الوساوس وتركها فإنها تزول بإذن الله تعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى عدم الاستسلام لها بقوله: «فليقل: كذبت».
الوجه السادس: في هذه الأحاديث زيادة على حديث أبي هريرة المتقدم ومن ذلك:
١ - التصريح بأن هذه الشكوك في الطهارة من الشيطان.
٢ - أنه بيّن محل هذه الشكوك وأنه مقعدة الإنسان.
٣ - أنه بيّن طريقة الخروج من هذه الأوهام وهو تكذيب الشيطان، والله تعالى أعلم.
стр. 352
باب قضاء الحاجة
وفي بعض نسخ «البلوغ»: باب «اداب قضاء الحاجة»، وهي أكمل وأدل على المراد.
والآداب: جمع أدب، كاجال وأجل، قال أبو زيد الأنصاري: (الأدب يقع على كل رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل) (١).
والحاجة: كناية عن البول والغائط، وهو مأخوذ من قوله ﷺ : «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» (٢).
وبعضهم يعبر عنه بباب «الاستطابة» وهو طلب الطيب، والمراد بها هنا: تطهير القبل والدبر من أثر البول أو الغائط بحجر أو ماء؛ لأنه طيب المحل من الخبث الطارئ عليه.
والمراد باداب قضاء الحاجة: ما يشرع للمسلم اتباعه من الأقوال والأفعال التي تناسب تلك الحال.
ومجيء الإسلام بهذه الآداب دليل بيّن على كمال هذه الشريعة، ورعايتها لمصالح العباد، واستيعابها لجميع الآداب النافعة، سواء في أمور العبادات أو المعاملات أو الآداب أو الأخلاق، فما من شيء ينفع الناس ويقربهم إلى الله تعالى إلا بينته ورغبت فيه، وما من شيء يضرهم أو يعرّضهم لسخط الله إلا بينته وحذرت منه، وقد ورد في حديث سلمان ﵁
стр. 353
أن المشركين قالوا له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخِراءَة (١)؟ فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم (٢).
стр. 354
كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى
٨٦/ ١ - عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلاْءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلولٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٩) في كتاب «الطهارة» باب «الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء»، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (١/ ١٧٨)، وابن ماجه (٣٠٣)، من طريق همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس ﵁.
وقد أعلّه جماعة من الحفاظ منهم أبو داود في «سننه» بعد سياقه بعلتين:
الأولى: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، فقد قيل: إن ابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد.
الثانية: قلب المتن باخر، وأن الصواب: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق (١)، ثم ألقاه، فوهم همام بن يحيى، ورواه عن الزهري، وترك زياد بن سعد، وأتى بهذا اللفظ: (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)، وقد نقل البيهقي (١/ ٩٥) كلام أبي داود في «سننه» وأقره، وقال: (هذا هو المشهور عن ابن جريج، دون
стр. 355
حديث همام) وقال النسائي كما في «السنن الكبرى» (٨/ ٣٨٤): (هذا الحديث غير محفوظ) ونقل الحافظ عن الدارقطني أنه قال بشذوذه (١) وضعفه النووي وعزا تضعيفه إلى الجمهور (٢).
وقال اخرون: ليس فيه وهم، بل هذا حديث وهذا حديث، فهما مختلفان سنداً ومتناً، فحديث الباب رواه ابن جريج عن الزهري بلا واسطة، والثاني بواسطة.
وكونُ ذِهْنِ همام انتقل من الحديث الثاني إلى الأول مع اختلافهما سنداً ومتناً مردود؛ لأن ذلك لا يكون إلا عن غفلة شديدة لا يحتملها حال همام، فإن هماماً حافظ كبير ثقة، يفهم هذا من هذا، فلا مانع أن يكون عنده الحديثان (٣)، وقد مال إلى ذلك ابن حبان، فذكر كلا الحديثين في «صحيحه»؛ الأول في (٤/ ٢٦٠) والثاني في (١٢/ ٣٠٤)، ومن هؤلاء - أيضاً - المنذري (٤) فإنه نقل تحسين الترمذي لهذا الحديث، ونقل كلام العلماء في همام، ثم قال: (وإذا كان حال همام كذلك فيترجح ما قاله الترمذي .. ).
ومن هؤلاء صاحب «المنهل العذب المورود» فإنه دافع عن الحديث وقال: (إن دعوى غلط همام وتفرده غير مسلمة) (٥).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا أقرب وأولى، إذ توهيم الثقات وتغليطهم يحتاج إلى دليل).
وقد تابع هماماً على لفظ حديث الباب يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، أخرجه البيهقي (١/ ٩٥)، والبغوي في «شرح السنة» (١٨٩) قال في «التقريب» عن يحيى بن المتوكل: (صدوق يخطئ) وتابعه يحيى بن الضُّريس البجلي، عن ابن جريج، عن الزهري، كما ذكره الدارقطني في «العلل»، وابن الضريس قال عنه في «التقريب»: (صدوق) (٦)، لكن يلاحظ
стр. 356
في هاتين المتابعتين أنهما ليستا من أصحاب ابن جريج الكبار، خاصة مع كلام الأئمة وأن هماماً انفرد به، وانفراد البيهقي - وهو من أهل القرن الخامس - بإخراجها مظنة الخطأ في الرواية، والله أعلم.
وفي الحديث علة أخرى وهي عنعنة ابن جريج وهو مدلس، وقد نقل الحافظ عن قريش بن أنس عن ابن جريج: (لم أسمع من الزهري شيئاً، إنما أعطاني جزءاً فكتبته، وأجازه لي) (١). قال الذهبي: (وكان ابن جريج يرى الرواية بالإجازة وبالمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته عن الزهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حَدَثَ في الخط بعدُ شَكْلٌ ولا نقط) (٢)، ولذا قال ابن معين فيما نقله عنه الحافظ: (ابن جريج ليس بشيء في الزهري) (٣).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا دخل الخلاء) أي: أراد دخول الخلاء، والخلاء بالمد: المكان الخالي، نُقِلَ إلى البناء المعد لقضاء الحاجة عرفاً، ويسمى أيضاً المرفق، والكنيف، والمرحاض، وقد ورد لفظ (الكنيف) في حديث أنس، وسيأتي في شرح الحديث «الثاني» إن شاء الله.
قوله: (وضع خاتمه) أي: ألقاه، يقال: وضع الشيء من يده يضعه وضعاً، إذا ألقاه.
وكان ﷺ يضع خاتمه وقتئذٍ صيانةً لاسم الله تعالى عن محل القاذورات، وقد ورد عن أنس ﵁ قال: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر (٤).
وعنه أيضاً ﵁ قال: كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر
стр. 357
بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، قال: فأخرج الخاتم فجعل يعبث به، فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فننزح البئر، فلم نجده (١).
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بكراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى، واستحباب تنحيته، ولم يرد في ذلك إلا الفعل المجرد، فلا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب، وهذا على فرض ثبوت الحديث.
والقول بالكراهية هو المشهور عند العلماء، ومنهم الحنابلة، وهي رواية عن أحمد، نص عليها في رواية إسحاق (٢)، لكن نقل ابن مفلح عن الإمام أحمد أنه لا يكره (٣)، وذكرها ابن رجب، ونسب ذلك إلى كثير من السلف (٤)، قال ابن مفلح: (وعنه: لا يكره دخول الخلاء بذلك، ولا كراهة هنا، ولم أجد للكراهة دليلاً سوى هذا، وهي تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه) (٥) وذكر في «نُكته على المحرر» عن بعض الحنابلة أن إزالة ذلك أفضل، (قال: وهذا قول ثالث، ولعله أقرب). اهـ (٦)، وعلى هذا فلا يلزم من ترك الأفضل الوقوع في المكروه، والله أعلم.
وإن كان فيه شيء من القران فهو أشد، وحكم بعضهم بالتحريم، لحرمة كلام الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، ودخول الخلاء فيه نوع من الإهانة.
وهذا إن تيسر، فإن خاف على ما معه أن يسرق أو تطير به الرياح أو ينساه فلا كراهة؛ لأن من الناس من يغلب عليه النسيان، فيضعه في مكان، ثم ينساه، وكذا المصحف إن خاف أن يسرق دخل به، والأحوط ألا يدخل به مطلقاً، بل يعطيه من يحفظه له حتى يخرج، والله تعالى أعلم.
стр. 358
ما يقال عند دخول الخلاء
٨٧/ ٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «ما يقول عند الخلاء» (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (١/ ٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد (١٩/ ١٣)، كلهم من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: (سمعت أنساً يقول … ) وذكره.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا دخل) أي: إذا أراد الدخول، وهذا إن كان المكان معداً لذلك كما في البيوت الآن، فإن كان في الصحراء - مثلاً - قال ذلك عند الشروع في تشمير ثيابه.
وقد ورد عند البخاري تعليقاً عن سعيد بن زيد: حدثنا عبد العزيز (إذا أراد أن يدخل) وذكر الحافظ أن البخاري وصلها في «الأدب المفرد» (١)، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدثني أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء (٢) … فأفاد ذلك بيان أنه يقول هذا الدعاء قبل الدخول لا بعده.
стр. 359
قوله: (اللهم) أي: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوض عنها الميم للبدء باسم الله تعالى ولكثرة الاستعمال.
قوله: (أعوذ بك) أي: أعتصم بك، وهي جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى؛ لأنها بمعنى الدعاء، فكأنه يقول: اللهم أعذني.
قوله: (من الخُبُثِ) بضم المعجمة والموحدة: جمع خبيث مثل: قضيب وقُضُب، وسرير وسُرُر، وهم ذكران الشياطين، والخبائث: جمع خبيثة، كصحيفة وصحائف، وهن إناث الشياطين، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وقيل: الخُبْث: بإسكان الباء: الشر، والخبائث: الذوات الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله.
وقد ذكر الخطابي: أن الصواب ضم الباء، وأن عامة أصحاب الحديث يقولون: الخُبْث: ساكنة الباء، وهذا غلط (١)، والصواب جواز الوجهين كما يجوز في نظائره؛ لأن الإسكان على سبيل التخفيف جائز كما هو مقرّر عند أئمة التصريف، مثل: رُسُل ورُسْل، وكُتُب وكُتْب، ونحو ذلك، ونقل النووي عن جماعة من أهل المعرفة أن الباء ساكنة، منهم أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (٢) وقال القرطبي عن إسكان الباء: (رُوّيناه به أيضاً) (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء عند دخول المكان المعد لقضاء الحاجة بهذا الدعاء، ومناسبة هذا الدعاء دل عليها حديث زيد بن أرقم ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث» (٤).
ولا فرق في هذه الاستعاذة بين البنيان والصحراء؛ لأن المكان يصير مأوى للشياطين بخروج الخارج وقبل مفارقته إياه.
وقد وردت زيادة التسمية من طريق عبد العزيز بن المختار، عن
стр. 360
عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وقد عزا ابن الملقن هذه الزيادة إلى سعيد بن منصور، وأبي حاتم، وابن السكن (١)، وقال الحافظ: (إسناده على شرط مسلم) (٢).
كما وردت عند ابن أبي شيبة من طريق أبي معشر نجيح ابن عبد الرحمن السندي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الكنيف قال: «باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٣)، وأبو معشر قال فيه الحافظ: (ضعيف أَسَنّ واختلط).
وقد حكم الألباني على زيادة التسمية بالشذوذ، لمخالفتها لكل طرق الحديث عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس (٤) ﵁.
وقد ورد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني ادم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله» (٥).
والتسمية قد وردت في عدة أحاديث، كلها معلولة، ويكفي في ذلك أن حديث أنس ﵁ ورد في الصحيحين والسنن وليس فيه ذكر البسملة، والله أعلم.
وسيأتي في حديث عائشة ﵂ ما يقوله إذا خرج من الخلاء، ولو قدمه المصنف هنا لكان أولى، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأمكنة النجسة كالحمامات والحشوش والمزابل هي مأوى الشياطين، ولذا شرعت الاستعاذة بالله تعالى منهم من ذكرانهم وإناثهم، أو من الشر كله وأهله، وهذا يدل على أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في دفع ما يؤذيهم أو يضرهم، والله تعالى أعلم.
стр. 361
حكم الاستنجاء بالماء من البول أو الغائط
٨٨/ ٣ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «الاستنجاء بالماء» (١٥٠)، ومسلم (٢٧١)(٧٠) من طريق شعبة، عن أبي معاذ - واسمه عطاء ابن أبي ميسرة - قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول … فذكره، واللفظ لمسلم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان يدخل الخلاء) المراد به هنا: المكان الخالي الذي يقضي فيه حاجته في الفضاء، لقوله في رواية أخرى: (كان إذا خرج لحاجته) ولقرينة حمل العنزة مع الماء، ولأن الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله.
قوله: (وغلام نحوي) الغلام: هو الذكر الصغير، قال ابن سِيْده: (هو غلام من لدن الفطام إلى سبع سنين) (١)، ونقل الحافظ عن الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلام، فهو مجاز (٢)، وجمعه: أغلمة وغلمة وغلمان.
وقوله: (نحوي) هي عند مسلم، دون البخاري، ومعناها مقارب لي في
стр. 362
السن، وقد ورد في بعض الروايات: (فأنطلق أنا وغلام من الأنصار)، وفي رواية للبخاري: (تبعته أنا وغلام منّا)، وقد ذكر بعض العلماء أنه عبد الله بن مسعود ﵁ وهذا ليس بشيء، فإنه من السابقين والمهاجرين، وقد مات سنة (٣٢ هـ) وعمره نحو من ستين، فيكون كبير السن يوم وفاة النبي ﷺ ، وأنس له عشر سنوات أو تزيد، وقد ورد في رواية عند مسلم أن أنساً قال: (هو أصغرنا) (١)، وكذا قوله: (من الأنصار) فيبعد لذلك أن يكون هو ابن مسعود، وظاهر صنيع البخاري أنه ابن مسعود ﵁ (٢)، والله أعلم.
قوله: (إداوة) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد، وجمعه أَداوَى بفتحها، كمطية ومطايا.
قوله: (وعَنَزَة) بفتح العين والنون: حربة صغيرة، قال الخوارزمي: (هي الحربة، وتسمى العنزة، وكان النجاشي أهداها للنبي ﷺ ، فكانت تقام بين يديه إذا خرج إلى المصلى، وتوارثها مِنْ بعدُ الخلفاء) (٣).
والغرض من حملها أنه ﷺ كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، وهذا أقوى الأوجه في ذلك، كما ذكر الحافظ (٤)، وقد بوّب البخاري على حديث أنس هذا في كتاب «الصلاة» بقوله: باب «الصلاة إلى العنزة».
قوله: (يستنجي بالماء) أي: يطهر بالماء الذي في الإداوة ما أصاب السبيلين من أثر البول والغائط.
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الاقتصار على الاستنجاء بالماء، ولو لم يتقدم ذلك استجمار بالأحجار ونحوها.
وقد كره ذلك بعض العلماء، وعلة الكراهة عندهم ملامسة النجاسة باليد، قال الحافظ على قول البخاري: باب «الاستنجاء بالماء»: (أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه، وعلى من نفى وقوعه من النبي ﷺ .. ) (٥).
стр. 363
فممن كرهه حذيفة وابن عمر وابن الزبير ﵃، ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء، ذكره الحافظ (١).
وهذا قول ضعيف، والتعليل له غير صحيح، لما يلي:
١ - أن فيه معارضة لهذا الحديث الصحيح.
٢ - أن في الماء إنقاءً تاماً.
٣ - أن مباشرة النجاسة لإزالتها لا محذور فيه.
وسيأتي - إن شاء الله - لذلك مزيد كلام عند اخر حديث في هذا الباب.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يستعد بطهوره عند قضاء حاجته، لئلا يحوجه عدم الاستعداد إلى القيام والتلوث بالنجاسة.
الوجه الخامس: فضيلة أنس ﵁ حيث تشرف بخدمة النبي ﷺ لا سيما ما يتعلق بالطهارة، ومن تراجم البخاري على هذا الحديث (باب من حُمِلَ معه الماء لِطُهوره) (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 364
استحباب البعد والاستتار عند قضاء الحاجة
٨٩/ ٤ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النبيُّ ﷺ : «خُذِ الإدَاوَةَ». فَانْطَلَقَ حَتّى تَوَارَى عَنّي، فَقَضى حَاجَتَهُ. مُتّفَقٌ عَلَيهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، واللفظ المذكور طرف من حديث أخرجه في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في الجبة الشامية» (٣٦٣)، وأخرجه مسلم (٢٧٤)(٧٧) من طريق الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة ﵁.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (حتى توارى عني) أي: استتر عني، إما بشجرة أو بأكمة، أو ببعده ونحو ذلك.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب البعد والتواري عن الناس عند إرادة قضاء الحاجة، لئلا تُرى عورته، أو يُسمع صوته، أو تُشم رائحته، وهذا إن كان في الصحراء، فإن كان في البنيان حصل المقصود بالبناء المعد لقضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.
стр. 365
بيان بعض الأماكن التي يُنهى عن التخلي فيها
٩٠/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اتّقُوا اللاّعِنَيْنِ: الّذِي يَتَخَلّى في طَرِيق النّاس، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
٩١/ ٦ - زَادَ أَبُو دَاودَ، عَنْ مُعَاذٍ: (وَالمَوَارِدِ).
٩٢/ ٧ - وَلأحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أَوْ نَقْعِ مَاءٍ». وَفِيهمَا ضَعْفٌ.
٩٣/ ٨ - وَأَخْرَجَ الطّبَرَانِيُّ النّهْيَ عَنْ تَحْتِ الأشْجَارِ المُثْمِرَةِ، وَضَفّةِ النّهْرِ الجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد العقبة الثانية، وغزوة بدر وما بعدها، بعثه النبي ﷺ في اخر حياته إلى اليمن داعياً ومعلماً وقاضياً، فَوَدّعَهُ ودعا له بقوله: «حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك، ودرأ عنك شرور الجن والإنس»، وعاد في خلافة أبي بكر ﵁، وولاه عمر ﵁ على الشام بعد أبي عبيدة ﵁، ثم مات من عامه في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة عن أربع وثلاثين سنة (١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة» باب «النهي
стр. 366
عن التخلي في الطرق والظلال» (٢٦٩)، وأبو داود (٢٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعاً، ولفظ (اللاعنين) الذي في «البلوغ» هو لفظ أبي داود، وأما لفظ مسلم فهو: (اللعّانين) بصيغة المبالغة.
وأما حديث معاذ فقد أخرجه أبو داود (٢٦) من طريق أبي سعيد الحميري، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاث: البَرَاز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل».
وهذا إسناد فيه ضعف، كما قال الحافظ؛ لأن أبا سعيد الحميري لم يسمع من معاذ ﵁، قال في «التقريب»: (شامي مجهول من الثالثة، وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة). اهـ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، قاله ابن القطان، ونقله عنه الحافظ (١).
والمقصود أن الحديث ضعيف بزيادة (الموارد) وإلا فباقيه صحيح - كما تقدم - في حديث أبي هريرة.
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٨) من طريق عبد الله ابن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني ابن هبيرة، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا الملاعن الثلاث»، قيل: ما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: «أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء».
وهذا إسناد فيه ضعف، كما قال الحافظ؛ لإبهام الراوي عن ابن عباس، قال الهيثمي: (رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، ورجل لم يُسمّ) (٢) وقد تقدم عند الحديث (٣١) أن رواية عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة أعدل من غيرها، كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم؛ لأنه سمع منه قديماً، ومثله عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ، فهؤلاء العبادلة الثلاثة روايتهم
стр. 367
عنه أمثل من غيرها؛ لأنهم سمعوا منه قبل احتراق كتبه، قال الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي: (إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح .. ) وكذا قتيبة بن سعيد، كما ذكر الذهبي (١)، وإلا فابن لهيعة ضعيف لسوء حفظه واحتراق كتبه، فحدث من حفظه فخلّط، وحديثه في المتابعات والشواهد لا ينزل عن رتبة الحسن، أما المحققون فهم على تضعيفه مطلقاً، قبل احتراق كتبه وبعدها. وقد ذكرت هذا فيما مضى، والمقصود أن الحديث ضعيف بزيادة (أو نقع ماء) وإلا فباقيه صحيح، كما في حديث أبي هريرة ﵁.
وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه الطبراني بتمامه في «الأوسط» (٣/ ١٩٩) من طريق الحكم بن مروان الكوفي، قال: حدثنا فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يُتخلى على ضَفَّةِ نهر جارٍ.
وهذا إسناد ضعيف، قال الطبراني عقبه: (لم يروه عن ميمون إلا فرات بن السائب تفرد به الحَكَمُ)، وفرات هذا متروك الحديث، قاله البخاري وغيره (٢).
فهذه الأحاديث - حديث معاذ وابن عباس وابن عمر ﵃ كلها ضعيفة، لكن يشهد لها في المعنى حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، والقواعد الشرعية تؤيدها، وهو أن كل ما يؤذي المسلمين فهو حرام، وهو ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقوله ﷺ : «من اذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم» (٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (اتقوا اللاعنين) هذا لفظ أبي داود، وأما لفظ مسلم فهو (اللعّانين) كما تقدم، قال النووي: (والروايتان صحيحتان) (٤)؛ أي: الأمرين
стр. 368
الجالبين للعن، الحاملين الناسَ عليه، وذلك أن من فعلها لُعن وشُتم؛ لأن عادة الناس لعنه، فيكون من باب المجاز العقلي، لعلاقة السببية، وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون؛ أي: الملعون فاعلهما، وهذا من المجاز العقلي أيضاً.
وأما رواية مسلم (اتقوا اللعّانين) فهي مثنى صيغة المبالغة (لعّان) فمعناها - والله أعلم ـ: اتقوا فعل اللعانين؛ أي: صاحبي اللعن، وذلك من تسمية الشيء باسم سببه.
قوله: (طريق الناس) أي: يتغوط في موضع يمر به الناس، وهو على حذف مضاف؛ أي: تخلي الذي يتخلى في طريق الناس، ووجه النهي: لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره.
قوله: (أو في ظلهم) المراد به: مستظل الناس الذي اتخذوه مكاناً للمقيل والراحة، وإضافة الظل إليهم دليل على إرادة الظل المنتفع به الذي هو محل جلوسهم.
قوله: (البراز في الموارد) جمع مورد، وهو الموضع الذي يَرِدُهُ الناس من عين ماء أو غدير ونحوهما. والبراز: بفتح الباء على الأشهر، هو في الأصل الفضاء الواسع، ويكنى به عن الغائط.
قوله: (أو نقع ماء) أي: مجتمع الماء.
قوله: (تحت شجرة مثمرة) أي: سواء أكانت الثمرة مقصودة أم كانت ثمرة محترمة، فالمراد هي ما يقصدها الناس ولو كانت غير مطعومة كشجر القطن، فلا يجوز لأحد أن يتخلى تحتها؛ لأنها ربما سقطت الثمرة فتتلوث بالنجاسة، ولئلا يتلوث من أراد أن يجمع ثمر هذه الشجرة.
والمحترمة كثمرة النخل والتين ونحوهما؛ لأن هذا طعام محترم، فلا يجوز تلويثه بالنجاسة إذا سقطت، أو تلويث من أراد أن يجني ثمارها.
قوله: (على ضَفَّةِ نهر جار) ضفة: بفتح الضاد المعجمة وكسرها والمراد بها جانب النهر.
الوجه الرابع: دلت هذه الأحاديث على النهي عن التخلي في بعض
стр. 369
الأماكن لما في ذلك من أذية الناس بالتنجيس والاستقذار والنتن، والتسبب في نشر الأمراض وهو مظهر سيئ، منافٍ لتعاليم الإسلام الداعية إلى النظافة، والذي تحصّل من هذه الأحاديث ستة مواضع:
وهي: طريق الناس، والظل، والموارد، ونقع الماء، والأشجار المثمرة، وجانب النهر.
١ - فينهى عن التخلي في طريق الناس، وقارعة الطريق، والمراد ما يطرقه الناس ويمشون فيه، أما الطريق المهجورة فيجوز التخلي فيها عند الحاجة.
٢ - وينهى عن التخلي فيما يستظل به الناس من شجرة أو جدار أو جبل ونحوها مما ينتفع به، ويلحق بالظل متشمس الناس في الشتاء، وكذا الأماكن التي يتردد إليها الناس، كالمنتزهات والحدائق، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطرق الطويلة، أما ما لا ينتفع به ولا يجلس فيه فيجوز التخلي فيه لقوله: «أو في ظلهم».
٣ - وينهى عن التخلي في موارد المياه التي يردها الناس للشرب، كالساقية والآبار، ويلحق بذلك محلات الوضوء التي لم تعدّ لقضاء الحاجة، كما في دورات المياه عند المساجد وغيرها مما يتأذى به الناس.
٤ - وينهى عن التخلي في نقع الماء، ويشمل ذلك ما إذا تخلى فيه أو حوله؛ لأنه إن تخلى فيه أفسده على غيره، وإن تخلى حوله قريباً منه تأذى بذلك من يَرِدُ عليه.
٥ - وينهى عن التخلي تحت الأشجار المثمرة، لئلا تسقط الثمرة على ما خرج منه فتتنجس به، أو يتنجس من أراد أخذ ما فيها، فإن كانت غير مثمرة، أو مثمرة ولا يؤخذ ثمرها جاز التخلي تحتها إذا لم تكن ظلاً لمن يستظل بها.
٦ - وينهى عن التخلي على جوانب الأنهار وشواطئ البحار.
والله تعالى أعلم.
стр. 370
النهي عن التكشف والتحدث حال قضاء الحاجة
٩٤/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَغَوّطَ الرّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدّثَا. فَإنّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذلِكَ». رَوَاهُ وَصَحّحَهُ ابْنُ السّكَنِ، وَابْنُ الْقَطّانِ، وَهُوَ مَعْلولٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث اختلفت فيه نسخ «البلوغ» ففي بعضها: رواه أحمد، وفي بعضها: رواه … بدون ذكر من أخرجه، وهو كذلك في نسخة البلوغ التي عليها شرح المغربي «البدر التمام» ولم يتكلم عليه، بل أورد حديث أبي سعيد. والظاهر أن المراد: رواه ابن السكن، وصححه ابن القطان، وهذا هو المثبت في «الإلمام» لابن دقيق العيد، كما سيأتي إن شاء الله.
أما الصنعاني فقد تكلم في «السبل» عن علة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أخرجه أبو داود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره.
وهذا الحديث معلول بثلاث علل:
الأولى: اضطراب رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، كما قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والنسائي وأبو حاتم وغيرهم (١).
стр. 371
ومن اضطرابه في هذا الحديث أنه رواه عن يحيى، عن هلال - كما هنا - ورواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلى غير ذلك من وجوه الاضطراب التي ذكرها الدارقطني (١).
قال أبو داود بعد سياق الحديث: (هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) يريد بذلك أن الحديث ضعيف، لانفراد عكرمة بإسناده، ولم يعتبر ابن القطان هذا علة، وتبعه الشوكاني قائلاً: (إذ لا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد البخاري بحديثه عن يحيى أيضاً) (٢).
على أن انفراد عكرمة بإسناده غير مسلّم، فقد تابعه على ذلك أبان بن يزيد كما ذكر ابن دقيق العيد (٣)، وتابعه أيضاً الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً.
العلة الثانية: جهالة هلال بن عياض، قال في «التقريب»: (مجهول من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه) ورجح أن اسمه عياض بن هلال، وكذا ذكر البخاري وابن أبي حاتم والخطيب وغيرهم.
وقد نصّ ابن القطان في مواضع من كتابه «بيان الوهم والإيهام» على أن هذه هي العلة الكبرى في الحديث (٤).
العلة الثالثة: الاضطراب في متنه، ففي بعضها المقت على التكشف والتحدث، وفي بعضها لم يذكر التحدث، وفي بعضها لم يذكر التكشف، ذكر ذلك ابن القطان (٥).
وقد ذكر ابن دقيق العيد حديث جابر ﵁ وقال: (أخرجه الحافظ أبو علي بن السكن وصححه الحافظ أبو الحسن القطان) (٦)، وهذا الحديث علقه الدارقطني في «العلل»، ثم رجعت إلى كتاب ابن القطان، فإذا هو قد ساق الحديث بإسناده، فقال: (قال أبو علي بن السكن: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا
стр. 372
مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله .. فذكره).
ثم تكلم ابن القطان عن إسناد هذا الحديث وحكم بصحته، ثم قال:
(الحسن بن أحمد: صدوق لا بأس به.
مسكين بن بكير: لا بأس به، قاله ابن معين.
محمد بن عبد الرحمن: ثقة، وقد صح سماعه من جابر.
وسائر مَنْ في الإسناد لا يُسأل عنه).
وقد نقل الحافظ ابن كثير تصحيح ابن القطان (١)، وعلى هذا فما في البلوغ صحيح ولا سقط فيه، وزيادة (أحمد) في بعض النسخ لا تصح؛ لأن الحديث لا وجود له في المسند من حديث جابر ﵁، بل هو من حديث أبي سعيد، وبهذا يتفق ما في «البلوغ» مع ما في «الإلمام» مع ما في كتاب ابن القطان.
لكن يظهر أن مجيء الحديث من هذا الوجه هو من أوجه الاختلاف في الإسناد، وقد ذكر هذا الدارقطني.
وأما قوله: (وهو معلول) فهذا ينطبق على حديث أبي سعيد كما تقدم، وينطبق على حديث جابر - أيضاً - من جهة الاختلاف فيه على راويه يحيى بن أبي كثير، كما ذكر ذلك الدارقطني، والحافظ في «إتحاف المهرة» (٢).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا تغوط) مشتق من (الغائط) وهو الخارج المستقذر من الإنسان، وأصله المكان المطمئن من الأرض، وإطلاقه على الخارج من باب كراهية تسمية الشيء باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة.
قوله: (الرجلان) تخصيص الرجل بالذكر لا مفهوم له، لكن باعتبار الغالب، وإلا فالمرأتان، والمرأة والرجل أقبح من ذلك.
قوله: (فليتوار) يقال: توارى بمعنى استخفى واستتر، والمعنى ليستتر
стр. 373
كل واحد عن صاحبه. و (يتوار) مضارع مجزوم بـ «لام» الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
قوله: (ولا يتحدثا) لا: ناهية، وجُزِمَ المضارع بعدها بحذف النون.
قوله: (يمقت) مضارع مَقَتَ يَمْقُتُ مقتاً من باب (قتل) يقال: مَقَتَهُ؛ أي: أَبْغَضَهُ أشد البغض عن أمر قبيح.
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب تستر الإنسان وعدم تحدثه مع شخص اخر حال قضاء الحاجة؛ لأن التحدث حال قضاء الحاجة فيه دناءة وقلة حياء، والله تعالى يمقت على ذلك، وهو سبحانه لا يمقت إلا على الأفعال السيئة، وظاهر ذلك التحريم، ولكن حمله الجمهور على الكراهة، ولعل الصارف له عن التحريم ما تقدم عن ابن مفلح ﵀ عند الحديث (٧٦) من أن النهي إذا ورد في حديث متكلم فيه فإنه يحمل على الكراهة، والقول بالتحريم هو اختيار الشوكاني (١)، لأن ظاهر الحديث أن ذلك من الكبائر.
وقد ذكر ابن مفلح (٢) أنهم صرحوا بالكراهة، وأنه لم يجد أحداً منهم ذكر التحريم مع أن دليلهم يقتضيه، وعن الإمام أحمد ما يدل عليه، قال صالح: سألت أبي عن الكلام في الخلاء، قال: يكره، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أحمد عن الكلام في الخلاء قال: لا ينبغي له أن يتكلم. وهذه الصيغة للتحريم (٣).
إن حالة قضاء الحاجة حالة سكون وانكسار بين يدي الله تعالى، واعتراف بضعف ابن ادم، وحالة تفكير بنعم الله تعالى على العبد، حيث يسر له قضاء حاجته بعدما يسر له الأكل والشرب والانتفاع بما أعطاه الله من النعم، لا حالة مؤانسة ومحادثة.
لكن إن وجد حاجة للكلام فلا بأس، بل قد يكون واجباً، كإرشاد أعمى يخشى ترديه في حفرة، أو رؤية نحو عقرب أو حية تقصد إنساناً، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف … أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 374
بيان بعض الآداب في قضاء الحاجة
٩٥/ ١٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع منها، كتاب «الوضوء» باب «النهي عن الاستنجاء باليمين» (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وقد رواه عن يحيى هشامُ الدستوائي، والأوزاعيُّ، وشيبانُ بن عبد الرحمن التميمي، وهذا عند البخاري في «الوضوء» وفي «الأشربة»، ورواه عند مسلم عن يحيى، همامُ بن يحيى، وهشامُ الدستوائي، وأيوبُ بن النجار.
وسيذكر المصنف هذا الحديث مرة أخرى في أحاديث «آداب الأكل والشرب» في باب «الوليمة» مقتصراً على الجملة الأخيرة.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يمسكن) أي: لا يأخذن، وهو مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و (لا) ناهية، وفي لفظ للبخاري ومسلم: (لا يمسّ ذكره بيمينه).
قوله: (وهو يبول) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه»، وهي جملة حالية، معناها لا يأخذ ذكره بيده اليمنى حال بوله.
стр. 375
قوله: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أي: لا يستنج بحجر أو ماء من البول أو الغائط بيده اليمنى، وفي لفظ لمسلم: (نهى أن يستطيب بيمينه).
قوله: (ولا يتنفس في الإناء) أي: لا يخرج النّفَسَ من جوفه في الوعاء الذي يشرب فيه، كإناء اللبن والماء ونحوهما.
الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي البائل أن يمسك ذكره بيمينه حال البول؛ لأن هذا ينافي تكريم اليمين.
وقد حمل جمهور العلماء هذا النهي على الكراهة - كما ذكر النووي وغيره ـ؛ لأنه من باب الآداب والتوجيه والإرشاد، ولأنه من باب تنزيه اليمين وذلك لا يصل النهي فيه إلى التحريم.
وذهب داود الظاهري وكذا ابن حزم (١) إلى أنه نهي تحريم، بناءً على أن الأصل في النهي التحريم.
وقول الجمهور أرجح، وهو أنه نهيُ تأديب وإرشاد، ومما يؤيده قوله ﷺ في الذَّكَرِ: «هل هو إلا بضعة منك»، وتقدم هذا الحديث في «نواقض الوضوء».
والأحوط للمكلَّف ألا يمس ذكره بيمينه حال البول؛ لأن الحديث نهى عنه، ومحل النهي عن مس الذكر باليمين إذا لم تكن ضرورة، فإن كان ثَمّ ضرورة جاز من غير كراهة (٢).
والمرأة كالرجل في حكم مس القبل والدبر باليمين؛ لأن سبب النهي إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار.
الوجه الرابع: قيد النهي عن مس الذكر باليمين في حال البول، لقوله: «وهو يبول» فهل هذا القيد معتبر أو لا؟ قولان:
الأول: أن هذا قيد معتبر، وأن النهي مختص بحالة البول أخذاً بظاهر الحديث؛ لأنه ربما تتلوث يده اليمنى إذا مس ذكره بها، فإن كان لا يبول جاز
стр. 376
لحديث: «هل هو إلا بضعة منك»، وإذا كان بضعة منه فلا فرق بين أن يمسه بيده اليمنى أو اليسرى؛ لأنه دل على الجواز في كل حال، وخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح حديث أبي قتادة، وبقي ما عداها على الإباحة.
القول الثاني: أن النهي عام، وأنه يكره أن يمس ذكره بيمينه مطلقاً في حال البول وغيره، واستدلوا بحديث أبي قتادة هذا، فإن لفظه في إحدى روايات مسلم: (نهى النبي ﷺ أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه .. )، فهذا مطلق لم يقيد بحالة البول. قالوا: وفي تقييده بحال البول تنبيه على الإطلاق وأولى، فإنه إذا نُهي عن المس باليمين حال البول مع أن ذلك مظنة الحاجة فغير ذلك من الحالات أولى.
والظاهر حمل المطلق على المقيد لأنه حديث واحد اختلف عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد، ويكون القيد زيادة من عدل، وهي مقبولة عند أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد (١)، وقال صاحب «المنهل العذب المورود»: (والحق أن هذا من ذكر بعض أفراد العام، لا من المطلق والمقيد؛ لأن الأفعال في حكم النكرات؛ والنكرة في سياق النفي تعم) (٢)، وعلى هذا فذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يفيد التخصيص، كما هو معلوم في «الأصول».
وما دام أن الحديث ورد بالإطلاق والتقييد فالأحوط ألا يمس ذكره بيمينه إلا لعذر كأن تكون اليسرى مشلولة، أو فيها جرح، ونحو ذلك.
الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء باليمين من البول والغائط، سواء بالأحجار أم بالماء، والخلاف فيه - كما تقدم - فالجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، وبه قال بعض الشافعية، كصاحب «المهذب»، فإنه قال: (ولا يجوز أن يستنجي بيمينه)، لكن صرفها النووي - في شرحه ـ (٣) عن ظاهرها
стр. 377
بما يوافق مذهب الجمهور، والأحوط للمسلم ألا يستنجي بيمينه، لورود النهي عنه ﷺ وقد قال: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (١) فإن وجد حاجة - كما تقدم - فلا بأس.
الوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن التنفس في الإناء، وإنما يتنفس خارجه، فإن ذلك سنة ثابتة، وأدب شرعي في الشرب.
والتنفس في الإناء فيه ثلاثة محاذير:
١ - أن التنفس في الإناء يقذر الشراب على من بعده؛ لأنه ربما سقط فيه أثناء النفس شيء من الفم أو الأنف.
٢ - أن النفس ربما حمل أمراضاً يتلوث بها الإناء.
٣ - أنه يخشى عليه من الشّرَقِ؛ لأن الماء نازل، والنفس صاعد، فإذا التقيا فقد يشرق الإنسان ويتساقط اللعاب في الإناء، وكل ذلك منافٍ للأدب.
والسنة للإنسان إذا شرب ألا يشرب في نَفَسٍ واحد، بل يشرب في نفسين أو ثلاثة مع فصل القدح عن فيه؛ لأن ذلك أخف على المعدة، وأنفع لريّه، وأحسن في الأدب، وأبعد من فعل أرباب الشره، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثاً، ويقول: «إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ»، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً (٢).
ومعنى: «أروى»، أي: أكثر ريّاً. «وأبرأَ»: أي: أبرأ من ألم العطش، أو أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، و «وأمرأ»: أي: أجمل انسياغاً، وأخف على المعدة.
وكذا ورد النهي عن النفخ، وهو أشد، كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتنفس في الإناء، أو يُنفخ فيه (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 378
بعض الآداب المتعلقة بقضاء الحاجة ومنها النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار
٩٦/ ١١ - عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظمٍ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ ، أصله من فارس، سافر لطلب الدين فتنصر، وقرأ الكتب، ووقع في يد قوم من العرب، فباعوه من يهود، وقصة إسلامه أخرجها أحمد في «مسنده» بطولها (١) وذكرها ابن سعد (٢). وقد روي من وجوه كثيرة أن النبي ﷺ اشتراه على العتق، أسلم لما قدم المدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، ولم يتخلف بعد ذلك عن أيّ مشهد مع رسول الله ﷺ ، وكان خيّراً فاضلاً حبراً عالماً زاهداً، وذُكر أنه كان من المعمّرين، لكن ردَّ الذهبي هذا، وكان يأكل من عمل يده، ويتصدق بعطائه.
وقد أخرج الطبراني (٣) والحاكم (٤) عن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده أنه لما أشار سلمان بحفر الخندق احتج المهاجرون والأنصار في سلمان ﵁، وكان رجلاً قوياً، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت
стр. 379
الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ : «سلمانُ منا أهلَ البيت» وهذا الحديث ضعيف جداً؛ لأن كثير بن عبد الله المزني قال عنه الدارقطني وغيره: (متروك)، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه لا يتابع عليه)، وقال الشافعي: (من أركان الكذب)، وسيأتي له ذكر في باب «الصلح» من كتاب «البيوع» إن شاء الله، وإنما ذكرت هذا الحديث ليعلم حاله.
مات بالمدينة في اخر خلافة عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين على قول الأكثرين (١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة»، باب «الاستطابة» (٢٦٢) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن خاله عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل لقد نهانا … الحديث.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (قيل له .. ) في رواية أخرى عند مسلم من طريق سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: (قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم، حتى يعلمكم الخراءة .. ) فبين بذلك القائل وأنهم المشركون.
قوله: (حتى الخراءة) بكسر المعجمة وتخفيف الراء وبالمد اسم لهيئة الحدث؛ أي: أدب التخلي والقعود لقضاء الحاجة، وأما نفس الحدث وهو الخارج، فهو الخِراءُ: بحذف التاء وبالمد، مع فتح الخاء أو كسرها.
قوله: (فقال: أجل) هذا حرف جواب مثل (نعم) وهي لتصديق الخبر وتحقيق الطلب، تقول لمن قال: (قام زيد): أجل، ولمن قال: (اضرب زيداً): أجل، وعن الأخفش أنها تكون في الخبر والاستفهام، إلا أنها في الخبر أحسن من (نعم)، و (نعم) في الاستفهام أحسن منها، فإذا قال: أنت
стр. 380
سوف تَذهبُ، قلتَ: أجل، وكان أحسن من (نعم)، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن من (أجل) (١).
ومراد سلمان ﵁ تصديق هذا الخبر، وهو أنه ﷺ علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرتَ أيها القائل، فإنه علمنا ادابه، فنهانا عن كذا وكذا، مما جاء في هذا الحديث وغيره.
قوله: (لقد نهانا) أُكدت الجملة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام الموطئة للقسم، و «قد»؛ لأن المقام يستدعي التوكيد؛ لأنه يخاطب من يحتاج إلى توكيد الخبر.
قوله: (بغائط أو بول) هكذا في «بلوغ المرام»، و «مختصر صحيح مسلم» للقرطبي والمنذري، وفي «صحيح مسلم»: (لغائط) باللام، وكذا في النسخة التي عليها شرح عياض والنووي، قال النووي: (كذا ضبطناه في مسلم: (لغائط) باللام، وروي في غيره: (بغائط)، وروي: (بالغائط) باللام والباء، وهما بمعنى (٢) وتقدم معناه.
قوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) الاستنجاء: إزالة النجو: وهو العذرة (٣)، وأكثر ما يستعمل في الاستنجاء بالماء، وقيل: يستعمل في الإزالة بالحجارة، وهو المراد هنا.
قوله: (برجيع) الرجيع: الروث والعذرة، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان طعاماً أو علفاً إلى غير ذلك، وكذلك كل فعل أو قول يُردّ فهو (رجيع) فعيل بمعنى مفعول (٤).
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة حال الغائط أو البول، وسيأتي ذلك - إن شاء الله - في الحديث الآتي.
стр. 381
الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء باليد اليمنى، وتقدم ذلك في الحديث الذي قبله.
الوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن الأقل من ثلاثة أحجار لا ينقي في الغالب، إلا إن أراد أن يتبع الحجارة بالماء، فيجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار؛ لأن الماء وحده كاف، كما تقدم في حديث أنس ﵁؛ والأخذ بظاهر الحديث أقوى؛ وهو أنه لا ينقص عن ثلاثة أحجار حتى ولو أراد أن يتبع ذلك بالماء، فإن الإنسان قد ينسى فيتوضأ ولا يستنجي بالماء، وربما يعرق ويتلوث بعرقه سراويله وما حول المخرج، فإن لم يحصل الإنقاء بالثلاث زاد حتى يحصل، والكمال أن يقطع ذلك على وتر، فإذا أنقى بأربع زاد مسحة خامسة، وهكذا، ليكون منتهاه على الوتر، كما هو الشأن في كثير من الأمور الشرعية أن تنتهي على وتر، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁، وفيه «ومن استجمر فليوتر» (١) وظاهره الوجوب، لكن جاء في رواية أخرى: «ومن استجمر فليوتر، فمن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (٢)، قال الحافظ: (وهي زيادة حسنة الإسناد، وبها يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب) (٣) وكذا حسنها النووي (٤)، لكن في «التلخيص» (٥) ما يدل على تضعيف هذه الزيادة، والنفس تميل إلى ذلك.
الوجه السابع: اختلف العلماء: هل تتعين الأحجار في الاستنجاء فلا يجزئ غيرها أم لا؟ قولان:
الأول: أنه لا تتعين الأحجار، بل يجزئ كل ما قام مقامها في الإنقاء، من الخرق، أو الأخشاب، أو المناديل الورقية، ونحو ذلك؛ لأن الغرض
стр. 382
التطهير، وليس نوعاً بعينه، وإنما نص الشرع على الأحجار لأنها أيسر وأسهل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم.
قالوا: ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والرجيع فلو كان الحجر متعيناً لنهى عما سواه مطلقاً، فلما خُصّ النهي بالعظام والرجيع دل على أن ما سوى ذلك من المباحات يجوز الاستنجاء به.
والقول الثاني: أنه تتعين الأحجار في الاستنجاء، ونسبه النووي (١) لبعض الظاهرية، أخذاً بظاهر الحديث حيث نص على الأحجار، والأول أرجح؛ لقوة مأخذه.
الوجه الثامن: ذهب الجمهور إلى أن المراد بالأحجار الثلاثة، ثلاث مسحات، قالوا: فلا يلزم ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف فمسح بكل حرف مسحة أجزأه؛ لأن المراد المسحات، والأحجار الثلاثة أفضل من حجر واحد.
والقول الثاني: أنه لا بد من ثلاثة أحجار، أخذاً بظاهر الحديث، وهو قول ابن حزم (٢) ورواية عن أحمد (٣)، والصحيح من المذهب هو الأول.
والأول أظهر؛ لأن العلة معلومة، وهي قصد الإنقاء وتطهير المحل، فإذا كان الحجر له ثلاث شعب غير متداخلة واستجمر بكل جهة منه صح.
الوجه التاسع: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والرجيع، وذلك أن العظم إذا كان من حيوان مذكى فهو طعام الجن، لما ورد في حديث ابن مسعود ﵁ في قصة ليلة الجن، وفيه: (فقال رسول الله ﷺ : «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القران»، قال: فانطلقَ بنا فأرانا اثارهم واثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال
стр. 383
رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» (١).
وإن كان العظم عظم ميتة فهو نجس فلا يكون مطهِّراً، وكذا الروث، فإن كان طاهراً فهو علف لدوابهم، وإن كان نجساً فليس بمطهر، والله تعالى أعلم.
стр. 384
بيان حكم استقبال القبلة حال قضاء الحاجة
٩٧/ ١٢ - وَلِلسّبْعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبي أَيّوبَ ﵁: «لَا تَسْتَقْبِلوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري النجاري، غلبت عليه كنيته، شهد العقبة، ونزل عليه النبي ﷺ حين قدم المدينة حتى بنى مسجده وبيوته، واخى بينه وبين مصعب بن عمير، شهد غزوة بدر وما بعدها، وشهد الفتوحات، ولازم الغزو فلم يتخلف عن غزوة إلا وهو في أخرى، حتى توفي في غزوة القسطنطينية من بلاد الروم، زمن معاوية، سنة اثنتين وخمسين (١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «لا تُستقبل القبلة بغائط ولا بول إلا عند البناء: جدارٍ أو نحوه» (١٤٠) وأخرجه من طريق أخرى في «الصلاة» (٣٩٤) باب «قبلة أهل المدينة وأهل الشام»، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (١/ ٢٢) وابن ماجه (٣١٨)، وأحمد (٣٨/ ٥٠٦، ٥١٨، ٥٥١) كلهم من طريق الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب ﵁، قال رسول الله ﷺ : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت
стр. 385
نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله . هذا لفظ البخاري.
وقد رواه عن الزهري جماعة: ابن أبي ذئب، كما عند البخاري، وسفيان بن عيينة، عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، ويونس بن يزيد عند ابن ماجه، ومعمر بن راشد عند أحمد.
ولفظ الكتاب هو لفظ أبي داود، وليس فيه قوله: «ولا تستدبروها» وفي نسخ أخرى من «البلوغ» أثبتت هذه الجملة، وقوله: (وللسبعة من حديث أبي أيوب .. ) لو قال: مرفوعاً لكان أحسن، ولكن اختصر ذلك، أو أنه ساقط من نسخ البلوغ، والله أعلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا أتيتم الغائط) المراد به هنا: المكان المنخفض من الأرض الذي كانوا يقصدونه قبل بناء المراحيض لقضاء الحاجة، وتقدم.
قوله: (فلا تستقبلوا القبلة) المراد: الكعبة أو جهتها.
قوله: (بغائط) المراد به هنا: الخارج المستقذر من الدبر.
قوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) أي: استقبلوا جهة الشرق أو الغرب؛ والخطاب في ذلك لأهل المدينة ونحوهم ممن إذا شرق أو غرب انحرف عن القبلة؛ لأن قبلتهم إلى الجنوب، فإذا شرّقوا أو غرّبوا صارت عن يمينهم أو شمالهم.
قوله: (فقدمنا الشام) أي: بعد فتحها، وهو منصوب على نزع الخافض، أي: إلى الشام.
قوله: (مراحيض) جمع مرحاض، وهو المغتسل، والمراد هنا: موضع التخلي، قال في «المصباح المنير»: (رَحَضْتُ الثوب رحضاً: غسلته، والمرحاض: بكسر الميم موضع الرحض، ثم كُنِّي به عن المستراح؛ لأنه موضع غسل النجو) (١).
قوله: (فننحرف عنها ونستغفر الله أي: نميل عن جهة المرحاض
стр. 386
التي هي نحو الكعبة، والاستغفار هنا: إما لأنهم لم يحولوها إلى ناحية غير القبلة، أو لأن انحرافهم لا يحصل به تمام الانحراف عن القبلة لصعوبة ذلك حيث كان اتجاه المراحيض إليها.
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها حال البول أو الغائط، وهذا النهي للتحريم عند جمهور العلماء، وقد اختلف في هذه المسألة على أقوال أهمها:
القول الأول: تعميم النهي، وبه قال جماعة من أهل العلم، فقالوا: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان، وهو المشهور من مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واختاره ابن العربي، وابن حزم ورجحه، الشوكاني، والمباركفوري شارح «جامع الترمذي»، والشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، ودليلهم حديث أبي أيوب وما في معناه، فإنه نص صريح في النهي عن الاستقبال والاستدبار، ولأنه فعل الراوي.
القول الثاني: لمالك والشافعي وجماعة من أهل العلم منهم: البخاري، أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، ويجوز في البنيان، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب (٣)، ورجحه الصنعاني (٤).
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته، مستقبل الشام، مستدبر الكعبة)، وفي رواية: (مستقبلاً بيت المقدس) (٥).
стр. 387
وكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذا الحديث بعد حديث أبي أيوب، كما فعل ابن دقيق العيد في «الإلمام»، والمقدسي في «العمدة»، لِيُعرف الاستدلال به لمن قال بمضمونه، وجواب المخالف عنه.
قالوا: وهذا دليل على جوازه في البنيان؛ لأن فعل الرسول ﷺ يفسر أقواله ويبين مراده، فإذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة، وإذا أمر بشيء ثم تركه دل على أن الأمر ليس للوجوب، بل للاستحباب.
وحديث ابن عمر هذا ليس فيه إلا الاستدبار فقط، فإلحاق الاستقبال به إما بطريق القياس، أو لحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (١).
وأجاب الأولون عن حديث ابن عمر بأنه فعل، وفعله ﷺ لا يعارض قوله الذي هو خطاب لعموم الأمة؛ لأن الفعل له عدة احتمالات فلا يَرُدّ صريح النهي:
١ - فيحتمل أنه قبل النهي، فالنهي يرجح عليه؛ لأنه ناقل عن الأصل، وهو الجواز.
٢ - ويحتمل أنه خاص بالنبي ﷺ فلا يلحق به غيره.
إلى غير ذلك من الاحتمالات التي ذكر ابن القيم، وهي ستة (٢)، وبعضها
стр. 388
ضعيف، كقولهم: إنه قبل النهي، فإن هذا مجرد احتمال، فلا يكفي، إذ لا دليل عليه، وأما دعوى الخصوصية فمردودة؛ لأن الأصل التأسي به ﷺ في أفعاله ما لم يقم دليل على الخصوصية، لكن الدليل إذا طرقه الاحتمال ضَعُفَ، إذ لا سبيل للجزم بواحد منها، فلا تترك الأحاديث الصحيحة الصريحة لمثل ذلك.
وقالوا عن حديث جابر: إن فيه ابن إسحاق، وهو وإن كان لا بأس به ولكنه ليس بمنزلة من روى أحاديث النهي مطلقاً، وهي أحاديث في الصحيحين، كحديث أبي أيوب الذي أخرجه السبعة، ثم إن هذا الحديث حكاية فعل فلا عموم لها، ويحتمل أن ذلك لعذر، وليس فيه دلالة على أنه في البنيان، فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة في المنع؟.
والذي يظهر لي - والله أعلم - هو القول الأول، ووجه الترجيح أمران:
الأول: أن النهي ورد بصريح القول، وهو خطاب لجميع الأمة، ولم يغيره النبي ﷺ في حق أمته، لا مطلقاً ولا من وجه، وقد رواه عدد من الصحابة ﵃، كأبي أيوب في الصحيحين، وسلمان الفارسي وأبي هريرة عند مسلم وغيرهم، والمعارض لها إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة.
الثاني: أن علة النهي تعظيم واحترام القبلة، وهذا معنى مناسب ورد النهي على وفقه فيكون علة له، ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان، ولو كان الحائل كافياً في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى.
قال الشوكاني: (الإنصاف: الحكم بالمنع مطلقاً، والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة، ولم نقف على شيء من ذلك) (١).
الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز استقبال الشمس أو القمر حال البول أو الغائط، ووجه الدلالة من وجهين:
стр. 389
الأول: أنه نهاهم عن استقبال القبلة واستدبارها، ولم ينههم عن استقبال غيرهما من الجهات.
الثاني: أن قوله: «شَرِّقوا أو غَرِّبوا» عام في كل وقت، فإذا شرق وقت طلوعهما استقبلهما، وإذا غرب عند ميلانهما للغروب استقبلهما.
وأما ما جاء في كتب الفقه من كراهة استقبالهما لما فيهما من نور الله تعالى، فهو غير صحيح لأمرين:
الأول: أن النور الذي في الشمس والقمر ليس نور الله تعالى الذي هو صفته، بل هو نور مخلوق.
الثاني: أن هذا النور ليس خاصاً بهما، بل هو في سائر الكواكب، فيلزم منه كراهة استقبال النجوم، ولا قائل به، والله أعلم.
الوجه السادس: الحديث دليل على تعظيم الكعبة واحترامها؛ لأنها بيت الله ، أضافها إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، ولها مكانة عظمى في قلوب المسلمين، وقد أوجب الله تعالى استقبالها في الصلاة التي هي أكمل حالات العبد، إذ هي صلة بين العبد وربه، ونزهها أن تكون قبلة لهم حال بولهم أو غائطهم، أو تكون خلفهم تعظيماً لها واحتراماً، والله تعالى أعلم.
стр. 390
وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة
٩٨/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٣٥) في «الطهارة»، باب «الاستتار في الخلاء» من طريق ثور بن يزيد، عن الحصين الحُبْراني (١)، عن أبي سعيد الحبراني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: « … ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». قال أبو داود: (رواه أبو عاصم عن ثور قال: «حصين الحميري» ورواه عبد الملك بن الصباح، عن ثور فقال: «أبو سعيد الخير» قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ .
وبهذا يتبين أن نسبته إلى عائشة وهم من الحافظ، وإنما هو من حديث أبي هريرة ﵁ (٢).
وهذا إسناد ضعيف، لأنه من رواية حصين الحبراني، قال الذهبي: (حصين الحميري الحبراني، لا يعرف في زمن التابعين، خَرَّجَ له أبو داود وابن ماجه) (٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)، وقال أبو زرعة: