حكم نكاح الزانية
١١٠٦/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَن رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبيِّ فَقَال: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قال: "غَرِّبْهَا"، قال: أَخَافُ أنْ تَتْبعَهَا نَفْسِي. قَال: "فَاسْتَمْتِعْ بِهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظٍ قَال: "طَلِّقْهَا" قَال: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَال: "فَأَمْسِكْهَا".
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب "النهي عن تزويج من لم يلد من النساء" (١)(٢٠٤٩)، والنسائي (٦/ ٦٧، ١٦٩) من طريق الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: … فذكره.
وهذا الحديث رجاله ثقات، قال النووي: (حديث صحيح مشهور) (٢)، وقال ابن كثير: (هذا إسناد جيد) (٣). لكن اختلف في إسناده، فقد رواه الشافعي (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٨ ترتيب مسنده) قال: أخبرنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
стр. 3397
يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال: النبي ﷺ : "فطلقها"، قال: إني أحبها، قال: "فأمسكها إذن"، هكذا رواه مرسلًا.
ورواه النسائي (٦/ ٦٧ - ٦٨) من طريق حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس. عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه، قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ، وهي لا تمنع يد لامس، قال: "طلقها"، قال: لا أصبر عنها، قال: "استمتع بها".
وبهذا يتبين أن الحديث روي موصولًا من طريق عبد الكريم، وهو ابن أبي المخارق، وروي مرسلًا، وهو من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب، وقد قال الحافظ في "التقريب" عن عبد الكريم: (ضعيف)، وعن هارون: (ثقة عابد). ولذا رجح النسائي الإرسال، فقال: (هذا حديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم).
وقد نقل ابن الجوزي عن الإِمام أحمد أنه قال: (هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، ليس له أصل) (١)، ولعل ابن الجوزي تمسك بهذا فأورد الحديث في كتابه "الموضوعات" (٢)، ورجح هذا الشيخ عبد العزيز بن باز.
والحق أن هذا الحديث منكر المتن؛ لأن النسائي -مع تشدده- لم يحكم عليه بالوضع، ولا أعلم أحدًا سبق ابن الجوزي إلى الحكم عليه بالوضع، خاصة وأن العلماء قد اختلفوا في توجيه معناه كما سيأتي.
стр. 3398
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا ترد يد لامس) اختلف في معناه على ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد أنها مطاوعة لمن أرادها للفاحشة، وهذا كناية عن الفجور، وهذا قول أبي عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والنووي (١)، وهذا المعنى نصره الشوكاني؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل الرجل عن مراده، فينزل منزلة العموم، والعرب تكني بمثل هذه العبارة عن الزنا وعدم الثقة (٢)، وضعفه آخرون؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يقره على أن يكون ديوثًا وأن يكون زوج امرأة تتعاطى الفجور.
الثاني: أن المراد أنها مسرفة في ماله، وهذا كناية عن بذلها الطعام، قال ابن قتيبة: (إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلًا)، وهذا قول أحمد، والأصمعي، قال ابن الأثير: (وهذا أشبه) (٣).
لكن ضعف هذا بأنه لو كان هو المراد لقال: لا ترد يد ملتمس، ثم إن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان بمال الزوج فكذلك، ولا يوجب هذا أمره بطلاقها (٤).
الثالث: أن المراد أنها سهلة الأخلاق ليس عندها نفور وحشمة عن محادثة الرجال الأجانب ومصافحتهم، لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء قد يتسامحن في محادثة الرجال أو مصافحتهم، ويوجد هذا في كثير من القبائل، وهذا معنى رجحه ابن كثير (٥)، والصنعاني، وجماعة.
قوله: (غربها) أي: أبعدها عنك وفارقها.
قوله: (فاستمتع بها) أي: أبقها وتلذذ بها قدر ما تقضي حاجتك.
стр. 3399
الوجه الثالث: يستدل العلماء من المفسرين والفقهاء (١) بهذا الحديث على جواز إمساك الزوجة والاستمرار على نكاحها ولو ظهر منها الزنا، وأن ذلك لا يقتضي فسخ نكاحها، واستدلوا به على جواز نكاح الزانية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأجازه مالك مع الكراهة، قال الموفق ابن قدامة: (إذا زنت امرأة رجل أو زنا زوجها لم يفسخ النكاح، سواء كان قبل الدخول أو بعده في قول عامة أهل العلم … ) (٢).
وحملوا الآية: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] على ابتداء النكاح، فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج الزانية، وقد بوب النسائي على هذا الحديث بقوله: باب (تزويج الزانية)، وقال الجصاص: (ومن الناس من يحتج في أن الزنا لا يبطل النكاح بما روى هارون بن رئاب … ثم ساق الحديث) (٣).
ولا يلزم من قول هؤلاء أن يكون العفيف الذي تحته زانية ديوثًا؛ لأنه إنما يبقيها ليحفظها ويحرسها ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي.
قال النووي: (كأنه ﷺ أشار عليه أولًا بفراقها نصيحة له وشفقة عليه في تنزهه من مباشرة من هذه حالها، فأعلم الرجل شدة محبته لها وخوفه فتنة بسبب فراقها، فرأى النبي ﷺ المصلحة له في هذه الحال إمساكها خوفًا من مفسدة عظيمة تترتب على فراقها، ودفع أعظم الضررين بأخفهما متعين، ولعله يرجى لها الصلاح بعد، والله تعالى أعلم) (٤).
ولعل هؤلاء هم الذين يأخذون بالمعنى الأول في تفسير (لا ترد يد لامس)، أما من يقول بأنه لا يجوز الزواج بالزانية ولا إمساكها إذا زنت، وهو قول قتادة وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وهو منقول عن علي وابن مسعود
стр. 3400
وعائشة والبراء ﵃، فلأن الله تعالى أباح نكاح المحصنات المؤمنات، ولأنها إذا كانت تتعاطى الزنا فإنه لا يؤمن أن تأتي من الزنا بولد فتلحقه بزوجها وتورثه ماله.
والذي يظهر -كما قال الشنقيطي- أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلا عفيفة صَيِّنَةً، للآيات والأحاديث الواردة في هذا، كقوله ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١).
وأما حديث الباب فإن الاستدلال به على جواز نكاح الزانية غير مستقيم لأمور ثلاثة:
١ - أنه في استمرار النكاح لا في ابتدائه.
٢ - أن الاستدلال به متوقف على صحة المعنى الأول، وهو منازع فيه.
٣ - أن الحديث متكلم فيه، كما تقدم. والله تعالى أعلم.
стр. 3401
التحذير من نفي الولد بعد إثباته
١١٠٧/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَينِ: "أيَّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيسَ مِنْهُمْ فَلَيسَتْ مِنَ اللهِ في شَيءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنتَهُ، وَأيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ -وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيهِ- احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوسِ الأَوّلينَ وَالآخِرِينَ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حبانَ.
١١٠٨/ ٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: مَنْ أقَرَّ بِوَلَدٍ طَرْفَةَ عَينٍ فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأولى: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب "التغليظ في الانتفاء" (٢٢٦٣)، والنسائي (٦/ ١٧٩ - ١٨٠)، وابن حبان (٩/ ٤١٨) من طريق يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
والحديث صححه ابن حبان، كما قال الحافظ، وصححه الحاكم (٢/ ٢٠٢) على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، مع أن عبد الله بن يونس لم يخرج له مسلم.
وهذا حديث سنده ضعيف، عبد الله بن يونس ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (١)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢)، ولم يذكرا فيه
стр. 3402
جرحًا ولا تعديلًا، ولم يوثقه إلا ابن حبان (١)، ولم يرو عنه إلا يزيد بن الهاد، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند أبي داود والنسائي، ولذا قال ابن القطان: (عبد الله بن يونس هذا لا تعرف حاله … ) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (عبد الله بن يونس حجازي مجهول الحال، مقبول) أي: مقبول في المتابعات، وكأن الحافظ جمع بين مقتضى توثيق ابن حبان وقول ابن القطان.
وقد توبع، فقد روى الحديث ابن ماجه (٢٧٤٣) من طريق موسى بن عبيدة، حدثني يحيى بن حرب، عن سعيد المقبري، به، لكن هذه المتابعة لا يفرح بها، فإن موسى بن عبيدة ضعيف، وشيخه يحيى مجهول (٣)، ثم إن تفرد مثل هذين عن إمام كسعيد المقبري في شهرته وكثرة أصحابه علة أخرى.
والجزء الثاني من الحديث له شاهد من حديث ابن عمر ﵄ أخرج أحمد (٨/ ٤١٣ - ٤١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٢٣ - ٢٢٤) من طريق وكيع، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي المجالد، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا: "من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا، فضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قصاص بقصاص".
وهذا سند فيه عبد الله بن أبي المجالد، وهو من رجال البخاري، وهو ثقة، ووالد وكيع هو الجراح بن مليح الرؤاسي، متكلم فيه (٤)، وقال الحافظ في "التقريب" (صدوق يهم)، قال أبو نعيم: (تفرد به وكيع، عن أبيه) فكلام الأئمة في والد وكيع، وإعلاله بالتفرد مما يضعف الحديث.
وقد نقل الحافظ في "التلخيص" أن الدارقطني صحح حديث الباب في "العلل" مع أنه ذكر تفرد عبد الله بن يونس به، عن المقبري (٥).
стр. 3403
وأما حديث عمر ﵁ فقد رواه البيهقي في "الكبرى" (٧/ ٤١١ - ٤١٢) من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر ﵁.
وإسناده ضعيف؛ لأن فيه مجالد بن سعيد الهمزاني ضعفه الإِمام أحمد ويحيى بن سعيد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وآخرون (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (ليس بالقوي).
وقد روى البيهقي -أيضًا- من طريق قدامة بن محمَّد، نا مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت محمَّد بن مسلم بن شهاب يزعم أن قبيصة بن ذؤيب كان يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في رجل أنكر ولد امرأته وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولد أنكره، فأمر به عمر بن الخطاب ﵁ فجلده ثمانين لفريته عليها، ثم ألحق به ولدها (٢). قال الحافظ: (إسناده حسن) (٣). وقد تقدم الكلام على سماع مخرمة من أبيه عند الحديث (٤٦٤) وقد نفى سماعه من أبيه الإِمام أحمد وابن معين وغيرهما.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (أدخلت على قوم من ليس منهم) أي: أتت بولد من زنا وهي في فراش الزوجية، فنسبت الولد إلى الزوج وهو ليس منه.
قوله: (فليست من الله في شيء) الظاهر أن هذا من أحاديث الوعيد التي تُمر كما جاءت، وقيل معناه: ليست أهلًا لرحمة الله تعالى.
قوله: (ولن يدخلها الله الجنة) أي: مع من يدخلها من المحسنين، بل يؤخرها أو يعذبها ما شاء ثم يكون مآلها إلى الجنة، إلا أن تكون كافرة فيجب لها الخلود.
قوله: (جحد ولده وهو ينظر إليه) أي: انتفى من ولده وهو يعلم أنه
стр. 3404
ولده، فقوله: "وهو ينظر إليه" كناية عن العلم بأنه ولده، والضمير إما أن يعود إلى الولد، ففيه إشعار بقلة شفقة الرجل وقساوة قلبه وغلظته، أو يعود إلى الرجل؛ أي: والحال أن الرجل ينظر إلى ولده، وهو أظهر (١).
قوله: (احتجب الله عنه) أي: حرمه الله من النظر إليه يوم القيامة.
* الوجه الثالث: الحديث ضعيف، وعلى تقدير صحته هو من باب الوعيد، وأحاديث الوعيد عند أهل السنة والجماعة تمر كما جاءت؛ لأنه أبلغ في الزجر وأعظم في التحذير عما حرم الله، وصاحبها تحت المشيئة.
* الوجه الرابع: في الحديث وعيد عظيم لمن خانت زوجها ومكنت رجلًا من نفسها فحملت منه، فنسبت هذا الولد إلى زوجها وإلى أسرته، وأصبح كأنه فرد منهم، وهذا يترتب عليه أمور عظيمة؛ لأنه سيطلع على عوراتهم ويشاركهم في أموالهم، ويجري بينهم التوارث.
* الوجه الخامس: في الحديث وعيد عظيم لإنسان علم أن الولد ولده ثم نفاه، وتبرأ منه، فقطع منه نسبه، وأصبح مشردًا بلا نسب ولا أصل، والجزاء من جنس العمل، فإن هذا الرجل لما تبرأ من ولده وصار سببًا في فضحه في دار الدنيا فضحه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة.
* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الإنسان إذا أقر بالولد ثبت نسبه منه ولا يمكن نفيه أبدًا؛ لأن هذا رجوع عن الإقرار في حق آدمي، والرجوع في مثل هذا لا يقبل؛ لأن النسب يحتاط لإثباته، وقد ثبت بحجة شرعية، وهي الإقرار، فلم يَزُلْ بإنكار (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3405
التعريض بنفي الولد
١١٠٩/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، قَال: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ؟ "، قَال: نَعَمْ، قَال: "فَمَا ألوَانُهَا؟ "، قَال: حُمْرٌ، قَال: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قَال: نَعَمْ، قَال: "فأَنَّى ذلِكَ؟ "، قَال: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَال: "فَلَعَلّ ابْنَكَ هذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يُعَرِّضُ بأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَال في آخِرِه: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ في الانْتِفَاءِ مِنْهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب "إذا عَرَّضَ بنفي الولد" (٥٣٠٥) من طريق مالك، ومسلم (١٥٠٠)(١٨) من طريق ابن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه مسلم (١٩) من طريق معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري … وفيه: فقال: يا رسول الله ولدت امرأتي غلامًا أسود، وهو حينئذٍ يعرض بأن ينفيه، وزاد في آخر الحديث: ولم يرخص له في الانتفاء منه.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) أي: إنه لا يشبهني ولا يشبه أمه، فأنا أبيض وأمه بيضاء، وقد جاء في رواية عند مسلم: (أنكرته) ومعناه: استنكرت بقلبي أن يكون مني، وليس معناه نفيه عن نفسه باللفظ.
стр. 3406
قوله: (هل لك من إبل؟) الغرض من هذا السؤال وما بعده أن النبي ﷺ فهم مراد هذا الرجل وأنه يعرض بنفي ولده -كما في رواية مسلم- لكون لونه خالف لون أبيه وأمه، فأراد النبي ﷺ أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلًا مما يعرف ويألف.
قوله: (حمر) بضم فسكون، جمع أحمر، وهي التي لم يخالط حمرتها لون آخر.
قوله: (مِنْ أورق) بفتح الهمزة، هو الذي فيه سواد ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء.
قوله: (فأنى ذلك؟) بفتح النون المشددة اسم استفهام، والمعنى: من أين أتاها اللون الذي خالفها، هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟
قوله: (نزعه عرق) المراد بالعرق: الأصل من النسب، تشبيهًا بعرق الشجرة، ومعنى: (نزعه) جذبه.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، كما أنه لا يعد غيبة إذا جاء صاحبه مستفتيًا ولم يقصد مجرد القدح والعيب، وهذا هو قول الجمهور.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على الاحتياط في باب الأنساب، وأن مجرد الظن والاحتمال لا ينفي الولد من أبيه، فيلحق الولد بأبويه ولو خالف لونه لونهما، ولهذا حكم النبي ﷺ بأن الولد للفراش، ولم يجعل مخالفة اللون دلالة يجب الحكم بها؛ لأنه ﷺ ضرب له المثل باختلاف الألوان في الإبل ولقاحها واحد.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للأب أن ينفي ولده بمجرد كونه مخالفًا له في اللون، وقد حكى ابن رشد والقرطبي الإجماع على ذلك (١)، وتعقبهما الحافظ ابن حجر بأن الخلاف في ذلك ثابت عند
стр. 3407
الشافعية (١)، وهو أنه إن لم ينضم إلى مخالفة اللون قرينة الزنا حرم النفي، وإن انضمت أو كان متهمها برجل فأتت بولد على لونه ففيه وجهان، وقالت الحنابلة: يجوز النفي مع القرينة، والخلاف عند عدمها (٢).
* الوجه السادس: في الحديث دليل على حسن تعليم النبي ﷺ ، وكيف كان يخاطب الناس بما يعرفون وما يفهمون، حيث ضرب هذا المثل للأعرابي الذي فهم المراد منه وأدرك المقصود؛ لأنه قد خفي عليه هذا الأمر في الآدميين، فشبهه النبي ﷺ بما يعرفه ويألفه ولا ينكره.
* الوجه السابع: هذا الحديث من أدلة القياس في الشرع وصحة الاعتبار بالنظير، فقد قاس النبي ﷺ نسل بني آدم على نِتاج الإبل، والعلة: نزع العرق القديم المؤثر في لون البشرة، والحكم: الثبوت والإلحاق مع اختلاف لون البشرة (٣).
كما يستدل به الأصوليون على اشتراط أن تكون العلة وصفًا مناسبًا للحكم، وإلغاء الأوصاف التي لا تؤثر في الحكم؛ لأن الرسول ﷺ ألغى اختلاف لون الولد عن أبيه؛ لعدم تأثيره في الحكم (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3408
باب العِدَّةِ والإحْدَادِ [والاسْتِبْرَاءِ وغير ذلك] (١)
العدة لغة: مأخوذة من عَدَّ المال أو الأيام، أو غيرهما، عدًا: إذا أحصى آحادها، والكمية المعدودة عِدد وعدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ [التوبة: ٣٦]، وإذا أضيفت العدة إلى المرأة كان المراد أيام أقرائها؛ لأنها كمية تُعَدُّ وتحصى.
والعدة شرعًا: تربص المرأة المحدود شرعًا عن التزويج بعد فراق زوجها.
والعدة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
ومن السنة أحاديث الباب.
وقد أجمعت الأمة على إيجاب العدة في الجملة على المرأة التي فارقها زوجها، وإن كانوا يختلفون في بعض أفراد من تجب عليه.
والحكمة من مشروعيتها:
١ - تعرُّف براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.
٢ - إمهال الزوج مدة يتمكن فيها من مراجعة مطلقته بعد أن يتروى في أمرها.
٣ - تعظيم شأن عقد الزواج، وأنه ليس كالعقود التي تنتهي آثارها بمجرد فسخها (٢).
стр. 3409
وهذا رأي الجمهور، ويرى آخرون، ومنهم ابن حزم أن العدة من الأمور التعبدية التي يعمل بها، ولا تلتمس لها حكمة؛ لأنها لو كانت لاستبراء الرحم لاكتفي فيها بحيضة.
وقد رد هذا ابن القيم، وبين أن العِدَدَ ليست من العبادات المحضة، بل فيها من المصالح من رعاية حق الزوجين والولد والنكاح، ما هو واضح لمن تأمله (١).
والإحداد لغة: المنع، ومنه سمي البواب حدادًا لمنعه الداخل، والمرأة حاد؛ لأن الإحداد يمنعها من كثير مما كان مباحًا قبله، قال في "القاموس": (الحاد والمحد: تاركة الزينة للعدة) (٢).
وشرعًا: أن تجتنب المرأة المتوفى عنها أثناء العدة كل ما يدعو إلى نكاحها من الطيب والكحل وثياب الزينة والخروج من منزلها لغير حاجة.
والحكمة منه:
١ - التعبد لله تعالى بامتثال أمره وأمر رسوله ﷺ .
٢ - إظهار حق الزوج على زوجته، والتأسف على ما فاتها من حق العشرة، وإدامة الصحبة إلى وقت الموت.
٣ - فوات نعمة النكاح بموت العائل الذي كان يصونها ويحفظها ويرعى مصالحها.
٤ - سَدُّ ذريعة تطلع المرأة للرجال أو تطلعهم إليها (٣).
والاستبراء لغة: طلب البراءة. وشرعًا: تربصٌ يقصد منه العلم ببراءة الرحم. والغالب أنه في الإماء؛ لتقديره بأقل ما يدل على البراءة من غير تكرار ولا عدة، بخلاف الحرة، فلا بد من التكرار (٤).
стр. 3410
عدة الحامل المتوفى عنها
١١١٠/ ١ - عَنِ الْمِسْوَر بن مَخْرَمَةَ ﵁ أَنَّ سُبَيعَةَ الأَسْلَمِيّةَ ﵂ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النبي ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَن تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنكَحَتْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَين.
وَفي لَفْظٍ: أنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بأَرْبَعِينَ لَيلَةً.
وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، قَال الزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهيَ في دَمِهَا، غير أنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الطلاق" باب " ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ " (٥٣٢٠) من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست …
والحديث أصله عند البخاري (٥٣١٨)، ومسلم (١٤٨٥) من حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة من أسلم يقال لها: سبيعة كانت تحت زوجها، فتوفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال (١): والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريبًا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: "انكحي" هذا لفظ البخاري.
وروى البخاري أيضًا (٤٩٠٩) عنها ﵂ أنها قالت: قتل زوج سبيعة
стр. 3411
الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة … الحديث.
وروى -أيضًا- البخاري (٥٣١٨)، ومسلم (١٤٨٤) من طريق ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه أنه كتب إلى ابن الأرقم يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها النبي ﷺ ؟ فقالت: أفتاني إذا وضعت أن أنكح.
هذا لفظ البخاري، وعند مسلم بنحوه، وفيه: قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج …
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن سُبيعة) بضم السين وفتح الباء الموحدة، تصغير سَبُعَةَ، وهي اللبوة؛ أي: أنثى الأسد (١)، وهي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، لها صحبة ورواية، وذكرها ابن سعد في المهاجرات، قال ابن عبد البر: (روى عنها فقهاء أهل المدينة وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها هذا) (٢).
قوله: (نُفِست) بضم النون وكسر الفاء على المشهور؛ أي: ولدت، وفي لغة: بفتحهما، قاله النووي، وقال الهروي: إذا حاضت فالفتح لا غيره (٣).
قوله: (بعد وفاة زوجها) هو سعد بن خولة، لرواية مسلم: (كانت تحت سعد بن خولة)، مات في حجة الوداع، وقال الطبري: إنه مات سنة سبع، قال العيني عن الأول: (وهو الصحيح) (٤).
وقد تقدم في حديث أم سلمة: (قتل زوج سبيعة)، قال الحافظ: (كذا هنا، وفي غير هذه الرواية أنه مات، وهو المشهور) (٥)، وقال في موضع آخر:
стр. 3412
(إن كانت محفوظة ترجحت؛ لأنها لا تنافي مات أو توفي، وإن لم يكن في نفس الأمر قتل فهي رواية شاذة) (١).
قوله: (بليال) هكذا أبهمت المدة، ولعل ذلك لتعدد الروايات (٢)، وتعذر الجمع لاتحاد القصة، ولا يترتب على ذكرها فائدة؛ لأن المقصود أن تضع قبل أربعة أشهر وعشر.
قوله: (فاستأذنته) المراد به الاستفتاء، بدليل الرواية الأخرى: (فأتيت النبي ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي).
قوله: (قال الزهري) هو محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، الفقيه المدني، نزيل الشام، مشهور بالإمامة والجلالة، كان ثقة حافظًا، وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس، وهو أحد كبار صغار التابعين؛ لأنه رأى ولقي عددًا قليلًا من الصحابة لا يزيدون عن عشرة، وأهمهم أنس بن مالك ﵁، فقد روى عنه الزهري ما يقرب من خمسين حديثًا. ولد سنة خمسين على أحد أقوال ثلاثة، ومات سنة مائة وثلاث أو أربع وعشرين، استشهد به مسلم في أحاديث قليلة، ومنها حديث الباب (٣).
قوله: (في دمها) أي: دم نفاسها.
قوله: (غير أنَّه) هذا ضمير الشأن؛ أي: إن الحال والشأن أن زوجها لا يقربها.
قوله: (لا يقربها) أي: لا يجامعها، أما العقد عليها فجائز، وكذا الدخول.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها؛ لأنها لم تستأذن النبي ﷺ إلا بعد أن وضعت، فدل على أنها قبل الوضع في عدة.
стр. 3413
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن عدة الحامل المتوفى عنها وضع الحمل ولو لم يمض عليها أربعة أشهر وعشر، لقوله: (بليال)، وفي رواية: (بأربعين ليلة)، وللحديث روايات أخرى، وكلها تفيد أنها وضعت قبل تمامها أربعة أشهر وعشرًا.
* الوجه الخامس: عموم الحديث يشمل وَضْعَ ما فيه خلق إنسان ولو لم يكن تامًّا، وأما ما لا يتحقق فيه ذلك فلا تخرج بوضعه من العدة؛ لأن العدة لازمة بيقين، فلا تنقضي بمشكوك فيه، ويرى ابن دقيق العيد أنها لا تخرج إلا بالحمل التام المتخلق؛ لأن هذا هو الغالب، ووضع العلقة والمضغة نادر، ولا ينبغي حمل الحكم على النادر (١)، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان المقصود هو العلم ببراءة الرحم حصل ذلك بوضع ما تبين فيه خلق إنسان ولو لم يكن تامًّا.
* الوجه السادس: الحديث دليل على أنه يباح لمن وضعت أن تتزوج ويعقد عليها ولو لم تطهر من نفاسها؛ لقولها: (حين وضعت حملي)، ولما قاله الزهري، وقد نسبه الحافظ إلى الجمهور، وقال: (وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) (٢).
* الوجه السابع: أخذ جمهور العلماء بهذا الحديث مع عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقالوا: عدة الحامل المتوفى عنها وضع الحمل (٣)، واعتبروا هذه الآية مخصصة لآية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لأنها عامة تتناول المتوفى عنها الحامل وغير الحامل، وهذا التخصيص دل عليه حديث سبيعة هذا، وعليه فتكون آية البقرة خاصة بالمتوفى
стр. 3414
عنها غير الحامل، وتكون آية سورة الطلاق في الحامل، سواء أكانت متوفى عنها أم غيرها، وبهذا الجمع يزول التعارض الظاهر بين عموم آية البقرة وخصوص آية سورة الطلاق، ويؤيد ذلك قول ابن مسعود ﵁: (أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ نزلت سورة النساء القُصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) (١)، يعني بذلك أن السورة القصرى وهي سورة الطلاق مخصصة لآية البقرة؛ لأنها أخرجت منها بعض أفرادها.
على أنه قد نوزع في عموم آية البقرة؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع منكر، والجمع المنكر في سياق الإثبات لا يفيد العموم على رأي جماعة من الأصوليين (٢).
ويرى آخرون أن المتوفى عنها الحامل تعتد أطول الأجلين بالأشهر أو بوضع الحمل، فإن كان حملها أكثر من أربعة أشهر اعتدت به، وإن وضعت قبل هذه المدة اعتدت بالأشهر، ولعل سبب الخلاف تعارض عموم آية البقرة مع آية سورة الطلاق، فإن كل واحدة من الآيتين عام من وجه وخاص من وجه، ولعل هذا التعارض هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين، وذلك ليحصل العمل بكلتا الآيتين، والخروجُ من العهدة بيقين، بخلاف ما إذا عمل بإحداهما.
قال القرطبي: (الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، وهذا النظر حسن، لولا ما يُعَكِّر عليه من حديث سبيعة .. )، وقال ابن كثير: (هذا مأخذ جيد، ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة .. ) (٣).
وهذ القول روي عن علي ﵁، فقد أخرج سعيد بن منصور عن مسلم بن صبيح، قال: كان عليٌّ يقول آخر الأجلين (٤).
стр. 3415
وبه قال ابن عباس كما ثبت في "الصحيحين" (١)، لكن الظاهر رجوعه عنه، فإن أصحابه: عطاء وعكرمة وجابر بن زيد قالوا كقول الجماعة (٢).
والقول الأول هو الراجح، فإن حديث سبيعة نص في الحكم، مبين أن الحامل المتوفى عنها غير داخلة في عموم آية البقرة، أضف إلى ذلك أن المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم ولا سيما ممن تحيض، وهذا يحصل بالوضع، فأي فائدة في الأشهر عند من يقول: تعتد أطول الأجلين؟! ثم إن ما جاء في قصة سبيعة هو آخر الأمر، فإنه بعد حجة الوداع؛ لما تقدم من أن وفاة زوجها كان في هذه الحجة. والله تعالى أعلم.
стр. 3416
عدة الأمة إذا عَتَقَتْ واختارت نفسها
١١١١/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: أُمِرَتْ بَريرَةُ أَن تَعْتَدَّ بثَلَاثِ حِيَض. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لكِنَّهُ مَعلُولٌ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب "الطلاق"، باب "خيار الأمة إذا أُعتقت" قال (٢٠٧٧): قال: حدثنا علي بن محمَّد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، قالت: … فذكرته.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، قال عنه البوصيري: (هذا إسناد صحيح، ورجاله موثقون) (١)، وقال الحافظ ابن حجر: (الحديث على شرط الشيخين، بل هو في أعلى درجات الصحة) (٢).
وقد أُعل هذا الحديث، كما ذكر الحافظ، ومن قبله ابن عبد الهادي (٣)، وذلك لتفرد شيخ ابن ماجه علي بن محمَّد الطنافسي به عن وكيع، وهو وإن كان ثقة فقد روى قصة بريرة عن وكيع جماعة من الثقات -كما عند البخاري وغيره- ولم يذكروا هذه اللفظة، ورواه عبد الرحمن بن مهدي -وهو إمام جبل- عن الثوري -كما عند الترمذي- ولم يذكر هذه اللفظة، وكذا من تابع منصورًا كالحَكَمِ والأعمش لم يذكروها، هذا من جهة الإسناد، أما من جهة المتن فإن مذهب عائشة ﵂ أن الأقراء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ
стр. 3417
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هي الأطهار، كما سيأتي، وليست الحِيَضَ، فلو كان عندها علم من النبي ﷺ بذلك لما قالت الأقراء هي الحِيَضُ. ثم إن النبي ﷺ أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة كما تقدم في "الخلع" ومن عتقت فهي أولى؛ لأن الحِيَضَ الثلاث إنما جعلت في حق المطلقة؛ ليطول زمن الرجعة، واختيار العتيقة نفسها ليس طلاقًا، فكان القياس أن تعتد بحيضة، وقد نصَّ شيخ الإِسلام ابن تيمية على أن الحديث معلول، وتبعه تلميذه ابن القيم فقال: (إنه يبعد أن تكون الثلاثُ حِيَضٍ محفوظة) (١)، وقد روى ابن أبي شيبة (٥/ ١٨١) عن حفص بن غياث، عن هشام، عن الحسن أن النبي ﷺ أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة. ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٢/ ٢٤٧)، والبيهقي (٧/ ٤٥١) عن عائشة ﵂ مرفوعًا بسند ضعيف.
* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن الأمة إذا عتقت تحت العبد فاختارت نفسها أنها تعتد عدة الحرة ثلاث حيض؛ لأنها بانت من زوجها وهي حرة، وهذا قول الجمهور، واختاره ابن حزم (٢).
والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة، وهو اختيار ابن تيمية، ونصره ابن القيم، ولعل هذا مبني على أن اختيارها نفسها بعد عتقها فسخ، وليس بطلاق؛ لأنها فرقة من قبل الزوجة، فكانت فسخًا، قال ابن تيمية: (والقرآن ليس فيه إيجاب العدة ثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق … ) (٣).
وقال ابن القيم: (المعتقة إذا فُسخت فهي بالمختلعة والأمة المستبرأة أشبه، إذ المقصود براءة رحمها، فالاستدلال على تعدد الأقراء في حقها بالآية غير صحيح؛ لأنها ليست مطلقة، ولو كانت مطلقة لثبتت لزوجها عليها الرجعة) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3418
حكم المطلقة البائن من حيث النفقة والسكنى
١١١٢/ ٣ - عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بنْتِ قَيسٍ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ (في الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا): "لَيسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام مع عليه وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الهمداني الكوفي، نسبة إلى شَعْب -بفتح الشين، بطن من همدان- تابعي جليل القدر، فقيه كبير، يضرب المثل بحفظه، روى عن عدد من الصحابة ﵃، وقد روى البخاري في "تاريخه" أنه قال: (أدركت خمس مائة من أصحاب النبي ﷺ ) (١)، استقضاه عمر بن عبد العزيزء ﵀، وأثنى عليه سلف هذه الأمة، قال ابن عيينة: (علماء الناس ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه)، ولد سنة تسع عشرة، ومات في الكوفة فجأة سنة ثلاث ومائة ﵀ (٢).
أما فاطمة بنت قيس فقد سبقت ترجمتها في باب "الكفاءة والخيار" من كتاب "النكاح" عند الحديث (١٠٠٦).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب، "المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها" (١٤٨٠)(٤٤) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة ﵂.
والحديث له طرق أخرى، وألفاظ متعددة مختصرًا ومطولًا، لكن اختلفت الروايات في ذكر السكنى، ففي الرواية التي ذكرها مسلم أولًا (لا نفقة لكِ)
стр. 3419
وليس فيها نفي السكنى، وفي الروايات الأخرى (لا نفقة لكِ ولا سكنى).
* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن المطلقة البائن، وهي التي طلقها زوجها آخر الثلاث ليس لها نفقة ولا سكنى زمن العدة، وهذا قول علي وابن عباس وجابر ﵃، ومن التابعين عطاء وطاوس والحسن، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال ابن حزم وإسحاق وأبو ثور وغيرهم (١)، ورجحه ابن عبد البر (٢)، وهو قول ابن تيمية، ونصره ابن القيم (٣)، ورجحه الشوكاني (٤).
والقول الثاني: أن لها النفقة والسكنى، وهو قول عمر وابن مسعود ﵄، وسفيان الثوري ﵀، وهو مذهب الحنفية (٥)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، فالنهي عن إخراجهن يدل على وجوب السكنى مع النفقة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فهذا أمر بالسكنى، وأما النفقة فلأنها محبوسة بسبب الزوج من أجل العدة، فتكون نفقتها عليه (٦).
وقد قال عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ (٧). قالوا: فهذا عمر ﵁ يخبر أن سنة رسول الله ﷺ أن لها النفقة؛ لأنه قال: (سنة نبينا) وهذا له حكم الرفع، ويدل على أنة حفظ شيئًا من السنة يخالف قول فاطمة.
والقول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا قول المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد، ونسبه الباجي ومن بعده الحافظ ابن حجر إلى
стр. 3420
الجمهور (١)، واختاره ابن المنذر (٢)، واستدلوا على وجوب السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ قالوا: فأمر الله بإسكانها في البيت حفظًا للنسب وتحصينًا لماء الزوج، واستدلوا على عدم وجوب النفقة بقوله: "لا نفقة لكِ" وهو ما جاء في أقوى الروايات، وبقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ﴾ [الطلاق: ٦] فمفهوم الآية أنهن إن لم يكن أولات حمل لا ينفق عليهن، إذ لو كانت البائن لا نفقة لها مطلقًا لم تُخَصَّ الحامل بالذكر، فدل على أن غيرها لا نفقة لها، ويؤيد ذلك ما ورد في إحدى روايات أبي في اود بإسناد مسلم: فأتت النبي ﷺ فقال: ""لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا" (٣).
وقد أجاب من لم يستدل بحديث فاطمة وهم الحنفية ومن وافقهم عنه بعدة أجوبة، أهمها:
١ - أن حديثها معارض للقرآن، حيث دل حديثها على أن البائن لا نفقة لها ولا سكنى، والقرآن دل على أن لها ذلك، كما تقدم.
٢ - أن حديثها معارض لرواية عمر ﵁.
٣ - أنه قول امرأة، وهي عرضة للخطأ والنسيان.
وبهذا يتبين أن سبب الخلاف في هذه المسألة اختلاف ألفاظ الحديث، والخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦].
أما ما استدل به أصحاب القول الثاني من قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ … ﴾ فليس هو في البائن، وإنما هو في المطلقة الرجعية، بدلالة السياق وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] والأمر الذي يرجى إحداثه هو المراجعة في العدة، وهذا غير وارد في البائن، ويؤيد ذلك رواية النسائي: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليه
стр. 3421
الرجعة" (١)، وأما قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فالظاهر أن الاستدلال به مستقيم؛ لأن هذا نص عام في كل مطلقة، والضمير فيه يرجع إلى ما قبله، وليس هو مختصًّا بالرجعية؛ لأن الرجعية لا يقال في حقها: أسكنها حيث سكنت، بل يقال: لا تُخرجها من بيتها، كما في أول الآيات (٢).
وأما قول عمر: (وسنة نبينا) فإن هذا وإن رواه مسلم في "صحيحه" فقد طعن فيه الأئمة، ففي مسائل الإمام أحمد لأبي داود: (قلت لأحمد: تذهب إلى حديث فاطمة بنت قيس طلقها زوجها؟ قال: نعم، فذكر له قول عمر ﵁: إلا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا) فقال: كتابُ ربنا أيُّ شيء هو؟ قال الرجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، قال: هذا لمن يملك الرجعة، قلت: يصح هذا عن عمر قال: لا) (٣).
وقال الدارقطني: "وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة، وهي قوله: (وسنة نبينا)؛ لأن جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر قال: لا نجيز في ديننا قول امرأة، ولم يقولوا فيه: وسنة نبينا، وكذلك رواه يحيى بن آدم وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر لم يقل فيه: وسنة نبينا، وهو الصواب" (٤).
وأما اعتراضاتهم على حديث فاطمة فقد أجاب عنها القائلون به بما يلي:
١ - قولهم: إن حديثها مخالف للقرآن، عنه جوابان:
الأول: بالمنع؛ لأن الآية المذكورة خاصة بالرجعية، كما تقدم، وقد حكاه الطبري في "تفسيره" عن جماعة من السلف (٥).
الثاني: سلمنا أن الآية عامة في البائن والرجعية، فيكون الحديث مخصصًا لعمومها، وتخصيص القرآن بالسنة وارد، فالعمل بحديث فاطمة ليس
стр. 3422
بترك للقرآن كما قال عمر: (لا نترك كتاب ربنا) لأن كتاب ربنا خاص بالرجعية، فهي التي لها النفقة والسكنى.
وأما قولهم: إن حديثها معارض برواية عمر فيجاب عنه بما يلي:
الأول: أن هذا لا يصح عن عمر، كما تقدم.
الثاني: أن عمر ﵁ خالفه جماعة من الصحابة، كعلي وابن عباس ومن وافقهما، والحجة معهم، ولو لم يخالفه أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول الله ﷺ ؛ لأنه حجة على عمر وعلى غيره، فهذا القول ليس عليه دليل من القرآن؛ لأنه إن كان المقصود إثبات السكنى فالآية في الرجعية، وهو مخالف لحديث فاطمة الذي هو نص في المسألة.
الجواب الثالث: أن من له إلمام بسنة رسول الله ﷺ يقطع ويجزم بأن عمر ﵁ لم يكن عنده سنة عن رسول الله ﷺ أن للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، ولو كان عنده شيء من ذلك لبينه ونشره للأمة.
وأما قولهم: إنه قول امرأة وهي عرضة للخطأ والنسيان، فهذا مطعن باطل بإجماع المسلمين؛ لأمور ثلاثة:
١ - أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد خبرًا لكونه عن امرأة، وكم من سنة تلقتها الأمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة؟ وقد أخذ العلماء بحديث فريعة بنت مالك -الآتي- في اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها، ولا مقارنة بين فاطمة بنت قيس وفريعة بنت مالك في العلم والثقة والجلالة في الدين.
٢ - أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد الخبر بمجرد تجويز النسيان على ناقله؛ لأن النسيان لا يسلم منه أحد.
٣ - أن فاطمة بنت قيس من المشهورات بالحفظ، فقد سمعت حديث الدجال من رسول الله ﷺ بيخطب به مرة واحدة، فوعته مع أنه حديث طويل، فكيف يُظن بها أن تحفظ مثل هذا، وتنسى أمرأ متعلقًا بها وهو وجوب النفقة والسكنى لها على زوجها (١)؟! والله تعالى أعلم.
стр. 3423
ما تجتنبه المرأة الحاد
١١١٣/ ٤ - عَنْ أُمِّ عَطِيّةَ - رضي الله عنهه - أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسنُ طِيبًا، إلا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" مُتَفَقٌ عَلَيهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِم، وَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَلَا تَخْتَضِبُ"، وَللنَّسَائيِّ: "وَلَا تَمْتَشِطُ".
١١١٤/ ٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالتْ: جَعَلْتُ عَلَى عَينى صَبِرًا، بَعْدَ أنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ، فَلا تَجْعَلِيهِ إلَّا باللَّيلِ وَانْزَعِيهِ بالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإنَّهُ خِضَابٌ"، قُلتُ: بِأَيِّ شيءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَال: "بِالسِّدْرِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ، وَإسْنَادُهُ حسن.
١١١٥/ ٦ - وَعَنْهَا ﵂ أن امْرَأة قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتكَتْ عَينُهَا، أفَنكْحُلُهَا؟ قَال: "لَا". مُتفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليها من وجوده:
* الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث أم عطية ﵂ فقد أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه" وأولها في كتاب "الحيض"، باب "الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض" (٣١٣)، من طريق أيوب، ومسلم في "الطلاق" (٩٣٨)(٦٦) من طريق هشام بن حسان، كلاهما عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية ﵂، وهذا لفظ مسلم، والحديث له ألفاظ متعددة، وقد رواه البخاري في مواضع من
стр. 3424
كتاب "الطلاق"، ومنها باب "القسط للحاد عند الطهر".
ورواه أبو داود (٢٣٠٢) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن هشام، والنسائي (٦/ ٢٠٤) من طريق عاصم، كلاهما عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، وفيه: (ولا تختضب).
ورواه النسائي (٦/ ٢٠٣) من طريق خالد بن الحارث، عن هشام بزيادة "ولا تمتشط". والظاهر أن ذكر الاختضاب وكذا الامتشاط غير محفوظ، فإن الحديث رواه عن هشام بن حسان أكثر من عشرة أنفس ولم يذكروا ذلك، ويؤيد هذا رواية أيوب عن حفصة عند مسلم، وليس فيها شيء من ذلك، ولكن ورد بعض الموقوفات عن الصحابة ﵃ (١).
أما حديث أم سلمة ﵂ الأول فقد رواه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥) من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد، عن أمها، أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل الجَلَاءَ، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة، فسألتها عن كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحل إلا من أمر لا بد منه، دخل عليَّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صَبِرًا … الحديث.
وهذا سند ضعيف، وفي متنه نكارة.
أما ضعف سنده فكما يلي:
١ - أن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، وإنما كانت عنده كتب أبيه، ولم يسمعها منه. وقد تقدم هذا عند الحديث (٤٦٤).
٢ - المغيرة بن الضحاك مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فقد ذكره في "الثقات" (٢).
٣ - أم حكيم بنت أُسيد مجهولة، وكذا أمها.
стр. 3425
وأما نكارة متنه فإنه مخالف للحديث الصحيح الذي بعده، فإنه يدل على منع الحاد من استعمال الكحل مطلقًا.
والحافظ قد حسن هذا الحديث هنا، وضعفه في "التلخيص" (١)؛ وهو الأظهر؛ لما تقدم.
وأما حديث أم سلمة ﵂ الثاني فقد رواه البخاري في كتاب "الطلاق"، باب "تحد المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا" (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨) من طريق حميد بن نافع، عن زينب ابنة أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة … وذكرت الحديث وفي آخره: مرتين أو ثلاثًا في كل ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله ﷺ : "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (لا تُحد) بضم حرف المضارعة، وكسر الحاء المهملة، ماضيه أَحَدَّ، ويجوز فتح حرف المضارعة وكسر الحاء أو ضمها، يقال: أَحَدَّتِ المرأة على زوجها وحَدَّت: إذا حزنت عليه وتركت الزينة، وهي حاد -بغير هاء- على الأرجح؛ لأنه وصف للمؤنث كحائض، ويجوز حادة -بالهاء- وقد استعمله البخاري في تراجم بعض الأبواب، كما تقدم، ويقال: امرأة مُحِدّ، بضم الميم اسم فاعل من الرباعي.
وقد تقدم تعريف الإحداد بأنه اجتناب الزنية والخروج من المنزل لغير حاجة.
قوله: (امرأة) نكرة في سياق النفي أو النهي، فتفيد العموم في كل امرأة صغيرة أم كبيرة، مكلفة أم غير مكلفة، مدخولًا بها أم غير مدخولٍ بها.
قوله: (فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال بأيامها، وفوق: ظرف زمان؛ لأنه أضيف إلى زمان.
قوله: (إلا على زوج) إيجاب للنفي، والجار والمجرور متعلق بالفعل (تحد) فالاستثناء مفرغ.
стр. 3426
قوله: (أربعةَ أشهرٍ) بالنصب مفعول لمقدر؛ أي: تحد.
قوله: (وعشرًا) معطوف على ما قبله، والمراد عشر ليال مع أيامها؛ ولذا لم يؤنث العدد، ولو أريد به الأيام لقيل: عشرة، قال تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ [مريم: ١٠] مع قوله تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].
قوله: (إلا ثوب عصب) بفتح العين وإسكان الصاد، مصدر بمعنى اسم المفعول، والعصب في اللغة: الفتل والطي وشدة الجمع واللي، قال ابن الأثير: (هي برود يمانية يعصب غزلها؛ أي: يجمع ويشد، ثم يصبغ وينشر، فيبقى موشى، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذ الصبغ) (١).
وإضافة ثوب إلى ما بعده من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: ثوب معصوب.
قوله: (إلا إذا طهرت) بضم الهاء وفتحها، أي: من الحيض، فيرخص لها في استعمال هذا الطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة لا لقصد الطيب.
قوله: (نُبْذَةً) بضم النون وسكون الباء؛ أي: قطعة، وتطلق على الشيء اليسير، وهي مفعول لفعل محذوف؛ أي: أخذت نبذة.
قوله: (من قُسْطٍ) بضم القاف وإسكان السين المهملة، عقار معروف من عقاقير الأدوية طيب الريح، تستعمله الحائض بعد غسلها لإزالة الرائحة، وليس هو من الطيب (٢).
قوله: (أو أظفار) هذه رواية مسلم بـ (أو)، وهي للتخيير، وفي رواية للبخاري ومسلم: (من قسط وأظفار) بالواو العاطفة، وهي أوجه لأنهما نوعان، وعند البخاري في "الحيض" و"الطلاق": (من كست أظفار) (٣) بالكاف، والإضافة نسبة إلى أظفار مدينة بسواحل اليمن.
стр. 3427
والأظفار: نوع من العطر الأسود مغلف من أصله على هيئة ظفر الإنسان، يوضع في البخور (١)، والكست بالكاف هو القُسط.
قوله: (ولا تختضب) الخضاب: صبغ الشعر أو الأعضاء بالحناء.
قوله: (ولا تمتشط) المشط: ترجيل الشعر، ويطلق على خضاب شعر الرأس، ولعله المراد هنا.
قوله: (صبرًا) بفتح الصاد المهملة وكسر الباء، ويجوز إسكانها، وقد تكسر الصاد، عصارة شجر الصبر، يجعل على أطراف العين للتداوي، ولو جعل في داخل العينين لذهب بنورهما.
قوله: (بعد أن توفي أبو سلمة) وهو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، مشهور بكنيته، من السابقين إلى الإسلام، وكان أخًا للنبي ﷺ من الرضاعة، مات سنة أربع من الهجرة ﵁، وقد تقدم ذكره في سادس أحاديث كتاب "الجنائز".
قوله: (يَشِبُّ الوجه) بفتح حرف المضارعة بعده شين معجمة مكسورة أو مضمومة من باب ضرب ونصر؛ أي: يلون الوجه ويحسنه.
قوله: (بالسدر) بكسر السين المهملة وسكون الدال: شجرة النبق، واحدته سدرة، له أوراق صغيرة تطحن، ثم يوضع بالماء ويُغسل به.
قوله: (وقد اشتكت عينها) بالرفع على أنها فاعل، وتكون العين هي المشتكية، واقتصر عليه النووي (٢)، ورجحه ابن حجر (٣)، وبالنصب على أنها مفعول، والفاعل ضمير مستتر يعود على البنت.
قوله: (أفنكحلها) بضم الحاء مضارع كحل، من باب نصر، وبفتحها من باب فتح.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز الإحداد على القريب الميت كالأب والأخ والابن والعم، وأن مدة ذلك ثلاثة أيام فما دون، تفريجًا
стр. 3428
عن النفس، ومراعاة للطبيعة البشرية، فإن مات في بقية يوم أو بقية ليلة ألغيت تلك البقية، وعَدَّتْ ذلك من الليلة المستقبلة (١).
وهذا الإحداد ليس بواجب، للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحالة (٢).
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم الإحداد على الميت فوق ثلاث غير زوجها، لا فرق في ذلك بين الأب وغيره؛ لأن الحديث سيق مساق الحصر.
وقد روى البخاري بسنده عن محمد بن سيرين، قال: توفي ابن لأم عطية ﵂ فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به، وقالت: نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا بزوج (٣).
أما ما ورد في "المراسيل" لأبي داود عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى سواه ثلاثة أيام (٤)، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أنه ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأنه مرسل أو معضل، فإن عمرو بن شعيب لم يكن من الصحابة ولا من التابعين، وعلى تسليم أنه من التابعين فهو من صغارهم، فلا يقف في معارضة الأحاديث الصحيحة، ولو سلمت صحته فهو شاذ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة.
الثاني: على فرض صحته فهو مخصص لعموم النهي في حديث أم عطية، فتكون السبعة خاصة بالأب (٥).
* الوجه الخامس: ذهب الجمهور من أهل العلم قديمًا وحديثًا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها
стр. 3429
زوجها، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري والشعبي، وهذه المخالفة لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع، والظاهر أنه لم يبلغهما الحديث، ولعلهما استدلا بحديث أسماء الآتي. على أن بعض العلماء قد ضعف ما نسب إلى الحسن، قال العيني: (لا يصح هذا عن الحسن، قاله ابن العربي) (١).
وقد استدل بعض العلماء على وجوب الإحداد من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ووجه الدلالة: أن الله تعالى نفى الجناح عن المتوفى عنها زوجها إذا انقضت عدتها في فعل المعروف من الزينة والطيب، والتعرض للخطاب على ما رواه ابن عباس ﵄، فدل على أن الجناح لازم لها قبل ذلك، وإلا فما الفائدة من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قال ابن سعدي: (في هذه الآية وجوب الإحداد مد العدة) (٢).
* الوجه السادس: أن مدة الإحداد هي مدة العدة أربعة أشهر وعشر، تبدأ من حين موت زوجها، سواء أعلمت بذلك حين الوفاة أم لم تعلم إلا بعد ذلك، ولو فرض أنها انقضت العدة قبل علمها فلا عدة عليها ولا إحداد. قال ابن عبد البر: (أجمعوا على أن كل معتدة من طلاق أو وفاة تحسب عدتها من ساعة طلاقها أو وفاة زوجها) (٣).
وقد ورد في حديث أسماء بت عميس ﵂ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: "لا تحدي بعد يوفك هذا" (٤)، وظاهره أن الإحداد لا يجب على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث،
стр. 3430
لكن أعلَّه الأئمة الحفاظ كالدارقطني والبيهقي بالإرسال (١)، ثم إنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة في وجوب الإحداد كحديث أم عطية ﵂، وقد حكم عليه بالمخالفة الإمام أحمد وإسحاق (٢)، ويرى أبو حاتم أن الحديث ليس عن أسماء، وقد غلط محمد بن طلحة فيه، ونقل عن آخرين أن هذا قبل أن ينزل العِدَدُ (٣). وذكر الحافظ ابن حجر عنه عدة أجوبة كلها تكلف (٤)، قال البيهقي: (الأحاديث قبله أثبت، والمصير إليها أولى، وبالله التوفيق) (٥).
* الوجه السابع: مدة عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر كما هو نص القرآن، وهذا الحديث، والجمهور من أهل العلم على أن المتوفى عنها لا تخرج من العدة إلا بدخول الليلة الحادية عشرة بناءً على أن المراد بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عشرُ ليالٍ بأيامها، فيكون اليوم العاشر من العدة وليلته قبله تبع له.
وقد التمس العلماء عللًا لتذكير العدد في قوله: ﴿وَعَشْرًا﴾ فقالوا: لتغليب الليالي؛ لأن الليلة تبع لليوم؛ ولأن ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال؛ ولأن التذكير أخف في اللفظ من التأنيث (٦).
* الوجه الثامن: أن الإحداد خاص بالنساء دون الرجال، لقوله: "لا تحد امرأة"، وأما الإحداد في العصر الحاضر الذي وقع فيه بعض المسلمين من تنكيس الأعلام، وتغيير برامج الإعلام بما ينالسب المقام، وتعطيل الأعمال لوفاة زعيم من الزعماء في مدة معينة، فليس من الإسلام في شيء، فإن الحداد خاص بالمرأة، كما دل عليه الحديث، وقد مات النبي ﷺ وهو أفضل الأنبياء وأشرف الخلق ولم يُحِدَّ عليه الصحابة ﵃، ثم مات أبو بكر ﵁،
стр. 3431
ثم قتل عمر وعثمان ﵄ فلم يحد الصحابة على واحد منهم، وهكذا التابعون وأئمة الإسلام، ولم يحد عليهم المسلمون، فيكون هذا العمل المذكور من البدع والتشبه بأعداء الإسلام مع ما فيه من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح، والإحداد حكم شرعي لا بد له من دليل، ولا دليل عليه، فهو مردود على فاعله، ومن أمر به أو أشار بفعله فهو مبتدع آثم.
* الوجه التاسع: الحديث دليل على أن الإحداد خاص بالمتوفى عنها زوجها، لقوله: "إلا على زوج"، فهو إيجاب بعد النفي، فيقتضي حصر الإحداد في المتوفى عنها، أما المطلقة الرجعية فلا إحداد عليها بالإجماع؛ لأنها في حكم الزوجات يندب لها أن تتزين ليرغب فيها زوجها.
أما البائن فمذهب الجمهور (١) أنه لا إحداد عليها، لقوله: "على ميت" أي: على زوج ميت؛ ولأن الغرض من الإحداد إظهار الأسف على فراق زوجها وموته، وهذا لا يوجد في الطلاق البائن.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم، وبعض المالكية إلى وجوب الإحداد عليها (٢)، لما روي أن النبي ﷺ نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، قالوا: فهذا عام في كل معتدة، كما قاسوا البائن على المتوفى عنها بجامع أن كلًّا منهما فرقتها بينونة.
والصواب القول الأول، لقوة دليله، فإن الإحداد إنما يجب على الموتى ومن أجلهم، كما هو صريح الأدلة، والمبتوتة أشبه بالرجعية من المتوفى عنها.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو ضعيف، لا تقوم به حجة، ولا يعرف في كتب السنة (٣)، وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص خاص بالمتوفى عنها، فلا تلحق به البائن.
стр. 3432
* الوجه العاشر: دلت أحاديث الباب وبعض الآثار الموقوفة على أن المرأة الحاد تجتنب ما يلي:
١ - ثياب الزينة، وهي الثياب التي جرت عادة النساء بلبسها للزينة والمناسبات من أي لون كان، وقد دلَّ عليها الحديث بقوله: "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا"، أما الثوب المصبوغ الذي لا يراد به التجمل فلا بأس به، وقد ذكر الفقهاء في ثياب الزينة ما كان موجودًا في زمانهم أو قبل زمانهم، أما في عصرنا هذا فقد لا يوجد شيء مما ذكروه، وقد يكون النبي ﷺ نص على المصبوغ؛ لأنه مما يتجمل به غالبًا، لكن القاعدة في ذلك أن كل ثوب زينة فالمرأة ممنوعة منه، وما عداه من ثياب نظيفة ليست للزينة فلا تمنع منها ولو كانت ملونة.
٢ - الكحل، وذلك لأنه من الزينة، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الكحل إذا كان للزينة فالحاد ممنوعة منه، وإنما وقع الخلاف في حكم الاكتحال للضرورة والعلاج، وسبب الخلاف تعارض الأدلة، وفي المسألة قولان:
الأول: للجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو أنه يجوز الاكتحال للتداوي (١)، قالوا: فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار، واستدلوا بحديث أم سلمة ﵂، وهو نص صريح في ذلك، وحملوا أحاديث المنع كحديث أم سلمة الثاني على كحلها إذا لم تحتج إليه، أو إذا لم تخف على عينها (٢).
والقول الثاني: أنه لا يجوز للحاد أن تكتحل مطلقًا، سواء خافت على عينها أو لم تخف، وهذا قول ابن حزم، ورواية عند المالكية (٣)، وحجتهم
стр. 3433
الأحاديث القاضية بالمنع مطلقًا، قال النووي عن حديث أم عطية وأم سلمة: (فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا) (١).
والقول بالمنع مطلقًا قوي ولا سيما في زماننا هذا، فقد وجد من الأدوية ما تعالج به العين دون الكحل، وأما الكحل للزينة فهم متفقون على المنع كما تقدم.
فإن لم يوجد عندها دواء غير الكحل واضطرت إليه فالقول بالجواز قوي، لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى المباح، كما في الأصول، هذا أمر، والأمر الثاني أن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المترفه المتزين، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحاد عن الزينة لا عن التداوي (٢).
وللعلماء أجوبة عن حديث أم سلمة في النهي عن الكحل، ولعل أحسنها أن يقال: إن المنع الوارد في حقها محمول على أنه يمكن لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه (٣).
٣ - ومما تُنهى عنه الحاد: الطيب في ثيابها أو بدنها بجميع أنواعه، سواء أكان دهنًا أم بخورًا أم غيرهما؛ لأنه يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة، واستثنى في الحديث بعض الأنواع لقطع رائحة الحيض بعد غسلها من الحيض، وهذه غير مستعملة في زماننا؛ لأنه ظهر من المنظفات وقطع الرائحة ما يغني عنها.
ولا حرج على المعتدة في الاستحمام وغسل بدنها وشعرها بالصابون وغيره، وقد أفتى بذلك الشيخان: ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله؛ لأن الذي في الصابون والشامبو ليس طيبًا بل نكهة (٤).
وتنهى الحاد عن شرب القهوة التي فيها زعفران؛ لأنه طيب، وفي
стр. 3434
الحديث: "ولا تمس طيبًا"، ومَسُّ كل شيء بحسبه (١).
٤ - الاختضاب: وهو الصبغ بالحناء، فهذا منهية عنه؛ لأنه من الزينة، ويدخل فيه ما ظهر في هذا الزمان من التشقير والتمييش وسائر الأصباغ التي تستعمل للزينة بجميع أنواعها وأسمائها.
٥ - الامتشاط، وهذا وما قبله ذكره الفقهاء، وقد تقدم الكلام على ذلك سندًا.
٦ - الحلي، وهذا قد ورد في حديث أم سلمة عند أبي داود، وأحمد (٢)، والحلي من الزينة سواء كان من الذهب أو الفضة أو غيرهما، والجمهور من أهل العلم على المنع منه.
هذه هي الأشياء التي يجب على الحاد أن تجتنبها، ويضاف إليها النهي عن خروجها من المنزل كما سيأتي.
ويجوز للمعتدة أن تكلم من جرت عادتها بتكليمه قبل ذلك، ولها استعمال الهاتف، أو إجابة من يطرق الباب، ونحو ذلك مما لم يرد في الشرع النهي عنه.
ولها أن تنظف ثيابها وتلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة، ولها أن تخرج إلى فناء منزلها وحديقة بيتها، وأن تصعد إلى السطح، وأن ترى القمر، والمنع من ذلك أمر محدث لا أصل له. والله تعالى أعلم.
стр. 3435
جواز خروج المعتدة البائن لحاجتها
١١١٦/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: طُلِّقَتْ خَالتِي، فَأرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا. فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَت النَّبيَّ ﷺ فَقَال: "بَلَى، جُدِّي نَخْلَكِ، فإِنَّكِ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب "خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها" (١٤٨٣) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵂ يقول: … وذكر الحديث.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (طُلقت خالتي) رواية أبي داود، والنسائي (١): (طُلقت خالتي ثلاثًا) أي: ثلاث تطليقات أو ثلاث مرات.
قوله: (أن تجد) بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة؛ أي: تقطع ثمر نخلها.
قوله: (فإنك عسى أن تصدقي) بحذف إحدى التائين، والأصل: أن تتصدقي، والجملة ظاهرها أنها تعليل للخروج، لكن قال القرطبي: إن هذا ليس تعليلًا لإباحة خروجها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها