وقبل تسمية المهر لا شيء فيه لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأوجب الله تعالى المتعة للمطلقة قبل المسيس وهو الجماع، والمراد بها: أن يعطيها الزوج على حسب قدرته ما تتمتع به من كسوة أو غيرها، فدل على أنه لا يفرض لها صداقًا، والمتعة خاصة بالمطلقة بنص القرآن، فلا متعة للمتوفى عنها.
قالوا: والمهر عوض عن الوطء، ولم يقع من الزوج، فلا تستحق المرأة العوض، قياسًا على ثمن المبيع.
وأجابوا عن الحديث: بالاضطراب كما تقدم، وبهذا يتبين أن سبب الخلاف هو القول بصحة الحديث أو ضعفه.
والراجح هو القول الأول، فإن اجتهاد ابن مسعود ﵁ في هذه المسألة اجتهاد موافق للدليل، فهو نص في محل النزاع، وما قالوه لا يقاوم هذا الدليل، وأما دعوى الاضطراب، فهي مردودة، كما تقدم.
وأما قولهم: إن المتعة لم ترد إلا للمطلقة، فلا دلالة فيه؛ لأن الكتاب والسنة نفيا مهر المطلقة قبل المسيس والفرض، لا مَهْرَ من مات زوجها عنها، وأحكام الموت غير أحكام الطلاق، فإن العقد لا يفسخ بالموت، وإنما ينتهي به؛ لانتهاء أمده، وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه، ومنها المهر، أما الطلاق فهو قطع للزواج قبل تمامه، فلا يتقرر به شيء.
وأما ما روي عن بعض الصحابة ﵃ فلعله لم يبلغهم الحديث، فهذا ابن مسعود ﵁ وهو من فقهاء الصحابة لم يطلع على هذا الحديث، ولم يعلم به فاجتهد، ثم أخبره معقل بن سنان بقضاء النبي ﷺ .
وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص ثبتت صحته.
° الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه يصح النكاح بدون تسمية الصداق، لقوله: (ولم يفرض لها)، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ
стр. 3152
وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق، وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم (١).
فإن طلقها قبل الدخول وجبت المتعة لها، وذلك بأن يعطيها شيئًا من المال بالمعروف، على الغني بقدر طاقته، وعلى الفقير بقدر طاقته، كما تقدم في نص الآية، وهذا من الإحسان لما فيه من جبر قلب الزوجة.
° الوجه الثامن: الحديث دليل على جواز الاجتهاد في الحوادث من الأحكام فيما لم يوجد فيه نص، مع إمكان أن يكون فيه نص وتوقيف، فهذا ابن مسعود ﵁ اجتهد في هذه المسألة، مع أن معقل بن سنان سمع الحكم من النبي ﷺ فيها، ولم يسمعه ابن مسعود.
° الوجه التاسع: الفرح بصواب الاجتهاد إذا تبين الصواب؛ لأن في ذلك إظهارًا للحق وعملًا به. والله تعالى أعلم.
стр. 3153
ما جاء في قلة المهر وجوازه بغير النقد
١٠٣٧/ ٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَويقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ.
١٠٣٨/ ٧ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبيعَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِي ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَينِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ في ذَلِكَ.
١٠٣٩/ ٨ - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: زَوّجَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَف مِنَ الْحَدِيثِ الطَّويلِ الْمُتَقَدِّمِ فيَ أَوَائِلِ النكَّاحِ.
١٠٤٠/ ٩ - وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وفي سَنَدِهِ مَقَالٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو محمد، عبد الله بن عامر بن ربيعة، العنزي، وعنزة حي من اليمن، ولد عبد الله على عهد رسول الله ﷺ ، وكان سِنُّهُ يوم وفاة النبي ﷺ خمس أو ست سنين، وقد روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعن أبيه عامر بن ربيعة وغيرهم ﵃، قال ابن سعد: (كان ثقة، قليل الحديث)، وقال العجلي: (مدني تابعي ثقة، من كبار التابعين)، قال ابن حبان: (أتاهم رسول الله ﷺ في بيتهم وهو غلام، روايته عن أصحاب رسول الله ﷺ )، وقد
стр. 3154
جعله عمر بن عبد العزيز ﵀ في مجلس شوراه، في عشرة؛ هم فقهاء المدينة انذاك، وتوفي سنة خمس وثمانين ﵀ (١).
وأما والده عامر بن ربيعة ﵁ فقد تقدمت ترجمته في باب (شروط الصلاة) عند الحديث (٢١٣).
° الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث جابر ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب (قلة المهر) (٢١١٠) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا موسى بن مسلم بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقًا … " الحديث.
وهذا الحديث فيه موسى بن مسلم، ويقال: صالح بن مسلم بن رومان، قال أبو حاتم: (مجهول)، ونقل ابن التركماني عن ابن القطان أنه قال: إلا يعرف) (٢)، وفيه -أيضًا- أبو الزبير، وهو مدلس، وقد عنعنه، وقد صرح بالسماع في روايات أخرى.
قال أبو داود عقبه: (رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن صالح بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا).
وقد رجح الحافظ في "التلخيص" (٣) رواية الوقف، وأشار إلى ضعف موسى بن مسلم، فكان عليه أن يشير إلى ضعفه هنا على عادته، ولا يكتفي بالإشارة إلى ترجيح أبي داود وقفه.
وأما حديث عبد الله بن عامر، فقد أخرجه الترمذي في أبواب "النكاح"، باب (ما جاء في مهور النساء) (١١١٣)، وابن ماجه (١٨٨٨)، وأحمد (٢٤/ ٤٤٥) من طريق عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال
стр. 3155
رسول الله ﷺ : "أرضيت من نفسكِ ومالكِ بنعلين؟ " قالت: نعم، فأجازه.
قال الترمذي: (حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح)، وقد
خولف الترمذي في هذا التصحيح، فضعفه أهل العلم؛ لأن عاصم بن عبيد الله ضعيف سيء الحفظ، وقد أجمع الأئمة المتقدمون كمالك وابن معين والبخاري على تضعيفه.
وقد أنكر الحديث على عاصم جماعة من الأئمة، منهم أبو حاتم الرازي، فقال ابنه: سألت أبي عن عاصم بن عبيد الله؟ فقال: (منكر الحديث، يقال: إنه ليس له حديث يعتمد عليه، قلت: ما أنكروا عليه؟ قال: روى عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن رجلًا تزوج امرأة على نعلين، فأجازه النبي ﷺ ، وهو منكر) (١).
ولما ترجم له الذهبي في "الميزان" عدَّ حديثه هذا مما أنكر عليه (٢). ثم إن الحديث في متنه نكارة، وذلك في قوله: (ومالكِ)، فإن مال الزوجة ليس للزوج عليه سبيل، وإنما مالها لها، ولو صح سندًا لكان شاذًّا، لمخالفته الأحاديث الصحيحة الدالة على أن المرأة الرشيدة تتصرف في مالها بما يوافق الشرع، وليس لأحد ولاية عليها، وقد تقدم هذا في باب (الحجر) من كتاب "البيوع".
وأما حديث سهل بن سعد ﵁، فقد أخرجه الطبراني في "الكبير" (٦/ ١٥٦ - ١٥٧) والحاكم (٢/ ١٧٨)، من طريق عبد الله بن مصعب الزبيري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ وزادا: (فَصُّهُ من فضة).
وهذا حديث ضعيف، في إسناده عبد الله بن مصعب، ضعفه ابن معين، ثم هو قد خالف الثقات الذين رووا الحديث عن أبي حازم، كما تقدم سياقه أول كتاب "النكاح"، وفيه قوله: ("انظر ولو خاتمًا من حديد"، فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتم من حديد … الحديث)، وليس
стр. 3156
فيه أن النبي ﷺ زوج الرجل بخاتم من حديد، وإنما أذن له في جعل الصداق خاتمًا من حديد، ويكون معنى قوله في هذه الرواية: (زوج النبي ﷺ رجلًا) أي: أراد أن يزوجه.
وأما أثر علي ﵁، فقد أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٥) من طريق داود الأودي، عن الشعبي قال: قال علي ﵁ … فذكره.
وهذا سند ضعيف؛ لأن داود الأودي متكلم فيه، فقد ضعفه أبو حاتم، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وبه أعله ابن الجوزي (١)، وأُعل -أيضًا- بأن في إسناده انقطاعًا، فقد تقدم في "العيوب في النكاح" أن الشعبي لم يسمع من علي ﵁ إلا حرفًا واحدًا، كما قال الدارقطني، والحاكم.
ثم هو معارض بما تقدم من الأحاديث الدالة على أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا، صح أن يكون صداقًا، بدون التحديد في أكثر من عشرة دراهم.
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (في صداق امرأة) في أبي داود: (في صداق امرأة ملء كفيه .. ) كما تقدم.
قوله: (سويقًا) بفتح السين، هو طعام يتخذ من دقيق القمح أو الذرة أو الشعير أو غيرها.
قوله: (فقد استحل) الضمير المرفوع يرجع إلى (من)، والمفعول محذوف؛ أي: فقد جعلها حلالًا بهذا الصداق.
° الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على جواز كون الصداق طعامًا أو متاعًا، وأنه لا يلزم أن يكون نقدًا من ذهب أو فضة، أو ما يقوم مقامهما من النقد، بل كل ما جاز أن يكون ثمنًا جاز أن يكون صداقًا، فلو أصدقها ثيابًا أو سيارة أو أرضًا أو مزرعة أو منزلًا أو نحو ذلك صح.
стр. 3157
وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة لكنها جاءت موافقة للأصول، وما وافق الأصول صح أن يستشهد به وإن كان ضعيفًا، مع أنه يؤيد ذلك حديث ابن عباس ﵄ في قصة ثابت بن قيس مع امرأته لما خالعها، وفيه: قال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ "، فهذا يدل على أن الصداق حديقة وليس نقدًا، وسيأتي -إن شاء الله- هذا الحديث في باب (الخلع).
° الوجه الخامس: لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا حدَّ لأكثر الصداق، نقل ذلك ابن عبد البر (١)، وابن رشد (٢)؛ لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على تحديده بِحَدٍّ أعلى، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] إذ ليس المقصود من إيتاء القنطار بيان الحد الأعلى للصداق، وإنما هو كناية عن الكثرة، ولو كان ذلك مسوقًا لبيان الحد الأعلى لنهى عن الزيادة عليه، وعلى هذا فليس في الآية دليل على جواز المغالاة في الصداق؛ لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، ولو فرضت دلالتها لكان غاية ما تدل عليه جواز دفع القادر الصداق الكثير المنوه عنه بالآية بالقنطار، لا تكليف العاجز ما لا يقدر عليه (٣).
وأما أقل الصداق فقد اختلف فيه العلماء على قولين:
الأول: أن أقل الصداق غير مقدر بمقدار معلوم، بل يصح الصداق بكل ما يسمى مالًا أو ما يقوَّم بمال، فإن عُقد بما لا يتمول ولا يقابل بما يتمول كالنواة والحصاة، فسدت التسمية ووجب مهر المثل، وهذا قول الشافعية والحنابلة، واستدلوا بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] ووجه الاستدلال: أن لفظ الأموال مطلق، فيتناول القليل والكثير.
وأما السنة فأحاديث الباب، وما جاء في معناها؛ كقوله ﷺ : "التمس
стр. 3158
ولو خاتمًا من حديد"، فإنه يدل على أن المهر يصح بكل ما يطلق عليه اسم المال.
والقول الثاني: أن لأَقَلِّ المهر حدًّا لا يجوز أن يقل عنه، وهو قول المالكية والحنفية، ثم اختلفوا في أقله، فقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، مستدلين بأثر علي ﵁، وقياسًا على نصاب السرقة، إظهارًا لمكانته؛ فيقدر بما له أهمية.
وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، قياسًا على نصاب السرقة، كما تقدم (١).
والراجح أن أقل الصداق غير مقدر؛ لأن هذا القول هو الذي يجمع الأحاديث كلها، وأما القول الثاني فهو مرجوح، وليس عليه دليل غير القياس على نصاب السرقة. والله تعالى أعلم.
стр. 3159
استحباب تيسير الصداق
١٠٤١/ ١٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيرُ الصَّدَاقِ أَيسَرُهُ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب (فيمن تزوج ولم يسمِّ صداقًا حتى مات) (٢١١٧)، والحاكم (٢/ ١٨١ - ١٨٢) من طريق أبي الأصبغ الجزري عبد العزيز بن يحيى، أخبرنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر ﵁، أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ "، قال: نعم. وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانًا؟ "، قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شيئًا، وإني أشهدكم أني أعطيتها صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمًا فباعته بمائة ألف، قال: وقال رسول الله ﷺ : "خير الصداق أيسره"، هذا لفظ الحاكم، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي.
وهذا فيه نظر، فإن خالد بن أبي يزيد لم يخرج له البخاري في "صحيحه"، وإنما روى له في "الأدب المفرد"، وهو ثقة، أخرج له مسلم في "صحيحه"، وعبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وهم، ولم يرو له البخاري،
стр. 3160
ولا مسلم، والحديث صححه الألباني (١).
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن أفضل الصداق وأعظمه بركة على الزوجين، هو ما كان أيسر وأسهل على الزوج، بحيث لا يجد مشقة في إعداده، وهذا يدل على استحباب تيسير الصداق وتخفيفه، فعلى الزوج أن يقدم ما تيسر من المهر، وعلى الزوجة وأوليائها أن يقبلوا ما يقدم إليهم، وقد دل بمفهومه على أن غير الأيسر على خلاف ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (السنة: تخفيف الصداق، وألا يزيد على نساء النبي ﷺ وبناته … ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقًا يضر به إن نقده، ويعجز عن وفائه إن كان دينًا … وإن قصد الزوج أن يؤديه وهو في الغالب لا يطيقه فقد حَمَّلَ نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه … ) (٢).
وقد جاء من طريق محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء -وعند أحمد سمعه من أبي العجفاء- قال: خطبنا عمر ﵁ فقال: (ألا لا تغالوا بصداق النساء، فإنها لو كانت مكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية … الحديث) (٣).
وهو يدل على ضعف ما ورد من اعتراض المرأة على عمر ﵁ لما نهى عن المغالاة، واعترضت عليه المرأة بآية ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، فرجع عن ذلك (٤).
وعن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "من يُمْنِ
стр. 3161
المرأة أن تتيسر خِطبتها، وأن يتيسر صداقها، وأن يتيسر رحمها"، قال عروة: يعني للولادة، قال عروة: وأنا أقول من عندي، من أول شؤمها أن يكثر صداقها (١).
وتيسير الصداق فيه مصالح عظيمة منها:
١ - العمل بالسنة، وامتثال ما أرشدت إليه.
٢ - تيسير سبل الزواج، وفي هذا من الفوائد للشباب والفتيات والمجتمع بأسره ما هو معلوم.
٣ - أن تخفيف الصداق من أسباب المحبة ودوام المودة، وأن الإنسان إذا تزوج بمهر يسير لم يكره زوجته، بخلاف التي تكلفه مبالغ كثيرة.
٤ - أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما، كما يسهل مسألة الخلع، إذا وجد ما يدعو إليه، فإنه إذا كان المهر قليلًا أمكن المرأة وأوليائها بذل العوض، بخلاف ما إذا كان كثيرًا، والله تعالى أعلم.
стр. 3162
مشروعية تمتيع المطلقة بما يتيسر
١٠٤٢/ ١١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيهِ -تَعْني: لَمَّا تَزَوّجَهَا- فَقَال: "لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ" فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ.
١٠٤٣/ ١٢ - وَأَصْلُ الْقِصّةِ في الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبي أُسَيدٍ السَّاعِدِيِّ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو أُسيد، بضم الهمزة وفتح السين، مالك بن ربيعة بن البَدْن بن ساعدة الخزرجي الساعدي، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكانت معه راية بني ساعدة يوم الفتح، مات بالمدينة سنة ستين، قال ابن عبد البر: (وهو آخر البدريين موتًا)، وقيل سنة ثلاثين، قال ابن عبد البر: (هذا خلاف متباين جدًّا)، وهو ابن ثمان وسبعين ﵁ (١).
° الوجه الثاني: في تخريجهما.
حديث عائشة ﵂، أخرجه ابن ماجه (٢٠٣٧) من طريق عبيد بن القاسم، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن عمرة بنت
стр. 3163
الجون تعوذت من رسول الله ﷺ حين أدخلت عليه، فقال: "لقد عُذْتِ بِمَعَاذٍ"، فطلقها، وأمر أسامة أو أنسًا فمتعها بثلاثة أثواب رازقية.
وهذا حديث باطل؛ لأن فيه عبيد بن القاسم، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وهو كذاب يضع الحديث، قال ابن معين: (كان كذابًا خبيثًا)، وقال ابن حبان: (كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، روى عن هشام بن عروة بنسخة موضوعة، لا يحل كتابة حديثه، إلا على جهة التعجب) (١).
وأصل الحديث في صحيح البخاري (٥٢٥٥) من طريق حمزة بن أبي أُسيد، عن أبي أسيد ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : "اجلسوا ها هنا"، ودخل، وقد أُتي بالجونية، فأُنزلت في بيتٍ في نخلٍ في بيتِ أميمةَ بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها (٢) حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: "هبي نفسك لي"، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسُّوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد عذت بِمَعاذ"، ثم خرج علينا فقال: "يا أبا أُسيد، اكسها رازقيين، وألحقها بأهلها".
والمقصود من هذا السياق بيان أن التمتيع ورد في رواية ابن ماجه، وما عداه فهو ثابت في "صحيح البخاري".
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (عمرة بنت الجون) بفتح الجيم وسكون الواو فنون، وقد سماها في رواية ابن ماجه عمرة، مع أنه اختلف في اسمها ونسبها على عدة أقوال، ذكرها الحافظ في "فتح الباري" (٣)، ولا يتعلق بذلك حكم شرعي، والظاهر من رواية البخاري المذكورة أنها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وما ورد غير ذلك فهو من قبل الرواة وتصرفاتهم.
стр. 3164
قوله: (تعوذت من رسول الله ﷺ ) أي: قالت: أعوذ بالله منك، كما تقدم في رواية البخاري، وقد جاء في بعض الروايات أنها خُدعت بذلك، وأن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت، فمشطتاها وخضبتاها، وقالت لها إحداهن: إن النبي ﷺ يعجبه المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك … وأردن بذلك ألا تبقى عنده (١).
لكن ظاهر سياق الحديث عند البخاري يقتضي أنها قالت ذلك، لأجل أنها عدت نفسها أعلى وأرفع من رسول الله ﷺ ، ولم تره كفوًا لها، ويحتمل أنها قالت ذلك لأنها لم تعرف قصد النبي ﷺ لما مدَّ يده إليها، ففي البخاري: (فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك … الحديث) (٢).
قوله: (لقد عُذت بمعاذ) بضم العين؛ أي: استجرت بمجير يجيرك ويعصمك مما لا ترغبين، والتنوين للتعظيم؛ أي: تعوذت بعظيم هو أهل لأن يُتعوذ به، وهو الله تعالى، والمَعاذ: بفتح الميم، هو ما يستعاذ به (٣).
قوله: (فطلقها) في حديث عائشة عند البخاري: (فقال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك) (٤)، وهذا كناية عن الطلاق مع القصد.
قوله: (وأمر أسامة) في رواية البخاري: (فأمر أبا أُسيد)، وذلك لأن أبا أسيد هو الذي أحضرها للنبي ﷺ ، كما في بعض الروايات.
قوله: (فمتعها بثلاثة أثواب) من التمتيع؛ أي: أعطاها المتعة، بضم الميم، وهي متعة الطلاق، والمراد بها: ما يعطيه الزوج من طلقها، لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق، وقد جاء وصف الثياب بأنها رازقية، والرازقية: ثياب من كتان بيض طوال، وقيل: يكون في داخل بياضها زرقة (٥).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على مشروعية تمتيع الزوجة المطلقة
стр. 3165
بما تيسر، وهو أن يعطيها ما تتمتع به من كسوة أو نفقة أو غير ذلك، حسبما يقتضيه العرف وحال الزوج؛ جبرًا لقلبها من فجيعة الطلاق، وتخفيفًا لآلامها، ومواساة لها وتكريمًا، فهو من أنواع الإحسان إليها، وقد جاء تمتيع المطلقة في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وليس للمتعة قدر معين، لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والموسع: الغني، والمقتر: الفقير، فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا اجتهد الحاكم على ضوء هذه الآية الكريمة.
وقد اختلف العلماء في حكم المتعة على ثلاثة أقوال:
الأول: وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.
وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مروي عن علي ﵁، وسعيد بن جبير، ورجحه ابن جرير، والحافظ ابن حجر، والشنقيطي (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله: ﴿حَقًّا﴾؛ أي: أحقه حقًّا، وأكده بمؤكد ثان وهو قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وفي الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾، وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن، وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به ﷺ يعم حكمه جميع الأمة، إلا بدليل على تخصيصه به.
والقول الثاني: أن المتعة مستحبة لكل مطلقة على ما تقدم، وهذا قول
стр. 3166
مالك، وجماعة من السلف (١)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، قالوا: ولو كانت المتعة واجبة لما خُصَّ بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقًّا على كل أحد، ولو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب، وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، تأكيد للوجوب، وقولهم: لو كانت واجبة لكانت محدودة، مردود بأن نفقة الأزواج والأقارب واجبة، مع أنها غير مقدرة (٢).
والقول الثالث: أن المتعة تجب من طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما إذا طلقت بعد الدخول فلا متعة لها، فإن كانت مُفَوِّضَةً -وهي التي لم يُسَمَّ لها صداقًا (٣) - فلها مهر مثلها، وإن كان قد فرض لها وجب لها نصفه، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وابن عمر ﵃، والحسن وعطاء والشعبي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية عنه (٤)، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المهر، ولو كان ثمَّ واجب آخر من متعةٍ غير نصف المهر، لبينه الله تعالى، لا سيما وقد قرن هذه الآية بما قبلها الدالة على اختصاص المتعة بتلك الحالة، وأجابوا عن آية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، بأنها خصصت بآية: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ﴾. وأجيب عن ذلك بأنه لا تخصيص، بل ذكر المتعة في حق من طلقت قبل الدخول وقبل الفرض، من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم العام، وهو لا يقتضي التخصيص (٥).
стр. 3167
والذي يظهر -والله أعلم- أن المتعة واجبة في حق من طلقت قبل الدخول وقبل فرض الصداق، لقوة الأدلة على ذلك، ولأن في المتعة تعويضًا لها عما فاتها من المهر، وجبرًا لمصيبتها، وإحسانًا إليها، فلا يجمع عليها بين فوات المال وفوات النكاح.
أما من طلقت قبل الدخول، وبعد فرض الصداق، فمتعتها مستحبة؛ لأنه لما امتنع الوجوب لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، تعين حمل الأدلة الدالة على عموم المتعة على الندب جمعًا بين دلالة الآيات، وكذا من طلقت بعد الدخول تستحب متعتها؛ لأنه ثبت المهر بالدخول، واستحبت المتعة بالطلاق، وقد تقدم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى الوجوب مطلقًا، وقيد ذلك الشيخ محمد بن عثيمين بطول المدة كأن يكون طلقها قبل سنة أو قريبًا من ذلك، أما إذا طلقها في الحال، والمهر لم يفارق يدها، فلا معنى للمتعة (١).
° الوجه الخامس: في الحديث دلالة بينة على كرم أخلاق النبي ﷺ ، وعظيم إحسانه، ومحبته للعفو، حيث عفا عن هذه المرأة وألحقها بأهلها، وإلا فالأصل ألا تُجاب إلى ذلك؛ لأن الحق ليس بيدها، فقد تم النكاح عليها، والطلاق بيد الزوج؛ لأن الأصل أن من تعوذ في شيء واجب عليه أو لازم له، فإنه لا يعفى عنه ولا يعاذ، فلو تعوذ بالله أن يقام عليه القصاص، أو حد من الحدود لم يجب إلى ذلك. أما إذا كان في حق لم يجب عليه ولا يلزمه فلا بأس أن يجاب إلى ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3168
باب الوليمة
أصل الوليمة: تمام الشيء واجتماعه، يقال: أولم الرجل: إذا اجتمع عقله وخلقه، ثم نقلت لطعام العرس؛ لاجتماع الرجل والمرأة، أو لاجتماع النساء فيها، أو لاجتماع أنواع الأطعمة.
والمراد بالوليمة هنا: طعام العرس خاصة، وقد حكى ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة أن الوليمة اسم لطعام العرس خاصة لا تقع على غيره (١).
وقال بعض الفقهاء: الوليمة تقع على كل طعامٍ لسرور حادث؛ كقدوم غائب، وطعام العقيقة، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر.
قال ابن مفلح الحنبلي: (وقول أهل اللغة أَوْلى؛ لأنهم أهل اللسان، وأعرف بموضوعات اللغة) (٢). وعلى هذا فالأشهر إطلاق الوليمة على وليمة العرس، فإن أطلقت على غيرها فلا بد من التقييد، فيقال: وليمة الختان، وليمة القدوم من سفر، ونحو ذلك من الولائم المعروفة عند العرب.
والوليمة مشروعة في حق الزوج؛ لأن النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بن عوف -كما في حديث الباب- ولم يأمر بها أصهاره، ولأن النعمة في حق الزوج أكبر من النعمة في حق الزوجة، فإنه هو الطالب لها غالبًا.
وفي الوليمة إعلان النكاح باجتماع الناس، كما أن فيها صلة الأقارب والأرحام والجيران، وإطعام الفقراء، وفيها -أيضًا- إدخال السرور على الزوجة وأوليائها وأقاربها.
стр. 3169
وقد عقد الحافظ هذا الباب، وساق فيه الأحاديث التي ثبتت في حكم الوليمة ومقدارها ووقتها، وحكم إجابتها، كما ساق أحاديث دالة على جملة من آداب الأكل والشرب، والله المستعان.
стр. 3170
مشروعية وليمة الزواج
١٠٤٤/ ١ - عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرّحْمنِ بنِ عَوْفٍ أثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال: "مَا هذَا؟ "، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبِ، قَال: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع من "صحيحه"، منها في كتاب "النكاح"، باب (كيف يدعى للمتزوج) (٥١٥٥)، ومسلم (١٤٢٧) من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا.
وقول الحافظ: (واللفظ لمسلم) لا معنى له؛ لأن لفظهما واحد، إلا أن الفاء في قوله: (فبارك الله لك) ليست عند البخاري في هذا الموضع.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عبد الرحمن بن عوف) هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري. من أكابر الصحابة ﵃، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر ﵁ الخلافة فيهم، كان من السابقين إلى الإسلام، وأحد الشجعان الأجواد العقلاء، مات سنة اثنتين وثلاثين ﵁، وتقدم له ذكر في رابع أحاديث باب (اللباس) من كتاب "الصلاة".
قوله: (أثر صفرة) بضم الصاد وإسكان الفاء؛ أي: صفرة الخلوق،
стр. 3171
وهو طيب يصنع من زعفران وغيره، وفي رواية: (عليه صفرة) وفي رواية للبخاري: (رَدْعٌ من زعفران) والردع: براء ودال وعين مهملات، هو أثر الطيب.
قوله: (ما هذا) ظاهره أنه سؤال استنكار؛ لنهيه ﷺ أن يتزعفر الرجل، وفي رواية قال: (مَهْيم) أي: ما شأنك أو ما الخبر؟
قوله: (على وزن نواة من ذهب) النواة: اسم لمعيار الذهب عندهم، وليس المراد بها نواة التمر -كما قيل- لأنه لا يتحرر الوزن فيه لاختلاف نوى التمر في المقدار، قالوا: إنه يزن خمسة دراهم، وتقدم مقدار الدرهم، والدرهم = ٢ و ١/ ٣ جرام، فيكون الصداق ٥ × ٢ و ١/ ٣ = ١١ و ٢/ ٣ جرام من الذهب.
قوله: (أولم) فعل أمر، من أولَم يولم، والمعنى: اصنع الوليمة.
قوله: (ولو بشاة) لو: هنا حرف تقليل، لا عمل لها ولا جواب، نحو: تصدقوا ولو بتمرة، فتفيد أن الوليمة تجوز بدون الشاة، كما تفيد أن الأَوْلى الزيادة على الشاة؛ لأنه جعل ذلك قليلًا (١).
والشاة: هي الواحدة من الغنم للذكر والأنثى، ضأنًا كانت أم معزًا.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية تفقد الوالي والقائد لأصحابه، وسؤاله عن أحوالهم وأعمالهم التي تعنيه وتعنيهم، لقوله: (ما هذا)؟
° الوجه الرابع: كراهة التطيب بالزعفران، وكل ما يظهر أثره من الطيب للرجال؛ لأنه ﷺ سأل عبد الرحمن عن أثر هذا الطيب، وقد نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل (٢).
ولعل وجه النهي أنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالًا له منهم، وأجيب عن فعل عبد الرحمن هذا بأجوبة، لعل من أظهرها أنه عَلِقَ به من
стр. 3172
امرأته بدون قصد، ورجح هذا القاضي عياض، وكذا النووي، ونسبه للمحققين، ويستفاد من ذلك أن الرجل إذا عَلِقَ به شيء من طيب امرأته من زعفران أو غيره، أنه لا حرج فيه، لعموم القصة؛ لأن عبد الرحمن بن عوف أخبر النبي ﷺ بأنه تزوج، ولم ينكر عليه أثر الصفرة، ويكون حديث النهي محمولًا على القصد، ومن أهل العلم من أجاز التزعفر للمتزوج فقط، وجعله مستثنى من عموم النهي الوارد في الحديث المتقدم (١).
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على استحباب تخفيف الصداق، فهذا عبد الرحمن بن عوف لم يصدق زوجته إلا وزن خمسة دراهم من ذهب، مع أنه كان من أغنياء الصحابة ﵃.
° الوجه السادس: في الحديث دليل على استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (كيف يدعى للمتزوج؟) وقد مضى الكلام على ذلك عند سادس أحاديث كتاب "النكاح"، والحمد لله.
° الوجه السابع: في الحديث دليل على مشروعية وليمة الزواج، وأنها من الزوج، لقوله: (أولم)، وأما عملها من جانب أهل الزوجة فليس عليه دليل فيما أعلم.
° الوجه الثامن: لا خلاف بين أهل العلم في استحباب وليمة الزواج، لكون النبي ﷺ فعلها وحث عليها، وإنما اختلفوا في وجوبها على قولين:
الأول: أنها مستحبة، وهذا قول الجمهور، قالوا: لأنه طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة؛ كطعام القدوم من السفر ونحوه.
ولأنه لم يرد نص صريح في إيجابها، وحديث عبد الرحمن هذا ليس صريحًا، فإنه أمر بالشاة وهي غير واجبة اتفاقًا، فيكون قوله: (أو لم) للاستحباب.
الثاني: أنها واجبة، وهذا مذهب الظاهرية، وقول في مذهب الشافعية،
стр. 3173
وذكر صاحب "الإنصاف" عن الإمام أحمد أنه قال: (تجب ولو بشاة)، للأمر، قاله ابن عقيل (١)، واستدلوا بما يأتي:
١ - حديث أنس ﵁ هذا حيث أمر النبي ﷺ بها عبد الرحمن بن عوف، والأمر للوجوب، بل إنه ﷺ أمر بالاستدراك بعد انقضاء الدخول.
٢ - حديث بريدة ﵁ قال: لما خطب علي فاطمة ﵂ قال رسول الله ﷺ : "إنه لا بد للعرس -وفي رواية: للعروس- من وليمة" (٢).
والقول بالوجوب قوي، فإن النبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن، ولم يدعها ﷺ بأي شيء تيسر، فالأحوط ألا يدعها القادر امتثالًا للأمر، وتأسيًا بالنبي ﷺ ، وتحصيلًا لفوائدها العظيمة، كما تقدم أول الباب.
وقولهم: إنها غير مقدرة، لا يلزم منه عدم الوجوب؛ لأنه ﷺ أو لم باللحم، وأولم بالخبز، وأمر بالشاة، مما يفيد أن الأمر فيه سعة.
° الوجه التاسع: نقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا حدَّ للقدر المجزئ من الوليمة (٣)، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة، وقد أولم النبي ﷺ على صفية بالأَقِطِ والسمن والتمر (٤)، وأولم على زينب بخبز ولحم (٥).
والظاهر -والله أعلم- أن مقدار الوليمة مرجعه إلى العرف؛ لأنها من باب النفقة، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، وعلى هذا فلا حدَّ لها، وهي تختلف باختلاف حال الزوج يسارًا وإعسارًا، بشرط ألا تخرج إلى حد الإسراف والمباهاة وما عليه الناس اليوم، فتكون بالشاتين والثلاث إن كان
стр. 3174
موسرًا وهذا أكمل، وإلا يُكتفى بما تيسر من طعام وشراب، لفعل النبي ﷺ لما أولم على صفية وليس فيها لحم.
° الوجه العاشر: اختلف العلماء في وقت الوليمة، وأكثر الروايات أنها بعد دخول الزوج بزوجته، فالنبي ﷺ أمر بها عبد الرحمن بعد الدخول، وقال أنس ﵁: أصبح النبي ﷺ عروسًا بزينب فدعا القوم فأصابوا من الطعام (١).
والقول الثاني: أن الوليمة تكون عند العقد.
والقول الثالث: عند الدخول.
والأظهر أن وقتها موسع من عقد النكاح إلى الدخول؛ لصحة الأخبار في هذا وهذا، ولأن هذه الأيام أيام فرح وسرور، ثم إن العرف والعادة لهما علاقة بهذا، قال ابن حجر: (واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3175
حكم إجابة الوليمة
١٠٤٥/ ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ".
١٠٤٦/ ٣ - وعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَرُّ الطَّعامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصى اللهَ وَرَسُولَهُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (حق إجابة الوليمة والدعوة) (٥١٧٣)، ومسلم (١٤٢٩)(٩٦) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ موفوعًا.
وأما رواية مسلم (١٤٢٩)(١٠٠) فهي من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة) (١٤٣٢)(١١٠) من طريق سفيان، قال: سمعت زياد بن سعد قال: سمعت ثابتًا لأعرج يحدث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: … فذكر الحديث هكذا مرفوعًا.
ورواه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم -أيضًا- (١٤٣٢)(١٠٧) موقوفًا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أنه
стр. 3176
كان يقول: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله) (١). وهذا أوله موقوف، لكن آخره من قبيل المرفوع حكمًا؛ لأن حكم الصحابي على شيء بأنه معصية لله ورسوله لا يكون إلا بنص من الشرع، ولا يجزم الصحابي بذلك إلا وعنده علم به.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عرسًا كان أو نحوه) أي: سواء كانت الدعوة لطعام العرس أو ما أشبهه كطعام العقيقة ونحوها، والعرس: بضم العين وسكون الراء أو ضمها: الزواج، وهو يذكر ويؤنث، والجمع في المذكر: أعراس، مثل قفل وأقفال، وفي المؤنث: عُرْسات، والعرس أيضًا طعام الزِّفاف، وهو مذكر؛ لأنه اسم للطعام، والعرس: وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في إعراسهما، فيقال: رجل عروس، وامرأة عروس (٢). قال أنس ﵁: (أصبح النبي ﷺ عروسًا بزينب … ) (٣).
قوله: (شر الطعام) الشر: ضد الخير، وشر -هنا - أفعل تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال، ومثله (خير)، وتقدم هذا في "عشرة النساء".
وفي رواية لمسلم: (بئس الطعام) وليس المراد بذلك ذم الطعام في ذاته وحاله، وإنما ذم الفعل الذي هو دعاء الأغنياء وترك الفقراء فإلى فعل ذلك توجه الذم لا إلى الطعام.
وطعام الوليمة طعام مخصوص بقصد مذموم، يقل معه الأجر، على كثرة ما فيه من الإنفاق، وذلك أنه إنما يصنع ليدعى له الأغنياء دون المساكين؛ لما في دعاء المساكين من ابتذال المنزل والفرش والمكان، فكان ذلك مما يجعله شر الطعام؛ لأن خير الطعام وأكثره أجرًا ما يدعى إليه المساكين لحاجتهم
إليه، ولما في الصدقة عليهم من سد خلتهم وإشباع جوعتهم.
стр. 3177
قوله: (طعام الوليمة) أي: وليمة العرس، كما تقدم من أن اللفظ خاص بها.
قوله: (يمنعها من يأتيها) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: يكف عنها من لو دعي إليها لسارع إلى الإجابة، والمراد بهم الفقراء والمساكين.
وهذه الجملة مستأنفة لبيان وجه شرية طعام الوليمة، فكأنه قال: لأنه يمنع من يأتيها، وهم الفقراء والمساكين، كما سيأتي في الرواية الأخرى الموقوفة.
قوله: (ويدعى إليها من يأباها) والمراد بهم الأغنياء، كما تقدم في الرواية، فهذا وما قبله تعليل لما تقدم، وإخبار وتحذير عما يقع من الناس على مر العصور، ولا سيما في زماننا هذا من مراعاة الأغنياء والوجهاء وترك المساكين والفقراء، بل محاولة إبعادهم ومنعهم من الدخول احتقارًا لهم، كما تقدم.
قوله: (ومن لم يجب الدعوة) أي: من غير عذر، وهذا القيد مستفاد من عمومات الشريعة، وهو أن أوامر الشريعة مطلوبة ما لم يكن عذر، و (أل) في (الدعوة) للعهد الذكري؛ أي: الوليمة المذكورة أولًا، ويحتمل أنها للجنس، فيكون اللفظ عامًّا في جميع الدعوات، كما سيأتي.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن إجابة الدعوة مطلوبة من المسلم، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يتأخر عنها، سواء أكانت وليمة عرس أم غيرها من الولائم الأخرى، لما في إجابة الدعوة من جبر خاطر أخيك المسلم، ولما في الولائم من التآلف والتعارف، والتحاب بين الإخوان والجيران والأقارب، فالولائم تجمع الناس بالتحدث والتعارف والنصائح والتواصي بالحق، وهذه ولائم أهل العلم والإيمان.
° الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس، بل بعض العلماء كابن عبد البر والقاضي عياض نقل الإجماع على ذلك، قال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافًا في وجوب إتيان الوليمة لمن
стр. 3178
دعي إليها إذا لم يكن فيها منكر ولهو) (١).
ودعوى الاتفاق فيها نظر، وإنما الوجوب هو قول الجمهور، واستدلوا بهذه الأحاديث، وذلك من وجهين:
الأول: صيغة الأمر الذي تجرد عن القرائن، ومقتضاه الوجوب.
الثاني: أنه حكم بالعصيان على من لم يجب الدعوة، ولا يحكم بالعصيان إلا على ترك واجب.
وذهب جماعة من الشافعية والحنابلة إلى أن الإجابة مستحبة، وليست بواجبة، وذكر صاحب "الإنصاف" (٢) أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم أقف عليه في "الفتاوى" ولا في "الاختيارات" وإنما حكى في "الفتاوى" الوجوب فقط (٣). وصرح صاحب "الهداية" من الحنفية بأنها سنة (٤)؛ لأن الأكل من الوليمة تمليك مال، فلم يجب كغيره، قالوا: ولأن الأصل في الوليمة أنها مندوبة، فيكون الحضور مندوبًا.
وقال بعض الشافعية والحنابلة إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين؛ لأن القصد إظهار النكاح، وذلك يحصل بحضور البعض، فكأنهم قصروا حكمتها على إعلان النكاح (٥).
والراجح هو القول الأول، لقوة أدلته، فإنها أحاديث صحيحة وصريحة في الوجوب، قال الشوكاني: (والظاهر الوجوب، للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب، ولجعل الذي لم يُجِبْ عاصيًا … ) (٦).
° الوجه الخامس: أما دعوة غير العرس كالعقيقة والقدوم من السفر ونحو ذلك، ففي حكم إجابتها قولان:
الأول: أن الإجابة مستحبة، وقد عزا ابن حجر هذا القول إلى
стр. 3179
الجمهور (١). وبالغ السرخسي من الحنفية فنقل الإجماع على ذلك، وهو غير مسلم، كما سيأتي.
واستدلوا بما يلي:
١ - ما رواه أحمد بسنده عن الحسن، قال: دعي عثمان بن أبي العاص إلى ختان، فأبى أن يجيب، فقيل له، فقال: (إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ ، ولا ندعى له) (٢).
٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" (٣). قالوا: فلما خص الوجوب بوليمة العرس دل على أن غيرها لا يجب.
٣ - ويمكن أن يستدل لذلك -أيضًا- بحديث أنس ﵁ أن جارًا لرسول الله ﷺ فارسيًّا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله ﷺ ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه، لعائشة، فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه، قال: لا، قال رسول الله ﷺ : لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله ﷺ : وهذه، قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله (٤).
القول الثاني: أن الإجابة واجبة، وأن الولائم حكمها واحد، وهو الوجوب، عرسًا كان أم غيره، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵄، وبعض التابعين، وأهل الظاهر، وبعض الشافعية (٥)، واستدلوا بما يلي:
١ - حديث ابن عمر ﵄ -كما في رواية مسلم؛ فإن قوله: (فليجب عرسًا كان أو غيره) نص مطلق.
стр. 3180
٢ - قوله ﷺ : ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله، ورسوله" إذا قلنا: إن (أل) للاستغراق، وهذا هو الظاهر.
٣ - قال نافع: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها"، قال: كان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم (١). وهذا يدل على أن ابن عمر ﵄ فهم أن (أل) في الدعوة للعموم، لذا كان يأتي الدعوة للعرس وغيره.
٤ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (٢). وفي رواية لمسلم: "حق المسلم على المسلم ست، وفيه: وإذا دعاك فأجبه".
وهذا القول هو الراجح، لقوة أدلته، وعمل راويها بها، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (من خص وجوب الإجابة بوليمة العرس فليس معه دليل فيما يظهر؛ لأن الولائم هي طعام السرور، فيعم العرس وغيره، والنبي ﷺ قال: "من لم يجب الدعوة" ولم يقل: دعوة العرس).
وأما أدلة القائلين بالاستحباب فإنها لا تقاوم أدلة القول بالوجوب من جهة صحتها وقوة دلالتها، فإن حديث عثمان بن أبي العاص فيه مقال: لأنه من رواية الحسن البصري عنه، وسماعه منه مختلف فيه (٣).
وأما حديث ابن عمر ﵄ فلا دليل فيه؛ لأن تخصيص وليمة العرس من باب ذكر الخاص بحكم العام، وهذا لا يقتضي التخصيص.
وأما حديث أنس ﵁ فقد يكون امتناع الرسول ﷺ لكون الفارسي لم يوافق على شرطه، وهو حضور عائشة ﵄، فلما وافقه حضر.
стр. 3181
° الوجه السادس: ذكر أهل العلم ﵏ في هذا المقام شروطًا لوجوب إجابة الدعوة، وهي مأخوذة من عمومات الشريعة ومن قضايا وقعت للصحابة ﵃، ومن أهم هذه الشروط:
الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلمًا، فإن كان كافرًا ودعاك إلى وليمة زواج -مثلًا- لم تجب إجابته، بل تجوز لانتفاء طلب المودة معه، ولأنه يُستقذر طعامه لاحتمال نجاسته، وفساد تصرفه، فإن كانت الدعوة تتعلق بشعائرهم الدينية كالأعياد حرمت إجابته؛ لأن معناها الرضا بشعائرهم وما هم عليه من الكفر والضلال، ولهذا تحرم تهنئتهم.
الثاني: أن يكون الداعي مسلمًا مستقيمًا، فإن كان مجاهرًا بالمعصية وفي هجره وترك إجابته مصلحة لم تجب دعوته، فإن لم يكن في هجره مصلحة، فإنه لا يهجر؛ لأن الأصل تحريم الهجر، لكن إن تحققت المصلحة شرع إما وجوبًا وإما ندبًا.
الثالث: أن يعين الداعي المدعو ويخصه بالدعوة، سواء أكان ذلك عن طريق الكلام المباشر أو عن طريق الهاتف إذا خصه بالدعوة، أو برسول أرسله إليه، ونحو ذلك مما يدل على أنه قصد دعوته وحضوره، بحيث يتأذى لعدم حضوره ويفقده من بين الحاضرين، فإن كانت الدعوة عامة، وهي دعوة الجَفَلَى، لم تجب الإجابة بل تجوز، كما لو قال: ادع من لقيت أو يعطيه مجموعة بطاقات يفرقها ونحو ذلك مما لا يدل على قصد شخص بعينه، لم تجب الإجابة (١)؛ لأن صاحب الطعام لم يعينه ولا عرفه، بل كل واحد غير منصوص عليه، فلا ينكسر قلب الداعي لتخلفه، ولا يسأل عنه لو تخلف، اللهم إلا إن كان قريبًا أو زميلًا ويعرف أنه لو تخلف صار قطيعة أو إخلالًا بحق الزمالة والصداقة، أو كان يعلم أن صاحب الدعوة يُسَرُّ بحضوره، فينبغي له أن يجيب. أما قول بعض الفقهاء إنه إذا عمم الدعوة لم تستحب الإجابة (٢)،
стр. 3182
فهذا فيه نظر، والصواب الجواز وعدم الوجوب، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال لأنس ﵁ في قصة زواجه ﷺ بزينب ﵂: "ادع لي رجالًا سماهم، وادع لي من لقيت … " الحديث (١).
الشرط الرابع: ألا يكون في الدعوة منكر كلهو وطرب واختلاط وتدخين وخمر، ونحو ذلك من المنكرات، لكن هذا مقيد بما إذا لم يستطع تغيير المنكر، فإنه يحرم حضوره، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وعموم قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليه الخمر … " الحديث (٢). وعن أبي مسعود -عقبة بن عمرو- أن رجلًا صنع له طعامًا فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسروا الصورة، ثم دخل (٣)، قال الإمام الأوزاعي: (لا ندخل بيتًا فيه طبل ولا مِعزاف) (٤).
فإن كان قادرًا على تغييره بسلطته أو مكانته العلمية في المجتمع فإنه يحضر، ويغير المنكر، لعموم قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه" (٥)، وهذا هو الواجب على المسلم أن يكون عنده همة عالية وغيرة وقوة، فلا يحقر نفسه عند رؤية المنكر حتى ينفع الله به، وقد قال النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل
стр. 3183
خير … " (١).
الشرط الخامس: ألا يكون للمدعو عذر من مرض أو سفر أو مطر أو تمريض مريض أو خوف على نفسه أو أهل أو مال، ونحو ذلك؛ لأن جميع واجبات الشرع تسقط بالعذر، بناء على قاعدة: (لا واجب مع العجز) المأخوذة من الأدلة الشرعية.
ومن العذر -كما قال العلماء- أن يعتذر المدعو للداعي فيقبل عذره، فهذا يسقط الوجوب (٢).
الشرط السادس: أن تكون الدعوة في المرة الأولى، فإن دعا للوليمة نفسها مرة ثانية لم تجب إجابته، وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله تعالى- عند حديث ابن مسعود ﵁.
إلى غير ذلك من الشروط، وقد أوصلها ابن العراقي في شرح "التقريب" إلى سبعة عشر شرطًا، وبعضها فيه نظر (٣)، والله أعلم.
стр. 3184
حكم إجابة الصائم، والأكلِ من الوليمة
١٠٤٧/ ٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيضًا.
١٠٤٨/ ٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَقَال: "فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ".
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه مسلم في كتاب "النكاح"، باب (الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة) (١٤٣١) من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وكذا حديث جابر ﵁ فقد أخرجه مسلم في الباب المذكور (١٤٣٠) من طريق سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طَعِمَ، وإن شاء ترك".
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الصوم ليس بعذر في عدم إجابة الدعوة وأن من دعي وهو صائم لزمه أن يجيب كما يلزم المفطر، ويحصل المقصود بحضوره وإن لم يأكل، فإن أذن له صاحب الدعوة سقط عنه الحضور.
وقد اختلف العلماء في المراد بقوله: (فليصلِّ) فمن أهل العلم من حمله على ظاهره، وفسره بالصلاة المعروفة، والمعنى: أنه يحضر ويشتغل بالصلاة؛ ليحصل فضلها، وينال بركتها أهل الطعام ومن حضر الدعوة.
стр. 3185
قال الجمهور: المراد بها الدعاء؛ أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة والتوفيق للداعي، وهذا هو الصواب، وأما القول بأنها الصلاة ذات الركوع والسجود فهو ضعيف، ولا وجه للصلاة هنا، وقد ورد تفسير الصلاة بالدعاء من بعض رواته، وهو هشام بن حسان، عند البيهقي (١)، وجاء عند أبي داود بلفظ: (فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليدعُ) (٢)، وجاء عند أحمد من طريق هشام بن حسان بلفظ: (فليصلِّ وليدعُ لهم) (٣)، قال الألباني: (ولعل قوله: "وليدعُ" خطأ من بعض النساخ أو الرواة، وأصله: أي: ليدع لهم) (٤)، وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر أنه لم يجد في شيء من الروايات أن هذه الجملة من الحديث المرفوع، فلعلها مدرجة في الحديث من تفسير هشام بن حسان (٥).
وتفسير الصلاة بالدعاء وارد في نصوص الشرع، كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
° الوجه الثالث: إذا أجاب الصائم الدعوة فإن كان صومه واجبًا كنذر أو قضاء حرم عليه الإفطار إجماعًا، ويسن الإخبار بصومه ليعلم عذره؛ لئلا يظن صاحب الدعوة كراهة طعامه، أو نحو ذلك، ولا يُعَدُّ ذلك من باب الرياء، بل هو من باب حسن المعاشرة وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه، لقوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل: إني صائم" (٦).
فإذا حضر دعا لصاحب الدعوة بالأدعية المناسبة؛ كقوله ﷺ : "أفطر عندكم الصائمون، وكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" (٧). أو غير ذلك مما يناسب المقام.
стр. 3186
وإن كان صومه نفلًا جاز له الفطر؛ لأن الخروج من صوم التطوع لعذر جائز، كما مرَّ في كتاب "الصيام"، وإذا كان في إفطاره وأكله من طعام أخيه الذي دعاه جبر لخاطره وإدخال السرور على قلبه كان الأكل أَوْلى، وقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : "دعاكم أخوكم، وتكلف لكم"، ثم قال له: "أفطر، وصم مكانه يومًا إن شئت" (١).
° الوجه الرابع: استدل العلماء، وهم: الحنابلة والشافعية في أصح الوجهين عندهم، بحديث جابر ﵁ على أن الواجب هو حضور الدعوة، أما الأكل فليس بواجب ولو كان المدعو مفطرًا؛ لأن الذي أمر به النبي ﷺ وتوعد على تركه هو الحضور، أما الأكل فلم يرد ما يدل على وجوبه، بل ورد ما يدل على التخيير، لكن الأكل أَوْلى؛ لأنه أكمل في الإجابة، وأبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه، إلا إن كان له عذر؛ كأن يكون قد أكل قبل حضوره، أو يكون الطعام لا يناسبه، وله طعام خاص، أو لغير ذلك من الأسباب التي تمنع الأكل، لكن إن تيسر جلوسه معهم وأكله ولو قليلًا من النوع الذي يشتهيه؛ كالفاكهة -مثلًا- فهو أفضل وأكمل.
وذهب الظاهرية، وبعض الشافعية، ورجحه النووي (٢)، إلى وجوب الأكل؛ لقوله ﷺ : "وإن كان مفطرًا فليطعم"، ولأن المقصود من الحضور الأكل، فكان واجبًا.
والراجح الأول وهو أن الأكل غير واجب؛ لأن الحديث صريح في تخيير المدعو بين الأكل وتركه، ويحمل الأمر في قوله: (فليطعم) على الاستحباب (٣)، وقولهم: إن المقصود الأكل فيه نظر، فإن المقصود هو
стр. 3187
الإجابة والحضور، وامتثال أمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ ، ولذلك وجب الحضور على الصائم الذي لا يأكل (١). والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3188
حكم إجابة الدعوة بعد اليوم الأول
١٠٤٩/ ٦ - عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
١٠٥٠/ ٧ - ولَهُ شَاهِدٌ عَنْ أنسٍ ﵁ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.
* الكلام عليهما من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه الترمذي في أبواب "النكاح"، باب (ما جاء في الوليمة) (١٠٩٧) من طريق زياد بن عبد الله، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث، وتمامه: "ومن سمَّع سَمَّعَ الله به".
قال الترمذي: (حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله [بن الطُفيل]، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة، قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شَرَفِهِ يكذب في الحديث)، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة).
وقوله: (ولم يثبت أن وكيعًا كذبه) لعله يريد بذلك ما جاء في "التاريخ الكبير" (١) للبخاري عن وكيع أنه قال: (هو أشرف من أن يكذب)، قال
стр. 3189
الحافظ: (وهو الصواب، ولعله سَقَطَ من نسخة الترمذي لا، وكان فيه: مع شرفه لا يكذب في الحديث، فتتفق مع الروايات، والله أعلم) (١)، ثم رأيتها ثابتة في "طرح التثريب" (٢)، وهذا التوجيه من الحافظ فيه نظر.
وقوله: (له في البخاري موضع واحد) هو في كتاب "الجهاد" من حديث أنس ﵁، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر … الحديث (٣).
وفي الحديث علة أخرى وهي أن عطاء بن السائب مختلط، وسماع زياد منه بعد اختلاطه (٤).
وقول الحافظ: (ورجاله رجال الصحيح) هذا كالرد على الترمذي في استغرابه الحديث، وفيه تساهل، فإن ظاهر هذه العبارة أن الحديث جيد إذا كان رجاله رجال الصحيح مع أن الحديث سنده ضعيف كما مر، والحافظ نفسه قد أعلَّه في "فتح الباري" (٥)، كذلك في سكوته عن الشاهد عند ابن ماجه تساهل، ومخالف لمنهجه في بيان الضعف، فإنه ضعيف جدًّا كما سيأتي (٦).
وللحديث شواهد منها ما رواه ابن ماجه (١٩١٥) من طريق عبد الملك بن حسين أبي مالك النخعي، عن منصور، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة".
وهذا إسناد ضعيف جدًّا، آفته أبو مالك هذا، فإنه متروك كما قال الحافظ في "التقريب"، قال البيهقي: (وروي ذلك عن أبي هريرة مرفوعًا، وليس بشيء) (٧).
ورواه البيهقي (٨) من طريق بكر بن خنيس، عن الأعمش، عن أبي
стр. 3190
سفيان، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما تزوج أم سلمة ﵂ أمر بالنَّطع فَبُسِطَ، ثم ألقى عليه تمرًا وسويقًا، فدعا الناس، فأكلوا، وقال: … ، فذكر الحديث بمثل حديث أبي هريرة ﷺ . وقال: (وليس هذا بقوي، بكر بن خنيس تكلموا فيه)، وقال الدارقطني: (متروك) وفي موضع آخر: (ضعيف) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان).
وبالجملة فحديث الباب ضعيف، وما ورد عن أبي هريرة وأنس كذلك؛ لشدة ضعفها، ولا يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن، قال الشيخ عبد العزيز بن باز (والنفس تميل إلى أن الحديث ليس بصحيح، وأن هذه الأسانيد الضعيفة لا تقويه ولا تجعله في قسم المقبول).
وقول الحافظ: (وله شاهد عن أنيس عند ابن ماجه) غير صحيح، صوابه: وله شاهد عن أنس عند البيهقي، أو له شاهد عن أبي هريرة عند ابن ماجه.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على شرعية الضيافة في وليمة العرس يومين، ففي أول يوم تكون واجبة لقوله: "حق"، والحق: هو الثابت اللازم، وفي اليوم الثاني: سنة؛ أي: طريقة متبعة، وفي اليوم الثالث: رياء وسمعة، فيكون فعلها حرامًا، والإجابة إليها كذلك.
وهذا على قول من أخذ بهذا الحديث وما في معناه، ورأى أن هذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو من مقال، فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلًا، وهذا رأي الحافظ ابن حجر (٢)، وتبعه الشوكاني (٣)، وأخذ بهذا فقهاء الشافعية والحنابلة، فقالوا: إن هذه الأحاديث توجب التوقف عن اليوم الثالث، وأن الأَوْلى والأفضل ألا يزيد على يومين، لئلا يقع الداعي فيما ورد فيه الذم.
وذهب الإمام البخاري إلى جواز الوليمة سبعة أيام مستدلًا بإطلاق الأمر بإجابة الداعي، وذلك غير مقيد، فترجم في "صحيحه" بقوله: (باب حقِّ إجابة