← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ووجه ذلك أن الذي وصله متكلم فيه ولا سيما في روايته عن داود، وهذا منها، وعلي بن مسهر أضبط وأوثق من مَسْلَمْةَ. وإيلاء النبي ﷺ من نسائه شهرًا محفوظ، كما ثبت في "الصحيح"، وأما ما في هذا الحديث فقد فسره العلماء بامتناعه من مارية، أو امتناعه من العسل، كما سيأتي (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (آلى) أي: حلف، فالمراد به المعنى اللغوي لا الاصطلاحي. قوله: (من نسائه) أي: ألا يدخل على زوجاته ﵅، وقد دلت الروايات الأخرى أنه آلى شهرًا، قال الحافظ: (أي: حلف لا يدخل عليهن شهرًا، وليس المراد به الإيلاء المتعارف عليه عند الفقهاء) (٢). قوله: (وحرم) أي: حلف ألا يطأ مارية، أو ألا يشرب العسل. قوله: (فجعل الحرام حلالًا) أي: رجع إلى شرب العسل بعد ما كان حرمه على نفسه، وفي حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ أنه أصاب جاريته (٣). قوله: (وجعل لليمين كفارة) أي: وكفر عن يمينه. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الرجل إذا حرم جاريته أو حرم شيئًا من الطعام أنه يكفي فيه كفارة يمين، ومثل هذا لو قال: والله لا آكل هذا الطعام، أو لا أطأ زوجتي فلانة، أو نحو ذلك، ولا أثر لهذا التحريم على العين المحرمة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] فدلت الآية على أن الكفارة تحل اليمين بعد عقدها، وأن الله تعالى لم يجعل لرسوله ﷺ أن يحرم ما أحل الله، فكيف يجعل لغيره التحريم؟.

стр. 3362

وهذا الحديث تابع فيه الحافظ ابن حجر ابن عبد الهادي في "المحرر" فذكره في باب (الإيلاء) مع أن الإيلاء الذي عقد له الباب محرم شرعًا يأثم به من علم بحاله، فلا تجوز نسبته للنبي ﷺ ، ولم تكن يمين رسول الله ﷺ بعدم الدخول على نسائه شهرًا من هذا القبيل، وإنما المراد به الإيلاء اللغوي الذي هو الحلف مطلقًا. وقد أدخل البخاري حديث أنس: (آلى رسول الله ﷺ من نسائه … ) تحت باب قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ .... ﴾. ° الوجه الرابع: ثبت في حديث أنس ﵁ كما تقدم- أنه ﷺ آلى من نسائه شهرًا، وقد اختلفت الروايات في سبب إيلائه ﷺ من نسائه، وفي الشيء الذي حرمه، على أقوال، أشهرها قولان: الأول: أنه تحريم العسل، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂. الثاني: أنه تحريم الجارية، لما ورد في "سنن النسائي" عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ وهذا هو الأظهر، ويؤيده أمران: ١ - أن تحريم الجارية مما يبتغى بمثله مرضاة الضرات. ٢ - أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن، بل فيها أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. وأما تخريج رواية العسل في هذه الآية، وقول بعض السلف نزلت فيه، فالمراد منه أن الآية تشمل قصته بعمومها (١). وقيل: إن سبب إيلائه أنه فَرَّقَ هدية له بين نسائه، فلم ترض زينب بنصيبها، فزادها، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمأتْ (٢) وجهكَ حين ردتْ

стр. 3363

عليكَ الهدية، فقال: "أنتن أهون علي من أن تقمئنني، والله لا أدخل عليكن شهرًا" (١). وقيل: إنه بسبب طلبهن النفقة، كما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ (٢). ويرى الحافظ ابن حجر أن الأليق بمكارم أخلاقه ﷺ سعة صدره وكثرة صفحه أن يكون مجموع هذه الأشياء سببًا لاعتزالهن (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3364

من أحكام الإيلاء ١٠٩٦/ ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقفَ الْمُولي حَتى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعَ عَلَيهِ الطَّلَاقُ حَتى يُطلِّقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ١٠٩٧/ ٣ - وَعَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَال: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولي. رَوَاهُ الشَّافِعي. ١٠٩٨/ ٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ إِيلَاءُ الْجَاهِلِيّةِ السَّنَةَ وَالسّنَتَينِ. فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيس بِإِيلَاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِي. * الكلام مع عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو أيوب سليمان بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهو أخو عطاء بن يسار، كان سليمان من فقهاء المدينة، بل هو أحد الفقهاء السبعة الذين نقلوا فقه الصحابة ﵃، كان ثقة، عالمًا، رفيعًا، كثير الحديث، وكان من المجتهدين في العبادة، وأحسن الناس وجهًا، روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة وغيرهم ﵃، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين (١) ﵀. ° الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب

стр. 3365

"قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ … ﴾ (٥٢٩١) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: (إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع الطلاق حتى يطلق). قال البخاري عقبه: (ويُذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ). وأما حديث سليمان بن يسار فقد رواه الشافعي في "المسند" (٢/ ٢٩٤ ترتيبه) قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار. ورواه سعيد بن منصور (٢/ ٣٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٣٢)، والدارقطني (٤/ ٦١ - ٦٢) بهذا الإسناد. وهذا إسناد صحيح. رجاله رجال الشيخين (١). وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البيهقي (٧/ ٣٨١) من طريق الحارث بن عبيد أبي قدامة، حدثني عامر الأحول، حدثني عطاء، عن ابن عباس ﵄. وهذا الحديث فيه الحارث بن عبيد أخرج له مسلم، وضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي (١). وعامر الأحول قال عنه أحمد: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو حاتم: (ثقة، لا بأس به)، وقال ابن معين: (ليس به بأس) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ١٣٦) قال: حدثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن عامر به. قال الحافظ: (إسناده صحيح) (٣). ° الوجه الثالث: اتفق العلماء على أن من حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر فهو مولٍ، وأنه يمهل مدة أربعة أشهر منذ حلف ألا يطأ، لقوله

стр. 3366

تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] فجعل الله تعالى للزوج تربص أربعة أشهر، والتربص: الانتظار من حين الحلف، فإذا مضت الأربعة ألزم بأحد أمرين: الطلاق، أو الجماع من القادر عليه، فإن كان مسافرًا أو مريضًا أو مسجونًا، فإنه يكفي أن يفيء بلسانه أو بقلبه، وعلى هذا فلا يكفي تقبيلها؛ لأن ذلك لا يزول به ضرر المرأة، قال تعالى: ﴿فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٨]. ومعنى ﴿فَاءُوا﴾: رجعوا إليهن بالجماع، وقد قدم الله تعالى الفيئة على الطلاق، وختمها بِاسْمين من أسمائه دالين على المغفرة والرحمة؛ إشارة إلى أنها أحب إلى الله تعالى من الطلاق الذي ختم بِاسْمين فيهما معنى التهديد، وهما السميع والعليم (١). وفي الآية إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، كما في أثر ابن عباس ﵁. وقد وردت آثار كثيرة عن السلف ومنها؛ أثر سليمان بن يسار، كلها تدل على أنهم يوقفون المولي، بمعنى أن يطالب إما بالفيء، أو بالطلاق، وحديث ابن عمر في هذا الباب جاء كالتفسير للآية الكريمة. فإن حلف أقل من أربعة أشهر كشهرين أو شهر، فليس بإيلاء، وهو جائز إذا كان للمصلحة؛ كتأديب الزوجة، قال ابن عباس: (فإن كان أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء)، ويؤيد ذلك ما تقدم في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ آلى من نسائه شهرًا فاعتزلهن. فإن حلف أربعة أشهر فكذلك على قول الجمهور؛ لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدة يتناولها الإيلاء، وهو ما كان أكثر من أربعة أشهر، فيمهل أربعة أشهر. ° الوجه الرابع: في حديث ابن عمر ﵄ دليل على أن الزوجة لا تطلق

стр. 3367

بمضي المدة، وإنما يؤمر الزوج بالفيئة أو الطلاق، لقوله: (ولا يقع عليه الطلاق، حتى يطلق)، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ وهذا صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج (١). ولو كان الطلاق يقع بعد مضي الأربعة لم يكن الزوج مخيرًا بعد انتهائها، ولأن الله تعالى أضاف عزم الطلاق إلى الزوج، وليس مضي المدة من فعله. والله تعالى أعلم.

стр. 3368

من أحكام الظهار ١٠٩٩/ ٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمّ وَقَعَ عَلَيهَا، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَال: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيهَا قَبْلَ أَنْ أُكُفِّرَ، قَال: "فَلَا تَقْرَبْهَا حَتى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ الله". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالهُ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، وزَادَ فيهِ: "كفِّرْ وَلَا تَعُدْ". * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الطلاق"، بابٌ "في الظهار" (٢٢٢٥)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٦/ ١٦٧)، من طريق الفضل بن موسى، وابن ماجه (٢٠٦٥) من طريق غندر، كلاهما عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. وخالفهما عبد الرزاق فرواه في "المصنف" (٦/ ٤٣٠) عن معمر، عن الحكم، عن عكرمة مرسلًا. قال الترمذي عن الموصول: (حديث حسن غريب صحيح)، وحسن الحافظ إسناده (١)، ولعل ذلك من أجل الحكم بن أبان، فقد وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وقال أبو زرعة: (صالح) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق عابد، وله أوهام).

стр. 3369

وقد اختلف على الحكم بن أبان في وصل هذا الحديث وإرساله، فروي موصولًا بذكر ابن عباس ﵄، ورواه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة (٢٢٢١) (٢٢٢٢)، وإسماعيل بن علية (٢٢٢٣)، والمعتمر بن سليمان (٢٢٢٥)، ورواه النسائي (٦/ ١٦٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر -في أصح الوجهين عنه - أربعتهم عن الحكم بن أبان، عن عكرمة أن رجلًا ظاهر من امرأته .. هكذا مرسلًا. وقد رجح الحفاظ كأبي حاتم والنسائي إرساله، وهو ظاهر صنيع أبي داود، ووجه ذلك أن الإرسال هو رواية الجماعة الثقات الأثبات عن الحكم، ولم يخالفهم أحد يعتد بخلافه وقد تابع الحكم على إرساله عمرو بن دينار فرواه عن عكرمة أن النبي ﷺ .. علقه ابن أبي حاتم في "العلل" (١٣٠٩) كما تابعه شيخ لخالد الحذَّاء. رواه أبو داود (٢٢٢٤) (١). ورواه البزار من طريق خصيف، عن عطاء، عن ابن عباس بالزيادة المذكورة (٢). وهذا سند ضعيف، فيه خصيف، وهو ابن عبد الرحمن الجزري، قال عنه الحافظ: (صدوق سيء الحفظ، خلط بأخَرَةَ). لكن يشهد لحديث ابن عباس ما بعده. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن رجلًا ظاهر من امرأته) الظهار في اللغة: مشتق من الظهر، وخصوا الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب، والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه إذا قال: أنت علي كظهر أمي، أراد أنت في ركوب النكاح حرام عليَّ كركوب أمي للنكاح.

стр. 3370

وشرعًا: تشبيه زوجته أو بَعْضِها في التحريم بمن تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا أو ببعضها. وقولنا: (أو بعضها) أي: كَيَدِها أو ظهرها أو بطنها، فهذا ظهار؛ لأن التحريم لا يتبعض. وقولنا: (بمن تحرم عليه … ) أي: بنسب كأمه وأخته، أو برضاع كأخته منه، أو بمصاهرة كأم زوجته. ومفهومه أن المحرَّمة إلى أمد كأخت زوجته وعمتها لا يكون التشبيه بها ظهارًا؛ لأنها غير محرمة على التأبيد. والقول الثاني: أنه ظهار؛ لأنه شبهها بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم (١)، والأول أقرب (٢). قوله: (حتى تفعل ما أمرك الله) أي: كفارة الظهار المنصوص عليها في القرآن، وهذا يشعر بأن الآيات قد نزلت من قبل، كما سيأتي. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الظهار؛ لأنه ﷺ أمره فيه بالكفارة، وقد أجمع أهل العلم على ذلك؛ لأنه منكر من القول وزور، حيث شبه أحل الأشياء منه بأعظمها تحريمًا، وقد دل على تحريمه القرآن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢] وقد ذكر المفسرون أن آيات الظهار التي في أول سورة المجادلة نزلت في أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي ﵁ لما ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة ﵂ (٣). * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من ظاهر من زوجته فشبهها بظهر أمه في التحريم ثم أراد أن يجامعها فعليه أن يكفر عن ظهاره قبل

стр. 3371

الجماع؛ لقوله: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله"، وقد دل على هذا القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. وظاهر الحديث وجوب تقديم الكفارة على المماسة، وهي الجماع، سواء كفَّر بالعتق أو الصيام أو الإطعام، مع أن آية الظهار لم تشترط ذلك في الإطعام، كما سيأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم.

стр. 3372

كفارة الظهار ١١٠٠/ ٦ - عَنْ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ ﵁ قال: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لي شَيْءٌ منها لَيلَةً، فَوَقعْتُ عَلَيها، فَقَال لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَرِّرْ رَقَبَةً" فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إلا رَقَبَتي، قَال: "فَصُمْ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ" قُلْتُ: وهَلْ أَصَبتُ الذي أَصَبْتُ إلا مِنَ الصِّيَام؟ قَال: "أطْعِمْ فَرَقًا مِنْ تَمْرٍ بَينَ ستِّينَ مِسْكينًا" أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسائيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو سلمة بن صخر البَياضي -بفتح الباء- الأنصاري الخزرجي ﵁، له حِلْفٌ في بني بياضة، فقيل له: البياضي، ذكر ابن سعد أنه أحد البكائين الذين أتوا رسول الله ﷺ ليحملهم يوم تبوك، فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه"، ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]، قال البغوي: (لا أعلم لسلمة بن صخر حديثًا مسندًا غير هذا الحديث)، روى عنه سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وقيل: إن سليمان بن يسار لم يسمع منه، كما سيأتي (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٤٧)، وأبو داود في كتاب "الطلاق"، باب "في الظهار" (٢٢١٣)، والترمذي (١١٩٨، ٣٢٩٩)، وابن ماجه

стр. 3373

(٢٠٦٢)، وابن خزيمة (٢٣٧٨)، وابن الجارود (٧٤٤) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، به. وهذا سند ضعيف فيه علتان: الأولى: عنعنة محمَّد بن إسحاق، وهو مدلس. الثانية: الانقطاع؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من سلمة بن صخر، وقد نقل الترمذي في "جامعه" في الموضع الثاني المذكور عن البخاري أنه قال: (سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر). والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، ولم يلتفت الحاكم إلى ما أُعل به، فقال: (صحيح على شرط مسلم)، وسكت عنه الذهبي، مع أن مسلمًا روى لمحمد بن إسحاق متابعة. ورواه الترمذي (١٢٠٠)، والحاكم (٢/ ٢٥٤)، والبيهقي (٧/ ٣٩٠) من طريق أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن سلمة بن صخر، به. وهو منقطع -أيضًا- بين أبي سلمة وابن ثوبان وبين سلمة بن صخر. ورواه مرسلًا أبو داود (٢٢١٧)، وابن الجارود (٧٤٥) من طريق بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا من بني زريق يقال له: سلمة بن صخر … فذكر الحديث مختصرًا. قال الألباني: (هذا مرسل صحيح الإسناد، وهو يؤيد قول البخاري: إن سليمان بن يسار لم يسمع من سلمة بن صخر، والله أعلم) (١). وحديث ابن عباس المتقدم يشهد لهذا الحديث، ولعله بطرقه وشواهده يكون صحيحًا. * الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب كفارة الظهار على من ظاهر من زوجته، وقد دل على ذلك القرآن، كما تقدم.

стр. 3374

وقد ذكر الحافظ ابن كثير أن آيات الظهار نزلت في أوس بن الصامت وزوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة، ثم قال: (هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه الآية، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أُمر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق أو الصيام أو الإطعام) (١). * الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب الترتيب بين خصال كفارة الظهار، وهي عتق رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤]. * الوجه الخامس: ظاهر الآية أنه لا يشترط الإيمان في الرقبة التي يراد إعتاقها في كفارة الظهار؛ لأن الرقبة جاءت مطلقة عن التقييد، فلا يحمل هذا المطلق على المقيد في آية سورة النساء؛ لاختلاف السبب؛ لأنه هنا ظهار، وفي آية النساء قتل، وهذا قول الحنفية، ورواية عن أحمد (٢). والفول الثاني: اشتراط الإيمان حملًا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ لأن الحكم واحد وهو تحرير رقبة، وهذا رواية عن أحمد، وقول مالك والشافعي (٣). والقول الأول وجيه؛ لأن الكفارة عقوبة شرعت لعلة، ولكل حكم علته المناسبة له، قد تظهر وقد تخفى، وقد يكون شدد في كفارة القتل لشدة أمره، بخلاف الظهار، والقيد في هذا الحكم تشديد كما لا يخفى، فالأخذ بظاهر الآية في آية الظهار قوي، لكن إعتاق المؤمنة أحوط وأبرأ للذمة، فإن الرقبة إذا أعتقت وهي كافرة لا يؤمن أن يلحق بالكفار؛ لأنه صار حرًّا، وقد يؤيد

стр. 3375

ذلك ما في حديث معاوية بن الحكم ﵁ قال: كانت لي جارية، فأتيت النبي ﷺ فقلت: عليَّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها النبي ﷺ : "أين الله؟ "، قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ "، قالت: أنت رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "أعتقها فإنها مؤمنة" (١). * الوجه السادس: شرط الصيام أن يكون شهرين متتابعين لا يفطر فيهما إلا لعذر، كأن يتخلله رمضان أو فطر يجب كعيد وأيام التشريق، أو تخلله فطر لجنون أو مرض مخوف، أو لعذر يحيى الفطر كسفر ونحو ذلك، فلا ينقطع التتابع؛ لأنه فطر بسبب لا يتعلق باختياره، فإن أحل بالتتابع لغير عذر استأنف الصيام. وقد دلت الآية على أن الصيام يكون قبل المماسة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي: يَمَسَّ أحدهما الآخر بالجماع، كما ورد عن ابن عباس ﵁ وغيره فلو مَسَّ أثناء الشهرين استأنف الصيام إذا كان ذلك نهارًا بالإجماع، وأما المس في الليل ففيه قولان، فمن قال: يقطع التتابع أخذ بعموم الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فأمر بصيام الشهرين خاليين من الوطء (٢). والقول الثاني: أنه إذا أصابها ليلًا أثم؛ لوطئه قبل إتمام الصوم، ولا ينقطع التتابع، وهو قول الشافعي، وابن المنذر، ورواه الأثرم عن أحمد، وهو قول الموفق ابن قدامة؛ لأن وطء الليل لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف، كوطء غيرها؛ ولأن التتابع في الصيام معناه: إتباع صوم يومٍ للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق وإن وطئ ليلًا (٣)، وهذا هو الأقرب؛ لقوة مأخذه. وأما ما دون الجماع كالقبلة والمعانقة والاستمتاع بما دون الفرج ففيه قولان:

