← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

تحريم وصل الشعر ١٠٢٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "اللباس"، باب (الموصولة) (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤) من طريق عبيد الله بن عبد الله العمري، قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لعن الواصلة) تقدم أن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء، وهذه جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى. والواصلة: هي المرأة التي تصل شعرها بشعر غيرها، سواء فعلته لنفسها أو لغيرها، قال أبو عبيد: (هذا في الشَّعَر) (١)، وقال أبو داود: (وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر النساء) (٢)، وقال الهروي: (وأما الواصلة والمستوصلة فإنه في الشَّعَر، وذلك بأن تصله بشعر آخر)، وقال ابن منظور: (الواصلة من النساء التي تصل شعرها بشعر غيرها، والمستوصلة: الطالبة لذلك) (٣). قوله: (والمستوصلة) هي التي تطلب فعل ذلك بها.

стр. 3117

قوله: (والواشمة) هي فاعلة الوشم، وهو أن تغرز إبرة ونحوها في بدن المستوشمة حتى يسيل الدم، ثم تحشوه بالكحل أو النيل أو النورة أو غير ذلك حتى يخضر الموضع الموشوم أو يزرقَّ. وهو يكون في الوجه واليدين، وأكثر ما يكون في الشفة، ويتفنن المستوشم في استعمال الوشم، فبعضهم ينقش على يده قلبًا، أو اسم محبوبه، ونحو ذلك. قوله: (والمستوشمة) هي التي تطلب فعل الوشم فيها. * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الوصل، وأنه لا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر آخر بقصد التزين، وذلك لأن لعن الواصلة والمستوصلة دليل على تحريم هذا الفعل، وأنه من كبائر الذنوب، وفيه تشبه باليهود، وفيه تدليس وغش؛ لأن الرسول ﷺ سماه الزور، وقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: (قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، فأخرج كَبَّةً من شعر، قال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا غير نساء اليهود، إن النبي ﷺ سماه الزور، يعني: الواصلة بالشعر) (١). والكبة: بفتح الكاف الخصلة من الشعر. أما وصل الشعر بشيء آخر غير الشعر كالحرير أو الصوف أو الخيوط الملونة ونحو ذلك مما لا يشبه الشعر، فمن أهل العلم من منعه، ونُسب هذا إلى الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، واستدلوا بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ زجر أن تصل برأسها شيئًا (٣). قالوا: فهذا حديث عام في النهي عن الوصل مطلقًا، وتخصيصه بأن المراد به وصل الشعر بشعر يحتاج إلى دليل. وقال آخرون وهم الليث بن سعد وبعض الحنفية وابن قدامة بجواز وصل

стр. 3118

الشعر بصوف أو خرق وغير ذلك مما لا يشبه الشعر الأصلي (١)؛ لأن هذا ليس بوصل، ولا في مقصود الوصل، وليس فيه تدليس ولا تغيير لخلق الله تعالي، وإنما هو للتجميل والتحسين، وقد ورد عن سعيد بن جبير أنه قال: لا بأس بالقرامل (٢). ونقل أبو داود بعد إيراده هذا الأثر أن أحمد كان يقول: القرامل ليس به بأس. والقرامل: جمع قَرْمَلٍ -بفتح القاف وسكون الراء- نبات طويل الفروع لين، والمراد هنا: خيوط من حرير أو صوف يعمل ضفائر تصل بها المرأة شعرها (٣). قال الخطابي: (رخص أهل العلم في القرامل؛ لأن الغرور لا يقع بها؛ لأن من نظر إليها لم يشك في أن ذلك مستعار" (٤). وهذا القول هو الأظهر -إن شاء الله- وهو أن الممنوع وصل الشعر بشعر آخر، أما وصله بالخيوط الملونة، ونحوها مما هو معروف عند النساء ولا سيما البنات الصغار، لئلا ينتشر ويتفرق فهذا لا بأس به؛ لأنه لا يصدق عليه أنه وصل، ولأن من يراها يعرف أنها ليست بشعر قطعًا. وأما حديث جابر ﵁ فهو محمول على وصل الشعر بشعر؛ لأن الوصل إذا أطلق انصرف إلى ذلك، بدليل كلام أهل اللغة والشرع، كما تقدم. * الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الوشم؛ لأن النبي ﷺ لعن الواشمة والمستوشمة، واللعن لا يكون إلا على أمر محرم، بل إنه من كبائر الذنوب، وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات

стр. 3119

خلق الله … الحديث) (١) وفيه إشارة إلى أن المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو تغيير خلق الله تعالى، وهي صفة لازمة لا تنفك عمن يضع الوشم على جزء من بدنه، بالإضافة إلى ما هو باقٍ في الجسم عن طريق الوخز بالإبر، وكذلك إيلام الحي، وتعذيب بدن الإنسان بلا حاجة ولا ضرورة، والوشم المحرم هو ما فعله الإنسان باختياره، أما لو تداوي -مثلًا- فحصل له وشم من أثر العلاج، أو حصل لجسمه احتكاك بشيء فدخل السواد تحت الجسم أو نحو ذلك؛ فهذا لا يدخل في النهي، وقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁ (والواشمة إلا من داء) (٢)، وفي حديث ابن عباس ﵁ (والمستوشمة من غير داء) (٣). ويلزم إزالة الوشم بالعلاج، وإن لم يكن إلا بالجرح، فإن خاف منه التلف، أو فوات عضو، أو حدوث شيء فاحش في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وتكفي التوبة في هذه الحالة، وإن لم يخف شيئًا من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره (٤). * الوجه الخامس: ذكر الحافظ هذا الحديث في باب (عشرة النساء)، كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي، ولعله أراد بذلك بيان أن الإسلام عندما أباح للمرأة التزين لزوجها وأن هذا من العشرة المطلوبة، نهي عن بعض الزينة -إن صح التعبير- كوصل الشعر والوشم وغيرهما. والله تعالى أعلم.

стр. 3120

جواز الغِيلَةِ والنهي عن العزل ١٠٢٨/ ١١ - عَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵄ قَالتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في أناسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أَنْهي عَنِ الغِيلةِ فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلكَ أَوْلَادَهُمْ شَيئًا"، ثُمَّ سَألوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفيُّ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي جذامة بنت وهب ﵄، وقيل: بنت جندل الأسدية، والأول أرجح، أخت عكاشة بن محصن لأمه، وكما اختلف في اسم أبيها فقد اختلف في ضبط اسمها، هل هو بالدال المهملة أو بالذال المعجمة، فذكر مسلم عند حديثها هذا أن الصحيح أنها بالدال المهملة، قال النووي: (وهكذا قال جمهور العلماء)، وذكر الدارقطني -أيضًا- أنها بالدال المهملة، وأن من ذكرها بالذال المعجمة فقد صحَّف (١)، وقال العسكري: وحكي بالذال المعجمة عن جماعة (٢). وقد انقلب الأمر على الصنعاني فاعتبر ضبطها بالدال المهملة تصحيفًا مخالفًا في ذلك أصله، وهو "البدر التمام" (٣). أسلمت جذامة قديمًا في مكة، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة مع أهلها رجالًا ونساء، وغلقت أبوابهم في مكة، روت عنها عائشة ﵂ (٤).

