قوله: (فيما تملك ولا أملك) قال أبو داود: (يعني: القلب)، وقال الترمذي: (إنما يعني به الحب والمودة، كذا فسره بعض أهل العلم). قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عباس: في الحب والجماع (١). والمعنى: أن محبة القلب لا يمكن تفريقها بين النساء على السواء، فقد يكون لها أسباب من تحبب الزوجة إلى زوجها ومن لينها وعنايتها وشبابها، وغير ذلك.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل بينهم فيما يملك، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم، لكن هذا أمر ثابت بأدلة أخرى، سيأتي شيء منها إن شاء الله، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فيكون الحديث دليلًا على مشروعية قسم الرجل بين زوجاته، ووجوب العدل في القسم بينهن، وعدم الميل إلى إحداهن، وأن هذا طريق العشرة بالمعروف والتآلف بين القلوب، والسلامة من المشاكل التي تنشأ من التفضيل.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عدم وجوب التسوية بين النساء في المحبة؛ لأنها لا تملك، وقد كانت عائشة ﵂ أحب نسائه ﷺ إليه، وأُخذ من هذا أنه لا يجب التسوية بينهن في الوطء؛ لأنه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلب القلوب، وهذا مذهب الجمهور (٢).
والقول الثاني: التفصيل، وهو أنه إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه لكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل (٣).
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين إذا كان ذلك فيما يمكن الزوج؛ كالمبيت والطعام والكسوة؛ لأن الرسول ﷺ اعتذر إلى ربه فيما لا يملك، فدل على أن ما يملكه الزوج يطالب
стр. 3222
فيه بالعدل لقدرته عليه، فيدل على تحريم الميل، قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيلِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: إذا ملتم بعض الميل فيما لا تملكون من المحبة القلبية فلا تميلوا كل الميل فيما تملكون من العدل؛ كالقسم بينهن في المبيت والنفقة ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: تتركوا التي ملتم عنها كالمعلقة التي لا هي مزوجة ولا مطلقة في قلقها وعدم استقرارها (١)، والمقصود من ذلك أن العدل مطلوب من الزوج فيما هو داخل تحت قدرته كالقسم والنفقة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] أما الميل القلبي إلى واحدة دون الأخرى فلا حرج فيه؛ لأن الحب أمر اضطراري، لا اختياري يتصرف فيه الإنسان باختياره.
° الوجه السادس: اختلف العلماء في وجوب القسم على النبي ﷺ على قولين:
الأول: وجوب القسم عليه، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث الباب حيث كان ﷺ يقسم ويعدل ويعتذر عما لا يستطيع العدل فيه مما لا يملكه، وعندي أن الحديث ليس صريحًا في الوجوب، مع ما فيه من المقال المتقدم؛ لأن النبي ﷺ قد يكون قسم تطييبًا لقلوبهن، ثم اعتذر إلى ربه بما قال: قال الحافظ: (إن معظم الأخبار تدل على أن القسم كان واجبًا على النبي ﷺ ) (٢).
القول الثائي: أنه لا يجب عليه القسم، ولكنه كان يقسم من قبل نفسه لكمال خلقه، وحسن عشرته، ولتطييب نفوس زوجاته، وليتأسى به غيره، واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - ظاهر قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] فقد ذكر المفسرون أن المراد بهذه الآية التوسعة على رسول الله ﷺ في ترك القسم؛ أي: إن أمر القسم بين
стр. 3223
أزواجه إليه، إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم، وأن معنى الآية: لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت. وقد جاء هذا المعنى عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس ومجاهد والحسن، وقد أخرج هذه الآثار ابن جرير، وذكره ابن الجوزي، ونسبه لأكثر العلماء (١)، وقال الشوكاني: (هذا قول جمهور المفسرين في معنى هذه الآية، وهو الذي دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره … ) (٢).
وقيل: إن معنى الآية: التوسعة عليه في هبة المرأة نفسها؛ أي: لك أن تقبل هبة من تشاء، وتترك هبة من تشاء، والأول أظهر؛ لأنه لم يرد للواهبات ذكر بلفظ الجمع يرجع إليه الضمير في قوله: ﴿مِنْهُنَّ﴾ فالظاهر أن المراد به الزوجات المتقدم ذكرهن في الآية قبلها. قال القرطبي: (هذا أصح ما قيل في الآية) (٣).
واختار ابن جرير أن الآية عامة في هذا وهذا، قال ابن كثير: (وهذا الذي اختار ابن جرير حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث) (٤).
٢ - حديث أنس ﵁ المتقدم في "العشرة" أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
ووجه الاستدلال: أن كونه يدور على نسائه في الساعة الواحدة ينافي وجوب القسم عليه.
٣ - ما ورد عن معاذة بنت عبد الله العدوية، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذلك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا (٥).
стр. 3224
٤ - قالوا: ولأن في وجوب القسم عليه شغلًا عن لوازم الرسالة (١).
والأدلة كما ترى ليست بصريحة في واحد من القولين، وعلى أي حال فقد قسم النبي ﷺ بين زوجاته وعدل، وهو الأسوة والقدوة لأمته، وإذا كان غير واجب عليه فهو واجب على غيره، لإقامة العدل الذي أمر الله تعالى به، ولما فيه من المصالح العظيمة. والله تعالى أعلم.
стр. 3225
وجوب العدل بين الزوجات فيما يُقدر عليه
١٠٦٢/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (١٣/ ٣٢٠)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، باب (القسم بين النساء) (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وقد أعل هذا الحديث بأن همام بن يحيى تفرد برفعه، قال البزار: (لا نعلم رواه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة، ولا طريقًا عنه إلا هذه الطريق، يعني طريق همام) (١).
ورواه الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ٤٤٩) من طريق سعيد، عن قتادة قال: كان يقال: إذا كان عند الرجل امرأتان .. فذكر نحو حديث همام، وذكره الترمذي في "جامعه" (٣/ ٤٤٧) معلقًا عن هشام الدستوائي، عن قتادة بمثله، وهشام ثقة ثبت كما في "التقريب".
والظاهر أن رَفْعَ همامٍ له لا يضر؛ فإنه كما قال الترمذي: (ثقة حافظ)، فلا يضر تفرده ولا مخالفته لغيره، فقد حفظ زيادة يجب قبولها.
стр. 3226
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فمال إلى إحداهما) أي: فلم يعدل بينهما، بل مال إلى إحداهما دون الأخرى.
قوله: (شِقُّه) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف؛ أي: جانبه ونصفه.
قوله: (مائل) أي: مفلوج، والفالج: مرض يحدث في أحد شقي البدن يبطل حركته وإحساسه، وربما كان في الشقين، ويحدث بغتة.
وعند الترمذي وغيره: "وشقه ساقط" والمعنى -والله أعلم- أن أهل العرصات يوم القيامة يرونه كذلك، فيكون هذا زيادة في التعذيب، نسأل الله الحافية (١).
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب التسوية بين الزوجات فيما يقدر عليه الزوج، وتحريم الميل مع إحداهن، لما ثبت من الوعيد لمن تعمد الجور والظلم، وأن ذلك من أسباب العقوبة الظاهرة يوم القيامة، نسأل الله السلامة.
ومعلوم أن الوعيد لا يكون إلا على فعل محرم أو ترك واجب، والميل محرم، فيكون العدل واجبًا.
قال الموفق: (لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات خلافًا) (٢).
° الوجه ابرابع: في الحديث دليل على وجوب التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة؛ لأن ذلك أبلغ في العدل وأبعد عن الميل، وهذا قول الحنفية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
ووجه الاستدلال: أن الميل هنا مطلق، فيشمل الميل في كل شيء، سواء أكان في النفقة أم الكسوة أم المسكن، وغير ذلك مما هو داخل في
стр. 3227
مقدور الزوج، وتجنب الميل يستلزم التسوية حتى لا يكون مائلًا إلى إحداهما.
والقول الثاني: أنه لا يجب على الزوج التسوية بين زوجاته في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية؛ لأن التسوية بينهن في النفقة تشق، إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: الأولى أن يسوي بينهن؛ لأن ذلك أبلغ في العدل (١).
والصواب في هذا أن الزوج مطالب بالعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه، وفي هذا من المصالح ما لا يخفى، فإن في العدل التأسي بالنبي ﷺ ، وفي العدل حسن العشرة وسلامة الصدور وراحة الزوج، وعدم العدل يوغر الصدور بين الزوجات، ويجعل الحياة الزوجية في نكدٍ.
قال ابن تيمية: (وأما العدل في النفقة فهو السنة أيضًا، اقتداء بالنبي ﷺ فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة … وتنازعوا في العدل في النفقة هل هو واجب، أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة) (٢).
والذي يظهر -والله أعلم- أن العدل في النفقة معناه: أن ينفق على كل واحدة من زوجاته بقدر حاجتها وحاجة أولادها بالمعروف، إن كان عندها أولاد، ولهذا قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" وهذا هو العدل، لكن لو اشترى لواحدة شيئًا ينقص بيتها وهو موجود عند الأخرى كالغسالة أو الثلاجة ونحوهما، ولم يمكن إصلاحها لم يلزمه أن يشتري للأخرى مثلها؛ لما في ذلك من المشقة، ولما يترتب عليه من الإسراف، وقد ورد عن الإمام أحمد ما يدل على ذلك (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3228
مقدار الإقامة عند الزوجة الجديدة
١٠٦٣/ ٣ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَال: مِنَ السُّنَّة إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أقَام عِنْدَهَا سَبْعًا، ثمَّ قَسَمَ، وإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيَبَ أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (إذا تزوج البكر على الثيب) (٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١) من طريق أبي قلابة، عن أنس ﵁ به.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من السنة) هذا اللفظ يقتضي أن الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ فهو في حكم قال رسول الله ﷺ كذا، وجعله بعضهم موقوفًا، وهذا ليس بشيء، ومستندهم أن اسم السنّة متردد بين سنة الرسول ﷺ وسنة غيره، كما قال رسول الله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين … " (١). ولكن احتمال سنة النبي ﷺ أظهر لأمرين:
١ - أن إسناد ذلك إلى سنة النبي ﷺ هو المتبادر إلى الفهم، فكان الحمل عليه أولى.
٢ - أن سنة النبي ﷺ أصل، وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنته،
стр. 3229
والصحابي يقصد بهذا اللفظ نقل الشريعة، فكان إسناد ذلك إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع، والله أعلم (١).
ولذا قال أبو قلابة راويه عن أنس -على ما في البخاري-: (لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ ) ومعناه: أن هذه اللفظة وهي قوله: (من السنة) صريحة في رفعه، فلو شئت أن أقولها بناء على الرواية بالمعنى لقلتها، ولو قلتها لكنت صادقًا، إلا أن المحافظة على قول أنس أولى، وقد روى هذا الحديث عن أنس جماعة، وقالوا فيه: قال رسول الله ﷺ (٢). لكن فيه فرق بين (من السنة كذا) وبين رفعه؛ لأن قوله: إنه رفعه، نص في رفعه، وقوله: (من السنة) يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل.
قوله: (البكر والثيب) تقدم معناهما عند الحديث (٩٨٧).
قوله: (سبعًا) أي: سبع ليال؛ لأن عماد القسم هو الليل، ويدخل فيها الأيام، وقد ورد في رواية: (سبعة أيام) وقاعدة تأنيث العدد وتذكيره إنما هي إذا ذكر المعدود، أما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وتقدم -في الصيام- حديث: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال" أي: ستة أيام (٣).
قوله: (ثم قسم) أي: دار على نسائه ليلة ليلة، أو أكثر حسب الاتفاق.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على إيثار الزوجة الجديدة على الأولى، فإن كانت بكرًا أقام عندها سبعًا، وإن كانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا؛ لأن هذا حق لها بسبب الزفاف، وهذا من المعروف الذي أمر الله تعالى به في قوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وما دل عليه الحديث من أن للبكر
стр. 3230
سبع ليال، وللثيب ثلاث ليال، هو مذهب الجمهور (١).
وهذه التفرقة بين البكر والثيب؛ لأن البكر بحاجة إلى من يؤنسها ويزيل وحشتها وخجلها لكونها حديثة عهد بالزواج، بخلاف الثيب فهي أقل حاجة من ذلك، ولأن رغبة الرجل في البكر أكثر من رغبته في الثيب، فأعطاه الشارع هذه المدة حتى تطيب نفسه ويشبع رغبته (٢).
والقول الثاني: للحنفية، وهو أنه لا فضل للجديدة في القسم (٣)، فإن أقام عندها قضاه للباقيات، لوجوب العدل بين الزوجات، وهذا قد فضلها بمدة فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعًا، ولأن سبب وجوب التسوية اجتماعهما في نكاحه، وقد تحقق ذلك بنفس العقد، والقديمة أولى بالتفضيل؛ لأن الوحشة في جانبها أكثر حيث أدخل عليها غيرها.
والقول الثالث: أن للبكر ثلاثًا، وللثيب ليلتين، وبه قال سعيد بن المسيب والأوزاعي وجماعة (٤)، لحديث عائشة ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "البكر إذا نكحها رجل وله نساء، لها ثلاث ليال، وللثيب ليلتان" (٥).
والصواب هو القول الأول، لقوة دليله وما تبعه من تعليل، وأما تعليل الحنفية فهو في مقابلة نص فلا يلتفت إليه، وأما حديث عائشة ﵂ فهو ضعيف جدًّا، كما قال الحافظ (٦)؛ لأن في سنده محمد بن عمر الواقدي، قال عنه في "التقريب": (متروك مع سعة علمه).
° الوجه الرابع: الحديث عام في أن الثلاث للثيب، لكن خُصَّ منه ما إذا أرادت أن يكمل لها السبع، فإذا أجابها سقط حقها من الثلاث، وقضى السبع لغيرها، بدليل الحديث الذي بعد هذا.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الزوج لا يستأنف القسم إلا
стр. 3231
بعد تمام السبع للبكر والثلاث للثيب، ولا يقضي هذه المدة للباقيات؛ لأن قوله: (للبكر .. ) يدل على أن الإقامة حق للمرأة إن شاءت طلبته، وإن شاءت تركته.
° الوجه السادس: المراد بإيثار المقام عند الزوجة الجديدة ما كان متعارفًا عليه، أما المبيت فلا خلاف في دخوله في الإقامة، وأما النهار فالإنسان مطالب بوظائفه الدينية والدنيوية، وما زاد على هذا فهي أحق به من غيرها، والعرف له أثر في مثل هذه الأمور، ومَنْ عمله في الليل وراحته في النهار؛ كالحراس وبعض الجنود ونحوهم، فهذا تكون إقامته بالنهار، ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره.
وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز للزوج أن يدخل ليلًا على الضرة في زمن من لها النوبة إلا لضرورة، وأما دخوله في النهار فيجوز للحاجة؛ كدفع نفقة أو عيادة أو إيقاظ أولاد أو تعليمهم، أو نحو ذلك، فيلا فإن الأصل أن النهار تبع الليل، ودخوله في النهار على غير صاحبة النوبة خلاف العدل المأمور به شرعًا (١)، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح إن شاء الله.
° الوجه السابع: ظاهر الحديث وجوب موالاة السبع والثلاث؛ لأن الحكمة في مشروعية هذه المدة لا تتحقق إلا بالموالاة ولا سيما في حق البكر، ولو فرق وجب الاستئناف ما لم يتخذ ذلك حيلة. والله تعالى أعلم.
стр. 3232
تخيير الثيب في الإقامة عندها بين الثلاث والسبع
١٠٦٤/ ٤ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوّجَهَا أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَال: "إنَّهُ لَيسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبّعْتُ لِنِسَائِي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه مسلم في كتاب "الرضاع"، باب (قدر ما تستحق البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف) (١٤٦٢)(٤١) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة ﵂، به.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إنه) هذا ضمير الأمر والشأن.
قوله: (ليس بك) أي: لا يتعلق بك، ولا يقع بك.
قوله: (على أهلك هوان) المراد بأهلها: زوجها رسول الله ﷺ ؛ لأن كل واحد من الزوجين أهل لصاحبه، والهوان: النقص والاحتقار، والمعنى: لا يلحقك عندي هوان ولا يضيع من حقك شيء، بل تأخذينه كاملًا، ثم بين ﷺ حقها وأنها مخيرة، وقيل: إن الباء في قوله: (بأهلك) للسببية، والمراد بأهلها: قبيلتها، والمعنى: لا يلحق أهلك بسببك هوان (١).
стр. 3233
قوله: (إن شئت سبعت لك) أي: إن النبي ﷺ خيرها بين أن يبقى عندها سبع ليال، وإذا بقي عندها سبع ليال قضى ذلك لكل امرأة من نسائه.
وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال: "إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث" وهذه الرواية تفيد سبب الحديث، وأن النبي ﷺ قال لها ذلك لما أخذت بثوبه تستزيده من المقام عندها، فتلطف للرد عليها بهذا الكلام الحسن، وبيَّن لها الحكم في ذلك.
وقد جاء في رواية عند مسلم -أيضًا-: "إن شئت سبعت عندك، وإن شئت ثلثت، ثم دُرْتُ" قلت: ثلِّثْ.
والثلاث فيها مزية بعدم القضاء، وفي السبع مزية لها بتواليها، وكمال الإنس فيها، فاختارت الثلاث لكونها لا تُقضى، وليقرب عوده إليها، فإنه يطوف عليهن ليلة ليلة ثم يأتيها.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب ملاطفة الأهل وبيان ما يجب لهم وما لا يجب، والتخيير فيما هو لهم، حتى لا يقع في النفوس شيء، فمن كان عنده أكثر من زوجة، بين لهن أحكام العشرة وأحكام القسم، حتى تعرف المرأة حكم الله تعالى في ذلك، ولا تتهم زوجها بأنه ظلمها وهو بريء من ذلك.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الزوج يخير الزوجة الجديدة بعد الثلاث إذا كانت ثيبًا، فإن شاءت كمل عندها سبعًا، ثم أقام عند كل واحدة من نسائه سبعًا، وسقط حقها من الثلاث؛ لأنها لما طلبت الزيادة لغى حقها من الإيثار، وهو ثلاث ليال.
وإن شاءت اكتفت بالثلاث ولا يقضي، بل يدور على نسائه كل واحدة ليلتها فقط، ذلك لأن الحق لها كما تقدم في قوله: "للبكر سبع، وللثيب ثلاث" فإذا خيرها واختارت السبع سقط حقها من الثلاث.
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على حسن خلق النبي ﷺ وملاطفته لأزواجه بالكلام الجميل، فإنه ﷺ مهَّد لما سيقول لها من حكم الشرع بهذا التمهيد الحسن، وهو قوله: "ليس بك هوان على أهلك". والله تعالى أعلم.
стр. 3234
جواز هبة المرأة يومها لضرتها
١٠٦٥/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك) (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ به، وهذا لفظ البخاري.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن سودة … ) هي سودة بنت زمعة بن قيس بن لؤي العامرية، كانت تحت السكران بن عمرو بن لؤي العامري، ولما بُعث النبي ﷺ أسلمت هي وزوجها، وخرجا إلى الحبشة مهاجرين في الهجرة الثانية، ثم قدما مكة، فمات بها زوجها ﵁، فتزوجها النبي ﷺ بعد موت خديجة ﵂ ودخل عليها في مكة وهاجرت معه، وطالت حياتها معه، وكان قد عُقد له على عائشة ﵂ إلا أنه لم يدخل بها إلا في المدينة، فهي بعد عائشة في العقد وقبلها في الدخول اتفاقًا، ولهذا جاء في "صحيح مسلم" قول عائشة ﵂: (وكانت أول امرأة تزوجها بعدي) (١)، ومعناه: عقد عليها بعد أن عقد على عائشة، توفيت بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: خمس وخمسين ﵂ (٢).
стр. 3235
قوله: (وهبت يومها لعائشة) أي: تنازلت عن نوبتها لرسول الله ﷺ لتكون هذه النوبة لعائشة ﵂ مع نوبتها الثابتة لها، ولم يبين في هذه الرواية سبب هذه الهبة، لكن جاء في رواية عند البخاري من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: (وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ ) (١). وفي رواية لمسلم: (لما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة … ). وعند أبي داود من حديث عائشة الآتي: (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم … وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنَّت وفَرِقَتْ أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: نقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها أُراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]) (٢).
وهذا فيه بيان سبب الهبة وأنها ﵂ خافت لما كبر سنها أن يفارقها رسول الله ﷺ فوهبت يومها لعائشة على أن تبقى معه، وتبقى مع نسائه يوم القيامة، كما جاء في رواية ابن سعد (٣).
لكن اعتبار قصة سودة هي سبب نزول الآية فيه نظر، فإنه مخالف لحديث عائشة ﵂ الآتي الذي يفيد العموم، ثم إن الحديث من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة -كما سيأتي- وقد تفرد بذلك من بين أصحاب هشام (٤).
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم وهبة نوبتها لضرتها إذا رضي الزوج بذلك؛ لأن له حقًّا في الزوجة، وليس لها أن تسقط حقه منها إلا برضاه، وهذا أمر مجمع عليه (٥)؛ لأن سودة ﵂ وهبت قسمها لعائشة ﵂، فقبل النبي ﷺ ذلك، فكان يقسم لعائشة يومين، يومها، ويوم سودة الذي وهبته لها، واختارت سودةُ عائشةَ ﵂ لأنها
стр. 3236
أحب نسائه إليه، فأرادت أن تهبه لمن يحب ﵊، وهذا من فقهها وشفقتها على الرسول ﷺ ، أما كونه من فقهها فلأن الرسول ﷺ لو طلقها لم تبق من أمهات المؤمنين، ولم تكن زوجة له في الآخرة، كما تقدمت الإشارة إليه في رواية ابن سعد، وأما كونه شفقة على رسول الله ﷺ فلأنها وهبته لأحب نسائه إليه (١).
وإذا كانت ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة والى الزوج بينهما، وإن كانت لا تليها لم يجز الموالاة بينهما إلا برضى الباقيات، فتبقى ليلة الواهبة للموهوبة في موضعها؛ لأن في تقديمها تأخيرًا لحق غيرها، وتغييرًا لليلتها بغير رضاها، فلم يجز، وهذا هو الراجح (٢).
وإذا رجعت الواهبة في هبتها جاز، وقسم لها زوجها قسمًا مستقبلًا، ولا يقضي ما مضى؛ لأنها بمنزلة الهبة المقبوضة، وإنما جاز لها الرجوع في المستقبل مع أنها هبة؛ لأن الهبة هنا لم تقبض، فإن الأيام تتجدد يومًا بعد يوم، فلها أن ترجع فيما يستقبل.
ويرى ابن القيم أن المسألة إذا كانت صلحًا فإنه لا تملك الرجوع، وذلك بأن تقول له: أنا أتفق معك على هبة يومي لفلانة وتبقيني في حبالك، فوافق على هذا الصلح؛ لأن الله تعالى سماه صلحًا، فقال سبحانه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] فيلزم كما يلزم الصلح، وإلا لم يكن فيه فائدة، ثم إن عودتها بما وهبت قد يكون من أسباب المعاداة بين الزوجات، والشريعة منزهة عن ذلك.
وما قاله ابن القيم وجيه في نظري، فإن الهبة تلزم ولو لم تقبض على القول الراجح الذي سلف في باب (الهبة)؛ لأن الرجوع فيها من باب إخلاف الوعد، وهو محرم شرعًا؛ لأنه من علامات النفاق، ولو أخبر الزوج الواهبة
стр. 3237
حال الهبة أنه لا رجوع لها لكان وجيهًا؛ لأن هذا قد يخفى على النساء (١).
° الوجه الرابع: يجوز للمرأة أن تهب قسمها للزوج، فيتصرف فيه كما يشاء، وله أن يجعله لمن شاء من زوجاته؛ لأنه لا ضرر على الباقيات في ذلك، إن شاء جعله للجميع، وإن شاء خص به واحدة منهن، وكونه للجميع أقرب إلى العدل وأبعد عن الميل، فإذا كن أربعًا ووهبت الرابعة يومها لزوجها قسم لثلاث، وكذا لو خيرهن بين كون قسم الواهبة للجميع وبين القرعة فمن قرعت صارت ليلة الواهبة لها (٢).
وقد استدل العلماء على جواز مصالحة المرأة لزوجها إذا خافت منه أن يطلقها بما تراضيا عليه من إسقاط قسم أو نفقة أو غير ذلك؛ بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا﴾. وقد جاء في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ قالت: (الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك) (٣).
ومعنى: ﴿نُشُوزًا﴾ أي: ترفعًا عند أداء حقوقها.
ومعنى: ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: صدودًا عنها فلا يقوم بحقوقها، وهو معنى قولها: (ليس بمستكثر منها) أي: في المحبة والمعاشرة والملازمة. والله تعالى أعلم.
стр. 3238
جواز الدخول على غير صاحبة النوبة إذا كان يعامل نساءه كذلك
١٠٦٦/ ٦ - عَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَال: قَالتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا ابْنَ أُخْتي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يُفَضِّل بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِن مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَينَا جَمِيعًا فَيَدْنُوَ مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيرِ مَسِيسٍ، حَتى يَبْلُغَ الَّتي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتُ عِنْدَهَا، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.
١٠٦٧/ ٧ - ولمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دارَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ. الْحَدِيثَ.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الحديث الأول: فقد أخرجه أحمد (٤١/ ٢٨٣)، وأبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ (في القسم بين النساء) (٢١٣٥)، والحاكم (٢/ ١٨٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة ﵂: … فذكرت الحديث. وفي تمامه: (ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقَتْ أن يفارقها رسول الله … ) الحديث، وتقدمت هذه الزيادة قريبًا.
وهذا لفظ أبي داود، ولفظ أحمد: (كان رسول الله ﷺ ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا امرأة امرأة، فيدنو ويلمس من غير مسيس، حتى يُفضي إلى التي هو يومها فيبيت عندها).
стр. 3239
وهذا الحديث سنده حسن، عبد الرحمن بن أبي الزناد متكلم فيه، فقد ضعفه جماعة؛ كابن معين وأحمد والنسائي، ووثقه آخرون كالترمذي والعجلي، وصحح الترمذي له أحاديث (١)، وهذا الحديث من روايته عن هشام، وهو ثبت في هشام، قال ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد، لكنه خالف الثقات من أصحاب هشام بن عروة في ذكره قصة سودة سببًا لنزول آية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وقد سبق ذكر هذا.
وأما الحديث الثاني: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب (وجوب الكفارة على من حَرَّمَ امرأته ولم ينو الطلاق) (١٤٧٤)(٢١) من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، فكان إذا صلى العصر … الحديث بتمامه، وهو حديث طويل.
ورواه البخاري (٥٢٦٨) من طريق علي بن مُسْهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، ولفظ الكتاب هو لفظ مسلم.
ولعل الحافظ ذَهَلَ عن كونه عند البخاري، وإلا فعلى منهجه كان حقه أن يقول: متفق عليه، واللفظ لمسلم، وذَكَرَ هذه الرواية؛ لأن فيها تحديد الوقت، فهي مفسرة لما قبلها.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (يا ابن أختي) تريد عروة بن الزبير، وأمه أسماء أخت عائشة ﵂، ولهذا ذكر الحافظ اسم التابعي ليتضح المراد من قولها: (يا ابن أختي).
قولها: (من مكثه عندنا) أي: جلوسه عند زوجاته في منازلهن.
قولها: (وكان قلَّ يومٌ) بالرفع فاعل (قلَّ) لأن هذا فعل جامد يرفع
стр. 3240
فاعلًا، فإن اتصلت به (ما) فهي إما مصدرية، والمصدر المؤول فاعل، أو كافة، ولا فاعل له، نحو: قَلَّمَا يتخلف الطالب المجد.
قولها: (يطوف علينا) أي: يدور علينا في بيوتنا.
قولها: (من غير مسيس) المراد بالمسيس: الجماع، والمعنى: أنه يدنو من كل زوجة من زوجاته فيقبلها أو يلمسها دون أن يجامعها، وقد دل على هذا المعنى رواية أحمد المتقدمة: (فيدنو ويلمس من غير مسيس).
قوله: (إذا صلى العصر) وقع في رواية حماد بن سلمة، عن هشام (الفجر) أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره"، وحكم الحافظ عليها بانها شاذ" (١).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الزوج يحرص على العدل بين زوجاته وألا يفضل بعضهن على، بعض لا في المبيت ولا في غيره، وتقدم الكلام في هذا.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على حسن عشرته ﷺ وعنايته بأزواجه، فقد كان يدور عليهن كل عصر يتفقد أحوالهن وينظر في مطالبهن، ونحو ذلك، مما يدل على حسن العشرة، لا سيما أنه لو لم يأتيهن كل يوم لطالت عليهن غيبته لتعددهن.
وقد جاء في حديث أنس ﵁ أنهن كن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها (٢). وهذا يدل على حسن عشرتهن ومحبتهن للخير، فإن الاجتماع به ﷺ فيه الاستفادة من نصائحه وتوجيهاته، ولعله كان بتوجيه منه ﷺ ، ولا ريب أن هذا مما يؤلف القلوب، ويزيل الوحشة، فإن اجتماعهن عند صاحبة الليلة يكسبهن تعارفًا وتواصلًا وتآلفًا.
° الوجه الخامس: لم يرد ما يدل على تخصيص هذا بالنبي ﷺ ، بل فيه دليل على أنه يجوز للرجل أن يدخل على المرأة في غير نوبتها إذا كان يعامل
стр. 3241
جميع زوجاته كذلك، وله إذا دخل عليهن أن يقبل أو يلمس أو يداعب بدون جماع؛ لأن الجماع حق لصاحبة النوبة، وهذا من حسن العشرة ومن العدل بين الزوجات.
والمشهور من المذهب أنه ليس للزوج أن يدخل في ليلة المرأة إلى بيت ضرتها إلا لحاجة داعية، كما تقدم (١). وذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الصواب في هذا الرجوع إلى عادة الوقت وعرف الناس، وإذا كان دخوله على الأخرى ليلًا أو نهارًا لا يعده الناس جورًا ولا ظلمًا، فالرجوع إلى العادة أصل كبير في كثير من الأمور، خصوصًا في المسائل التي لا دليل عليها، وهذه من هذا الباب (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3242
مشروعية القسم في حال المرض
١٠٦٨/ ٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "أَينَ أَنَا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "النكاح"، بابٌ (إذا استأذن الرجل نساءه في أن يُمَرَّضَ في بيت بعضهن فأذنَّ له) (٥٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٣) من طريق هشام بن عروة، أخبرني أبي، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه … وتمامه: فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: (فمات في اليوم الذي كان يدور عليَّ فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نَحْرِي وسَحْرِي، وخالط ريقه ريقي) وهذا لفظ البخاري.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: "أين أنا غدًا" الذي في البخاري: "أين أنا غدًا؛ أين أنا غدًا"؟. وعند مسلم: "أين أنا اليوم؛ أين أنا غدًا"؟
قوله: (يريد يوم عائشة) في مسلم: (استبطاءً ليوم عائشة). قال الطيبي: (كان الاستفهام استئذانًا منهن لأن يأذنَّ له أن يكون عند عائشة، يدل له قوله: "فَأذِنَّ له") (١).
стр. 3243
قوله: (فأذن له أزواجه) أي: بعد أن استأذنهن، كما في رواية أبي داود الآتية، وعند ابن سعد من طريق الزهري: استأذن نساءه أن يكون في بيت عائشة، ويقال: إنما قالت ذلك لهن فاطمة، فقالت: إنه يشق على رسول الله ﷺ الاختلاف (١)، ولا منافاة بينهما؛ لأنه يمكن الجمع بأن النبي ﷺ استأذن واستأذنت له فاطمة ﵂.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المريض يقسم بين نسائه، وأن المرض ليس عذرًا في ترك القسم؛ لأن الغرض منه المبيت والعشرة وليس الجماع فقط، ولأن النبي ﷺ مرض وأشتد مرضه ومع ذلك كان يقسم حتى إنه كان ينسى صاحبة النوبة، ويقول: "أين أنا غدًا؛ أين أنا غدًا" كما تقدم في رواية البخاري، ومعلوم أن المرض يشغل الإنسان، ويضعف الذاكرة، ثم استأذن أزواجه أن يكون عند عائشة فأذنَّ له، وقد جاء عند أبي داود وأحمد من حديث عائشة ﵂: "إني قد اشتكيت، وإني لا أستطيع أن أدور بينكن، فائذنَّ لي فلأكنْ عند عائشة" (٢).
فإذا ثقل المريض وعجز عن الطواف على نسائه فظاهر ترجمة البخاري أن الرجل يستأذن نساءه في أن يُمَرَّضَ في بيت إحداهن، فإن أذن وإلا أقرع بينهن، فمن قَرَعَتْ استقر عندها؛ لأن القرعة من باب العدل، وبها تطيب النفوس؛ لأن اختيار واحدة منهن قد يثير شيئًا في أنفس الباقيات، وهذا كله من كمال الشريعة، ومن حسن العشرة التي شرع الله جل وعلا. والله تعالى أعلم.
стр. 3244
القرعة بين النساء عند السفر بإحداهن
١٠٦٩/ ٩ - وَعَنْهَا قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَينَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. مُتَّفَّقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع كثيرة، وأولها في كتاب "الهبة"، باب (هبة المرأة لغير زوجها) (٢٥٩٣)، وفي كتاب "التفسير"، باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠) من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ … فذكرته، وهو جزء من حديثها الطويل في حادثة الإفك.
وأخرجه البخاري (٥٢١١) من طريق ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة .. الحديث.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الرجل إذا أراد السفر بإحدى نسائه أنه يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها، ولأن السفر ببعضهن من غير قرعة فيه تفضيل وميل، وهذا لا يجوز.
أما بالنسبة للنبي ﷺ فمن قال: بوجوب القسم عليه فالأمر واضح، ومن قال: إن القسم ليس واجبًا عليه، قال: إن هذه القرعة من مكارم أخلاقه، ولطف شمائله، وحسن معاملته.
стр. 3245
والقول بوجوب القرعة هو قول أكثر العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة، وأحد الأقوال عن مالك، وذهب مالك في رواية عنه إلى أن له السفر بمن شاء منهن بلا قرعة؛ لأنها قد تكون أنفع له في سفره والأخرى أنفع له في بيته وماله (١).
والصواب هو القول الأول، لقوة دليله، وهو أن الزوج إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت لها القرعة تعين تقديمها، ولو أراد السفر بغيرها لم يجز، وإن وهبت حقها لغيرها جاز إذا رضي الزوج؛ لأن الحق لها، فصحت هبتها له، كما لو وهبت ليلتها في الحضر، ولا يجوز بغير رضا الزوج، كما تقدم في هبة الليلة.
وإن رضين بخروج إحداهن معه بلا قرعة فلا بأس؛ لأن الحق لهن، إلا أن لا يرضى الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، فيصار إلى القرعة، وكذا لو كان كثير الأسفار، وأراد أن يجعل لكل واحدة سَفْرَةً فإنه يجوز؛ لأن هذا حق متميز لا خفاء فيه.
والقرعة غير موجبة، بمعنى أنه لو أقرع بينهن وخرجت القرعة لواحدة منهن لم يجب عليه السفر بها، بل له تركها والسفر وحده.
وإذا سافر بإحدى نسائه لم يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه، بل يبدأ قسمًا جديدًا، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على ذلك (٢)؛ لأن عائشة ﵂ لم تذكر أن الرسول ﷺ كان يقضي للباقيات بعد قدومه، ولأن هذه التي سافر بها وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد تعبت لمشقة السفر، ولا يحصل لها من الراحة مثل ما يحصل في الحضر، فلو قضى للحاضرات لكان قد مال على المسافرة كل الميل (٣).
° الوجه الثالث: هذا الحديث من أدلة القائلين بمشروعية القرعة لتمييز
стр. 3246
الحقوق (١)، والقرعة: بضم العين وإسكان الراء: استهام يتعين به نصيب الإنسان (٢)، ولها طرق كثيرة، والقول بمشروعيتها هو قول الجمهور من أهل العلم، لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١] أي: فقارع فكان من المغلوبين، والاستدلال بهاتين الآيتين مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه (٣).
وثبتت مشروعية القرعة في السنة في أحاديث كثيرة، وقد بوب البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (القرعة في المشكلات) وساق في الباب عدة أحاديث إضافة إلى الآيتين السابقتين (٤). ومنها حديث الباب، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (٥).
وفعلها الصحابة ﵃ فقد قال البخاري في "صحيحه": (ويذكر أن أقومًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد) (٦)، وسيأتي للقرعة ذكر في باب "الدعاوى والبينات" ثم في "العتق" إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
стр. 3247
النهي عن المبالغة في ضرب الزوجة
١٠٧٠/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب القرشي الأسدي ﵁، أمه أخت أم سلمة زوج النبي ﷺ ، كان من أشراف قريش، وكان يسكن المدينة، وليس له في البخاري سوى حديث واحد، وهو هذا الحديث، مات سنة خمس وثلاثين ﵁ (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد رواه البخاري في كتاب "النكاح"، باب (ما يكره من ضرب النساء) (٥٢٠٤) من طريق سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة، عن النبي ﷺ ، قال: … وذكر الحديث، وتمامه: "ثم يجامعها آخر اليوم".
ورواه مسلم (٢٨٥٥) من طريق ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة، قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها … وفيه: ثم ذكر النساء، فوعظ فيهن، ثم قال: "إلام يجلد أحدكم امرأته جلد الأمة -وفي رواية: جلد العبد- ولعله يجامعها من آخر يومه … " الحديث.
وعلى هذا فالحديث متفق عليه، إلا أنه عند البخاري بصيغة النهي أو النفي.
стр. 3248
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يجلد) بصيغة النهي، فالدال ساكنة للجزم، ويجوز الرفع على النفي، وقد جاء مضبوطًا بهما في النسخ المعتمدة (١)، والجلد: مصدر جلد من باب (ضرب)، وهو الضرب بالسوط، واشتقاقه من جلد الحيوان: وهو غشاء جسمه.
قوله: (جلد العبد) مصدر منصوب مبين للنوع؛ أي: مثل جلد العبد، وفي رواية للبخاري: "ضرب الفحل أو العبد"، وفي رواية عند مسلم: "جلد الأمة".
قوله: (ثم يجامعها آخر اليوم) الغرض من هذه الجملة التنفير عن ضرب المرأة، فإن العاقل يبعد منه أن يجمع بين هذا وذاك؛ لأن المجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع ميل النفس والرغبة في المعاشرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الزوج منهي أن يضرب زوجته ضربًا شديدًا كضرب الحيوانات والمماليك؛ لأن زوجته هي سكنه وأم أولاده فلا يليق أن يضربها، بل عليه أن يحسن إليها ويلطف بها ويبتعد عن ضربها مهما أمكن؛ لأن الله تعالى جعل الضرب آخر مراحل علاج النشوز، فقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ولأن عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله … ) (٢)، قال النووي: (فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان مباحًا للأدب فتركه أفضل) (٣).
وقال المناوي: (فيه جواز ضرب النساء والخدم للتأديب، إذ لو لم يكن
стр. 3249
مباحًا لم تَمْدَحْ بالتنزيه عنه، لكن التنزه عنه حيث أمكن أفضل، لا سيما لأهل المروءة والكمال … ) (١).
ودل حديث الباب بمفهومه على جواز ضرب المرأة إلا أنه لا يبلغ به ضرب الحيوانات والمماليك، وقد دل على ذلك القرآن، وقد تقدم الكلام على هذا في باب (عشرة النساء)، والله تعالى أعلم.
стр. 3250
باب الخُلع
الخُلْعُ: بضم الخاء، من الخَلْعِ بفتحها، وهو النزع والإزالة، وهو مأخوذ من خلع الثوب، وهو نزعه وإزالته، يقال: خلع ثوبه خَلعًا بالفتح، وخلع امرأته خُلعًا بالضم، وضُمَّ المصدر تفرقة بين الحسي والمعنوي (١).
وشرعًا: فراق الزوجة على عوض منها أو من غيرها.
والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والخطاب في الآية لذوي السلطان من ولاة الأمور، أو الأقارب، ومعنى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: دفعته فداء عن البقاء مع زوجها.
وأما السّنة فأحاديث الباب.
والحكمة من مشروعيته: أنه من رحمة الله بعباده؛ لأن فيه تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، فإذا كانت الحال غير مستقيمة وكرهت المرأة زوجها لِخَلْقِهِ أو لخُلُقه أو دينه أو كبره أو ضعفه ونحو ذلك وخشيت ألا تؤدي حق الله تعالى في طاعته، جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه، وقد سَمَّى الله تعالى الخلع افتداء؛ لأن المرأة تفتدي نفسها من أسر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله، والله تعالى جعل الفداء للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا أبغض المرأة، جعل الخلع بيد المرأة إذا كرهت الرجل.
стр. 3251
والخلع له ألفاظ معينة، مثل لفظ الخلع أو الفداء أو الفسخ وما أشبه ذلك، فإن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق.
والقول الثاني: أنه ليس للخلع ألفاظ معينة، بل كل ما دل على الفراق بعوض فهو خلع حتى ولو وقع بلفظ الطلاق، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 3252
أحكام الخُلْع
١٠٧١/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأةَ ثَابِتِ بْنِ قَيسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابتُ بْنُ قَيسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيهِ في خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الإِسْلَامِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيهِ حَدِيقَتَهُ"؟ فَقَالتْ: نَعَمْ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وفي روَايَةٍ لَهُ: وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا.
١٠٧٢/ ٣ - وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي، وَحَسّنَهُ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجعَلَ النَّبيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيضَةً.
١٠٧٣/ ٣ - وَفي روَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيبِ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ في وَجْهِهِ.
١٠٧٤/ ٤ - وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ: وَكَانَ ذلِكَ أَوّلَ خُلْعٍ في الإِسْلَامِ.
* الكلام عليها من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث ابن عباس ﵄ الأول: فقد رواه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب (الخلع وكيف الطلاق فيه) (٥٢٧٥) حدثنا أزهر بن جميل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
стр. 3253
ورواه -أيضًا- (٥٢٧٦) من طريق خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أن أخت عبد الله بن أُبي … بهذا، وقال: أتردين حديقته، قالت: نعم، فردتها، وأمره يطلقها.
وأما حديثه الثاني: فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب (الخلع) (٢٢٢٩)، والترمذي (١١٨٥) من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب).
وهذا الحديث رجاله ثقات، غير عمرو بن مسلم وهو الجَنَدِي -بالفتح- اليماني، فإنه متكلم فيه، والأشهر تضعيفه، فقد ضعفه أحمد وابن معين في رواية، والنسائي، وقال ابن حزم: (ليس بشيء)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). ووضعه الذهبي ضمن كتابه "من تُكُلِّم فيه وهو مُوَثَّق" وقال: (صدوق، ضعفه أحمد) (٢)، وقال الحافظ: (صدوق له أوهام).
ثم إنه قد اختلف في إسناد هذا الحديث فروي موصولًا كما تقدم، ورواه عبد الرزاق (٦/ ٥٠٦) ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٢٥٦) (٤/ ٤٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٦) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا. وقد ذكر أبو داود هذا المرسل عقب الموصول، وكأنه يعله به، وهذا هو الظاهر؛ لأنه قد اختلف على معمر في هذا الحديث بين عبد الرزاق وهشام، فوصله هشام، وأرسله عبد الرزاق، وقد قال الإمام أحمد: (إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق) (٣). وقال ابن معين: (كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف) (٤). وقال يعقوب بن شيبة: (عبد الرزاق متثبت في معمر جيد الإتقان) (٥). وقول الترمذي بعد الموصول -كما تقدم - (حسن غريب) فيه إشارة إلى ذلك.
стр. 3254
وأما حديث عمرو بن شعيب: فقد رواه ابن ماجه (٢٠٥٧) من طريق الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وإسناده ضعيف؛ لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق مدلس، وقد عنعنه، وبه أعله البوصيري (١).
وأما حديث سهل بن أبي حثمة: فقد رواه أحمد (٢٦/ ١٧ - ١٨) من طريق الحجاج، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة، عن عمه سهل بن أبي حثمة، قال: كانت حبيبة ابنة سهل تحت ثابت بن قيس … وساق الحديث إلى أن قال: فكان ذلك أول خلع في الإسلام.
وهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق مدلس كما تقدم، ومحمد بن سليمان بن أبي حثمة لم يذكروا في الرواة عنه غير اثنين، وهما ابن إسحاق والحجاج، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (أن امرأة ثابت) هكذا أُبهم في هذه الرواية اسم امرأة ثابت، وجاء عند البخاري عن عكرمة مرسلًا أن اسمها جميلة، وهي بنت أُبي، أخت عبد الله بن أُبي بن سلول، ونقله الحافظ في "الإصابة" عن جماعة (٣)، وفي بعض الطرق -كما عند أبي داود وغيره (٤) - أنها حبيبة بنت سهل، وفي بعضها كما عند النسائي (٦/ ١٨٦ - ١٨٧) وابن ماجه مريم المغالية، وقد قيل في الجواب عن ذلك باحتمال أنهما واقعتان: في إحداهما جميلة، وفي الأخرى حبيبة، لاختلاف السياق، ولأن في بعض الطرق أصدقها حديقة، وفي بعضها حديقتين، وأما تسميتها مريم فيمكن رده للأول؛ لأن جميلة من آل عبد الله بن أُبي، وهم من بني مَغالة، نسبة إلى امرأة من الخزرج، فيكون الوهم وقع في اسمها، والذي يظهر أن التعدد فيه نظر، وعليه فلا بد من الترجيح حسب القوة.
стр. 3255
وهذا الخلاف لا يترتب عليه حكم، ولكن ذكرته لوروده في بعض الروايات كما مرَّ.
وثابت بن قيس هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، أول مشاهده أُحد، وبشره النبي ﷺ بالجنة في قصة شهيرة ثابتة في "الصحيحين"، قتل يوم اليمامة شهيدًا سنة ثنتي عشرة، ﵁ (١).
قوله: (ما أعيب عليه) هكذا في "البلوغ" بالياء من العيب، وهو لفظ النسائي (٦/ ١٦٩)، قال الحافظ: (وهو أليق بالمراد) (٢)، والعيب هو الرداءة أو النقص التي يخلو منها الخَلْقُ السليم أو الصُّنْعُ السليم. والذي في البخاري: (ما أَعْتُبُ عليه) بضم التاء المثناة من فوق، ويجوز كسرها، من العتاب، وهو اللوم على تصرف مكروه.
قوله: (في خلق) بضم أوله وثانيه، وهو صفة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بغير تكلف.
والمعنى: لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان في دينه، ولكني أكرهه طبعًا، وقد ورد في رواية ابن ماجه: (لا أطيقه بغضًا).
قوله: (ولكن أكره الكفر في الإسلام) لها معنيان:
الأول: أنها خشيت أن يحملها بغضها له على إظهار الكفر، ليفسخ نكاحها منه، لما ورد في رواية: (إلا أني أخاف الكفر).
الثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، فأطلقت على النشوز وبغض الزوج وغيرهما الكفر مبالغة؛ لأن هذه التصرفات تنافي خلق الإسلام؛ أي: فأخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي مقتضى الدين، وهذا المعنى أظهر، لقولها: (أكره) ولقولها: (في الإسلام).
стр. 3256
قوله: (أتردين عليه حديقته) استفهام حقيقي يطلب به الجواب، والحديقة: البستان من النخيل كان عليه حائط أم لا، وقد جاء في رواية عند البزار من حديث عمر ﵁: (وكان تزوجها على حديقة نخل) (١) وعند أبي داود: (فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال النبي ﷺ : "خذهما وفارقها" ففعل) (٢).
قوله: (اقبل الحديقة وطلقها) هذا أمر إيجاب، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فالمراد أنه يجب على الزوج أحد الأمرين، فإذا تعذر الإمساك بمعروف لطلبها الفراق تعين عليه التسريح بإحسان. وقال الحافظ: هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب، والأول أظهر لما تقدم، واختاره الصنعاني (٣)، والشوكاني (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز. والحافظ لم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن ظاهره، ولعله يرى أن الأصل بقاء الزوجية وأن الرسول ﷺ مرشد وناصح لا يُلزم أحدًا بما لا يلزمه. وسياق الحديث يؤيد الوجوب.
قوله: (تطليقة) أي: طلقة واحدة بائنة، وليس طلاقًا رجعيًّا؛ لأنه لو لم يكن بائنًا لم يحصل به المقصود، فإنه بإمكانه أن يأخذ المال، ثم يرجع.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه، وقد أجمع العلماء على ذلك، إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي، فإنه لم يجزه، ولذا قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأُورد عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فادعى نسخها بآية النساء (٥). ولعله لم يبلغه الحديث، هالا فهو قول شاذ خارج عن الإجماع، قال القرطبي: (هذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء) (٦).
стр. 3257
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن المرأة إذا كرهت الرجل وخافت ألا تقوم بحقوقه أن لها طلب الخلع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: فيما دفعته فداء عن البقاء مع الزوج، فإن كانت الحال مستقيمة فالخلع مكروه أو محرم، لما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ فإن نَفْيَ الجناح وهو الإثم يدل على أن الخلع مع استقامة الحال يكون عليهما فيه جناح، ثم غلظ الوعيد، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٢ - حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأسٍ فحرام عليها رائحة الجنة" (١). وهو ظاهر في التحريم، للوعيد الشديد.
٣ - أن الخلع في مثل هذه الحال إضرار بالزوجين، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، وهدم لبيت الزوجية، وتشتيت للأسرة إن كان لها أولاد.
وعند الجمهور أن الخلع يقع مع استقامة الحال، قال الوزير ابن هبيرة: (اتفقوا على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال بين الزوجين) (٢).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وإذا جاز أخذ العوض وقع الخلع، وأجابوا عن الآية المتقدمة بأنها جرت على حكم الغالب (٣).
والقول الثاني: أن الخلع في حال استقامة الحال محرم ولا يقع، فإن
стр. 3258
أوقعه بلفظ الخلع وما أشبهه لم يقع، وإن أوقعه بلفظ الطلاق فهو طلاق، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الحنابلة (١)، واستدلوا بالآية الكريمة، وحديث ثوبان المتقدم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها كما يفتدي الأسير، وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه فهذا الخلع محدث في الإسلام) (٢).
° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن مجرد وجود الشقاق من قِبَلِ المرأة كاف في جواز الخلع، وأنه يجوز للرجل أخذ العوض منها إذا كرهت البقاء معه.
والقول الثاني: أنه لا بد أن يقع الشقاق منهما جميعًا، لقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونسب ابن رشد هذا القول إلى داود الظاهري.
والقول الأول هو الصواب؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ صريح فيما ذكر، وأما الآية فإن المراد فيها أن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج من حسن المعاشرة والطاعة، كان ذلك مقتضيًا لبغض الزوج لها، فنسبت المخافة إليهما لذلك.
ومما يؤيد عدم اعتبار الشقاق من الجانبين أن الرسول ﷺ لم يستفسر ثابتًا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له، ثم إن القول بالجواز إذا وقع الشقاق من قبل المرأة هو اللائق بيسر الإسلام، فإن القول الثاني، فيه حرج على المرأة إذا كرهت الزوج ولم تستطع البقاء معه، ولم يحصل من جانبه شيء.
стр. 3259
° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الخلع لا بد أن يكون على عوض، لقوله ﷺ : "أتردين عليه حديقته"، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وإذا خالعها على غير عوض فأين الفداء؟.
وفي أخذ الزوج الفدية عدل وإنصاف؛ لأن الزوج هو الذي أعطاها المهر وبذل تكاليف الزواج وأنفق عليها، ثم هي بعد ذلك تطلب الفراق، فكان من الإنصاف أن ترد عليه ما أخذت منه؛ لأن ما فعلت منافٍ لشكر نعمة الزوج وإحسانه، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
والقول الثاني: يصح الخلع على غير عوض، وهو رواية في المذهب الحنبلي، اختارها الخرقي، وابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وبه قال مالك (٢)، وذلك لأن الخلع قطع للنكاح، فَصَحَّ من غير عوض كالطلاق، ولأن المقصود من الخلع -وهو تخليص الزوجة نفسها- قد حصل، فصحَّ الخلع كما لو كان بعوض، ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج؛ كغيره من الحقوق، وأجابوا عن الآية بأنها محمولة على الغالب، وهو أن الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض.
° الوجه السابع: ظاهر الحديث أن الزوج يأخذ من زوجته ما أعطاها من الصداق بدون زيادة، لقوله: "أتردين عليه حديقته" وقد اختلف العلماء في أخذ الزيادة على ما أعطاها على أقوال ثلاثة:
الأول: أنه يجوز أخذ الزيادة، وهذا مذهب الجمهور (٣).
واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وهذا عام في القليل والكثير؛ لأن (ما) موصولة، وهي من صيغ العموم، قال مجاهد: (إذا خلعها
стр. 3260
جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، ثم تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). ونقل البخاري عن عثمان ﵁ معلقًا (أنه أجاز الخلع دون عِقَاصِ رأسها) وعِقَاصُ الرأس: بكسر المهملة وتخفيف القاف، وآخره صاد مهملة: جمع عَقْصَةٍ، وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه. ومعناه: أنه أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع من قليل أو كثير، ولا يترك لها سوى عقاص رأسها (٢).
٢ - أن عوض الخلع كسائر الأعواض في المعاملات، فالقدر فيه راجع إلى الرضا، فإذا دفعت المرأة زيادة فلا مانع من أخذها.
القول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها، وهذا قول عطاء والزهري وجماعة (٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤)، وعلى هذا القول لا بد أن يرد الزيادة -على ما قاله بعض الحنابلة- إن كان أخذها، واستدلوا بهذا الحديث، وفيه عند ابن ماجه من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: (فأمره النبي ﷺ أن يأخذ حديقته ولا يزداد) (٥)، وحملوا الآية على معنى: فيما افتدت به من الذي أعطاها، لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فردوا آخر الآية على أولها، أو يقال: الآية عامة، ولكنها خصصت بالسنة التي صرح النبي ﷺ فيها بعدم الزيادة (٦).
والقول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وبه قال بعض السلف (٧). ولعل هؤلاء يأخذون بأحاديث