← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

ما جاء في أن المهنة غير معتبرة في الكفاءة ١٠٠٧/ ٤ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ : قَال: "يا بَني بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيهِ"، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه أَبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في الأكفاء) (٢١٠٢)، والحاكم (٢/ ١٦٤) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ (١)، فقال النبي ﷺ : "يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه"، قال: "وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة" هذا لفظ أبي داود، ولفظ الحاكم هو لفظ: "البلوغ". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، قال الألباني عن تصحيح الحاكم: (فيه نظر، فإن محمد بن عمرو إنما أخرج له مسلم متابعة، وهو حسن الحديث) (٢). والحديث حسنه الحافظ في "التلخيص" (٣)، وقال هنا: (سنده جيد) (٤).

стр. 3047

وفي إسناد الحديث اختلاف لا يضر أشار إليه الحافظ في "الإصابة" (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يا بني بياضة) هم بطن من بطون الخزرج، إحدى قبيلتي الأنصار، وأصلهم من الأزد من قحطان. قوله: (أنكحوا) بفتح الهمزة من أنكح الرباعي؛ أي: زوجوه بناتكم. قوله: (أبا هند) هو مولى فروة بن عمرو البياضي، مختلف في اسمه، قيل: عبد الله، وقيل غير ذلك (٢)، كان حجامًا، حجم النبي ﷺ كما في رواية أبي داود، تخلف عن غزوة بدر، وشهد ما بعدها. قوله: (وانكحوا إليه) بهمزة الوصل أمر من نكح الثلاثي؛ أي: اخطبوا إليه بناته ولا تخرجوه منكم بسبب مهنة الحجامة. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الكفاءة في النسب وفي المهنة غير معتبرة في النكاح، وأن الحاجم يكون كفؤًا لقرابته غير الحجامين، ومثل هذا لو كان جزارًا أو خرازًا أو دباغًا، أو نحو ذلك من المهن التي يزدريها الناس؛ لأن النبي ﷺ أمر بتزويج أبي هند مع أنَّه مولى، وفي الوقت نفسه كانت مهنته الحجامة، وقد كانت من المهن الحقيرة في زمانهم، وهذا يدل على بطلان الحديث الأول. قال الخطابي: (في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أن الكفاءة بالدين وحده، دون غيره … ) (٣). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (ومعلوم أن الحجامة، والدباغة، والحياكة، والحدادة فيها مصالح عظيمة للمسلمين، فالذي يقوم بها جدير بأن يشكر لا بأن يهمل، فإهماله وعدم تزويجه معناه التنفير عن هذه المهن النافعة للناس، فكما أنَّه غَلَظ في الحكم هو غلط في المعنى … ).

стр. 3048

والصواب في هذه المسألة ما قاله الإِمام مالك، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختار ذلك ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١) والشوكاني، والشيخ عبد العزيز بن باز، وهو أن المعتبر في الكفاءة هو الدين، بمعنى الصلاح والتقى، وليس النسب، وكل مسلم يعتبر كفؤًا للمسلمة إلَّا إذا كان فاسقًا؛ لأن الفاسق لا يؤمن أن يحمله فسقه على أن يجني على المرأة، فلا يكون كفؤًا للعفيفة، ولكن لمن كان مثله. أما ما عدا ذلك فليس عندنا من الأدلة ما يدل على اعتباره، والدليل علي ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، فدلت الآية على أن البشر في ميزان الإسلام وحكمه جنس واحد، لا يفضل بعضهم بعضًا إلَّا بالتقوى، وأن المسلمين في حكم الله تعالى وشرعه إخوة، وأن الأنساب والأحساب والألوان لا تجعل لأحد فضلًا على غيره، وقد أشار البخاري إلى نصرة هذا القول، حيث قال: (باب الأكفاء في الدين) ثم ساق الأدلة على ذلك. ولما ساق ابن عبد البر جملة من الآثار الدالة على الحرص على الزواج بالمرأة الصالحة، قال: (هذه الآثار تدل على أن الكفاءة في الدين أولى ما اعتبر واعتمد عليه، وبالله التوفيق) (٢). ومما له صلة بموضوع الكفاءة، ما يتعلق بمسألة القبيلي والخضيري في بعض الجهات، ويراد بالقبيلي: من له أصل، وهو من ينتسب إلى قبيلة معينة، والخضيري: من ليس كذلك، فيمنعون زواج أحدهما بالآخر، مع أن الأصل فيها الجواز، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لكن لو أدى ذلك إلى حصول مشاكل ونزاع، فينبغي تجنب ذلك إخمادًا لنار الفتنة، ودرءًا للشر، وقطعًا لدابر الفوضى، وحماية للأعراض والأبدان (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3049

تخيير الأمة إذا عتقت تحت عبد ١٠٠٨/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، في حَدِيثٍ طَويلٍ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا، أن زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا. والأوّلُ أَثْبَتُ. ١٠٠٩/ ٦ - وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أنَّهُ كَانَ عَبْدًا. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: هذا الحديث تقدم ذكره في "البيوع"، وأن البخاري أخرجه في أربعة وعشرين موضعًا من "صحيحه"، ومنها: في كتاب "النكاح"، باب (الحرة تحت العبد) (٥٠٩٧)، وأخرجه مسلم في "العتق" (١٥٠٤) (١٤) من طريق مالك بن أَنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أنَّها قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله ﷺ والْبُرْمَةُ على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأُدْم من أدم البيت، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ " فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: "هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية"، وقال النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" هذا لفظ مسلم، وفي رواية لمسلم من طريق سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: " … وكان زوجها عبدًا) (١٥٠٤) (١١)، وفي لفظ آخر: (١٣) (وكان زوج بريرة عبدًا).

стр. 3050

وفي رواية لمسلم -أيضًا- من طريق شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة ﵂ أنَّها أرادت أن تشتري بريرة … وساق الحديث إلى أن قال: فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًّا. قال شعبة: ثم سألته عن زوجها، فقال: لا أدري. وجاء عند البخاري (٦٧٥٤) أنَّه من قول الأسود بن يزيد الراوي عن عائشة ﵂، قال البخاري: (قول الأسود منقطع، وقول ابن عبَّاس: رأيته عبدًا، أصح)، قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفاظ الحديث، وهو من أقران مسلم، فيما أخرجه البيهقي عنه: (خالف الأسودُ الناسَ في زوج بريرة) وعلى هذا فرواية الأسود شاذة، والشاذ مردود، أما ما ورد. عن عبد الرحمن بن القاسم فقد تردد فيه، فلا يقوى على معارضة ما اتّفِقَ عليه (١). وبهذا يتبين أن قول الحافظ: وفي رواية عنها: (كان حرًّا) وهم منه، فإنه من كلام عبد الرحمن بن القاسم لا من كلام عائشة ﵂، إلَّا إن كان الحافظ يريد رواية التِّرمِذي (١١٥٥)، وابن ماجة (١/ ٦٧٠) من طريق الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان زوج بريرة حرًّا، فخيرها رسول الله ﷺ ). وهذه الرواية تمسك بها من قال: إن الأمة تُخير إذا عتقت ولو كانت تحت حر، كما سيأتي. وأما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب (خيار الأمة تحت العبد) (٥٢٥٨) من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: (رأيته عبدًا، يعني زوج بريرة) وفي لفظ (٥٢٨٢): (كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له: مغيث، عبدًا لبني فلان؛ كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة). وحديث عائشة ﵂ في قصة بريرة حديث عظيم كثير الفوائد، استنبط منه الحافظ ابن حجر قريبًا من مائة وعشرين فائدة، وذكر أن بعض العلماء أفرده

стр. 3051

بمصنف مستقل، وقد مضى جملة من فوائده في "البيوع"، وسنقتصر - إن شاء الله - في هذا الموضع على أهم ما يتعلق بالنكاح. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (خيرت بريرة) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، والذي خيَّرها هو رسول الله ﷺ ، كما جاء في بعض الرويات: (فخيرها رسول الله ﷺ ) وهي رواية أبي داود. وبريرة هي بنت صفوان، مولاة عائشة ﵂، اشترتها فأعتقتها، وكانت تخدم عائشة ﵂ قبل أن تشتريها، وقصتها في ذلك في "الصحيحين"، وزوجها هو مغيث مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي، وقد عاشت بريرة إلى زمن معاوية ﵁، وتقدم ذكرها في "البيوع". قوله: (حين عتقت) عتق من باب ضرب، يعتق عتقًا، وهو زوال الرق، والأمة عتيق، بلا هاء، وربما قالوا: عتيقة (١). قوله: (والأول أثبت) أي: إنه كان عبدًا، لما يلي: ١ - أن رواته أكثر، فقد رواه عن عائشة ﵂ القاسم وعروة، وتابعهما غيرهما. ٢ - أن الراوي عن عائشة ﵂ أنَّه كان عبدًا هو القاسم وعروة، وعائشة عمة القاسم، وخالة عروة، فروايتهما عنها أولى من رواية أجنبي يسمع من وراء حجاب؛ لأن آل المرء أعرف بحديثه. ٣ - أن غير عائشة ﵂ روى أنَّه كان عبدًا؛ كابن عبَّاس بطريق الجزم، فلم يبق شك في رجحان عبوديته. • الوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت الخيار للأمة بعد عتقها إذا كان زوجها عبدًا، فمإن شاءت تبقى معه، وإن شاءت أن تفارقه، وهذا أمر مجمع عليه، كما نقله النووي وغيره (٢).

стр. 3052

• الوجه الرابع: الحديث دليل على اعتبار الحرية في الكفاءة بين الزوجين وأنه شرط، فلا يكون العبد كفؤًا للحرة؛ لأنه ﷺ خير بريرة حين عتقت تحت عبد، وإذا ثبت الخيار في الاستدامة، ففي الابتداء أولى، ولأن العبد منقوص بالرق ممنوع من التصرف، مشغول عن امرأته بحقوق سيده، لا ينفق نفقة الموسرين. والكفاءة في الحرية ليست شرطًا لصحة النكاح، وإنَّما هي شرط للزومه، فيتوقف ذلك على رضا المرأة والأولياء، بدليل هذه القصة، وشفاعة النبي ﷺ إليها، فقد ورد عن ابن عبَّاس ﵄ أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له: مغيث؛ كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: "يا عبَّاس ألا تعجب من حب مُغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرة مغيثًا"، فقال النبي ﷺ : "لو راجعتيه"، فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع"، قالت: لا حاجة لي فيه (١). فدل ذلك على صحة النكاح لو وافقت على البقاء مع زوجها. • الوجه الخامس: الجمهور من أهل العلم على أن الأمة إذا عتقت تحت حر فليس لها الخيار، لمفهوم قوله في الحديث: (وكان عبدًا) فإن هذا يدل على أن الحر ليس كذلك؛ لأنه لو لم يكن لذلك تأثير لم يكن لذكر هذا الوصف فائدة، فهو وصف مناسب يصح تعليل الحكم به. ولأن الأصل في النكاح اللزوم والدوام، ولا طريق إلى فسخه إلَّا بالشرع، وقد ثبت في العبد، فيبقى الحر على الأصل، ولأنه لا ضرر عليها ولا عار وهي حرة في المقام تحت حر؛ لأن المكافأة موجودة، وإنما يكون ذلك إذا كانت تحت عبد، كما تقدم. وخالف في ذلك الحنفية، وسفيان الثَّوري، فقالوا: إن من عتقت فلها الخيار مطلقًا، سواء أكانت تحت عبد أم حر (٢)، مستدلين برواية: (وكان حرًّا)، وهذا قول مرجوح؛ لأن هذه الرواية شاذة، كما تقدم.

стр. 3053

• الوجه السادس: إذا اختارت الأمةُ بعد عتقها نَفْسَهَا لم يكن للزوج عليها رجعة إلَّا بعقد جديد برضاها، ولا يزال خيارها باقيًا ما لم يطأها، فإذا وطئها سقط خيارها، وذلك لما ورد في إحدى الروايات: "إن قَرَبَكِ فلا خيار لك" (١)، وروى مالك عن ابن عمر ﵄ أفتى بذلك، كما روى عن حفصة أنَّها أفتت بذلك (٢). قال ابن عبد البر: (لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة) (٣)، وقال به جمع من التابعين، منهم الفقهاء السبعة (٤). • الوجه السابع: استدل الجمهور بحديث الباب على أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها، ووجه الاستدلال: أن عائشة ﵂ اشترت بريرة، ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها النبي ﷺ بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، ولو كان بيعها طلاقها لما خيرها النبي ﷺ ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، المَسْبِيَّاتُ فقط، وخالف في هذا جماعة من السلف، والله تعالى أعلم (٥).

стр. 3054

حكم من أسلم وتحته أختان ١٠١٠/ ٧ - عَنِ الضَّحّاكِ بنِ فَيرُوزَ الدَّيلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، والدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو الضحاك بن فيروز الديلمي، روى عن أبيه، وروى عنه عروة بن غزية، وكثير الصنعاني، وأَبو وَهْب الجيشاني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن أبي حاتم ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، قال البخاري: (الضحاك بن فيروز، عن أبيه، وعنه أَبو وَهْب الجيشاني، لا يعرف سماع بعضهم من بعض)، وجزم بجهالته ابن القطان (١). وأما والده فهو فيروز الديلمي، ويقال له: الحميري، لنزوله بحمير، يكنى أبا الضحاك، وقيل: أبا عبد الله، وفد على رسول الله ﷺ ، ثم رجع إلى اليمن، فأعان على قتل الأسود العنسي الذي كان تنبأ باليمن قبل وفاة النبي ﷺ ، وأتاه خبره وهو مريض مرضه الذي مات منه. مات فيروز باليمن في خلافة عثمان ﵁، وقيل: في خلافة معاوية ﵁، سنة ثلاث وخمسين (٢).

стр. 3055

• الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٢٩/ ٥٧٧)، وأَبو داود (٢٢٤٣) في كتاب "النكاح" باب "فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان"، والتِّرمِذي (١١٢٩) (١١٣٠)، وابن ماجه (١٩٥١)، وابن حبان (٩/ ٤٦٢)، والدارقطني (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي (٧/ ١٨٤) من طريق أبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، به. والحديث حسنه التِّرمِذي، وحسنه -أيضًا- الحافظ في "تخريجه لأحاديث مختصر ابن الحاجب" (١)، كما حسنه الألباني (٢). وفي سنده الضحاك بن فيروز وأَبو وَهْب الجيشاني، وقد روى عنهما جمع، ولم يوثقهما إلَّا ابن حبان (٣)، وقال في كتابه "مشاهير علماء الأمصار" عن الضحاك: (من الأثبات في الروايات)، وقال في أبي وَهْب: (من جلة المصريين ممن صحب الضحاك) (٤)، وقال البخاري في "تاريخه" بعد سياقه هذا الحديث: (في إسناده نظر) (٥). وقال في ترجمة الضحاك: (الضحاك بن فيروز عن أبيه، وعنه أَبو وَهْب لا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٦) وقال في موضع آخر: (سمع الضحاك من فيروز) (٧). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من أسلم وعنده زوجتان وهما أختان أنَّه يلزمه مفارقة إحداهما، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم إلَّا أنَّه قد انعقد الإجماع على ذلك، فقد نقل ابن رشد الاتفاق على أنَّه لا يجمع بين الأختين في عقد نكاح؛ لقوله تعالى في ذكر المحرمات: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] (٨). قال ابن كثير عند هذه الآية:

стр. 3056

(أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنَّه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح) (١). وهكذا الحكم في المرأة وعمتها أو خالتها، فيلزمه مفارقة إحداهما؛ لأن المعنى في الجميع واحد. وقال الشوكاني: (فإذا أسلم كافر وعنده أختان أُجبر على تطليق إحداهما، وفي ترك استفصاله ﷺ عن المتقدمة منهما من المتأخرة دليل على أنَّه يحكم لعقود الكفار بالصحة وإن لم توافق الإسلام، فإذا أسلموا أجرينا عليهم في الأنكحة أحكام المسلمين.) (٢) والله تعالى أعلم.

стр. 3057

حكم من أسلم وتحته أكثر من أربع ١٠١١/ ٨ - عَنْ سَالِمِ عَنْ أَبِيهِ أن غَيلانَ بنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أنْ يَتَخَيّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا". رواهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٨/ ٢٢٠، ٢٥١)، والتِّرمِذي (١١٢٨)، وابن حبان (٩/ ٤٦٣)، والحاكم (٢/ ١٩٢) من طريق معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ أن غيلان بن سلمة … فذكره. وهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، لكن أعله الحفاظ بأن معمرًا أخطأ فيه، فوصل إسناده؛ لأنه حدث به في العراق من حفظه، وقد رواه عبد الرزاق (١٢٦٢١) عن معمر، عن الزُّهْريّ، أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة … هكذا مرسلًا، وكذا رواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٥٨٦). وقد رجح هذا المرسل جمع من الأئمة، وحكموا على معمر بالوهم فيه، ومنهم البخاري، فإنه قال عن وصله: (إنه غير محفوظ)، وكذا الإِمام مسلم، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: (المرسل أصح). ومنهم أَبو داود كما في "المراسيل" (١)، ونقل الأثرم عن الإِمام أحمد أنَّه قال: (هذا

стр. 3058

الحديث ليس بصحيح)، وكذا الدَّارَقُطني، وقال ابن عبد البر: (الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية) (١). وقد ذهب البخاري إلى أن الحديث عن الزُّهْريّ، عن محمد بن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة أسلم … ، نقل التِّرمِذي عنه ذلك في "جامعه" (٢/ ٤٢٢)، وفي "العلل" (١/ ٤٤٦)، وكذا رجحه أَبو حاتم في "العلل" (١/ ٤٠١). قال البخاري: وإنما حديث الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: (لتراجعن نساءك، أو لأرجمن قبرك، كما رُجم قبر أبي رِغَال) (٢). وهذا الحديث أخرجه أحمد (٨/ ٢٥١) وغيره، قال الحافظ: (في إسناده مقال)، وعلى هذا فيكون معمر قد أخطأ عندما جعل إسناد هذا الحديث الذي فيه كلام عمر للحديث الذي فيه كلام النبي ﷺ ، ذكر هذا الإِمام مسلم في "التمييز"، كما نقله عنه الحافظ في "الإصابة" (٣)، وكذا قال الطحاوي (٤). ونقل الحافظ عن البزار أنَّه قال: (جَوَّدَهُ معمر بالبصرة، وأفسده باليمن؛ فأرسله)، وقال ابن عدي في "الكامل" (١/ ١٧٩): (هذا الحديث إنما يرويه معمر، عن الزُّهْريّ، وهو مما أخطأ فيه معمر بالبصرة .. ). وقد رجح الموصول ابن القطان ومن تبعه، وأطال ابن القطان في مناقشة علل هذا الحديث، وذكر الاختلاف فيه على الزُّهْريّ، ثم قال: (والمتحصل من هذا هو أن حديث الزُّهْريّ عن سالم، عن أبيه، من رواية معمر في قصة غيلان صحيح، ولم يعتلَّ عليه من ضعفه بأكثر من الاختلاف على الزُّهْريّ، فاعلم ذلك) (٥). وأيدوا ذلك بأن الحديث جاء من طريق آخر مثل رواية عمر، وهو طريق

стр. 3059

سيف بن عبد الله، عن سَرَّار بن مجشِّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر … أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٧١٠)، والدارقطني (٣/ ٢٧٢)، والبيهقي (٧/ ١٨٣)، وذكر الدَّارَقُطني في "العلل" (١٣/ ١٢٤) أن سيف بن عبيد الله قد تفرد به عن سَرَّار. والذي يظهر هو ما قاله الأئمة الكبار الجهابذة، إذ لا يمكن أن يكون للحديث إسناد صحيح، ثم يجمع هؤلاء الأئمة على رده، وللحديث شاهد من حديث قيس بن الحارث ﵁ رواه أَبو داود (٢٢٤١)، وابن ماجة (١٩٥٢)، وله طرق (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن غيلان بن سلمة) هو من ثقيف، بل أحد وجوهها، كان شاعرًا، وقد وفد على كسرى، وله معه قصة وحوار، فأعجب بعقله، وبنى له حصنًا في الطائف، ثم جاء الإسلام فأسلم غيلان بعد فتح مكة، وأسلم معه أولاده، وكان عنده عشر نسوة، وتوفي في خلافة عمر ﵁ (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أنَّه ليس للمسلم أن يتزوج بأكثر من أربع، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، والواو للتخيير؛ أي: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، بدليل قوله تعالى في آخرها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وقد ذكر البخاري في "صحيحه" عن علي بن الحسين ﵀ أنَّه قال: (يعني: مثنى أو ثلاث أو رباع) (٣). وقد انعقد الإجماع على ذلك، كما حكاه ابن كثير وغيره، إلَّا ما حكي عن طائفة من الرافضة أنَّه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر (٤)، وهذا قول فاسد لا يعول عليه، ولا حجة لأحد لا في

стр. 3060

الآية الكريمة، ولا في فعل النبي ﷺ في كونه تزوج بأكثر من أربع، فإن هذا من خصائصه، بدليل أنَّه أمر من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على الأربع، ولو لم يكن هذا من خصائصه ﷺ ما أمر من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على ذلك، وما ذكره البخاري يعتبر من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة؛ لكونه من تفسير علي بن الحسين، المعروف بزين العابدين، وهو من أئمتهم الذي يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3061

حكم الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر ١٠١٢/ ٩ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: رَدّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زينَبَ عَلَى أَبي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيع، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَّاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ والأرْبَعَةُ إلّا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ أَحْمدُ وَالْحَاكِمُ. ١٠١٣/ ١٠ - وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أن النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَينَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، قَال التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ. ١٠١٤/ ١١ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُها فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الآخِرِ، وَرَدَّها إلى زوجِهَا الأَوَّلِ. رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَة. وَصَحَّحَه ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. • الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد رواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، (٤/ ١٩٥)، وأَبو داود في كتاب "النكاح"، باب (إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها؛) (٢٢٤٠)، والتِّرمِذي (١١٤٣)، وابن ماجة (٢٥٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، به.

стр. 3062

والحديث في سنده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث في رواية التِّرمِذي، وإحدى روايات أحمد (٤/ ١٩٥). لكن داود بن الحصين تُكُلِّم في روايته عن عكرمة، فقد قال علي ابن المديني: (ما روى عن عكرمة فمنكر)، وقال أَبو داود: (أحاديثه عن عكرمة مناكير، وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة)، وقال الحافظ في "التقريب": (ثقة إلَّا في عكرمة). والحديث صححه الإِمام أحمد كما سيأتي، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وقال التِّرمِذي: (ليس بإسناده بأس)، وقال ابن كثير: (هذا إسناد جيد قوي) (١)، ومال إلى تقويته الحافظ ابن حجر ﵀؛ اقتداءً بمن صححه من الأئمة (٢)، ولعل من صححه نظر إلى شواهده، ومنها ما رواه ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٣٤٠) عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: (قدم أَبو العاص بن الربيع من الشام وقد أسلمت امرأته زينب مع أبيها وهاجرت، ثم أسلم بعد ذلك، وما فُرق بينهما)، وإسناده صحيح إلى الشعبي، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢١٠٧) من طريق داود بن أبي هند، ورواه ابن أبي شيبة (١٤/ ١٧٦) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن الشعبي أن رسول الله ﷺ رَدَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع حيث أسلم بعد إسلام زينب، فردَّها عليه بالنكاح الأول. وهذا إسناد صحيح إلى الشعبي أيضًا. وجاء في "مصنف عبد الرزاق" (٧/ ١٧١) من طريق معمر، عن عكرمة بن خالد، أن عكرمة بن أبي جهل فرَّ يوم الفتح، فكتبت إليه امرأته فردته، فأسلم، وكانت قد أسلمت قبل ذلك، فأقرها النبي ﷺ على نكاحهما، وهذا مرسل صحيح الإسناد. وأما حديث عمرو بن شعيب فقد أخرجه أحمد (١١/ ٥٢٩)، والتِّرمِذي (١١٤٢)، وابن ماجة (٢٠١٠) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.

стр. 3063

قال التِّرمِذي: (هذا حديث في إسناده مقال)، وذلك لأن الحديث من رواية الحجاج بن أرطاة، ومداره عليه، وهو مدلس قبيح التدليس، يدلس عن المجروحين، ثم إنه لم يسمعه من عمرو بن شعيب، وإنَّما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف (١)، قال عبد الله بن أحمد: (قال أبي في حديث حجاج: "ردَّ زينب ابنته" قال: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنَّما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي: لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي روي: أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول) (٢). وقال البخاري: (حديث ابن عبَّاس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) (٣)، لكن هذا لا يعني صحة حديث ابن عبَّاس، فإن البخاري لم يحكم بصحته، وإنما قال: (أصح) وهذا يعني أنَّه أقل ضعفًا من حديث عمرو بن شعيب، فالضعف متفاوت، فهو أصح الضعيفين عنده، وهذا يوجد في كلام المتقدمين (٤)، وقال الدَّارَقُطني: (هذا لا يثبت، وحجاج لا يحتج به، والصواب حديث ابن عبَّاس أن النبي ﷺ ردها بالنكاح الأول) (٥). وقول الحافظ: (قال التِّرمِذي: حديث ابن عبَّاس أجود إسنادًا … إلخ)، الذي في "جامع التِّرمِذي" أن قائل ذلك يزيد بن هارون أحد من روى الحديث عن حجاج، نقله عنه التِّرمِذي، وليس من مقولة التِّرمِذي نفسه. وأما الحديث الثالث، وهو حديث ابن عبَّاس ﵄، فقد رواه أحمد (٣/ ٤٩٠)، وأَبو داود (٢٢٣٨) في كتاب "النكاح" باب (إذا أسلم أحد الزوجين)، والتِّرمِذي (١١٤٤)، وابن ماجة (١٢٨٥)، وابن حبان (٩/ ٤٦٧)، والحاكم

стр. 3064

(٢/ ٢٠٠) من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، به. وقد اختلفت نسخ التِّرمِذي في الحكم على هذا الحديث، ففي بعضها: (هذا حديث صحيح) وفي بعضها: (هذا حديث حسن)، وهو الذي ذكره المزي (١). وقال الحاكم: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه). وهذا فيه نظر، فإن الحديث مداره على سماك بن حرب، وروايته عن عكرمة مضطربة، كما قال ابن المديني، ويعقوب بن سفيان، وجماعة، وقال النَّسائي: (إذا انفرد سماك بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بِأَخَرَة، فكان ربما يلقن). ونظرًا لتعارض هذين الحديثين - حديث ابن عبَّاس الأول وحديث عمرو بن شعيب - فقد حصل الخلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن العمل على حديث ابن عبَّاس ﵄، والجمهور قالوا: إن العمل على حديث عمرو بن شعيب، كما سيأتي. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (ابنته زينب) هي كبرى بنات النبي ﷺ ، وقيل: أكبر أولاده، ولدت وللنبي ﷺ ثلاثون سنة، وماتت سنة ثمان، وغسلتها أم عطية ﵂، تقدم ذكرها في "الصلاة" (٣)، وفي "الجنائز" (٤). قوله: (أبي العاص بن الربيع) هذا زوج زينب، وهو ابن خالتها، واسمه: لقيط بن الربيع بن عبد العزى، وقيل: القاسم بن الربيع، القرشي العبشمي بينه، قال ابن إسحاق: (كان من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة)، تزوج زينب قبل البعثة بيسير، ثم هاجرت وتركته على شركه، وقد أسلم في المحرم سنة سبع (٥)، وقيل: قبل الفتح سنة ثمان (٦) وهاجر، فرد

стр. 3065

النبي ﷺ زينب عليه، توفي أَبو العاص سنة ثنتي عشرة في خلافة أبي بكر ﵁ (١). قوله: (بعد ست سنين) هذه رواية التِّرمِذي في "جامعه"، وهي أرجح الروايات في المدة بين هجرة زينب هاسلام زوجها؛ لأنها هاجرت سنة اثنتين من الهجرة، وهو أسلم عام الفتح سنة ثمان، وعلى هذا فالمراد بالست: ما بين هجرتها وإسلام زوجها؛ لأنها هاجرت بعد بدر، وهو أسلم سنة ثمان، وإلَّا فهي قد أسلمت من أول البعثة، فيكون بين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة (٢). وعند ابن ماجة وإحدى روايات أحمد (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، ورواية التِّرمِذي في "العلل": (بعد سنتين)، وكلاهما عند أبي داود، قال ابن كثير: (وهو صحيح)، وجمع بينهما أن الست على ما تقدم، وأما السنتان فالمراد بهما ما بين نزول قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وبين قدوم العاص بن أبي الربيع مسلمًا، فإن بينهما سنتين وأشهرًا؛ لأنه أسلم سنة ثمان، كما ذكر ابن كثير، والآية نزلت في ذي القعدة سنة ست، قال ابن كثير: (فالظاهر انقضاء عدتها في هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها … ) (٣). فيكون إسلامه قد تأخر عن وقت تحريم المسلمات على الكفار بسنتين (٤). قوله: (بالنكاح الأول) أي: بالعقد الأول الذي كان في مكة قبل البعثة. قوله: (ولم يحدث نكاحًا) أي: ولم يعقد له عقدًا جديدًا. قوله: (فجاء زوجها) أي: الأول. قوله: (من زوجها الآخِر) بكسر الخاء أي: الأخير.

стр. 3066

• الوجه الثالث: حديث ابن عبَّاس ﵄ الأول فيه دليل على أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها الذي دخل بها، ثم انتظرته ولم تتزوج فإنها تحل له بعد إسلامه؛ استصحابًا للعقد الأول قبل البعثة، ولا تحتاج إلى عقد جديد، ولو كان ذلك بعد انقضاء العدة؛ إذ ليس في نصِّ الحديث ما يفيد اعتبارها، وعلى هذا فالمرأة بعد انقضاء عدتها لا ينفسخ نكاحها، بل هي بالخيار إن شاءت تزوجت، وإن شاءت انتظرت زوجها حتَّى يسلم، ثم ترجع إليه، لكن لا ينبغي أن يُفهم من هذا بقاء المعاشرة الزوجية، بل يحرم الوطء ودواعيه منذ إسلامها حتَّى يسلم زوجها فورًا أو أثناء أو بعدها. وهذا قول جماعة من السلف، منهم الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنهم، ومجاهد، وآخرون (١)، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، ونصره ابن القيم (٣)، واختاره ابن كثير، فقال: (هذا القول فيه قوة، وله حظ من جهة الفقه، والله أعلم)، وأيده بحديث ابن عبَّاس ﵄: (كان المشركون على منزلتين من رسول الله ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتَّى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه … ) (٤). قال ابن كثير: (هذا يقتضي أنَّه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة أنَّها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجًا غيره، كما هو الظاهر من قصة زينب بنت الرسول ﷺ ، وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء، والله أعلم) (٥). واختار هذا القول الصنعاني -أيضًا- ومن بعده الشوكاني (٦)؛ لأن حديث الباب دليل واضح في أن العدة ليس لها اعتبار في رد زينب ﵂ على

стр. 3067

زوجها أبي العاص، كما أنَّه دليل واضح على أنَّه ردها إليه بالعقد الأول، ولم يحدث عقدًا جديدًا، قالوا: وحديث ابن عبَّاس وإن كان فيه ضعف، لكن ضعفه أقل من ضعف حديث عمرو بن شعيب. وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّه متى أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتَّى انقضت عدة المرأة المدخول بها انفسخ النكاح (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ [الممتحنة: ١٠]، كما استدلوا بحديث عمرو بن شعيب. قالوا: ولأن المرأة تنقطع علاقتها بزوجها بتمام العدة. وأجابوا عن قصة أبي العاص مع امرأته بعدة أجوبة، منها: أنَّها قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار، فتكون منسوخة بما جاء بعدها، أو أنَّها كانت حاملًا واستمر حملها حتَّى أسلم زوجها، أو أنَّها ردت إليه بنكاح جديد، كما في حديث عمرو بن شعيب (٢). والراجح هو القول الأول، لقوة دليله؛ فإن حديث ابن عبَّاس ﵄ ليس فيه ما يدل على اعتبار العدة، ومما يؤيد ذلك أنَّه ثبت بالتواتر إسلام كثيرين في عهد النبي ﷺ ، يسلم أحد الزوجين، ويتأخر إسلام الآخر، فلا يسلم إلَّا بعد انقضاء العدة، ومع هذا لم ينقل أن النبي ﷺ كان يسأل عن انقضاء العدة، ولم ينقل أنَّه جدد العقد لأحد، مما يدل على بقاء النكاح، وأما مراعاة العدة وهو أنَّه إذا أسلم في أثنائها ردت إليه، وإن أسلم بعد انقضائها انفسخ النكاح، فلا دليل عليه من نص ولا إجماع، ثم لو كان الإسلام بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية، بل بائنة، ولا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنَّما أثرها في منع نكاحها للغير، ولو كان الإسلام أنجز الفرقة لم يكن أحق بها في العدة.

стр. 3068

ومما يؤيد هذا -أيضًا- أنَّه ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه خيَّر امرأة من أهل الحيرة أسلمت ولم يسلم زوجها (١). ومما يؤيد ذلك أنَّه بإسلامها لم يكن كفؤًا لها، وإذا انتفت الكفاءة أعطيت الزوجة الخيار كقصة بريرة المتقدمة، ولا يرد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ لأن معناها: أن المؤمنة المهاجرة لا ترجع إلى كفار مكة المحاربين، ولا تحل لكافر محارب، ولا يحل لها كافر محارب، وليس في ذلك ما يدل على أن عقد النكاح قد انقطع بين المرأة وزوجها الكافر المحارب، وإنَّما أباحت لها النكاح، فلما جاءت قصة زينب فأثبتت استمرار العقد القديم، دلَّ على أن إباحة نكاح المهاجرة التي لها زوج في أرض الشرك كان على سبيل الرخصة، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). يقول ابن تيمية: "والقول بتعجيل الفرقة خلاف المعلوم بالتواتر من سنة رسول الله ﷺ ، والقول بالتوقف على انقضاء العدة -أيضًا- كذلك، فإن النبي ﷺ لم يوقت ذلك في من أسلم على عهده من النساء والرجال مع كثرة ذلك؛ لأنه لا مناسبة بين العدة وبين استحقاقها بإسلام أحدهما … " (٣). وقال في تضعيف القول بأن الفرقة تقع بمجرد الإسلام: (إن في هذا تنفيرًا عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت، أو الزوج أنَّه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب، ولم يبق له عليها سبيل إلَّا برضاها ورضا وليها ومهر جديد، نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كل منهُما أنَّه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلَّا أن يختار هو المفارقة كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه) (٤).

стр. 3069

• الوجه الرابع: استدل العلماء بحديث ابن عبَّاس ﵄ الثاني على أنَّه إذا أسلم الزوج، وعلمت امرأته بإسلامه فهي على عقد نكاحه، وإن تزوجت باعتبار أن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الأول، فهو زواج باطل، فتنزع من زوجها الآخِر، وتعاد لزوجها الأول؛ لأن زواجها الأول لا يزال قائمًا، ورجح الصنعاني أن زوجها الأول أسلم وهي في العدة؛ إذ لو كان إسلامه بعد إنقضاء عدتها فنكاح الثاني صحيح (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3070

العيوب في النكاح ١٠١٥/ ١٢ - عَنْ زَيدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، قال: تَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي كِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ"، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَفي إسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زيدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَليهِ في شَيخِهِ اخْتِلافًا كثِيرًا. ١٠١٦/ ١٣ - وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: أَيَّمَا رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بن مَنْصورٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبي شَيبَةَ. وَرِجَالُهُ ثِقَات. ١٠١٧/ ١٤ - وَرَوَى سَعِيدُ أَيضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيضًا قَال: قَضَى عُمَرُ ﵁ في الْعِنِّينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. • الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: الأول: زيد بن كعب: وهو زيد بن كعب، أو كعب بن زيد الأنصاري، مذكور في "الاستيعاب" و"أسد الغابة" و"الإصابة" وغيرها، وهو الراوي لقصة الغفارية، أما كونه ابن كعب بن عجرة، وأنه روى هذه القصة عن أبيه كعب بن

стр. 3071

عجرة، فهذا مما انفرد به الحاكم، كما سيأتي، والذين ترجموا لكعب بن عجرة لم يذكروا له هذه الرواية، قال أَبو حاتم: (هو زيد بن كعب، ومنهم من يقول: كعب بن زيد، واحد، لا يقول: ابن عجرة … ) (١). الثاني: أَبو محمد، سعيد بن المسيب بن حَزْن القرشي المدني، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، أَبوه وجده صحابيان، ولد في المدينة لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁؛ أي: سنة خمس عشرة، ونشأ بالمدينة، وعصره هو عصر التابعين، جمع سعيد بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، قال ﵀: (ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة) يعني: لمحافظته على الصف الأول، قال ابن المديني: (لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد بن المسيب)، وقال الحافظ في "التقريب": (اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل)، وقد كان له عنابة شديدة بمرويات عمر وآرائه، وكل ما صدر عنه، حتَّى قيل له: "راوية عمر"، مات بالمدينة سنة أربع وتسعين ﵀ (٢). • الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث كعب بن عجرة فقد رواه الحاكم (٤/ ٣٤) من طريق يحيى بن يوسف الرقي، عن أبي معاوية الضرير، عن جميل بن زيد الطائي، عن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه، قال: … فذكره. ورواه سعيد بن منصور (٨٢٩) عن أبي معاوية، والطحاوي في "شرح المشكل" (٢/ ١٠٦) من طريق عبد الملك بن مروان، كلاهما (سعيد وعبد الملك) عن أبي معاوية به، ولم يذكرا: (عن أبيه). وأخرجه الطحاوي (٢/ ١٠٧) من طريق حفص بن غياث، ومحمد بن

стр. 3072

أبي حفص، كلاهما عن جميل بن زيد، عن زيد بن كعب، قال: كان النبي ﷺ ذكرت له امرأة من بني غفار … الحديث. وهذه متابعة لأبي معاوية علي عدم ذكر (ابن عجرة عن أبيه) وهذا كله من الاختلاف عليه. وأخرجه أحمد (٢٥/ ٤١٧) من طريق القاسم بن مالك المزني أبي جعفر، قال: أخبرني جميل بن زيد، قال: صحبت شيخًا من الأنصار، ذكر أنه كانت له صحبة، يقال له: كعب بن زيد أو زيد بن كعب … فذكره. وهذا سند ضعيف جدًّا، مداره علي جميل بن زيد، وجميل بن زيد ضعيف، واختلف عليه في شيخه اختلافًا كثيرًا، قال ابن معين: (ليس بثقة)، وقال ابن حبان: (واهي الحديث)، وقال أبو حاتم وأبو القاسم البغوي: (ضعيف الحديث)، وقال البخاري: (لم يصح حديثه)، ونقل البخاري في "تاريخه" عن أبي بكر بن عياش، عن جميل بن زيد، قال: هذه أحاديث ابن عمر، ما سمعت من ابن عمر شيئًا، إنما قالوا: اكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة فكتبتها (١). وقال ابن عدي: (جميل بن زيد يعرف بهذا الحديث، واضطرب الرواة عنه بهذا الحديث حسب ما ذكره البخاري، وتلوَّن فيه علي ألوان، واختلف عليه من روي عنه … ) (٢). ومن وجوه اضطرابه: ما أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٢٣)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٢/ ١٠٢)، من طريق عباد بن العوام، عنه، عن كعب بن زيد الأنصاري. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٢٣) من طريق محمد بن فضيل، عنه، عن عبد الله بن كعب، قال: تزوج النبي ﷺ … وأخرجه الطحاوي (٢/ ١٠٨) من طريق محمد بن عمر العطار، والبيهقي (٧/ ٢٥٦) من طريق أبي يحيي، كلاهما عنه، عن سعد بن زيد الأنصاري …

стр. 3073

وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٢٣)، وأبو يعلى (٥٢٩٩)، والطحاوي (٢/ ١٠٤)، وابن عدي (٢/ ١٧١)، والبيهقي (٧/ ٢١٣ - ٢٥٧، ٢١٤)، من طرق عن جميل بن زيد، قال: سمعت ابن عمر يقول: تزوج النبي ﷺ … قال الألباني: (وجملة القول أن الحديث ضعيف جدًّا، لوهاءِ جميل بن زيد، وتفرده به، واضطرابه) (١)، ثم إن معناه فيه نظر، فإنه ليس من أخلاق النبي ﷺ أن يقول لها في الحال: الحقي بأهلك، فإن هذا لا يقوله آحاد الناس، فكيف بالمصطفي ﷺ الذي قال الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٢) [القلم: ٤]؟! وأما حديث سعيد بن المسيب، فقد رواه سعيد بن منصور (١/ ٢١٢) باب (من يتزوج امرأة مجذومة)، ومالك في "الموطأ" (٢/ ٥٢٦)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٧٥) كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر ﵁ به. وهذا الأثر رجاله ثقات كما قال الحافظ، لكن لا يلزم من هذا صحته، ولهذا لم يصرح بصحة السند، وقد ضعفه جماعة من أهل العلم بأن سعيدًا لم يسمع من عمر ﵁، كما قال ابن معين وأبو حاتم، فيكون منقطعًا، ولعل الحافظ ذكر التابعي، وهو سعيد، ليفهم القارئ الانقطاع في السند. قال الإمام مالك: (لم يسمع سعيد من عمر، ولكنه أكبَّ على المسألة في شأنه وأمره، حتى كأنه رآه)، ويؤيد ذلك ما ذكره بكير بن الأشج، قال: سُئل سعيد بن المسيب هل أدركت عمر بن الخطاب؟ فقال: لا، وقيل لابنه يحيي: يصح سماع سعيد من عمر؟ قال: لا، إلا رؤيةً، رآه علي المنبر ينعي النعمان بن مقرِّن (٣). وقال أبو حاتم: (لا يصح لسعيد سماع من عمر، إلا

стр. 3074

رؤيته علي المنبر ينعي النعمان بن مقرن)، وقال: (سعيد بن المسيب عن عمر مرسل يدخل في المسند علي المجاز) (١). وجاء في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم أن أبا طالب قال: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؛ فقال: ومن كان مثل سعيد بن المسيب؟! ثقة من أهل الخير، قلت: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأي عمر وسمع منه: إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟! (٢)، لكن هذا لا يفيد ثبوت السماع مطلقًا. وذكر الذهبي أنه سمع من عمر شيئًا وهو يخطب (٣). والذي يظهر -والله أعلم- أن سعيدًا سمع من عمر بعض الروايات؛ لأنه كان عمره ثمان سنوات، وكان ذكيًّا، فلا عجب أن يتذكر شخصية عمر وبعض أقواله علي المنبر، وقد عني بقضايا عمر ﵁ حتى أصبح مرجعًا فيها، ومعلوم أن الانقطاع مظنة الضعف، لكنه هنا مندفع، فتكون رواية سعيد حجة؛ للعلم بالواسطة، ولتقدم الطبقة، وللاهتمام بأحاديث عمر ﵁، قال ابن عبد البر: (ورواية سعيد بن المسيب عن عمر .. تجري مجري المتصل، وجائز الاحتجاج بها عندهم؛ لأنه قد رآه، وقد صحح بعض العلماء سماعه منه، وولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقال سعيد: ما قضي رسول الله ﷺ بقضية ولا أبو بكر ولا عمر إلا وأنا أحفظها) (٤). وقال ابن القيم: (وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله ﷺ ، فكيف بروايته عن عمر ﵁، وكان عبد الله بن عمر يرسل إلي سعيد يسأله عن قضايا عمر فيفتي بها، ولم يطعن أحد قط من أهل عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب عن عمر، ولا عبرة بغيرهم) (٥).

стр. 3075

وأما أثر علي ﵁، فقد أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢١٣)، والبيهقي (٧/ ٢١٥) من طريق الشعبي، عن علي ﵁، نحوه، بالزيادة المذكورة. وهذا الأثر ضعيف، لانقطاعه؛ لأن الشعبي لم يسمع من علي ﵁ إلا حرفًا لم يسمع غيره، كما قاله الدارقطني (١). وكأنه عني بذلك ما رواه البخاري "في صحيحه" من طريق الشعبي، عن علي ﵁ في رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: رجمتها بسنة رسول الله ﷺ (٢). وأما أثر سعيد عن عمر ﵁ في العنين فقد أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٢٥٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٧)، والدارقطني (٤/ ٤٩٦)، والبيهقي (٧/ ٢٢٦) وفيه ما تقدم، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: (يؤجل العنين سنة، فإن جامع وإلا فرق بينهما) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٦) بإسناد صحيح علي شرط مسلم، كما قال الألباني (٣). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظها: قوله: (من بني غفار) بكسر الغين المعجمة، قبيلة من قبائل عدنان، ومنازلهم قرب مكة. قوله: (كشحها) بفتح الكاف، هو ما بين الخاصرة والضلوع. قوله: (بياضًا) أي: برصًا. قوله: (الحقي بأهلك) هذه الصيغة من كنايات الطلاق الظاهرة إذا اقترنت بنية. قوله: (أَيما رجل) هذا لا مفهوم له، فالمرأة إذا وجدت الرجل معيبًا فلها الفسخ. قوله: (تزوج امرأة) أي: عقد عليها.

стр. 3076

قوله: (فدخل بها) الدخول بالزوجة وطؤها، ويطلق علي الخلوة، لكن المراد هنا الأول، بدليل قوله: "بمسيسه إياها" مع قوله: "فإن مسها … ". قوله: (برصاء) البَرَصُ: بفتح الباء والراء مصدر برص -بكسر الراء- وهو بياض يقع في ظهر الجلد، ويذهب دمويته (١). قوله: (أو مجنونة) الجنون: زوال العقل وذهابه لآفة، ومظهره جريان التصرفات القولية والفعلية علي غير نهج العقلاء. قوله: (أو مجذومة) الجذام بضم الجيم، علة يحمر منها العضو، ثم يسود، ثم يتقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو، لكنه في الوجه أغلب (٢). قوله: (بمسيسه) المسيس: بفتح فكسر، المراد به هنا الجماع، قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمعنى: أن ما بها من الجنون والجذام والبرص لا يوجب استباحة بضعها دون عوض. قوله: (وهو له) الضمير الأول يعود علي الصداق، والثاني علي الزوج. قوله: (على من غره) أي: أوهمه أن المرأة لا عيب فيها فاتضح أنها معيبة، فالغَارُّ: هو من علم بالعيب وكتمه من زوجة عاقلة، أو ولي، أو وكيل. قوله: (أو بها قَرْنٌ) مصدر قرنت المرأة بكسر الراء تقرن قرنًا بالفتح، إذا كان في فرجها قَرْنٌ، بسكون الراء، وهو عظم أو لحم سميك ينبت في الفرج يمنع من ولوج الذكر (٣). قوله: (العنين) هو العاجز عن الإيلاج لمرض أصابه أو لضعف خلقته أو كبر سنه، والعنة بالضم: العجز عن الجماع، وهي مصدر عُنَّ الرجل عُنة (٤).

стр. 3077

* الوجه الرابع: هذا الحديث وما بعده من الآثار تتعلق بالعيوب في النكاح التي يثبت فيها الخيار، والعيوب: جمع عيب، وهو نقص بدني أو عقلي في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد الزواج والتمتع بالحياة الزوجية (١)، والعيوب التي ذكرها الفقهاء منها ما هو خاص بالرجل، وأهمها ثلاثة: الجَبُّ والخِصَاءُ والعُنَّةُ. ومنها ما هو خاص بالمرأة، وهما اثنان: القَرَنُ والرَّتَقُ. ومنها ما هو مشترك، وأهمها ثلاثة: الجذام والجنون والبرص. ولم يرد في الباب أحاديث صحيحة، وإنما الاعتماد علي هذه الآثار وما شابهها مما ورد عن الصحابة ﵁ على ما في بعضها من مقال، مع ما يضاف إلي ذلك من عموم قوله ﷺ : "من غشنا فليس منا"، وقوله: "الدين النصيحة … "، فليس لأحد أن يغش الزوج أو الزوجة، وليس للزوج أن يكتم عيوبه، ولا للمرأة أن تكتم عيوبها. ومما يدل علي أهمية العيوب في النكاح أن فقهاء الشافعية والمالكية اعتبروا السلامة من العيوب أحد خصال الكفاءة، وعللوا لما ذهبوا إليه بأن النفس تعاف صحبة من به عيب، ويختل بهذه العيوب مقصود النكاح، حتى إن ابن رشد وضع قاعدة تدل علي قول من يذهب هذا المذهب، فقال: (كل من يقول برد النكاح من العيوب، يجعل الصحة من الكفاءة) (٢). فالدليل علي هذه المسألة هو الأثر، ويضاف إليه النظر، فإن الأصل في عقد النكاح السلامة من العيوب كغيره من العقود، فكأن عدم العيب مشروط في العقد؛ ولأن السلامة من العيوب كالمشروط عرفًا؛ لأن الإطلاق في العقود ينصرف إلى السلامة. * الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة إلي ثبوت فسخ النكاح إذا وجد عيب في أحد الزوجين، على تفاصيل عندهم في تعيين العيوب التي يفسخ بها النكاح، مستدلين بما

стр. 3078

ورد في الباب من آثار، ولأن المرأة أحد الزوجين، فجاز أن ترد بعيب يمنع المقصود من النكاح. وقال الحنفية: إن الزوج لا حق له في الفسخ لعيب في المرأة استغناءً بما له من الطلاق، وسترًا على المرأة، وتجنبًا للتشهير بها، وليس للزوجة حق الفسخ في العيوب المنفرة. وللزوجة حق الفسخ بالعيوب المانعة من الوطء، وهي الجب والعنة والخِصاء؛ لأنها تخل بالمقصود الأول من الزواج، وهو التناسل، وزاد محمد بن الحسن والطحاوي العيوب التي لا يمكن المقام معها إلا بضرر، مثل الجذام والبرص والجنون (١). وقال داود وابن حزم ومن وافقهما لا يفسخ النكاح بعيب ألبتة (٢)، ولا خيار لأحد من الزوجين، فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأما المرأة فليس لها إلا البقاء أو الخلع، لعدم الدليل الشرعي على ثبوت هذا الحق لأحدهما، ولا حجة فيما يروي من آراء الصحابة؛ لأن قول الصحابي ليس بحجة، وخاصة فيما هو مجال للرأي، وقد أيد الشوكاني رأيهم (٣). * الوجه السادس: اختلف العلماء في العيوب التي يفسخ بها النكاح، فمنهم من خصها بعيوب معينة؛ كعيوب الفرج والجذام والجنون والبرص؛ لأن ذلك هو المروي عن الصحابة ﵃، ومنهم من عَمَّمَ. وأظهر الأقوال في ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم، حيث قال: (والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورًا قط، ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغبن به … )، فيدخل في ذلك العمي والخرس وانقطاع اليدين أو الرجلين أو إحداهما والبخر فإن هذه من أعظم

стр. 3079

المنفرات المنافية لمقاصد الزواج. وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي (٢). والحق أن موضوع العيوب من الأهمية بمكان، والواجب على القضاة أن يعتنوا به وأن ينصفوا الرجال والنساء في ذلك، وعليه أن يجتهد فلا يفسخ النكاح إلا بما يصلح أن يكون عيبًا، وعليه أيضًا ألا يتقيد بعيوب معدودة لا يفسخ إلا بها، فقد يكون هناك عيوب لم يذكرها الأولون مساوية لما ذُكر أو أعظم منها. * الوجه السابع: الحديث دليل على أن من وجد في زوجته عيبًا بعد الدخول بها، فإن لها المهر الذي أعطاها كاملًا، سواء حصل وطء أو خلوة على أحد القولين في ذلك، لما روى مالك، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، وهذا موقوف صحيح على ما تقدم (٣)، ومثله ورد عن علي ﵁ (٤). وذهب ابن عباس وابن حزم وجماعة إلى أن لها نصف الصداق، فقد ورد عن ابن عباس أنه كان يقول: (إذا دخلت عليه امرأته ثم طلقها، فزعم أنه لم يمسها قال: عليه نصف الصداق) (٥). ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمراد بالمس: الجماع، أما إذا كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها، سواء أكان الفسخ منه أو منها؛ لأنه إن كان منها فقد جاءت الفرقة من قبلها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيبها الذي دلسته عليه بالإخفاء.

стр. 3080

* الوجه الثامن: يثبت حق الفرقة بين الزوجين إذا وُجِدَ عيب على التراخي عند الحنفية والحنابلة، فلا يسقط بالسكوت؛ لجواز أن يكون من باب التريث ورجاء الشفاء، وإنما يسقط بما يدل على الرضا به صراحة أو دلالة، بأن تقول: رضيت، أو أسقطت حقي، أو توافق على عقد الزواج من نفسها إلا العُنة عند الحنابلة، فلا يسقط بها حق الفرقة بالتمكين؛ لجواز أن يكون من باب التريث ورجاء الشفاء، وقالت الشافعية والمالكية: إن ثبوت حق الفرقة فوري إذا وجد عيب، فإذا سكت عنه صاحبه حتى مضي وقت يمكنه فيه رفع الأمر للقاضي، ولم يرفعه عُدَّ راضيًا به. والرأي الأول قوي، لقوة مأخذه (١)، ولوقيل: إن الأمر يرجع فيه إلي اجتهاد القاضي، ما كان بعيدًا ليختار أحد القولين حسب المصلحة. * الوجه التاسع: اختلف العلماء فيما إذا غُرَّ الزوج بالعيب وحصل الفسخ بعد الدخول، فهل له رجوع بالمهر، وعلى من يرجع؟ على قولين: الأول: أنه يرجع بالمهر على من غرَّه من ولي أو وكيل؛ لأنه غُرْمٌ لحِقَ الزوج بسبب هذا الغارّ، وهذا قول مالك وأصحاب الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد (٢)، واستدلوا بقول عمر ﵁: (وهو له على من غره منها)، بشرط أن يكون الولي أو الوكيل عالمًا بالعيب، فإن كان جاهلًا فلا غرم عليه؛ لأن قوله: (على من غَرَّه) يدل على أن الولي أو غيره حصل منه الغرر، ولا غرر إلا مع العلم. والقول الثاني: أنه لا رجوع للزوج على أحد؛ لأنه قد لزمه المهر بمسيسه إياها، فهو كالمبيع المعيب إذا أكله ثم علم عيبه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد، لكنه رجع عنها كما ذكر ابن قدامة (٣)، ومن بعده الزركشي (٤)، ولهذا اقتصر أكثر فقهاء الحنابلة على الرواية الأولى (٥).

стр. 3081

واختار هذا القول الشوكاني بناءً منه على أن قول عمر ﵁ لا يصلح للاستدلال به لأنه قول صحابي، وتضمين الغير بلا دليل لا يحل (١)، والقول بالرجوع فيه وجاهة أخذًا بقول عمر ﵁، ولأن فيه منعًا للتغرير؛ لأن الغار من ولي أو غيره إذا علم برجوع الزوج عليه قد يرتدع عن تغريره. * الوجه العاشر: الحديث دليل على أن العُنة عيب يفسخ بها النكاح بعد تحققها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لكن يؤجل سنة من حين رفعته للحاكم، ما لم يكن هناك مانع من مرض أو إحرام، لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن وطئ فقد تبين أنه ليس بعنين، وإلا خيرت بين المقام معه وبين فراقه، لقضاء عمر وابن مسعود ﵄، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومن الإمساك بالمعروف: الجماع، ويمكن أن يستفاد من الطب الحديث في مسألة العنة. * الوجه الحادي عشر: من العيوب في النكاح العقم، وهو عدم الولادة، والأظهر من قولي أهل العلم أنه عيب يثبت به الخيار للمرأة إذا بان الزوج عقيمًا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، وذلك لأن تحصيل الولد من أهم مقاصد النكاح (٢). أما إذا كانت الزوجة عقيمة، فقد قيل: إنه ليس بعيب؛ لأن الزوج له أن يتزوج بأخرى ويبقيها معه، لمودته إياها، بل نقل القرطبي الإجماع على أن العقيمة التي لا تلد لا تُرد (٣)، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن إبراهيم، ولم يتعرض شيخ الإسلام لعقم الزوجة، ولعله يرى أن الرجل إذا كان متشوفًا للولد فإنه يستطيع أن يتزوج بأخرى، بخلاف المرأة فإن ذلك لا يمكن في حقها، فلذا أثبت لها خيار الفسخ إذا كان زوجها عقيمًا.

стр. 3082

وقد روي عن عمر ﵁ أنه بعث رجلًا على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيمًا، فلما قدم على عمر ذكر له ذلك، فقال: هل أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها، ثم خيرها (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3083

باب عشرة النساء العشرة: بكسر العين، اسم مصدر من عاشر معاشرة وعشرة، والعشير: القريب والصديق، وعشير المرأة: زوجها؛ لأنه يعاشرها وتعاشره، والمعنى: عِشْرةُ الرجالِ الأزواجِ النساءَ؛ أي: الزوجات، فهو من إضافة المصدر إلي مفعوله. والمراد بها هنا: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع والمعاملة. وقد أوجب الله تعالى على كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أي: بما يقره الشرع والعرف من إحسان الصحبة، وكف الأذي، وأن يعاملها باللين لا بالظلم والعنف والشدة والجهل والهجر بدون ذنب، وأن يراعي خلقتها وفطرتها، ويعفها ويلبي نداء الغريزة، ولا يكلفها من الأمور ما لا تطيقه، وأن يؤدي حقها ويشاركها في سرورها وحزنها، وينفق عليها بالمعروف، ولا يبخل عليها بما تطلب، ويؤانسها في المنزل، فلا يدعها وحدها، ويعلمها إن جهلت، ويحلم إن غضبت، ويحترم أهلها وقرابتها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فبينت الآية أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن على المرأة حقًّا لزوجها، فإن لها أيضًا عليه حقًّا، إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى؛ لأن عليه الرعاية والكفاية والحماية، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. فعليها أن تطيع زوجها في غير معصية، وأن تجيب مطالبه وتحقق رغباته، وأن تحفظه في نفسه وماله، وتقوم بتربية أولاده، وتحترم أهله وأقرباءه. والواجب على المؤمن أن يتقي الله في النساء؛ لأنهن عوان عند

стр. 3084

الأزواج؛ أي: أسيرات، والغالب عليهن الضعف، قال النبي ﷺ : "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك" (١).

стр. 3085

تحريم إتيان الزوجة في الدبر ١٠١٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأةً في دُبُرِهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. ١٠١٩/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَي رَجُلٍ أَتي رَجُلًا أَو امْرَأةً في دُبُرِهَا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلّ بِالْوَقْفِ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في جامع النكاح) (٢١٦٢)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٠٠)، وابن ماجه (١٩٢٣)، وأحمد (١٥/ ٤٥٧) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: "من أتى امرأته". وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا الحارث بن مخلد، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقال البزار: (ليس بمشهور)، وقال ابن القطان: (روي عنه سهيل وبسر بن سعيد، ولم تعرف حاله) (٢). وظاهر كلام الحافظ أن الإرسال علة لهذه الرواية، ولم أر أحدًا أعله
следующие страницы →