стр. 3121

* الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (جواز الغيلة وهي وطء المرضع، وكراهة العزل) (١٤٤٢) (١٤١) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: … ذكرت الحديث. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لقد هممت) قال أهل اللغة: هممتُ بالشيء همًا، من باب (قتل): إذا أردته ولم تفعله. قوله: (عن الغيلة) بكسر الغين المعجمة، فمثناة تحتية، هي مجامعة الرجل امرأته وهي ترضع، أو هي أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال: أغال الرجل ولده، إغالة: إذا جامع أمه وهي ترضعه، وأغالت المرأة ولدها: أرضعته وهي حامل، فهي مُغِيل ومُغْيِل، والولد مُغَال ومُغْيَل، فكل منهما يقال له: غِيلة في اللغة، وهذا اللفظ كيفما دار فهو يرجع إلي الضرر والهلاك، ومنه قول العرب: غالني أمر كذا؛ أي: أضرَّ بي، فعلي المعنى الأول يقال: إن الماء -يعني: المني- يغيل اللبن؛ أي: يفسده، وأما الثاني: فهو بيِّن؛ لأن لبن الحامل داء وعلة في جوف الصبي، ومراده ﷺ المعنى الأول، وأما الثاني فضرره معلوم للعرب وغيرهم (١). قوله: (الروم) جيل عظيم من الناس بلغوا في زمانهم الغاية في الكثرة والقوة، وهم نسبة إلى رمولوس، باني روما، ولما زحفت الفتوحات الإسلامية استولت على غالب بلادهم. قوله: (وفارس) أمة عظيمة كثيرة وشديدة في ما وراء النهر من بلاد العرب. قوله: (فإذا هم يُغيلون) بضم الياء؛ لأنه من أغال الرباعي، كما تقدم.

стр. 3122

قوله: (عن العزل) هو أن ينزع الرجل ذكره من الفرج حتى لا ينزل فيه، لئلا يحصل الحمل، والذي حرك الصحابة للسؤال عن العزل أنهم خافوا أن يكون محرمًا؛ لأنه قطع للنسل. قوله: (هو الوأد الخفي) بفتح الواو، ثم همزة ساكنة، هو دفن البنت وهي حية، يقال: وَأَدَ الرجل ابنته يئدها: دَفَنَها حية، فهي موؤدة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨]. وكانت العرب تفعله في الجاهلية خشية الإملاق، وربما فعلوه خشية العار، وسميت موؤدة؛ لأنها تُثقل بالتراب، وهذا من التشبيه، والمعنى: أن العزل شبيه بالوأد؛ لأنه بالعزل قطع طريق الولادة، كما يُقتل المولود بالوأد، لكن لما كان صاحب العزل لم يباشر وأدًا وقتلًا حقيقة سمي بالوأد الخفي؛ لأن العزل نية وقصد، والوأد قصد وفعل، وهذا وجه تسميته خفيًّا. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يطأ زوجته المرضع أو الحامل، وأنه لا ضرر على الطفل في ذلك. وقد همَّ النبي ﷺ أن ينهى عن ذلك؛ لكونه مستكرهًا عند العرب؛ لأنهم أكثروا من انتقاد ذلك والتحدث بضرره، حتى إنهم قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه، لكنه ﷺ لم يفعل؛ لأنه نظر إلى فارس والروم وإذا هم يُغيلون، فيجامعون نساءهم وهن يرضعن، مع قوة أجسامهم وكثرة عددهم، مما يدل على أن ذلك لم يضر أولادهم، فسوَّى بينهم وبين العرب في هذا المعنى، وهذه تجربة، والتجربة هي سلم العلوم الطبيعية. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ : "لم تفعل ذلك؟ "، فقال: أشفق على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله ﷺ : "لو كان ذلك ضارًا ضرَّ فارس والروم" وفي رواية: "إن كان ذلك فلا، ما ضَارَ ذلك فارس ولا الروم" (١).

стр. 3123

° الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز الاستدلال بما فعله الكفار في الأمور العادية والطبيعية، وأنه لا بأس أن يستفاد من تجارب الأمم الكافرة في معرفة ما ينفع الناس وما يضرهم من الدواء، أو في تجنب أشياء ضارة، فإذا عرف أنهم فعلوا ذلك ولم يضر فلا بأس باستعماله، وكذا ما جاء عنهم من الصناعات والحرف التي فيها مصالح عامة فلا حرج أن نستفيد منهم، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبهًا بهم. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على تحريم العزل، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل العزل هو الوأد الخفي، والوأد عادة جاهلية، حرمها الإسلام، فيكون العزل حرامًا أيضًا، وهذا قول ابن حزم (١)، وجماعة، وسيأتي مزيد كلام في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 3124

ما جاء في جواز العزل ١٠٢٩/ ١٢ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارِيةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأنا أكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تَحَدَّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَال: "كَذَبَتِ يَهُودُ، لَو أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، واللفظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَالطحَاويُّ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. ١٠٣٠/ ١٣ - وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيئًا يُنْهَى عَنْهُ لنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَلِمُسْلِمٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ. ° الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي سعيد ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٧/ ٣٨٩)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (ما جاء في العزل) (٢١٧١)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٢٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٣١) وفي "شرح مشكل الآثار" (٥/ ١٧٠) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، حدثه أن رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا … وذكر الحديث. وهذا الحديث -كما قال الحافظ- رجاله ثقات، إلا رفاعة، ويقال: أبو رفاعة، ويقال: أبو مطيع بن عون الأنصاري، فإنه لم يرو عنه إلا محمد بن

стр. 3125

ثوبان، وهو لم يرو إلا عن أبي سعيد، ولم يذكره ابن حبان في "الثقات"، ولذا قال الحافظ في "التقريب": (مقبول) أي: عند المتابعة، وإلا فلين الحديث. وقد توبع، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٣٢)، وفي "شرح مشكل الآثار" (٥/ ١٧٢) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أُمامة بن سهل، عن أبي سعيد ﵁. وهذا إسناد حسن لولا أن فيه عنعنة ابن إسحاق. وأخرجه البزار (١٠٣٢) "مختصر زوائده"، والطحاوي (٣/ ٣١ - ٣٢) و (٥/ ١٧٢) من طريق موسى بن وردان، عن أبي سعيد ﵁، وإسناده حسن. وأما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (العزل) (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن جابر ﵁، قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل)، قال مسلم: زاد إسحاق -وهو الراوي عن سفيان-: (قال سفيان: لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن). وأخرجه مسلم (١٤٤٠) (١٣٨) من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا). ولعل الحافظ أورد رواية مسلم لبيان أن العزل مما علم به النبي ﷺ وأقرهم عليه، كما سيأتي. وقد وهم الحافظ هنا، فعزا الحديث بتمامه للبخاري ومسلم، وقد تبين من سياق الحديث أن المتفق عليه إلى قوله: (والقرآن ينزل)، وأما الزيادة فهي من سفيان بن عيينة، ثم إنه وهم في عزوها للشيخين، وإنما هي عند مسلم فقط من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، كما تقدم. قال في "فتح الباري": (هذا ظاهر في أن سفيان قاله استنباطًا، وأوهم كلام صاحب العمدة ومن تبعه أن هذه الزيادة من نفس الحديث، فأدرجها، وليس الأمر كذلك، فإني تتبعته من المسانيد، فوجدت أكثر رواته عن

стр. 3126

سفيان لا يذكرون هذه الزيادة) فالحافظ وقع فيما انتقد فيه صاحب "العمدة" من إدراجه الزيادة في أصل الحديث، إلا أن يكون قد ألَّف البلوغ قبل "الفتح" والله المستعان. ° الوجه الثاني: قوله: (وإن اليهود تحدث أن العزل الموؤدة الصغرى، قال: "كذبت يهود") ظاهر هذا أنه يعارض ما تقدم في حديث جذامة: ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي "وقد جمع بينهما بأوجه، لعل من أحسنها ما ذكره العلامة ابن القيم من أن اليهود ظنت أن العزل لا يتصور معه حمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم النبي ﷺ وأخبر أن العزل لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدًا حقيقة، وإنما سَمَّاه وأدًا باعتبار النية والقصد، كما تقدم (١)، قال الشوكاني: (وهذا الجمع قوي) (٢). ° الوجه الثالث: استدل الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة بهذين الحديثين على جواز العزل، ووجه الاستدلال: أن قوله في حديث جابر ﵁: (والقرآن ينزل) يفيد إباحة العزل، فإنه لو كان العزل حرامًا ولم يطلع عليه النبي ﷺ لنزل القرآن بالنهي عنه، وهذا فائدة قول الصحابي ﵁: (والقرآن ينزل) ولهذا قال سفيان: (ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) قال الأصوليون: إن ما وقع في زمن النبي ﷺ ولم يعلم به فإنه لا ينسب إلى سنته، لكنه حجة لإقرار الله تعالى له. بل إن رواية مسلم التي ذكر الحافظ تفيد أن النبي ﷺ بلغه أنهم يعزلون ولم يصدر منه نهي، فيدل إقرارهم عليه على جوازه؛ لأنه ﷺ لا يقر على باطل. وقد روي عن عشرة من الصحابة ﵃ أنهم رخصوا في العزل، ولم يروا به بأسًا، منهم سعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وابن

стр. 3127

عباس، وغيرهم (١). واشترط الجمهور أن يكون العزل عن الحرة بإذنها، مستدلين بحديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها (٢)، ولأن لها حقًّا في الولد، ولأن الجماع من حقها؛ إذ الجماع مع العزل، فيه حرمان الزوجة من كمال اللذة ومشاركتها الزوج في التمتع والتلذذ حال الجماع. وأجابوا عن حديث جُذامة الدال على النهي عن العزل بأن الأحاديث الدالة على الجواز جاءت على خلافه، وهي أحاديث صحيحة صريحة، ومنها حديث جابر ﵁ برواياته، ثم إن عددًا من الصحابة ﵃ رخصوا فيه، وهم أعلم منا بفهم النصوص ومقاصد الشريعة، وحديث جذامة ليس صريحًا في المنع، كما سيأتي. وذهب ابن حزم وجماعة إلى تحريم العزل، لحديث جذامة المتقدم، وأجاب عن أحاديث الجواز بأنها على البراءة الأصلية، وهي الإباحة، وحديث جذامة ناقل عنها، فمن ادعى أنه أبيح بعد ما منع فعليه البيان. وبهذا يتبين أن سبب الخلاف في حكم العزل هو مجيء أحاديث دالة على الجواز، وأحاديث ظاهرها المنع. والذي يظهر -والله أعلم- أن الاعتماد على أحاديث الجواز أولى؛ لأن حديث جذامة ليس صريحًا في المنع، فإن العزل ليس وأدًا حقيقة، وإنما سماه وأدًا لقصد العازل ونيته، بخلاف الوأد فإنه اجتمع فيه القصد ومباشرة القتل، ولو كان العزل قتلًا حقيقة لكان من كبائر الذنوب، وعلى هذا فالأظهر أنه سمي بالوأد الخفي للتنفير منه، وليس للتحريم، أو أن هذا كان في أول الأمر، ثم نسخ بما يدل على الإباحة، كما في حديث أبي سعيد وجابر ﵄.

стр. 3128

وعلى هذا فيجوز العزل واستعمال ما ينظم الحمل من حبوب وغيرها إذا دعت المصلحة إلى ذلك؛ ككون المرأة مريضة، أو يضرها تتابع الحمل، أو أنها ترضع طفلها ويخاف من الضرر عليه في رضاعته وترعرعه ونشأته -مع أن المرضع قد لا تحمل- ونحو ذلك من الأعذار الفردية؛ لأن هذه أسباب عارضة، فيكون الجواز هنا ببقاء هذا السبب، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها عدوان على حمل قائم. أما إن كان العزل أو استعمال ما يمنع الحمل خشية الإملاق أو الخوف من كثرة السكان أو رفض مسؤولية الأولاد وفساد التربية ونحو ذلك من الأسباب الواهية التي يذكرها أنصار تحديد النسل أو تنظيمه، فهذا لا يجوز شرعًا، وهو من دسائس أعداء الإسلام على الأمة الإسلامية؛ لتقليل عدد المسلمين وإضعافهم، حتى تكون لهم القدرة على استعمار بلاد المسلمين، واستعباد أهلها، ونهب ثرواتها في الوقت الذي هي محتاجة فيه إلى التكاثر للقدرة على النضال في سبيل نشر دينها، ونصرة عقيدتها، ومقاومة أعدائها، كما أن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى. والرسول ﷺ حث على إنجاب الأولاد وتكثير النسل، فقال: "تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة" (١)، ومعلوم أن حفظ النسل هو إحدى الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها، وإن كثرة النسل نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على عباده؛ وهو مما يقوي الأمة الإسلامية اجتماعيًّا واقتصاديًّا وحربيًّا، ويزيدها قوة ومنعة، فالاستجابة لدعوة أعدائنا معناها القضاء على تكاثر المسلمين وأسباب قوتهم. وفق الله المسلمين لما فيه قوتهم وعزتهم، ونَصَرَهم على أعدائهم. والله تعالى أعلم.

стр. 3129

جواز طواف الرجل على نسائه بغسل واحد ١٠٣١/ ١٤ - عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه"، ومنها: في كتاب "النكاح"، باب (من طاف على نسائه في غسل واحد) (٥٢١٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم "أن نبي الله ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسع نسوة". ورواه مسلم (٣٠٩) من طريق مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن يزيد، عن أنس ﵁ مرفوعًا، وهو لفظ البلوغ. قال ابن رجب: (لم يَرْضَ البخاري هذا الحديث من أجل مسكين بن بكير، فإنه ليس بذاك) (١). وقد ذكر الحافظ في "مقدمته" أن البخاري روى لمسكين بن بكير حديثًا واحدًا في كتاب "التفسير" من "صحيحه" رواه عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن ابن عمر ﵄، ثم أردفه بمتابعة روح بن عبادة، عن شعبة (٢)، وقد تكلم الأئمة في مسكين بن بكير فقال الأثرم: (سمعت أحمد يحسن أمره)، وقال في موضع آخر عن أحمد: (حدث عن شعبة بأحاديث لم

стр. 3130

يروها أحد) وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: (لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ) وقال ابن معين: (لا بأس به) ومثل هذا قال أبو حاتم: وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ). ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على ما منح الله به نبيه ﷺ من القوة في الجماع، وهذا من آيات الله تعالى الدالة على قدرته، وقد جاء في بعض ألفاظ البخاري من حديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين) وقال سعيد، عن قتادة أن أنسًا حدثهم: تسعُ نسوة (٢). ولا تعارض بين روايتي (إحدى عشرة) و (تسع) فمن قال: إنهن تسع نظر إلى الزوجات اللاتي اجتمعن عنده، فإنه لم يجتمع عنده أكثر من تسع، ومات عنهن، ومن قال: إحدى عشرة، أدخل مارية القبطية أم ولده إبراهيم، وريحانة بنت زيد النضرية، من سبي بني قريظة، وأطلق عليهن لفظ (نسائه) تغليبًا. قال ابن القيم: (لا خلاف أنه ﷺ توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان … ) (٣). ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز الاكتفاء بغسل واحد من كان عنده أكثر من امرأة بعد الفراغ من جماعهن جميعًا، وأنه لا يلزم أن يغتسل من جماعه لكل امرأة واحدة. لكن تقدم في باب "الغسل" حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا" زاد الحاكم: "فإنه أنشط للعَوْد" (٤). فهذا يدل على أن السنة أن يتوضأ بين كل وطئين، مع غسل مذاكيره وما حولها، وإذا أمر بذلك في العود إلى وطء

стр. 3131

الزوجة نفسها فإنه في وطء زوجة أخرى من باب أولى، بل قد يكون متعينًا؛ لئلا تتقذره الزوجة الأخرى بعد وطء الأولى. وقد ورد الاغتسال للمعاودة في حديث أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه في ليلة، فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلًا، فقلت: يا رسول الله، لو اغتسلت غسلًا واحدًا؟ فقال: "هذا أطهر وأطيب" (١). فإن قيل: كيف اطلع أبو رافع على هذا الغسل مع أن شأنه الخفاء؟ فالجواب: أنه كان خادمًا للنبي ﷺ إذ ذاك، يأتي له بالماء، وقد ذكره ابن القيم ضمن موالي النبي ﷺ (٢). ° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن القسم بين الزوجات ليس واجبًا على النبي ﷺ ، ولكنه يقسم من قبل نفسه تطييبًا لنفوس زوجاته، ولكمال خلقه، وليتأسى به غيره. ووجه الاستدلال: أن كونه ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة ينافي وجوب القسم عليه. وسيأتي البحث في هذا في باب "القسم" إن شاء الله تعالى.

стр. 3132

باب الصداق الصداق لغة: بفتح الصاد، والدال، ويجوز كسر الصاد، والفتح أشهر، ويجوز فتح الصاد وضم الدال، فيقال: صَدُقة، وقد جاء في القرآن جمعه على لفظه في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. واصطلاحًا: ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضًا عن عقد النكاح عليها، وسمي الصداق صداقًا؛ لأنه يشعر بصدق رغبة الزوج في الزوجة. وللصداق عدة أسماء: فهو نِحْلة، كما تقدم، وفريضة، وأجر -كما سيأتي- وطَوْلٌ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، ويسمى مهرًا، كما في حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن مهر البغي (١)، ويسمى جهازًا بفتح الجيم وكسرها، كما في معاجم اللغة، إلى غير ذلك من أسمائه. وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فآيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، والنحلة: العطية غير المبخوسة، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، ومن السنة ما سيأتي في أحاديث الباب. وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على وجوب الصداق على اختلاف مذاهبهم؛ لأن النصوص الآمرة به قطعية الثبوت قطعية الدلالة، قال ابن عبد البر: (أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق

стр. 3133

مُسمَّى دينًا أو نقدًا) (١). وأما الحكمة من مشروعية الصداق، فإن الإسلام جعل المهر حقًّا على الرجل لزوجته، لا يستبيح فرجها إلا بكلمة الله، وبأداء هذا الحق. وقد جعل الله تعالى هذا العطاء آية من آيات المحبة، وعنوانًا لتوثيق عرى الرحمة والمودة، إن الصداق فيه إشعار بتكريم الإسلام للمرأة وإعزازها وإسعادها، فهي بذلك تشعر بمكانتها في المجتمع، وتحس بأنها مطلوبة مرغوب فيها، وأن هناك من يبذل الكثير من ماله رمزًا لحاجته إليها، ورغبته فيها، كما أن الصداق إشعار بعزم الرجل على تحمل الأعباء، وأداء الحقوق. ولا يعني الصداق أن المرأة سلعة تباع، كما قد يتصور بعض الناس، فيغالي في المهر، ويشترط حوله شروطًا، بل هو رمز لتكريم المرأة وإعزازها من جهة، وتلبية لنداء فطرتها وأنوثتها القائمة على حب الزينة والتجمل والرغبة في المتاع من جهة أخرى. ومما ينبغي أن يعلم أن الصداق حق للمرأة وحدها، وليس لغيرها حق فيه، فلها أن تتصرف به بكل أنواع التصرفات الجائزة شرعًا، بخلاف ما يفعله بعض الأولياء من السطو على مهر المرأة، وصرفه في التظاهر والتفاخر والولائم، بل إن من الفتيات من لا يعلمن بمقدار مهورهن، ولا كيف صُرف وفيما أُنفق، والله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤].

стр. 3134

صحة جعل العتق صداق ١٠٣٢/ ١ - عَنْ أنسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (من جعل عتق الأمة صداقها) (٥٠٨٦)، ومسلم (٢/ ١٠٤٥) من طريق شعيب بن الحبحاب، عن أنس ﵁. وهذا الحديث ورد من طرق، بعضها مطول، وبعضها مختصر. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أعتق صفية) أي: حررها من الرق؛ لأنها من السبي يوم خيبر، وصفية هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، سيد بني النضير، وأمها من بني قريظة، كانت تحت سلَّام بن مِشْكم القرظي، ففارقها ثم تزوجها كنانة بن الربيع النضيري، فقتل عنها يوم خيبر، فوقعت في السبي لدحية بن خليفة الكلبي، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أعطيت دحية ابنة سيد النضير وقريظة، لا تصلح إلا لك، فأخذها النبي ﷺ وأعطى دحية بدلها، وعرض عليها الإسلام فأسلمت، واصطفاها لنفسه، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وهذا كله ثابت في "الصحيحين"، وكانت حليمة عاقلة من خيرة النساء عبادة وزهدًا، وبرًّا وصدقة، توفيت في رمضان سنة خمسين ﵂ (١).

стр. 3135

قوله: (وجعل عتقها صداقها) أي: إن العتق حلَّ محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا؛ كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يعتق الأمة المملوكة ويتزوجها، ويجعل عتقها صداقها، قال ابن حزم: (من أعتق أمته على أن يتزوجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فهو صداق صحيح، ونكاح صحيح، وسنة فاضلة … ) (١). ° الوجه الرابع: استدل العلماء بهذا الحديث على أنه يستحب أن يعتق الرجل أمته ويتزوجها، ولا سيما إذا كانت حسنة الأخلاق، حسنة الصورة، تعفه وتغنيه عن غيرها، وقد أشعر بذلك صنيع الإمام مسلم ﵀، فإنه روى بعد هذا الحديث حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذي يعتق جاريته، ثم يتزوجها له أجران" (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 3136

مقدار صداق النبي ﷺ لنسائه ١٠٣٣/ ٢ - عَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ، أَنَّهُ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زوج النبي ﷺ كمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشًّا، قَالتْ: أتدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَال: قُلْتُ: لَا، قَالتْ: نِصْفُ أُوقِيّةً، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمِ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأَزوَاجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ولد سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، وولي القضاء في المدينة لسعيد بن العاص في خلافة معاوية ﵁، وكان صبيح الوجه؛ كان وجهه دينار، وهو من أئمة الفقهاء وشيوخهم، حدث عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهو ثقة كثير الحديث، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين ﵀ (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (الصداق، وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، وغير ذلك من قليل وكثير، واستحباب كونه خمسمائة درهم من لا يجحف به) (١٤٢٦) من طريق محمد بن إبراهيم، عن

