الجمهور (٥)؛ لأن النهي يقتضي التحريم والفساد، ولو صح العقد لما كان لنهي رسول الله ﷺ معنى.
ومثل هذا لو شرط عليه قبل العقد أن يُحِلَّها لمطلقها ثلاثًا، ثم نوى عند العقد غير ما شرط عليه وأنه نكاح رغبة صح نكاحه، وبطل الشرط، وقيل: يبطل النكاح، لاشتماله على شرط مفسد للعقد، وهذا هو الراجح.
стр. 3030
وقد روي عن رسول الله ﷺ ذم المحلل، ووصفه بالتيس المستعار، كما في حديث عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحلل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" (١).
وسمي بالتيس المستعار؛ لأنه جيء به للضِّراب، إذ ليس هو زوجًا قاصدًا ما يقصده غيره من الأزواج، وإنما سيجامعها مرة، ثم يفارقها، وعلى هذا فليس هو الزوج المذكور في القرآن، ولا نكاحه هو النكاح المذكور في القرآن.
• الوجه الرابع: يبطل النكاح سواء شرط التحليل في العقد؛ كأن يقول: إذا أحللتها فلا نكاح، وهذا بالإجماع، أو نواه الزوج الثاني بلا شرط يذكر في العقد، على الراجح من قولي أهل العلم، فالمؤثر في نكاح التحليل
стр. 3031
الذي ورد النهي عنه إما شرطه في العقد أو نية الزوج الثاني، هذا هو الصحيح في هذه المسألة لعموم النص، ولأنه نكاح إلى مدة، أو فيه شرط يمنع بقاءه فأشبه نكاح المتعة، بل نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه، ثم ذكرها (١).
وأما من قصره على ما إذا شُرط في العقد، وأما إذا نُوي فغير داخل تحت النهي (٢)؛ لأنه خلا عن شرط يفسده، فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال، ولأن العقد إنما يبطل بما شُرط لا بما قُصد. فهذا مردود لأمور ثلاثة:
١ - لأنه تخصيص للنص بلا مخصص.
٢ - ولأن الزوج الثاني نيته التحليل، وقاصد التحليل والمتواطئ عليه لا يخرج عن مسمى المحلل.
٣ - ولأن القصد في العقود معتبر، والأعمال بالنيات.
• الوجه الخامس: التأثير في نكاح التحليل عائد على نية الزوج الثاني، فإنه إذا نوى التحليل كان محللًا فيستحق اللعنة، ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل؛ لأنها لم تحل له، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئًا؛ لأنه ليس إليهما إمساك ولا فراق، فلم تؤثر نيتهما (٣)، وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنَّها كانت تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنَّما جعل المانع عدم وطء الثاني، كما سيأتي.
وقال طائفة من سلف الأمة إذا همَّ أحد الثلاثة -الزوج الأول، أو المرأة، أو الزوج الثاني- بالتحليل؛ فسد العقد، قاله الحسن البصري وإبراهيم
стр. 3032
النخعي وقَتَادة وآخرون، قال أحمد: (كان الحسن وإبراهيم والتابعون يشددون في ذلك) (١). والظاهر ما تقدم، وهو أن المدار على الزوج الثاني؛ لأنه هو المحلل، ولأن بيده عقدة النكاح، ولولاه لم يوجد تحليل، لكن المرأة والزوج الأول يتناولهما النهي من حيث الإثم والذم إذا توافقا مع الثاني؛ لأن ذلك من باب تقرير المنكر والرضا به، أما بناء الأحكام فهو خاص بالزوج المحلل. والله تعالى أعلم.
стр. 3033
تحريم نكاح الزانية وإنكاح الزاني
١٠٠٢/ ٣٤ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الزَّاني الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه أحمد (١٤/ ٥٢)، وأَبو داود في كتاب "النكاح"، باب (في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً﴾ (٢٠٥٢)، والحاكم (٢/ ١٦٦، ١٩٣) من طريق عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مرفوعًا.
وقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، وسكت عنه الذهبي (١)، والحديث من رواية عمرو بن شعيب، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، رجال الشيخين.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الزاني المجلود) هذا وصف خرج مخرج الغالب باعتبار من ظهر منه الزنا، بخلاف من يُتهم فلا يؤثر ذلك، وقوله: (المجلود) أي: الذي ظهر أمره حتَّى جُلد.
قوله: (إلَّا مثله) أي: الزانية المجلودة عادة؛ إذ المناسبة سبب الألفة عادة (٢).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه يحرم على الرجل أن يتزوج
стр. 3034
بمن ظهر منها الزنا، ويحرم على المرأة أن تُزوج بمن ظهر منه الزنا.
وهذا - والله أعلم - لأن الزانية تضر زوجها وتنغص عليه حياته، ويكون في غمٍّ وهمٍّ، وقد تلحق به ولدًا من غيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن تزوج غير تائبة فقد رضي أن تزني، إذ لا يمكنه منعها من ذلك، فإن كيد النساء عظيم) (١).
والقول بتحريم نكاح الزانية ونكاح الزاني هو قول قَتَادة، والإمام أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني (٢)، والشيخ عبد العزيز بن باز. يقول ابن تيمية: (فأما نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وفيه آثار عن السلف، وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه، وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه) (٣).
واستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، والنفي فيها محمول على النهي، وهي في عقد النكاح، كما هو قول جمهور المفسرين؛ بناءً على أسباب النزول، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
وذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم أَبو حنيفة، والشَّافعي إلى جواز نكاح الزاني والزانية، وأجازه مالك مع الكراهة (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً﴾ بأن المراد بالآية الوطء، وليس العقد، والحامل لهم على ذلك أن الله تعالى ذكر المشرك والمشركة، والمشرك لا يجوز له أن يتزوج المؤمنة ولو كانت زانية، وكذلك المشركة.
قالوا: والآية على ظاهرها، فهي إخبار أريد به تقبيح حال الزاني والزانية، والتصريح بخبث الزناة والزواني، وأن الزاني لا يليق به أن ينكح
стр. 3035
العفيفة، وإنَّما زانية مثله أو مشركة، وكذلك الزانية، والآية لم تتعرض للعقد، وعلى هذا يجوز عقد العفيف على الزانية، والعقد بالعفيفة على الزاني، والإشارة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ إلى الزنا.
والقول بالتحريم قوي، فإن دلالة الآية واضحة، ولا سيما آخرها ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن الراجح في مرجع اسم الإشارة أنَّه يعود على النكاح المذكور؛ أي: إن نكاح الزواني حرم على المؤمنين، وحمله على العقد تؤيده أسباب النزول، وهذه الآية مما أشكل على المفسرين؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشرك والمشركة، وحمل النكاح على الوطء لا يلائم أسباب النزول الدالة على أن المراد العقد، ولذا حصل الخلاف في معناها، والظاهر إن شاء الله أنَّه لا إشكال؛ لأن سبب النزول يحدد المراد، ويعين على فهم الآية، كما يقول ابن تيمية، ويكون المراد بها العقد، كما هو قول جمهور المفسرين، وليس المقصود من الآية بيان من يجوز أن ينكحه الزاني ومن لا يجوز، حتَّى يقال: يلزم عليه جواز نكاح المسلم للمشركة والعكس، وإنما المقصود التنفير من الزنا وأهله، وأن المؤمن لا يجوز له أن يقترن بالزانية، كما تدل عليه أسباب النزول، وكذا العكس (١).
وأما آية: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فهي عامة دخلها التخصيص، وقد تقدم لنا أنَّها مخصصة بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها" فكذا في هذه الصورة، فإن تابت الزانية أو تاب الزاني جاز نكاحهما بإجماع أهل العلم، والتوبة تحصل بالاستغفار والندم والإقلاع عن الذنب؛ كالتوبة من سائر الذنوب، هذا هو الصواب في ذلك، أما القول بأن توبتها أن تُراود على نفسها فإن أبت فقد تابت، وإن طاوعته فهي لم تتب، فهو قول ضعيف لا يُعَوَّلُ عليه، لظهور فساده (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3036
ما جاء في أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها حتَّى تنكح غيره
١٠٠٣/ ٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: طَلَّقَ رَجُل امْرَأَتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأوّلُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: "لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيلَتِهَا مَا ذَاقَ الأوَّلُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق" باب (من جَوَّزَ الطلاق الثلاث) (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣)(١١٥) من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (طلق رجل امرأته ثلاثًا) ظاهر الحديث أنَّها مجموعة بلفظ واحد، إلَّا إن كان الحديث مختصرًا من قصة رفاعة القرظي، فالمراد طلقها الطلقة الأخيرة من الطلقات الثلاث، فقد ورد في "صحيح مسلم" في قصة رفاعة: (فطلقها آخر ثلاث تطليقات) والراوي للحديثين عائشة ﵂، فيكون المراد بالرجل في حديث الباب رفاعة القرظي، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزَّبِير، لكن يشكل على ذلك قولها: (قبل أن يدخل بها) وعبد الرحمن بن الزُّبَير، دخل بها، وذكر الحافظ أن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته مثل ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد.
стр. 3037
قوله: (قبل أن يدخل بها) ليس المراد بالدخول مجرد الخلوة، بل المراد الوطء، بدليل آخر الحديث.
قوله: (فقال: لا) أي: لا يتزوجها الأول.
قوله: (من عسيلتها) بضم العين وفتح السين، تصغير عَسَلَة، وهي كناية عن الجماع، ففيه تشبيه لذة الجماع بذوق العسل. وأنث لفظ عسيلة؛ إما لأن المراد اللذة؛ أي: حتَّى يذوق من لذتها، أو لأن العسل مؤنث، أو لأنه يذكر ويؤنث.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها إلَّا بعد أن تتزوج غيره، ويطأها الزوج الثاني، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣] الوطء، دل على ذلك السنة، كما في هذا الحديث وغيره. قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا أنَّها لا تحل له إلَّا بعد زوج، على ما جاء به حديث النبي ﷺ ، وانفرد سعيد بن المسيب فقال: إن تزوجها تزويجًا صحيحًا لا يريد به إحلالًا، فلا بأس أن يتزوجها الأول) (١).
ولعل سعيد بن المسيب لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن، قال الجصاص: (ولم نعلم أحدًا تابعه عليه، فهو شاذ) (٢)، وعلى هذا فمجرد العقد لا يبيحها للأول.
وقد أبدى بعض العلماء الحكمة من تحريمها عليه حتَّى تنكح زوجًا غيره، وذلك ليرتدع الرجل عن التسرع في الطلاق؛ لأن العودة إليها بعد نكاح زوج آخر مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، خصوصًا إذا كان الزوج الثاني عدوًا للأول أو مناظرًا له (٣).
• الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا
стр. 3038
حصل الجماع من الزوج الثاني، والمراد: أن يكون وطئها منتشرًا بحيث يحصل جماع تام يذوق به كل واحد منهم عسيلة الثاني، وشرط ذلك أن يكون الثاني قصد بنكاحها الرغبة ودوام العشرة، ولم يرد به تحليلها للأول، فإن كان كذلك لم تحل له، كما تقدم.
كما يشترط أن يكون النكاح صحيحًا، قال الوزير ابن هبيرة: (اتفقوا على أنَّه إنما يقع الحل بالوطء في النكاح الصحيح) (١). فإن كان غير صحيح؛ كشغار أو بلا ولي لم يحصل به تحليل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ والنكاح الفاسد وجوده وعدمه سواء، والشرع لا يعلق على النكاح الفاسد أو الباطل حكمًا شرعيًّا.
وفي الآية شرط ثالث، وهو أن يترجح عندهما التمكن من إقامة حدود الله تعالى، وذلك بإعطاء كل واحد منهما حقوق صاحبه مع حسن العشرة، ولا يتكرر ذلك الاعتداء الذي أدى إلى الطلاق ثلاث مرات، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
• الوجه الخامس: اختلف العلماء في المراد بالعسيلة في الحديث على قولين:
الأول: أن المراد به المجامعة، وهو تغييب الحشفة من الرجل في قُبلها، وإن لم ينزل؛ لأن المقصود ذوق العسيلة، وهو حاصل بالجماع ولو لم ينزل، وهذا قول الجمهور.
والثاني: أن المراد: نزول المني، وأن التحليل لا يكون إلَّا بذلك، وهذا قول الحسن البصري، وكأنه رأى أن ذوق العسيلة لا يحصل إلَّا بالإنزال. والله تعالى أعلم.
стр. 3039
باب الكفاءة والخيار
هذا الباب عقده الحافظ ﵀ للأحاديث المتعلقة بموضوع الكفاءة بين الزوجين، والأحاديث المتعلقة بموضوع الخيار في إمضاء النكاح أو فسخه عند وجود سببه؛ كالأمة تعتق تحت العبد، فإن لها الخيار في إمضاء النكاح أو فسخه، وكأن يسلم وتحته أكثر من أربع، أو تحته أختان، ونحو ذلك.
وأما الكفاءة: فهي بالفتح والمد والهمزة، ومعناها: المماثلة والمساواة، والكفء في اللغة: النظير والمثيل والمساوي، وكل شيء ساوى شيئًا فهو مكافئ (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي: لم يكن له أحد مساويًا في جميع صفاته.
والمراد هنا: الكفاءة في النكاح، ومعناها: أن يكون الرجل مساويًا للمرأة ونظيرها، وذلك في خصال محددة؛ كالدين، والنسب، والحرية، والصنعة، ونحو ذلك مما يذكره الفقهاء في هذا الباب.
وهذه الخصال ليست موضع إجماع بين أهل العلم، ولهذا فإن أصحاب كل مذهب يذكرون الخصال التي أداهم اجتهادهم إلى اعتبارها، ولم أر من عرف الكفاءة تعريفًا جامعًا إلَّا الخطيب الشربيني الشَّافعي، فإنه قال: (الكفاءة شرعًا: أمر يوجب عدمه عارًا) (٢).
وقد نصَّ أهل العلم على أن الكفاءة معتبرة في جانب الرجال للنساء، وليست معتبرة في جانب النساء للرجال، بدليل أن النبي ﷺ لا مكافئ له، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي،
стр. 3040
ولأن المرأة هي التي تستنكف لا الرجل؛ لأنها المستفرشة، فأما الزوج فهو المستفرِش، فلا تلحقه الأنفة من قبلها، ولأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه، فلم تعتبر الكفاءة في الأم (١).
стр. 3041
ما جاء في اعتبار الكفاءة في النكاح بالنسب
١٠٠٤/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أوْ حَجَّامًا"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم.
١٠٠٥/ ٢ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه البيهقي (٧/ ١٣٤) من طريق الحاكم، عن شجاع بن الوليد، حدَّثنا إخواننا، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمر ﵄، به مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه من لم يُسمَّ، قال البيهقي: (هذا منقطع بين شجاع وبين ابن جريج، حيث لم يُسَمِّ شجاعٌ بعضَ أصحابه).
وفيه -أيضًا- ابن جريج، وهو مدلس، وقد عنعنه، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: (هذا كذب لا أصل له) (١). وقال ابن عبد البر: (لا يصح عن ابن جريج) (٢).
стр. 3042
والحديث لم أجده في "مستدرك الحاكم" إلَّا أن يكون في غيره، فالله أعلم.
وأخرجه البيهقي (٧/ ١٣٥) من طريق عمران بن أبي الفضل، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، نحوه، قال أَبو حاتم: (هذا حديث منكر) (١).
وقال البيهقي عن هذا الإسناد: (وهو ضعيف بِمَرَّة)، وقال ابن حبان عن عمران بن أبي الفضل: (كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، على قلة روايته، لا يحل كتابة حديثه إلَّا على جهة التعجب)، ثم ساق حديثه هذا، فيكون قد حكم عليه بالوضع (٢).
وقال ابن عبد البر عنه: (حديث منكر موضوع) (٣).
وأما حديث معاذ ﵁ فقد أخرجه البزار في "مسنده" (٧/ ١٢١) من طريق سليمان بن أبي الجون، حدَّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العرب بعضها كفاء لبعض، والموالي بعضها كفاء لبعض".
وهذا سند ضعيف، قال عبد الحق: (خالد بن معدان لم يسمع من معاذ)، نقله عنه ابن القطان، وأقره، ثم قال: (وسليمان بن أبي الجون لم أجد له ذكرًا) (٤).
قال الألباني: (وجملة القول أن طرق الحديث أكثرها شديد الضعف، فلا يطمئن القلب لتقويتها بها، لا سيما وقد حكم عليه بعض الحفاظ بوضعه؛ كابن عبد البر وغيره، وأما ضعفه فهو في حكم المتفق عليه، والقلب إلى وضعه أميل، لبعد معناه عن كثير من النصوص الثابتة … ) (٥).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أكفاء) بسكون الكاف وفتح الفاء مخففة، جمع كفء، والكفء:
стр. 3043
المثيل والمساوي، كما تقدم، والمعنى: أن العرب يتماثلون ويتساوون فيما بينهم، فيتزوج بعضهم من بعض.
قوله: (والموالي) جمع مولى، والمولى يطلق عدة إطلاقات، لكن المراد هنا: العتيق الذي سبق أن مسه الرق ثم عتق.
قوله: (بعضهم أكفاء بعض) أي: يتزوج بعضهم من بعض، فالمولى كفء للمولاة.
قوله: (إلَّا حائكًا) اسم فاعل من حاك الرجل الثوب، فهو حائك؛ أي: نسجه، والحياكة: نسيج الثياب، والجمع: حاكة وحَوَكة.
قوله: (أو حجامًا) هو محترف الحجامة، والمعنى: أن الحائك والحجام ليس بكفء للعربية وإن كان عربيًّا.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على اعتبار الكفاءة بالنسب، وأن العرب كلهم سواء في الكفاءة، وأن الموالي بعضهم لبعض أكفاء، وليسوا أكفاء للعرب، ويستثنى من ذلك ما إذا احترف العربي حرفة الحياكة أو الحجامة، فإن نسبه يسقط ولا يكون كفوًا للعربية.
والقول باعتبار الكفاءة في النسب مذهب الجمهور، كما ذكر الحافظ.
وهذا المعنى الذي دل عليه الحديث غير صحيح، لما تقدم من أنَّه حديث باطل لا أصل له، ومما يدل على ذلك ما بعده، فإن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تتزوج بأسامة بن زيد مع أنَّه قد مسه الرق، وأمر بتزويج أبي هند مع أنَّه حجام، فهذا يدل على أن حديث الباب لا يصح، وأنه معارض بما هو أصح منه، ولعل هذا هو السر في إيراد الحافظ له في هذا الباب، ثم ذكر الحديثين بعده، لبيان عدم صحته، لكونهما يدلان على عدم اعتبار الكفاءة في النسب، ولهذا قال: (لم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3044
ما جاء في أن النسب غير معتبر في الكفاءة
١٠٠٦/ ٣ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهَا: "انْكِحِي أُسَامَةَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية ﵁، لها صحبة ورواية، وكانت من المهاجرات الأُول، وذات عقل، وجمال، وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر ﵁، فخطبوا خطبتهم المأثورة، روى عنها عروة والقاسم وأَبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة والشعبي، وكل هؤلاء فقهاء، وقد كانت تحت أبي عمرو بن حفص القرشي المخزومي، فطلقها، فتزوجت أسامة بن زيد بن حارثة ﵁ (١)، كما سيأتي في سياق الحديث. قال ابن عبد البر: (وفي طلاقها، ونكاحها بعدُ سنن كثيرة مستعملة) (٢).
• الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب (المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها) (١٤٨٠) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة وهو غائب، فارسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له،
стр. 3045
فقال: "ليس لكِ عليه نفقة"، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده، فإذا حللتِ فآذنيني"، قالت: فلما حللت، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أما أَبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد"، فكرهته، ثم قال: "انكحي أسامة" فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة، وأنه يجوز زواج القرشية بالمولى الذي قد مسه الرق؛ لأن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد، مع أنَّه ليس كفؤًا لها؛ لأنها قرشية، وهو من الموالي، وأن تصرف نظرها عن معاوية وأبي جهم، مع أنهما من قومها ومن عشيرتها ومن قريش، فدل ذلك على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة، وتقدم في كتاب "الحج" حديث ضباعة بنت الزُّبَير وكونها تحت المقداد بن الأسود، فهي هاشمية أرفع منه نسبًا، لكونه من حلفاء قريش، وليس بقرشي، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
وقد حكى ابن أبي موسى هذا القول رواية عن الإِمام أحمد (٢)، قال الشيخ محمد بن عثيمين: (وهو الصواب) (٣)، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 3046
ما جاء في أن المهنة غير معتبرة في الكفاءة
١٠٠٧/ ٤ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ : قَال: "يا بَني بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيهِ"، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه أَبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في الأكفاء) (٢١٠٢)، والحاكم (٢/ ١٦٤) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ (١)، فقال النبي ﷺ : "يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه"، قال: "وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة" هذا لفظ أبي داود، ولفظ الحاكم هو لفظ: "البلوغ".
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، قال الألباني عن تصحيح الحاكم: (فيه نظر، فإن محمد بن عمرو إنما أخرج له مسلم متابعة، وهو حسن الحديث) (٢).
والحديث حسنه الحافظ في "التلخيص" (٣)، وقال هنا: (سنده جيد) (٤).
стр. 3047
وفي إسناد الحديث اختلاف لا يضر أشار إليه الحافظ في "الإصابة" (١).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يا بني بياضة) هم بطن من بطون الخزرج، إحدى قبيلتي الأنصار، وأصلهم من الأزد من قحطان.
قوله: (أنكحوا) بفتح الهمزة من أنكح الرباعي؛ أي: زوجوه بناتكم.
قوله: (أبا هند) هو مولى فروة بن عمرو البياضي، مختلف في اسمه، قيل: عبد الله، وقيل غير ذلك (٢)، كان حجامًا، حجم النبي ﷺ كما في رواية أبي داود، تخلف عن غزوة بدر، وشهد ما بعدها.
قوله: (وانكحوا إليه) بهمزة الوصل أمر من نكح الثلاثي؛ أي: اخطبوا إليه بناته ولا تخرجوه منكم بسبب مهنة الحجامة.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفاءة في النسب وفي المهنة غير معتبرة في النكاح، وأن الحاجم يكون كفؤًا لقرابته غير الحجامين، ومثل هذا لو كان جزارًا أو خرازًا أو دباغًا، أو نحو ذلك من المهن التي يزدريها الناس؛ لأن النبي ﷺ أمر بتزويج أبي هند مع أنَّه مولى، وفي الوقت نفسه كانت مهنته الحجامة، وقد كانت من المهن الحقيرة في زمانهم، وهذا يدل على بطلان الحديث الأول.
قال الخطابي: (في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أن الكفاءة بالدين وحده، دون غيره … ) (٣). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (ومعلوم أن الحجامة، والدباغة، والحياكة، والحدادة فيها مصالح عظيمة للمسلمين، فالذي يقوم بها جدير بأن يشكر لا بأن يهمل، فإهماله وعدم تزويجه معناه التنفير عن هذه المهن النافعة للناس، فكما أنَّه غَلَظ في الحكم هو غلط في المعنى … ).
стр. 3048
والصواب في هذه المسألة ما قاله الإِمام مالك، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختار ذلك ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١) والشوكاني، والشيخ عبد العزيز بن باز، وهو أن المعتبر في الكفاءة هو الدين، بمعنى الصلاح والتقى، وليس النسب، وكل مسلم يعتبر كفؤًا للمسلمة إلَّا إذا كان فاسقًا؛ لأن الفاسق لا يؤمن أن يحمله فسقه على أن يجني على المرأة، فلا يكون كفؤًا للعفيفة، ولكن لمن كان مثله.
أما ما عدا ذلك فليس عندنا من الأدلة ما يدل على اعتباره، والدليل علي ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، فدلت الآية على أن البشر في ميزان الإسلام وحكمه جنس واحد، لا يفضل بعضهم بعضًا إلَّا بالتقوى، وأن المسلمين في حكم الله تعالى وشرعه إخوة، وأن الأنساب والأحساب والألوان لا تجعل لأحد فضلًا على غيره، وقد أشار البخاري إلى نصرة هذا القول، حيث قال: (باب الأكفاء في الدين) ثم ساق الأدلة على ذلك.
ولما ساق ابن عبد البر جملة من الآثار الدالة على الحرص على الزواج بالمرأة الصالحة، قال: (هذه الآثار تدل على أن الكفاءة في الدين أولى ما اعتبر واعتمد عليه، وبالله التوفيق) (٢).
ومما له صلة بموضوع الكفاءة، ما يتعلق بمسألة القبيلي والخضيري في بعض الجهات، ويراد بالقبيلي: من له أصل، وهو من ينتسب إلى قبيلة معينة، والخضيري: من ليس كذلك، فيمنعون زواج أحدهما بالآخر، مع أن الأصل فيها الجواز، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لكن لو أدى ذلك إلى حصول مشاكل ونزاع، فينبغي تجنب ذلك إخمادًا لنار الفتنة، ودرءًا للشر، وقطعًا لدابر الفوضى، وحماية للأعراض والأبدان (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3049
تخيير الأمة إذا عتقت تحت عبد
١٠٠٨/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، في حَدِيثٍ طَويلٍ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا، أن زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا. والأوّلُ أَثْبَتُ.
١٠٠٩/ ٦ - وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أنَّهُ كَانَ عَبْدًا.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
هذا الحديث تقدم ذكره في "البيوع"، وأن البخاري أخرجه في أربعة وعشرين موضعًا من "صحيحه"، ومنها: في كتاب "النكاح"، باب (الحرة تحت العبد) (٥٠٩٧)، وأخرجه مسلم في "العتق" (١٥٠٤)(١٤) من طريق مالك بن أَنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أنَّها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله ﷺ والْبُرْمَةُ على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأُدْم من أدم البيت، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية"، وقال النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" هذا لفظ مسلم، وفي رواية لمسلم من طريق سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: " … وكان زوجها عبدًا) (١٥٠٤)(١١)، وفي لفظ آخر: (١٣) (وكان زوج بريرة عبدًا).
стр. 3050
وفي رواية لمسلم -أيضًا- من طريق شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة ﵂ أنَّها أرادت أن تشتري بريرة … وساق الحديث إلى أن قال: فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًّا. قال شعبة: ثم سألته عن زوجها، فقال: لا أدري.
وجاء عند البخاري (٦٧٥٤) أنَّه من قول الأسود بن يزيد الراوي عن عائشة ﵂، قال البخاري: (قول الأسود منقطع، وقول ابن عبَّاس: رأيته عبدًا، أصح)، قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفاظ الحديث، وهو من أقران مسلم، فيما أخرجه البيهقي عنه: (خالف الأسودُ الناسَ في زوج بريرة) وعلى هذا فرواية الأسود شاذة، والشاذ مردود، أما ما ورد. عن عبد الرحمن بن القاسم فقد تردد فيه، فلا يقوى على معارضة ما اتّفِقَ عليه (١).
وبهذا يتبين أن قول الحافظ: وفي رواية عنها: (كان حرًّا) وهم منه، فإنه من كلام عبد الرحمن بن القاسم لا من كلام عائشة ﵂، إلَّا إن كان الحافظ يريد رواية التِّرمِذي (١١٥٥)، وابن ماجة (١/ ٦٧٠) من طريق الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان زوج بريرة حرًّا، فخيرها رسول الله ﷺ ).
وهذه الرواية تمسك بها من قال: إن الأمة تُخير إذا عتقت ولو كانت تحت حر، كما سيأتي.
وأما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب (خيار الأمة تحت العبد) (٥٢٥٨) من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: (رأيته عبدًا، يعني زوج بريرة) وفي لفظ (٥٢٨٢): (كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له: مغيث، عبدًا لبني فلان؛ كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة).
وحديث عائشة ﵂ في قصة بريرة حديث عظيم كثير الفوائد، استنبط منه الحافظ ابن حجر قريبًا من مائة وعشرين فائدة، وذكر أن بعض العلماء أفرده