стр. 3376

الأول: أنه يحرم، وهو قول الزهري والأوزاعي، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأن ما حرَّم الوطء من القول حرَّم دواعيه، كالطلاق والإحرام. القول الثاني: أنه يباح، وهو قول الحسن والثوري وعطاء وآخرين، وبه قال الشافعي، ورواية عن أحمد، فإنه قال: (أرجو ألا يكون به بأس)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ والتماس كناية عن الجماع، كما تقدم، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فالحيض يحرم فيه الوطء، ويباح ما دونه، والصيام يحرم فيه الوطء، وتباح فيه المباشرة (١)، وهذا القول هو الأظهر. * الوجه السابع: دل الحديث على وجوب إطعام ستين مسكينًا إذا لم يستطع الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والآية كالحديث نص في العدد، فلا يجزئ أقل من ستين، إلا إن تعذر ذلك، فإنه يكرر الكفارة على الموجودين بقدر ستين مسكينًا. ويجزئ في الإطعام كل ما كان قوتًا للبلد كالرز ونحوه؛ لأن الله تعالى أوجب الإطعام ولم يخصصه بنوع معين، فيرجع فيه إلى ما جرى به عرف البلد. ومقدار الإطعام مدٌّ من البر، وهو ربع الصالح، وهو ما يعادل خمسمائة وستين جرامًا، على أن الصالح كيلوان ومائتان وأربعون جرامًا، لقوله: "أطعم فرقًا من تمر ستين مسكينًا"، والفرق: بفتح الفاء والراء، مكيال يسع خمسة عشر صاعًا، وفي بعض نسخ "البلوغ": (عرقًا) بفتح العين والراء المهملتين، وقد روى أبو داود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: (العرق: زنبيل

стр. 3377

يأخذ خمسة عشر صاعًا)، وذكر ابن الرفعة من الشافعية أن العرق ستون مدًّا، خمسة عشر صاعًا (١). وإن غدى المساكين أو عشاهم أجزأه على إحدى الروايتين عن الإِمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢)، وهو الأظهر -إن شاء الله- لمطابقته لظاهر الآية، فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا قد أطعم. * الوجه الثامن: دلت الآية الكريمة على وجوب تقديم الكفارة بالعتق والصيام على المماسة، ولا خلاف في ذلك، أما وجوب تقديمها في الإطعام فلم يذكر في الآية، ولذا اختلف أهل العلم في ذلك، فالأكثرون على وجوب تقديم الإطعام على المماسة وأنه لا يجوز وطؤها قبل التكفير، واستدلوا بحديث ابن عباس المتقدم: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله". والقول الثاني: جواز المسيس قبل الإطعام، وهو قول أبي ثور، وعن أحمد ما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى لم يمنع المسيس قبل الإطعام، كما في العتق والصيام. والقول الأول أحوط؛ لأن الإطعام أمره يسير، وترك النص على المسيس قبل الإطعام لا يمنع قياسه على المنصوص عليه الذي هو في معناه (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3378

باب اللعان اللعان في اللغة: مصدر لاعن يلاعن لعانًا وملاعنة: إذا تبادل اللعن مع غيره. وشرعًا: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة بلعنة أو غضب. فقولنا: (شَهَادات) أي: إنها شهادات أربع، كشهود الزنا، مؤكدات بالأيمان، بحيث يقول كل من الزوجين: أشهد بالله. وقولنا: (مَقرونة بلعنٍ) أي: إن شهادة الزوج بعد الرابعة مقرونة باللعن، قائمة مقام حد القذف في حقه على تقدير كذبه، لما فيها من اللعنة عليه إن كان من الكاذبين. وقولنا: (أو غضب) أي: إن شهادة المرأة بعد الرابعة مقرونة بالغضب، قائمة مقام حد الزنا في حقها على تقدير أنه صادق؛ لأنها تضمنت غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا. وبهذا يتبين أن اللعن من جانب واحد وهو الزوج، والغضب من جانب الزوجة، فيكون قولهم: (باب اللعان) من باب تغليب أحد الوصفين على الآخر، واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية. وسبب اللعان: رَمْيُ الزوج زوجته بالزنا، سواء بشخص معين أو بغير معين، كقوله: يا زانية، فإذا حصل ذلك منه فله ثلاث حالات: الأولى: وهي أن يقيم بيِّنة شرعية، وهي أربعة شهود على صحة دعواه، لحديث ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشَرِيك بن

стр. 3379

سَحْمَاء، فقال النبي ﷺ : "البينة أو حدٌّ في ظهرك … " (١) الحديث. فإذا أقام البينة أقيم على المرأة حد الزنا. الثانية: ألا يكون بينة، ولكن تقر هي بذلك، فيقام عليها حد الزنا. الثالثة: ألا يكون بينة ولا إقرار، فيقام عليه حد القذف، لعموم آية القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً … ﴾ الآية [النور: ٤]، ولحديث ابن عباس ﵄ المتقدم، إلا أن يُسقط حد القذف باللعان. وعلى هذا فالأزواج داخلون في عموم آية القذف، ولكن الله تعالى جعل لهم فرجًا ومخرجًا، فأنزل آيات اللعان، فماذا قذف زوجته ولم يستطع إقامة البينة فله أن يلاعن؛ لأنه يبعد غاية البعد أن يقذف الرجل زوجته بما لم يكن؛ لأن عليه في ذلك عارًا كما عليها، فجعل الله تعالى للزوج حكمًا خاصًّا ومخرجًا ثالثًا غير البينة والحد، حيث إنه لا يستطيع إحضار أربعة شهود. ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت اللعان بالكتاب، كما في آيات سورة النور، وبالسنة الصحيحة، كما في "الصحيحين" ومنها ما في هذا الباب، وبالإجماع على ذلك. وقد تكلم المفسرون في سبب نزول آيات اللعان، وأنها نزلت في عويمر العجلاني لما قذف زوجته بشريك بن سحماء. وفي سبب النزول عدة أقوال، وهذا أظهرها، وسيأتي مزيد لهذا في باب "القذف" إن شاء الله تعالى (٢).

стр. 3380

مشروعية اللعان وصفته ١١٠١/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: سَأَل فُلَانٌ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كيفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّم تَكَلَّمَ بَأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذلَكَ، فَلَمْ يُجبْهُ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أتاهُ، فَقَال: إِنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتلِيتُ بِهِ، فَأَنزَلَ اللهُ الآياتِ في سُورةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَال: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالتْ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالئهِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَينَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب "اللعان" (١٤٩٣) (٤) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب أيفرق بينهما؟ قال: فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلت: للغلام استأذن لي، قال: إنه قائل، فسمع صوتي، قال: ابنُ جبير؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة، فدخلت، فهذا هو مفترش بَرْذَعَةً متوسد وسادة حشوها ليف، قلت: أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، قال: يا رسول الله أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة … وذكر بقية الحديث.