стр. 3137

أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة زوج النبي ﷺ … وذكر الحديث. ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء، ومقدارها في الحجاز: أربعون درهمًا، والدرهم: تقدم في "الزكاة" أنه يزن عند المتقدمين إحدى وخمسين حبة شعير، وزنها: جرامان وثلاثة من عشرة من الجرام، فيكون مجموعها = ١١٥٠ جرام × ١.٥، وهو سعر جرام الفضة يوم السبت ٤/ ٢ / ١٤٢٧ هـ - ١٧٢٥ ريال، فيكون سعر الدرهم = ٣.٤٥ ريال. قوله: (ونشًّا) النش: بفتح النون وتشديد الشين، نصف أوقية كما في الحديث؛ أي: عشرين درهمًا. قوله: (فتلك خمسمائة) أي: فجميع مقدار هذا الصداق خمسمائة درهم، وهي حاصل ضرب اثني عشر ونصف في أربعين. قوله: (فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه) هذا باعتبار الأكثر منهن ﵅، وإلا فخديجة وجويرية بخلاف ذلك، وصفية كان عتقها صداقها، كما تقدم، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي أربعة آلاف، وهذا ليس من فعل النبي ﷺ . ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب تخفيف الصداق وعدم المغالاة فيه، لما في ذلك من المصالح العظيمة للزوجين وللمجتمع بأسره، وتخفيف الصداق من المأمور به شرعًا، وما أوصل إلى المأمور به فهو مأمور به، قال الإمام الشافعي: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأَستحبُّ ألا يزيد في المهر على ما أصدق رسول الله ﷺ به نساءه وبناته، وذلك خمسمائة درهم) (١). وهذا المقدار بالنسبة للزمان الأول، أما الآن فقد تغير الحال، وكثر

стр. 3138

المال، لكن يبقى الأصل وهو الحث على تخفيف الصداق، وتيسير سبل الزواج، لما تقدم، والناس يتفاوتون في الفقر والغنى، ولا بد من مراعاة حالة الزوج المالية، فلا يطالب إلا بما يقدر عليه، ومطالبته بما فوق ذلك إما أن يؤدي إلى الاستدانة وتحمل همِّ الدين، أو التوصل إلى ذلك بسؤال الناس، أو يعدل عن الزواج. وليس للصداق قدر محدد، لكن متى تعدى الناس حدود الشرع ودخلوا في معنى الإسراف فهذا هو المحذور، وخلاف المأمور به. ومشكلة غلاء المهور من المشاكل الاجتماعية التي ظهرت أخيرًا وصارت عقبة كَأَدَاءَ في طريق الزواج، وذلك بسبب كثرة اليسار وامتلاء الجيوب بالمال، ومجيء المدنية الحديثة بأمور جديدة لم تكن معروفة من قبل، يضاف إلى ذلك تقليد الناس بعضهم بعضًا، وإسناد الأمور إلى النساء وسماع آرائهن وتنفيذ مطالبهن. فترتب على ذلك تعثر سبل الزواج وإيقاف سنة الله تعالى في الحياة، وذلك ببقاء كثير من الرجال أيامى والنساء عوانس، وحصل من جراء ذلك الفساد الأخلاقي في الجنسين، إذ لا بد من البديل لتصريف الغريزة، ثم حدوث الآثار النفسية في صدور الشباب من الجنسين بسبب الكبت وارتطام أفكارهم بخيبة الأمل (١). فالحاجة داعية إلى تخفيف الصداق، وتيسير أمور الزواج، والقضاء على الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتوابع ذلك، ويكون هذا على منابر المساجد، وفي مجالس العلم، وبرامج التوعية التي تُبث في أجهزة الإعلام، ولا بد للناس من قدوة، ولن يفيد الكلام ما لم يتحول إلى واقع عملي، بحيث يبدأ بهذا المنهج قادة الناس من العلماء والأمراء والوجهاء والأعيان. والله الموفِّق.

стр. 3139

وجوب الصداق ١٠٣٤/ ٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: لَمَّا تَزَوّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵍ -قَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعْطِهَا شَيئًا"، قَال: مَا عِنْدِي شَيءٌ، قَال: "فَأَينَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئًا) (٢١٢٥)، والنسائي (٦/ ١٣٠) من طريق عَبْدةَ، ثنا سعيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵂ قال: لما تزوج عليّ فاطمة … وذكر الحديث. وهذا الحديث رجاله ثقات، وقد صححه الحاكم، كما ذكر الحافظ هنا، ولم أجده في "المستدرك"، وصححه ابن عبد الهادي (١)، ولم يعزه للحاكم، وللحديث طرق أخرى عند أبي داود والنسائي وغيرهما. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لما تزوج على فاطمة) هي بنت خاتم النبيين، وإمام المتقين؛ رسول الله ﷺ ، أمها خديجة بنت خويلد، ولدت في الإسلام، وقيل: قبل البعثة بخمس سنوات، وقريش تبني الكعبة، تزوجها على ﵁ في السنة الثانية بعد غزوة بدر، فولدت له ثلاثة أبناء، وثلاث بنات، قال فيها النبي ﷺ : "فاطمةُ بَضْعَةٌ مني، فمن أغضبها أغضبني" (٢)، توفيت في المدينة في رمضان

стр. 3140

سنة إحدى عشرة، وقيل: بعد وفاة أبيها ﷺ بسبعة أشهر، وهو الصحيح، وقد نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على أن فاطمة ﵂ كانت أول من مات من أهل بيته ﷺ بعده، حتى من أزواجه (١)، ولها أربع وعشرون سنة (٢) ﵂. قوله: ﵉ لعل هذا من الناسخ؛ لأن هذه الصيغة مختصة بالأنبياء دون غيرهم، والصحابي يقال فيه: ﵁، ولعل هذه الصيغة جاءت عن طريق الرافضة، وقد نقل النووي عن أبي محمد الجويني أن لفظة: ﵇ هي معنى الصلاة، فلا يفرد بها غير الأنبياء، فلا يقال: علي ﵇ (٣). قوله: (أعطها شيئًا) الشيء: هو كل موجود، فيتناول -هنا- كل ما يسمى شيئًا من المال قلَّ أو كَثُر. قوله: (درعك الحُطَمية) الدرع: قميص من حلق الحديد يليس في الحرب للوقاية من السلاح، وتقدم له ذكر في "البيوع"، والحطمية: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء، نسبة إلى قبيلة حُطَمَةَ بن محارب، بطن من عبد القيس، كانوا يصنعون الدروع، وقد ذكر الحافظ: أنه أصاب هذه الدرع من غنائم بدر (٤). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الصداق، وأنه شيء لا بد منه في الزواج؛ لأن النبي ﷺ أمر عليًّا ﵁ أن يعطي زوجته صداقًا، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولما لم يجد شيئًا لم يقره الرسول ﷺ على ذلك، وإنما سأله عن درعه، ليصدقها إياها مع أن الدرع من مال قُنيته التي يحتاجها، ولم يرد في هذا الحديث هل أعطاها درعه المذكورة أو غيرها، وقد ذكر صاحب "البدر التمام " نقلًا عن "البحر الزخار" أقوالًا في مهر فاطمة ﵂، لكنها غير مسندة (٥).

стр. 3141

° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يلزم أن يكون الصداق نقدًا من الأثمان، وإنما يصح أن يكون عروضًا أو متاعًا، وكل شيء يتمول. ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب تخفيف الصداق، لقوله: "أعطها شيئًا" والشيء لفظ عام يتناول القليل والكثير، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ما يتعلق بأقل الصداق وأكثره، وكلام العلماء في ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 3142

حكم هدايا الزوج للمرأة وأوليائها ١٠٣٥/ ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَو حِبَاءٍ، أَو عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكرِمَ الرَّجُلُ عَلَيهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه أحمد (١١/ ٣١٣) عن عبد الرزاق، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في الرجل يدخل بامرأة قبل أن ينقدها شيئًا) (٢١٢٩) من طريق محمد بن بكر البُرْسَاني، والنسائي (٦/ ١٢٥) من طريق حجاج بن محمد، وابن ماجه (١٩٥٥) من طريق أبي خالد سليمان بن حيان، أربعتهم عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا. والحديث سنده حسن، على الراجح في أحاديث عمرو بن شعيب، وابن جريج مدلس وقد عنعنه، وقد جاء التصريح بالتحديث عند النسائي (٦/ ١٢٠)، والطحاوي في "شرح المشكل" (١١/ ٣٢٤) فزال بذلك ما يخُشى من تدليسه، لكن يشكل على هذا ما نقله الترمذي في "العلل" (١/ ٣٢٥) عن البخاري أنه قال: (ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب) وكذا قال البيهقي كما في "السنن الكبرى" (٦/ ٨)، وعبد الرزاق والبرساني وأبو خالد لم يذكروا السماع، وأما حجاج فاختلف عليه، وابن جريج يدلس عن الهلكى والضعفاء.

стр. 3143

والحديث رواه عبد الرزاق (٦/ ٢٥٧) فقال: سمعت المثنى يحدث أنه سمع عمرو بن شعيب يحدث أنه سمع بهذا الحديث. والمثنى وهو ابن الصباح وإن كان ضعيفًا، لكنه يعضد رواية غيره، وله شاهد من حديث عائشة ﵂، أخرجه أحمد (٤١/ ٣٩٤)، والبيهقي (٧/ ٢٤٨)، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه. وأخرج عبد الرزاق (٦/ ٢٥٧) عن الثوري، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره بمعناه، هكذا مرسلًا. وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا، وتدل بمجموعها على أن للحديث أصلًا (١)، وقد أفتى بمقتضى هذا الحديث الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀، كما أخرجه عبد الرزاق أيضًا. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نكحت) بفتح النون تزوجت، ويجوز الضم بمعنى: عُقد عليها. قوله: (أو حباءٍ) بكسر الحاء المهملة، فموحدة، فهمزة ممدودة: العطية للغير، أو للزوجة زائدًا على مهرها. قوله: (أو عِدَةٍ) بكسر العين: ما وعد به الزوج وإن لم يحضره، وعند ابن ماجه (أو هبة) بدل (أو عدة). قوله: (قبل عصمة النكاح) أي: قبل عقد النكاح، والعصمة: ما يُعتصم به من عقد أو سبب. قولي: (فهو لها) اللام للاختصاص؛ أي: فهو مختص بها دون غيرها؛ لأنه وهب لها قبل العقد. قوله: (وما كان بعد عصمة النكاح فهو من أعطيه) بضم الهمزة مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: فهو ملك من أعطاه الزوج إياه، ولا فرق بين الأب وغيره. قوله: (وأحقُّ ما أُكرم الرجل عليه) أحق: مبتدأ، وأكرم: بضم الهمزة مبني

стр. 3144

لما لم يُسَمَّ فاعله، والرجل: نائب فاعل، وعلى: للتعليل؛ أي: ما أكرم الرجل لأجله، وهذه الجملة مستأنفة تقتضي الحض على إكرام الولي تطييبًا لنفسه. قوله: (ابنته) خبر المبتدأ (أحق). قوله: (أو أخته) ظاهر العطف أن الحكم لا يختص بالأب، بل كل والٍ كذلك، والمعنى: أن أولى ما يُعطاه الرجل شيء يعطاه لكونه أبًا للزوجة أو أخًا لها. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة تستحق ما يذكر قبل عقد النكاح من صداق أو حباء -وهو العطاء- أو عدة، ولو سمي باسم غيرها من أقاربها، وذلك لأنه لم يقدم إلا لأجل النكاح المنتظر. أما ما يقدم بعد عقد النكاح وتمام الزواج لغير الزوجة من أقاربها كأبيها وأخيها، فهو من أعطيه؛ لأنه هدية، والعقد قد تمَّ، ولم يبق شيء يُحَابَى لأجله، وإكرام أصهار الرجل أمر معروف ومرغوب فيه. وهذا قول الإمام مالك وعمر بن عبد العزيز -كما تقدم- والثوري. ولهم دليل وهو هذا الحديث، ولهم تعليل وهو ما ذكره ابن رشد من أن مالكًا فرق بين الحالين؛ لأنه اتهم الولي إذا كان الشرط في عقد النكاح أن يكون الذي اشترطه لنفسه نقصانًا من صداق مثلها، ولم يتهمه إذا كان بعد انقضاء النكاح والاتفاق على الصداق، لزوال المحذور (١). والقول الثاني: أن الشرط لازم من ذكر من أب أو أخ، والصداق صحيح، وهو قول أبي حنيفة، ولعله يأخذ بعموم الأدلة الدالة على أن المسلمين على شروطهم. والقول الثالث: أن المهر فاسد، ولها صداق المثل، لا فرق بين أن يكون اشتراط الحِباء للأب أو لغيره، وهذا قول الشافعي؛ لأنه نقص من صداقها، لأجل هذا الشرط الفاسد.

стр. 3145

والقول الرابع: أنه إن شرطه الأب جاز، وإن شرطه غيره كالأخ أو العم بطل الشرط، وجميع المسمى لها، وهذا قول أحمد وقول للشافعي (١). وذلك لعموم الأدلة على أن الإنسان وماله لأبيه. والعمل بظاهر الحديث هو الراجح، لكن قد يستثنى الأب، بدليل العمومات الدالة على أن يد الأب مبسوطة في مال ولده، فتكون هذه العمومات غير مانعة من العمل بظاهر الحديث، وفيه جمع بين الأدلة. والظاهر من قوله: (أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء … ) أن موضوع الحديث ما إذا تزوجت امرأة وشُرط عليه في صداقها حباءٌ يُحَابَى به الأب أو غيره من الأولياء (٢). ° الوجه الرابع: مشروعية صلة أقارب الزوجة وإكرامهم والإحسان إليهم، وأن هذا من مكارم الأخلاق التي ندب إليها الإسلام، لكن إن امتنعوا من التزويج إلا بذلك حرم عليهم (٣). ° الوجه الخامس: إذا قدم للزوجة شيء من الهدايا قبل إجراء عقد الزواج ثم حصل عدول عن الزواج، فإن كان العدول من جانب المهدي وهو الزوج فليس له حق في استرداد هداياه، لئلا يجتمع على المُهْدَى إليه ألم العدول عن الزواج وألم الاسترداد. وإن كان العدول عن الزواج من جانب المُهدى إليه وهي الزوجة وأولياؤها وجب رد الهدية بعينها إن كانت قائمة، وقيمتها إن هلكت أو استهلكت؛ إذ ليس من العدالة أن يجمع على المهدي العدول مع الغرم المالي؛ لأن السبب الذي من أجله حصل الإهداء لم يتم. وهذا التفصيل هو أرجح الأقوال في هذه المسألة، وهو اختيار ابن تيمية وبعض فقهاء الشافعية والمالكية (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 3146

من تزوج امرأة ثم مات عنها قبل أن يفرض لها ١٠٣٦/ ٥ - عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَها صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتى مَاتَ، فَقَال ابْنُ مَسْعُود: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نسائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ. فَقَال: قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيتَ، فَفَرحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسّنَهُ جَمَاعَةٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، تابعي جليل، ولد في حياة النبي ﷺ ، وروى الحديث عن الصحابة؛ كعمر وعثمان وعلي ﵃، وكان فقيه العراق، اشتهر بحديث ابن مسعود ﵁ وصحبته، وكان يشبهه في هديه وسمته وفضله، وهو عم الأسود بن يزيد النخعي، وخال إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، مات سنة إحدى وستين على أحد الأقوال (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٣٠/ ٤١١)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (فيمن تزوج ولم يسمّ صداقًا حتى مات) (٢١١٥)، والترمذي (١١٤٥)،

стр. 3147

والنسائي (٦/ ١٢١)، وابن ماجه (١٨٩١) كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، ونقل الحافظ في "التلخيص" تصحيحه عن ابن مهدي، وقال البيهقي: (إسناده صحيح) (١)، وقال ابن عبد الهادي: (صححه غير واحد من الأئمة) (٢)، وقال ابن حزم: (لا مغمز فيه لصحة إسناده) (٣). وقد أعل بالاضطراب، للاختلاف في ذكر الصحابي الذي شهد لابن مسعود ﵁ بأن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق هذا القضاء، وممن ضعفه بذلك الإمام الشافعي، كما نقل ذلك البيهقي (٤)، فقد روي عن معقل بن سنان، ومرةً عن معقل بن يسار، ومرة عن بعض أشجع بلا تسمية. قال الشافعي: (إن كان ثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي ﷺ وإن كثروا، ولا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي ﷺ لم يكن لأحد أن يُثبت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه بعد من وجهٍ يثبت مثله … ) (٥). وقد نقل الترمذي مقالة الشافعي هذه، ثم قال: (وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر بعدُ عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق) ونقل الحاكم عن شيخه أبي عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ أنه لما نُقل له قول الشافعي: (إن صح حديث بروع قلت به) قال: (لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس أصحابه وقلت: فقد صح الحديث فقل به) (٦). وقد وهم الصنعاني تبعًا لأصله، فنسب المقالة للحاكم نفسه (٧). وقد أجاب العلماء عن هذا بأنه غير قادح؛ لأنه متردد بين صحابي

стр. 3148

وآخر، وقوله: (عن بعض أشجع) لا يضر، لأنه قد فسر ذلك البعض بمعقل، وتبين أن ذلك البعض صحابي، وللبيهقي كلام متين حول هذا الحديث تحسن مراجعته (١). ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (ولم يفرض لها) أي: لم يعين ولم يسمِّ لها مهرًا. قوله: (ولم يدخل بها) أي: لم يجامعها، ولم يخل بها. قوله: (فقال ابن مسعود) ظاهره أنه أجاب في الحال، وفي رواية أبي داود والنسائي: (فاختلفوا إليه فيها شهرًا)، وعند أحمد: (فسئل عنها شهرًا)، وفي رواية (ما سئلت عن شيء منذ فارقت رسول الله ﷺ أشدَّ عليّ من هذه، فأتوا غيري، قال: فاختلفوا إليه شهرًا … ) (٢). قوله: (مثل صداق نسائها) أي: نساء أقاربها كأختها وعمتها، وينظر إلى من هي مثلها في دينها وعقلها وجمالها، وكل ما يؤثر على تقدير الصداق؛ لأن هذه الأوصاف تؤثر على تقدير العوض. قوله: (لا وكس) بفتح فسكون؛ أي: لا نقص. قوله: (ولا شطط) بفتحتين؛ أي: ولا زيادة، وأصل الشطط: الجور والظلم، وجملة (لا وكس ولا شطط) مؤكدة لما قبلها. قوله: (وعليها العدة) على: للوجوب، والمراد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، و (أل) للعهد العلمي. قوله: (ولها الميراث) اللام: للملك، فترث بمجرد العقد وإن لم يحصل وطء ولا خلوة. وقد جاء عند أبي داود زيادة: (فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان).

стр. 3149

قوله: (فقام معقل بن سنان) معقل: بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، ابن سنان: بكسر السين، الأشجعي، له صحبة ورواية، كان من كبار أهل الحرة، أُسر فذبح صبرًا يوم الحرة ﵁ سنة ثلاث وستين، وله نيف وسبعون سنة (١). قوله: (قضى رسول الله ﷺ في بروع) قال في "القاموس": (بَرْوَعٌ كجدول، ولا يكسر، بنت واشق، صحابية) (٢) فهي بفتح الباء عند أهل اللغة، وأما المحدثون فيكسرون الباء (٣)، قال الجوهري: (أصحاب الحديث يقولونه بكسر الباء، والصواب الفتح .. ) (٤) وهي بروع بنت واشق الرُّؤاسية الكلابية أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة الأشجعي، مات عنها ولم يفرض لها صداقًا (٥). قوله: (ففرح بها) أي: بالقضية أو بالفتيا من الرسول ﷺ ، لكون اجتهاده موافقًا لحكمه ﷺ ، وفي رواية للنسائي (فما رؤي عبد الله فَرِحَ فرحة يومئذ إلا بإسلامه) (٦). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المرأة تستحق كامل المهر بموت زوجها، وإن لم يسم لها شيئًا ولا دخل بها، ولعل هذا -والله أعلم- فيه جبر لخاطرها بما حصل من العقد دون الدخول بسبب الموت، وهو مصيبة بالنسبة لها، لما كانت ترجو من الخير وراء هذا الزواج، بخلاف الطلاق الذي ليس فيه شيء من ذلك. وهذا الحكم وهو استحقاقها الصداق، هو أحد الأحكام الثلاثة التي اشتمل عليها الحديث.

стр. 3150

والحكم الثاني: أن عليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا مجمع عليه، لعموم الأدلة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهي عامة في المدخول بها وغير المدخول بها، بخلاف المطلقة قبل الدخول، فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]. والحكم الثالث: أن لها الميراث من زوجها الذي عقد عليها ثم مات؛ لأنها زوجة، والأرث يجب بمجرد العقد؛ إذ هو سببه، وليس الوطء، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، وهذا مجمع عليه أيضًا، والخلاف في الحكم الأول، كما سيأتي إن شاء الله. ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينظر في تقدير هذا الصداق إلى مهر قراباتها ممن يماثلها في كل صفة يختلف المهر لأجلها، من مال وجمال وعقل وأدب وسِنٍّ وبكارة أو ثيوبة. ° الوجه السادس: لا خلاف بين أهل العلم في أن المرأة إذا سُمي لها الصداق في العقد ثم مات الزوج أن المرأة تستحقه كاملًا، وإنما الخلاف فيما إذا مات عنها ولم يفرض لها صداقًا على قولين: الأول: أنها تستحق الصداق كاملًا، وذلك بأن يفرض لها مثل صداق نسائها، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وقول للشافعي، رجحه النووي (١)، مستدلين بهذا الحديث المؤيد بقضاء النبي ﷺ . الثاني: أنه ليس لها إلا الميراث، ولا تستحق مهرًا ولا متعة، وهو قول علي وزيد بن ثابت وابن عمر وغيرهم ﵃، وهو مذهب مالك، وقول للشافعي (٢)، قياسًا للموت على الطلاق، فإن الطلاق قبل الدخول والخلوة

стр. 3151

وقبل تسمية المهر لا شيء فيه لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأوجب الله تعالى المتعة للمطلقة قبل المسيس وهو الجماع، والمراد بها: أن يعطيها الزوج على حسب قدرته ما تتمتع به من كسوة أو غيرها، فدل على أنه لا يفرض لها صداقًا، والمتعة خاصة بالمطلقة بنص القرآن، فلا متعة للمتوفى عنها. قالوا: والمهر عوض عن الوطء، ولم يقع من الزوج، فلا تستحق المرأة العوض، قياسًا على ثمن المبيع. وأجابوا عن الحديث: بالاضطراب كما تقدم، وبهذا يتبين أن سبب الخلاف هو القول بصحة الحديث أو ضعفه. والراجح هو القول الأول، فإن اجتهاد ابن مسعود ﵁ في هذه المسألة اجتهاد موافق للدليل، فهو نص في محل النزاع، وما قالوه لا يقاوم هذا الدليل، وأما دعوى الاضطراب، فهي مردودة، كما تقدم. وأما قولهم: إن المتعة لم ترد إلا للمطلقة، فلا دلالة فيه؛ لأن الكتاب والسنة نفيا مهر المطلقة قبل المسيس والفرض، لا مَهْرَ من مات زوجها عنها، وأحكام الموت غير أحكام الطلاق، فإن العقد لا يفسخ بالموت، وإنما ينتهي به؛ لانتهاء أمده، وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه، ومنها المهر، أما الطلاق فهو قطع للزواج قبل تمامه، فلا يتقرر به شيء. وأما ما روي عن بعض الصحابة ﵃ فلعله لم يبلغهم الحديث، فهذا ابن مسعود ﵁ وهو من فقهاء الصحابة لم يطلع على هذا الحديث، ولم يعلم به فاجتهد، ثم أخبره معقل بن سنان بقضاء النبي ﷺ . وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص ثبتت صحته. ° الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه يصح النكاح بدون تسمية الصداق، لقوله: (ولم يفرض لها)، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ

стр. 3152

وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق، وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم (١). فإن طلقها قبل الدخول وجبت المتعة لها، وذلك بأن يعطيها شيئًا من المال بالمعروف، على الغني بقدر طاقته، وعلى الفقير بقدر طاقته، كما تقدم في نص الآية، وهذا من الإحسان لما فيه من جبر قلب الزوجة. ° الوجه الثامن: الحديث دليل على جواز الاجتهاد في الحوادث من الأحكام فيما لم يوجد فيه نص، مع إمكان أن يكون فيه نص وتوقيف، فهذا ابن مسعود ﵁ اجتهد في هذه المسألة، مع أن معقل بن سنان سمع الحكم من النبي ﷺ فيها، ولم يسمعه ابن مسعود. ° الوجه التاسع: الفرح بصواب الاجتهاد إذا تبين الصواب؛ لأن في ذلك إظهارًا للحق وعملًا به. والله تعالى أعلم.

стр. 3153

ما جاء في قلة المهر وجوازه بغير النقد ١٠٣٧/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَويقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ. ١٠٣٨/ ٧ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبيعَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِي ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَينِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ في ذَلِكَ. ١٠٣٩/ ٨ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: زَوّجَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَف مِنَ الْحَدِيثِ الطَّويلِ الْمُتَقَدِّمِ فيَ أَوَائِلِ النكَّاحِ. ١٠٤٠/ ٩ - وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وفي سَنَدِهِ مَقَالٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو محمد، عبد الله بن عامر بن ربيعة، العنزي، وعنزة حي من اليمن، ولد عبد الله على عهد رسول الله ﷺ ، وكان سِنُّهُ يوم وفاة النبي ﷺ خمس أو ست سنين، وقد روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعن أبيه عامر بن ربيعة وغيرهم ﵃، قال ابن سعد: (كان ثقة، قليل الحديث)، وقال العجلي: (مدني تابعي ثقة، من كبار التابعين)، قال ابن حبان: (أتاهم رسول الله ﷺ في بيتهم وهو غلام، روايته عن أصحاب رسول الله ﷺ )، وقد

стр. 3154

جعله عمر بن عبد العزيز ﵀ في مجلس شوراه، في عشرة؛ هم فقهاء المدينة انذاك، وتوفي سنة خمس وثمانين ﵀ (١). وأما والده عامر بن ربيعة ﵁ فقد تقدمت ترجمته في باب (شروط الصلاة) عند الحديث (٢١٣). ° الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب (قلة المهر) (٢١١٠) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا موسى بن مسلم بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقًا … " الحديث. وهذا الحديث فيه موسى بن مسلم، ويقال: صالح بن مسلم بن رومان، قال أبو حاتم: (مجهول)، ونقل ابن التركماني عن ابن القطان أنه قال: إلا يعرف) (٢)، وفيه -أيضًا- أبو الزبير، وهو مدلس، وقد عنعنه، وقد صرح بالسماع في روايات أخرى. قال أبو داود عقبه: (رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا). وقد رجح الحافظ في "التلخيص" (٣) رواية الوقف، وأشار إلى ضعف موسى بن مسلم، فكان عليه أن يشير إلى ضعفه هنا على عادته، ولا يكتفي بالإشارة إلى ترجيح أبي داود وقفه. وأما حديث عبد الله بن عامر، فقد أخرجه الترمذي في أبواب "النكاح"، باب (ما جاء في مهور النساء) (١١١٣)، وابن ماجه (١٨٨٨)، وأحمد (٢٤/ ٤٤٥) من طريق عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال

стр. 3155

رسول الله ﷺ : "أرضيت من نفسكِ ومالكِ بنعلين؟ " قالت: نعم، فأجازه. قال الترمذي: (حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح)، وقد خولف الترمذي في هذا التصحيح، فضعفه أهل العلم؛ لأن عاصم بن عبيد الله ضعيف سيء الحفظ، وقد أجمع الأئمة المتقدمون كمالك وابن معين والبخاري على تضعيفه. وقد أنكر الحديث على عاصم جماعة من الأئمة، منهم أبو حاتم الرازي، فقال ابنه: سألت أبي عن عاصم بن عبيد الله؟ فقال: (منكر الحديث، يقال: إنه ليس له حديث يعتمد عليه، قلت: ما أنكروا عليه؟ قال: روى عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن رجلًا تزوج امرأة على نعلين، فأجازه النبي ﷺ ، وهو منكر) (١). ولما ترجم له الذهبي في "الميزان" عدَّ حديثه هذا مما أنكر عليه (٢). ثم إن الحديث في متنه نكارة، وذلك في قوله: (ومالكِ)، فإن مال الزوجة ليس للزوج عليه سبيل، وإنما مالها لها، ولو صح سندًا لكان شاذًّا، لمخالفته الأحاديث الصحيحة الدالة على أن المرأة الرشيدة تتصرف في مالها بما يوافق الشرع، وليس لأحد ولاية عليها، وقد تقدم هذا في باب (الحجر) من كتاب "البيوع". وأما حديث سهل بن سعد ﵁، فقد أخرجه الطبراني في "الكبير" (٦/ ١٥٦ - ١٥٧) والحاكم (٢/ ١٧٨)، من طريق عبد الله بن مصعب الزبيري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ وزادا: (فَصُّهُ من فضة). وهذا حديث ضعيف، في إسناده عبد الله بن مصعب، ضعفه ابن معين، ثم هو قد خالف الثقات الذين رووا الحديث عن أبي حازم، كما تقدم سياقه أول كتاب "النكاح"، وفيه قوله: ("انظر ولو خاتمًا من حديد"، فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتم من حديد … الحديث)، وليس
следующие страницы →