← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وإن كان صومه نفلًا جاز له الفطر؛ لأن الخروج من صوم التطوع لعذر جائز، كما مرَّ في كتاب "الصيام"، وإذا كان في إفطاره وأكله من طعام أخيه الذي دعاه جبر لخاطره وإدخال السرور على قلبه كان الأكل أَوْلى، وقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : "دعاكم أخوكم، وتكلف لكم"، ثم قال له: "أفطر، وصم مكانه يومًا إن شئت" (١). ° الوجه الرابع: استدل العلماء، وهم: الحنابلة والشافعية في أصح الوجهين عندهم، بحديث جابر ﵁ على أن الواجب هو حضور الدعوة، أما الأكل فليس بواجب ولو كان المدعو مفطرًا؛ لأن الذي أمر به النبي ﷺ وتوعد على تركه هو الحضور، أما الأكل فلم يرد ما يدل على وجوبه، بل ورد ما يدل على التخيير، لكن الأكل أَوْلى؛ لأنه أكمل في الإجابة، وأبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه، إلا إن كان له عذر؛ كأن يكون قد أكل قبل حضوره، أو يكون الطعام لا يناسبه، وله طعام خاص، أو لغير ذلك من الأسباب التي تمنع الأكل، لكن إن تيسر جلوسه معهم وأكله ولو قليلًا من النوع الذي يشتهيه؛ كالفاكهة -مثلًا- فهو أفضل وأكمل. وذهب الظاهرية، وبعض الشافعية، ورجحه النووي (٢)، إلى وجوب الأكل؛ لقوله ﷺ : "وإن كان مفطرًا فليطعم"، ولأن المقصود من الحضور الأكل، فكان واجبًا. والراجح الأول وهو أن الأكل غير واجب؛ لأن الحديث صريح في تخيير المدعو بين الأكل وتركه، ويحمل الأمر في قوله: (فليطعم) على الاستحباب (٣)، وقولهم: إن المقصود الأكل فيه نظر، فإن المقصود هو

стр. 3187

الإجابة والحضور، وامتثال أمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ ، ولذلك وجب الحضور على الصائم الذي لا يأكل (١). والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3188

حكم إجابة الدعوة بعد اليوم الأول ١٠٤٩/ ٦ - عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. ١٠٥٠/ ٧ - ولَهُ شَاهِدٌ عَنْ أنسٍ ﵁ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. * الكلام عليهما من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه الترمذي في أبواب "النكاح"، باب (ما جاء في الوليمة) (١٠٩٧) من طريق زياد بن عبد الله، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث، وتمامه: "ومن سمَّع سَمَّعَ الله به". قال الترمذي: (حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله [بن الطُفيل]، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة، قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شَرَفِهِ يكذب في الحديث)، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة). وقوله: (ولم يثبت أن وكيعًا كذبه) لعله يريد بذلك ما جاء في "التاريخ الكبير" (١) للبخاري عن وكيع أنه قال: (هو أشرف من أن يكذب)، قال

стр. 3189

الحافظ: (وهو الصواب، ولعله سَقَطَ من نسخة الترمذي لا، وكان فيه: مع شرفه لا يكذب في الحديث، فتتفق مع الروايات، والله أعلم) (١)، ثم رأيتها ثابتة في "طرح التثريب" (٢)، وهذا التوجيه من الحافظ فيه نظر. وقوله: (له في البخاري موضع واحد) هو في كتاب "الجهاد" من حديث أنس ﵁، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر … الحديث (٣). وفي الحديث علة أخرى وهي أن عطاء بن السائب مختلط، وسماع زياد منه بعد اختلاطه (٤). وقول الحافظ: (ورجاله رجال الصحيح) هذا كالرد على الترمذي في استغرابه الحديث، وفيه تساهل، فإن ظاهر هذه العبارة أن الحديث جيد إذا كان رجاله رجال الصحيح مع أن الحديث سنده ضعيف كما مر، والحافظ نفسه قد أعلَّه في "فتح الباري" (٥)، كذلك في سكوته عن الشاهد عند ابن ماجه تساهل، ومخالف لمنهجه في بيان الضعف، فإنه ضعيف جدًّا كما سيأتي (٦). وللحديث شواهد منها ما رواه ابن ماجه (١٩١٥) من طريق عبد الملك بن حسين أبي مالك النخعي، عن منصور، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة". وهذا إسناد ضعيف جدًّا، آفته أبو مالك هذا، فإنه متروك كما قال الحافظ في "التقريب"، قال البيهقي: (وروي ذلك عن أبي هريرة مرفوعًا، وليس بشيء) (٧). ورواه البيهقي (٨) من طريق بكر بن خنيس، عن الأعمش، عن أبي

стр. 3190

سفيان، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما تزوج أم سلمة ﵂ أمر بالنَّطع فَبُسِطَ، ثم ألقى عليه تمرًا وسويقًا، فدعا الناس، فأكلوا، وقال: … ، فذكر الحديث بمثل حديث أبي هريرة ﷺ . وقال: (وليس هذا بقوي، بكر بن خنيس تكلموا فيه)، وقال الدارقطني: (متروك) وفي موضع آخر: (ضعيف) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان). وبالجملة فحديث الباب ضعيف، وما ورد عن أبي هريرة وأنس كذلك؛ لشدة ضعفها، ولا يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن، قال الشيخ عبد العزيز بن باز (والنفس تميل إلى أن الحديث ليس بصحيح، وأن هذه الأسانيد الضعيفة لا تقويه ولا تجعله في قسم المقبول). وقول الحافظ: (وله شاهد عن أنيس عند ابن ماجه) غير صحيح، صوابه: وله شاهد عن أنس عند البيهقي، أو له شاهد عن أبي هريرة عند ابن ماجه. ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على شرعية الضيافة في وليمة العرس يومين، ففي أول يوم تكون واجبة لقوله: "حق"، والحق: هو الثابت اللازم، وفي اليوم الثاني: سنة؛ أي: طريقة متبعة، وفي اليوم الثالث: رياء وسمعة، فيكون فعلها حرامًا، والإجابة إليها كذلك. وهذا على قول من أخذ بهذا الحديث وما في معناه، ورأى أن هذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو من مقال، فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلًا، وهذا رأي الحافظ ابن حجر (٢)، وتبعه الشوكاني (٣)، وأخذ بهذا فقهاء الشافعية والحنابلة، فقالوا: إن هذه الأحاديث توجب التوقف عن اليوم الثالث، وأن الأَوْلى والأفضل ألا يزيد على يومين، لئلا يقع الداعي فيما ورد فيه الذم. وذهب الإمام البخاري إلى جواز الوليمة سبعة أيام مستدلًا بإطلاق الأمر بإجابة الداعي، وذلك غير مقيد، فترجم في "صحيحه" بقوله: (باب حقِّ إجابة

стр. 3191

الوليمة والدعوة، ومن أو لم سبعة أيام ونحوه، ولم يوقِّت النبي ﷺ يومًا ولا يومين) (١). وبهذا قالت المالكية، قال القاضي عياض: (واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا) (٢). وقد روى ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين، قالت: (لما تزوج أبي سيرين دعا أصحاب رسول الله ﷺ سبعة أيام … ) (٣) وعند عبد الرزاق: (ثمانية أيام) (٤). ولعل هذا محمول على ما سيأتي من أنه فرقهم على سبعة أيام أو ثمانية. وذهب جماعة من الفقهاء كبعض المالكية وبعض الشافعية، واختاره الصنعاني وابن باز وابن عثيمين، إلى جواز الوليمة في اليوم الثالث إذا كان ثمَّ حاجة؛ كأن يكون المدعوون كثيرين، أو يكون الوقت غير مناسب لجمعهم في يوم واحد، إما لضيق المكان، أو لأسباب أخرى، فيفرقهم على ثلاثة أيام أو أربعة، أو يكون للداعي أقارب لم يحضروا إلا في اليوم الثالث، ونحو ذلك من الأعذار (٥). وهذا القول هو أرجح الأقوال، وبه تجتمع الأدلة؛ لأنه إذا وجد عذر من هذه الأعذار لم يكن فيه إسراف ولا مباهاة، والغالب في زماننا هذا أنه لا حاجة إلى الوليمة مرة ثانية، والأحوط هو الاكتفاء بأول يوم؛ للبعد عن الإسراف الذي غلب على الناس في جميع شؤون حياتهم، والله المستعان. لكن ينبغي لمن أجاب أن يقتصر على الإجابة الأولى، لئلا يكون في تكرار حضوره دناءة، إلا إن كان هناك سبب خاص تنتفي معه الدناءة فلا بأس؛ كأن يكون قريبًا، أو يُسَرُّ صاحب الدعوة بحضوره. والله تعالى أعلم.

стр. 3192

هدي النبي ﷺ في وليمة الزواج ١٠٥١/ ٨ - عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيبَةَ ﵂ قَالتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسِائِهِ بِمُدَّينِ مِنْ شَعِيرٍ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ١٠٥٢/ ٩ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: أقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَينَ خَيبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَليمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيهَا التَّمرُ والأَقِطُ والسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي أم حُجير -بضم الحاء- صقية بنت شيبة بن عثمان من بني عبد الدار بن قصي، اختلف في صحبتها، فجزم ابن سعد وابن حبان وغيرهما بأنها تابعية، وصنيع البخاري في "صحيحه" يقتضي أنها ثبتت لها الصحبة، وقد ذكرها في الصحابة ابن عبد البر وابن حجر، وقال: (وأبعد من قال: لا رؤية لها، فقد ثبت حديثها في "صحيح البخاري" تعليقًا) وعلى ضوء هذا الخلاف يكون الحكم على هذا الحديث، كما سيأتي (١). ° الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث صفية فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (من أولم بأقل من شاة) (٥١٧٢) فقال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان،

стр. 3193

عن منصور بن صفية (١)، عن أمه صفية بنت شيبة به مرفوعًا. وقد روى هذا الحديث عن سفيان الثوري جماعة، منهم من وصله فذكر عائشة ﵂، ومنهم من أرسله فلم يذكرها، فرواه جمع من الثقات أمثال الفريابي -محمد بن يوسف- عند البخاري -كما تقدم- وابن مهدي عند النسائي في "الكبرى" (٦/ ٢٠٧)، ووكيع عند ابن أبي شيبة (٤/ ٣١٣) ثلاثتهم عن سفيان، عن منصور، عن أمه صفية، لم يذكروا عائشة في الإسناد. ورواه أبو أحمد الزبيري عند أحمد (٤١/ ٣٢٣) ويحيى بن يمان عند النسائي (٦/ ٢٠٧) وابن أبي زائدة عند أبي يعلى (٤٦٨٦)، ومؤمَّل بن إسماعيل عند الدارقطني في "العلل" (٣٠٨/ ١٥) أربعتهم عن سفيان، عن منصور، عن أمه صفية، عن عائشة ﵂. وكل هؤلاء الذين وصلوه ضعفاء كما في "التقريب" إلا أبا أحمد الزبيري فهو ثقة، إلا في روايته عن سفيان ففيها كلام، ولذا قال الإمام أحمد: (كان كثير الخطأ في حديثه عن سفيان) (٢). وأما حديث أنس ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها) (٥٠٨٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس ﵁، قال: أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاثًا … الحديث. وأخرجه مسلم (٢/ ١٠٤٤) من طريق حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس بنحوه. والحديث له طرق أخرى في "الصحيحين" وغيرهما. ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (على بعض نسائه) لم تبين هذه الرواية من المراد ببعض نسائه،

стр. 3194

قال الحافظ: (لم أقف على تعيين اسمها صريحًا وأقرب ما يفسر به أم سلمة) ثم ذكر ما يؤيد ذلك. قوله: (بمدين) تثنية مد، وهو ما يملأ كفي الرجل المعتدل. وهذه رواية كل من روى الحديث عن الثوري، كما تقدم، إلا عبد الرحمن بن مهدي فقد وقع في روايته (بصاعين من شعير) أخرجه النسائي كما تقدم، وهو وإن كان أحفظ من روى الحديث عن الثوري، لكن العدد الكثير أولى بالضبط من الواحد (١). قوله: (بين خيبر والمدينة) أي: في مكان يقال له: الصهباء، يقع إلى الجنوب من خيبر على مسافة اثني عشر ميلًا. قوله: (يُبنى عليه يصفية) مبني لما لم يُسم فاعله، والبناء هو الزِّفاف، قال ابن الأثير: (الابتناء والبناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة، ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله) (٢). قوله: (الأنطاع) واحدها نِطْعٌ بكسر النون وفتحها، ومع كل واحدٍ سكون الطاء وفتحها، وهو البساط المتخذ من الجلود المدبوغة (٣). قوله: (الأقط) بفتح الهمزة، اللبن المطبوخ حتى تبخر ماؤه وغلظ، ثم عمل منه أقراص صغيرة بقدر أصابع اليد الأربعة، وإذا خلط التمر مع السمن والأقط سمي حيسًا، وقد جاء كذلك في بعض الروايات. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على مشروعية وليمة الزواج، وعلى تأكدها لما فيها من المصالح العظيمة، وذلك أن النبي ﷺ فعلها مع أنه في حالة سفر وتخفف من الزاد، ولم يمنعه ذلك من الإعداد والاجتماع لها، وفي وليمة الزواج شكر الله تعالى، وإعلان النكاح، وإطعام الفقراء والمساكين، والتودد والتحبب إلى الأغنياء من الأقارب والجيران والأصدقاء.

стр. 3195

° الوجه الخامس: فيه دليل على أنه ﷺ لم يكن يتكلف في وليمة الزواج بل كان يضع ما يتيسر، فتارة بخبز ولحم كما في وليمة عرسه ﷺ بزينب ﵂، قال أنس ﵁: (ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب … ) (١)، ولعل هذا باعتبار ما علمه أنس، أو لما وقع من البركة في وليمتها حيث أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا من الشاة الواحدة، وإلا فقد أولم على ميمونة بأكثر من ذلك. وتارة أولم بطعام من الشعير، وتارة بالسمن والتمر والأقط، والمقصود بهذا التوسعة على الأمة، وهذا يدل على أن الوليمة تكون بالمعروف، فالغني يولم بقدر غناه بدون إسراف ولا مباهاة، والفقير على حسب قدرته، والمتوسط كذلك. ومما ينبغي التنبيه عليه والحذر منه ما وقع فيه كثير من الناس في هذا الزمان من الإسراف في وليمة العرس، وإنفاق الأموال في استئجار قصور الأفراح أو الفنادق، ثم كثرة الأطعمة وتنوعها، وما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة من تأخير أكل الطعام والسهر إلى ساعة متأخرة من الليل، مع ما قد يحصل في الفنادق من اختلاط الرجال بالنساء من عمال الفنادق وغيرهم، ثم امتهان ما تبقى من الأطعمة برميه في أماكن القمامة، وهذه منكرات عظيمة، وفي هذا كفر بالنعم، ويخشى منه زوالها مع العقوبة العاجلة، نسأل الله السلامة. والواجب في هذا الاختصار ما أمكن، واختصار عدد المدعوين، واختصار الطعام نوعًا وقدرًا، والحذر من السهر، ولا سيما في ليالي الصيف، فإن أمكن إقامتها في المنزل وإلا فيستأجر إحدى المستراحات بأجرة مناسبة، فهذا أبعد عن الإسراف والتكلف.

стр. 3196

حكم ما إذا اجتمع داعيان ١٠٥٣/ ١٠ - عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُما بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأطعمة"، باب (إذا اجتمع داعيان أيهما أحق) (٣٧٥٦) من طريق أبي خالد الدالاني، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق". وظاهر سياق الحافظ له أنه موقوف وأنه من كلام الصحابي مع أنه في أبي داود مرفوع، كما تقدم في سياقه، فإما أن يكون الحافظ نسي عند كتابته إياه فلم يذكر رفعه، وإما أن يكون غلطًا من النساخ. وهذا سند ضعيف كما قال الحافظ، فيه أبو خالد الدالاني مشهور بكنيته، واسمه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وهو متكلم فيه، قال ابن معين: (ليس به بأس)، وكذا قال أحمد والنسائي، وقال أبو حاتم: (صدوق ثقة)، وقال ابن سعد: (منكر الحديث)، وضعفه -أيضًا- ابن حبان، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس)، ولكن إذا كان الأئمة الكبار قد عدلوه فإن هذا لا يقاوم برأي ابن سعد وابن حبان، ولا يبلغان مرتبة

стр. 3197

من عَدَّله، ثم إن الحديث له شاهد -في موضوع الإهداء- عند البخاري (٦٠٢٠) من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا". ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه إذا دعا الإنسان رجلان من جيرانه ولم يمكن الجمع بينهما، فإن سبق أحدهما الآخر أجاب الذي سبق ولو كان بعيدًا؛ لأن له فضل السبق بالدعوة، ولأن إجابته وجبت حين دعاه، فلم يَزُل الوجوب بدعاء الثاني، وإن لم يسبق أحدهما الآخر أجاب أقربهما بابا؛ لأن أقربهما بابا أقربهما جوارًا، فإن استويا في القرب أجاب أكثرهما علمًا ودينًا وصلاحًا، فإن استويا في ذلك أقرع، فمن قَرَعَ أجابه؛ لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق. وظاهر الحديث أن القرب معتبر بالأبواب، لا بالجدران، فلو كان أحدهما أقرب بابا من الآخر فهو أوْلى. والله تعالى أعلم.

стр. 3198

ما جاء في الأكل متكئًا ١٠٥٤/ ١١ - عَنْ أَبِي جُحَيفَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا آكُلُ مُتَّكِئًا"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأطعمة"، باب (الأكل متكئًا) (٥٣٩٨) من طريق مسعر، عن علي بن الأقمر (١)، سمعت أبا جحيفة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أكل متكئًا". وفي رواية له من طريق منصور، عن علي بن الأقمر به، بلفظ: (كنت عند النبي ﷺ فقال لرجل عنده: "لا آكل وأنا متكئ"). * الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يتوقى الأكل وهو متكئ؛ لأنه ﷺ ليس ممن يكثر الأكل ويقبل عليه برغبة، لما في الإكثار من الأكل من الثقل وعدم النشاط، وما يترتب عليه من المضار الكثيرة، لا سيما إذا كان دائمًا، أما إذا شبع في بعض الأحيان فلا بأس بذلك (٢). والمتكئ هو المعتمد على أحد جنبيه بمتكأ من وسادة أو غيرها، كما يطلق على وضع إحدى اليدين على الأرض والاتكاء عليها، ولعل حكمة النهي عن الاتكاء بهذه الصفة ما ذكره أهل الطب من أنه إذا أكل متكئًا فإنه لا ينحدر أكله في مجاري الطعام سهلًا؛ لأنه قد يضغط على المعدة ولا يستحكم فتحها

стр. 3199

للغذاء، وأيضًا فإنها تميل ولا تبقى منتصبة، فلا يصل إليها الغذاء بسهولة، وهذا لا يخلو من مضرة (١). فالأَوْلى والأفضل أن يكون معتدلًا في جلوسه لا مائلًا؛ حتى ينحدر الطعام والشراب انحدارًا سهلًا. وذكر الخطابي أن المتكئ في هذا الحديث هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ. والمعنى على هذا أني إذا أكلت لم أقعد على الأوطئة والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ويتوسع في الألوان، ولكني آكل عُلْقَةً، وآخذ من الطعام بُلغة، فيكون قعودي له مستوفزًا … (٢). وتفسير الخطابي للاتكاء وأنه التربع على وطاء والاستواء عليه، تبعه عليه جماعة ومنهم ابن الأثير (٣)، وهذا التفسير محل نظر، فقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يعرف في كتب اللغة تفسير الاتكاء بهذا المعنى (٤)، وقد يدل على ذلك حديث أبي بكرة ﵁ وفيه: (وكان متكئًا فجلس). والمسألة تحتاج إلى مزيد عناية وبحث في كتب أهل اللغة، لمعرفة إطلاق الاتكاء على التربع، فيكون كلام الخطابي متجهًا، وإلا فالمعول على المشهور وهو التفسير الأول، وقد جزم ابن الجوزي بأن الاتكاء هو الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك (٥). وقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز إلى أن التربع ليس داخلًا في معنى الاتكاء، واستظهر هذا الشيخ محمد بن عثيمين (٦). ولم يأت في الأكل حال الاتكاء نهي صريح، ولهذا لم يجزم البخاري

стр. 3200

بحكمه، كما في ترجمته عند التخريج، لكن الأفضل ترك الاتكاء تأسيًا بالنبي ﷺ ، وذهب جماعة من أهل العلم إلى كراهة الأكل متكئًا. وقد ذكر العلماء أن صفة الجلوس المستحب أن يجثو على ركبتيه وظهور قدميه، أو أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى (١)، ولم يذكروا لذلك دليلًا، وثبت في حديث أنس ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ مقعيًا يأكل تمرًا) (٢)، والإقعاء: أن يجلس على أليتيه وينصب ساقيه. وذكر ابن القيم أن أنفع الهيئات حالة الأكل وأفضلها أن تكون أعضاء البدن في وصفها الطبعي الذي خلقها الله سبحانه عليه، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبًا الانتصاب الطبعي، وأردأ الجلسات حالة الاتكاء لما تقدم (٣). فإن وجد عذر للأكل متكئًا كالمريض -مثلًا- فلا بأس. والله تعالى أعلم.

стр. 3201

من آداب الأكل ١٠٥٥/ ١٢ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ قَال: قَال لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد القرشي المخزومي، واسم أبيه عبد الله، وهو من السابقين إلى الإسلام، ولد عمر قبل الهجرة بسنتين على الصحيح، وأمه أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فهو ربيب النبي ﷺ والمُربَّى في حجره ﷺ ، وهو من صغار الصحابة ﵃، روى عن النبي ﷺ أحاديث في "الصحيحين" وغيرهما عن أبيه، وروى عنه ابنه محمد، وسعيد بن المسيب، ووهب بن كيسان، وغيرهم، ولي البحرين، زمن علي ﵁، ومات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين ﵁ (١). ° الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "الأطعمة"، باب (التسمية على الطعام والأكل باليمين) (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) من طريق سفيان، قال: الوليد بن كثير أخبرني: أنه سمع وهب بن كيسان، أنه سمع عمر بن أبي سلمة يقول: (كنت غلامًا في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا غلام سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" فما زالت تلك طِعْمتي بعد) وهذا السياق للبخاري.

стр. 3202

° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (كنت غلامًا) الغلام هو الابن الصغير من الولادة إلى البلوغ، وقد يطلق على ما بعد البلوغ مجازًا باعتبار ما كان عليه، وقد تقدم ذلك في "الطهارة". قوله: (في حجر النبي ﷺ ) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، والحجر: يطلق على الحضن وعلى الثوب، فيجوز فيه الفتح والكسر، فإن أريد به الحضانة -كما هنا - فهو بالفتح لا غير، وإن أريد به المنع من التصرف فهو بالفتح للمصدر، وبالكسر للاسم (١). قوله: (تطيش) بفتح التاء، بوزن تطير، ومعناه: تتحرك فتميل إلى نواحي القصعة ولا تستقر على موضع واحد، وفي بعض الروايات: (فجعلت آكل من نواحي الصحفة) (٢) وهو يفسر المراد. قوله: (طِعْمتي بعدُ) بكسر الطاء؛ أي: صفة أكلي، والمعنى: أني لزمت ذلك وصار عادة لي، ويجوز الضم. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب التسمية قبل الأكل على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر بن أبي سلمة بالتسمية مع أنه غلام صغير، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يأت ما يصرفه عن ذلك، وقد نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية (٣)، فتعقبه الحافظ ابن حجر بأن هناك من ذهب إلى الوجوب؛ لأنه ورد الأمر بالأكل باليمين، وهو محمول على الوجوب، فكذا هنا؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة (٤). وقد ذكر ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (٥) قولًا بوجوبها، وذكر وجوبها ابن أبي موسى في كتابه "الإرشاد" (٦). وقال بفرضيتها ابن حزم (٧).

стр. 3203

وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أولَه وآخرَه" (١). وظاهر الحديث أنه يقتصر على قوله: (بسم الله) لكن لو زاد (الرحمن الرحيم) فلا بأس، بل قد ذكر النووي أن هذا هو الأفضل (٢)، ومثله نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، لكن تعقب الحافظ ابن حجر هذا القول بأنه لم يَرَ دليلًا على ذلك (٤). وقد اختلف أهل العلم فيما إذا كانوا جماعة وسمى واحد منهم هل يكفي عن الباقين؟ نص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين، وجعله بعض فقهاء الشافعية كرد السلام وتشميت العاطس (٥)، وعللوا لذلك أيضًا بأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد، ومال ابن القيم إلى أنه لا يكفي تسمية بعض الآكلين، لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه لو سمى لكفاكم" (٦) - ومن المعلوم أن الرسول ﷺ ومن معه قد سموا، فلما جاء هذا الأعرابي فأكل ولم يسمِّ شاركه الشيطان، فأكل الطعام بلقمتين، ولو سمى لكفى الجميع (٧). وهذا هو الراجح، ومما يؤيده أن الرسول ﷺ قال للغلام: "سم الله" ولو كانت فرض كفاية لاكتفى النبي ﷺ بتسميته، على أنه قد يقال: إن المراد بذلك التعليم، لكن ظواهر الأدلة تؤيد هذا القول.

стр. 3204

° الوجه الخامس: في الحديث دليل على وجوب الأكل باليد اليمنى على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر بن أبي سلمة أن يأكل بيمينه مع أنه غلام صغير، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يأت ما يصرفه عن ذلك، وسيأتي مزيد بيان عند شرح حديث جابر ﵁. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب أكل الإنسان مما يليه إذا كان يأكل معه أحد؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر بن أبي سلمة أن يأكل مما يليه، مع أنه غلام صغير، والأصل في الأمر الوجوب، ولم يأت ما يصرفه عن ذلك، ولأن أكل الإنسان مما يلي غيره فيه تعدٍّ على ما ليس بحوزته، مع ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي، ولأن فيه إظهار الحرص والنهم وسوء الأدب مع غيره. وقد حمل العلماء هذا الحديث على ما إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، فإن كان أنواعًا كالفاكهة وأنواع التمر ونحو ذلك، فلا بأس أن يأخذ مما لا يليه، وإن استأذن فهو أحسن؛ لأنه من كمال الأدب (١). ويستثنى من هذا ما إذا علم الآكل رضا من يشاركه، فإن تبين له رضاه فلا بأس في أكله مما يليه، لما ثبت في حديث أنس ﵁ أن خياطًا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، قال أنس ﵁: (فذهبت مع رسول الله ﷺ فرأيته يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أُحب الدُّبَّاء من يومئذ) (٢). وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية) (٣)، وكأن هذا فيه إشارة إلى الجمع بين حديث أنس وحديث عمر بن أبي سلمة ﵄، والحديث قد دلَّ على أن أنسًا ﵁ قد أكل مع النبي ﷺ . والدُّباء: بضم الدال المشددة نوع من القَرَعِ، وهو اليقطين (٤).

стр. 3205

° الوجه السابع: في الحديث دليل على حرص النبي ﷺ ومنهجه في تربية الأطفال وتأديب من حوله منهم على الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، التي جاء بها الإسلام لينشأوا عليها، ومن الخطأ البين ما يظنه بعض الناس من أن الطفل الصغير لا يقبل التوجيه، فقد أجمع المربون على أن تكوين العادة في الصغر أيسر بكثير من تكوينها في الكبر، وما اعتاده في صغره يصعب عليه مفارقته في كبره. والله تعالى أعلم.

стр. 3206

ما جاء في الأمر بالأكل من جوانب القصعة ١٠٥٦/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَال: "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا"، رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأطعمة"، باب (ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة) (٣٧٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٢٦٤)، وأحمد (٥/ ٢٦٧) من طريق شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: … فذكره. وهذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها". ورواه الترمذي (١٨٠٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عطاء به. ورواه ابن ماجه (٣٢٧٧) من طريق محمد بن فضيل، حدثنا عطاء به. ورواه أحمد (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والحاكم (٤/ ١١٦) من طريق سفيان الثوري، عن عطاء به. وهذا الحديث إسناده صحيح، وقد طرأ على عطاء بن السائب اختلاط، لكن شعبة سمع منه قبل الاختلاط، قال الإمام أحمد: (من سمع منه قبل الاختلاط فجيِّد، ومن سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء)، وممن سمع منه

стр. 3207

قبل الاختلاط سفيان وشعبة، وممن سمع منه بعد الاختلاط جرير بن عبد الحميد … (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بقصعة) بفتح القاف، إناء من خشب يوضع فيه الطعام، وتقدم لها ذكر في باب "الغصب". قوله: (من ثريد) هو فعيل بمعنى مفعول، تقول: ثردت الخبز ثردًا من باب (قتل) وهو أن تفته ثم تبلَّه بمرق، والاسم الثُّردة، بالضم. قوله: (ولا تأكلوا من وسطها) بفتح السين، والسكون فيه جائز، والوسط: بالتحريك ما بين طرفي الشيء وهو منه، وقد تقدم بحثه في "الجنائز" وأنه يقال: جلست وسْط القوم، بالتسكين؛ لأنه ظرف بمعنى بين، ويقال: لا تأكل من وَسَطِ الطعام، بالفتح، لما تقدم. قوله: (فإن البركة تنزل في وسطها) أي: فإن بركة الله تعالى وخيره على هذا الطعام تكون في وسط القصعة وتصل من وسطها إلى جوانبها. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب الأكل من جوانب القصعة وكراهة الأكل من وسطها، هذه هي السنة، وهو الأدب الشرعي الذي ندب إليه الرسول ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الأكل من وسطها، وقال: "إن البركة تنزل وسطها"، ومن هذه البركة: أن يكون الطعام قليلًا فيكفي لكثيرين، ومنها: استمراء الطعام، ومنها: أنه إذا بقي منه بقية فإنها تكون نظيفة لم تمسها يد، فيستفيد منها من يأتي بعد الآكلين، أما البدء من الوسط فإنه يفسد الطعام ويقذره، فيلقى ولو كان كثيرًا. وهذا النهي في الحديث محمول على التنزيه عند الجمهور؛ لأنه أدب

стр. 3208

وإرشاد، ونص الشافعي على التحريم، فإنه قال: (فإن أكل ما يلي غيره أو من رأس الطعام أَثِمَ بالفعل الذي فعله إذا كان عالمًا بنهي النبي ﷺ ) (١). وهذا القول قوي، يتمشى مع قاعدة الأصوليين في أن الأمر يراد به الوجوب إلا بدليل يصرفه عن غيره، وأن النهي يراد به التحريم إلا بدليل يصرفه عن غيره. لكن استثنى العلماء ما إذا كان الطعام أنواعًا، فقالوا: لا بأس بالأكل من أعلى الصحفة، ومثل ذلك لو كان فوق الطعام لحم -مثلًا- جاز الأكل منه. والله تعالى أعلم.

стр. 3209

ما جاء في كراهية ذم الطعام ١٠٥٧/ ١٤ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهى شَيئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الأطعمة"، باب (ما عاب النبي ﷺ طعامًا) (٥٤٥٩)، ومسلم (٢٠٦٤) من طريق الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم، وفي رواية لمسلم من طريق الأعمش، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة ﵁: "وإن لم يشتهه سكت". ° الوجه الثاني: الحديث دليل على كمال خلق النبي ﷺ مع أهله ومع غيرهم في مأكله حيث كان لا يعيب الطعام، بل كان إذا اشتهاه أكل، وإن لم يشتهه تركه وسكت، وهذا يدل على عدم عنايته ﷺ بالأكل، وأنه إنما كان يأكل ما يقيم أَوَدَهُ، ولا يهتم بما وراء ذلك من تحسين الطعام وكونه على الوجه المطلوب. وأما قوله ﷺ في الضب: "إني أعافه" فليس هذا من عيب الطعام، وإنما هو من باب الإخبار عن طبعه. وهذا الأدب متروك لدى كثير من الناس، فترى الواحد منهم لا يفتأ من عيب الطعام ويتشدد في كونه على المطلوب، ولا يتغاضى عن أبي تقصير، فهذا مالح، وذاك حامض، وهذا رقيق، وذاك غليظ، وهذا كثير، وذاك قليل، وفي هذا مجانبة للهدي النبوي الذي هو الكمال في خلق الرجل مع أهله،

стр. 3210

وأنه ينبغي له أن يتحمل من أهله ما قد يحصل من النقص أو التقصير، فإن من يعيب الطعام إما أن يعيبه من جهة الخِلقة، وكُلٌ خَلْقُ الله تعالى، أو يعيبه من جهة الصنعة، وهذا فيه كسر قلب الصانع بعد ما بذل جهده في إعداده وتقديمه، ثم قد يكون هذا الطعام الذي لا يشتهيه هو يشتهيه غيره، فسكوته عن عيبه من حسن الأدب مع الطعام ومع من أعدَّ الطعام ومع المشاركين له فيه. ومسألة عيب الطعام غير مسألة تنبيه الطباخ أو تنبيه زوجته إلى ما ينبغي مراعاته إذا حصل في وقت آخر غير وقت تقديم الطعام، بأن الطعام يحتاج إلى زيادة كذا، أو نقص كذا، ونحو ذلك مما هو مطلوب، ولا يدخل في باب الذم، وإنما هو من باب التوجيه والإرشاد، والله تعالى أعلم.

стр. 3211

النهي عن الأكل بالشمال ١٠٥٨/ ١٥ - عَنْ جَابرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه عن وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الأشربة"، باب (آداب الطعام والشراب وأحكامهما) (٢٠١٩) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على تحريم الأكل بالشمال، وكذا الشرب؛ لما في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (١). وفي هذا أبلغ التنفير وأشد التحذير من الأكل والشرب بالشمال، إذ كيف يليق بالمسلم أن يتشبه بأعدى عدو له وهو الشيطان، الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. ° الوجه الثالث: وجوب الأكل والشرب باليمين، والنهي عن الأكل أو الشرب بالشمال ورد فيه أحاديث كثيرة، وهي تدل دلالة قوية على تحريم هذا الفعل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأكل والشرب باليمين مندوب؛ لأن النهي فيه من باب الأدب والإرشاد، ولأنه من باب تكريم اليمين وتشريفها

стр. 3212

على الشمال (١). وذهب جماعة من أهل العلم منهم ابن عبد البر، وابن حزم، وابن أبي موسى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم إلى وجوب الأكل والشرب باليمين، وتحريم الأكل والشرب بالشمال، قال ابن القيم: (وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد) ولما ذكر ابن علَّان الاستحباب قال: (وقيل: وجوبًا؛ لما في غيره من الشَّرَهِ ولحوق الضرر بالغير، وانتصر له السُّبكي، وعليه نص الشافعي في "الرسالة" ومواضع من "الأم" .. ) (٢) وهذا قول قوي؛ لأن الأدلة الواردة في هذا الباب صحيحة وصريحة في الدلالة على المراد، وذلك كما يلي: أولًا: أن النبي ﷺ نهى عن استعمال الشمال في الأكل والشرب، وبيَّن أنه من عمل الشيطان، وعليه فمن أكل أو شرب بشماله فقد تشبه بالشيطان. ثانيًا: صيغ الأمر الواردة في هذا الباب مع صيغ النهي، ولا صارف لها عن ظاهرها الذي هو الوجوب والتحريم. ثالثًا: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند النبي ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك" قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكِبْرُ" قال: فما رفعها إلى فيه (٣). فهذا الذي امتنع من الأكل بيمينه وأصر على الأكل بشماله كبرًا وعنادًا، دعا عليه النبي ﷺ لأنه لم يكن له عذر، وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ حتى شُلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم، وهذا دليل واضح على أن

стр. 3213

هذا قد ترك واجبًا، وارتكب محرمًا، فاستحق أن يُدعى عليه لمخالفته الحكم الشرعي، وعدم قبوله ما أمره به النبي ﷺ ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب "الأدب" من كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى. ومما يؤسف عليه أن الأكل بالشمال والشرب بالشمال من العادات التي انتشرت بين المسلمين، وهذا من الجهل بالسنة، أو قلة المبالاة وضعف العناية بآداب الشريعة، فينبغي الإنكار على من فعل ذلك، كما أنكر النبي ﷺ ، والأكل باليمين أيسر وأحسن وأخف، لكن طاعة الشيطان وتزيينه والميل إلى ما يخالف الشرع تحسِّن هذه العادة وتزينها عند كثير من الناس. وإذا كانت اليد اليمنى فيها طعام فليس هذا بعذر للشرب بالشمال، كما يفعله بعض الناس؛ لأنه بإمكانه إمساك الإناء بمعاونة اليد اليسرى، على أنه في زماننا هذا وجدت هذه الكؤوس من البلاستيك فيمكن إمساكها باليمين ولو حصل لها شيء من التأثر؛ لأنها سترمى في الغالب ولا تستعمل مرة ثانية (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3214

النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه ١٠٥٩/ ١٦ - عَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ" مُتَّفَقٌ عَلَيه. ١٠٦٠/ ١٧ - وَلأبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوَهُ، وَزَادَ: "أوَ يُنْفَخَ فِيهِ" وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي قتادة ﵁ فقد رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الوضوء"، باب (النهي عن الاستنجاء باليمين) (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" وهذا الحديث تقدم سياقه بتمامه في باب (قضاء الحاجة) من كتاب "الطهارة" رقم (٩٥)، وأعاده الحافظ هنا مقتصرًا على القدر المطلوب دون ما يتعلق بالطهارة. وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه أبو داود في كتاب "الأشربة"، بابٌ (في النفخ في الشراب والتنفس فيه) (٣٧٢٨)، والترمذي (١٨٨٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُتنفسَ في الإناء أو يُنفخَ فيه) قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). ° الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن التنفس في الإناء الذي

стр. 3215

يشرب منه، وإنما السنة التنفس خارج الإناء، وذلك بأن يُبِينَ القدح ويبعده عن فيه ويتنفس خارجه، وذلك أن التنفس في الإناء فيه ثلاثة محاذير: ١ - أن التنفس في الإناء يقذر الشراب على من بعده؛ لأنه لا يأمن أن يسقط فيه شيء من الفم أو الأنف. ٢ - أن النفس ربما حمل أمراضًا يتلوث بها الإناء وما فيه. ٣ - أنه يخشى عليه من الشَّرَقِ؛ لأن الماء نازل، والنفس صاعد، فإذا التقيا فقد يَشْرَقُ الإنسان، ويتساقط اللعاب في الإناء، وكل هذا منافٍ للأدب. والسنة أن الإنسان إذا شرب فلا يشرب في نَفَسٍ واحد، بل يشرب في نَفَسين أو ثلاثة، مع فصل القدح عن فيه؛ لأن هذا أخف على المعدة، وأنفع لريّه، وأحسن في الأدب، وأبعد عن فعل أرباب الشَّرَهِ، وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: "إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ" قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا) (١). ومعنى (يتنفس في الشراب) أي: يتنفس في شربه ثلاثًا، وفي رواية: (في الإناء) وليس معناها أنه يتنفس في الإناء -كما قيل- لبيان الجواز، أو لأنه ﷺ يكن يُتقذر منه شيء، والصواب الأول، بدليل بقية الحديث (٢). وعلى هذا فلفظ: (الشراب) ليس المراد به الشيء المشروب، وإنما المراد به المصدر الذي هو الشرب؛ أي: يتنفس في شربه ثلاثًا، وهذا حسن معنى، فصيح لغة، فإنه يقال: شَرِبَ شُرْبًا وشَرَابًا بمعنى واحد، وذُكِرَ الإناء في الرواية الثانية؛ لأنه آلة الشرب. وقوله: (أروى) من الريّ؛ أي: أكثر ريًّا. و (أبرأ) أي: أبرأ من ألم العطش، وأسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب بنفس واحد.

стр. 3216

و (أمرأ) أي: أجمل سياغًا، وأخف على المعدة، يقال: استمرأت الطعام أو الشراب: إذا استحسنته واستطبته. ° الوجه الثالث: في حديث ابن عباس ﵄ دليل على النهي عن النفخ في إناء الطعام أو الشراب، وذلك حماية للطعام أو الشراب من مخالطة أنفاس النافخ التي يحصل بسببها تغير، ولا سيما إذا كان النافخ متغير الفم برائحة مأكول -مثلًا- أو لبعد عهده بالسواك، أو لصعود نفسه ببخار المعدة، وبالجملة فالشراب لا يسلم من أنفاس النافخ. وهذا النهي عن النفخ محمول- على رأي الجمهور- على ما إذا أكل أو شرب مع غيره، أما لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر منه شيئًا فلا بأس، ورجح الحافظ التعميم؛ لأنه لا يؤمن أن يبقى من طعامه أو شرابه بقية أو يحصل التقذر من الإناء أو نحو ذلك، وتبعه على ذلك شارح "جامع الترمذي" محمد المباركفوري، وقال: (هذا هو المتعين عندي، والله تعالى أعلم) (١). والنفخ إنما يكون لأحد معنيين، فإن كان من حرارة الشراب، فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبعه إن كان ما وراءه أحد يشرب منه، وإلا أماطه بعود ونحوه، ولا حاجة به إلى النفخ، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاةُ أراها في الإناء، فقال: "أهرقها"، قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: "فَأَبِنِ القدح إذن عن فيك" (٢). هذا وسيذكر الحافظ في باب (الأدب) من كتاب "الجامع" أحاديث أخرى تتعلق بآداب الأكل والشرب، ولو جمعها في موضع واحد لكان أولى. والله تعالى أعلم.

стр. 3217

باب القسم القسم: بفتح فسكون، مصدر قسم، من باب (ضرب)، وهو بمعنى القسمة؛ أي: العطاء، يقال: قسم القسام المال بين الشركاء: فرَّقه بينهم وعين أنصباءهم. والمراد هنا: القسم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة. والأصل في وجوب القسم الكتاب والسنة والنظر، أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والمعنى: صاحبوهن وعاملوهن بما يقره العرف والشرع، وليس من المعروف أن يقسم لهذه ليلتين ولهذه ليلة واحدة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والقسم بين الزوجات بالسوية من العدل الذي أمر الله تعالى به. وأما السنة فأحاديث الباب، وأما النظر فهو أن كلًّا منهما زوجة، وقد تساوتا في الحق على هذا الرجل، فيجب أن تتساويا في القسم؛ كالأولاد يجب العدل بينهم في العطية (١). وهذا الباب مختص بمن عنده أكثر من زوجة، ولهذا أفرده العلماء عن باب (عشرة النساء) وربما جمع بينهما، والأحاديث الواردة في القسم منها ما هو من السنة القولية، ومنها ما هو من السنة الفعلية، وهي معاملة الرسول ﷺ لزوجاته وعدله بينهن، وما أحوج من عَدَّد في الزواج إلى معرفة أحكام القسم والعدل بين الزوجات، ليبرئ ذمته من حقوق العباد المبنية على الشح وعدم

стр. 3218

المسامحة، كما أن من النساء من تسئ العشرة إذا تزوج عليها وتطالبه بأكثر مما أوجبه الشرع لها، والعدل كل العدل التزام ما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وبذلك يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقه، وتدوم العشرة.

стр. 3219

مشروعية القسم بين الزوجات ١٠٦١/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَلكِنْ رَجّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالهُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب (القسم بين النساء) (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤)، والنسائي (٧/ ٦٤)، وابن ماجه (١٩٧١)، وابن حبان (١٠/ ٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧) من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد (١)، عن عائشة ﵂. وهذا الحديث إسناده صحيح، ورجاله ثقات، لكن قد اختلف في وصله وإرساله، فقد روي موصولًا بذكر عائشة ﵂ من طريق حماد بن سلمة كما مرَّ، وروي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، أن النبي ﷺ كان يقسم … هكذا مرسلًا (٢). وقد صحح الحديث ابن حبان والحاكم، وسكت عنه الذهبي. وقد ذكر ابن كثير هذا الحديث من طريق حماد بن سلمة، وقال:

стр. 3220

(إسناده صحيح، ورجاله ثقات) (١). ورجح أبو زرعة والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم والدارقطني وغيرهم رواية الإرسال (٢)؛ لأن حماد بن زيد ثقة ثبت فقيه، كما في "التقريب"، وحماد بن سلمة ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، وقد تابع حماد بن زيد على إرساله إسماعيل بن علية، عن أيوب، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦)، وابن جرير (٩/ ٢٨٦)، ورواه ابن جرير -أيضًا- من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عن أبي قلابة، كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: اللهم … قال أبو زرعة: (لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله) (٣). ويشهد للقسم الأول من الحديث: حديث عائشة الآتي بعد أربعة أحاديث: (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم … ) رواه أحمد وأبو داود وسنده حسن. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (كان يقسم بين نسائه) أي: زوجاته، فيعطي كل واحدة نوبتها. قوله: (فيعدل) أي: يسوي بينهن في القسمة، وتقدم قول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم). قوله: (اللهم هذا) اسم الإشارة عائد على العدل المفهوم من واقع المتحدث عنه بقولها: (فيعدل)؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. قوله: (فيما أملك) أي: فيما أقدر عليه. قوله: (فلا تلمني) أي: لا تؤاخذني ولا تعاتبني.

стр. 3221

قوله: (فيما تملك ولا أملك) قال أبو داود: (يعني: القلب)، وقال الترمذي: (إنما يعني به الحب والمودة، كذا فسره بعض أهل العلم). قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عباس: في الحب والجماع (١). والمعنى: أن محبة القلب لا يمكن تفريقها بين النساء على السواء، فقد يكون لها أسباب من تحبب الزوجة إلى زوجها ومن لينها وعنايتها وشبابها، وغير ذلك. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل بينهم فيما يملك، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم، لكن هذا أمر ثابت بأدلة أخرى، سيأتي شيء منها إن شاء الله، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فيكون الحديث دليلًا على مشروعية قسم الرجل بين زوجاته، ووجوب العدل في القسم بينهن، وعدم الميل إلى إحداهن، وأن هذا طريق العشرة بالمعروف والتآلف بين القلوب، والسلامة من المشاكل التي تنشأ من التفضيل. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عدم وجوب التسوية بين النساء في المحبة؛ لأنها لا تملك، وقد كانت عائشة ﵂ أحب نسائه ﷺ إليه، وأُخذ من هذا أنه لا يجب التسوية بينهن في الوطء؛ لأنه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلب القلوب، وهذا مذهب الجمهور (٢). والقول الثاني: التفصيل، وهو أنه إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه لكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل (٣). ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين إذا كان ذلك فيما يمكن الزوج؛ كالمبيت والطعام والكسوة؛ لأن الرسول ﷺ اعتذر إلى ربه فيما لا يملك، فدل على أن ما يملكه الزوج يطالب

стр. 3222

فيه بالعدل لقدرته عليه، فيدل على تحريم الميل، قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيلِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: إذا ملتم بعض الميل فيما لا تملكون من المحبة القلبية فلا تميلوا كل الميل فيما تملكون من العدل؛ كالقسم بينهن في المبيت والنفقة ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: تتركوا التي ملتم عنها كالمعلقة التي لا هي مزوجة ولا مطلقة في قلقها وعدم استقرارها (١)، والمقصود من ذلك أن العدل مطلوب من الزوج فيما هو داخل تحت قدرته كالقسم والنفقة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] أما الميل القلبي إلى واحدة دون الأخرى فلا حرج فيه؛ لأن الحب أمر اضطراري، لا اختياري يتصرف فيه الإنسان باختياره. ° الوجه السادس: اختلف العلماء في وجوب القسم على النبي ﷺ على قولين: الأول: وجوب القسم عليه، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث الباب حيث كان ﷺ يقسم ويعدل ويعتذر عما لا يستطيع العدل فيه مما لا يملكه، وعندي أن الحديث ليس صريحًا في الوجوب، مع ما فيه من المقال المتقدم؛ لأن النبي ﷺ قد يكون قسم تطييبًا لقلوبهن، ثم اعتذر إلى ربه بما قال: قال الحافظ: (إن معظم الأخبار تدل على أن القسم كان واجبًا على النبي ﷺ ) (٢). القول الثائي: أنه لا يجب عليه القسم، ولكنه كان يقسم من قبل نفسه لكمال خلقه، وحسن عشرته، ولتطييب نفوس زوجاته، وليتأسى به غيره، واستدل هؤلاء بما يلي: ١ - ظاهر قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] فقد ذكر المفسرون أن المراد بهذه الآية التوسعة على رسول الله ﷺ في ترك القسم؛ أي: إن أمر القسم بين

стр. 3223

أزواجه إليه، إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم، وأن معنى الآية: لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت. وقد جاء هذا المعنى عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس ومجاهد والحسن، وقد أخرج هذه الآثار ابن جرير، وذكره ابن الجوزي، ونسبه لأكثر العلماء (١)، وقال الشوكاني: (هذا قول جمهور المفسرين في معنى هذه الآية، وهو الذي دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره … ) (٢). وقيل: إن معنى الآية: التوسعة عليه في هبة المرأة نفسها؛ أي: لك أن تقبل هبة من تشاء، وتترك هبة من تشاء، والأول أظهر؛ لأنه لم يرد للواهبات ذكر بلفظ الجمع يرجع إليه الضمير في قوله: ﴿مِنْهُنَّ﴾ فالظاهر أن المراد به الزوجات المتقدم ذكرهن في الآية قبلها. قال القرطبي: (هذا أصح ما قيل في الآية) (٣). واختار ابن جرير أن الآية عامة في هذا وهذا، قال ابن كثير: (وهذا الذي اختار ابن جرير حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث) (٤). ٢ - حديث أنس ﵁ المتقدم في "العشرة" أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد. ووجه الاستدلال: أن كونه يدور على نسائه في الساعة الواحدة ينافي وجوب القسم عليه. ٣ - ما ورد عن معاذة بنت عبد الله العدوية، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا (٥).

стр. 3224

٤ - قالوا: ولأن في وجوب القسم عليه شغلًا عن لوازم الرسالة (١). والأدلة كما ترى ليست بصريحة في واحد من القولين، وعلى أي حال فقد قسم النبي ﷺ بين زوجاته وعدل، وهو الأسوة والقدوة لأمته، وإذا كان غير واجب عليه فهو واجب على غيره، لإقامة العدل الذي أمر الله تعالى به، ولما فيه من المصالح العظيمة. والله تعالى أعلم.

стр. 3225

وجوب العدل بين الزوجات فيما يُقدر عليه ١٠٦٢/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (١٣/ ٣٢٠)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (القسم بين النساء) (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقد أعل هذا الحديث بأن همام بن يحيى تفرد برفعه، قال البزار: (لا نعلم رواه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة، ولا طريقًا عنه إلا هذه الطريق، يعني طريق همام) (١). ورواه الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٤٤٩) من طريق سعيد، عن قتادة قال: كان يقال: إذا كان عند الرجل امرأتان .. فذكر نحو حديث همام، وذكره الترمذي في "جامعه" (٣/ ٤٤٧) معلقًا عن هشام الدستوائي، عن قتادة بمثله، وهشام ثقة ثبت كما في "التقريب". والظاهر أن رَفْعَ همامٍ له لا يضر؛ فإنه كما قال الترمذي: (ثقة حافظ)، فلا يضر تفرده ولا مخالفته لغيره، فقد حفظ زيادة يجب قبولها.
следующие страницы →