стр. 3381

والحافظ قد حذف أول الحديث واختصر في أثناء سياقه، ولعله خشي أن يطول. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (في إمرة مصعب) أي: مصعب بن الزبير، كما في رواية عند مسلم، وقد كان أميرًا على العراق من سنة ثمان وستين، وبقي فيها إلى أن قتل سنة إحدى وسبعين (١). قوله: (إنه قائل) من القيلولة، وهي النوم نصف النهار. قوله: (برذعة) بفتح الباء، وهي تقال بالدال وبالذال، وهي ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه، كالسرج للفرس (٢). قوله: (فلان بن فلان) كناية عن شخص معين، ويكنى بذلك كراهية التصريح باسمه، والظاهر أن المراد عويمر العجلاني، كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات (٣)، وهذا التصريح لا حرج فيه؛ لأنه شيء حصل، ومضى فيه حكم الله، وقد يكون في التسمية فوائد، وأهمها البحث عنه ومراجعة ترجمته. قوله: (على فاحشة) أصل الفاحشة: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، وتطلق الفاحشة على الزنا، وهو المراد هنا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. قوله: (فلم يجبه) جاء في حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني، لما أرسل عاصم بن عدي يسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، (فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها) فهذا يفيد أن هذه الكراهة لقبح هذه المسألة، ولهذا قال عاصم: فكره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها، ولعل هذه الكراهة إما لقبح النازلة والفاحشة، أو لما كان من نهيه عن كثرة السؤال أو لغير ذلك (٤).

стр. 3382

قوله: (قد ابتليت) النبلاء هو المحنة تنزل بالمرء، والمعنى: امتحنت بهذا الأمر. قوله: (فأنزل الله الآيات … ) في "صحيح مسلم" ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. قوله: (عذاب الدنيا) أي: حد القذف وهو ثمانون جلدة، (أهون من عذاب الآخرة) كما في قوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. قوله: (ثم ثَنَّى بالمرأة) من التثنية، وهو فعل الشيء ثانيًا، أي: بعد فِعْلِ شيء قبله، والمعنى: أشهد أولًا الرجل، وأشهد ثانيًا المرأة. * الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية اللعان إذا وجد ما يقتضيه، وهو أن يقذف الرجل زوجته بالزنا ولا يقيم البينة على ذلك، كما تقدم. وقد دلت السنة على أن اللعان بين الزوجين يكون في المسجد، كما يكون بحضرة الإِمام أو القاضي وبمجمع من الناس، كما في حديث سهل بن سعد في "الصحيحين"، وكل هذا مقصود به التغليظ. وإذا تم اللعان سقط حد القذف عن الرجل، وسقط حد الزنا عن الزوجة، وحرمت عليه تحريمًا مؤبدًا، كما سيأتي. واللعان خاص بقذف الزوجة، أما قذف غيرها فيجري فيه حد القذف. * الوجه الرابع: أن صفة اللعان كما ذكر الله تعالى في القرآن، وذلك بأن يحضر الزوجان عند الحاكم أو نائبه، فيقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي، ويُعَيِّنُها باسمها أو وصفها أو الإشارة إليها، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليَّ إن كنتُ من الكاذبين، وتقول الزوجة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: وأن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين. وإنما خصت المرأة بالغضب -وهو أعظم من اللعنة- لأنها أقرب إلى

стр. 3383

الكذب في هذه القضية من زوجها، فإنها تعلم علم اليقين بحقيقة الحال، بخلاف الرجل فقد تقوم عنده شبهة قوية فيلاعن من أجلها ولا يكون جازمًا في حقيقة الأمر، فالزوج إن كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من حد القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه يبدأ بالزوج في اللعان، وهذا هو الذي دل عليه القرآن، وهو الموافق للقياس، فإن الزوج هو المدعي؛ ولأن لعان الزوج بينة الإثبات، فإنه هو القاذف فيدرأ الحد عن نفسه، ولعانها بينة الإنكار فلم يجز تقديمها. * الوجه السادس: استحباب وعظ كل واحد من الزوجين قبل البدء في اللعان؛ لعله يرجع إن كان كاذبًا، فيرجع الزوج عن قوله، أو ترجع هي عن إنكارها. * الوجه السابع: استدل العلماء بقوله: (فلم يجبه) على استحباب الإعراض عن الأسئلة التي لم تقع، وإنما يتصور وقوعها تصورًا، لا سيما إذا كانت في أمور مستكرهة، أو في أمور لا حاجة إليها. وقد روى الدارمي في مقدمة "سننه" عن جماعة من سلف هذه الأمة، منهم: عمر وابنه وزيد بن ثابت وأُبي بن كعب ﵃، أنهم كانوا يكرهون السؤال عن شيء لم يقع، ولم يكونوا يجيبون السائل (١). قال ابن حمدان الحنبلي: (إذا سأل عامِّيٌّ عن مسألة لم تقع لم تجب إجابته، لكن تستحب، وقيل: يكره؛ لأن بعض السلف كان لا يتكلم فيما لم يقع، ثم قال: إن كان غرض السائل معرفة الحكم لاحتمال أن يقع له أولمن سأل عنه: فلا بأس، وكذا إن كان ممن ينفعه في ذلك، ويقدر وقوع ذلك، ويُفَرِّعُ عليه) (٢). وقال الحافظ ابن حجر: (وقد استمر جماعة من السلف على

стр. 3384

كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا يحصى ما فرَّعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها) (١). * الوجه الثامن: في الحديث دليل على أنه إذا تم اللعان فرق الحاكم أو القاضي بين الزوجين تفريقًا مؤبدًا؛ لأن اللعان يوقع بين الزوجين من التقاطع والتباغض ما يوجب ألا يجتمعا بعدهما. وظاهر قوله: (ثم فرق بينهما) أن الفرقة لا تقع باللعان، بل لا بد من تفريق الحاكم، وسيأتي مزيد كلام في هذه المسألة عند حديث سهل بن سعد ﵁. والله تعالى أعلم.

стр. 3385

حكم صداق الملاعنة ١١٠٢/ ٢ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ -أَيضًا- ﵄ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال لِلْمُتَلَاعِنَينِ: "حِسَابُكُما عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيهَا"، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالي. فَقَال: "إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب "المتعة للتي لم يُفرض لها" (٥٣٥٠)، ومسلم (١٤٩٣) (٥) من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄، وهذا الحديث هو إحدى روايات الحديث السابق. * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الرجل الملاعن لا يستحق شيئًا من الصداق الذي أصدقه للمرأة؛ لأنه إن كان صادقًا فيما رماها به من الزنا فالصداق بما استحل من فرجها، وإن كان كاذبًا فلا شيء له؛ لأنه استحل فرجها، وزاد على ذلك أنه ظلمها بالكذب عليها، فكيف يجمع عليها الظلم في عِرْضِهَا ومطالبتها بمالي قبضته منه قبضًا صحيحًا، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (١). * الوجه الثالث: استدل الشافعية والحنابلة بقوله: (لا سبيل لك عليها)

