← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وسنتين من خلافة عمر) في رواية مسلم المذكورة: (وثلاثًا من إمارة عمر). قوله: (طلاق الثلاث واحدة) هذا فيه احتمالان، فإما أن المراد قول الرجل: أنتِ طالق ثلاثًا، أو قوله: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، وهذا متفق عليه، أما لفظ: أنت طالق ثلاثًا، فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يعد طلقة واحدة، وأن ذكر العدد لا قيمة له؛ لأن قوله: (ثلاثًا) لغو من الكلام، كما يقال سبح ثلاثًا، واستغفر ثلاثًا، لا يصدق عليه هذا العدد إلا إذا قال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. بدليل حديث: "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر"، فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يحصل له الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذا ما ورد في الذكر بعد الصلاة ثلاثًا وثلاثين، وعلى هذا فلفظة: طالق ثلاثًا تعني طلقة واحدة، ولا تتحقق طلقة ثانية إلا بنطق آخر مثل سابقه، ومن أهل العلم من اعتبر الجميع من باب واحد (١). قوله: (أناة) بفتح الهمزة، وهي التأني وترك العجلة، ومنه قوله ﷺ لِأَشَجِّ عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة" (٢)، قال في "القاموس": (الأناة: كقناة: الحلم والوقار) (٣)، والمراد هنا: أن الناس استعجلوا في أمر لهم فيه مهلة وبقية استمتاع؛ لانتظار المراجعة. قوله: (فلو أمضيناه عليهم) أي: أمضينا طلاق الثلاث ثلاثًا بدل ما كان يقع واحدة، ردعًا لهم عن إيقاع الثلاث.

стр. 3292

* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المطلق زمن النبي ﷺ وزمن أبي بكر ﵁ وصدرًا من خلافة عمر ﵁ كان إذا جمع الثلاث بأن قال: هي طالق، طالق، طالق، جعلت واحدة، واستمر الأمر على ذلك حتى مضى سنتان أو ثلاث من خلافة عمر ﵁، فجعل الطلاق الثلاث ثلاثًا، وقد كان الصحابة ﵃ على كثرة، ولم ينكروا ذلك مع كثرتهم وعلمهم وورعهم (١). * الوجه الرابع: هذا الحديث من أدلة القائلين بأن مُوقع الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات لم يتخللها رجعة لا يقع عليه إلا طلقة واحدة، وسيأتي ذكرهم، وهو نص صريح لا يقبل التأويل في أن الطلاق الثلاث يقع واحدة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين أو ثلاث -على اختلاف الروايات- من خلافة عمر ﵁، ودليل على أنه حكم باقٍ لم ينسخ. * الوجه الخامس: استدل الجمهور القائلون بوقوع الطلاق الثلاث ثلاثًا بأدلة ستأتي، ومنها فعل عمر ﵁، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتباعهم، وقد ورد عنه آثار، رجالها ثقات، وأسانيدها قوية، من طرق مختلفة تثبت هذا القول عنه (٢)، إذ ليس الاستدلال على ذلك من حديث ابن عباس؛ لأن الجمهور يضعفون حديث ابن عباس -كما سيأتي-، وهذا الإلزام من عمر ﵁ ليس تغييرًا للحكم الظاهر من القرآن، والثابت عن رسول الله ﷺ أن الطلاق لا يلحق الطلاق، وأن الطلقة الأولى ليس للمطلق بعدها إلا الرجعة أو الفراق، وكذا الثانية بعد رجعة أو زواج، وإنما جعل هذا تعزيرًا عارضًا، وعقوبة تفعل عند الحاجة؛ لأن عمر ﵁ ومعه الصحابة ﵃ أرادوا بذلك منع الناس من الاسترسال في الطلاق، ومن التعجل إلى بن الفراق، وهذا اجتهاد من اجتهاد الأئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يستقر تشريعًا

стр. 3293

لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة (١). وقد وجه الجمهور القائلون بوقوع طلاق الثلاث ثلاثًا إلى حديث ابن عباس عدة مطاعن، منها ما يتعلق بسنده، ومنها ما يتعلق بمتنه، وهذه المطاعن ذكرها الشراح أمثال النووي وابن حجر (٢)، وأنا أذكر أهمها، ثم ما قيل في الجواب عنها. أما من جهة السند: فهو الحكم بشذوذه، وتفرد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، قالوا: وانفراد الراوي بالحديث وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، فيكون شاذًّا ومنكرًا إذا لم يُرو معناه من وجه يصح (٣). قال الإِمام أحمد: (هو شاذ، مطَّرح) وسأله إسحاق بن منصور عن هذا الحديث؟ فقال: كل أصحاب ابن عباس رووا خلاف ما قال طاوس، روى سعيد بن جبير، ومجاهد، ونافع عن ابن عباس خلاف ذلك. . . قلت لأحمد: فيه متعلَّق؟ قال: لا، لم يروه إلا طاوس (٤). وقال البيهقيّ: (هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته لسائر الروايات عن ابن عباس … ) ثم ساق جملة منها تفيد أن ابن عباس كان يفتي بوقوع الطلاق الثلاث (٥). وقال الجوزجاني -وهو ثقة حافظ-: (هو حديث شاذ، قال: وقد عُنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلًا) (٦). أما من جهة المتن: فقد أجيب عنه بأجوبة، منها: ١ - أن الإِمام أحمد قال عنه: (إنه شاذ مُطَّرحٌ) ومعناه: أن العمل ليس

стр. 3294

عليه (١). وقال ابن عبد البر عن هذه الرواية: (لم يعرج عليها أحد متفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والمغرب والمشرق والشام … ) (٢)، وذكر ابن رجب إجماع الأمة على ترك العمل بها (٣). ٢ - أنه يطرقه احتمالات عديدة، منها: أن يكون المراد بهذا الحديث أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا يوقعون طلقة واحدة، ثم صاروا يتجرؤون ويطلقون ثلاثًا، ومنها: أنه وارد في تكرير اللفظ؛ لأن الناس في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وأول خلافة عمر كانت نياتهم صحيحة، وقلوبهم سليمة، فيقصدون بالتكرار التأكيد لا العدد، ولما فسدت نياتهم صارت إرادة التأكيد منهم غير مقبولة، فجعل عمر ﵁ اللفظ على ظاهره، وأمضاه عليهم. ٣ - أن الحديث محمول على غير المدخول بها، بدليل رواية أبي داود من طريق أيوب، عن غير واحد، عن طاوس، أن رجلًا يقال له: أبوالصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة … ، قال ابن عباس: بلى (٤). قالوا: ووجه التفريق بين ما قبل الدخول وما بعده؛ أنه إذا كان التتابع قبل الدخول بانت بالأولى، فتصادفها الطلقة التي بعدها وهي أجنبية، فلا تقع عليها، بخلاف ما بعد الدخول فإنها لا تبين بالأولى. ٤ - أن هذا الحديث منسوخ، وذلك أن ابن عباس قد أفتى بوقوع الثلاث (٥)، فيشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا نسخ هذا الحديث، كما نقله البيهقي عن الشافعي (٦). هذا بعض مما وُجِّه إلى الحديث، وقد ذكر الحافظ هذه الاعتراضات،

стр. 3295

وقال: (قد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني، والله المستعان) (١). قال المعتبرون الثلاث واحدة: إن الحديث ثابت، والاستدلال به مستقيم بشقيه، وهو اعتبار الثلاث واحدة، ثم إمضاؤها في عهد عمر ﵁، قال الشيخ أحمد شاكر: (إن الذي كان في زمن أبي بكر وأول خلافة عمر، هو الحكم الأصلي الموافق للكتاب والسنة، وأن الذي عمله عمر بموافقة الصحابة ليس تغييرًا للحكم الثابت، وإنما هو إلزام المتعجل بما التزم على سبيل العقوبة، والتعزيز في ظروف وملابسات استدعت ذلك في نظرهم ورأيهم … ) (٢). قالوا: وكل ما وجه إلى الحديث من مطاعن، فإنه يمكن الجواب عنها كما يلي: أما القول بشذوذ الحديث وتفرد طاوس بروايته، فإذا مردود بأن طاوسًا ثقة، والتفرد من الثقات الأثبات غير قادح في الرواية" فإن هناك أحاديث تفرد بها من هو دون طاوس ولم يردها أحد من الأئمة، فإذا حديث عمر ﵁: "إنما الأعمال بالنيات" حديث فرد، وقد أجمع العلماء على قبوله والعمل بمقتضاه، وقد قال الإِمام مسلم: اللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد) (٣). ٢ - أما القول بأن العمل ليس عليه، فهذا فيه نظر، فإنه قد روي عن بعض الصحابة أنهم عملوا بما دل عليه، فقد أفتى بمدلوله الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وابن مسعود ﵃، بل قال ابن القيم: (كل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى أو إقرارًا أو سكوتًا) (٤). ٣ - أما قولهم: إن المراد به أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا يوقعون

стр. 3296

طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات … فهذا مردود؛ لأن من لم يطلق إلا واحدة لا يقع عليه إلا واحدة في كل زمان ومكان؛ في زمن عمر وما قبله وما بعده، وأما قولهم: إنه محمول على من أراد التأكيد وهذا في الزمن الأول … فهذا تأويل لا يعتد به، لأمرين: الأول: أن نية التأكيد بالتكرار لا فرق فيها بين عهد عمر وغيره إلى يوم القيامة، فمتى نوى بالتكرار التأكيد أو الإفهام لم يتعدد الطلاق بتعدده قولًا واحدًا، لا في زمن عمر ولا قبله ولا بعده. الثاني: أنه لو كان المعنى ما ذكر هؤلاء لم يستقم قول عمر: (أرى الناس قد استعجلوا) ولقال: أرى الناس قد تغيروا وفسدت نياتهم، فلا نقبل منهم دعوى التوكيد. على أنه ثبت في "الصحيحين" أن عويمرًا العجلاني لما لاعن زوجته طلقها ثلاثًا بفم واحد بحضرة النبي ﷺ ، مما يدل على أن إيقاع الثلاث المتعاقبة كان موجودًا في عهد النبي ﷺ (١). ٤ - أما حمل الحديث على غير المدخول بها استنادًا إلى رواية أبي داود، فهذا مردود؛ لأن رواية أبي داود ضعيفة؛ لأنها عن أيوب السختياني، عن غير واحد، وهذا صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، وعلى فرض ثبوتها (٢)، فإن ذكر غير المدخول بها من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وأيضًا فإن كلام ابن عباس هذا وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم له، كما في علم الأصول (٣). ٥ - وأما قولهم: بأن الحديث منسوخ، فهو مردود -أيضًا- فإن ابن

стр. 3297

عباس ﵄ قد أفتى بوفاق هذا الحديث، وإن كان المشهور عنه أن طلاق الثلاث ثلاث، لكن هذا لا يبطل دلالة الحديث، فإن العبرة بما رواه الصحابي لا بما رآه (١)، ثم كيف ينسخ حديث رسول الله ﷺ يقول أحد وفتواه، بل كيف يبقى المسلمون من عهد النبي ﷺ إلى أول عهد عمر يعملون بشيء قد أبطل الله حكمه ونسخه؟! ثم إن دعوى النسخ تتوقف صحتها على قبول ثبوت معارض مقاوم متأخر، فأين هذا؟! (٢). وللمازري في "المُعْلِمِ" كلام جيد في رد دعوى النسخ، تحسن مراجعته (٣). والذي يظهر -والله أعلم- أن حديث ابن عباس ﵄ في اعتبار الثلاث واحدة حديث معلول، ردَّه كبار الأئمة؛ لتفرد طاوس، ومخالفته لفتوى ابن عباس ﵄ في أن الثلاث تحسب ثلاثًا، هذا من الناحية العلمية، أما من جهة التطبيق على الوقائع فالمسألة مرجعها إلى اجتهاد القاضي، والله تعالى أعلم.

стр. 3298

حكم جمع الثلاث بكلمة واحدة ١٠٧٨/ ٤ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيدٍ ﵁ قَال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَال: "أَيُلْعَبُ بكِتَاب اللهِ تَعَالى، وَأَنَا بَينَ أَظْهُرِكُمْ"؟ حَتى قَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ ألا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأولى: في ترجمة الراوي: وهو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأشهلي الأنصاري، ولد في عهد النبي ﷺ ، واختلف في صحبته، فذكر البخاري ما يدل على أن له صحبة، وقال أبو حاتم: لا يعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين، قال الحافظ: (محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﷺ ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية … )، وقد ترجم له أحمد في "مسنده" وذكر ما يدل على أن له صحبة، قال ابن عبد البر: (قول البخاري أولى، وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهد له، وهو أولى بأن يذكر في الصحابة من محمود بن الربيع، فإنه أسنُّ منه). توفي سنة سبع وتسعين، ويقال: سنة ست (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه النسائي متفردًا به من بين أصحاب الكتب الستة، في كتاب

стр. 3299

"الطلاق"، باب (الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ) (٦/ ١٤٢ - ١٤٣) من طريق مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت محمود بن لبيد قال: … فذكر الحديث. قال النسائي: (لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير مخرمة) (١). وهذا الحديث رجاله موثقون، قال عنه ابن كثير: (إسناده جيد قوي)، لكنه أعل بعلتين: الأولى: أنه مرسل؛ لأنه لا يثبت لمحمود بن لبيد سماع من النبي ﷺ وإن كانت ولادته في حياة النبي ﷺ . الثانية: أنه منقطع، فإن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج لم يسمع من أبيه شيئًا لصغر سنه، وإنما روى عنه وجادة، وهو كتاب أبيه، كما قاله عدد من الأئمة؛ كأحمد وابن معين وابن حبان وغيرهم، قال الدارقطني: (قال حماد بن خالد: سألت مخرمة، أسمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا). وأجيب عن العلة الأولى بأنه ورد ما يدل على ثبوت صحبة محمود بن لبيد، فقد روى أحمد بسنده عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلم منها، قال: "اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم" للسُّبْحَةِ بعد المغرب (٢). وهذا يفيد صحة سماعه من النبي، وهو صحابي صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة، كما قال الحافظ، فالظاهر أن هذا من مراسيله، وغاية ما في الأمر أن يكون حديثه -إذا لم يثبت سماعه من النبي ﷺ من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة. وعلى هذا فيكون حديثه حجة عند عامة أهل العلم. وأما العلة الثانية فأجيب عنها بجوابين: الأول: أن جماعة من الأئمة أثبتوا سماع مخرمة من أبيه؛ كابن المديني، فإنه قال: (سمع من أبيه قليلًا)، وأثنى عليه الإِمام مالك، فقال: كان رجلًا صالحًا، ورَوَى عنه أنه كان يحلف أنه سمع من أبيه. ومخرمة

стр. 3300

ثقة (١)، قال ابن القيم: (ويكفي أن مالكًا أخذ كتابه، فنظر فيه، واحتج به في "موطئه"، وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلًا صالحًا) (٢). والمثبت -في مثل هذه الحال- مقدم على النافي. الثاني: سلمنا أنه لم يسمع من أبيه وإنما روى عنه وجادة، ومثل هذا لا يضر، ولا يضعف روايته؛ لأنه كان عنده كتاب أبيه، وهذه وجادة تشبه السماع أو تكون أقوى منه، وقد أخرج مسلم بعض روايته عن أبيه، وهذه أمارة صحتها (٣). قال ابن القيم: (إن كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فرق في مقام الحجة بالحديث بين ما حدثه به أو رواه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف. . .) (٤). قال الألباني: (هو أعرف بحديث أبيه من غيره) (٥). * الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن جمع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة بأن يقول: هي طالق طالق طالق، ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ غضب لذلك، وقال: "أيلعب بكتاب الله" أي: أيستهزأ بكتاب الله تعالى ويستخف بتطبيق أحكامه وأنا حي بينكم؟! وهذا يدل على أن الناس في عهد رسول الله ﷺ كانوا يعملون بما أمر الله به فيطلقون طلقة واحدة يستقبلون بها عدة النساء، وإن كان وقع تطليق الثلاث من أشخاص لكنها محتملة، ولهذا غضب النبي ﷺ لما بلغه أن هذا الرجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا. والمراد بكتاب الله: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ومعناه: أن الطلاق الشرعي يكون مرة بعد مرة على التفريُق، دون الجمع والإرسال مرة واحدة، وأن الزوج له بعد المرة الثانية أن يمضي الطلاق، أو يراجع.

стр. 3301

قال الجصاص: (إن الله تعالى لم يبح الطلاق ابتداء لمن تجب عليه العدة إلا مقرونًا بذكر الرجعة، منها قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) [البقرة: ٢٣١] وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: (إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما تعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرًا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتفٍ في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزًا) (٢)، وقال: (فإن طلقها ثلاثًا أو طلقها الثانية أو الثالثة في ذلك الطهر فإذا حرام، وفاعله مبتدع عند أكثر العلماء) (٣). والحكمة من شرعية تفريق الطلاق إيجاد الفرصة للزوج في مراجعة زوجته بعد الطلقة الأولى أو الثانية، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] والمعنى: لا تعلم أيها الزوج لعل الله تعالى يوجد بعد الرغبة عن المرأة شأنًا آخر، وهو الرغبة فيها، فينقلب الزوج بعد الطلاق من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة إمضاء الطلاق إلى الندم عليه. والقول بتحريم جمع الطلاق الثلاث هو مذهب المالكية، والحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها أكثر أصحابه، وهو قول شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٤). وهؤلاء فريقان: منهم من قال: يقع ثلاثًا، ومنهم من قال: يقع واحدة (٥). القول الثاني: أن الطلاق الثلاث ليس بمحرم، وإنما هو ترك للأفضل، وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وصفها ابن تيمية بأنها قديمة، وقد

стр. 3302

اختارها الخرقي (١)، واستدلوا بما تقدم في حديث ابن عباس ﵄ من أن عمر ﵁ أمضى الطلاق الثلاث وجعله ثلاثًا، ولو كان محرمًا لم يمضه؛ لأن ذلك من باب المضادة لله تعالى؛ لأن الله تعالى إذا حرم شيئًا وجب اجتنابه. كما استدلوا بوقوع طلاق الثلاث في زمن النبي ﷺ ، كما في حديث سهل ﵁ في قصة الملاعن الذي طلق زوجته ثلاثًا بحضرة النبي ﷺ ولم ينكر عليه، وكذا في حديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا، وفي حديث ركانة أنه قال للنبي ﷺ ، إنه طلقها ثلاثًا، وهذه الأحاديث الثلاثة ستأتي إن شاء الله. وأجابوا عن حديث محمود بن لبيد بأنه مرسل، وبأنه منقطع، فلا تقوم به حجة، وتقدم الجواب عن ذلك. والراجح هو القول الأول، لقوة دليله، ولأنه مروي عن جماعة من الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ (٢). قال ابن قدامة: (ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم … ). وأما حديث سهل في قصة الملاعن، فعنه جوابان: الأول: أن هذا الطلاق وقع في غير محله؛ لأن الفرقة لم تقع به وإنما وقعت بمجرد لعانهما؛ لأنه باللعان تقع الفرقة المؤبدة، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح برضاع أو غيره. الثاني: أن راوي الحديث وهو سهل بن سعد ﵁ قال: (فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ) فهذا يدل على أنه أوقع الطلاق قبل أمر النبي ﷺ له. وأما حديث فاطمة بنت قيس فليس نصًّا في الموضوع؛ لأنه قد جاء في

стр. 3303

بعض روايات مسلم: (فطلقني آخر ثلاث تطليقات) وهذا يدل على أنها غير مجموعة، وإنما كانت الطلقة الثالثة، ويؤيد هذا رواية: (فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها). وأما حديث ركانة فهو حديث ضعيف، وفيه اضطراب، فقد ورد في بعض ألفاظه: (أنه طلقها ثلاثًا)، وفي بعضها: (واحدة)، وفي بعضها: (البتة)، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه.

стр. 3304

ما يقع بالطلاق الثلاث ١٠٧٩/ ٥ - عَنِ ابْنِ عَبّاس ﵄ قَال: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أمَّ رُكَانَةَ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَاجعِ امْرَأَتَكَ"، فَقَال: إِني طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَال: "قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ١٠٨٠/ ٦ - وَفي لَفْظٍ لأَحْمَدَ: طلَقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا، فَحَزِنَ عَلَيهَا، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّها وَاحِدَةٌ" وَفي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفيه مَقَالٌ. ١٠٨١/ ٧ - وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأتهُ سُهَيمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَال: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيهِ النَّبيُّ ﷺ . * الكلام عليها من وجوه: * الوجه الأولى: في تخريجها: أما حديث ابن عباس الأول: فقد أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٣٩٥) ومن طريقه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب (نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث) (٢١٩٦) من طريق ابن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة مولى ابن عباس ﵄، قال: طلق عبدُ يزيدَ أبو ركانةَ وإخوتِه أُمَّ ركانة، ونكح امرأة من مزينة … وذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال: "راجع امرأتك أم ركانة وإخوتِه" فقال: (إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله) قال: "قد علمتُ، راجعها" وتلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].

стр. 3305

وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه من لم يُسمَّ، وهم: بعض بني رافع، وقد استجاز الحافظ ابن العراقي أن يكون هذا المجهول هو الفضل بن عبيد الله بن رافع (١)، وتبعه الحافظ ابن حجر، وذكر الحافظ ابن رجب أنه محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع، ويؤيد ذلك ما ورد عند الحاكم (٢/ ٢٩١) من طريق ابن جريج، عن محمَّد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: (طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة … الحديث) (٢)، ومحمد بن عبيد الله ضعيف الحديث بالاتفاق، وأحاديثه منكرة، وقيل: إنه متروك (٣). وقد ترجم له الذهبي، وذكر له عدة مناكير من روايته عن أبيه، عن جده، وقال: قال يحيى بن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال أبو حاتم: (منكر الحديث جدًّا)، وقال الذهبي: (واهٍ) (٤). قال ابن حزم عن الحديث: (هذا لا يصح؛ لأنه عن غير مسمى من بني أبي رافع، ولا حجة في مجهول، وما نعلم في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيد الله وحده، وسائرهم مجهولون) (٥). ثم إن الحديث فيه خطأ نبه عليه الذهبي في "التلخيص" وهو أن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب لم يدرك الإِسلام (٦). وأما حديثه الثاني: فقد رواه أحمد (٤/ ٢١٥)، وأبو يعلى (٣/ ٦٤ - ٦٥)، والبيهقي (٧/ ٣٣٩) من طرق، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، قال: (طلق

стр. 3306

ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله ﷺ كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثًا، قال: فقال: "في مجلس واحد؟ " قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت" قال: فَرَجَعَهَا. وهذا إسناد ضعيف -أيضًا- أُعل بثلاث علل: الأولى: أنه من رواية داود بن الحصين، عن عكرمة، وقد ضعف الأئمة روايته عن عكرمة؛ لأن فيها نكارة، قال ابن المديني: (ما روى عن عكرمة فمنكر)، وقال أبو داود: (أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير)، وقال الذهبي: (ثقة مشهور، له غرائب تستنكر)، وقال الحافظ في "التقريب": (ثقة إلا في عكرمة) (١). الثانية: أن الحديث مخالف للمشهور عن ابن عباس ﵄، فإنه كان يفتي بخلافه، قال البيهقي: (هذا إسناد لا تقوم به حجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس ﵄ فتياه بخلاف ذلك) (٢). الثالثة: أن الحديث مخالف لما رواه أهل بيت ركانة من أن طلاقها كان واحدة وليس ثلاثًا، كما سيأتي، ولذا قال ابن عبد البر: (هذا حديث منكر خطأ، وإنما طلق ركانة زوجته البتة، لا ثلاثًا، كذلك رواه الثقات أهل بيت ركانة، العالمون به، … وحديث الشافعي أنه طلقها البتة أصح؛ لأنهم أهل بيته، وهو أعلم بهم، ورواية الشافعي لحديث ركانة، عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول، فوجب قبولها، لثقة ناقليها) (٣). وقد ذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية إلى تقوية الحديث، فقال: (هذا إسناد جيد، وله شاهد آخر رواه أبو داود. . .) (٤)، وذكر هو وابن القيم أن الأئمة

стр. 3307

احتجوا بهذا السند (١) -داود بن الحصين، عن عكرمة- بعينه في حديث ابن عباس ﵄ في رد النبي ﷺ زينب على زوجها أبي العاص بالنكاح الأول (٢). وتبعهما على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز (٣). وذكروا أن ما يخشى من تدليس ابن إسحاق قد زال بالتحديث، كما تقدم، وهذا فيه نظر لما يلي: ١ - أن الحديث معلول بعدة علل غير تدليس ابن إسحاق، كما مضى. ٢ - أن حديث ابن عباس في قصة زينب مع زوجها ليس متفقًا على الاحتجاج به، كما تقدم في موضعه، وعلى هذا فالتنظير ليس مستقيمًا. ٣ - أن التنظير بأسانيد أخذ بها الأئمة ليس مطردًا؛ لأن لهم في كل حديث نظرًا خاصًّا ولو كان الإسناد واحدًا، فقد يخرج البخاري أو مسلم أحاديث بسندٍ ما، ويعرضا عن أحاديث بالسند نفسه إذا لاحت لهم علة من العلل تقتضي رد الحديث، أو قرائن تدل على أن الحديث فيه غرابة أو نكارة (٤). وقول الحافظ: (وفي سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال) أي: في سند أبي داود وسند أحمد، وهذا وهم منه، فإن ابن إسحاق في سند أحمد، وليس في

стр. 3308

سند أبي داود، كما تقدم في سياق الإسنادين، هذا أمر، والأمر الثاني: أن ابن إسحاق ليس هو علة الحديث؛ لأنه قد صرح بالتحديث، كما تقدم، والظاهر أن الحافظ يشير بذلك إلى تدليسه. وابن إسحاق: هو محمَّد بن إسحاق بن يسار، صاحب "السيرة النبوية" رواها عنه ابن هشام، مات سنة (١٥١ هـ)، وقد اختلفت فيه كلمة المحدثين، فقد وثقه غير واحد، ووهاه آخرون، وهو مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين، يقول الذهبي بعد استعراض الأقوال فيه: (فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة، فالله أعلم) (١). وقال الحافظ: (حديثه في درجة الحسن، إلا أنه لا يحتج به إذا خولف) (٢). وأما الحديث الثالث: فقد رواه أبو داود (٢٢٠٨)، والترمذي (١١٧٧)، وابن ماجه (٢٠٥١) من طرق عن جرير بن حازم، عن الزبير بن سعد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده (٣)، أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: "ما أردت؟ " قال: واحدة، قال: "آلله" قال: آلله، قال: "هو على ما أردت". وهذا سند ضعيف مسلسل بعلل: ١ - فيه الزبير بن سعد، ضعفه ابن المديني وابن معين في رواية، والنسائي وأبو داود، وقال الحافظ: (لين الحديث). ٢ - فيه عبد الله بن علي بن يزيد، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وذكره العقيلي في "الضعفاء" (٥)، وقال: (لا يتابع على حديثه، مضطرب الإسناد) ثم ساق له هذا الحديث. ٣ - وفيه علي بن يزيد بن ركانة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦)، وذكره

стр. 3309

العقيلي في "الضعفاء" (١)، وساق له هذا الحديث، ثم نقل عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه. ٤ - الاضطراب في سنده ومتنه، قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب، ويروى عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا) (٢)، وأما الاضطراب في سنده فقد اختلف على الزبير بن سعد في سنده اختلافًا كثيرًا، ذكره الألباني (٣). وقد صحح الحديث ابن عبد البر، كما في "تفسير القرطبي" (٤)، وكذا ابن كثير فقد حسنه في "الإرشاد" (٥). وقد جاء له متابع فيما أخرجه أبو داود (٢٢٠٦) من طريق الشافعي، حدثني عمي محمَّد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة، أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة … الحديث، وفيه: فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان. ورواه -أيضًا- (٢٢٠٧) من طريق الشافعي قال: حدثني عمي محمَّد بن علي، عن ابن السائب، عن نافع بن عجير، عن ركانة (٦) بن عبد يزيد، عن النبي ﷺ ، بهذا الحديث. وهذا الإسناد كالذي قبله ضعيف؛ لأن مداره على نافع بن عجير، وقد ذكره بعضهم في الصحابة، كما في "الإصابة" (٧)، واختلف فيه ابن حبان فمرة

стр. 3310

أورده في أسماء الصحابة (١)، وأخرى ذكره في عداد التابعين (٢)، وقال عنه: (شيخ)، وهذا هو الراجح، ثم هو مجهول، ومما يؤيد ذلك أن البخاري ذكره في "التاريخ الكبير" (٣)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤) ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولو كان معروفًا لذكروا فيه شيئًا. ولذا قال ابن القيم: (مجهول، لا يعرف حاله البتة، ولا يدرى من هو؟) (٥). قال أبو داود عقب هذه الطرق الثلاث: (وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة (٦) طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته، وأعلم به، وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس) (٧). ولعل الحافظ يشير بقوله: (وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه) إلى مقولة أبي داود هذه. وقد روى الدارقطني في "سننه" (٤/ ٣٣) هذا الحديث من طريق أبي داود، وقال عقبه: (قال أبو داود: وهذا حديث صحيح)، ومثل هذا قال المنذري في "مختصر السنن" (٨)، مع أن هذه العبارة ليست في "سنن أبي داود" التي بأيدينا، فيحتمل أنها في نسخ أخرى؛ لأن "السنن" لها نسخ متعددة، وروايات مختلفة (٩)، ويرى بعض الشراح أن هذه العبارة تدل على أن حديث عبد الله بن علي صحيح، وحديث ابن عباس ليس بصحيح، وهذا الاحتمال

стр. 3311

هو الذي مشى عليه الدارقطني، والاحتمال الأول أخذ به ابن القيم (١). والذي يتلخص من الكلام على هذا الحديث أنه حديث ضعيف بجميع طرقه، لما في بعض أسانيده من الجهالة، وما في متنه من اختلاف الألفاظ، مع أن القصة واحدة على ما يظهر، وهو كما قال البخاري: حديث مضطرب، تارة قيل فيه: ثلاثًا، وتارة قيل فيه: البتة، ثم هو معارض بحديث ابن عباس المتقدم، وهو أصح منه إسنادًا، وأوضح منه متنًا. وقد ضعف الحديث -أيضًا- الإِمام أحمد، قال ابن قدامة: (أما حديث ركانة فإن أحمد ضعف إسناده، فلذلك تركه) (٢)، وقال الخطابي: (وكان أحمد بن حنبل يضعف طرق هذه الأحاديث كلها) (٣). ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: (حديث ركانة ليس بشيء) (٤)، وضعفه -أيضًا- العقيلي، كما تقدم، والترمذي وآخرون. والاستدلال بهذا الحديث معتمد على رواية أنه طلقها ثلاثًا، وعلى رواية أنه طلقها البتة، فبالأولى أخذ المانعون من إيقاع الثلاث، وبالثانية أخذ الجمهور، لكن من الملاحظ أن من رام الاستدلال برواية من روايات الحديث عمل على تقويتها وتضعيف ما يعارضها، أما على ما قاله الإمامان أحمد والبخاري فإنه لا يحتج لا برواية (ثلاثًا) ولا برواية (البتة)، بل تتساقط الروايتان، ويرجع إلى غيرهما (٥)، وعلى هذا فللعلماء في هذا الحديث مسلكان: الأول: رفض الاحتجاج بجميع رواياته، وكأن هذا مسلك المحدثين. الثاني: العمل على تقوية بعضها والاحتجاج بها، وكأن هذا مسلك الفقهاء.

стр. 3312

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (طلق أبو ركانة) بضم الراء، وتخفيف الكاف، هو ركانة بن عبد يزيد المطلبي، من مسلمة الفتح، نزل المدينة، ومات في أول خلافة معاوية (١). وقد تقدم في إحدى روايات أبي داود (طلق عبدُ يزيدَ أبو ركانة وإخوتِهِ أمَّ ركانة) وهذا يدل على أن المطلِّق هو أبو ركانة، لكن في رواية أبي داود المذكورة في "البلوغ": (أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة … ) وهكذا جاء في "المسند"، كما تقدم، خلافًا لما جاء في أكثر نسخ "البلوغ"، ولم يقل في هذا اللفظ: أم ركانة، وعلى هذا فيحتمل أن الوهم وقع في إحدى روايتي أبي داود من بعض الرواة (٢)، وأن الصواب طلق ركانة امرأته، وقد ذكر الذهبي أن المعروف أن صاحب القصة ركانة، وليس أبا ركانة (٣). قوله: (أم ركانة) في رواية أبي داود المذكورة: (امرأته سهيمة) وهي: سهيمة بنت عمير المزنية، قال في "الإصابة": (هي امرأة ركانة بن عبد يزيد المطلبي) (٤). قوله: (راجع امرأتك) أمر من الرجعة، وهي إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد، وأمره بالرجعة مع أنه قال: (طلقتها ثلاثًا) دليل على أن الثلاث واحدة، كما سيأتي. قوله: (البتة) بهمزة وصل؛ أي: قال: أنت طالق البتة، وهو من البت بمعنى: القطع، قال في "المصباح المنير": (بَتَّ الرجل طلاق امرأته فهي مبتوتة، والأصل مبتوت طلاقها) (٥)؛ أي: كأنه قال: طلقتك طلاقًا قطع النكاح ولم يبق معه حق الرجعة، والمطلق بهذا اللفظ قد يريد الثلاث، وقد يريد الواحدة، وقد عدَّ الفقهاء لفظ: (البتة) في كنايات الطلاق الظاهرة (٦)،

стр. 3313

والكناية: كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، ومما يدل على أنه قد يراد بها الواحدة رواية أبي داود المتقدمة: ( … فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان). * الوجه الثالث: استدل جماعة من أهل العلم برواية أبي داود وأحمد على أن طلاق الثلاث يقع واحدة، وأن للمطلق الرجعة، لقوله: "راجع امرأتك"، فقال: (إني طلقتها ثلاثًا)، فقال: "قد علمت، راجعها"، وفي لفظ لأحمد: فقال رسول الله ﷺ : "فإنها واحدة". قال الحافظ: (هذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات) (١). قالوا: فحديث ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أبي داود، وحديث داود بن الحصين، عن عكرمة، عند أحمد موافقان لحديث طاوس وأبي الصهباء وأبي الجوزاء عن ابن عباس أن طلاق الثلاث واحدة، وطاوس وعكرمة أعلم أصحاب ابن عباس، وكان طاوس وعكرمة يفتيان بأن الثلاث واحدة. والقائلون بأن الثلاث واحدة هم جماعة من الصحابة والتابعين، وبعض أرباب المذاهب، فمن الصحابة ﵃: أبو بكر وعمر في أول خلافته، وابن عباس في رواية عنه، ومن التابعين: عطاء وطاوس، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وبه قال بعض هيئة كبار العلماء، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز (٢). وأجاب الجمهور القائلون بوقوع الثلاث عن هذا الحديث بثلاثة أجوبة: ١ - أنه حديث معلول كما تقدم، فلا تقوم به حجة، ولو صح لكان نصًّا في محل النزاع.

стр. 3314

٢ - على فرض صحته فليس فيه دلالة على أن الطلاق الثلاث كان بلفظ واحد؛ لأن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه أنها بلفظ واحد، والتعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت كذلك لقال: بلفظ واحد، وترك ذكر المجلس، إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب (١). ٣ - أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما تقدم في روايته عن طريق آل بيت ركانة، فيمكن أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا، والبتة يصلح أن يراد بها واحدة، كما تقدم. * الوجه الرابع: استدل الجمهور من أهل العلم على أن طلاق الثلاث يقع ثلاثًا برواية أبي داود الأخيرة: (أن ركانة طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: "ما أردت؟ "، قال: واحدة، قال: "والله ما أردت إلا واحدة؟ "، قال: والله ما أردت إلا واحدة، قال: "فهو ما أردت". ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ استحلف المطلق بأنه لم يرد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر من واحدة لوقع ما أراد، ولو لم يفترق الحال لم يستحلفه (٢). قالوا: وهذا الحديث قال عنه أبو داود: هذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، كما تقدم. وقالوا -أيضًا-: إن هذا الحديث بروايته المتقدمة له متابع من بيت ركانة بن عبد يزيد المطلبي، فيصح الحديث، وتقدم سياق هذا المتابع. كما استدلوا بقضاء عمر ﵁، كما تقدم في حديث ابن عباس، واستدلوا بحديث فاطمة بنت قيس، وحديث سهل في قصة المتلاعنين، وقد مضى ذكرهما والجواب عنهما في شرح حديث ابن عباس ﵄ ثالث أحاديث كتاب "الطلاق".

стр. 3315

وقد أخذ بهذا القول الأكثرية من هيئة كبار العلماء (١). وأما حديث ركانة فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة: ١ - أنه حديث ضعيف، كما تقدم؛ لأن مداره على نافع بن عجير، وقد مضى ما فيه. ٢ - أن قول أبي داود عنه إنه أصح من حديث ابن جريج (أنه طلقها ثلاثًا)، سببه أن أبا داود روى حديث ابن جريج من طريق فيها مجهول -كما تقدم- ولم يرو حديث أحمد من طريق داود بن الحصين، عن عكرمة: (أنه طلقها ثلاثًا)، فلهذا رجح حديث (البتة) على حديث ابن جريج، ولم يتعرض لحديث داود بن الحصين الذي هو أحسن حالًا منه، وهذا على رأي ابن تيمية وابن القيم في تصحيح حديث داود بن الحصين، عن عكرمة، كما تقدم. ٣ - أن عبارة أبي داود ليست نصًّا في أن الحديث صحيح عنده، كما تقدم. أما القائلون بأن طلاق الثلاث بلفظ واحد أو بكلمات متعاقبة لا يقع إلا طلقة واحدة؛ فمستندهم حديث ابن عباس ﵄ في أن الطلاق الثلاث كان واحدة في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وأول خلافة عمر ﵄، وقد تقدم ما فيه. قالوا: وأما ما فعله عمر ﵁ ومن وافقه من الصحابة ﵃ لما رأى أن الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، وتتابعوا فيه، وأنهم لا ينتهون إلا بعقوبة تردعهم عنه، فرأى إلزامهم بما قالوا عقوبة لهم، فإن هذا من باب التعزير العارض الذي يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة (٢)، ولا يستقر تشريعًا لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة، فإذا قُدِّرَ أن

стр. 3316

الناس تهافتوا على طلاق الثلاث كان الإلزام به أولى، وإذا كان فاعلوه قليلين كان عدم الإلزام به هو الحق. قالوا: وبهذا تجتمع الأدلة، ويحصل التمسك بسنة النبي ﷺ وخليفتيه الراشدين. وأما الاستدلال بحديث ركانة فلا متمسك فيه لأحد من الفريقين، لما تقدم من ضعفه واضطرابه، وعليه فيطرح، ويؤخذ الاستدلال من أدلة أخرى، وقد أفاض ابن القيم في أدلة هذا القول، فراجع "إغاثة اللهفان" (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 3317

حكم طلاق الهازل ١٠٨٢/ ٨ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ. ١٠٨٣/ ٩ - وَفي رِوَايَةٍ لابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: "الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ". ١٠٨٤/ ١٠ - وَلِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ رَفَعَهُ: "لَا يَجْوزُ اللَّعِبُ في ثَلَاثٍ: الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْعَتَاقِ، فَمَنْ قَالهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ"، وَسَنَدُهُ ضَعيفٌ. * الكلام عليها من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب (الطلاق على الهازل) (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والحاكم (٢/ ١٩٨) من طريق عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) ونقله المنذري في "مختصر السنن" (١) وأقره، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، وعبد الرحمن بن حبيب من

стр. 3318

ثقات المدنيين، ولم يخرجاه) وتعقبه الذهبي، فقال: (فيه لين). والظاهر أن السند ضعيف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن حبيب بن أردك المدني، قال النسائي: (منكر الحديث)، ووثقه ابن حبان والحاكم (١)، ومن المعلوم أنهما من المتساهلين في التوثيق، كيف وقد خالفهما النسائي؟! ثم إن تفرد عبد الرحمن بن حبيب بهذا الحديث عن عطاء مما يزيد السند نكارة، لأن مثله لا يقبل تفرده. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٥) من طريق غالب، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث ليس فيهن لعب، من تكلم بشيء منهن لاعبًا فقد وجبن عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح". وهذا سند ضعيف جدًّا؛ لأن فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري، قال عنه أبو حاتم والنسائي والدارقطني: (متروك)، وقال ابن معين: (ليس بثقة)، وذكر ابن عدي له أحاديث، ومنها حديث الباب، ثم قال: (والغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره)، ثم إن السند فيه انقطاع؛ لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة ﵁ (٢). ولعل الحافظ ذكره لأن فيه زيادة (العَتاق). وأما حديث عبادة بن الصامت ﵁ فقد رواه الحارث بن أبي أسامة، كما في "بغية الباحث" (١/ ٥٥٥ - ٥٥٦) من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف له علتان: الأولى: ضعف عبد الله بن لهيعة. الثانية: الانقطاع بين عبيد الله بن أبي جعفر وعبادة بن الصامت، فإنه لم يثبت أنه سمع من الصحابة؛ لأن عبيد الله ولد سنة ستين، ووفاة عبادة بن

стр. 3319

الصامت سنة أربع وثلاثين (١). وبهذا يتبين أن حديث أبي هريرة حديث ضعيف، وكذا ما له من شواهد كحديث عبادة، وكذا حديث أبي ذر عند عبد الرزاق (٦/ ١٣٥) من طريق إبراهيم بن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك. وقد أخرج ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٤٢٥)، وابن جرير (٥/ ١٣) من طرق عن الحسن، قال: (كان الرجل في الجاهلية يطلق، ثم يراجع يقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال الرسول ﷺ : "من طلق، أو حرر، أو أنكح، فقال: إني كنت لاعبًا فهو جازم". قال الألباني: (هذا مرسل صحيح الإسناد إلى الحسن وهو البصري) (٢). وقد نقل ابن كثير في "تفسيره" عن جماعة من السلف أنهم فسروا الآية بذلك. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ثلاث) هذا ليس على سبيل الحصر بدليل ذكر العتق في رواية ابن عدي، فتكون أربعًا، وثلاث: مبتدأ على حذف مضاف؛ أي: ثلاث خصال أو ثلاث مسائل، والجملة بعده خبر. قوله: (وهزلهن جد) الهزل: بفتح الهاء وسكون الزاي، ضد الجد، يقال: هزل في الأمر: إذا لم يجدَّ فيه، ومعناه: أن يقول أو يفعل شيئًا على سبيل اللعب والمزاح ولا يريد حقيقته. والجد: بالكسر ضده. قوله: (والرجعة) بكسر الراء وفتحها: عودة المطلق إلى امرأته المطلقة. * الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذه الأحاديث على أن الطلاق وما ذكر معه لا هزل فيه، وأن الواجب على المتكلم التحفظ في كلامه، وألا يتكلم إلا عن قصد ونية، لا عن لعب وهزل؛ لأن كلام الهازل معتبر، والطلاق والنكاح

стр. 3320

والرجعة والعتق كلها أمور عظيمة يترتب عليها أحكام تتعلق بالآخرين، فإذا قال: زَوَّجْتُكَ، وقال الآخر: قبلت، وتحققت الشروط وانتفت الموانع لزم النكاح ولو قال: إني هازل، وهكذا لو قال: هي طالق، أو أنت مطلقة، وقع ولو قال: إنه هازل، وهكذا الرجعة والعتق، وهذا قول الجمهور من أهل العلم. قال ابن القيم: (وهو المحفوظ عن الصحابة والتابعين) (١)، وذلك لأن الهازل قاصد للفظ، مريد له، عالم بمعناه وما يترتب عليه، غير مريد لحكمه ولا ملتزم له، وترتيب الأحكام على الأسباب إنما هو للشارع لا للعاقد، فإذا تكلم المكلف بالسبب لزمه حكمه وترتب عليه أثره شاء أم أبي؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، ثم إن مؤاخذة الهازل بما يقول: في غاية المناسبة لردعه عن الهزل في أحكام الشرع، ولئلا يدعي من يطلق أنه هازل غير جاد (٢). قال ابن المنذر: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن جد الطلاق وهزله سواء) (٣). وقال الخطابي: (اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه يؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا أو هازلًا، أو لم أنو به طلاقًا، أو ما شابه ذلك من الأمور، واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: لو أُطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام، ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلًا إلا قال، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله ، وذلك غير جائز، فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، ولم يقبل منه أن يدعي خلافه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له، والله تعالى أعلم) (٤). والقول الثاني: أن طلاق الهازل لا يقع، وهو قول في مذهب الإِمام مالك وأحمد، ونسبه الشوكاني إلى جماعة من الأئمة، ولهم دليل وتعليل، أما

стр. 3321

الدليل فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧] فدل على اعتبار العزم، والهازل لا عزم منه. وأما التعليل: فلأن الهازل لم يرد الطلاق ولا نوى معناه، فكيف يترتب عليه مقتضاه؟ قالوا: وأحاديث الباب فيها ما تقدم، فهي غير كافية في مثل هذه المسائل العظيمة، فإن مثل هذا المقام يحتاج فيه إلى قواطع الأدلة، كما لا يخفى (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 3322

ما جاء في أن الطلاق لا يقع بحديث النفس ١٠٨٥/ ١١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ اللهَ تَعَالى تَجَاوَزَ عَنْ أُمّتي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تكلَّمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب (الطلاق في الإغلاق والكره … ) (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وزاد البخاري: (وقال قتادة: إذا طلق في نفسه فليس بشيء). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (تجاوز) أي: عفا وصفح وسامح. قوله: (ما حدثت به أنفسَها) بالنصب على المفعولية، ويجوز الرفع على الفاعلية. قوله: (ما لم تعمل) أي: بذلك الخاطر. قوله: (أو تكلَّم) أي: به، فحيئذ تؤاخذ بالكلام أو العمل. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من همَّ بالطلاق أو عزم عليه ولم يتكلم ولم يعمل، أنه لا يقع له طلاق، وذلك لأن الخواطر النفسية والهواجس ليست من عمل الإنسان وإرادته، وإنما هي أمور تخطر على القلب بدون قصد، ومن رحمة الله تعالى وإحسانه أن العبد إذا لم يتكلم ولم يعمل

стр. 3323

فما يقع في نفسه معفو عنه؛ كأن يقع في نفسه أنه يطلق، أو يقع في نفسه أنه يعتق، فلا شيء عليه في ذلك، وهذا قول الجمهور. قال الترمذي بعد حديث الباب: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به ((١). وذهب ابن سيرين والزهري ومالك في رواية عنه إلى أنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق، وقواه ابن العربي (٢)، مستدلين بقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، وبأن من كفر في نفسه فقد كَفَر، وبأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها، وبأنه ينفعه إيمانه وتقواه وخشيته لله ونحو ذلك. والصواب الأول؛ لأن الطلاق ليس من أعمال القلب، وإنما هو من أعمال اللسان، إذ لا بد من النطق به، أو ما يقوم مقامه من كتابة أو إشارة، وحديث "إنما الأعمال بالنيات"، حجة عليهم لا لهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وهنا لم يوجد العمل بنص الحديث، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان؛ لأن الكفر من أعمال القلوب، يحل محل الإيمان عند فقده، وأما مؤاخذة المصر على المعصية فهذا إنما هوفيمن عمل المعصية ثم أصر عليها، وهذا عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، أما من عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين إما ألا تكتب عليه، وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله (٣)، لقوله ﷺ : " .. وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" (٤)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة" (٥).

стр. 3324

° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من كتب الطلاق طلقت امرأته ولو لم يتكلم؛ لأنه عزم بقلبه، وعمل بكتابته، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي في المنصوص عنه، إلا أن مالكًا وأحمد شرطا الإشهاد على الطلاق المكتوب. ووجه ذلك أن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق وتدل على المقصود، فإذا أتى فيها بالطلاق وفهم منها ما نواه وقع كاللفظ، ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب ونطقه (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3325

بيان من لا يقع طلاقه ١٠٨٦/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالى وَضَعَ عَنْ أمتِي الْخَطَأ، وَالنسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكمُ، وَقَال أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب "الطلاق"، باب (طلاق المكره والناسي) (٢٠٤٥)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ١٤٥)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. وهذا إسناد ضعيف، علته الانقطاع بين عطاء وابن عباس، قال البوصيري في "الزوائد": (إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع، بدليل زيادة عبيد بن عمير في الطريق الثاني، وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم، فإنه كان يدلس). وقال البيهقي: (رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير). والطريق الثاني التي فيها عبيد بن عمير هي التي أخرجها الحاكم (٢/ ١٩٨) كما ذكر الحافظ، وكذا ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والدارقطني (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، وابن حزم في "الإحكام" (٥/ ١٤٩)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) من طريق بشر بن بكر وأيوب بن سويد قالا: حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس ﵄ به.

стр. 3326

قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وهذا فيه نظر، فإن بشر بن بكر من رجال البخاري، وليس من رجال مسلم (١). وقال البيهقي: (جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات)، ولما أخرج العقيلي الطريق الأولى قال: (ويروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد) ولعله يشير بذلك إلى الطريق الثانية. والحديث حسنه النووي في "الأربعين"، وأقره الحافظ في "التلخيص" (٢). وصححه الشيخ أحمد شاكر، والألباني (٣). وجزم الإمام أحمد بضعفه، فقال ابنه عبد الله: (سألت أبي عنه فأنكره جدًّا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن، عن النبي ﷺ " (٤). وكذا جزم بضعفه أبو حاتم، كما ذكر الحافظ، فقال ابنه: (قال أبي: لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء، إنما سمع من رجل لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده) (٥). والحديث له طرق عن ابن عباس ﵄، وورد -أيضًا- عن عدد من الصحابة ﵃، منهم أبو ذر، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وثوبان، وفي أسانيدها مقال (٦). وهو من حيث المعنى له شواهد تؤيده، ومنها ما في "صحيح مسلم" عن سعيد بن جبير أن ابن عباس ﵄ قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله تعالى: (قد فعلت) (٧). وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أنها لما نزلت قال: (نعم) (٨). وليس واحد منها مصرحًا برفعه، لكن لا يضر، فإنه لا يقال من قبل الرأي، فيكون

стр. 3327

في حكم المرفوع (١). وقال تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا أذن الله بالكفر وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به كان غيره من فروع الشريعة من باب أولى. واعلم أن الحديث قد اشتهر على الألسنة ولدى الفقهاء في كتبهم بلفظ (رُفع) وهذا لم يرد في دواوين السنة، وإنما جاء في "الكامل" لابن عدي بسند ضعيف (رفع الله عن هذه الأمة) (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن الله تعالى وضع) أي: أسقط، وفي رواية ابن حبان وغيره: (إن الله تجاوز) وهذه تفسر المعنى وتبين المراد، ومعنى (تجاوز) عفا وصفح وسامح. قوله: (الخطأ) هذا على حذف مضاف يستدعيه السياق؛ أي: إثم الخطأ، بدليل رواية ابن حبان. والخطأ: يطلق على ضد الصواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] وعلى ما هو ضد العمد؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا المعنى هو المراد بهذا الحديث. والخطأ: ما يصدر من المكلف من قول أو فعل من غير قصد. قوله: (والنسيان) هو ضد الذكر والحفظ، واصطلاحًا: معنى يعتري الإنسان بدون اختياره فيوجب الغفلة عن الحفظ، أو هو باختصار: الذهول عن شيء معلوم. قوله: (وما استكرهوا عليه) أي: وما قُهروا عليه؛ أي: على فعله أو

стр. 3328

قوله. والإكراه: حمل الإنسان على أمر لا يريده بتخويف يستطيع المكرِه تنفيذه، ويصير المكرَه خائفًا به. °الوجه الثالث: يستدل الأصوليون بهذا الحديث على أن الخطأ والنسيان والإكراه من موانع التكليف، وهذا في حق الله تعالى؛ لأنه مبني على العفو والمسامحة، فمتى فعل المكلف محرمًا جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا شيء عليه، ومتى ترك الواجب جاهلًا فلا قضاء عليه إذا كان قد فات وقته، وإنما يقضي ما كان في وقته، وكذا لو ترك واجبًا ناسيًا فلا شيء عليه حال نسيانه، وعليه القضاء إذا ذكره، وكذا المكره. أما ما يتعلق بحقوق المخلوقين فلا يعتبر فيها الخطأ والنسيان والإكراه موجبًا للعفو، وعدم المؤاخذة؛ لأن حقوق العباد مبناها على المشاحة والمقاضاة، فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه (١). ومن ذلك لو أكره على قتل إنسان بغير حق لم يجز له الإقدام على قتله مهما كانت العواقب والوسائل. قال القرطبي: (أجمع أهل العلم على أن من أُكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة) (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الخطأ في الطلاق معفو عنه، فلو أراد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فسبق لسانه فقال: أنت طالق، لم تطلق؛ لأن الطلاق يعتبر لوقوعه إرادة لفظه ومعناه، وهذا إذا وجد قرينة تدل على صدق دعواه؛ كأن تقول: أعطني المصحف لكي أقرأ، فقال: أنت طالق، فهنا دلت القرينة على أنه أراد: أنت طاهر. فإن كانت القرينة على عكس ما يدعي، بأن قالت له: طلقني، فقال:

стр. 3329

أنت طالق، ثم قال: أردت: أنت طاهر، لم يقبل منه حكمًا، ويقع الطلاق؛ لأن القرينة تدل على عكس ما يدعيه. فإن لم يكن هناك قرينة تؤيد ما ادعى ولا ظاهر اللفظ، فالأصل أن هذا اللفظ الذي صدر منه يراد به المعنى، فيحمل على ما يبدو من ظاهر الكلام. وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، والمذهب أنه لا يقبل منه حكمًا (١)؛ لأنه خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أعلم بنيته. ° الوجه الخامس: استدل بالحديث جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة على أن طلاق المكره لا يقع، وهو مروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ﵃، واختاره ابن حزم (٢). قالوا: لأن المكره لم يكن قاصدًا وقوع الطلاق، إنما قصد دفع الأذى والضرر عن نفسه، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". كما استدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٣). والإغلاق هو الإكراه -كما قال ابن الأثير وغيره- لأن المستكره مغلق عليه أمره ومضيق عليه في تصرفه، كما يُغْلَقُ الباب على الإنسان (٤). وشرط الجمهور للإكراه ثلاثة شروط:

стр. 3330

١ - أن يكون المكرِه قادرًا على إيقاع ما هَدَد به. ٢ - أن يغلب على ظن المكرَه إيقاع ما هُدِدَ به. ٣ - أن يكون الإكراه مما يتضرر به في نفسه؛ كالقتل والضرب الشديد، أو في ولده بتعذيبه، أو في ماله بأخذه. القول الثاني: أن طلاق المكره يقع، وهذا قول الحنفية (١)، وحجتهم أن المكره عندما ينطق بلفظ الطلاق ينطق به وهو مختار له وقاصد إياه، كل ما في الأمر أنه غير راضٍ عن هذا التصرف وما يترتب عليه من آثار شرعية. والراجح هو قول الجمهور، وهو أنه لا يقع طلاق المكره، لقوة دليله، قال ابن القيم: (من تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه؛ كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ) (٢). وأما قول الحنفية: إن اختياره حاصل، فهذا فيه نظر؛ لأنه اختيار فاسد أو ضعيف، ولم يوجد منه الاختيار التام الصحيح الذي تبنى عليه الأحكام. واستثنى الفقهاء الإكراه بحق، فهذا يقع طلاقه، وهو المولي إذا مضى عليه أربعة أشهر وأبى أن يفيء فأجبره الحاكم على الطلاق، فيقع طلاقه؛ لأنه إكراه بحق. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →