← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

واختار هذا القول الشوكاني بناءً منه على أن قول عمر ﵁ لا يصلح للاستدلال به لأنه قول صحابي، وتضمين الغير بلا دليل لا يحل (١)، والقول بالرجوع فيه وجاهة أخذًا بقول عمر ﵁، ولأن فيه منعًا للتغرير؛ لأن الغار من ولي أو غيره إذا علم برجوع الزوج عليه قد يرتدع عن تغريره. * الوجه العاشر: الحديث دليل على أن العُنة عيب يفسخ بها النكاح بعد تحققها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لكن يؤجل سنة من حين رفعته للحاكم، ما لم يكن هناك مانع من مرض أو إحرام، لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن وطئ فقد تبين أنه ليس بعنين، وإلا خيرت بين المقام معه وبين فراقه، لقضاء عمر وابن مسعود ﵄، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومن الإمساك بالمعروف: الجماع، ويمكن أن يستفاد من الطب الحديث في مسألة العنة. * الوجه الحادي عشر: من العيوب في النكاح العقم، وهو عدم الولادة، والأظهر من قولي أهل العلم أنه عيب يثبت به الخيار للمرأة إذا بان الزوج عقيمًا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، وذلك لأن تحصيل الولد من أهم مقاصد النكاح (٢). أما إذا كانت الزوجة عقيمة، فقد قيل: إنه ليس بعيب؛ لأن الزوج له أن يتزوج بأخرى ويبقيها معه، لمودته إياها، بل نقل القرطبي الإجماع على أن العقيمة التي لا تلد لا تُرد (٣)، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن إبراهيم، ولم يتعرض شيخ الإسلام لعقم الزوجة، ولعله يرى أن الرجل إذا كان متشوفًا للولد فإنه يستطيع أن يتزوج بأخرى، بخلاف المرأة فإن ذلك لا يمكن في حقها، فلذا أثبت لها خيار الفسخ إذا كان زوجها عقيمًا.

стр. 3082

وقد روي عن عمر ﵁ أنه بعث رجلًا على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيمًا، فلما قدم على عمر ذكر له ذلك، فقال: هل أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها، ثم خيرها (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3083

باب عشرة النساء العشرة: بكسر العين، اسم مصدر من عاشر معاشرة وعشرة، والعشير: القريب والصديق، وعشير المرأة: زوجها؛ لأنه يعاشرها وتعاشره، والمعنى: عِشْرةُ الرجالِ الأزواجِ النساءَ؛ أي: الزوجات، فهو من إضافة المصدر إلي مفعوله. والمراد بها هنا: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع والمعاملة. وقد أوجب الله تعالى على كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أي: بما يقره الشرع والعرف من إحسان الصحبة، وكف الأذي، وأن يعاملها باللين لا بالظلم والعنف والشدة والجهل والهجر بدون ذنب، وأن يراعي خلقتها وفطرتها، ويعفها ويلبي نداء الغريزة، ولا يكلفها من الأمور ما لا تطيقه، وأن يؤدي حقها ويشاركها في سرورها وحزنها، وينفق عليها بالمعروف، ولا يبخل عليها بما تطلب، ويؤانسها في المنزل، فلا يدعها وحدها، ويعلمها إن جهلت، ويحلم إن غضبت، ويحترم أهلها وقرابتها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فبينت الآية أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن على المرأة حقًّا لزوجها، فإن لها أيضًا عليه حقًّا، إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى؛ لأن عليه الرعاية والكفاية والحماية، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. فعليها أن تطيع زوجها في غير معصية، وأن تجيب مطالبه وتحقق رغباته، وأن تحفظه في نفسه وماله، وتقوم بتربية أولاده، وتحترم أهله وأقرباءه. والواجب على المؤمن أن يتقي الله في النساء؛ لأنهن عوان عند

стр. 3084

الأزواج؛ أي: أسيرات، والغالب عليهن الضعف، قال النبي ﷺ : "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك" (١).

стр. 3085

تحريم إتيان الزوجة في الدبر ١٠١٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأةً في دُبُرِهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. ١٠١٩/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَي رَجُلٍ أَتي رَجُلًا أَو امْرَأةً في دُبُرِهَا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلّ بِالْوَقْفِ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في جامع النكاح) (٢١٦٢)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٠٠)، وابن ماجه (١٩٢٣)، وأحمد (١٥/ ٤٥٧) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: "من أتى امرأته". وهذا الحديث رجاله ثقات، إلا الحارث بن مخلد، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (١)، وقال البزار: (ليس بمشهور)، وقال ابن القطان: (روي عنه سهيل وبسر بن سعيد، ولم تعرف حاله) (٢). وظاهر كلام الحافظ أن الإرسال علة لهذه الرواية، ولم أر أحدًا أعله

стр. 3086

بذلك، فقد ذكره الحافظ ابن القطان وابن حجر ولم يعله أحد منهما بذلك، ولعل الحافظ قصد الرواية الأخرى للحديث، كما ذكر ابن القطان والحافظ نفسه والشوكاني وغيرهم، فقد رواه أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٠١)، وابن ماجه (٦٣٩) من طريق وكيع، عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر". قال البخاري: (لا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة ﵁) (١)، وهذا انقطاع أطلق عليه إرسال، وقد ذكر الحافظ في "نكته على ابن الصلاح" أن من العلماء من يطلق على المنقطع اسم المرسل، فيعرفون المرسل بأنه ما سقط منه رجل (٢). وقد مرَّ له نظير، وهو آخر حديث في باب "الفرائض". وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ١٩٧)، وابن حبان (٩/ ٥١٧) من طريق أبي خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، والحديث لا بأس برجاله، وأبو خالد الأحمر -واسمه سليمان بن حيان- فيه كلام، وهو ثقة احتج به الشيخان، لكنه يخطئ لسوء حفظه، وقد تكلم عليه الحافظ في مقدمة "فتح الباري" (٣)، ولخص حاله كعادته في "التقريب" فقال: (صدوق يخطئ)، فلعل حديثه لا ينزل عن درجة الحسن. ورواه وكيع، عن الضحاك، به موقوفًا، أخرجه النسائي (٨/ ١٩٧)، قال الحافظ في "التلخيص": (هو أصح عندهم من المرفوع) (٤). وقد ذكر الصنعاني أن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن ما جاء في هذا الحديث هو من الوعيد

стр. 3087

الذي ليس للرأي فيه مجال (١). وقد رويت أحاديث الباب عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعقبة بن عامر ﵁، وفي طرقها كلها كلام، وقد نقل الحافظ ابن حجر عن جمع منهم البخاري والذهلي والنسائي والبزار والنيسابوري أنه لا يثبت فيه حديث، ثم قال: (لكن طرقها كثيرة، فمجموعها صالح للاحتجاج به) (٢). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (ملعون) هذا يفيد أنه من الكبائر، ومعناه: مطرود من رحمة الله يوم القيامة، بعيد عنها إلا أن يدركه الله بعفوه. قوله: (من أتى امرأة) هذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد وأبي داود (امرأته) وهذا هو المراد هنا، والإتيان كناية عن الجماع؛ كقوله ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: بسم الله .. "، وسيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: (لا ينظر الله) أي: نظر محبة ورحمة ولطف، وهذا المعني ليس بتأويل، إنما التأويل لو قيل: لا ينظر الله؛ أي: لا يرحمه الله، أما على هذا المعنى فقد أثبتنا النظر، وقصرناه على نوع، فقلنا: نظر رحمة .. وهذه العبارة تثبت أصل النظر. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى، … وقال: من وطئ امرأته في دبرها وجب أن يعاقب على ذلك عقوبة تزجرهما، فإن عُلم أنهما لا ينزجران فإنه يجب التفريق بينهما) (٣). وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "هي

стр. 3088

اللوطية الصغرى (١). يعني: الرجل يأتي امرأته في دبرها. * الوجه الرابع: دل القرآن والسنة والنظر على تحريم إتيان المرأة في دبرها، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والمراد بالمأُتَى المأمور به: القبل، بدليلين: الأول: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّي شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] والحرث: مكان الولد، والقبل هو مكان الحرث؛ أي: بذر الولد بالنطفة، والدبر ليس محلًّا لذلك. الثاني: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمراد بـ ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الولد، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فإن قيل: إن قوله تعالى: (أَنَّى شِئْتُمْ﴾ دليل على إباحة زوجته في دبرها؛ لأن المعنى: من أي مكان شئتم، فالجواب: أن هذا لا يصح لأمرين: ١ - أن سبب النزول يرد ذلك، كما سيأتي -إن شاء الله- في حديث جابر ﵁ قال: (كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فدل ذلك على أن جابرًا ﵁ يرى أن معنى الآية: فأتوهن في القبل على أي حال شئتم ولو كان من ورائها، وتفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما في المصطلح. ٢ - أن هذه الآية إن كانت عامة في الإتيان في أي مكان، فقد جاء تخصيصها بما ورد في السنة من تحريم إتيان النساء في أدبارهن؛ كحديث الباب. أما دلالة السنة على تحريم هذا الفعل، فحديث أبي هريرة وابن

стр. 3089

عباس ﵃ وغيرهما من الأحاديث، وقد ذكر القرطبي أنها بلغت أربعة عشر حديثًا. وذكر أكثرها الحافظ ابن كثير (١). وتكلم الحافظ ابن حجر في "التلخيص" عن عللها (٢). وأما النظر؛ فأمران: ١ - أن الله تعالى حرم الفرج في وقت الحيض لأجل القذر العارض له، والدبر أولى بالتحريم للقذر اللازم والنجاسة الدائمة. ٢ - إجماع أهل العلم على أن الرتقاء التي لا يوصل إلي وطئها معيبة، ترد بهذا العيب -كما تقدم-، ولو كان الدبر موضعًا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج؛ لوجود العوض عنه، وهو الدبر. * الوجه الخامس: لا قيمة لنقل الخلاف في مثل هذه المسألة؛ لوضوح الحكم بدليله، وضعف أدلة المخالف، لئلا يكون نقل الخلاف سلمًا لمن تسول له نفسه أن يفعل هذا الفعل القبيح، لكن ينبغي ذكره لبيان لضعفه، أو عدم صحته، أو لئلا يُغتر به. وما نسب لابن عمر ﵄ من القول بإباحته فهو غير صحيح؛ لما ورد في "سنن النسائي" عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر: أُكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتي بأن تؤتي النساء في أدبارهن، قال نافع: لقد كذبوا عليَّ، ولكن سأخبرك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يومًا (٣)، وأنا عنده، حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال يا نافع: هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا -معشر قريش- نُجَبِّي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٤).

стр. 3090

فهذا دليل صريح في نفي ما نسب إلى ابن عمر ﵄، وهذا هو اللائق بمقامه ﵁ والموافق لقول الصحابة ﵃. وكذا ما نسب للإمام مالك، فقد قال ﵀ لابن هبيرة وعلي بن زيد لما أخبراه أن أناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا علي، كذبوا علي، ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ قال ابن القيم: (وأما الدبر فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه … وقال: ومن هنا نشأ الغلط على من نُقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع (من) بـ (في) ولم يظن بينهما فرقًا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه) (١). قال القرطبي: (إن هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ لا حجة فيها على المدعَى؛ إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة شهيرة رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابيًّا، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار … ثم قال: ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حُذرنا من زلة العالم) (٢). * الوجه السادس: تحريم إتيان الرجل، وأن ذلك من كبائر الذنوب، وهي معصية قوم لوط، وهي معصية شنيعة لم يسبقهم إليها أحد، ولهذا صارت عقوبة فاعلها القتل مطلقًا، سواء أكان بكرًا أم ثيبًا على رأي أكثر أهل العلم، بل نقل فيه الإجماع، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان ذلك في كتاب "الحدود". والله تعالى أعلم.

стр. 3091

الحث على حسن معاملة الزوجة ١٠٢٠/ ٣ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ: "فَإِنْ استَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُها طَلاقُهَا". * الكلام عليه عن وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث عبارة عن حديثين -كما ذكر الحافظ في "الفتح"- فالأول: إلى قوله: "فلا يؤذي جاره"، والثاني: من قوله: "واستوصوا … " إلخ، أخرجهما البخاري في كتاب "النكاح"، باب (الوصاة بالنساء) (٥١٨٥ - ٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨) (٦٢) من طريق حسين الجعفي، عن زائدة، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وهذا لفظ البخاري، وأما مسلم فلم يذكر الجزء الأول من الحديث، وإنما ذكر بدله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء … " الحديث. قال الحافظ: (والذي يظهر أنها أحاديث كانت عند حسين الجعفي، عن

стр. 3092

زائدة بهذا الإسناد، فربما جمع، وربما أفرد، وربما استوعب، وربما اقتصر) (١). وأما رواية مسلم (٦١) فهي من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المرأة خلقت من ضلع، لن يستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت … " الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: من كان يؤمن بالله الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله تعالى، والموصل إلى رضوانه، فيكون كمال الإيمان متوقفًا على أفعال، منها عدم أذية الجار، ويحتمل أن المراد: المبالغة في الحث على عدم أذية الجار؛ لأن المتصف بالإيمان هو الذي ينقاد لأحكام الشرع. واقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه مجازيه بعمله، فلا يفعل هذه الخصلة. قوله: (فلا يؤذي جاره) أي: لا يصدر منه أذي لجاره، بل يدفع عنه أذاه، ويحذر ما يضره، والحديث شامل للأذى القولي والفعلي، وقوله: (يؤذي) كذا بإثبات الياء في "صحيح البخاري" وهو محمول على أن (لا) نافية. أي: فهو لا يؤذي جاره (٢). قوله: (واستوصوا) أي: ليوص بعضكم بعضًا بالنساء خيرًا، وقيل المعنى: أوصيكم بهن خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن، وقيل المعنى: اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير (٣). قوله: (فإنهن خلقن من ضلع) بكسر الضاد، وفتح اللام، ويجوز تسكينها، وهو عظم قفص الصدر، والمراد بذلك خَلْقُ أُمِّنا حواء من ضلع آدم ﵇، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] فالنفس الواحدة: آدم، وزوجها: حواء، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه (٤).

стр. 3093

قوله: (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) الغرض من هذه الجملة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فلا ينكر اعوجاجها، أو أنها لا تقبل التقويم، كما أن الضلع لا يقبله. قوله: (فإن ذهبت تقيمه كسرته) أي: فإن أردت أن تعدله وترده إلي الاستقامة كسرته وأفسدت تركيبه، لعدم قابليته لذلك، والضمير يعود على الضلع. قوله: (وإن تركته لم يزل أعوج) أي: وإن تركته ولم تأخذ في إقامته لم يفارق طبيعته، بل يبقى على اعوجاجه؛ لأنه وصفه وشأنه، وكذا المرأة إن أردت الانتفاع بها وصبرت على سوء حالها وضعف معقولها، ونحو ذلك من عِوَجِها دام الأمر، واستمرت العشرة، وإن أردت إقامتها على الجادة وعدم اعوجاجها لم تحصل على ما تريد، بل يؤدي ذلك إلى الشقاق والفراق، وهو كسرها. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أذى الجار، وأن إيذاءه خلل في الإيمان، سواء أكان إيذاء بالقول أم بالفعل؛ لأن الأذي بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريمًا، قال النبي ﷺ : "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه" (١). قال الحافظ: (فيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان) (٢). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (٣) والبوائق: الشرور. وسيأتي -إن شاء الله- أحاديث في حقوق الجار في كتاب "الجامع" آخر "البلوغ".

стр. 3094

* الوجه الرابع: الحديث دليل على عناية الإسلام بشأن المرأة حيث جاءت الوصية بالنساء خيرًا، وتكررت في هذا الحديث وفي مناسبات متعددة، كررها النبي ﷺ تأكيدًا على ضرورتها، وبيانًا لفائدتها، وذلك لضعف النساء واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن، وفي عناية الإسلام بالمرأة ورعايتها محافظةٌ على بناء الأسرة وسلامة المجتمع. * الوجه الخامس: في الحديث توجيه نبوي ودرس تربوي لمعاملة النساء بالتسامح والصبر، وذلك يتم بالمعاشرة الطيبة، والتحمل لما قد يحصل منها ما دام ذلك لا يخل بالدين والشرف والعفاف، وغض النظر عن كثير من اعوجاجها؛ لأن الرجال أقدر على الاحتمال والصبر منهن. وعلى الزوج أن يجتهد في إصلاحها وتوجيهها حتى تستقيم الحال، وتدوم العشرة، وتبقى المودة والمحبة؛ لأن قوله ﷺ : "فاستوصوا بالنساء خيرًا" فيه إشعار بأنه ينبغي تقويمها وتوجيهها برفق بحيث لا يبالغ الرجل في ذلك فيكسر، ولا يتركه فيستمر على عوجه. أما من يحاسب على كل شيء، ويجحد الحسنات، ويظهر السيئات، فهذا ليس من خلق المؤمن، وليس من العشرة المطلوبة شرعًا، وغالبًا ما تجد هذا المصنف من الناس في عذاب ونكد، وقد قال النبي ﷺ : "لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" (١)، وقوله: (لا يفرك) بفتح الياء وإسكان الفاء وفتح الراء، يقال: فَرِكَ -بكسر الراء- يَفْرَكُ -بفتحها- فرِكًا وفرَكًا إذا أبغض، والمعنى: لا يبغض المرأة بغضًا تامًّا يحمله على فراقها؛ لأنه إن وجد فيها خلقًا يكره وجد فيها خلقًا مرضيًّا، بأن تكون شَرِسَةَ الخُلُقِ، لكنها ديّنة أو جميلة أو رفيقة به ونحو ذلك (٢). وكثير من الأزواج يريدون الكمال في زوجاتهم، وهذا شيء غير ممكن، وبذلك يقعون في النكد، ويُحرمون من الاستمتاع والمتعة بهن، وربما أدى ذلك إلى الطلاق. والله تعالى أعلم.

стр. 3095

نهي من طالت غيبته أن يطرق أهله ليلًا ١٠٢١/ ٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَال: "أَمْهِلُوا حَتَّى تدخلوا لَيلًا - يَعْنِي عِشَاءً - لِكَي تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ"، مُتَّفقٌ عَلَيهِ. وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إِذَا أَطَال أَحَدُكُمْ الْغَيبَةَ فلَا يَطْرُق أَهْلَهُ لَيلًا". * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (تزويج الثيبات) (٥٠٧٩)، ومسلم (٧١٥) (٥٧) من طريق سيار (١)، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵂، قال: قفلنا مع النبي ﷺ من غزوة، فتعجلت على بعير لي قَطوف، فلحقني راكب من خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل، فإذا النبي ﷺ ، فقال: "ما يعجلك" قلت: كنت حديث عهد بعرس، قال: "أبكرًا أم ثيبًا"؟ قلت: ثيبًا، قال: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك" قال: فلما ذهبنا لندخل … الحديث. وأخرجه البخاري -أيضًا- في باب (لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة … ) (٥٢٤٤) من طريق عاصم بن سليمان، عن الشعبي، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا أطال أحدكم … " الحديث. ولعل الحافظ ذكر رواية البخاري لأمرين:

стр. 3096

الأول: أن فيها تقييد النهي بطول الغيبة. الثاني: ليعرف طالب العلم الجمع بين قوله: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا) وبين قوله: (فلا يطرق أهله ليلًا). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (في غزاة) بفتح الغين المعجمة؛ أي: غزوة، والمراد بها: غزوة تبوك. قوله: (ذهبنا لندخل) أي: نهارًا. قوله: (أمهلوا) بفتح الهمزة، أمر من الإمهال، وهو التريث والانتظار. قوله: (حتى تدخلوا ليلًا) هذا لا يعارض قوله: (فلا يطرق أهله ليلًا) لأن المراد بالليل هنا: أوله، وهو وقت العشاء، كما جاء مفسرًا في سياق الحديث، وأما الليل المنهي عن الدخول فيه على الأهل فهو ما كان بعد ذلك مما تكون فيه المرأة قد نامت غالبًا، وقيل: إن الأول لمن عُلم خبر مجيئه والعلم بوصوله؛ لأن الصحابة ﵃ انتظروا خارج المدينة لأجل يبلغ قدومهم إلي المدينة، وتتأهب النساء وغيرهن، وحديث النهي عن الطروق لمن قدم بغتة. قوله: (لكي تمتشط … ) هذا تعليل وبيان لحكمة الأمر بالإمهال والانتظار، وقد جاء في حديث النهي عن الطروق التنبيه على علة أخرى، وهي أنه لا يطرقهم يتخونهم، ويطلب عثراتهم (١). ومعنى (تمتشط) تسرح شعرها بالمشط وترتبه، يقال: مشطت المرأة شعرها بالمشط: سرحته. و (الشعثة) بفتح الشين وكسر العين، هي التي انتشر شعرها وتفرق. قوله: (وتستحد) بفتح التاء، وإسكان السين؛ أي: تزيل الشعر

стр. 3097

المرغوب في إزالته بالموسى، وهي الحديدة، أو بأي مزيل كان، وإنما عبر بالاستحداد؛ لأنه الغالب في إزالة الشعر. قوله: (المغيبة) بضم الميم، هي التي غاب عنها زوجها، ويقال: أغابت المرأة فهي مُغيبة، وأشهدت: إذا حضر زوجها، فهي: مُشهد بغير هاء (١). قوله: (فإذا أطال أحدكم الغيبة) فيه تقييد النهي بطول الغيبة، فيفهم منه أن من يخرج لحاجته نهارًا ويرجع ليلًا لا يتأتى له ما يُحْذر من الذي يطيل الغيبة، لكن جاء في رواية أخرى أن رسول الله ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا (٢)، فظاهر هذا التعميم في طويل السفر وقصيره، ويمكن الجمع بأن من تتوقع زوجته إتيانه مدة غيبته لقصرها فلا بأس بالطروق ليلًا وإلا فهو كالطويل (٣). قوله: (فلا يطرق أهله ليلًا) بفتح الياء وضم الراء مضارع طرق، من باب (قتل)، والطروق: المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل: طارق، وعلى هذا فذكر الليل من باب التبيين والتوكيد. والقول الثاني: أن أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق؛ لأن المارة تدفعها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه يحتاج غالبًا إلى دق الباب. والقول الثالث: أن أصل الطروق السكون، ومنه أطرق رأسه، ولما كان الليل يسكن فيه سمي الآتي بالليل طارقًا. * الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المسافر الذي طالت غيبته عن زوجته أن يقدم على أهله ليلًا إذا لم يعلموا بقدومه، وما ذلك إلا خشية أن يقع نظره على ما يكره، من عدم تزين امرأته وتنظفها، فيؤدي ذلك إلى نفرته منها، وهو مشتاق إليها راغب فيها.

стр. 3098

وذلك أن المرأة قد لا يكون تنظفها وتزينها في غيبة زوجها كتنظفها وتزينها في حضوره، فتكره أن يفاجئها زوجها على حالة لا ترضاها. أما من أعلم أهله بقدومه في وقت كذا برسالة أو هاتف أو خبر، فإن النهي لا يتناوله، لزوال المحذور، قال ابن أبي جمرة: (فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه) (١). * الوجه الرابع: ما جاء في هذا الحديث من التوجيه النبوي هو من محاسن الشريعة وكمالها، حيث راعت هذه الأمور الدقيقة بين الزوجين، فلا خير إلا جاءت به، وأرشدت إليه، ولا شر إلا نبهت عليه، وحذرت منه. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي للمرأة أن تتزين لزوجها وأن تظهر أمامه بالمظهر اللائق: في حسن الملبس، وطيب الرائحة، وحسن العشرة؛ لأن ذلك سبب لجلب المودة بين الزوجين ودوام المحبة والوئام. والله تعالى أعلم.

стр. 3099

تحريم إفشاء الرجل سرَّ زوجته ١٠٢٢/ ٥ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وتُفْضِي إِلَيهِ، ثُمّ يَنْشُرُ سرَّهَا"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (تحريم إفشاء سر المرأة) (١٤٣٧) من طريق عمر بن حمزة العمري، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته … " الحديث. وعمر بن حمزة وإن احتج به مسلم، فقد تكلم فيه العلماء، فقد ضعفه الإمام أحمد وقال: (أحاديثه أحاديث مناكير)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، ونقل ابن عدي بسنده عن عثمان بن سعيد قال: (قلت ليحيى بن معين: ما حال عمر بن حمزة الذي روي عن سالم؟ قال: ضعيف) (١)، وأورد الذهبي حديثه هذا في ما أُنكر عليه (٢)، وقد ترجم له البخاري في "تاريخه" وسكت عنه، وعلق له في "صحيحه" بصيغة الجزم في موضعين (٣)، واحتج به مسلم. وقد ذكر ابن حبان عمر بن حمزة في "الثقات" (٤) وقال: (كان ممن

стр. 3100

يخطئ)، وقال الحافظ في "تهذيبه" (أخرج الحاكم أحاديثه في "المستدرك"، وقال: أحاديثه مستقيمة) (١). والحديث له شواهد تؤيده وإن كانت لا تخلو من مقال، لكنها باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، ومن ذلك حديث أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده، فقال: "لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها" فَأَرَمَّ القوم، فقلت: إي والله يا رسول الله إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون، قال: "فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون" (٢). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن شر الناس … ) في بعض نسخ "البلوغ": (إن أشر الناس)، والذي في "صحيح مسلم": (إن من أشر الناس) بإثبات (من) وهي تدل على أنه من أشر الناس، لا أنه أشرهم، ولعل (من) سقطت، أو أن المصنف كتبه من حفظه. و (أشر) أفعل تفضيل، وقد ذكر النحويون أنه بحذف الهمزة لا بإثباتها، فيقال: شر منه وخير منه، قال تعالى: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥] وقال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًّا﴾ [الكهف: ٤٦] وحذف الهمزة لكثرة الاستعمال، لكن إثباتها في هذا الحديث دليل على جواز اللغتين، والحذف أكثر. قوله: (الرجل يفضي إلى امرأته) أصل الإفضاء في اللغة: المخالطة، وأفضى الرجل إلى امرأته: جامعها، أو خلا بها جامع أو لا، لكن الظاهر أن

стр. 3101

المراد هنا الجماع، وخص الرجل بالذكر؛ لأن الغالب وقوع ذلك الأمر من الرجال، و (أل) في الرجل لتعريف الجنس؛ لأنه لا يقصد به معين، فهو في حكم النكرة، ولذا وصف بالجملة المصدرة بالمضارع، ومثله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وقول الشاعر: ولقد أَمرُّ على اللئيم يسبني … فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني قوله: (ثم ينشر سرها) أي: ما جرى بينه وبينها حال المخالطة والوقاع. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم إفشاء الرجل سر زوجته وما يقع بينه وبينها من أمور الجماع ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه، وكذا المرأة منهية عن ذلك، لاستواء الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل عليه الدليل، ولأن علة النهي موجودة، وحديث أسماء المتقدم يؤيد ذلك، والدليل على تحريم ذلك من وجهين: الأول: وصف فاعله بأنه أسوأ الناس منزلة عند الله تعالى في الدار الآخرة. الثاني: وصفه بأنه شيطان وشيطانة، مع ما يدل عليه من الوقاحة وسوء الأدب، والعاقل يصرف وقته في طاعة الله، وحديثه في فائدة، ويحذر اللغو الذي قد يؤاخذ عليه، وقد قال النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". * الوجه الرابع: في هذا النهي دلالات أبرزها ما يلي: ١ - تربية الزوجين على حفظ أسرارهما، ومحافظة كل منهما على ما قد يقع عليه من مستور الآخر. ٢ - حفظ اللسان من اللغو والكلام الذي لا فائدة فيه. ٣ - عناية الإسلام بالبيوت وتحصينها من أسباب الفشل والانهيار. ٤ - الحض على حسن العشرة بين الزوجين، والبعد عن كل ما قد يسبب سوء العشرة.

стр. 3102

* الوجه الخامس: ذكر أهل العلم أنه إذا دعت الحاجة إلي ذكر الجماع أو ترتب عليه فائدة؛ كأن يحتاج الزوجان إلى ذكر ما يكون بينهما عند الحاكم، فإن ذلك يجوز بقدر الضرورة، ومن أدلة ذلك حديث عائشة ﵄ في قصة امرأة رفاعة لما تزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي وادعت ضعفه في الجماع، وفيه: قال عبد الرحمن: (كذبتْ، والله يا رسول الله. إني لأنفضها نفض الأديم … ) الحديث (١)، ومنها حديث أنس ﵁ في قصة أبي طلحة مع زوجه أم سُليم، وفيه فقال النبي ﷺ : "أعرستم الليلة"؟ قال: نعم، قال: "اللهم بارك لهما في ليلتهما" فولدت غلامًا .. (٢)، ومنها حديث عائشة ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِلُ، هل عليهما الغسل، وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل" (٣) .. والله تعالى أعلم.

стр. 3103

من حقوق الزوجة على زوجها ١٠٢٣/ ٦ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوَيةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَال: "تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكتَسَيتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلا في الْبَيتِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ والْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٢١٧)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في حقوق المرأة على زوجها) (٢١٤٢)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٦٩)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وابن حبان (٩/ ٤٨٢)، والحاكم (٢/ ١٨٧ - ١٨٨) كلهم من طريق أبي قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: … وذكر الحديث. وهذا حديث رجاله ثقات، وقد صححه ابن حبان والحاكم، وسكت عنه الذهبي، وحسنه الألباني (١). ولعل ذلك من أجل حكيم بن معاوية، فقد قال عنه الحافظ: (صدوق). وقد تقدمت ترجمته وترجمة والده معاوية في كتاب "الزكاة" عند الحديث (٦٠٥). وقد علق البخاري في "صحيحه" بعضه بصيغة التمريض، في كتاب

стр. 3104

"النكاح"، باب (هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن) فقال: (ويذكر عن معاوية بن حيدة رفعه: "غير ألا تهجر إلا في البيت" (١). وهذا الحديث سيذكره الحافظ مرة أخرى في باب "النفقات"، مع اختلاف يسير في ألفاظه عما هنا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ما حق زوج أحدنط) أي: زوجة أحدنا، والأكثر حذف التاء، وهو الذي جاء في القرآن وأكثر الأحاديث، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وجاء إثباتها كما في قوله ﷺ : "لكل رجل منهم زوجتان، يري مخ سوقهما من وراء اللحم … " الحديث (٢). وأما في الفرائض فيقال: زوج وزوجة؛ للتفريق بينهما في الميراث. قوله: (ولا تقبح) بضم التاء وفتح القاف وتشديد الباء؛ أي: لا تشتم وتسب؛ كأن تقول: قبح الله وجهك، ولا تَعِبْ حديثها، ومنه في حديث أم زرع: (فعنده أقول فلا أُقبَّحُ) (٣)؛ أي: فلا يقبح قولي عليّ ويرده، بل يقبل مني. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب على الزوج أن يطعم زوجته من طعامه ويكسوها من كسوته، وكل هذا مقيد بالسعة والمعروف، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال النبي ﷺ في حجة الوداع: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٤). وسيأتي الكلام على نفقة الزوجة في باب "النفقات" إن شاء الله تعالى. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على نهي الزوج أن يضرب زوجه في وجهها؛ لأن الوجه مجمع المحاسن، وهو لطيف، فيظهر فيه أثر الضرب، وربما شأنه، ولأنه مجمع الحواس كالعين والأذن، وربما آذاها الضرب، وقد

стр. 3105

ورد عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه) (١). وهذا يدل على أن النهي عام في الآدمي من الزوجة والولد والتلميذ وغيرهم، وكذا الحيوان مثل الحمير والخيل والبغال والغنم، وغيرها، وهو في الآدمي أشد، لما تقدم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في "الحدود" إن شاء الله تعالى. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز ضرب الزوجة؛ لأن الشرع ما نهي عن الضرب، وإنما خص النهي بضرب الوجه، فإذا وجد ما يوجب تأديب الزوجة بالضرب فله أن يضربها، بشرط أن يكون ضربًا خفيفًا، وأن يتجنب الوجه وكل ما يخشى عليه الضرر؛ لأن المقصود من الضرب الإصلاح والتأديب، لا الإتلاف والتشويه، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وقد دلت الآية الكريمة على التدرج في معالجة الزوجة، وأن الضرب هو آخر مراحل العلاج. * الوجه السادس: في الحديث دليل على جواز هجر الزوج زوجته بالقدر الذي يراه مناسبًا لتأديبها، وشرط ذلك ألا يكون خارج البيت بحيث يتركها وحدها، لما يترتب عليه من الوحشة والمفاسد التي لا تحمد عقباها، بل يكون هجرها في البيت، فلا يكلمها، أو يغلظ لها في القول، أو يهجرها في المضجع، بحيث ينام معها على فراش واحد، ولا يجامعها، قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. وهذا قول ابن عباس ﵄، واختاره القرطبي وابن كثير (٢). وليس له مدة معينة، أما الهجر في الكلام فهو مقيد بثلاثة أيام فما دونها، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى. وقد ثبت في حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا، وقعد في مشرُبة له … ) (٣) أخرجه البخاري في باب قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ

стр. 3106

قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] (١) قال الحافظ: (بسياق الآية تظهر مطابقة الترجمة؛ لأن المراد منها قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فهو الذي يطابق قوله: (آلى من نسائه شهرًا) لأن مقتضاه أنه هجرهن)، وهذا يدل على جواز الهجر في غير البيت. وقد اختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث وحديث الباب، فمن أهل العلم من قدم حديث أنس ﵁ على حديث الباب، فأجاز الهجر في غير البيت، وهذا رأي البخاري، فإنه لما ذكر حديث معاوية بن حيدة معلقًا في باب (هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن) قال: (الأول أصح) أي: الهجر في غير البيوت أصح إسنادًا. وقال آخرون: إن الحصر المذكور في حديث الباب غير معمول به، بل يجوز الهجر في غير البيوت، كما فعل النبي ﷺ ، وهذا رأي ابن المنير، كما نقله عنه الحافظ. وقيل: إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال (٢)، وقيل: إن كان عنده امرأة واحدة هجرها في البيت، وإن كان عنده أكثر من واحدة هجرهن خارج البيت؛ لفعل النبي ﷺ ، وهذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز. * الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه لا ينبغي للزوج تقبيح زوجته، وذلك باستعمال الألفاظ السيئة التي تسبب سوء العشرة والنفرة بين الزوجين، مثل: قبحك الله، أو قاتلك الله، أو لعنك الله، وما أشبه ذلك من السب، بل عليه أن يخاطبها المخاطبة الطيبة التي تدعو إلي رقتها عليه وطاعتها له وميلها. لكن من الملاحظ أن سيرة كثير من الناس مع النساء سيرة قبيحة ومعاملة سيئة إلا من عصم الله، وهذا سببه ضعف الإيمان، وقلة العلم والبصيرة والفقه في الدين، كما ساءت سيرة كثير من الزوجات لذلك، فإذا قوي الإيمان وتنور القلب بالعلم أدي كل منهما ما عليه للآخر من حقوق ودامت العشرة الطيبة والمعاملة الحسنة. والله تعالى أعلم.

стр. 3107

جواز إتيان الزوجة على أي صفة إذا كان في القُبُل ١٠٢٤/ ٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَي الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، مُتَّفَق عَلَيه، وَاللَّفْظُ لمُسْلِمٍ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "التفسير"، باب (قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥) (١١٧) من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: … وذكر الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا أتى الرجل امرأته) أي: واقعها وجامعها. قوله: (من دبرها) أي: من جهة الدبر. قوله: (في قبلها) أي: في فرجها. قوله: (كان الولد أحول) أي: جاء الولد الذي يثمره هذا الوطء أحول، والحول: بالفتح، ميلان في بياض العين وسوادها. قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ أي: زوجاتكم. قوله تعالى: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أصل الحرث: محل الإنبات، والمراد به في المرأة: موضع النسل، وهو الفرج. وموضع الحرث معروف في الأنثى بالفطرة التي فطر الله خلقه عليها، حتى الحيوانات العجماوات والوحوش المفترسة لا

стр. 3108

تعرف غير هذا السبيل، ولذلك استمرت الخليقة الحيوانية وتكاثرت في الأرض. قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي: واقعوا زوجاتكم في موضع الحرث، وهو الفرج. قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم، والمراد من أي جهة شئتم إذا كان ذلك في القُبل، وقد دل على ذلك سبب النزول. * الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إتيان المرأة من أي جهة ما دام أن الجماع في القبل، فله أن يواقعها مقبلة ومدبرة ومستلقية وعلىجنب، وعلى أي جهة، وقد بين هذا الحديث أن معنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: فأتوهن في القبل على أي حالة شئتم، وليس معناها: من أي مكان شئتم، بحيث يستدل بها على إباحة وطء الزوجة في دبرها؛ لأن سبب النزول عَيَّنَ المراد، وقد تقدم الكلام على تحريم وطء المرأة في الدبر. * الوجه الرابع: الحديث دليل على بطلان عقيدة اليهود وفِرْيتهم حيث زعموا أن الرجل إذا واقع امرأته من ورائها في فرجها جاء الولد أحول، فقد دل الحديث على أن الرجل له أن يجامع زوجته على أي هيئة إذا كان ذلك في القبل، وأن هذا ليس له أثر على صورة الولد وخَلْقه. والله تعالى أعلم.

стр. 3109

ما يستحب أن يقوله عند الجماع ١٠٢٥/ ٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رسُولُ اللهِ ﷺ : (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأتِيَ أَهْلَهُ قَال: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمّ جَنِّبْنَا الشَّيطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُما وَلَدٌ في ذلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيطَانُ أَبدًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه"، ومنها في كتاب "النكاح"، باب (ما يقول الرجل إذا أتى أهله) (٥١٦٥)، ومسلم (١٤٣٤) من طريق منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس ﵄، قال: … فذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم. وفي هذا الإسناد اجتمع ثلاثة من التابعين، وهم منصور بن المعتمر، وسالم بن أبي الجعد، وكريب، وهذا من لطائف الإسناد عند العلماء (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لو أن أحدكم) هذا لفظ البخاري في كتاب "الوضوء" (٢) وغيره، ولفظ مسلم: "لو أن أحدهم" وهو عند البخاري أيضًا، ومرجع الضمير يفسره سياق الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]. و (أن) بفتح

стр. 3110

الهمزة بتقدير فعل بعد (لو) لاختصاصها به؛ أي: لو ثبت أن أحدكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥]. قوله: (أهله) أي: زوجته. قوله: (بسم الله) الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر متأخرًا؛ أي: بسم الله أتحصن. قوله: (ما رزقتنا) ما اسم موصول، فيدخل في ذلك الجماع؛ لأن الرزق ما ينتفع به البدن، والجماع منه، لما فيه من الفائدة للبدن، ويدخل فيه الولد بغرض حصوله؛ لأنه من الرزق. قوله: (لم يضره الشيطان) هكذا في البلوغ، والذي في "صحيح مسلم" (لم يضره شيطان) والفعل (يضر) بفتح الراء مشددة؛ لأنه مضعف، والفتح أخف الحركات، ويجوز الضم، فتحرك اللام بحركة العين للإتباع. وحذف المعمول في قوله: (لم يضره) لإفادة العموم، وظاهر ذلك أن الشيطان لا يضره في دينه ولا بدنه، وسيأتي ما فيه. * الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التسمية والدعاء المذكور عند إرادة الجماع، وأن الإنسان يحرص على ذلك حتى يكون عادة له، عملًا بتوجيه النبي ﷺ وحرصًا على أن يكون الولد محفوظًا مصونًا من الشيطان، وناشئًا على الطريقة المستقيمة ببركة هذا الدعاء العظيم، مع ما فيه من الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان. * الوجه الرابع: اختلف العلماء في المراد بالضرر المنفي في قوله: (لم يضره الشيطان أبدًا)، والحديث ظاهره العموم في أنواع الضرر الديني والبدني، لكن ذكر القاضي عياض أنه لم يحمله أحد على هذا العموم (١)، وكأن سبب ذلك ما ثبت في "الصحيح" أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني، وهذا الطعن نوع من الضرر.

стр. 3111

فمن أهل العلم من خصه بالضرر في البدن أو العقل دون الضرر في الدين، وهذا اختيار ابن دقيق العيد؛ لأنه وإن كان التخصيص على خلاف الأصل؛ لأن الأصل حمل اللفظ على عمومه، لكنه لو حمل على عمومه لاقتضى أن ما يقدر في هذا الجماع من الولد سيكون معصومًا من المعاصي كلها، وقد لا يتحقق ذلك، ولا بد من وقوع ما أخبر به النبي ﷺ ، بل حمله بعضهم على ما هو أخص من ذلك، وهو أن المراد به أن الشيطان لا ينخسه عند ولادته، كما ينخس غيره. وقيل: معناه: إن الشيطان لا يسلط عليه تسلطًا يخرجه به عن الإسلام والفطرة، وقد يمسه الشيطان لكنه سرعان ما يثوب إلي رشده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] وإلي هذا يميل الشيخ ابن باز. وقيل: إن الشارع جعل لكل شيء أسبابًا وموانع، فإذا وجدت الأسباب وانتفت الموانع، وجد ما رتب على السبب، وإن لم توجد الأسباب، أو وجدت ولكن حصل معها شيء من الموانع لم يقع، فهنا قد يسمي المجامع ويدعو، ولكن توجد موانع تقتضي إبطال السبب أو ضعفه فلا يتحقق المطلوب، وهذا اختيار الشيخ عبد الله البسام (١). * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الشيطان ملازم لابن آدم في كل حال من أحواله، وأنه يتابع أعماله ليجد الفرصة في إغوائه وإضلاله ما استطاع، وهو يجري من ابن آدم مجري الدم، فهو على خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خَنَسَ، والمُوفَّق هو الذي لا يدع للشيطان فرصة، وذلك باستحضار ذكر الله تعالى، والاستعاذة به من شر الشيطان، أعاذنا الله الكريم منه.

стр. 3112

نهي المرأة عن الامتناع من فراش زوجها ١٠٢٦/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتُهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَبمُسْلِمٍ: "كَانَ الَّذِي في السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا". * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها) (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦) من طرق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وأخرجه مسلم (١٤٣٦) (١٢١) من طريق يزيد يعني: ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها". وفي رواية لهما: "لعنتها الملائكة حتى ترجع". وسأذكر -إن شاء الله- غرض الحافظ من إيراد رواية مسلم، ثم الجمع بين هذه الروايات. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إلى فراشه) الظاهر أن هذا كناية عن الجماع، ويؤيده حديث:

стр. 3113

"الولد للفراش" (١) أي: لمن يطأ في الفراش، والكناية عما يستحيا منه كثير في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٢) [البقرة: ١٨٧]. قوله: (لعنتها الملائكة) يحتمل أن المراد بالملائكة: الحفظة، ويحتمل أنهم غيرهم، واستظهر العيني أنهم غيرهم (٣)، ذلك أن للملائكة أعمالًا يقومون بها دلت عليها النصوص، فلا يبعد أن يكون هناك ملائكة موكلون بأمور، هذا منها، وقد وقع عند البخاري في "بدء الوحي"، وعند مسلم (٤): "فبات غضبان عليها" وهذه الجملة تفيد أن وقوع اللعن المرتب على ثبوت معصيتها مقيد بغضب الزوج، بخلاف ما إذا لم يغضب؛ لأنه قد يكون عَذَرَها أو ترك حقه من ذلك، فتكون هذه الجملة قيدًا لما أطلق في رواية البخاري في كتاب "النكاح". قوله: (حتى تصبح) في رواية "الصحيحين" كما تقدم: "حتى ترجع" قال الحافظ: وهي أكثر فائدة. والأولي "حتى تصبح" محمولة على الغالب؛ لأن قوله: "حتى تصبح" ظاهره اختصاص اللعن بما إذا وقع الامتناع منها ليلًا دون النهار، وليس هذا بقيد، وإنما ذكر ذلك لأن مظنة هذا الطلب يكون ليلًا في الغالب، وكأن السر تأكيد ذلك في الليل وقوة الباعث إليه، وإلا فهو عام في الليل والنهار، بل قد يكون النهار آكد في النهي؛ لحديث: "إذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله؛ فإن ذلك يَرُدُّ ما في نفسه" (٥) ومعلوم أن ذلك خوف الفتنة، ويؤيد ذلك رواية مسلم: "حتى يرضى عنها" فإنها مطلقة تتناول الليل والنهار، وبهذا تظهر الفائدة من إيراد المصنف رواية مسلم، فتكون إجابته واجبة ليلًا ونهارًا، ويبقى اللعن مستمرًا حتى ترجع أو يرضى عنها. وعلى هذا فالروايات ثلاث: "حتى تصبح" متفق عليها، "حتى يرضى" عند مسلم، "حتى ترجع" متفق عليها، والجمع بينها من وجهين:

стр. 3114

الأول: ما تقدم من أن رواية "حتى ترجع" أكثر فائدة، ورواية "حتى تصبح" محمولة على الغالب. الثاني: أن رواية "حتى تصبح" محمولة على ما إذا لم يحصل رضا ولا رجوع، فاللعن ينتهي بطلوع الفجر، وأما روايتا: "حتى يرضى" "حتى ترجع" فمحمولة على ما إذا حصل ذلك فإن اللعن يتوقف. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا طلبها إلى فراشه، وتحريم امتناعها من ذلك لغير عذر شرعي، وليس الحيض بعذر في الامتناع؛ لأن له حقًّا في الاستمتاع بها فوق الإزار. ووجه الدلالة: لعن الملائكة لها، إذ لا يلعنون أحدًا إلا عن أمر الله، واللعن لا يكون إلا عقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم. وإنما وقع ترهيب المرأة وتهديدها إذا لم تلبِّ رغبة زوجها؛ لأن ذلك يؤدي إلى أضرار ومفاسد عظيمة، منها تعريض الزوج للوقوع في الحرام، ناهيك عن الأمراض الجسمية، وكذلك التوتر النفسي الذي ينتج عن الغضب. وهذا مقيد عند أهل العلم بما إذا أدى حقها من النفقة والكسوة والسكن، أما إذا منعها حقها أو ظلمها وتعدي عليها فإنه لا يلزمها السمع ولا الطاعة. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على رعاية الله تعالى لعبده، ولعن من عصاه في قضاء شهوته، فعلي العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه وأمره بها، ويقوم بذكره وشكره، ويحسن عبادته، وإلا فما أقبح الجفا من العبد الحقير للملك الكبير. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على قبول دعاء الملائكة للآدميين من خير أو شر، ولولا أن دعاءهم مقبول ما خوَّف النبي ﷺ به المرأة الممتنعة من فراش زوجها، وقد دل القرآن على ذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]. * الوجه السادس: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز لعن المعين المتصف بشيء من المعاصي، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز لعن الكفار جملة، كما لا خلاف في جواز لعن أصحاب المعاصي جملة كشُرَّاب الخمر،

стр. 3115

وأكلة الربا، ومن تشبه بالرجال من النساء، ومن النساء بالرجال، كما حكي ذلك القرطبي (١). وإنما الخلاف في لعن العاصي المعين، وقد قال ابن العربي: إنه يجوز لعنه اتفاقًا (٢)، وهذا فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، كما قال القرطبي. فمن أهل العلم من أجاز لعن العاصي المعين، وهو اختيار النووي (٣)، واستدلوا بهذا الحديث كما تقدم، وكذا حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ مَرَّ عليه حمار قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "لعن الله الذي وسمه" (٤). وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لعن المعين؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما ندري بما يختم لهذا الفاسق أو الكافر المعين، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). والدليل أن النبي ﷺ نهي عن لعن الصحابي الذي أُتي به وقد شرب الخمر (٦). وهذا هو الأظهر -إن شاء الله- لقوة مأخذه، ولإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة. وأما حديث جابر ﵁ فالمراد به لعن جنس فاعل ذلك، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ لما دعا على بعض الكفار بعد أُحُدٍ باللعنة والطرد من رحمة الله وعيَّنهم، نزل قوله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. أما حديث الباب فلا دليل فيه لأمرين: الأول: أن التكليف بيننا وبين الملائكة مختلف، فليس لنا أن نتأسَّي بهم إلا بدليل. الثاني: أن هذا اللعن ليس بالخصوص، بل هو بالعموم بأن يقولوا: لعن الله من دعاها زوجها، لكن قد يشكل على هذا لفظ الحديث: (لعنتها)، والله تعالى أعلم.

стр. 3116

تحريم وصل الشعر ١٠٢٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "اللباس"، باب (الموصولة) (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤) من طريق عبيد الله بن عبد الله العمري، قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لعن الواصلة) تقدم أن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء، وهذه جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى. والواصلة: هي المرأة التي تصل شعرها بشعر غيرها، سواء فعلته لنفسها أو لغيرها، قال أبو عبيد: (هذا في الشَّعَر) (١)، وقال أبو داود: (وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء) (٢)، وقال الهروي: (وأما الواصلة والمستوصلة فإنه في الشَّعَر، وذلك بأن تصله بشعر آخر)، وقال ابن منظور: (الواصلة من النساء التي تصل شعرها بشعر غيرها، والمستوصلة: الطالبة لذلك) (٣). قوله: (والمستوصلة) هي التي تطلب فعل ذلك بها.

стр. 3117

قوله: (والواشمة) هي فاعلة الوشم، وهو أن تغرز إبرة ونحوها في بدن المستوشمة حتى يسيل الدم، ثم تحشوه بالكحل أو النيل أو النورة أو غير ذلك حتى يخضر الموضع الموشوم أو يزرقَّ. وهو يكون في الوجه واليدين، وأكثر ما يكون في الشفة، ويتفنن المستوشم في استعمال الوشم، فبعضهم ينقش على يده قلبًا، أو اسم محبوبه، ونحو ذلك. قوله: (والمستوشمة) هي التي تطلب فعل الوشم فيها. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الوصل، وأنه لا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر آخر بقصد التزين، وذلك لأن لعن الواصلة والمستوصلة دليل على تحريم هذا الفعل، وأنه من كبائر الذنوب، وفيه تشبه باليهود، وفيه تدليس وغش؛ لأن الرسول ﷺ سماه الزور، وقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: (قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، فأخرج كَبَّةً من شعر، قال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا غير نساء اليهود، إن النبي ﷺ سماه الزور، يعني: الواصلة بالشعر) (١). والكبة: بفتح الكاف الخصلة من الشعر. أما وصل الشعر بشيء آخر غير الشعر كالحرير أو الصوف أو الخيوط الملونة ونحو ذلك مما لا يشبه الشعر، فمن أهل العلم من منعه، ونُسب هذا إلى الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، واستدلوا بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ زجر أن تصل برأسها شيئًا (٣). قالوا: فهذا حديث عام في النهي عن الوصل مطلقًا، وتخصيصه بأن المراد به وصل الشعر بشعر يحتاج إلى دليل. وقال آخرون وهم الليث بن سعد وبعض الحنفية وابن قدامة بجواز وصل

стр. 3118

الشعر بصوف أو خرق وغير ذلك مما لا يشبه الشعر الأصلي (١)؛ لأن هذا ليس بوصل، ولا في مقصود الوصل، وليس فيه تدليس ولا تغيير لخلق الله تعالي، وإنما هو للتجميل والتحسين، وقد ورد عن سعيد بن جبير أنه قال: لا بأس بالقرامل (٢). ونقل أبو داود بعد إيراده هذا الأثر أن أحمد كان يقول: القرامل ليس به بأس. والقرامل: جمع قَرْمَلٍ -بفتح القاف وسكون الراء- نبات طويل الفروع لين، والمراد هنا: خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تصل بها المرأة شعرها (٣). قال الخطابي: (رخص أهل العلم في القرامل؛ لأن الغرور لا يقع بها؛ لأن من نظر إليها لم يشك في أن ذلك مستعار" (٤). وهذا القول هو الأظهر -إن شاء الله- وهو أن الممنوع وصل الشعر بشعر آخر، أما وصله بالخيوط الملونة، ونحوها مما هو معروف عند النساء ولا سيما البنات الصغار، لئلا ينتشر ويتفرق فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يصدق عليه أنه وصل، ولأن من يراها يعرف أنها ليست بشعر قطعًا. وأما حديث جابر ﵁ فهو محمول على وصل الشعر بشعر؛ لأن الوصل إذا أطلق انصرف إلى ذلك، بدليل كلام أهل اللغة والشرع، كما تقدم. * الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الوشم؛ لأن النبي ﷺ لعن الواشمة والمستوشمة، واللعن لا يكون إلا على أمر محرم، بل إنه من كبائر الذنوب، وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات

стр. 3119

خلق الله … الحديث) (١) وفيه إشارة إلى أن المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو تغيير خلق الله تعالى، وهي صفة لازمة لا تنفك عمن يضع الوشم على جزء من بدنه، بالإضافة إلى ما هو باقٍ في الجسم عن طريق الوخز بالإبر، وكذلك إيلام الحي، وتعذيب بدن الإنسان بلا حاجة ولا ضرورة، والوشم المحرم هو ما فعله الإنسان باختياره، أما لو تداوي -مثلًا- فحصل له وشم من أثر العلاج، أو حصل لجسمه احتكاك بشيء فدخل السواد تحت الجسم أو نحو ذلك؛ فهذا لا يدخل في النهي، وقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁ (والواشمة إلا من داء) (٢)، وفي حديث ابن عباس ﵁ (والمستوشمة من غير داء) (٣). ويلزم إزالة الوشم بالعلاج، وإن لم يكن إلا بالجرح، فإن خاف منه التلف، أو فوات عضو، أو حدوث شيء فاحش في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وتكفي التوبة في هذه الحالة، وإن لم يخف شيئًا من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره (٤). * الوجه الخامس: ذكر الحافظ هذا الحديث في باب (عشرة النساء)، كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي، ولعله أراد بذلك بيان أن الإسلام عندما أباح للمرأة التزين لزوجها وأن هذا من العشرة المطلوبة، نهي عن بعض الزينة -إن صح التعبير- كوصل الشعر والوشم وغيرهما. والله تعالى أعلم.

стр. 3120

جواز الغِيلَةِ والنهي عن العزل ١٠٢٨/ ١١ - عَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵄ قَالتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في أناسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أَنْهي عَنِ الغِيلةِ فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلكَ أَوْلَادَهُمْ شَيئًا"، ثُمَّ سَألوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفيُّ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي جذامة بنت وهب ﵄، وقيل: بنت جندل الأسدية، والأول أرجح، أخت عكاشة بن محصن لأمه، وكما اختلف في اسم أبيها فقد اختلف في ضبط اسمها، هل هو بالدال المهملة أو بالذال المعجمة، فذكر مسلم عند حديثها هذا أن الصحيح أنها بالدال المهملة، قال النووي: (وهكذا قال جمهور العلماء)، وذكر الدارقطني -أيضًا- أنها بالدال المهملة، وأن من ذكرها بالذال المعجمة فقد صحَّف (١)، وقال العسكري: وحكي بالذال المعجمة عن جماعة (٢). وقد انقلب الأمر على الصنعاني فاعتبر ضبطها بالدال المهملة تصحيفًا مخالفًا في ذلك أصله، وهو "البدر التمام" (٣). أسلمت جذامة قديمًا في مكة، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة مع أهلها رجالًا ونساء، وغلقت أبوابهم في مكة، روت عنها عائشة ﵂ (٤).
следующие страницы →