стр. 3386

على أن الملاعنة لا تحل للملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان، وقالت الحنفية: تحل له لزوال المانع، وهو قول سعيد بن المسيب، وقال ابن جبير: ترد إليه ما دامت في العدة (١). * الوجه الرابع: اختلف العلماء في قوله: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب" هل قاله الرسول ﷺ للمتلاعنين قبل اللعان أو بعده؟ فيه قولان: الأول: أن هذا بعد فراغهما من اللعان، ويؤخذ منه عرض التربة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنه لا يلزم من كذبه التربة من ذلك، وهذا اختيار القاضي عياض. الثاني: أنه قبل بداية اللعان، من باب تخويفهما وتحذيرهما؛ لأنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبًا في الواقع ونفس الأمر، وأن يكون الآخر صادقًا في الواقع ونفس الأمر، وهذا نقله عياض عن الداودي، ثم قال: (والأول أظهر وأولى بمساق الكلام)، لكن قال الحافظ ابن حجر: (إن حديث ابن عمر محتمل للأمرين، وإنما الذي يؤيد كلام الداودي حديث ابن عباس، وفيه: فدعاهما حين نزلت آية الملاعن، فقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، فقال هلال: والله إني لصادق … الحديث. ويحتمل التعدد) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 3387

لعان الحامل ١١٠٣/ ٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁ أَن النبي ﷺ قَال: "أَبْصِرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في "اللعان" (١٤٩٦) من طريق هشام، عن محمَّد، قال: سألت أنس بن مالك -وأنا أرى أن عنده منه علمًا- فقال: (إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإِسلام، قال: فَلَاعَنَهما، فقال رسول الله ﷺ : "أبْصِرُوها فإن جاءت به أبيض سَبِطًا قَضِيءَ العينين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جَعْدًا حَمْشَ الساقين، فهو لشريك بن سحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين). هذا سياق الحديث عند مسلم، وبهذا تبين أن الحافظ تصرف في لفظه، فاختصره، وحذف منه بعض الأوصاف، ثم إنه وهم في عزوه للبخاري، وإنما هو عند مسلم فقط، وكذا عزاه ابن دقيق العيد في "الإلمام"، والمزي في "التحفة" (١)، وابن عبد الهادي في "المحرر" إلى مسلم فقط، والبخاري قد روى قصة هلال بن أمية من حديث ابن عباس ﵄ (٤٧٤٧).

стр. 3388

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (هلال بن أمية) هو هلال بن أمية بن قيس الأنصاري الواقفي، شهد بدرًا وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك (١). قوله: (بشريك بن سحماء) بفتح الشين المعجمة والسين المهملة، هو شريك بن عبدة بن مُغيث بن الجد بن العجلان البلوي، وسحماء أمه، قيل لها: سحماء؛ لأنها كانت سوداء، وفيه قول شاذ، وهو أنه قيل له: شريك بن سحماء؛ لأنه كان مشاركًا لرجل يقال له: ابن سحماء، وعلى هذا فشريك صفة لا اسم (٢). قوله: (وكان أخا البراء بن مالك لأمه) البراء بن مالك هو الأخ الشقيق لأنس بن مالك ﵄، وأمهما أم سليم ﵄ ولم تكن سحماء، ولا تسمى سحماء، ولعل شريكًا كان أخا البراء لأمه من الرضاعة، ثم إنه لم ينقل أن أم سليم تزوجت عبدة بن مغيث قط (٣). قوله: (فإن جاءت به) الضمير المجرور يعود إلى الولد الذي كان حملًا عند اللعان؛ أي: إن ولدت أبيض سبطًا … قوله: (سَبطًا) بفتح السين وكسر الباء، ويجوز إسكانها، هو من يكون شعره مسترسلًا. قوله: (قضيء العينين) بفتح القاف وكسر الضاد، ثم همز، على وزن فعيل، ومعناه: فاسد العينين بكثرة دمع أو حمرة أو غير ذلك. قوله: (فهو لزوجها) لفظ مسلم: "فهو لهلال بن أمية"، وهو زوج المرأة الملاعنة. قوله: (أكحل) بفتح الهمزة وسكون الكاف، هو الذي تكون عيناه كأن فيهما كحلًا من غير اكتحال.

стр. 3389

قوله: (جعدًا) بفتح الجيم وإسكان العين، من يكون شعره غير مسترسل. قوله: (حمش الساقين) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها شين معجمة؛ أي: دقيق الساقين، والحموشة: الدقة. قوله: (فهو للذي رماها به) أي: قذفها واتهمها به؛ أي: فهو للزاني، وفي "صحيح مسلم": "فهو لشريك بن سحماء". * الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز ملاعنة الحامل قبل وضع حملها، وأنه لا يؤخر إلى أن تضع، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم. وذهبت الحنفية في رواية، وأحمد في رواية، إلى أنه لا بد أن يؤخر نفي الولد إلى ما بعد الوضع، فينتفي منه، فإن نفاه قبل الوضع لم ينتف عنه؛ لأن العمل غير مستيقن؛ لجواز أن يكون ريحًا أو غيرها، فلا يكون للعان حينئذٍ معنى (١). والقول الأول هو الراجح؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع؛ ولأن الحمل تمكن معرفته بأمارات ولا سيما في زماننا هذا؛ ولأن الشريعة علقت أحكامًا على العمل، كإيجاب النفقة. وإذا لاعن الرجل زوجته وهي حامل انتفى الولد بمجرد اللعان وإن لم ينفه صراحة، وهذا رواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية (٢)، واستدلوا بأنه لم يقع في اللعان عند النبي ﷺ نفي للولد، ولم يرد له ذكر في حديث هلال ولا عويمر؛ ولأن اللعان من الزوج مشتمل على نفي الولد. والقول الثاني: أنه لا بد أن ينفيه صراحة، كأن يقول: أشهد بالله لقد زنت، وهذا ليس بولدي، وتقول هي: أشهد بالله لقد كذب، وهذا الولد

стр. 3390

ولده، واستدلوا بما جاء في حديث سهل: (وكانت حاملًا فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها). قال الأولون: إن هذا لا يدل على اشتراط نفي الولد في اللعان؛ لأن هذا أمر فعله الرجل من تلقاء نفسه (١). فإذا انتفى من الولد ألحقه القاضي بأمه، وانقطع نسبه عن الأب مطلقًا، إلا إن أكذب نفسه، لحديث ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ لاعن بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها، ففرق النبي ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة) (٢). قال البخاري: (بابٌ يلحق الولد بالملاعنة) قال الحافظ: (أي: إذا انتفى الزوج منه قبل الوضع أو بعده) (٣). * الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة. * الوجه الخامس: في الحديث إرشاد من النبي ﷺ إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأن للشبه مدخلًا في معرفة النسب، وإلحاق الولد بمنزلة الشبه، وإنما لم يلحق الولد بالملاعن لو قدِّر أن الشبه له؛ لمعارضة اللعان الذي هو أقوى من الشبه له؛ لأن لعان الزوج يفيده سقوط النسب الفاسد عنه؛ لأن تضرره بدخول النسب الفاسد عليه أعظم من تضرره بحد القذف، وحاجته إلى نفيه عنه أشد من حاجته إلى دفع الحد. والله تعالى أعلم.

стр. 3391

استحباب تخويف الملاعن عند الخامسة ١١٠٤/ ٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلًا أنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْد الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَال: "إِنَّها مُوْجِبَةٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريج: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الطلاق"، بابٌ "في اللعان" (٢٢٥٥)، والنسائي (٦/ ١٧٥) من طريق سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ أمر رجلًا … فذكره. وهذا الحديث إسناده لا بأس به، كما قال ابن عبد الهادي (١)، عاصم بن كليب قال عنه أحمد: (لا بأس به)، وقال أبو حاتم: (صالح)، ووثقه ابن معين والنسائي (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق). ووالده كليب بن شهاب وثقه أبو زرعة وابن سعد، وضعفه أبو داود والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وقال الحافظ: (صدوق). وبهذا يتبين أن عبارة ابن عبد الهادي أولى من عبارة الحافظ، لما في بعض رواته من كلام، ويبقى موضوع تفرد كليب بن شهاب عن بقية أصحاب ابن عباس ﵄، لا سيما وأن كليبًا ليس بالمشهور.

стр. 3392

الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه يشرع للحاكم أو القاضي المبالغة في المنع من الحلف والنطق بالشهادة الخامسة، وذلك بأن يأمر من يضع يده عند النطق بالخامسة على فم الرجل لعله أن ينزجر ويمتنع، فإذا شهد أربع شهادات، وَقَفَهُ القاضي وقال له: اتق الله، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة الله. ومعنى "إنها موجبة": أي: إن الشهادة الخامسة بها يتم لعان الرجل، فيستحق لعنة الله إن كان من الكاذبين، وهذا من المنع بالفعل، بعد تقدم المنع بالقول، وهو الوعظ قبل بداية اللعان، كما تقدم. وظاهر الحديث أن هذا في حق الرجل، ولم يرد للمرأة ذكر، وقد جاء في حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية: (ثم قامت فشهدت، فلما كانت الخامسة وقفوها، وقالوا: "إنها موجبة") فظاهر هذا أنه لا يوضع على فم المرأة وإنما يكتفى بوعظها، واستحب الفقهاء من الحنابلة والشافعية وغيرهم أن تقوم امرأة فتضع يدها على فم الملاعنة (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3393

فرقة اللعان ١١٠٥/ ٥ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ في قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَينِ -قَال: "فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَال: كَذَبْتُ عَلَيهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب "اللعان، ومن طلق بعد اللعان" (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢) (١) من طريق مالك، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري، فقال له: يا عاصم، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله، فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ … وساق الحديث بطوله، وفي آخره: فلما فرغا من تلاعنهما … وذكر تمام الحديث. * الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث بعض فقهاء الشافعية، وهو عثمان البَتِّيّ على أن الفرقة لا تقع بين المتلاعنين إلا بطلاق الرجل، لقوله: (فطلقها ثلاثًا)، ولو وقعت الفرقة بنفس اللعان لما نفذ طلاقه. قال الجصاص: (إنه قول تفرد به ولا نعلم أحدًا قال به غيره) (١). والقول الثاني: للإمام مالك، ورواية عن أحمد، وهو قول أهل الظاهر، أن الفرقة تقع بلعان الزوجين، ولا يُحتاج إلى تفريق الحاكم، وبه قال جماعة

стр. 3394

من السلف (١)؛ لأنه ورد في السنة ما يدل على ذلك، ففي حديث سهل: (فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا) (٢). والقول الثالث: لأبي حنيفة، وأحمد في رواية: أن الفرقة لا تحصل إلا باللعان وتفريق الحاكم، لما تقدم في حديث ابن عمر ﵄: (ثم فرق بينهما)، وكذا جاء في حديث ابن عباس ﵄، وهذا يدل على أن الفرقة لم تحصل قبل تفريق النبي ﷺ ، كما استدلوا بقوله: (كذبت عليها إن أمسكتها) لأن فيه إخبارًا منه بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من النكاح، ولو وقعت الفرقة بتمام اللعان لما صح قوله: (كذبت عليها إن أمسكتها) وهو غير ممسك لها (٣). والقول الرابع: للشافعية: وهو أن الفرقة تثبت بلعان الزوج وحده ولو لم تلتعن المرأة؛ لأنها فرقة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق، قال الجصاص ومن بعده الموفَّق: (ولا نعلم أحدًا وافق الشافعي على هذا القول) (٤). وأظهر الأقوال أنه إذا تم اللعان ثبتت الفرقة بين الزوجين، ولا يفتقر هذا إلى تفريق الحاكم، لما تقدم؛ ولأن الزوج لما شهد عليها بالزنا أربع مرات فالظاهر أنهما لا يأتلفان، فلم يكن في بقاء النكاح فائدة، فينفسخ كما ينفسخ بالارتداد؛ ولأنه لو كان التفريق إلى القاضي لساغ تركه برضا الزوجين كالتفريق بالعيب، ولم يقل بهذا أحد. وأما القول بأنه لا بد من الطلاق، فهو قول غير صحيح؛ لأن حديث سهل لا دلالة فيه على ذلك؛ لأن عويمرًا إنما طلق امرأته بعد اللعان؛ لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق، ثم إن تطليقه مؤكد

стр. 3395

للفرقة الواقعة باللعان، وهي بالتأبيد أشد منه، فلا حاجة إلى إنكار الرسول ﷺ عليه. وقول ابن عباس وابن عمر: (ثم فرق بينهما) ليس صريحًا، فإنه كما يحتمل إنشاء الفرقة يحتمل إعلامهما بها أو تنفيذها حسًّا بينهما (١). وأما القول بأن الفرقة تحصل بلعان الزوج وحده، فهو قول غير صحيح أيضًا؛ لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج وحده لصار معنى هذا أن المرأة تلاعن وهي أجنبية منه (٢). وثمرة الخلاف أنه على القول بأنه لا بد من تفريق الحاكم تظل الزوجية قائمة، ويقع طلاق الزوج على الزوجة، ويجري بينهما التوارث بسبب الزوجية إذا مات أحدهما قبل تفريق الحاكم، وعلى أنه لا يحتاج إلى تفريق الحاكم لا يكون شيء من ذلك (٣). * الوجه الثالث: جمهور العلماء على أن فرقة اللعان مؤبدة، فلا يحل للزوج أن يعود إلى امرأته بحال، لقوله ﷺ : "لا سبيل لك عليها"، ولما تقدم من ارتفاع الثقة بينهما. والقول الثاني: أنه إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأن فرقة اللعان عندهما طلاق، وهو رواية عن أحمد اعتبرها الموفق رواية شاذة. وقال سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب (٤). والصحيح قول الجمهور. والله تعالى أعلم.

стр. 3396

حكم نكاح الزانية ١١٠٦/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَن رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبيِّ فَقَال: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قال: "غَرِّبْهَا"، قال: أَخَافُ أنْ تَتْبعَهَا نَفْسِي. قَال: "فَاسْتَمْتِعْ بِهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظٍ قَال: "طَلِّقْهَا" قَال: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَال: "فَأَمْسِكْهَا". * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب "النهي عن تزويج من لم يلد من النساء" (١) (٢٠٤٩)، والنسائي (٦/ ٦٧، ١٦٩) من طريق الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: … فذكره. وهذا الحديث رجاله ثقات، قال النووي: (حديث صحيح مشهور) (٢)، وقال ابن كثير: (هذا إسناد جيد) (٣). لكن اختلف في إسناده، فقد رواه الشافعي (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٨ ترتيب مسنده) قال: أخبرنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 3397

يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال: النبي ﷺ : "فطلقها"، قال: إني أحبها، قال: "فأمسكها إذن"، هكذا رواه مرسلًا. ورواه النسائي (٦/ ٦٧ - ٦٨) من طريق حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه، قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ، وهي لا تمنع يد لامس، قال: "طلقها"، قال: لا أصبر عنها، قال: "استمتع بها". وبهذا يتبين أن الحديث روي موصولًا من طريق عبد الكريم، وهو ابن أبي المخارق، وروي مرسلًا، وهو من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، وقد قال الحافظ في "التقريب" عن عبد الكريم: (ضعيف)، وعن هارون: (ثقة عابد). ولذا رجح النسائي الإرسال، فقال: (هذا حديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم). وقد نقل ابن الجوزي عن الإِمام أحمد أنه قال: (هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، ليس له أصل) (١)، ولعل ابن الجوزي تمسك بهذا فأورد الحديث في كتابه "الموضوعات" (٢)، ورجح هذا الشيخ عبد العزيز بن باز. والحق أن هذا الحديث منكر المتن؛ لأن النسائي -مع تشدده- لم يحكم عليه بالوضع، ولا أعلم أحدًا سبق ابن الجوزي إلى الحكم عليه بالوضع، خاصة وأن العلماء قد اختلفوا في توجيه معناه كما سيأتي.

стр. 3398

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا ترد يد لامس) اختلف في معناه على ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد أنها مطاوعة لمن أرادها للفاحشة، وهذا كناية عن الفجور، وهذا قول أبي عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والنووي (١)، وهذا المعنى نصره الشوكاني؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل الرجل عن مراده، فينزل منزلة العموم، والعرب تكني بمثل هذه العبارة عن الزنا وعدم الثقة (٢)، وضعفه آخرون؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يقره على أن يكون ديوثًا وأن يكون زوج امرأة تتعاطى الفجور. الثاني: أن المراد أنها مسرفة في ماله، وهذا كناية عن بذلها الطعام، قال ابن قتيبة: (إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلًا)، وهذا قول أحمد، والأصمعي، قال ابن الأثير: (وهذا أشبه) (٣). لكن ضعف هذا بأنه لو كان هو المراد لقال: لا ترد يد ملتمس، ثم إن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان بمال الزوج فكذلك، ولا يوجب هذا أمره بطلاقها (٤). الثالث: أن المراد أنها سهلة الأخلاق ليس عندها نفور وحشمة عن محادثة الرجال الأجانب ومصافحتهم، لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء قد يتسامحن في محادثة الرجال أو مصافحتهم، ويوجد هذا في كثير من القبائل، وهذا معنى رجحه ابن كثير (٥)، والصنعاني، وجماعة. قوله: (غربها) أي: أبعدها عنك وفارقها. قوله: (فاستمتع بها) أي: أبقها وتلذذ بها قدر ما تقضي حاجتك.

стр. 3399

الوجه الثالث: يستدل العلماء من المفسرين والفقهاء (١) بهذا الحديث على جواز إمساك الزوجة والاستمرار على نكاحها ولو ظهر منها الزنا، وأن ذلك لا يقتضي فسخ نكاحها، واستدلوا به على جواز نكاح الزانية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأجازه مالك مع الكراهة، قال الموفق ابن قدامة: (إذا زنت امرأة رجل أو زنا زوجها لم يفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده في قول عامة أهل العلم … ) (٢). وحملوا الآية: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] على ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج الزانية، وقد بوب النسائي على هذا الحديث بقوله: باب (تزويج الزانية)، وقال الجصاص: (ومن الناس من يحتج في أن الزنا لا يبطل النكاح بما روى هارون بن رئاب … ثم ساق الحديث) (٣). ولا يلزم من قول هؤلاء أن يكون العفيف الذي تحته زانية ديوثًا؛ لأنه إنما يبقيها ليحفظها ويحرسها ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي. قال النووي: (كأنه ﷺ أشار عليه أولًا بفراقها نصيحة له وشفقة عليه في تنزهه من مباشرة من هذه حالها، فأعلم الرجل شدة محبته لها وخوفه فتنة بسبب فراقها، فرأى النبي ﷺ المصلحة له في هذه الحال إمساكها خوفًا من مفسدة عظيمة تترتب على فراقها، ودفع أعظم الضررين بأخفهما متعين، ولعله يرجى لها الصلاح بعد، والله تعالى أعلم) (٤). ولعل هؤلاء هم الذين يأخذون بالمعنى الأول في تفسير (لا ترد يد لامس)، أما من يقول بأنه لا يجوز الزواج بالزانية ولا إمساكها إذا زنت، وهو قول قتادة وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وهو منقول عن علي وابن مسعود

стр. 3400

وعائشة والبراء ﵃، فلأن الله تعالى أباح نكاح المحصنات المؤمنات، ولأنها إذا كانت تتعاطى الزنا فإنه لا يؤمن أن تأتي من الزنا بولد فتلحقه بزوجها وتورثه ماله. والذي يظهر -كما قال الشنقيطي- أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلا عفيفة صَيِّنَةً، للآيات والأحاديث الواردة في هذا، كقوله ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١). وأما حديث الباب فإن الاستدلال به على جواز نكاح الزانية غير مستقيم لأمور ثلاثة: ١ - أنه في استمرار النكاح لا في ابتدائه. ٢ - أن الاستدلال به متوقف على صحة المعنى الأول، وهو منازع فيه. ٣ - أن الحديث متكلم فيه، كما تقدم. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →