← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وهذا فيه نظر، فإن بشر بن بكر من رجال البخاري، وليس من رجال مسلم (١). وقال البيهقي: (جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات)، ولما أخرج العقيلي الطريق الأولى قال: (ويروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد) ولعله يشير بذلك إلى الطريق الثانية. والحديث حسنه النووي في "الأربعين"، وأقره الحافظ في "التلخيص" (٢). وصححه الشيخ أحمد شاكر، والألباني (٣). وجزم الإمام أحمد بضعفه، فقال ابنه عبد الله: (سألت أبي عنه فأنكره جدًّا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن، عن النبي ﷺ " (٤). وكذا جزم بضعفه أبو حاتم، كما ذكر الحافظ، فقال ابنه: (قال أبي: لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء، إنما سمع من رجل لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده) (٥). والحديث له طرق عن ابن عباس ﵄، وورد -أيضًا- عن عدد من الصحابة ﵃، منهم أبو ذر، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وثوبان، وفي أسانيدها مقال (٦). وهو من حيث المعنى له شواهد تؤيده، ومنها ما في "صحيح مسلم" عن سعيد بن جبير أن ابن عباس ﵄ قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله تعالى: (قد فعلت) (٧). وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أنها لما نزلت قال: (نعم) (٨). وليس واحد منها مصرحًا برفعه، لكن لا يضر، فإنه لا يقال من قبل الرأي، فيكون

стр. 3327

في حكم المرفوع (١). وقال تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا أذن الله بالكفر وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به كان غيره من فروع الشريعة من باب أولى. واعلم أن الحديث قد اشتهر على الألسنة ولدى الفقهاء في كتبهم بلفظ (رُفع) وهذا لم يرد في دواوين السنة، وإنما جاء في "الكامل" لابن عدي بسند ضعيف (رفع الله عن هذه الأمة) (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن الله تعالى وضع) أي: أسقط، وفي رواية ابن حبان وغيره: (إن الله تجاوز) وهذه تفسر المعنى وتبين المراد، ومعنى (تجاوز) عفا وصفح وسامح. قوله: (الخطأ) هذا على حذف مضاف يستدعيه السياق؛ أي: إثم الخطأ، بدليل رواية ابن حبان. والخطأ: يطلق على ضد الصواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] وعلى ما هو ضد العمد؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا المعنى هو المراد بهذا الحديث. والخطأ: ما يصدر من المكلف من قول أو فعل من غير قصد. قوله: (والنسيان) هو ضد الذكر والحفظ، واصطلاحًا: معنى يعتري الإنسان بدون اختياره فيوجب الغفلة عن الحفظ، أو هو باختصار: الذهول عن شيء معلوم. قوله: (وما استكرهوا عليه) أي: وما قُهروا عليه؛ أي: على فعله أو

стр. 3328

قوله. والإكراه: حمل الإنسان على أمر لا يريده بتخويف يستطيع المكرِه تنفيذه، ويصير المكرَه خائفًا به. °الوجه الثالث: يستدل الأصوليون بهذا الحديث على أن الخطأ والنسيان والإكراه من موانع التكليف، وهذا في حق الله تعالى؛ لأنه مبني على العفو والمسامحة، فمتى فعل المكلف محرمًا جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا شيء عليه، ومتى ترك الواجب جاهلًا فلا قضاء عليه إذا كان قد فات وقته، وإنما يقضي ما كان في وقته، وكذا لو ترك واجبًا ناسيًا فلا شيء عليه حال نسيانه، وعليه القضاء إذا ذكره، وكذا المكره. أما ما يتعلق بحقوق المخلوقين فلا يعتبر فيها الخطأ والنسيان والإكراه موجبًا للعفو، وعدم المؤاخذة؛ لأن حقوق العباد مبناها على المشاحة والمقاضاة، فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه (١). ومن ذلك لو أكره على قتل إنسان بغير حق لم يجز له الإقدام على قتله مهما كانت العواقب والوسائل. قال القرطبي: (أجمع أهل العلم على أن من أُكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة) (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الخطأ في الطلاق معفو عنه، فلو أراد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فسبق لسانه فقال: أنت طالق، لم تطلق؛ لأن الطلاق يعتبر لوقوعه إرادة لفظه ومعناه، وهذا إذا وجد قرينة تدل على صدق دعواه؛ كأن تقول: أعطني المصحف لكي أقرأ، فقال: أنت طالق، فهنا دلت القرينة على أنه أراد: أنت طاهر. فإن كانت القرينة على عكس ما يدعي، بأن قالت له: طلقني، فقال:

стр. 3329

أنت طالق، ثم قال: أردت: أنت طاهر، لم يقبل منه حكمًا، ويقع الطلاق؛ لأن القرينة تدل على عكس ما يدعيه. فإن لم يكن هناك قرينة تؤيد ما ادعى ولا ظاهر اللفظ، فالأصل أن هذا اللفظ الذي صدر منه يراد به المعنى، فيحمل على ما يبدو من ظاهر الكلام. وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، والمذهب أنه لا يقبل منه حكمًا (١)؛ لأنه خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أعلم بنيته. ° الوجه الخامس: استدل بالحديث جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة على أن طلاق المكره لا يقع، وهو مروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ﵃، واختاره ابن حزم (٢). قالوا: لأن المكره لم يكن قاصدًا وقوع الطلاق، إنما قصد دفع الأذى والضرر عن نفسه، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". كما استدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٣). والإغلاق هو الإكراه -كما قال ابن الأثير وغيره- لأن المستكره مغلق عليه أمره ومضيق عليه في تصرفه، كما يُغْلَقُ الباب على الإنسان (٤). وشرط الجمهور للإكراه ثلاثة شروط:

стр. 3330

١ - أن يكون المكرِه قادرًا على إيقاع ما هَدَد به. ٢ - أن يغلب على ظن المكرَه إيقاع ما هُدِدَ به. ٣ - أن يكون الإكراه مما يتضرر به في نفسه؛ كالقتل والضرب الشديد، أو في ولده بتعذيبه، أو في ماله بأخذه. القول الثاني: أن طلاق المكره يقع، وهذا قول الحنفية (١)، وحجتهم أن المكره عندما ينطق بلفظ الطلاق ينطق به وهو مختار له وقاصد إياه، كل ما في الأمر أنه غير راضٍ عن هذا التصرف وما يترتب عليه من آثار شرعية. والراجح هو قول الجمهور، وهو أنه لا يقع طلاق المكره، لقوة دليله، قال ابن القيم: (من تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه؛ كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ) (٢). وأما قول الحنفية: إن اختياره حاصل، فهذا فيه نظر؛ لأنه اختيار فاسد أو ضعيف، ولم يوجد منه الاختيار التام الصحيح الذي تبنى عليه الأحكام. واستثنى الفقهاء الإكراه بحق، فهذا يقع طلاقه، وهو المولي إذا مضى عليه أربعة أشهر وأبى أن يفيء فأجبره الحاكم على الطلاق، فيقع طلاقه؛ لأنه إكراه بحق. والله تعالى أعلم.

стр. 3331

حكم تحريم الزوجة ١٠٨٧/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: إِذَا حَرّمَ امْرَأتهُ لَيسَ بشَيءٍ. وَقَال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلمسْلِمٍ: إِذَا حَرّمَ الرَّجُلُ امْرَأتهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن يعلي بن حكيم، عن سعيد بن جبير، أنه أخبره، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: … فذكره باللفظ الأول للبخاري، وباللفظ الثاني لمسلم، وتمامه: (وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾). ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الرجل إذا حرم زوجته، بأن قال: أنتِ عليَّ حرام، أو محرمة ونحو ذلك، فإنه لا يكون طلاقًا، وإنما فيه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وهو قول جماعة من الصحابة ﵃، منهم ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وروي عن أبي بكر وعمر، وقال به عكرمة والحسن وقتادة وسعيد بن المسيب وآخرون (١).

стр. 3332

وحجة هؤلاء: ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فذكر تحلة الأيمان -ومعناها: تحليلها بالكفارة- عقب تحريم الحلال، و (ما) في الآية من صيغ العموم. ويدل على ذلك رواية مسلم التي ذكر الحافظ؛ لأنها مفسرة لرواية البخاري، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكرها. ويكون معنى قوله: (ليس بشيء) أي: لا يكون تحريمًا وليس بطلاق، لا أنه لا حكم له أصلًا، كما قال ذلك جماعة من السلف، وهو قول الظاهرية (١)؛ لأن ابن عباس ﵄ استدل على أن التلفظ بذلك يمين يكفرها المتكلم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢]. وقد وقع الخلاف في هذه الآية، هل المراد بها تحريم العسل الذي شربه النبي ﷺ عند زوجته زينب ﵂، فإن في آخره: (ولن أعود له، وقد حلفت)، أو تحريم الجارية؟ فعلى القول بأن المراد: تحريم الجارية -وهو الراجح (٢) - يتم الاستدلال بالآية، وقد روى النسائي والحاكم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة ﵄ حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إلى آخر الآية (٣).

стр. 3333

وهذا على القول بأنه لا فرق بين تحريم الأمة وتحريم الزوجة، وهو قول ابن عباس ﵄؛ لأنه استدل بآية التحريم، أما على القول بالفرق وأن تحريم الأمة لا يحرمها ولا يكون طلاقًا، وفيه كفارة يمين، كما تدل عليه الآية الكريمة، وتحريم الزوجة فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في آية سورة المجادلة، فتكون آية التحريم دلت على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة دلت على حكم تحريم الزوجة، وعلى هذا فلا دليل في الآية؛ لأنها في الأمة. القول الثاني: أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل لا يترتب عليه شيء -كما تقدم-، قال ابن القيم: (وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وجماعة من السلف) ثم ذكرهم (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، واختار هذا الصنعاني (٢). القول الثالث: أن لفظ: أنتِ علي حرام، ونحوها، يرجع فيه إلى نية المتكلم من طلاق أو ظهار أو يمين، فإن لم ينو شيئًا فهو يمين، وهذا قول لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (٣). واستدلوا بأن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة، بل هو محتمل للطلاق والظهار واليمين، فإذا صرفه إلى أحدها بالنية فقد استعمله فيما هو صالح له، وصَرَفَهُ إليه بنية، فَيُصرف إلى ما أراده ولا يُتجاوز به ولا يُقصر عنه. والقول الرابع: أنه ظهار فيه كفارة الظهار، ولو نوى طلاقًا أو يمينًا، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قول إسحاق، وجماعة من التابعين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشنقيطي (٤).

стр. 3334

واستدلوا بأن اللفظ موضوع للتحريم، والعبد ليس له التحريم والتحليل، وإنما إليه إنشاء الأسباب التي يرتب عليها ذلك، فإذا حرم ما أحل الله له، فقد أتى القول المنكر والزور، فيكون كقوله: أنتِ علي كظهر أمي، بل هذا أولى أن يكون ظهارًا؛ لأنه إذا شبهها بمن تحرم عليه دل على التحريم باللزوم، فإذا صرح بتحريمها فقد صرح بموجب التشبيه في لفظ الظهار، فهو أولى أن يكون ظهارًا (١). ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتبعه تلميذه ابن القيم أن هذا اللفظ يكون ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وذلك إذا قال: أنت علي حرام أو محرمة؛ لأنه إذا أوقعه هكذا يكون قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، إلا إذا حلف به، بأن علقه على شيء؛ كأن يقول: هي حرام عليه إن كلَّم فلانًا، أو دخل دار فلان، فهذا حكمه حكم اليمين؛ لأنه أراد منع نفسه، ولأنه يصير بهذه الصفة يمينًا من الأيمان، كما لو قال: إن كلمتُ فلانًا فلله علي أن أعتق أو أحج أو أصوم، ونحو ذلك، وهذا اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، والشيخ عبد العزيز بن باز. قال الشنقيطي: (وقد دلت آية الظهار على أن أقيس الأقوال وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق؛ لأن قوله: أنت علي كظهر أمي معناه: أنت علي حرام … ، وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين والاستغفار) (٣). وفي المسألة أقوال أخرى، ذكر ابن القيم منها خمسة عشر قولًا (٤). وأبلغها القرطبي المفسر إلى ثمانية عشر قولًا (٥). قال الحافظ: وزاد غيره عليها (٦). قال القرطبي: (سبب الاختلاف في هذا الباب: أنه ليس في كتاب الله

стр. 3335

ولا في سنة رسول الله ﷺ نص ولا ظاهر صحيح يُعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك … ) (١). والأظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن من قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أنه تلزمه كفارة يمين، إلا إن قصد بهذا اللفظ إيقاع الطلاق، فإنه يقع، لأن هذا اللفظ من كنايات الطلاق، والطلاق يقع بالكناية مع النية، والله تعالى أعلم (٢).

стр. 3336

من كنايات الطلاق ١٠٨٨/ ١٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُول اللهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَال: "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأهْلِكِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب (من طَلَّقَ، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟) (٥٢٥٤) من طريق الأوزاعي، قال: سألت الزهري أيُّ أزواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة، عن عائشة ﵂ أن ابنة الجون … الحديث. ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الرجل إذا قال لأهله: الحقي بأهلك، فإنه يكون طلاقًا؛ لأنه لم يرد أن الرسول ﷺ زاد على هذه الجملة، فتكون من كنايات الطلاق؛ لأنها تحتمل الطلاق وغيره، ولا بد فيها من النية. أما إذا قال الرجل لزوجته: الحقي بأهلك ولم يرد الطلاق، فإنه لا يكون طلاقًا، لما ثبت في "الصحيحين" من قصة كعب بن مالك ﵁ لما أمره الرسول ﷺ أن يعتزل أهله، قال: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر (١). والاستدلال بالحديث على ذلك إنما يتم إذا كان الرسول ﷺ قد عقد

стр. 3337

على ابنة الجون وتزوجها، وحديث عائشة هذا كالصريح في أنه ﷺ كان عقد عليها، فإنها قالت: (لما أُدخلت عليه) فهذا دخول الزوج بأهله، ويؤكده قولها: (ودنا منها). وقالت الظاهرية: إن هذا اللفظ ليس من ألفاظ الطلاق، فلا يقع به طلاق، نواه أو لم ينوه، قالوا: لأن النبي ﷺ لم يكن قد عقد على ابنة الجون، بدليل ما تقدم في باب (الصداق) من حديث أبي أُسيد الساعدي، وفيه: (فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: "هبي لي نفسك"، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة … الحديث) فهذا يدل على أن رسول الله ﷺ لم يكن تزوجها بعد، وإنما جاء ليخطبها. وفي حديث سهل بن سعد أنه ﷺ كلمها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد أعذتك مني"، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا، فقالوا: هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك … وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن قد عقد عليها. والذي يظهر من قصة الجونية أنها قصة واحدة دارت على عائشة وأبي أُسيد وسهل بن سعد ﵃ وألفاظهم فيها متقاربة، ويبقى التعارض بين قول عائشة: (فلما دخل عليها ودنا منها) وبين ما في حديث سهل بن سعد: (جاء ليخطبك) فإما أن يكون أحد اللفظين وهمًا، أو أن الدخول لا يراد به دخول الرجل على امرأته بل الدخول العام، وهذا محتمل (١). وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن النبي ﷺ تزوجها (٢). والمقصود أن لفظ: "الحقي بأهلك" ليس من صريح الطلاق، وإنما هو من كناياته التي لا بد فيها من النية؛ لأن الطلاق ليس له لفظ مخصوص، فإن الله تعالى ذكر الطلاق ولم يعين له لفظًا، فعلم أنه ردَّ الناس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فكل لفظ أفاد معنى الطلاق في عرف الناس وقع به الطلاق مع النية، كما هو في المعاملات وغيرها (٣).

стр. 3338

° الوجه الثالث: في الحديث دليل على حسن خلق النبي ﷺ وجوده وكرمه، فإن هذه المرأة لما استعاذت منه ﷺ وقالت: أعوذ بالله منك، تفضل عليها وتركها دون أن يشتد في طلبها أو يسيء إليها، وفيه -أيضًا- شدة تعظيم النبي ﷺ رَبَّهُ حيث نفَّد رغبتها، وعلل ذلك بقوله: "لقد عذت بعظيم". ومن الناس من إذا ساءت العشرة بينه وبين زوجته وأظهرت عدم رغبتها فيه اشتد عليه الأمر وابتغى لها كل شر، فآذاها وآذى أهلها، ولم يقبل صلحًا ولا فداء انتقامًا لبغضها وكراهتها له، وهذا مما لا يليق بالمسلم، فإن الواجب عليه أن يكون سمحًا كريمًا، وإذا لم يُقَدَّرْ بينه وبين زوجته محبة ووئام فالطلاق مشروع، والخلع مباح، وليس له أن يحبسها ويضيق عليها على وجه يتضرر هو به كما تتضرر هي، وعلى القاضي أن يكون له موقف جاد في مثل هذه الأمور، ومتى اتضح له إمكان إصلاح الحال بينهما أصلح بينهما، إما بأن يتكرم الزوج بالطلاق، أو يقبل الفداء، أما تعطيل المرأة فليس فيه مصلحة للزوج ولا لها، إلا إذا كان يرجى استقامة الحال بينهما؛ كأن يتضح للقاضي أن المرأة قد خُدعت وأنها ستفيق وترجع إلى صوابها، فلا بأس بالانتظار مدة يسيرة يُظن فيها استقامة الأمر وصلاح الحال، ولا حاجة إلى العجلة، لكن تركها المدة الطويلة من أجل إرضاء الزوج والنزول عند رغبته وإقراره على عناده وتشدده، فهذا ليس بلائق؛ لأن مثل هذه التصرفات مخالفة لسنة النبي ﷺ ، وبها تتجلي حكمة القضاء وقوته. والله تعالى أعلم.

стр. 3339

ما جاء في أنه لا طلاق إلَّا بعد نكاح ١٠٨٩/ ١٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا طَلَاقَ إلا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إلا بَعْدَ مِلْك"، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ. ١٠٩٠/ ١٦ - وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَن، لكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيضًا. ١٠٩١/ ١٧ - وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فيما لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أنهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ. * الكلام عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث جابر ﵁ فقد أخرجه الحاكم (٢/ ٢٠٤) من طريق أبي بكر الحنفي، ثنا ابن أبي ذئب، ثنا عطاء، حدثني جابر ﵁ به مرفوعًا. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، إلا أنه قال: (وشاهده أشهر منه) يريد حديث عمرو بن شعيب الآتي. وهذا الحديث أُعل بالانقطاع بين ابن أبي ذئب وعطاء، فقد رواه الطيالسي (٣/ ٢٦١) - ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣١٩) - عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني من سمع عطاء، عن جابر ﵁ به.

стр. 3340

وهذا سند ضعيف، لجهالة الراوي عن عطاء. وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، وعن أبيه أنهما قالا: (إن جميع أسانيد هذا الحديث وَهْم عندنا، والصحيح ما روى الثوري، عن ابن المنكدر، عن من سمع طاوسًا، عن النبي ﷺ ) (١). وهذا المرسل رواه عبد الرزاق (٦/ ٤١٧ - ٤١٨)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٦). وقد عزا الحافظ حديث جابر ﵁ إلى أبي يعلى هنا، وكذا في "فتح الباري" (٢)، كما عزاه إليه ابن عبد الهادي في "المحرر" (٣)، ولم أجده في مسنده، ولا عزاه إليه من اشتغلوا بالتخريج، ثم رأيت الحديث في "المطالب العالية" (٤) لابن حجر، ولم يعزه لمسند أبي يعلى. وأما حديث المسور بن مخرمة فقد رواه ابن ماجه (٢٠٤٨) من طريق علي بن الحسين بن واقد، ثنا هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، عن النبي ﷺ قال: "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل مِلْك". والحديث حسنه البوصيري؛ لأن علي بن الحسين وشيخه هشام بن سعد مختلف فيهما (٥). لكنه معلول -أيضًا (٦) - فقد اختلف فيه على الزهري، فرواه علي بن الحسين كما تقدم، ورواه حماد بن خالد، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵄ قالت: (لا طلاق إلا بعد نكاح). أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٦) والطحاوي في "شرح المشكل" (٢/ ١٣٢)، والبيهقي (٧/ ٣٢١) وقال الدارقطني في "العلل" (١٥/ ٣٥): (والصحيح عن هشام بن سعد ما قاله حماد بن خالد، والله أعلم) يريد الموقوف، وقال البيهقي: (كذا أتى به موقوفًا).

стр. 3341

وروي عن بشر بن السري، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن النبي ﷺ مرسلًا، رواه البيهقي (٧/ ٣٢١) (١). وأما حديث عمرو بن شعيب فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب (الطلاق قبل النكاح) (٢١٩٠) (٢١٩١) (٢١٩٢)، والترمذي (١١٨١) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا. وهذا لفظ الترمذي، قال الترمذي: (حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب). وقال -أيضًا-: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: أيُّ حديث في هذا الباب أصح في الطلاق قبل النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة) (٢). ونقل الحافظ في "التلخيص" عن البيهقي أنه قال في "الخلافيات" قال البخاري: (أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب وحديث عائشة) (٣). والحديث رواه ابن ماجه (٢٠٤٧) بلفظ: (لا طلاق فيما لا يملك) ولعل الحافظ لم يعزه إليه لكونه روى الحديث مختصرًا مقتصرًا على ما يتعلق بالطلاق. قال الشوكاني: (ولا يخفى عليك أن مثل هذه الروايات التي سقناها في الباب من طريق أولئك الجماعة من الصحابة مما لا يشك منصف أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج … ) (٤). وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" (لا طلاق قبل نكاح) ولم يورد حديثًا تحت هذه الترجمة، وإنما علَّق عن علي وابن عباس وغيرهما ﵃ (٥). ° الوجه الثاني: في هذه الأحاديث دليل على أنه لا طلاق إلا بعد

стр. 3342

الملك بعقد النكاح على الزوجة، وأن الزوج إذا طلق المرأة قبل النكاح فلا طلاق له. وظاهر الحديث العموم، وأنه لا فرق بين الطلاق المنجز والمعلق، أما المنجز فبالإجماع لا يقع فيه الطلاق، كما لو قال: فلانة طالق، فلا يقع عليها الطلاق، وهي ليست زوجة له، أو يقول: عبدُ فلان حر، وهو ليس عبدًا له. وأما الطلاق المعلق؛ كقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق، فالجمهور أنه لا يقع، وقد ترجم البخاري في "صحيحه" فقال: (باب، لا طلاق قبل نكاح) ثم ذكر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩] ونقل عن ابن عباس أنه قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ثم ذكر البخاري أنه قول علي ﵁، وسرد اسم ثلاثة وعشرين من التابعين أنهم قالوا بعدم الوقوع (١). ولأن المطلِّق قبل النكاح مطلق امرأةً أجنبية؛ لأنها حين أنشأ الطلاق أجنبية منه، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت وهي زوجته، لم تطلق إجماعًا. وفائدة ذلك معرفة أنه لا يقع طلاق على هذه المرأة بعد عقد النكاح عليها، وأما قبل العقد فكل أحد يعلم بعدم الوقوع قبل عقد النكاح. والقول الثاني: أن الطلاق قبل النكاح يقع مطلقًا، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. والقول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن خص امرأة أو أسرة معينة أو بلدًا وقع الطلاق، كما لو قال: كل امرأة أتزوجها من بني فلان، أو من بلد كذا فهي طالق، وإن عمَّ فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق لم يقع شيء، وهذا قول مالك وأصحابه.

стр. 3343

قال ابن رشد: (وسبب الخلاف: هل من شروط وقوع الطلاق وجود الملك متقدمًا بالزمان على الطلاق أم ليس ذلك من شرطه؟ فمن قال: هو من شرطه، قال: لا يتعلق الطلاق بالأجنبية، ومن قال: ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط، قال: يقع بالأجنبية، وأما الفرق بين التعميم والتخصيص فاستحسان مبني على المصلحة، وذلك أنه إذا عمم فأوجبنا عليه التعميم لم يجد سبيلًا إلى نكاح الحلال … ، وأما إذا خصص فليس الأمر كذلك إذا ألزمناه الطلاق) (١). والراجح هو القول الأول، ولا دليل على الشرطية المذكورة، كما أنه لا فرق بين التخصيص والتعميم؛ لأن هذا التفصيل لا دليل عليه ولا وجه له؛ لأن ظاهر الحديث العموم، فالصواب إجراؤه على ظاهره. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن من نذر شيئًا معينًا لا يملكه فليس عليه شيء؛ كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بشاة فلان أو نخلة فلان، والمقصود أنه يتصرف في ملك غيره بلا إذنه. فإن التزم في ذمته شيئًا كعتق أو صدقة وهو في تلك الحال لا يملكه ولا قيمته، فإذا شفي مريضه صح نذره وثبت ذلك في ذمته، وسيأتي البحث في هذه المسألة في كتاب "الأيمان والنذور". إن شاء الله تعالى.

стр. 3344

حكم طلاق غير المكلف ١٠٩٢/ ١٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "رُفعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٤١/ ٢٢٤) (٤٢/ ٥١)، وأبو داود في كتاب "الحدود"، بابٌ (في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا) (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والحاكم (٢/ ٥٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂. قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، والحديث رجاله كلهم ثقات، وحماد بن أبي سليمان وإن كان فيه كلام من قبل حفظه فهو يسير، وقد روى له مسلم مقرونًا بغيره، دمابراهيم هو ابن يزيد النخعي، والأسود: هو ابن يزيد النخعي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة ﵄، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول) (١). والحديث له شواهد، فقد رواه سبعة من الصحابة ﵃، وقد ذكر الحافظ ألفاظها ومخارجها وطرقها، ثم قال: (وهذه الطرق يقوى بعضها ببعض … ) (٢).

стр. 3345

° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (رفع القلم) أي: إنه ليس يجري أصالة، لا أنه رفع بعد أن وضع، والمراد برفع القلم: عدم المؤاخذة على ما يقع من الصغير والنائم والمجنون من المخالفات، ورفع القلم كناية عن عدم التكليف؛ لأن التكليف يلزم منه الكتابة، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهذا هو المشهور. وقيل: إن المراد حقيقة القلم الذي ورد فيه حديث: "أول ما خلق الله القلم" (١). وأما قلم الثواب بالنسبة للصغير فهو غير مرفوع بدليل صحة إسلامه، كما في قصة الصبي اليهودي الذي أسلم (٢)، وبدليل ثوابه على الطاعات من الصلاة وغيرها، كما في قوله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع … "، وقوله: "نعم ولكِ أجر" لما قالت له: ألهذا حج؟ (٣). قوله: (عن ثلاثة) أي: ثلاثة أشخاص، أو ثلاثة أنفس، ليشمل الذكور والإناث كالصبي والصبية. ووقع عند النسائي وإحدى روايتي أحمد: "عن ثلاث" بدون تاء. قوله: (عن النائم حتى يستيقظ) الظاهر أن المغيا محذوف، وبه ينتظم الكلام، وتقديره: رفع القلم عن النائم فلا يزال مرتفعًا حتى يستيقظ، ورفع القلم عن الصغير فلا يزال مرتفعًا حتى يكبر … وهكذا؛ لأن ما بعد حتى غايات مستقبلة، وما قبلها فعل ماض، والفعل الماضي لا يجوز أن تكون غايته مستقبلة، فلا تقول: سرت أمس حتى تطلع الشمس غدًا (٤). والنائم: هو المغطى على عقله، ومثله المغمى عليه، والمجنون: ذاهب العقل، كما سيأتي.

стр. 3346

والسكران: هو المغلوب على عقله. وقيل: النوم: أمر طبيعي يحدث للإنسان لا يتعارض مع سلامة العقل وقيامِهِ في النائم، مع تعذر استعماله حالة النوم (١). قوله: (وعن الصغير حتى يكبر) ورد عند أحمد: "وعن الصبي حتى يحتلم"، وفي أخرى: "وعن الصبي حتى يعقل"، وفي حديث علي ﵁: "وعن الغلام حتى يبلغ"، وفي رواية: "وعن الطفل حتى يحتلم" (٢)، وهذه ألفاظ مترادفة يراد بها ما قبل البلوغ الذي يحصل بالاحتلام؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. وقد ذكر السبكي الشافعي في شرحه لهذا الحديث أن رواية: "حتى يحتلم" هي أولى الروايات وأصحها سندًا وأكثرها بيانًا؛ لأنها نص في الاحتلام الذي هو أوضح من الغايات الأخرى؛ لقوة دلالته على البلوغ (٣). ويرى السندي في "حاشيته على سنن النسائي" أن رواية: "حتى يبلغ" أوضح؛ لأن الصغير قد يبلغ بغير الاحتلام (٤). وعندي أن كلام السبكي أرجح؛ لأن البلوغ بالاحتلام مجمع عليه، بخلاف غيره كالإنبات وبلوغ السن، فهو موضع خلاف. قوله: (وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق) هذا لفظ النسائي وابن ماجه، وعند أبي داود وأحمد ولفظ آخر لابن ماجه: "وعن المبتلى حتى يبرأ"، وفي لفظ لأحمد: "وعن المعتوه حتى يعقل" وهذه الألفاظ متقاربة أو متوافقة، ولا تدل على أن المرفوع عنهم القلم أكثر من ثلاثة، والمجنون والمعتوه واحد هنا، وإن كان المعتوه أقل من المجنون؛ لأن المعتوه مصاب بضعف عقلي، والمجنون لا عقل له، لكن هنا المراد بهما واحد. والمبتلى وإن كان من حيث الوضع أعم من المجنون، لكن المراد به هنا

стр. 3347

المجنون؛ لدلالة بقية الروايات عليه، وللإجماع على أن المبتلى بغير الجنون لا يرتفع عنه قلم التكليف، وإطلاق المبتلى على المجنون إطلاق ممكن، فإنه لا بلوى أعظم من ذهاب العقل إلا ذهاب الدين، نسأل الله السلامة والعافية. والمجنون: فاقد العقل خلقة أو لآفة، ومظهره جريان تصرفاته القولية والفعلية على غير نهج العقلاء. تقول العرب: جُنَّ الرجل -مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله- يُجَنُّ جنونًا، وأجنَّه الله -رباعيًّا- فهو مجنون، ولا تقل: مُجَنٌّ، وإن كان هو قياس اسم المفعول من الرباعي. قوله: (حتى يعقل أو يفيق) هذا لفظ النسائي وابن ماجه، كما تقدم. وقوله: "أو يُفيق" بضم الياء، من أفاق المجنون إفاقة: رجع إليه عقله، وهذا اللفظ يفيد أن الحديث شامل للمجنون بنوعيه: المطبق: بضم الميم وكسر الباء، وهو الدائم، وغير المطبق: أي غير الدائم، وهو الجنون المتقطع؛ لأن مقتضى قوله: "حتى يفيق" تعليق رفع القلم بحصول الجنون، وزوال رفعه بالإفاقة، والإفاقة علة التكليف، والمعلول يتكرر بتكرر علته: فكلما أفاق كلف. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الصغر والنوم والجنون من أسباب فقد الأهلية، وهي صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وعلى هذا فهؤلاء غير مكلفين بالأوامر والنواهي، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده وإحسانه إليهم، فإن هؤلاء ليسوا من أهل التصرف؛ لأن الصغير لم يكتمل العقل حتى يتصرف تصرفًا مستقيمًا، والمجنون لا عقل له، والنائم قد غُطي على عقله فهو لا يعي ما يقول: والمراد أن هؤلاء لا يتوجه إليهم خطاب التكليف، فالصغير لا يكلف بالأمر والنهي تكليفًا مساويًا لتكليف البالغ، لكنه يؤمر بالعبادات كالصلاة بعد التمييز؛ ليعتادها وينشأ على محبتها والحرص عليها، ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها. وكذا المجنون فإنه لا يكلف بالأمر والنهي؛ لأنه لا قصد له ولا إرادة،

стр. 3348

ولكنه يمنع مما يكون فيه تَعدّ على غيره أو إفساد، شأنه في ذلك شأن البهيمة الضارية، ولو فعل المأمورَ به كالصلاة لم يصح الفعل؛ لعدم قصد الامتثال منه. وكذا النائم فهو معدوم الأهلية، والمراد أهلية الأداء، لا أهلية الوجوب؛ لأن أهلية الأداء مبناها على التمييز، وهو معدوم بالنوم، ولهذا لا يعتد بأقوال النائم التي يعتبر فيها الاختيار؛ كالبيع والشراء والطلاق والعتاق وغير ذلك. وأما أهلية الوجوب فهي ثابتة في حقه، والوجوب قائم في ذمته، إلا أن النوم أدى إلى تأخير الأداء في حق النائم إلى أن يستيقظ، فإن استيقظ قبل فوات وقت الأداء كان فعله للواجب أداء، وإلا فهو قضاء، ودليل ذلك قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (١). وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على النائم الذي ليس عنده من يوقظه ولا يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به، أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به كالساعة وغيرها، ولم يفعل فهذا ليس بمعذور (٢). ويمكن أن يستدل لذلك بحديث أبي هريرة ﵁ في قصة النبي ﷺ مع أصحابه ﵃ لما قفلوا من غزوة خيبر سار ليله حتى إذا أدركه الكَرَى عرَّس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل" (٣)، وفي حديث أبي قتادة" احفظوا لنا صلاتنا" (٤). ° الوجه الرابع: ذكر المصنف هذا الحديث في كتاب "الطلاق" للاستدلال على أن طلاق الصغير والمجنون والنائم لا يقع، أما الصبي فإن كان لا يعقل فلا طلاق له إجماعًا، وإن كان يعقل وهو المميز لم يقع طلاقه على الراجح من قولي أهل العلم، لقرب عهده باللهو واللعب وبُعده عن

стр. 3349

صواب الرأي في الأمور الخطيرة التي لا يكون صواب الرأي فيها إلا بكمال العقل، وهذه المسألة ليست بذات أهمية؛ لأن الناس عادة لا يزوجون الصغار. وكذا المجنون لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يعتد بعبارته، وقد صح عن عثمان ﵁ أنه قال: (ليس لمجنون ولا لسكران طلاق) (١). وكذا النائم لا يقع طلاقه، كما تقدم. ° الوجه الخامس: اختلف العلماء في وقوع طلاق السكران، وهذا الخلاف إنما هو فيمن زال عقله بسبب غير مباح، وهو السكر الحاصل بطريق محذور؛ كشرب المسكر باختياره وإرادته، ففي المسألة قولان: الأول: أن طلاقه يقع، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنفية والمالكية ورواية عن الإمام أحمد هي المذهب (٢)، وحجتهم أن السكران تناول المسكر بمحض إرادته واختياره، وهو مدرك أن هذا يؤدي إلى زوال العقل، وقد ترتب على هذا الزوال بعض التصرفات، ومنها الطلاق، لذا يقتضي أن يجعل عقله كأنه موجود، ليثبت صحة تصرفه، زجرًا له وعقابًا على معصيته للباري . القول الثاني: أن طلاق السكران لا يقع، وهذا مروي عن عثمان ﵁، وهو قول عطاء وطاوس وعمر بن عبد العزيز (٣)، وهو قول بعض الحنفية، واختاره المزني وغيره من الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصره ابن القيم (٤)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (٥).

стр. 3350

قالوا: لأن السكران في غفلة، وغفلته فوق غفلة النائم؛ لأن النائم يمكن أن ينتبه إذا نبه، والسكران لا ينتبه، وبما أن طلاق النائم لا يقع، فكذا طلاق السكران لا يقع بل هو أولى. وهذا القول هو الأظهر -إن شاء الله- لزوال التكليف، ولأن الله تعالى نهى عن قربان الصلاة حال السكر، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] والسكران لا يعلم ما يقول، ومن كان كذلك كيف يكون مكلفًا وهو غير فاهم ما يقول؟! أما قولهم: يقع عقوبة، فهذا فيه نظر من وجهين: ١ - أن عقوبة السكران مقدرة في الشرع وهي الجلد، فلا يعاقب بغيره ما لم يرد به الشرع. ٢ - أن العقوبة ينبغي ألا تتجاوز من ارتكب الجرم، والعقوبة هنا تتجاوزه إلى زوجته وأولاده. أما من زال عقله بمباح كمن أعطي بنجًا لعملية جراحية أو شرب مسكرًا مكرهًا، أو نحو ذلك مما لا يدخل تحت الرضا والاختيار، فإنه لا يقع طلاقه إجماعًا (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3351

باب الرجعة الرجعة: بالفتح بمعنى الرجوع، وهو العود إلى ما فارقه، أما الرجعة بعد الطلاق فبالفتح والكسر، والفتح أفصح، قال ابن فارس: (والرَّجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر) (١). وشرعًا: إعادةُ مطلقةٍ غير بائنٍ إلى عصمة النكاح بغير عقد. وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمراد بقوله: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أي: بإرجاعهن إلى عصمتهم، وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في زمن التربص، وهو العدة، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] والمراد ببلوغ أجلهن: منتهى عدتهن، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: أبقوهن بمراجعتهن بما يقره الشرع والعرف، والباء للمصاحبة، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: اتركوهن بلا مراجعة، دون أن يَسُبَّهَا أو يُقَبِّحَهَا. ومن السنة: ما ورد أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁ حينما أخبره بأن عبد الله بن عمر طلق زوجته حائضًا: "مره فليراجعها". وأما الإجماع فقد نقل غير واحد اتفاق أهل العلم على ذلك، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد دون الاثنتين أن لهما الرجعة في العدة) (٢).

стр. 3352

وأما الحكمة من مشروعيتها: فإن إباحة مراجعة الرجل زوجته من نعم الله تعالى على عباده، وذلك محافظة على كيان الأسرة من التمزق، ورحمة بالزوج، فقد يشعر بفراغ ووحشة لفراق زوجته، وقد يناله بسبب ذلك من القلق والحيرة ما لا صبر له عليه، ويتبين له أن ما طلق لأجله لم يكن يقتضي مفارقتها، لا سيما مع وجود الولد، والمقصود أن المصلحة المترتبة على الرجعة كما تعود على الزوج تعود إلى المرأة والأولاد. وقد دل قوله تعالى: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] على أن شرط الرجعة إرادة الإصلاح، وهو حسن العشرة والقيام بحقوق الزوجية، فإن أراد برجعتها تطويل العدة عليها أو تطليقها فهي مراجعة باطلة.

стр. 3353

حكم الإشهاد على الرجعة ١٠٩٣/ ١ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵄ أنهُ سُئِلَ عَنِ الرّجُلِ يُطَلِّقُ ثُم يُرَاجِعُ وَلَا يُشْهِدُ؟ فَقَال: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. ١٠٩٤/ ٢ - وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتهُ قَال النَّبيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "مُرهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عمران ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب (الرجل يراجع ولا يشهد) (٢١٨٦) من طريق جعفر بن سليمان الضُّبعي، عن يزيد الرِّشْك، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: (طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد). وبهذا يتبين أن الحافظ قد أخلَّ بلفظ هذا الحديث، فإنه ترك قوله: (طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة)، وقد صحح الحافظ هذا الحديث، وقال ابن عبد الهادي: (رواته ثقات مخرج لهم في الصحيح) وجعفر الضُّبعي وإن كان من رجال مسلم إلا أنه متكلم فيه، فقد قال فيه البخاري (يخالف في بعض حديثه) وقال الذهبي (هو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عُدَّت مما يُنكر، واختلف في الاحتجاج بها) وساق له أحاديث، ومنها حديث

стр. 3354

الباب (١). وقال الحافظ في "التقريب" (صدوق). ورواه البيهقي (٧/ ٣٧٣) من طريق قتادة ويونس، عن الحسن وأيوب، عن ابن سيرين، أن عمران بن حصين ﵁ سئل عن رجل طلق امرأته ولم يشهد، وراجع ولم يشهد، قال عمران: (طلق في غير عدة، وراجع في غير سنة، فليشهد الآن). وإسناده منقطع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من عمران، كما قال الدارقطني (٢). راجعته، وليستغفر الله) وإسناده كالذي قبله. وأما حديث ابن عمر ﵄ فقد تقدم تخريجه في أول كتاب "الطلاق"، ولعل المؤلف أعاده هنا لدلالته على مشروعية الرجعة، وعلى أنه لا يشترط فيها الإشهاد، كما سيأتي. ° الوجه الثاني: استدل بحديث عمران ﵁ من قال بوجوب الإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق، وقد دل الحديث على ما دلت عليه آية سورة الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] بعد ذكر الطلاق والرجعة، والقول بوجوب الإشهاد هو قول الشافعي في القديم، وابن حزم، ونقله ابن كثير عن عطاء (٣). قالوا: وظاهر الأمر في الآية وجوب الإشهاد؛ لتقدم ذكر الطلاق والرجعة، قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: على الرجعة إذا عزمتم عليها)، ثم ساق أثر عمران بن حصين ﵁ (٤).

стр. 3355

القول الثاني: أنه لا يجب الإشهاد في الطلاق، ويجب في الرجعة؛ لأن الطلاق ورد في غير آية وفي غير حديث غير مقيد بالإشهاد، وأما الرجعة فكما تقدم، وهذا رواية عن أحمد، وأحد قولي الشافعي (١). والقول الثالث: أن الإشهاد مستحب فيهما ولا يجب، وهو رواية عن أحمد، وظاهر كلام الشافعي (٢)، وقول مالك (٣)، وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ فإنه أمره بالرجعة ولم يذكر الإشهاد، ولأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج. وأما الآية فالأمر فيها للاستحباب والإرشاد؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: وذلك لأن الأمر بالإشهاد راجع إلى أقرب مذكور قبله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وعلى هذا فليس الإشهاد شرطًا في صحة الطلاق؛ لعدم رجوعه إليه، ولا في صحة الرجعة؛ لأنه ليس شرطًا في صحة ما صاحبها من المفارقة بالمعروف باتفاق، فيكون الأمر في الآية للإرشاد (٤). وهذا هو الأرجح، لكن إن ظهرت المصلحة في الإشهاد؛ لكثرة تدليس الناس وزيادة جرأتهم على الدعاوى الباطلة فالقول بالوجوب قوي. وقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف في مسألة الإشهاد معارضة القياس للظاهر؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ يقتضي الوجوب، وتشبيه حق الرجعة بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان يقتضي أنه لا يجب الإشهاد، فكان الجمع بين القياس والآية حمل الآية على الندب (٥). وقد ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأن الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق، ورجح أن الأمر عائد إلى الرجعة، وأن الإشهاد عليها مأمور به باتفاق، إما أمر استحباب أو أمر إيجاب، وظاهر كلامه اختيار الوجوب (٦).

стр. 3356

° الوجه الثالث: استدل بهذا الأثر من قال: إن الرجعة لا تكون إلا بالقول؛ كراجعت وارتجعت وأمسكت وأعدت ونحو ذلك مما يؤدي المقصود، وحصول الرجعة بالقول محل اتفاق (١). ووجه الاستدلال: أنه ذكر الإشهاد على الرجعة، ولا إشهاد إلا على القول. وقد وقع الخلاف في حصول الرجعة بالفعل، وهو الوطء، على قولين: الأول: أن الرجعة لا تحصل إلا بالقول، ولا تحصل بالفعل، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وظاهر كلام الخرقي (٢)، وهو قول ابن حزم (٣)؛ لأن إعادة الزوجة بعد الطلاق إنشاء للزواج من وجه، فلا بد فيها من القول، ولأن غير القول فِعْلٌ مِنْ قادرٍ على القول، فلم تحصل به الرجعة؛ كالإشارة من الناطق. القول الثاني: أن الرجعة تحصل بالوطء، وهو رواية عن أحمد، وقول مالك، وأبي حنيفة، ولكنهم اختلفوا في اشتراط نية الرجعة، فقيل: لا تحصل الرجعة بالفعل إلا مع النية، وهو أن يجامعها بنية المراجعة، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك (٤)؛ لأن الفعل عند مالك ينزل منزلة القول مع النية، ولعموم: "إنما الأعمال بالنيات"، ولأن هذه مدة تنتهي إلى بينونة، فترتفع بالوطء؛ كمدة الإيلاء. وعن أحمد تحصل الرجعة بالوطء، سواء نوى به الرجعة أم لا، اختارها ابن حامد، والقاضي، وهو قول جماعة من السلف، وأصحاب الرأي (٥). والظاهر أن الرجعة تحصل بالوطء مع نية المراجعة، لقوة مأخذه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: (وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب

стр. 3357

أحمد) (١)، وأما القول بأن الرجعة لا تحصل إلا بالقول فلا يخلو من ضعف؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] عام، فكل ما يدل على الإمساك فإنه يحصل به الإمساك. وعلى ما تقدم فإن قلنا: إن الوطء مباح حصلت به الرجعة، كما ينقطع به التوكيل في طلاقها، وإن قلنا: هو محرم لم تحصل به الرجعة؛ لأنه فعل محرم، فلا يكون سببًا للحل؛ كوطء المحلّل، لكن لا حدَّ عليه بلا خلاف؛ لأنه وطئ زوجته التي يلحقها طلاقه (٢). أما تقبيلها، أولمسها لشهوة فالمنصوص عن أحمد أنه ليس برجعة، وهو أحد القولين في المسألة، وقال الموفَّق: (إنه هو الصحيح؛ لأنه أمر لا يتعلق به إيجاب عدة ولا مهر) (٣)، ولأن الرجعية زوجة في جميع الأحكام، يجوز أن تتزين له وينظر إليها ويخلو بها، إلا أنه لا قسم لها، وكذا الخلوة لا تحصل بها الرجعة على أحد القولين؛ لأنها ليست استمتاعًا. ° الوجه الرابع: أجمع العلماء -كما تقدم- على أن الزوج يملك رجعة زوجته إذا طلقها بالشروط الآتية: ١ - أن يطلق دون ما يملك من العدد، بأن يطلق حر دون ثلاث، وعبد دون اثنتين، فإن اكتمل العدد فهي بينونة كبرى ليس فيها رجعة؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. ٢ - أن يكون الطلاق بلا عوض، فإن كان بعوض فلا رجعة؛ لأن العوض قُصد به أن تفتدي المرأة نفسها من الزوج، ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة. ٣ - أن يكون الطلاق بعد الدخول؛ لأن المدخول بها لها عدة تمكن مراجعتها فيها، أما غير المدخول بها فلا تمكن رجعتها؛ لأنه لا عدة عليها،

стр. 3358

قال الموفَّق: (أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة، ولا يستحق مطلقها رجعتها) (١). ٤ - أن تكون الرجعة قبل نهاية العدة، لقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في زمن التربص، وهو العدة، فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يراجعها لم تحل له إلا بنكاح جديد، فإن طهرت ولم تغتسل فهل له رجعتها؛ قولان (٢). والله تعالى أعلم. انتهى الجزء السابع، ويليه- بعون الله وتوفيقه- الجزء الثامن، وأوله: "باب الإيلاء والظهار والكفارة"

стр. 3359

باب الإيلاء والظهار والكفارة الإيلاء في اللغة: مصدر آلى يؤلي إيلاء: إذا حلف، وعليه جاء حديث أنس ﵁ أنه قال: (آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا) (١) أي: حلف. والأليَّة بالتشديد بوزن العطية: اليمين، وجمعها ألا يا، بوزن عطايا، قال الشاعر: قليل الألايا حافظٌ ليمينه … وإن سبقت منه الأَليَّةُ برَّتِ وشرعًا: حلف الزوج على ترك جماع زوجته. والأصل في أحكامه من القرآن: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]. وهو محرم في مدة تزيد على أربعة أشهر أو مؤبدة، لما فيه من الإضرار بالزوجة والتعدي على حقها. فإن كان في مدة أقل من أربعة أشهر فهو جائز إذا كان للمصلحة، كتأديب الزوجة ونحوه، لما تقدم في حديث أنس ﵁. فإن هجر زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر ولم يحلف فليس بإيلاء، لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ أي: يحلفون، فخصَّ الإيلاء بالحلف. وله شروط مذكورة في كتب الفقه. والظهار سيأتي تعريفه. والمراد بالكفارة: كفارة الظهار، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 3360

من آلى ألا يدخل على امرأته ١٠٩٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَات. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي في أبواب "الطلاق واللعان"، باب "ما جاء في الإيلاء" (١٢٠١)، وابن ماجه (٢٠٧٢) من طريق مَسْلَمَةَ بن علقمة، أنبأنا داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: … وذكرت الحديث. وهذا الحديث رجاله ثقات غير مسلمة بن علقمة، فقد تكلم العلماء في حفظه، وفي روايته عن داود، قال الإمام أحمد: (ضعيف الحديث، حدث عن داود بن أبي هند أحاديث مناكير) (١)، وقد ذكر الذهبي هذا الحديث من مناكيره (٢). ووثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم (٣). وقد رجح الترمذي والبيهقي وجماعة إرسال الحديث على وصله، فقال الترمذي: (حديث مسلمة بن علقمة، عن داود، رواه علي بن مسهر وغيره: عن داود، عن الشعبي، أن النبي ﷺ : … مرسلًا، وليس فيه: عن مسروق، عن عائشة، وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة).

стр. 3361

ووجه ذلك أن الذي وصله متكلم فيه ولا سيما في روايته عن داود، وهذا منها، وعلي بن مسهر أضبط وأوثق من مَسْلَمْةَ. وإيلاء النبي ﷺ من نسائه شهرًا محفوظ، كما ثبت في "الصحيح"، وأما ما في هذا الحديث فقد فسره العلماء بامتناعه من مارية، أو امتناعه من العسل، كما سيأتي (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (آلى) أي: حلف، فالمراد به المعنى اللغوي لا الاصطلاحي. قوله: (من نسائه) أي: ألا يدخل على زوجاته ﵅، وقد دلت الروايات الأخرى أنه آلى شهرًا، قال الحافظ: (أي: حلف لا يدخل عليهن شهرًا، وليس المراد به الإيلاء المتعارف عليه عند الفقهاء) (٢). قوله: (وحرم) أي: حلف ألا يطأ مارية، أو ألا يشرب العسل. قوله: (فجعل الحرام حلالًا) أي: رجع إلى شرب العسل بعد ما كان حرمه على نفسه، وفي حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ أنه أصاب جاريته (٣). قوله: (وجعل لليمين كفارة) أي: وكفر عن يمينه. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الرجل إذا حرم جاريته أو حرم شيئًا من الطعام أنه يكفي فيه كفارة يمين، ومثل هذا لو قال: والله لا آكل هذا الطعام، أو لا أطأ زوجتي فلانة، أو نحو ذلك، ولا أثر لهذا التحريم على العين المحرمة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] فدلت الآية على أن الكفارة تحل اليمين بعد عقدها، وأن الله تعالى لم يجعل لرسوله ﷺ أن يحرم ما أحل الله، فكيف يجعل لغيره التحريم؟.

стр. 3362

وهذا الحديث تابع فيه الحافظ ابن حجر ابن عبد الهادي في "المحرر" فذكره في باب (الإيلاء) مع أن الإيلاء الذي عقد له الباب محرم شرعًا يأثم به من علم بحاله، فلا تجوز نسبته للنبي ﷺ ، ولم تكن يمين رسول الله ﷺ بعدم الدخول على نسائه شهرًا من هذا القبيل، وإنما المراد به الإيلاء اللغوي الذي هو الحلف مطلقًا. وقد أدخل البخاري حديث أنس: (آلى رسول الله ﷺ من نسائه … ) تحت باب قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ .... ﴾. ° الوجه الرابع: ثبت في حديث أنس ﵁ كما تقدم- أنه ﷺ آلى من نسائه شهرًا، وقد اختلفت الروايات في سبب إيلائه ﷺ من نسائه، وفي الشيء الذي حرمه، على أقوال، أشهرها قولان: الأول: أنه تحريم العسل، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂. الثاني: أنه تحريم الجارية، لما ورد في "سنن النسائي" عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ وهذا هو الأظهر، ويؤيده أمران: ١ - أن تحريم الجارية مما يبتغى بمثله مرضاة الضرات. ٢ - أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن، بل فيها أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. وأما تخريج رواية العسل في هذه الآية، وقول بعض السلف نزلت فيه، فالمراد منه أن الآية تشمل قصته بعمومها (١). وقيل: إن سبب إيلائه أنه فَرَّقَ هدية له بين نسائه، فلم ترض زينب بنصيبها، فزادها، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمأتْ (٢) وجهكَ حين ردتْ

стр. 3363

عليكَ الهدية، فقال: "أنتن أهون علي من أن تقمئنني، والله لا أدخل عليكن شهرًا" (١). وقيل: إنه بسبب طلبهن النفقة، كما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ (٢). ويرى الحافظ ابن حجر أن الأليق بمكارم أخلاقه ﷺ سعة صدره وكثرة صفحه أن يكون مجموع هذه الأشياء سببًا لاعتزالهن (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3364

من أحكام الإيلاء ١٠٩٦/ ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقفَ الْمُولي حَتى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعَ عَلَيهِ الطَّلَاقُ حَتى يُطلِّقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ١٠٩٧/ ٣ - وَعَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَال: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولي. رَوَاهُ الشَّافِعي. ١٠٩٨/ ٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ إِيلَاءُ الْجَاهِلِيّةِ السَّنَةَ وَالسّنَتَينِ. فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيس بِإِيلَاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِي. * الكلام مع عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو أيوب سليمان بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهو أخو عطاء بن يسار، كان سليمان من فقهاء المدينة، بل هو أحد الفقهاء السبعة الذين نقلوا فقه الصحابة ﵃، كان ثقة، عالمًا، رفيعًا، كثير الحديث، وكان من المجتهدين في العبادة، وأحسن الناس وجهًا، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة وغيرهم ﵃، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين (١) ﵀. ° الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب

стр. 3365

"قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ … ﴾ (٥٢٩١) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: (إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع الطلاق حتى يطلق). قال البخاري عقبه: (ويُذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ). وأما حديث سليمان بن يسار فقد رواه الشافعي في "المسند" (٢/ ٢٩٤ ترتيبه) قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار. ورواه سعيد بن منصور (٢/ ٣٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٣٢)، والدارقطني (٤/ ٦١ - ٦٢) بهذا الإسناد. وهذا إسناد صحيح. رجاله رجال الشيخين (١). وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البيهقي (٧/ ٣٨١) من طريق الحارث بن عبيد أبي قدامة، حدثني عامر الأحول، حدثني عطاء، عن ابن عباس ﵄. وهذا الحديث فيه الحارث بن عبيد أخرج له مسلم، وضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي (١). وعامر الأحول قال عنه أحمد: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (ثقة، لا بأس به)، وقال ابن معين: (ليس به بأس) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ١٣٦) قال: حدثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن عامر به. قال الحافظ: (إسناده صحيح) (٣). ° الوجه الثالث: اتفق العلماء على أن من حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر فهو مولٍ، وأنه يمهل مدة أربعة أشهر منذ حلف ألا يطأ، لقوله
следующие страницы →