قوله: (أتردين عليه حديقته) استفهام حقيقي يطلب به الجواب، والحديقة: البستان من النخيل كان عليه حائط أم لا، وقد جاء في رواية عند البزار من حديث عمر ﵁: (وكان تزوجها على حديقة نخل) (١) وعند أبي داود: (فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال النبي ﷺ : "خذهما وفارقها" ففعل) (٢).
قوله: (اقبل الحديقة وطلقها) هذا أمر إيجاب، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فالمراد أنه يجب على الزوج أحد الأمرين، فإذا تعذر الإمساك بمعروف لطلبها الفراق تعين عليه التسريح بإحسان. وقال الحافظ: هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب، والأول أظهر لما تقدم، واختاره الصنعاني (٣)، والشوكاني (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز. والحافظ لم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن ظاهره، ولعله يرى أن الأصل بقاء الزوجية وأن الرسول ﷺ مرشد وناصح لا يُلزم أحدًا بما لا يلزمه. وسياق الحديث يؤيد الوجوب.
قوله: (تطليقة) أي: طلقة واحدة بائنة، وليس طلاقًا رجعيًّا؛ لأنه لو لم يكن بائنًا لم يحصل به المقصود، فإنه بإمكانه أن يأخذ المال، ثم يرجع.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه، وقد أجمع العلماء على ذلك، إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي، فإنه لم يجزه، ولذا قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأُورد عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فادعى نسخها بآية النساء (٥). ولعله لم يبلغه الحديث، هالا فهو قول شاذ خارج عن الإجماع، قال القرطبي: (هذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء) (٦).
стр. 3257
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن المرأة إذا كرهت الرجل وخافت ألا تقوم بحقوقه أن لها طلب الخلع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: فيما دفعته فداء عن البقاء مع الزوج، فإن كانت الحال مستقيمة فالخلع مكروه أو محرم، لما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ فإن نَفْيَ الجناح وهو الإثم يدل على أن الخلع مع استقامة الحال يكون عليهما فيه جناح، ثم غلظ الوعيد، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٢ - حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأسٍ فحرام عليها رائحة الجنة" (١). وهو ظاهر في التحريم، للوعيد الشديد.
٣ - أن الخلع في مثل هذه الحال إضرار بالزوجين، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، وهدم لبيت الزوجية، وتشتيت للأسرة إن كان لها أولاد.
وعند الجمهور أن الخلع يقع مع استقامة الحال، قال الوزير ابن هبيرة: (اتفقوا على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال بين الزوجين) (٢).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وإذا جاز أخذ العوض وقع الخلع، وأجابوا عن الآية المتقدمة بأنها جرت على حكم الغالب (٣).
والقول الثاني: أن الخلع في حال استقامة الحال محرم ولا يقع، فإن
стр. 3258
أوقعه بلفظ الخلع وما أشبهه لم يقع، وإن أوقعه بلفظ الطلاق فهو طلاق، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الحنابلة (١)، واستدلوا بالآية الكريمة، وحديث ثوبان المتقدم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها كما يفتدي الأسير، وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه فهذا الخلع محدث في الإسلام) (٢).
° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن مجرد وجود الشقاق من قِبَلِ المرأة كاف في جواز الخلع، وأنه يجوز للرجل أخذ العوض منها إذا كرهت البقاء معه.
والقول الثاني: أنه لا بد أن يقع الشقاق منهما جميعًا، لقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونسب ابن رشد هذا القول إلى داود الظاهري.
والقول الأول هو الصواب؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ صريح فيما ذكر، وأما الآية فإن المراد فيها أن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج من حسن المعاشرة والطاعة، كان ذلك مقتضيًا لبغض الزوج لها، فنسبت المخافة إليهما لذلك.
ومما يؤيد عدم اعتبار الشقاق من الجانبين أن الرسول ﷺ لم يستفسر ثابتًا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له، ثم إن القول بالجواز إذا وقع الشقاق من قبل المرأة هو اللائق بيسر الإسلام، فإن القول الثاني، فيه حرج على المرأة إذا كرهت الزوج ولم تستطع البقاء معه، ولم يحصل من جانبه شيء.
стр. 3259
° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الخلع لا بد أن يكون على عوض، لقوله ﷺ : "أتردين عليه حديقته"، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وإذا خالعها على غير عوض فأين الفداء؟.
وفي أخذ الزوج الفدية عدل وإنصاف؛ لأن الزوج هو الذي أعطاها المهر وبذل تكاليف الزواج وأنفق عليها، ثم هي بعد ذلك تطلب الفراق، فكان من الإنصاف أن ترد عليه ما أخذت منه؛ لأن ما فعلت منافٍ لشكر نعمة الزوج وإحسانه، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
والقول الثاني: يصح الخلع على غير عوض، وهو رواية في المذهب الحنبلي، اختارها الخرقي، وابن عقيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وبه قال مالك (٢)، وذلك لأن الخلع قطع للنكاح، فَصَحَّ من غير عوض كالطلاق، ولأن المقصود من الخلع -وهو تخليص الزوجة نفسها- قد حصل، فصحَّ الخلع كما لو كان بعوض، ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج؛ كغيره من الحقوق، وأجابوا عن الآية بأنها محمولة على الغالب، وهو أن الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض.
° الوجه السابع: ظاهر الحديث أن الزوج يأخذ من زوجته ما أعطاها من الصداق بدون زيادة، لقوله: "أتردين عليه حديقته" وقد اختلف العلماء في أخذ الزيادة على ما أعطاها على أقوال ثلاثة:
الأول: أنه يجوز أخذ الزيادة، وهذا مذهب الجمهور (٣).
واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وهذا عام في القليل والكثير؛ لأن (ما) موصولة، وهي من صيغ العموم، قال مجاهد: (إذا خلعها
стр. 3260
جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، ثم تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). ونقل البخاري عن عثمان ﵁ معلقًا (أنه أجاز الخلع دون عِقَاصِ رأسها) وعِقَاصُ الرأس: بكسر المهملة وتخفيف القاف، وآخره صاد مهملة: جمع عَقْصَةٍ، وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه. ومعناه: أنه أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع من قليل أو كثير، ولا يترك لها سوى عقاص رأسها (٢).
٢ - أن عوض الخلع كسائر الأعواض في المعاملات، فالقدر فيه راجع إلى الرضا، فإذا دفعت المرأة زيادة فلا مانع من أخذها.
القول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها، وهذا قول عطاء والزهري وجماعة (٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤)، وعلى هذا القول لا بد أن يرد الزيادة -على ما قاله بعض الحنابلة- إن كان أخذها، واستدلوا بهذا الحديث، وفيه عند ابن ماجه من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: (فأمره النبي ﷺ أن يأخذ حديقته ولا يزداد) (٥)، وحملوا الآية على معنى: فيما افتدت به من الذي أعطاها، لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فردوا آخر الآية على أولها، أو يقال: الآية عامة، ولكنها خصصت بالسنة التي صرح النبي ﷺ فيها بعدم الزيادة (٦).
والقول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وبه قال بعض السلف (٧). ولعل هؤلاء يأخذون بأحاديث
стр. 3261
الجواز، ويقولون: إن أخذ الزيادة ليس من المروءة، قال ميمون بن مهران: (من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان)، وعن سعيد بن المسيب قال: (ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها لِيدعْ لها شيئًا) (١).
والذي يظهر -والله أعلم- أن المرأة إن بذلت له الزيادة ابتداء جاز له أخذها مع الكراهة؛ لأنه ينافي المروءة، وأما إذا طلب الزيادة فالظاهر أنه يُمنع لأمرين:
الأول: أن الزيادة ليس لها حد.
الثاني: أن إباحة الزيادة تغري الأزواج بالعَضْلِ؛ لأن الزوج قد يحقد على المرأة لكونها طلبت منه الخلع لبغضها له، فإذا ترتب على طلب الزيادة عدم الخلع؛ لعدم قدرتها عليه، فإن القاضي يلزمه بالخلع، ويعطيه المهر الذي دفعه بدون زيادة.
° الوجه الثامن: اختلف العلماء هل الخلع فسخ أو طلاق؟ وسبب الخلاف هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أو لا يخرجها؟.
فالقول الأول: أن الخلع يقع به طلقة بائنة؛ لأنه لو كان للزوج رجعة عليها في العدة لم يكن لدفع العوض معنى، فصار طلاقًا بائنًا، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والحنفية، والشافعية في المعتمد، والحنابلة في إحدى الروايتين، والمذهب خلافها (٢)، واختاره ابن باز في شرح "البلوغ" ونقله عنه ابن بسام في "نيل المآرب" (٣) وأنه قال عن قول ابن تيمية: إنه فسخ: (إنه من الأقوال المرجوحة) وقال: (إن حديث "وطلقها" صريح بأنه يحتسب من الطلاق وليس مجرد فسخ) وعلق الشيخ محمد العثيمين ترجيح القول بأنه
стр. 3262
طلاق على صحة لفظة: "وطلقها تطليقة" (١)، وممن رجح هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، والشنقيطي (٣).
واستدلوا بقوله ﷺ : "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" فالطلاق المأمور به من قبله ﷺ هو عوض المال، إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق، فالعوض مدفوع له عما يملكه، ولو كان لا يقع به طلاق ما أمره النبي ﷺ به؛ لأنه ﷺ لا يأمر بالطلاق. كما استدلوا بأن المرأة بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون الخلع طلاقًا.
القول الثاني: أن الخلع فسخ، لا طلاق، بشرط ألا ينوي به الطلاق ولا يوقعه بصريحه، وهذا قول الشافعي في القديم، والحنابلة في أشهر الروايتين، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٤)، قال ابن كثير (٥): (وهو ظاهر الآية الكريمة)، واختاره الصنعاني (٦)، والشوكاني (٧)، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو ظاهر اختيار ابن عثيمين (٨).
واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فذكر تطليقتين والخلع، ثم ذكر تطليقة بعدهما، ولو كان الخلع طلاقًا لكان المذكور أربعًا، وهذا خلاف الإجماع، وهذا ما فهم ابن عباس ﵄ من الآيات، فقد أخرج عبد الرزاق بسنده عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص أنه سأل ابن عباس عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أينكحها؟ قال ابن عباس: نعم،
стр. 3263
ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك (١).
٢ - رواية أبي داود والترمذي المتقدمة: (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة).
ووجه الدلالة: أن الاعتداد بحيضة دليل على أنه فسخ؛ لأن هذا غير معتبر في الطلاق؛ إذ لو كان طلاقًا لم يكتف بحيضة للعدة، قال الخطابي: (هذا أدل شيء على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق) (٢).
٣ - ما جاء في رواية البخاري: (فردت عليه، وأمره ففارقها) وفي رواية أبي داود والترمذي: (خذهما ففارقها)، وجاء في حديث حبيبة بنت سهل أن النبي ﷺ قال لثابت بن قيس: "خذ منها" فأخذ منها، وجلست في بيت أهلها. وليس فيه ذكر الطلاق (٣).
هذه أدلة الفريقين، وقد أجاب كل فريق عن أدلة الآخر، فمن قال: إن
الخلع طلاق أجاب عن أدلة القائلين بأنه فسخ بما يلي:
الأول: أما ما ورد عن ابن عباس ﵄ فعنه جوابان:
١ - جواب بالمنع، وهو أنه معارض بما ورد عنه ﷺ من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فقد أخرج الطبري بسنده عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين، قال: قاُل رجل: يا رسول الله الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤).
قال الحافظ: والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس -بسند صحيح- قال: (إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسك فيحسن صحبتها، أو
стр. 3264
يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئًا) (١).
وعلى هذا ففراق الخلع المذكور لم يُرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند وجود سببه، وتكون الآية قد تضمنت حكم الافتداء على أنه شيء يلحق جميع أنواع الطلاق، لا أنه شيء غير الطلاق؛ لأنه ذُكر بعد الطلقة الثالثة، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ إنما كرره ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة الذي هو: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾.
٢ - الجواب الثاني: بالتسليم، وهو أنه لو قلنا: إن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ لم يلزم منه عدم عدِّ الخلع طلاقًا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطيه الزوج زوجته، فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقًا، كما هو ظاهر سياق الآية.
الثاني: أما الاستدلال برواية العدة بحيضة، فلا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة، ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد يقول -في أشهر الروايتين عنه-: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول -في أشهر الروايتين عنه-: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة، فظهر عدم الملازمة عنده.
الثالث: أما ألفاظ المفارقة الواردة في بعض الروايات فالمراد بها الطلاق في مقابلة العوض، بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات يفسر بعضها بعضًا.
أما القائلون بأن الخلع فسخ لا طلاق، فأجابوا عن لفظة: (وطلقها تطليقة) بأنه لا يحتج بها، لقول البخاري بعدها: (لا يُتابع فيه عن ابن عباس) أي: لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عباس ﵄ في هذا الحديث؛ لأنه خالف الثقات، وهو يُغرب -كما في التقريب- ولأن الحديث مروي عن ابن عباس من طريقين بدون ذكر الطلاق، كما ذكر البخاري في "صحيحه" بعد
стр. 3265
ذلك. ثم إن ابن عباس من القائلين بأن الخلع فسخ، لما روى طاوس، عن ابن عباس أنه قال: (الخلع تفريق، وليس بطلاق) (١). فيبعد أن يذهب ابن عباس إلى خلاف ما يرويه عن النبي ﷺ ، وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كل شيء أجازه المال فليس بطلاق) (٢).
وقد أجاب القائلون بأنه طلاق بأن كلمة البخاري لا تسقط الاحتجاج بالحديث؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث بل أرسله غيره، ومراده بذلك طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولهذا عَقَّبَهُ برواية خالد الطحان، عن خالد، عن عكرمة مرسلًا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد، عن عكرمة، عن النبي ﷺ : "وطَلِّقْها"، وعن أيوب موصولًا وفيه: (وأمره ففارقها) (٣).
والذي يظهر -والله أعلم- أن الخلع فسخ وليس بطلاق؛ لقوة أدلة القائلين به، فإن رواية (وطلقها) مرسلة، وقد رواه البخاري بلفظ: (وأمره ففارقها)، والله تعالى جعل الافتداء غير الطلاق، وذلك عام سواء أكان بلفظه أم بلفظ آخر، لأن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ.
وثمرة الخلاف أنا إذا قلنا: إن الخلع طلاق فخالعها مرة حسبت عليه طلقة، فينقص بها عدد طلاقه، وإن خالعها ثلاثًا طلقت ثلاثًا، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره.
أما على القول بأنه فسخ فإنها لا تحرم عليه ولو خالعها مرارًا بمعنى أنها لا تبين منه بينونة كبرى، بل له أن يتزوجها بعقد ومهر جديدين بشرط الرضا.
وترجيح واحد من القولين مرجعه إلى اجتهاد القاضي الذي سيحكم بالخلع، وإن كان رأي الجمهور على أنه يصح الخلع من غير قضاء القاضي؛ لأنه عقد معاوضة كالبيع والنكاح، فلا يفتقر إلى القاضي، وكما يجوز الطلاق
стр. 3266
دون القاضي فكذا الخلع، لكن القول بأنه يحكم به القاضي وجيه، ولا سيما في زماننا هذا من باب الاحتياط في الحقوق والاجتهاد فيما يحتاج إلى اجتهاد.
° الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز الخلع زمن الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه؛ لأن الرسول ﷺ لم يستفصل زوجة ثابت عن حالها، ولأن حكمة المنع من الطلاق حال الحيض الإضرار بالزوجة بتطويل العدة عليها، فإذا رضيت بذلك فقد أسقطت حقها، وهذا كله تفريع على أن الخلع طلاق، وأما على أنه فسخ فالأمر واضح.
° الوجه العاشر: على القول بأن الأمر في قوله: "اقبل الحديقة وطلقها" للوجوب يستفاد منه جواز إلزام الزوج بالموافقة على الخلع إذا امتنع، وذلك في حالة تضررها بالبقاء معه، أوكان لخلل في عفته، وهذه المسألة يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي ونظره، ولهذا نقل ابن مفلح أن بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء ألزموا بالخلع (١).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (القول بوجوب الخلع أظهر عند الحاجة إليه، فإذا تمنع الزوج، ولم تمكن الموافقة بينهما والالتئام فالواجب تخليص أحدهما من الآخر، فإن كان الزوج يظن رجوعها إليه وانقيادها وأبي الخلع فإن القاضي لا يلزمه، وقد نقل ابن مفلح اختلاف كلام شيخ الإسلام في وجوبه، ولعله منزل على حسب الأحوال).
° الوجه الحادي عشر: اختلف العلماء في عدة المختلعة على قولين:
الأول: أنها كعدة المطلقة، ثلاث حيض إن كانت من ذوات الحيض وإلا فثلاثة أشهر، وإن كانت حاملًا فبوضع الحمل، وهذا قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، قال الترمذي: (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (٢). واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ هذا، وفيه: (وطلقها
стр. 3267
تطليقة) قالوا: فإذا كان الخلع طلاقًا فالعدة عدة مطلقة، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الثاني: أنها لا تعتد وإنما تستبرئ بحيضة، فإذا حاضت واحدة انتهت عدتها، وهذا قول عثمان ﵁، فقد قضى به، كما أخرجه النسائي وابن ماجه (١). وبه قال عبد الله بن عمر ﵄ -كما أخرجه أبو داود (٢). وهو قول ابن عباس وإسحاق بن راهويه وأحمد في رواية عنه، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٣). واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز.
واستدل هؤلاء برواية أبي داود والترمذي المذكورة: (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة).
وهذا القول هو الراجح؛ لقوة دليله؛ فإنه صريح في المراد، وليس مع من قال: تعتد كالمطلقة إلا لفظة: (وطلقها) ولم يرد أنه أمرها أن تعتد بثلاث حيض، ثم إن المختلعة تشبه الجارية المشتراة بجامع العوض في كل.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ … ﴾ فلا يقتضي أن المختلعة تعتد بثلاث، ولو قلنا إن الخلع طلاق؛ لأن الله تعالى قال في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد تقدم أن المختلعة لا رجعة له عليها، لكن يرد على هذا أن المطلقة ثلاثًا لا رجعة عليها ومع ذلك تعتد كالمطلقة، وهنا جوابان:
الأول: بالتسليم، فيقال: إن المطلقة ثلاثًا لا يجب عليها ثلاثة قروء، بل تستبرئ بحيضة، والآية تشملها بعمومها المذكور في صدرها. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن كان من العلماء من قال بالاستبراء فهذا له وجه قوي) (٤).
وقد ذكر صاحب "الاختيارات" (٥): أنه نُقِلَ عن ابن اللبان الفرضي -وهو
стр. 3268
من فقهاء الشافعية- القول بذلك (١).
الثاني: بإيجاد الفرق، وهو أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن المطلقة ثلاثًا يلزمها ثلاثة قروء، بينما المختلعة فيها خلاف حتى عن الصحابة ﵃، وعلى هذا فلا إشكال. والله تعالى أعلم.
стр. 3269
كتاب الطلاق
الطلاق لغة: التخلية والإرسال والترك، يقال: طَلَقَتِ الناقةُ -بفتح اللام- إذا سرحت حيث شاءت، وطلقت المرأة تطلق طلاقًا فهي طالق وطالقة: إذا خليت من وثاق النكاح (١).
وجاء في "شرح الفصيح" أنه يقال: (طَلُقَتْ -بضم اللام- وهذا إن جعلت الفعل لها، فإن جعلته للزوج، قلت: طُلِّقَتْ تطليقًا، وإن شئت طلاقًا) (٢).
والطلاق شرعًا: فراق الزوجة بحلِّ قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص.
وقد ثبت تشريع الطلاق بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقد شرع الله الطلاق وبين أحكامه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ … ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
وهذا كله من رحمة الله تعالى بعباده وتفضله عليهم وإحسانه بهم؛ لأن الطلاق عند الحاجة إليه من نعم الله تعالى، كما سيأتي.
стр. 3270
وأما السنة: فأحاديث الباب.
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الطلاق.
والحكمة من مشروعيته: إزالة الضرر والمفسدة إذا تعذر الإصلاح بين الزوجين وفسدت الحياة الزوجية؛ لأن البقاء على هذا الوجه إضرار بالزوج بإلزامه الإنفاق والسكن، وحبس للزوجة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة، فأجازه الإسلام بعد أن ندب إلى الصبر وتحمل ما قد يحصل من الزوجة، ولا يُلجأ إليه إلَّا بعد استنفاد جميع وسائل العلاج.
وقد ذكر العلماء أن أحكام التكليف الخمسة تأتي عليه، فيكون مباحًا إذا احتاج الزوج إليه لكراهة المرأة ونحو ذلك، ولم يستطع الصبر، مع أن الله تعالى رغب في الصبر في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
ويكون مستحبًا إذا احتاجت الزوجة إليه لكراهة الرجل ونحوها، ويكون حرامًا إذا كان لغير العدة؛ كالطلاق في زمن الحيض، أو كان أكثر من واحدة، ويكون واجبًا إذا آلى الزوج من زوجته ومضت المدة ولم يرجع، ويكون مكروهًا فيما عدا ذلك؛ كحال استقامة الزوجين (١).
قال الوزير ابن هبيرة: (أجمعوا على أن الطلاق في حال استقامة الحياة الزوجية مكروه، إلا أبا حنيفة قال: هو حرام مع استقامة الحال) (٢).
стр. 3271
ما جاء في كراهة الطلاق
١٠٧٥/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَجّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالهُ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب (في كراهة الطلاق) (٢١٧٨) من طريق محمد بن خالد الواهبي، عن معرف بن واصل، عن محارب، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
ورواه ابن ماجه (٢٠١٨) من طريق محمد بن خالد الوهبي، عن عبيد الله بن الوليد، عن محارب، عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا.
وهذا هو إسناد أبي داود مع إبدال معرف بن واصل بعبيد الله بن الوليد، فإما أنه وهم من بعض الرواة، أو أن لمحمد بن خالد فيه شيخين، وعلى كل فإسناد ابن ماجه ضعيف جدًّا؛ لأن عبيد الله بن الوليد ضعيف جدًّا، وخاصة في حديثه عن محارب، قال عنه الحاكم: (روى عن محارب أحاديث موضوعة) (١)، وعلى هذا فلا يُقَوِّي رواية أبي داود الموصولة.
ورواه الحاكم (٢/ ١٩٦) من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا
стр. 3272
أحمد بن يونس، ثنا معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق".
وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وقال الذهبي: (صحيح على شرط مسلم).
وهذا فيه نظر، لأمرين:
الأول: محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة مختلف فيه (١)، وقد ذكره الذهبي نفسه في كتابه "الضعفاء" وقال: (كذبه عبد الله بن أحمد، ووثقه صالح جَزَرة) (٢)، فكيف يصحح حديثه هنا؟!
الثاني: الاختلاف عليه، فقد رواه أبو داود -كما سيأتي- عن أحمد بن يونس مرسلًا، ويبدو -كما يقول الألباني- أن الذهبي لم ينتبه لهذه المخالفة (٣).
فقد روي هذا الحديث مرسلًا، رواه أبو داود (٢١٧٧) من طريق أحمد بن يونس، عن معرف بن واصل، عن محارب، عن النبي ﷺ ، وهذا سند رجاله ثقات إلا أنه مرسل؛ لأن محارب بن دثار تابعي.
ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٥٣) من طريق وكيع بن الجراح، والبيهقي (٧/ ٣٢٢) عن يحيى بن بكير، كلاهما عن معرف بن واصل، عن محارب، عن النبي ﷺ مرسلًا.
وأحمد ويحيى ووكيع أرجح من محمَّد بن خالد الوهبي، بل وكيع وحده أرجح من محمَّد، وعليه فالمرسل أرجح، وقد رجح الإرسال أبو حاتم كما في "العلل" (١/ ٤٣١)، والدارقطني كما في "العلل" (١٣/ ٢٢٥)، والبيهقي كما في "السنن الكبرى"، وكذا الخطابي والمنذري (٤).
стр. 3273
* الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن الطلاق غير محبوب لله تعالى، لما فيه من المفاسد والأضرار في حق الزوجين والأولاد، وهذا يدل على أنه ينبغي للزوج تجنب الطلاق ما أمكن.
ووصف الطلاق بالحل لا ينفي عنه الكراهة، بل إن صيغة الحديث ظاهرة في أن الطلاق مكروه لولا أن الله تعالى شرعه لمصلحة وحكمة تفوق كونه مكروهًا. وقد ذكر ابن الملقن أن الكراهة محمولة على الطلاق بدون سبب؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على ابن عمر ﵄ طلاقه، كما سيأتي (١).
والطلاق عند الحاجة إليه نعمة كبيرة وفضل عظيم، إذ يحصل به الخلاص من العشرة المُرَّة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لسوء الأخلاق، أو لضعف الدين، أو لغير ذلك مما يسبب قلق الحياة ونكد الاجتماع.
وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى في آية الإيلاء: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] على أن الطلاق غير محبوب لله تعالى؛ لأن الله تعالى قدم الفيئة، وهي رجوع المولي إلى زوجته بالجماع، قدمها على الطلاق، وختمها باسمين من أسمائه دالين على المغفرة والرحمة، إشارة إلى أنها أحب إلى الله تعالى من الطلاق الذي ختمه باسمين فيهما معنى التهديد، وهما السميع العلم (٢).
والإِسلام قد شرع الطلاق في حدود معينة، وجعل له ضوابط محددة، واعتبره آخر مراحل العلاج، لو وقف الناس عندها لوقع موقعه، فكان علاجًا مأمون العاقبة، لا يورث ندمًا، ولا يعقب إثمًا (٣). لكن من الملاحظ كثرة الطلاق، ولا سيما عند الشباب، نتيجة التسرع وعدم التعقل والنظر في عواقب الأمور، فتراهم يطلقون لأمر تافه، ويعظم الأمر إذا طلق امرأة يحبها، أو له منها أولاد يحتاجون إلى رعايتها.
стр. 3274
والإِسلام حينما شرع الطلاق ضيق مجاريه وقتًا وعددًا، فلا يشرع إلا في طهر لم يجامع امرأته فيه، أو في حال العمل، أما في الحيض والنفاس والطهر الذي جامعها فيه؛ فهذا قد نهى الإِسلام عن الطلاق فيه، ثم إنه لا يطلق إلا واحدة، ثم إذا طلقها فإن الله تعالى نهاه أن يخرجها من بيتها، ونهاها أن تخرج، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] أي: بخصلة قبيحة من زنًى أو غيره، ولعل الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن بقاءها في بيت الزوج أقرب للميل إليها، وأيسر لإرجاعها، وأصون لها (١)، والله تعالى أعلم.
فقد أخرجه البخاري في عدة مواضع، أولها في كتاب "التفسير" (٤٩٠٨)، ثم في أول كتاب "الطلاق" (٥٢٥١)، وأخرجه مسلم (١٤٧١)(١) من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄.
ورواه مسلم (١٤٧١)(٥) من طريق محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر أنه طلق أمرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فقال: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". وذكر (الحمل) تفرد به محمَّد بن عبد الرحمن من بين الرواة عن سالم، فيظهر أنها غير محفوظة (١).
ورواه البخاري (٥٢٥٣) من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: (حسبت عليَّ تطليقة).
ورواه مسلم (١٤٧١)(٣) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، باللفظ الأول، وفيه: (فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، يقول: أما أنت طلقتها واحدة أو اثنتين، إن رسول الله ﷺ أمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض … الحديث).
أما الرواية الأخيرة فهي عند مسلم (١٤٧١)(١٤) من طريق حجاج بن محمَّد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عَزَّةَ- يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع ذلك، كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ : "ليراجعها"، فردها، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك"، ورواه -أيضًا- من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن ابن عمر نحو هذه القصة.
وأما قوله: (فلم يرها شيئًا) فهي ليست عند مسلم، كما تبين من السياق، وإنما هي عند أبي داود (٢١٨٥) من طريق عبد الرزاق، وأحمد (٩/ ٣٧٠) من طريق روح بن عبادة، كلاهما عن ابن جريج به.
стр. 3277
وقد حكم الأئمة على هذه الزيادة بأنها منكرة (١) لأمرين:
الأول: أن مدارها على ابن جريج عن أبي الزبير، وقد خالف أبو الزبير جميع من رووا الحديث عن ابن عمر، ولم يذكروا أن النبي ﷺ لم يرها شيئًا، ومن هؤلاء نافع مولى ابن عمر، وسالم ابن عمر، وسعيد بن جبير، ويونس بن جبير، وأنس بن سيرين، ولو أن أبا الزبير خالف نافعًا وحده، أو سالمًا وحده لم يقبل منه، فكيف وقد خالف اثنى عشر حافظًا، كلهم لم يذكروا هذه الزيادة (٢)؟ قال أبو داود: (الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير). وقال الشافعي: (نافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل التثبيت في الحديث) (٣). وقال ابن عبد البر: (أبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟) (٤). وقال الذهبي: (أبو الزبير صدوق مشهور، اعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة، تكلم فيه شعبة) (٥).
الأمر الثاني: أنه قد اختلف على ابن جريج في ذكر هذه الزيادة، فلم ترد في رواية مسلم من طريق حجاج بن محمَّد وأبي عاصم -كما تقدم- وإنما جاءت في رواية أبي داود من طريق عبد الرزاق، ورواية أحمد من طريق روح بن عبادة -كما تقدم أيضًا- ولا شك أن روايته الموافقة لرواية الجماعة في عدم ذكرها أولى أن تكون هي المحفوظة.
واعلم أن حديث ابن عمر هذا حديث جليل، ورد بألفاظ متعددة، وطرق مختلفة، وفيه مسائل كثيرة من مسائل الطلاق وغيره، وهو جدير بأن يفرد في مصنف مستقل، قال ابن العربي: (هذا الحديث أصل في الطلاق
стр. 3278
وتضمن أصولًا كثيرة، وتضمن أحكامًا متعددة) (١)، ولذا ترى الحافظ أورد عددًا من رواياته؛ لما فيها من الفوائد الزائدة على المتن الذي ساقه أولًا.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الطلاق مباح؛ لأن الرسول ﷺ لم ينكر طلاق عبد الله بن عمر ﵄ من أصله، وإنما أنكره لأنه طلق في حال الحيض، ولهذا أذن له أن يطلق في الطهر الذي لم يجامع فيه.
* الوجه الثالث: سؤال عمر ﵁ يدل بظاهره على أنه لم يسبق نهي عن الطلاق حال الحيض، والغضبُ كما في الرواية الأخرى يدل بظاهره على أن الحكم معلوم، والجواب:
١ - يحتمل أن ابن عمر ﵄ فهم النهي من قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لكن أشكل عليه ماذا يصنع؟
٢ - أو أنه فعل قبل التثبت والمشاورة للنبي ﷺ إذ عزم على الطلاق (٢).
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الطلاق حال الحيض،
وفاعله عاصٍ لله إذا كان عالمًا بالنهي عنه، ووجه الدلالة من وجهين:
الأول: ما ورد في رواية سالم بن عبد الله (تغيظ رسول الله ﷺ ) (٣)، ولا يتغيظ ﷺ إلا على أمر محرم، بل يدل على أن الأمر ظاهر، وكان الواجب على ابن عمر التثبت قبل إيقاعه.
الثاني: أمره ﷺ بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر، وهل هو محرم لحق الله تعالى فلا يباح وإن سألته إياه، أو يباح بسؤالها؟ قولان، والأول هو ظاهر الكتاب والسنة.
وقد نقل ابن المنذر وابن قدامة والنووي وغيرهم الإجماع على تحريم الطلاق حال الحيض (٤).
стр. 3279
وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهذه لا عدة لها (١)، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة إلا ما نقل في رواية عن المالكية من المنع من الطلاق في الحيض ولو لغير المدخول بها (٢).
كما يستثنى من ذلك الطلاق حال العمل لو حصل لها فيه حيض -على القول بأن الحامل تحيض-؛ لأن عدتها وضع العمل، ويستثنى مسألة ثالثة تقدمت -في الخلع- وهي ما إذا كان الطلاق على عوض.
* الوجه الخامس: نُهي عن الطلاق حال الحيض لئلا تطول العدة على المرأة؛ لأن ما بقي من تلك الحيضة لا تعتد به في أقرائها، فتكون في تلك المدة كالمعلقة، لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من زوج. وقيل: لكون الحيضة حال نفرة وزهد في الوطء، فلعله يندم في زمان الطهر عند توقان النفس إلى الجماع، ولا مانع من اعتبار المعنيين.
* الوجه السادس: الطلاق في حال الحيض من الطلاق البدعي الذي ليس عليه أمر الشارع، ومن الطلاق البدعي -كما يفهم من الحديث- أن يطلق ذات الحيض في طهر جامعها فيه، وهذا الطلاق البدعي في الزمن، وأما الطلاق البدعي في العدد فهو طلاق الثلاث، كما سيأتي إن شاء الله.
ويقابل الطلاق البدعي الطلاق السني، وهو الموافق للطريقة التي سنها الله تعالى في إيقاع الطلاق، وهو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، كما دل عليه الحديث، أو يطلقها وهي حامل كما تقدم في رواية مسلم -على القول بثبوتها- وهو إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه فقد استقبلت العدة من الحيضة التي تلي هذا الطهر، فيكون طلقها لعدتها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: مستقبلات عدتهن، وهو الوقت الذي تستقبل به العدة، أما إذا طلقها حائضًا
стр. 3280
فإنها لا تعتد بتلك الحيضة بل تنتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها، ثم تشرع في العدة كما تقدم، وأما إذا طلقها حاملًا فالأمر واضح؛ لأن عدتها بوضع الحمل.
* الوجه السابع: اختلف العلماء في وقوع الطلاق حال الحيض على قولين:
القول الأول: أنه يقع، فينقص به عدد التطليقات، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، وهو اختيار البخاري، والبيهقي، والنووي، والشيخ محمَّد بن إبراهيم، والألباني، وابن باز، إلا أنه رجع عنه أخيرًا (١).
واستدلوا بما يلي:
الأول: قوله ﷺ : "مره فليراجعها"، وفي رواية: فقال له النبي ﷺ : "ليراجعها" فردها. قالوا: فالأمر بالمراجعة دليل على وقوع الطلاق؛ لأن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وهذا من أقوى أدلتهم. واللفظ إذا جاء عن الشارع وكان له حقيقة شرعية فإنها مقدمة على الحقيقة اللغوية والعرفية.
الثاني: قول ابن عمر ﵄: (وحسبت عليَّ تطليقة) فإن الظاهر من سياق القصة أن الذي حسبها تطليقة هو النبي ﷺ ، كما سيأتي.
الثالث: أن مذهب ابن عمر ﵄ -هو الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، وهو من أشد الصحابة اتباعًا للسنة وتحرجًا من مخالفتها، وهذا ثابت في "الصحيحين" من طريق قتادة قال: سمعت يونس بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: (طلقت امرأتي وهي حائض … وفيه: فقلت لابن عمر: احتسبت بها؟ قال: ما يمنعه، أرأيت إن عَجَزَ واستحمق؟) هذا لفظ مسلم، وهو عند البخاري، لكن ليس فيه: (ما يمنعه)،
стр. 3281
وإنما فيه: (أرأيت إن عجز واستحمق) (١)، قال الخطابي: (وقوله: أرأيت إن عجز واستحمق؟ يريد: أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتَحْمَقَ أيُسقط عجزه وحُمقه حكم الطلاق؟ وهذا من المحذوفِ الجوابِ المدلول عليه بالفحوى) (٢).
ورواه مسلم من طريق أنس بن سيرين، قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلقها وهي حائض، وفيه: قلت: فاعتددتَ بتلك الطلقة التي طلقتَ وهي حائض؟ قال: (ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت).
ورواه مسلم من طريق محمَّد بن سيرين، عن يونس بن جبير، أنه سأل ابن عمر … الحديث، وفيه: قلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض أتعتد بتلك الطلقة؟ فقال: (فمه؟ أو إن عجز واستحمق) (٣).
وقوله: (فمه) استفهام معناه: التقرير، أي: فما يكون إن لم يحتسب بتلك التطليقة، أي: وهل يكون إلا ذلك، فأبدل من الألف هاء (٤). والمعنى: أنها تحسب، ولا يمنع من احتسابها عجزه وحماقته، والمراد أنه عجز عن الصبر عن الطلاق حتى تطهر، فأوقعه في الحيض، واستحمق؛ أي: فَعَل فِعْل الأحمق بمخالفة المشروع، ويحتمل أن تكون الهاء أصلية، وهي كلمة تقال للزجر؛ أي: كُفَّ عن هذا الكلام، فإنه لا شك في وقوع الطلاق.
وترجيح رواية صاحب القصة له نظير، وهو ما تقدم في كتاب "النكاح" من اختلاف ابن عباس وميمونة ﵃ في زواج النبي ﷺ بها، هل هو مُحْرِمٌ أو حلال؟ فقُدِّم قول ميمونة؛ لكونها صاحبت القصة، فكذا هنا.
وروى مسلم من طريق الزهريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، وفيه: قال ابن عمر: (فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها) (٥)، وروى مسلم
стр. 3282
-أيضًا- من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: (طلقت امرأتي … فذكر الحديث، وفي آخره: قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت تلك التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها) (١). ونافع وسالم هما أحفظ وأثبت من روى عن ابن عمر، وهما ينقلان أن ابن عمر اعتد بتلك التطليقة، وهذا واضح في أن الذي حسبها هو ابن عمر، ويبعد أن يكون هذا من غير أمر النبي ﷺ ؛ لأمور ثلاثة:
١ - أن الرسول ﷺ هو المفتي لابن عمر في كل مسألة تتعلق بهذه القصة، فهو الآمر له بالمراجعة، المرخص له في الطلاق، المبين له متى يطلق؟
٢ - أنه يبعد أن ابن عمر يحسبها تطليقة بدون استفتاء النبي ﷺ وهو على خوف مما وقع منه، بعد أن تغيظ النبي ﷺ من صنيعه، مع ما عرف عنه من شدة اتباعه وتمسكه بالسنة.
٣ - أنه ورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ هو الذي عدها واحدة.
فقد روى الدارقطني من طريق الشعبي قال: طلق ابن عمر امرأته واحدة، وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة والتي طلق أول مرة (٢). وهذا مرسل يقويه ما سبق من الروايات.
وقد روى ابن وهب في "مسنده" (٣)، وأبو داود الطيالسي، والدارقطني من طريق يزيد بن هارون (ثلاثتهم: ابن وهب، والطيالسي، ويزيد بن هارون) عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى
стр. 3283
عمر النبي ﷺ فجعلها واحدة (١). وفي لفظ: (هي واحدة، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء) (٢). وهذا فيه التصريح برفع الاعتداد بطلاق الحائض إلى النبي ﷺ .
وقد تابع ابنَ أبي ذئب ابنُ جريج عند الدارقطني (٣)، كلاهما عن نافع به، وهذه المتابعة مع متابعة سالم المتقدمة إذا ضمت إلى ما تقدم في رواية البخاري (وحسبت عليَّ تطليقة) مع فتوى ابن عمر وما ورد عن الشعبي كما مضى، قويت رواية ابن أبي ذئب، ودل على أن هذا اللفظ محفوظ وليس بشاذ، ولذا قال ابن حجر عن رواية ابن أبي ذئب وابن جريج، عن نافع: (هذا نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه) (٤).
القول الثاني: أن الطلاق حال الحيض لا يقع، ولا ينقص به عدد الطلاق، وهو قول طاوس والظاهرية، وقول لابن عقيل من الحنابلة، واختاره ونصره شيخ الإِسلام ابن تيمية، وكذا تلميذه ابن القيم، والصنعاني، والشوكاني (٥). وهو الذي استقر عليه رأي ابن باز (٦).
стр. 3284
واستدلوا بما تقدم من رواية أبي داود والنسائي من طريق أبي الزبير، أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: (فردها عليَّ ولم يرها شيئًا) قالوا: فهذا نص صريح في عدم الاعتداد بتلك الطلقة.
كما استدلوا بأدلة عامة ليست صريحة في محل النزاع، وإنما هي أشبه بالمرجحات، وقد ذكرها ابن القيم وغيره (١)، ومنها قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" قالوا: فهذا نص يدل على بطلان كل ما خالف أمر الرسول ﷺ ، والمطلِّق في الحيض قد طلق طلاقًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا غير مقبول، وهذا فيه نظر، فإنه لا يلزم أن يكون كل عمل من قول أو فعل خالف فيه المكلفُ المشروعَ أنه باطل، بل هناك من التصرفات ما تصح من فاعلها ولو خالف فيها المشروع؛ لأن التحريم والصحة ليسا متلازمين، والنهي قد يقتضي الفساد، وقد لا يقتضيه، بأن يقوم دليل على الصحة، كما في النهي عن بيع المُصَرَّاة (٢)، ويمكن مراجعة شرح ابن رجب للحديث المذكور في "جامع العلوم" فقد أجاد وأفاد (٣).
وأجابوا عن أدلة القائلين بالوقوع بأن قوله: "فليراجعها" معناه: إمساكها على حالها الأول؛ لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعًا، فهو ملغى والنكاح بحاله، فهم لم يحملوا الرجعة على معناها الاصطلاحي عند الفقهاء؛ لأن معناها أعم من ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمراد بذلك العقد على امرأته التي طلقها آخر طلقة بعد أن تنكح زوجًا غيره، وتقدم رد ذلك، وأما الاستدلال بلفظ: (وحسبت عليه تطليقة) فليس فيه دليل؛ لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ .
والقول بوقوع الطلاق حال الحيض قول قوي -في نظري- لأمرين:
стр. 3285
الأول: أن حديث ابن عمر رواه جلة من الحفاظ الإثبات، وقد اتفقت ألفاظهم جميعًا -عدا أبي الزبير المكي- على وقوع الطلقة واحتسابها، ووقوع المراجعة، وقد تقدم أن نافعًا وسالمًا يرون أن الطلقة التي وقعت لابن عمر حسبت عليه، وهما من أجلِّ وأثبت من روى عن ابن عمر، وقولهما ثابت في "صحيح مسلم" كما تقدم بيان ذلك.
الثاني: أن أدلة الجمهور على المراد دلالتها قوية صريحة لا تقبل التأويل، بخلاف رواية عدم الاعتداد بالطلقة (فردها علي ولم يرها شيئًا) فهي على فرض ثبوتها تحتاج مع الأدلة المتقدمة إلى أحد مسلكين: إما الترجيح أو الجمع، فإن قلنا بالترجيح فلا ريب أن الأحاديث الدالة على وقوع الطلاق في الحيض أكثر عددًا وأقوى إسنادًا، وقد تقدمت، وإن قلنا بالجمع فإن رواية أبي الزبير قابلة للتأويل، فقد قال الشافعي إن معناها: أنه لم يرها شيئًا صوابًا غير خطأ، يؤمر صاحبه ألا يقيم عليه، ولذا أمره بالمراجعة (١).
وقال ابن عبد البر عن قوله: (ولم يرها شيئًا): (لو صح لكان معناه عندي -والله أعلم- ولم يرها على استقامة؛ أي: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لأنه لم يكن طلاقه لها على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحت) (٢).
وهذا بناء على ثبوت هذه اللفظة، وقد تقدم الكلام على تفرد أبي الزبير بها، وأنها منكرة.
وبهذا يتبين أن القول بالوقوع قول قوي، لا يمكن دفعه لكثرة رواياته، هذا من الناحية العلمية، وأما من الناحية العملية التطبيقية فنقول كما قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز: إن حَكَمَ بعدم وقوع الطلاق في الحيض قاضٍ شرعي أُخذ به؛ لأن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، والله أعلم.
стр. 3286
* الوجه الثامن: اختلف العلماء في حكم المراجعة من الطلاق في الحيض على قولين:
الأول: أن المراجعة واجبة، فمن طلق زوجته وهي حائض وجب عليه أن يراجعها، وهذا مذهب مالك، وقول في مذهب أبي حنيفة، ذكر ابن عابدين أنه الأصح، وهو رواية عن الإِمام أحمد (١)، واستدلوا بأن الرسول ﷺ أمر عبد الله بن عمر بمراجعة زوجته، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرمًا حال الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، ولأن المراجعة تتضمن رفع المعصية التي وقع فيها المطلق حال الحيض.
الثاني: أن المراجعة مستحبة، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول الشافعي، والمشهور في مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته بالرجعة كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب.
والراجح القول الأول، لقوة دليله، وأما دليل القول الثاني فيجاب عنه بأن الطلاق لما كان محرمًا في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، وعلى هذا القول فإن امتنع الرجل من الرجعة أدبه الحاكم، فإن أصر على الامتناع ارتجع الحاكم عنه.
* الوجه التاسع: الحكمة من الأمر برجعتها وإعادتها إلى عصمته:
١ - ليقع الطلاق الذي أراده الله في زمن الإباحة، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.
٢ - وقيل: عقوبة على طلاقها زمن الحيض، فعوقب بنقيض قصده، وأمره بارتجاعها عكس مقصوده.
٣ - وقيل: ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله، وهو تطويل العدة (٣).
стр. 3287
* الوجه العاشر: استدل العلماء بقوله ﷺ : "مره فليراجعها" على أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة ولا وليها، ولا تحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن الرسول ﷺ أمره بمراجعتها، وأطلق له ذلك، فلم يشترط شيئًا آخر (١).
* الوجه الحادي عشر: دل الحديث على أنه إذا طلق في الحيض ثم راجعها أنه ينتظر إلى الطهر الثاني، لقوله: "ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق … " ودلت الروايات الأخرى المذكورة على أن له أن يطلق في الطهر الأول بعد الحيضة التي طلقها فيها وراجعها، ولا يلزمه أن ينتظر إلى الطهر الثاني، وقد اختلف العلماء في حكم الانتظار للطهر الثاني على قولين:
الأول: أنه يلزمه الانتظار للطهر الثاني، ولا يجوز أن يطلق في الطهر الأول، وهذا مذهب أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه، وهو قول مالك، والأصح في مذهب الشافعي، والمشهور في مذهب الحنابلة (٢)، واستدلوا: بما تقدم من أنه ﷺ أذن له أن يطلق بعد أن تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض ثم تطهر.
والقول الثاني: أن الانتظار للطهر الثاني مندوب وليس بواجب، فيجوز له أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيها، وهذا رواية عن أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد (٣)، واستدلوا بالروايات التي مفادها جواز الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع الطلاق فيها، كما في رواية مسلم المتقدمة: "إذا طهرت فليطلقها أو ليمسك"، وقوله: "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا".
وهذا القول هو الأظهر إعمالًا للحديثين، فيكون الأمر بالانتظار للطهر
стр. 3288
الثاني أمر إرشاد وندب، والصارف له الحديث الأول، ولا ريب أن التأخير للطهر الثاني ملائم للمقاصد الشرعية من وجهين:
١ - أنه لو طلق عقب تلك الحيضة لكان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة للإمساك ولَمِّ شَعَثِ النكاحِ، ولهذا ورد في بعض الروايات أمره بأن يمسَّها (١).
٢ - ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها؛ فيمسكها؛ لأن الحيض وقت رغبة عن المرأة (٢).
* الوجه الثاني عشر: اختلف العلماء في وقت الطلاق إذا طهرت من الحيض هل هو بعد انقطاع دم الحيض أو لا بد من اغتسالها، على أقوال ثلاثة، وسبب الخلاف معنى قوله ﷺ : "ثم ليطلقها طاهرًا":
الأول: أن المراد بالطهر انقطاع الدم، وهذا قول الشافعي، والمشهور من مذهب أحمد (٣)؛ لأن انقطاع دم الحيض دليل على الطهر ولو لم تغتسل فهي في حكم الطاهرات، بدليل وجوب الصلاة في ذمتها، وصحة صومها، وعلى هذا القول فيجوز طلاقها بانقطاع الدم مباشرة ولو لم تغتسل.
الثاني: أن المراد بالطهر التطهر بالغُسل، وهذا قول المالكية، وقول في مذهب أحمد (٤).
واستدلوا بما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله أنه طلق امرأته … وفيه: "فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها … " وهذا مفسر لقوله: "فإذا طهرت" فيجب حمله عليه (٥).
القول الثالث: أنها إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم،
стр. 3289
وإن طهرت لدون أكثره فلا بد من الغسل أو التيمم عند عدم الماء، وهذا قول أبي حنيفة، وأقل مدة الحيض عنده ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وعللوا لذلك بأنها إذا طهرت لأكثر الحيض حكم عليها بانقطاعه، بخلاف إذا طهرت لدون أكثره فإنا لا نحكم بانقطاعه حتى تغتسل أو تتيمم (١).
والقول الثاني هو الأظهر، لقوة دليله.
* الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه، لقوله: "وإن شاء طلق قبل أن يمسَّ" أي: قبل أن يجامعها، وقد جاء التصريح به في إحدى روايات مسلم: "فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، ووجه التحريم أنه قد يحصل من هذا الجماع حمل فيندم الزوجان أو أحدهما، ولو علما بالحمل لأحسنا العشرة، وحصل الاجتماع بعد الفرقة والنفرة.
ويستثنى من تحريم الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه ما إذا ظهر حملها، فإن ظهر حملها لم يحرم طلاقها، لقوله -كما في رواية مسلم-: "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا"؛ لأنه إذا ظهر حملها يكون قد أقدم على الطلاق على بصيرة فلا يندم، ولأن زمن الحمل زمن الرغبة في الوطء، وفي المرأة لمكان ولده منها، فإقدامه على الطلاق في هذا الحال يدل على احتياجه لذلك، وكل هذا مفرَّعٌ على القول بثبوت لفظة (أو حاملًا) وقد تقدم ما فيها.
وقد اختلف العلماء في حكم رجعتها إذا طلقها في طهر جامعها فيه، وهو شبيه بالخلاف في حكم مراجعتها في طلاق الحيض. والله تعالى أعلم.
стр. 3290
حكم طلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ وصاحبيه
١٠٧٧/ ٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَسَنَتَينِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَال عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أَمْرٍ كَانَتْ لَهُم فيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَينَاهُ عَلَيهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيهمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب (طلاق الثلاث) (١٤٧٢) من طريق معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄.
ورواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم.
ورواه مسلم -أيضًا- من طريق أيوب، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هَنَاتِكَ (١)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة، فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع (٢) الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.
стр. 3291
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (وسنتين من خلافة عمر) في رواية مسلم المذكورة: (وثلاثًا من إمارة عمر).
قوله: (طلاق الثلاث واحدة) هذا فيه احتمالان، فإما أن المراد قول الرجل: أنتِ طالق ثلاثًا، أو قوله: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، وهذا متفق عليه، أما لفظ: أنت طالق ثلاثًا، فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يعد طلقة واحدة، وأن ذكر العدد لا قيمة له؛ لأن قوله: (ثلاثًا) لغو من الكلام، كما يقال سبح ثلاثًا، واستغفر ثلاثًا، لا يصدق عليه هذا العدد إلا إذا قال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. بدليل حديث: "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر"، فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يحصل له الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذا ما ورد في الذكر بعد الصلاة ثلاثًا وثلاثين، وعلى هذا فلفظة: طالق ثلاثًا تعني طلقة واحدة، ولا تتحقق طلقة ثانية إلا بنطق آخر مثل سابقه، ومن أهل العلم من اعتبر الجميع من باب واحد (١).
قوله: (أناة) بفتح الهمزة، وهي التأني وترك العجلة، ومنه قوله ﷺ لِأَشَجِّ عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة" (٢)، قال في "القاموس": (الأناة: كقناة: الحلم والوقار) (٣)، والمراد هنا: أن الناس استعجلوا في أمر لهم فيه مهلة وبقية استمتاع؛ لانتظار المراجعة.
قوله: (فلو أمضيناه عليهم) أي: أمضينا طلاق الثلاث ثلاثًا بدل ما كان يقع واحدة، ردعًا لهم عن إيقاع الثلاث.
стр. 3292
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المطلق زمن النبي ﷺ وزمن أبي بكر ﵁ وصدرًا من خلافة عمر ﵁ كان إذا جمع الثلاث بأن قال: هي طالق، طالق، طالق، جعلت واحدة، واستمر الأمر على ذلك حتى مضى سنتان أو ثلاث من خلافة عمر ﵁، فجعل الطلاق الثلاث ثلاثًا، وقد كان الصحابة ﵃ على كثرة، ولم ينكروا ذلك مع كثرتهم وعلمهم وورعهم (١).
* الوجه الرابع: هذا الحديث من أدلة القائلين بأن مُوقع الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات لم يتخللها رجعة لا يقع عليه إلا طلقة واحدة، وسيأتي ذكرهم، وهو نص صريح لا يقبل التأويل في أن الطلاق الثلاث يقع واحدة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين أو ثلاث -على اختلاف الروايات- من خلافة عمر ﵁، ودليل على أنه حكم باقٍ لم ينسخ.
* الوجه الخامس: استدل الجمهور القائلون بوقوع الطلاق الثلاث ثلاثًا بأدلة ستأتي، ومنها فعل عمر ﵁، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتباعهم، وقد ورد عنه آثار، رجالها ثقات، وأسانيدها قوية، من طرق مختلفة تثبت هذا القول عنه (٢)، إذ ليس الاستدلال على ذلك من حديث ابن عباس؛ لأن الجمهور يضعفون حديث ابن عباس -كما سيأتي-، وهذا الإلزام من عمر ﵁ ليس تغييرًا للحكم الظاهر من القرآن، والثابت عن رسول الله ﷺ أن الطلاق لا يلحق الطلاق، وأن الطلقة الأولى ليس للمطلق بعدها إلا الرجعة أو الفراق، وكذا الثانية بعد رجعة أو زواج، وإنما جعل هذا تعزيرًا عارضًا، وعقوبة تفعل عند الحاجة؛ لأن عمر ﵁ ومعه الصحابة ﵃ أرادوا بذلك منع الناس من الاسترسال في الطلاق، ومن التعجل إلى بن الفراق، وهذا اجتهاد من اجتهاد الأئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يستقر تشريعًا
стр. 3293
لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة (١).
وقد وجه الجمهور القائلون بوقوع طلاق الثلاث ثلاثًا إلى حديث ابن عباس عدة مطاعن، منها ما يتعلق بسنده، ومنها ما يتعلق بمتنه، وهذه المطاعن ذكرها الشراح أمثال النووي وابن حجر (٢)، وأنا أذكر أهمها، ثم ما قيل في الجواب عنها.
أما من جهة السند: فهو الحكم بشذوذه، وتفرد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، قالوا: وانفراد الراوي بالحديث وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، فيكون شاذًّا ومنكرًا إذا لم يُرو معناه من وجه يصح (٣).
قال الإِمام أحمد: (هو شاذ، مطَّرح) وسأله إسحاق بن منصور عن هذا الحديث؟ فقال: كل أصحاب ابن عباس رووا خلاف ما قال طاوس، روى سعيد بن جبير، ومجاهد، ونافع عن ابن عباس خلاف ذلك. . . قلت لأحمد: فيه متعلَّق؟ قال: لا، لم يروه إلا طاوس (٤). وقال البيهقيّ: (هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته لسائر الروايات عن ابن عباس … ) ثم ساق جملة منها تفيد أن ابن عباس كان يفتي بوقوع الطلاق الثلاث (٥).
وقال الجوزجاني -وهو ثقة حافظ-: (هو حديث شاذ، قال: وقد عُنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلًا) (٦).
أما من جهة المتن: فقد أجيب عنه بأجوبة، منها:
١ - أن الإِمام أحمد قال عنه: (إنه شاذ مُطَّرحٌ) ومعناه: أن العمل ليس
стр. 3294
عليه (١). وقال ابن عبد البر عن هذه الرواية: (لم يعرج عليها أحد متفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والمغرب والمشرق والشام … ) (٢)، وذكر ابن رجب إجماع الأمة على ترك العمل بها (٣).
٢ - أنه يطرقه احتمالات عديدة، منها: أن يكون المراد بهذا الحديث أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا يوقعون طلقة واحدة، ثم صاروا يتجرؤون ويطلقون ثلاثًا، ومنها: أنه وارد في تكرير اللفظ؛ لأن الناس في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وأول خلافة عمر كانت نياتهم صحيحة، وقلوبهم سليمة، فيقصدون بالتكرار التأكيد لا العدد، ولما فسدت نياتهم صارت إرادة التأكيد منهم غير مقبولة، فجعل عمر ﵁ اللفظ على ظاهره، وأمضاه عليهم.
٣ - أن الحديث محمول على غير المدخول بها، بدليل رواية أبي داود من طريق أيوب، عن غير واحد، عن طاوس، أن رجلًا يقال له: أبوالصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة … ، قال ابن عباس: بلى (٤).
قالوا: ووجه التفريق بين ما قبل الدخول وما بعده؛ أنه إذا كان التتابع قبل الدخول بانت بالأولى، فتصادفها الطلقة التي بعدها وهي أجنبية، فلا تقع عليها، بخلاف ما بعد الدخول فإنها لا تبين بالأولى.
٤ - أن هذا الحديث منسوخ، وذلك أن ابن عباس قد أفتى بوقوع الثلاث (٥)، فيشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا نسخ هذا الحديث، كما نقله البيهقي عن الشافعي (٦).
هذا بعض مما وُجِّه إلى الحديث، وقد ذكر الحافظ هذه الاعتراضات،
стр. 3295
وقال: (قد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني، والله المستعان) (١).
قال المعتبرون الثلاث واحدة: إن الحديث ثابت، والاستدلال به مستقيم بشقيه، وهو اعتبار الثلاث واحدة، ثم إمضاؤها في عهد عمر ﵁، قال الشيخ أحمد شاكر: (إن الذي كان في زمن أبي بكر وأول خلافة عمر، هو الحكم الأصلي الموافق للكتاب والسنة، وأن الذي عمله عمر بموافقة الصحابة ليس تغييرًا للحكم الثابت، وإنما هو إلزام المتعجل بما التزم على سبيل العقوبة، والتعزيز في ظروف وملابسات استدعت ذلك في نظرهم ورأيهم … ) (٢).
قالوا: وكل ما وجه إلى الحديث من مطاعن، فإنه يمكن الجواب عنها كما يلي:
أما القول بشذوذ الحديث وتفرد طاوس بروايته، فإذا مردود بأن طاوسًا ثقة، والتفرد من الثقات الأثبات غير قادح في الرواية" فإن هناك أحاديث تفرد بها من هو دون طاوس ولم يردها أحد من الأئمة، فإذا حديث عمر ﵁: "إنما الأعمال بالنيات" حديث فرد، وقد أجمع العلماء على قبوله والعمل بمقتضاه، وقد قال الإِمام مسلم: اللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد) (٣).
٢ - أما القول بأن العمل ليس عليه، فهذا فيه نظر، فإنه قد روي عن بعض الصحابة أنهم عملوا بما دل عليه، فقد أفتى بمدلوله الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وابن مسعود ﵃، بل قال ابن القيم: (كل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى أو إقرارًا أو سكوتًا) (٤).
٣ - أما قولهم: إن المراد به أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا يوقعون