ثم قتل عمر وعثمان ﵄ فلم يحد الصحابة على واحد منهم، وهكذا التابعون وأئمة الإسلام، ولم يحد عليهم المسلمون، فيكون هذا العمل المذكور من البدع والتشبه بأعداء الإسلام مع ما فيه من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح، والإحداد حكم شرعي لا بد له من دليل، ولا دليل عليه، فهو مردود على فاعله، ومن أمر به أو أشار بفعله فهو مبتدع آثم.
* الوجه التاسع: الحديث دليل على أن الإحداد خاص بالمتوفى عنها زوجها، لقوله: "إلا على زوج"، فهو إيجاب بعد النفي، فيقتضي حصر الإحداد في المتوفى عنها، أما المطلقة الرجعية فلا إحداد عليها بالإجماع؛ لأنها في حكم الزوجات يندب لها أن تتزين ليرغب فيها زوجها.
أما البائن فمذهب الجمهور (١) أنه لا إحداد عليها، لقوله: "على ميت" أي: على زوج ميت؛ ولأن الغرض من الإحداد إظهار الأسف على فراق زوجها وموته، وهذا لا يوجد في الطلاق البائن.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم، وبعض المالكية إلى وجوب الإحداد عليها (٢)، لما روي أن النبي ﷺ نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، قالوا: فهذا عام في كل معتدة، كما قاسوا البائن على المتوفى عنها بجامع أن كلًّا منهما فرقتها بينونة.
والصواب القول الأول، لقوة دليله، فإن الإحداد إنما يجب على الموتى ومن أجلهم، كما هو صريح الأدلة، والمبتوتة أشبه بالرجعية من المتوفى عنها.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو ضعيف، لا تقوم به حجة، ولا يعرف في كتب السنة (٣)، وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص خاص بالمتوفى عنها، فلا تلحق به البائن.
стр. 3432
* الوجه العاشر: دلت أحاديث الباب وبعض الآثار الموقوفة على أن المرأة الحاد تجتنب ما يلي:
١ - ثياب الزينة، وهي الثياب التي جرت عادة النساء بلبسها للزينة والمناسبات من أي لون كان، وقد دلَّ عليها الحديث بقوله: "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا"، أما الثوب المصبوغ الذي لا يراد به التجمل فلا بأس به، وقد ذكر الفقهاء في ثياب الزينة ما كان موجودًا في زمانهم أو قبل زمانهم، أما في عصرنا هذا فقد لا يوجد شيء مما ذكروه، وقد يكون النبي ﷺ نص على المصبوغ؛ لأنه مما يتجمل به غالبًا، لكن القاعدة في ذلك أن كل ثوب زينة فالمرأة ممنوعة منه، وما عداه من ثياب نظيفة ليست للزينة فلا تمنع منها ولو كانت ملونة.
٢ - الكحل، وذلك لأنه من الزينة، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الكحل إذا كان للزينة فالحاد ممنوعة منه، وإنما وقع الخلاف في حكم الاكتحال للضرورة والعلاج، وسبب الخلاف تعارض الأدلة، وفي المسألة قولان:
الأول: للجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو أنه يجوز الاكتحال للتداوي (١)، قالوا: فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار، واستدلوا بحديث أم سلمة ﵂، وهو نص صريح في ذلك، وحملوا أحاديث المنع كحديث أم سلمة الثاني على كحلها إذا لم تحتج إليه، أو إذا لم تخف على عينها (٢).
والقول الثاني: أنه لا يجوز للحاد أن تكتحل مطلقًا، سواء خافت على عينها أو لم تخف، وهذا قول ابن حزم، ورواية عند المالكية (٣)، وحجتهم
стр. 3433
الأحاديث القاضية بالمنع مطلقًا، قال النووي عن حديث أم عطية وأم سلمة: (فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا) (١).
والقول بالمنع مطلقًا قوي ولا سيما في زماننا هذا، فقد وجد من الأدوية ما تعالج به العين دون الكحل، وأما الكحل للزينة فهم متفقون على المنع كما تقدم.
فإن لم يوجد عندها دواء غير الكحل واضطرت إليه فالقول بالجواز قوي، لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى المباح، كما في الأصول، هذا أمر، والأمر الثاني أن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المترفه المتزين، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحاد عن الزينة لا عن التداوي (٢).
وللعلماء أجوبة عن حديث أم سلمة في النهي عن الكحل، ولعل أحسنها أن يقال: إن المنع الوارد في حقها محمول على أنه يمكن لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه (٣).
٣ - ومما تُنهى عنه الحاد: الطيب في ثيابها أو بدنها بجميع أنواعه، سواء أكان دهنًا أم بخورًا أم غيرهما؛ لأنه يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة، واستثنى في الحديث بعض الأنواع لقطع رائحة الحيض بعد غسلها من الحيض، وهذه غير مستعملة في زماننا؛ لأنه ظهر من المنظفات وقطع الرائحة ما يغني عنها.
ولا حرج على المعتدة في الاستحمام وغسل بدنها وشعرها بالصابون وغيره، وقد أفتى بذلك الشيخان: ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله؛ لأن الذي في الصابون والشامبو ليس طيبًا بل نكهة (٤).
وتنهى الحاد عن شرب القهوة التي فيها زعفران؛ لأنه طيب، وفي
стр. 3434
الحديث: "ولا تمس طيبًا"، ومَسُّ كل شيء بحسبه (١).
٤ - الاختضاب: وهو الصبغ بالحناء، فهذا منهية عنه؛ لأنه من الزينة، ويدخل فيه ما ظهر في هذا الزمان من التشقير والتمييش وسائر الأصباغ التي تستعمل للزينة بجميع أنواعها وأسمائها.
٥ - الامتشاط، وهذا وما قبله ذكره الفقهاء، وقد تقدم الكلام على ذلك سندًا.
٦ - الحلي، وهذا قد ورد في حديث أم سلمة عند أبي داود، وأحمد (٢)، والحلي من الزينة سواء كان من الذهب أو الفضة أو غيرهما، والجمهور من أهل العلم على المنع منه.
هذه هي الأشياء التي يجب على الحاد أن تجتنبها، ويضاف إليها النهي عن خروجها من المنزل كما سيأتي.
ويجوز للمعتدة أن تكلم من جرت عادتها بتكليمه قبل ذلك، ولها استعمال الهاتف، أو إجابة من يطرق الباب، ونحو ذلك مما لم يرد في الشرع النهي عنه.
ولها أن تنظف ثيابها وتلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة، ولها أن تخرج إلى فناء منزلها وحديقة بيتها، وأن تصعد إلى السطح، وأن ترى القمر، والمنع من ذلك أمر محدث لا أصل له. والله تعالى أعلم.
стр. 3435
جواز خروج المعتدة البائن لحاجتها
١١١٦/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: طُلِّقَتْ خَالتِي، فَأرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا. فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَت النَّبيَّ ﷺ فَقَال: "بَلَى، جُدِّي نَخْلَكِ، فإِنَّكِ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب "خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها" (١٤٨٣) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵂ يقول: … وذكر الحديث.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (طُلقت خالتي) رواية أبي داود، والنسائي (١): (طُلقت خالتي ثلاثًا) أي: ثلاث تطليقات أو ثلاث مرات.
قوله: (أن تجد) بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة؛ أي: تقطع ثمر نخلها.
قوله: (فإنك عسى أن تصدقي) بحذف إحدى التائين، والأصل: أن تتصدقي، والجملة ظاهرها أنها تعليل للخروج، لكن قال القرطبي: إن هذا ليس تعليلًا لإباحة خروجها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها
стр. 3436
والحض على فعل الخير، والله أعلم (١).
قوله: (أو تفعلي خيرًا) أو للتنويع، بأن يراد بالتصدق الفرض، وبالخير: التطوع والهدية والإحسان إلى الجار.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المعتدة من طلاق بائن لها أن تخرج من منزلها لحاجتها نهارًا، وقد بوب النووي على هذا الحديث بقوله كما تقدم: (باب خروج المعتدة البائن في النهار لحاجتها)، وكذا بوب أبو داود في "سننه"، والقول بجواز خروجها هو قول مالك والشافعي وأحمد والليث (٢).
قال الخطابي: (وجه استدلال أبي داود منه في أن للمعتدة من الطلاق أن تخرج بالنهار: هو أن النخل لا يُجد عادة إلا نهارًا، وقد نُهِيَ عن جداد الليل، ونخل الأنصار قريب من دورهم، فهي إذا خرجت بكرة للجداد رجعت إلى بيتها للمبيت … ) (٣).
وذهب أبو حنيفة إلى أن المعتدة البائن لا تخرج ليلًا ولا نهارًا قياسًا على الرجعية (٤).
والصواب الأول، وهو أن لها الخروج، بل إنها تعتد حيث شاءت، والحديث لم يقيد خروجها بشيء، والمطلق يبقى على إطلاقه حتى يثبت تقييده.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب الصدقة من التمر عند جداده، وقد ورد في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي، أن رسول الله ﷺ نهى عن الجداد بالليل والحصاد بالليل. قال جعفر بن محمد: أُراه من أجل المساكين (٥). ففي الحديث ما يدل على استحباب
стр. 3437
الصدقة على الفقراء والمساكين، وقيل: لأجل الهوام لئلا تصيب الناس (١).
* الوجه الخامس: استحباب التعريض لصاحب النخل أو الزرع بفعل الخير والتذكير بالمعروف والبر؛ لأن بعض الناس قد يغفل عن ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3438
مُكْثُ المتوفى عنها في بيتها حتى تنقضي العدة
١١١٧/ ٨ - عَنْ فُرَيعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ. قَالتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلى أَهْلِي؛ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةً، فَقَال: "نَعَمْ" فَلَمَّا كُنْتُ في الحُجْرَةِ، نَاداني، فَقَال: "امْكُثي في بَيتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" قالتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذلكَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وصحَّحَهُ التِّرْمِذِي وَالذُّهْلِيُّ وابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَغَيرُهُمْ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي فريعة -بضم الفاء وفتح الراء- بنت مالك بن سنان الخُدْرية، أخت أبي سعيد الخدري ﵄، وسماها بعض الرواة عند النسائي: الفارعة، وأمها حبيبة بنت عبد الله بن أُبي ابن سلول، قال ابن حبان: (لها صحبة)، وقال ابن عبد البر: (شهدت بيعة الرضوان) (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٤٥/ ٢٨)، وأبو داود في كتاب "الطلاق"، باب "في المتوفى عنها تنتقل" (٢٣٠)، والترمذي (١٢٥٤)، والنسائي (٦/ ١٩٩)، وابن ماجه (٢٠٣١)، وابن حبان (٤٢٩٣)، والحاكم (٢/ ٢٠٨) كلهم من طريق سعد (٢) بن
стр. 3439
إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن فريعة بنت مالك أن زوجها … الحديث.
وهذا الحديث قد رواه الزهري، واختلف عليه فيه، ولما ذكر الدارقطني هذا الاختلاف في "العلل" (١٥/ ٤١٣) قال: (والصحيح قول من قال: عن سعد بن إسحاق، عن عمته زينب، عن الفريعة، عن النبي ﷺ ).
والحديث صححه قوم وضعفه آخرون. فممن صحح الحديث الترمذي، فقال: (حديث حسن صحيح)، ومحمد بن يحيى الذهلي (ت ٢٥٨)، فقد نقل عنه الحاكم أنه قال: (هذا حديث صحيح محفوظ)، وصححه ابن حبان، والحاكم، وقد يفهم تصحيحه عن الإمام مالك، فقد أدخله في "موطئه" (٢/ ٥٩١) وبنى عليه مذهبه، وصححه ابن عبد البر، فقال: (هذا حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق) (١). وممن صححه ابن القطان -كما سيأتي-.
وممن ضعف الحديث ابن حزم، فقال: (إن زينب مجهولة لا تعرف ولا روى عنها أحد غير سعد بن إسحاق، وهو غير مشهور بالعدالة) (٢). وتبعه على هذا عبد الحق في "الأحكام الوسطى" (٣).
والجواب أنه لا يلتفت لما قاله ابن حزم، وقد صحح الحديث جمع من أئمة الحديث، كما تقدم، ومنهم أئمة كبار حفاظ، وأما:
١ - قوله: (إن زينب مجهولة) فهي مجهولة عنده، وإلا فهي من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد الخدري (٤)، ذكرها ابن حبان في "الثقات" (٥)، والذي غرَّ ابن حزم قول علي بن المديني: إنها لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق، مع أنه ورد في "المسند" (٦) أن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة روى عنها، فهذه امرأة تابعية تحت صحابي، وروى عنها الثقات، ولم
стр. 3440
يُطعن فيها بحرف، واحتج بها مالك، وصحح الأئمة حديثها، ومن كانت هذه حالها فحري أن تقبل.
٢ - وأما قوله: (إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة) فقد وثقه يحيى بن معين، وقال النسائي والدارقطني: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صالح)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ومن يروي عنه سفيان الثوري وحماد بن زيد ومالك ويحيى بن سعيد والزهري -وهو أكبر منه-، وغير هؤلاء، كيف يكون غير مشهور (١)؟!
قال ابن عبد البر: (سعد بن إسحاق ثقة لا يختلف في ثقته وعدالته) (٢)، ولما نقل ابن عبد الهادي تصحيح الحديث عن العلماء الذين تقدم ذكرهم قال: (إن ابن حزم تكلم فيه بلا حجة) (٣).
وقد تعقب ابن القطان عبد الحق في متابعته لابن حزم في إعلال الحديث فقال: (وعندي أنه ليس كما ذهب إليه، بل الحديث صحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، … وزينب كذلك ثقة … ) (٤).
وقد ضعف الألباني الحديث (٥) وأعله بجهالة حال زينب، لكنه صححه في مواضع أخرى (٦).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أعبد له) بفتح فسكون فضم، جمع عبد، وفي رواية (أبقوا) أي: هربوا.
قوله: (أن أرجع) في تأويل مصدر؛ أي: سألته عن الرجوع.
стр. 3441
قوله: (فقال: نعم) أي: فأذن رسول الله ﷺ بالانتقال إلى دار إخوتي وأهلي في بني خُدْرة، كما في بعض الروايات (١).
قوله: (في الحجرة) أي: حجرة بعض نسائه، وفي رواية أبي داود وغيره: (فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له).
قوله: (امكثي) أي: انتظري واثبتي، وعند النسائي: "اعتدي حيث بلغك الخبر" والظاهر أن هذا اللفظ شاذ، فإن أكثر الرواة لم يذكروه والقصة واحدة، ثم إنه لا يمكن حمله على العموم، فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق والطريق والبرية إذا أتاها الخبر وهي فيها (٢).
قوله: (حتى يبلغ الكتاب أجله) أي: يصل، والكتاب؛ أي: المكتوب، والمراد به: العدة؛ لأنها مفروضة من الله تعالى.
وأجله: مدته وغايته، وإذن النبي ﷺ لها بالتحول، ثم منعه إياها بعد ذلك قد يكون اجتهادًا منه ﷺ ، ثم إنه لما تأمل مسألتها رأى أن عذرها غير كاف في الانتقال، فأرجعها إلى الأصل، أو أنه أُوحي إليه عدم الإذن لها (٣).
قوله: (فقضى به بعد ذلك عثمان) هذا فيه اختصار، ففي سنن أبي داود وغيره: (فلما كان عثمان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتَّبعه وقضى به).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها، ولا تخرج عنه إلى غيره، والمراد به: المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه.
* الوجه الخامس: اختلف العلماء أين تقضي المتوفى عنها زمان العدة على قولين:
стр. 3442
الأول: أنها تعتد في البيت الذي كانت تسكنه قبل وفاة زوجها، سواء أكان الزوج ساكنًا أم لا، وبه قال من الصحابة عمر وعثمان وروي عن ابن عمر ﵃، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، وجماعة من فقهاء الأمصار، ودليلهم حديث الباب.
والقول الثاني: أنها تعتد حيث شاءت، وهذا مروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة ﵃، وقد أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" ما ورد عنهم بأسانيد صحيحة (٢)، وقال به من التابعين: طاوس وعطاء والحسن، كما في "المصنف" -أيضًا- وهو قول داود وأصحابه، وحكاه البغوي عن أبي حنيفة، واختاره المزني من الشافعية (٣)، وهو قول ابن حزم (٤).
واستدلوا بأن السكنى إنما ورد في القرآن للمطلقات، وأما المتوفى عنها فإن الله تعالى أمرها بالاعتداد أربعة أشهر وعشرًا دون التعرض لذكر مكان معين، فدل على عدم اشتراطه، وقد روى عبد الرزاق بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (إنما قال الله تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل تعتد في بيتها، تعتد حيث شاءت) (٥)، وروى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: (نسخت هذه الآية عدتها في أهلها، فتعتد حيث شاءت، لقول الله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾) (٦).
ومعنى ذلك: أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] دل على أن المعتدة تعتد عند أهلها وتتربص في بيت زوجها حولًا كاملًا، لقوله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ ثم نُسخت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فتعتد حيث شاءت؛ لأنه لما نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى؛ لأن السكنى تبع للعدة.
стр. 3443
والقول بالنسخ هو رأي الأكثرين، كما قال ابن كثير (١)، يرون أن آية: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ منسوخة بآية: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وهذا الموضع وقع فيه الناسخ مقدمًا في التلاوة على المنسوخ (٢).
قالوا: وحديث الباب ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم، وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب أو سنة ثابتة أو إجماع (٣).
والراجح هو الأول، لقوة دليله، فإنه نص في الموضوع، ولم يأت من خالفه بما ينهض لمعارضته فالتمسك به متعين (٤).
أما ما ورد عن ابن عباس ﵄ فهو قول صحابي، ومن شرط حجيته عند القائلين به ألا يخالف نصًّا ولا قول صحابي آخر، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص، وهو حديث فريعة، وإن خالف قول صحابي آخر أُخذ بالراجح، وقد خالف ابنَ عباس عمرُ وعثمانُ رضي الله عن الجميع، والحديث معهما، قال ابن عبد البر في الرد على من طعن في الحديث: (أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة، وبالله التوفيق) (٥). وقال ابن القيم: (وقد تلقى الحديث عثمان بن عفان ﵁ بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار) (٦).
أما القول بان قوله تعالى: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ منسوخ، فهذا فيه نظر لأمرين:
الأول: وجود الخلاف في الناسخ، كما حكى ابن كثير عن ابن عباس أن الناسخ الآية المذكورة، وبه قال جماعة من السلف، ويروى عن قتادة أن الناسخ آية الميراث، وعن سعيد: الناسخ آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
стр. 3444
نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
الثاني: أن الجمع بين الآيتين ممكن، فيقدم على النسخ، فإن آية: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ لم تدل على وجوب الاعتداد سنة حتى يقال بالنسخ بالأربعة أشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك من باب الوصاية بالزوجات أن يمكَنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، أما إذا انقضت العدة ورغبن الخروج فلا بأس؛ لأن تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ليست واجبة، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وممن اختار هذا ابن جرير، وابن تيمية (١)، وابن كثير. وعلى هذا فتكون الآية الأولى دالة على أن الأربعة أشهر والعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة، ينبغي فعلها تكميلًا لحق الزوج ومراعاة للزوجية، والدليل على استحبابها أن الله تعالى نفى الجناح عن الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، ولو كان لزوم المسكن واجبًا لم ينف الحرج عنهم (٢).
* الوجه السادس: استدل بحديث فريعة من قال بوجوب السكنى للحاد، وأنها أحق بسكنى دار زوجها من ورثته، وهذا قول المالكية (٣) والشافعية في قول (٤)، ورواية للحنابلة في الحامل فقط (٥).
قالوا: حتى لو بيعت الدار لزم الورثة استثناء سكناها إلى انقضاء العدة.
ووجه استدلالهم: أن النبي ﷺ أمر فريعة بالسكنى في بيت زوجها من غير استئذان الورثة، ولو لم تجب السكنى لم يكن أن تسكن إلا بإذنهم، كما أنه ليس لها أن تتصرف في شيء من مال زوجها بغير إذنهم.
والقول الثاني: أنه لا يجب للحاد السكنى مطلقًا، حاملًا أو غير حامل،
стр. 3445
وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية في أحد القولين، وهو مذهب الحنابلة إذا كانت حائلًا.
واستدلوا بأن الله تعالى قسم تركة الميت بين الورثة على قدر حقوقهم، ولم يجعل فيها شيئًا زائدًا ولا موقوفًا، فلا يجب على الورثة إسكان زوجة مورثهم.
وهذا القول هو الراجح، لقوة دليله، والأدلة تدل على أن الواجب على المتوفى عنها فعل السكنى لا أن يُبذل لها السكنى، والإضافة في قوله: "امكثي في بيتك" إضافة سكنى لا إضافة ملك.
وحديث فريعة دل على عدم الخروج، لا على لزوم السكنى للزوج؛ لأن الفُريعة قد صرحت بأنه ليس البيت للزوج، وعلى هذا فسياق الحديث بَيِّنٌ في أنه لا يجب على الزوج شيء، ولكنها هي مكلفة بعدم الخروج.
* الوجه السابع: استدل بعض العلماء بحديث فريعة على جواز الخروج المؤقت للمرأة الحاد، وهو خروجها نهارًا من منزلها إذا احتاجت إلى ذلك.
ووجه الاستدلال: أن فريعة خرجت من منزلها، وجاءت إلى الرسول ﷺ تسأله عن جواز انتقالها، ولم ينكر عليها خروجها (٢).
وقد قسم الفقهاء خروج الحاد إلى قسمين:
١ - خروج جائز: وهو ما كان لحاجة أو ضرورة، فالحاجة أن تخرج لشراء حوائجها، أو تكون مدرسة أو طالبة فتخرج لذلك. والضرورة كأن تخاف سقوط البيت، أو تخاف عدوًا، أو تكون في دار غير حصينة فتخشى أن يقتحم عليها، أو تكون في بيت انتهت مدة أجرته، أو طلبه صاحبه لبيعه أو سكناه، فلها أن تنتقل حيث شاءت، أو تخرج للعلاج أو مراجعةٍ مرتبةٍ للمستشفى ونحو ذلك.
٢ - خروج ممنوع: وهو ما ليس لحاجة ولا ضرورة، مثل خروجها للنزهة أو لحضور عُرس أو لأجل العمرة.
стр. 3446
* الوجه الثامن: حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن المتوفى عنها ليس لها نفقة أيام العدة إن كانت حائلًا، وإن كانت حاملًا فكذلك على الراجح من قولي أهل العلم؛ لأن النفقة إن كانت للحمل فنفقة الأقارب تسقط بالموت، وإن كانت لها لكانت لها وهي حائل (١).
* الوجه التاسع: استدل العلماء بهذا الحديث على جواز قبول خبر الواحد والعمل به؛ لأن عثمان ﵁ سأل فريعة عن هذا الحكم، وعمل به في جماعة من الصحابة من غير نكير (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3447
جواز انتقال المعتدة البائن للضرورة
١١١٨/ ٩ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ ﵂ قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَني ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه مسلم في كتاب "الطلاق"، باب "خروج المعتدة البائن … " (١٤٨٢) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس، وهذا الحديث هو إحدى روايات حديثها المتقدم.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن يقتحم علي) بضم أوله مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: يَهْجِمَ ويدخل عليَّ بعض الأجانب الأشرار، فيفضي ذلك إلى شر وفتنة.
قوله: (فتحولت) أي: انتقلت من بيت زوجها إلى بيت ابن عمها ابن أم مكتوم لما في بعض روايات مسلم: "انتقلي إلى بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم، فاعتدي عنده" (١)، وفي رواية: "اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك" (٢)، وعلى هذا فتحولها إنما كان لخوفها.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المطلقة البائن لها أن تخرج من منزلها الذي طلقت فيه إذا خافت على نفسها وتتحول إلى منزل آخر مأمون، وهذا يدل على أنها لا تنتقل إلا للضرورة.
стр. 3448
فإن قيل: إن هذا الحديث قد يشكل على ما تقدم من أن البائن لا نفقة لها ولا سكنى.
والجواب: أنه على الرواية التي قدمها الإمام مسلم بلفظ (لا نفقة لكِ) مع الأخذ بظاهر القرآن لا يبقى إشكال؛ لأن مُؤَدَّى هذا أن لها السكنى، لكن لما كان بيتها غير مأمون استأذنت الرسول ﷺ أن تتحول فأذن لها.
وأما على رواية (لا نفقة لك ولا سكنى) فينشأ الإشكال. فإما أن يحمل نفي السكنى على ما ظنته فاطمة بنت قيس، وهو أن حرمانها من السكنى مع أحمائها حرمان لها من أي حق في السكنى، فذهبت تقول ما روي عنها، وسبب حرمانها ما وقع منها من فحش القول على أهل مُطَلِّقِهَا -إن ثبت ذلك- أو يحمل نفي السكنى على أن زوجها لا يلزمه أن يسكنها في بيت غير البيت الأول الذي تحولت عنه، ولهذا اعتدت عند ابن مكتوم كما في رواية مسلم، والعلم عند الله تعالى (١).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز قبول قول المرأة في كون المنزل مأمونًا أو غير مأمون. وأنها لا تُكلف إقامة البينة على ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3449
ما جاء في عدة أم الولد
١١١٩/ ١٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال: لَا تُلْبِسُوا عَلَينَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنيُّ بالانْقِطَاعِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي ﵁ كان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، وكان من أهل الدهاء والسياسة، أسلم عام الحديبية حيث قَدِمَ هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة على رسول الله ﷺ فأسلموا جميعًا، وصحب رسول الله ﷺ واستعمله على غزوة ذات السلاسل وراء وادي القرى، كما بعثه رسول الله ﷺ يوم الفتح إلى سُواعَ صنمٍ لهذيل فهدمه، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، وهو الذي فتح مصر في عهد عمر ﵁، مات سنة ثلاث وأربعين، وله تسعون سنة ﵁ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، بابٌ "في عدة أم الولد" (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٢٠٨٣)، والدارقطني (٣/ ٣٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٥٨) كلهم من طريق عبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص، قال: لا تلبسوا علينا … الحديث.
ورواه أحمد (٢٩/ ٣٣٨) من طريق قتادة، عن رجاء بن حيوة، به.
стр. 3450
وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وكلام الحاكم فيه نظر، فإن مطرأ وهو الوراق استشهد به الشيخان ولم يحتجا به، وقبيصة لم يخرج له البخاري.
ومطر الوراق متكلم فيه، لكن تابعه قتادة عند أحمد، كما تقدم.
والحديث ضعيف، وعلته قول الدارقطني: (قبيصة لم يسمع من عمرو)، ونقل البيهقي عن عبد الله ابن الإمام أحمد أنه قال: (قال أبي: هذا حديث منكر) (١)، وضعفه ابن قدامة، ونَقَلَ عن ابن المنذر أنه قال: (ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص)، وقال محمد بن موسى -من كبار أصحاب أحمد- سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص، فقال: لا يصح، وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: أين سنة النبي ﷺ في هذا؟! (٢).
والحديث له علة ثالثة وهي الاضطراب، فقد روي كما تقدم، وروي (عدة أم الولد عدة الحرة) كما سيأتي، وروي: (عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر، فإذا عتقت فعدتها ثلاث حيض) (٣)، وقد لا تكون هذه علة إذا تمَّ الترجيح بين الروايات.
وقد روي موقوفًا من طريق ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، قال: سئل عمرو بن العاص عن عدة أم الولد، فقال: (لا تلبسوا علينا ديننا، إن تكن أمة فإن عدتها عدة حرة)، ورواه سليمان بن موسى، عن رجاء، عن قبيصة، عن عمرو موقوفًا (٤)، قال الدارقطني: (ورفعه قتادة ومطر الوراق، والموقوف أصح) (٥)، ومعنى أنه موقوف أنه قال: لا تلبسوا علينا ديننا، ولم يقل: سنة نبينا (٦).
стр. 3451
* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن عدة أم الولد -وهي الأمة التي وطئها السيد فأتت بولد، ثم مات عنها- فعدتها أربعة أشهر وعشر، وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والأوزاعي، وجماعة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والقول الثاني: أن عدتها حيضة، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول ابن عمر وعثمان وعائشة ﵃، وهو قول مالك، والشافعي، وآخرين (١)، ورجحه الصنعاني (٢).
واستدلوا بأن أم الولد المتوفى عنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض، فلم يبق إلا استبراء رحمها، وذلك بحيضة تشبيهأ لها بالأمة يموت عنها سيدها.
وفي المسألة أقوال أخرى لا داعي لذكرها، قال ابن رشد: (سبب الخلاف أنها مسكوت عنها، وهي مترددة الشبه بين الأمة وبين الحرة، وأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف، وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة، وهو مذهب أبي حنيفة) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3452
تفسير المراد بالأقراء
١١٢٠/ ١١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: إِنَّمَا الأقرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ في قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه مالك في "الموطأ" في كتاب "الطلاق"، باب "ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض" (٢/ ٥٧٦) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها انتقلت (١) حفصةَ بنتَ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة (٢)، قال ابن شهاب: فَذُكِرَ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن (٣)، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس، فقالوا: إن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، تدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار.
وهذا كما قال الحافظ: سند صحيح.
* الوجه الثاني: لا خلاف أن لفظ القُرْءِ في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لفظ مجمل، قال ابن عبد البر: (لم يختلف أهل اللغة والعلم بلسان العرب أن القرء يكون في اللسان العربي حيضة، ويكون طهرًا، ولا اختلف العلماء في ذلك أيضًا، وإنما اختلفوا في المعنى المراد بقوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .. ) (٤) وسبب الخلاف
стр. 3453
اشتراك القرء بين الطهر والحيض، كما سيتبين إن شاء الله.
قال أهل اللغة: القروء: الأوقات، الواحد: قُرء، وقد يكون حيضًا، وقد يكون طهرًا؛ لأن كل واحد منهما يأتي لوقت، وأقرأتِ المرأة إذا دنا حيضها، وأقرأتِ إذا دنا طهرها (١).
* الوجه الثالث: هذا الأثر من أدلة القائلين بأن المراد بالقرء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أنه الطهر، وهو الزمن الذي بين الحيضتين.
وهذا قول المالكية، والشافعية، والإمام أحمد في إحدى الروايتين، وداود، وأبي ثور، وابن حزم (٢)، واختاره الشنقيطي (٣).
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ووجه الاستدلال: أن اللام هي لام الوقت؛ أي: فطلقوهن في عدتهن، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة. فإذا طلقها في طهر فقد طلقها في عدة، ولو كانت الأقراء هي الحيض لكان قد طلقها قبل العدة.
كما استدلوا بحديث ابن عمر ﵄ المتقدم في أول كتاب "الطلاق"- وفيه: "ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بين أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض لكان طلقها قبل العدة لا في العدة، وكان ذلك تطويلًا عليها، وهو غير جائز كما لو طلقها في الحيض، قالوا: وهذا تفسير منه ﷺ للآية المتقدمة، وهذا الدليل -كما يقول الشنقيطي- فصل في محل النزاع؛ إذ لا يوجد دليل يقاومه لا من جهة
стр. 3454
الصحة ولا من جهة الصراحة (١).
كما استدلوا بأن إدخال التاء في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يدل على أن القرء مذكر، وهو الطهر، إذ لو كان للحيض لكان بغير تاء؛ لأن واحدها حيضة.
والقول الثاني: أن القرء هو الحيض، وهذا قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة (٢)، وقال به جماعة من التابعين كأصحاب ابن مسعود مثل علقمة والأسود وإبراهيم، وبه قال الشعبي والحسن وقتادة، وأصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير وطاوس، وبه قال سعيد بن المسيب، وهو قول الحنفية، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، فإنه رجع إلى هذا القول واستقر مذهبه عليه (٣).
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ووجه الاستدلال: أنه لو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث؛ لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء عند من يرى أن القرء هو الطهر، أما إذا حمل على الحيض فإن الاعتداد يكون بثلاث حيضات كوامل؛ لأن العدة تبدأ من الحيضة الأولى المستقبلة بعد الطهر الذي طلقها فيه.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى جعل الأشهر بدلًا عن الأقراء عند اليأس من الحيض، والمبدل هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل مقامه، فدل ذلك على أن المبدل هو الحيض، والبدل هي الأشهر.
стр. 3455
٣ - أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم يأت في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل متعين، قال النبي ﷺ في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها" (١).
وقد حصل بين الفريقين نقاش، وكل فريق يريد أن يحتج على أن اسم القرء في الآية ظاهر في المعنى الذي يراه، وقد أطال ابن القيم وغيره من أهل العلم الكلام في هذه المسألة، وحكى ما بين الفريقين من ردود ومناقشات (٢).
والأقرب -والله أعلم- هو القول الثاني، فإنه مؤيد بقول عشرة من الصحابة ﵃، ولا سيما الخلفاء الأربعة، وقد نقل الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: (إنه قول الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ) (٣).
وأما الاستدلال بتفسير عائشة ﵂ فقد خالفها من هو أعلم بمراد الله من كتابه وأفهم لمعناه كالخلفاء الأربعة ومن معهم، ولا يكاد يختلف الرجال والنساء في مسألة إلا وكان الصواب في الغالب في جانب الرجال (٤). ثم إن المقصود من العدة هو العلم ببراءة الرحم، وبراءته إنما تكون بالحيض لا بالطهر.
والفرق بين القولين أن من قال: إن الأقراء هي الأطهار رأى أن المطلقة الرجعية إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة عليها وحلت للأزواج، ومن قال: إنها الحيض لم تحل عنده حتى تنقضي الحيضة الثالثة، وزاد آخرون: وتغتسل منها (٥). والله تعالى أعلم.
стр. 3456
ما جاء في عدة الأمة
١١٢١/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيضَتَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ.
١١٢٢/ ١٣ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَخَالفُوهُ، فَاتَّفقُوا عَلَى ضَعْفِهِ.
* الكلام عليهما من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه الدارقطني في كتاب "الطلاق" و"الخلع" و"الإيلاء" وغيره (٤/ ٣٨) من طريق ابن شهاب، عن سالم، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: … فذكره هكذا موقوفًا.
وإسناده صحيح، كما قال الدارقطني، وقال عن وقفه: (إن هذا هو الصواب).
ورواه ابن ماجه (٢٠٧٩)، والدارقطني (٤/ ٣٨) من طريق عمر بن شبيب المُسْلِي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره هكذا مرفوعًا.
وهذا حديث منكر غير ثابت -كما قال الدارقطني- وذلك من وجهين:
الأول: أن عطية العوفي ضعيف، وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية.
الثاني: أن عمر بن شبيب المسلي ضعيف الحديث لا يحتج بروايته (١)،
стр. 3457
ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان وآخرون (١).
وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، بابٌ "في سنة طلاق العبد" (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، والحاكم (٢/ ٢٠٥) من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان"، قال أبو عاصم: حدثني مظاهر، حدثني القاسم، عن عائشة عن النبي ﷺ إلا أنه قال: "عدتها حيضتان".
وهذا حديث ضعيف اتفق الأئمة على تضعيفه؛ لأن في إسناده مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، وقد اتفق الأئمة على تضعيفه (٢)، قال أبو داود: (هو حديث مجهول)، وقال الترمذي: (حديث عائشة حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث) (٣).
وروى الدارقطني (٤/ ٤٠) بالسند الصحيح عن أبي عاصم النبيل أنه قال: (ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مظاهر هذا)، قال أبو بكر النيسابوري شيخ الدارقطني: (والصحيح عن القاسم خلاف هذا).
وأما قول الحاكم: (مظاهر بن أسلم شيخ أهل البصرة لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذن الحديث صحيح) فهو قول لم يوافقه عليه أحد، كما ذكر الحافظ.
* الوجه الثاني: استدل بهذا الأثر من قال: إن الأمة تطلق تطليقتين وتعتد قرءين، سواء أكانت تحت حر أم عبد، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة من الصحابة والتابعين (٤)، وهو مبني على أن الطلاق معتبر بالنساء، قالوا: ولأن المرأة محل الطلاق، فيعتبر بها كالعدة وقياسًا على الحد، فإنه ينصف في حق الأمة، فكذا الطلاق والعدة، وقد روى
стр. 3458
عبد الرزاق بسنده (١)، عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود ﵁. قال: (يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون عليها نصف الرخصة؟!) لكنه ضعيف لانقطاعه، فإن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، ودافع ابن القيم عن انقطاعه ردًّا على ابن حزم (٢).
وذكر ابن قدامة أنه قول عمر (٣) وعلي وابن عمر ﵃، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا.
وقد حكى العلماء خلاف الظاهرية في هذا كداود وابن حزم تبعًا لابن سيرين، وأن طلاق العبد كطلاق الحر، لعموم الأدلة الواردة في الطلاق، وأن عدة الأمة كعدة الحرة؛ لأن الظاهرية لا يأخذون بقول الصحابي في جملة مذهبهم، ورجح هذا الصنعاني (٤).
والذي يظهر أن الصواب ما ذهب إليه الصحابة ﵃ فإنهم أولى من اتباع الظاهرية، وقد نصر هذا القول ابن القيم، وقول الظاهرية قوي لولا ما نقل عن الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
стр. 3459
تحريم وطء الحامل من غير الواطئ
١١٢٣/ ١٤ - عَنْ رُوَيفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ لِامرِئٍ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيرِهِ"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ الْبَزَّارُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو رويفع -تصغير رافع- بن ثابت بن السكن الأنصاري النجاري المدني ﵁، قال الذهبي: (له صحبة ورواية)، سكن مصر، وأمَّره معاوية ﵁ على طَرَابُلُسَ سنة ست وأربعين، فغزا أفريقية، وتوفي بِبَرْقَةَ، وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلَّد سنة ست وخمسين، حدث عنه بُسْرُ بن عبد الله، وحَنَشُ الصنعاني وغيرهما (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ "في وطء السبايا" (٢١٥٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، قال: قام (٢) فينا خطيبًا، قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول يوم حنين، قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره"، يعني: إتيان الحبالى، "ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن
стр. 3460
يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم".
ورواه البزار في "مسنده" (٦/ ٢٩٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسن، عن رويفع به.
وابن إسحاق صرح بالتحديث في رواية عند أحمد (٢٨/ ٢٠٧) فإن ثبت هذا انتفت شبهة تدليسه.
ورواه الترمذي (١١٣١)، وابن حبان (١١/ ١٨٦) من طريق عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبيد الله، وعند ابن حبان: عن حَنَشِ بن عبد الله السبائي، كلاهما عن رويفع، بلفظ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره" هكذا مختصرًا عند الترمذي، وجاء مطولًا عند ابن حبان، ولفظ أبي داود هو لفظ "البلوغ".
وقال الترمذي: (حديث حسن).
والحديث في سنده ربيعة بن سليم، وقد ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٩٠)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٤٧٧) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٣٠١)، وفيه يحيى بن أيوب، إن كان الغافقي فهو صدوق- ربما أخطأ، والظاهر أنه هو (١).
وقد جاء في إسناد الترمذي أنه ربيعة بن سليم، وفي إسناد أبي داود أبو مرزوق، وهو التُّجِيبي، وأبو مرزوق قيل: اسمه: ربيعة بن سليم، وقيل: حبيب بن الشهيد، وهكذا أسماه الحافظ، كما في "الكنى" من "التقريب" وقال: (إنه ثقة)، ولم يذكر القول الأول، ولما ذكر ربيعة بن سليم قال عنه: (مقبول)، فإن كانا شخصًا واحدًا، وإلا فإن ربيعة بن سليم قد تابعه أبو مرزوق، كما عند أبي داود.
стр. 3461
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (يؤمن بالله) أي: يصدق به مع قبول شرعه والانقياد له.
قوله: (واليوم الآخر) أي: يوم القيامة وما فيه من الجزاء على الأعمال، والجملة صفة لامرئ، والغرض منها الحث على اجتناب ما ذكر، وبيان أنه من لوازم الإيمان ومقتضياته.
قوله: (أن يسقي ماءه زرع غيره) أي: يطأ امرأة وهي حبلى من غيره، ومعلوم أن الماء الذي يُسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه، فشبه وطء الحامل بساقي الزرع.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم وطء الحامل من غير الواطئ، وأن هذا منافي لكمال الإيمان بالله واليوم الآخر، وذلك لأن هذا الوطء سقي لزرع غيره، وهو ولد غيره، والواجب إمهالها هانظارها حتى تضع ما في بطنها، ثم يعقد عليها.
ولا فرق بين أن يكون هذا الحمل من عقد شرعي أو من شبهة أو من زنا، فليس لأحد أن يطأ ذات حمل حتى تضع، سواء أكان بعقد أو بشراء للأمة أو بسبي أو بغير ذلك.
* الوجه الخامس: استدل بعموم الحديث من قال: بأن المرأة إذا زنت وحملت من الزنا بأنه لا يحل نكاحها حتى تضع، لعموم قوله: "فلا يسقي مماءه زرع غيره"، وهذا قول أحمد ومالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف (١).
والقول الثاني: أنه يحل نكاحها وإن كانت حاملًا؛ لأن حمل الزنا لا حرمة له؛ لأنه وطء لا يلحق به النسب، فلم يُحَرِّم النكاح، فهو كما لو لم تحمل، وهذا قول الشافعي (٢).
стр. 3462
والصواب القول الأول، لما تقدم؛ لأن الزانية حامل من غيره، فحرم عليه نكاحها كسائر الحوامل، لأن في ذلك صيانة لنسب الزوج الصحيح عن الاختلاط بماء الزنا، وهذا كله مفرَّع على جواز نكاح الزانية، وقد تقدمت هذه المسألة في باب "اللعان".
* الوجه السادس: أن الإيمان بالله واليوم الآخر يستلزم الخضوع لشرع الله تعالى والوقوف عند حدوده. والله تعالى أعلم.
стр. 3463
حكم زوجة المفقود
١١٢٤/ ١٥ - عَنْ عُمَرَ ﵁ (في امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ) تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
١١٢٥/ ١٦ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ "امْرَأَتُهُ حَتى يَأتِيَهَا الْبَيَانُ"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عمر ﵁ فقد رواه مالك في كتاب "الطلاق"، باب "عدة التي تفقد زوجها" (٢/ ٥٧٥) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تحل).
ورواه الشافعي في "الأم" (٨/ ٦٥٦) عن مالك به.
وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع؛ لأن سعيدًا لم يسمع من عمر ﵁، وقد تقدم في "النكاح" أن مرويات سعيد عن عمر ﵁ حجة، للعلم بالواسطة، ولتقدم الطبقة، وللاهتمام بأحاديث عمر ﵁، فيكون الانقطاع الذي هو مظنة الضعف مندفعًا هنا.
ورواه البيهقي (٧/ ٤٤٥) من طريق أبي عمرو الشيباني، عن عمر ﵁، ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢١) من طريق ابن أبي ليلى، عن عمر، وابن أبي ليلى سمع من عمر على الأرجح، وقد صحح الحافظ ثبوته عن عمر ﵁ (١).
стр. 3464
وقد روى سعيد بن منصور في "سننه" (١٧٥٦)، والبيهقي (٧/ ٤٤٥) عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما قالا: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين. وصحح إسناده الحافظ، وقال: إنه ثبت ذلك عن عثمان وابن مسعود في رواية (١).
وروى عبد الرزاق (٧/ ٨٥)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٣٧) من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان ﵄ قضيا في المفقود أن امرأته تتربص أربع سنين .. ورواه مالك (٢/ ٥٧٥) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب مختصرًا عن عمر وحده.
وأما حديث المغيرة بن شعبة ﵁ فقد رواه الدارقطني (٣/ ٣١٢) من طريق محمد بن الفضل بن جابر، نا صالح بن مالك، نا سوار بن مصعب، نا محمد بن شرحبيل الهمداني، عن المغيرة بن شعبة، به مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف جدًّا، قال أبو حاتم: (هذا حديث منكر) (٢). فيه محمد بن شرحبيل، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (هو متروك الحديث، يروي أحاديث بواطيل مناكير) (٣).
وسوار بن مصعب قال عنه أحمد والدارقطني والنسائي: (متروك)، وقال البخاري: (منكر الحديث) (٤)، وصالح بن مالك قال ابن القطان: (لا يعرف).
ومحمد بن الفضل بن جابر قال عنه ابن القطان -أيضًا-: (لا يعرف حاله) (٥).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (في امرأة المفقود) المفقود: من خفي خبره، فلم يعلم أحي هو أم ميت؟؛ لسفر أو أسر ونحوهما.
стр. 3465
قوله: (تربص) هذا تعبير الحافظ، وليس في الحديث، كما تقدم، ومعناه: تنتظر مدة أربع سنين، فلا تتزوج.
قوله: (حتى يأتيها البيان) أي: خبر زوجها أحي هو أم ميت؟ ثم تبني حكمه على ما تبين لها.
* الوجه الثالث: استدل بهذا الأثر عن عمر ﵁ وما ذكر من آثار أخرى عن الصحابة ﵃ على أن امرأة المفقود تنتظر مدة أربع سنين منذ فقدت زوجها، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم تتزوج، وقد حمل الفقهاء هذا على من كان ظاهر غيبته الهلاك، كمن فقد من بين أهله لغير سبب معروف، أو فقد في غرق مركب، ونحو ذلك.
وهذا التقدير هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (١).
فإن كان ظاهر غيبته السلامة كالمسافر لتجارة أو طلب علم أر سياحة فهذا يضرب له أجل قدره تسعون سنة منذ ولد قطعًا للشك؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يعيش بعد ذلك.
والقول الثاني: أنه يرجع في تقدير المدة إلى اجتهاد الحاكم أو من يقوم مقامه كالقاضي، ولا يحدد الانتظار بأربع سنين ولا بتسعين ولا بغير ذلك، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، وظاهر مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد (٢)، لعدم الدليل على التحديد، وإذا تعذر الوصول إلى اليقين يرجع إلى غلبة الظن في كل مسائل الدين، فيجتهد القاضي في تقدير مدة الانتظار، ويختلف ذلك باختلاف الأوقات والوسائل التي تستعمل في البحث عن المفقود، ولا سيما في زماننا هذا الذي توفرت فيه وسائل المواصلات وأسباب الاتصال من الهواتف والبرقيات وغير ذلك، وهذا بخلاف الزمان السابق الذي لم يحصل فيه شيء من ذلك.
стр. 3466
وأما ما ورد عن الصحابة ﵃ فهي قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم، بخلاف دلالات اللفظ فهي على عمومها، كما علم في الأصول (١).
وإذا انتهت مدة الانتظار اعتدت عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا، ثم حلت للأزواج.
* الوجه الرابع: إذا تزوجت امرأة المفقود وبقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففي المسألة تفاصيل موضعها كتب الفقه، وهي مبنية على الاجتهاد، وأرجح الأقوال أن زوجها الأول إذا قدم فهو بالخيار مطلقًا، سواء أقدم قبل وطء الثاني أم بعده، وقد قضى بالخيار عمر وعثمان وعلي ﵃، قال الموفق: (وهذه قضايا انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعًا) (٢).
فإن أبقاها الزوج الأول للثاني فهي له، ويأخذ منه صداقه، وإن أخذها فهي له، ولا يرجع الثاني عليها بشيء (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3467
تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية
١١٢٦/ ١٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
١١٢٧/ ١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث جابر ﵁ فقد رواه مسلم في كتاب "السلام"، باب "تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها" (٢١٧١) من طريق هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم".
وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه البخاري في كتاب "النكاح"، باب "لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة" (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١) من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري، وزاد: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حَاجَّةً، واكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: "ارجع فحج مع امرأتك". ولفظ مسلم: "لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم".
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (لا يبيتن) مضارع، ماضيه بات فلان ليلًا؛ أي: فعل ذلك الفعل في الليل، ولا يكون إلا مع سهر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ
стр. 3468
لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقد أنكر كثير من علماء اللغة مجيء بات بمعنى نام (١).
والمعنى: أنه لا يمكث عندها بالليل خاليًا بها، ومفهومه أنه يجوز له البقاء عندها في النهار خلوة أو غيرها، لكن حديث ابن عباس الذي يليه دل على المنع من الخلوة مطلقًا ليلًا أو نهارًا.
قوله: (عند امرأة ثيب) هذه اللفظة ثابتة في "صحيح مسلم" وليست في "البلوغ"، والثيب: من قد تزوجت، ووجه تخصيصها:
١ - أنها هي التي يُدخل عليها غالبًا، بخلاف البكر؛ فإنها مصونة في العادة، مجانبة للرجال.
٢ - أنه إذا نُهي عن الدخول على الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فتكون البكر من باب أولى.
قوله: (إلا أن يكون ناكحًا) أي: زوجًا لها.
قوله: (أو ذا محرم) أي: صاحب حرمة، وذلك بأن تكون المرأة من ذوات محارمه، وهي التي لا يجوز له الزواج بها، وهي من حرمت بالنسب؛ أي: بالقرابة كالأم والبنت والأخت، أو حرمت بالرضاع كأمه من الرضاع أو أخته، أو بالمصاهرة كأم زوجته وزوجة أبيه أو نحو ذلك.
قوله: (إلا مع ذي محرم) استثناء منقطع؛ لأن وجود المحرم ليس خلوة، أو تسميته خلوة تسامح.
* الوجه الثالث: حديث جابر ﵁ دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يبيت عند امرأة إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم منها كأخيها أو عمها ونحو ذلك؛ لأن الشيطان حريص على إغواء الناس وإيقاعهم في الذنوب والمعاصي، ولا سيما في المبيت؛ لأنه محل السكن وانقطاع الاتصال بالناس، ومثل هذا مظنة إيقاع الفاحشة بها، وإذا نهي عن الخلوة بالأجنبية ولو
стр. 3469
لمدة قصيرة فالمبيت من باب أولى؛ لأن الخطر فيه أكثر، وقد قال النبي ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان" (١).
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (لكن في مثل زماننا هذا قد يُتهم المحرم، سواء أكان من النسب أم من الرضاعة، فينبغي للمرأة التَّوَقِّي ولو كان محرمًا؛ لأن بعض المحارم لا يؤمن، فلا يبيت عندها إلا إذا كان معها غيرها من النساء، فالحاصل أن المقام مقام عظيم خطير، والواجب على المرأة أن تتحرى أسباب الأمن وتبتعد عن أسباب الخطر) (٢).
* الوجه الرابع: حديث ابن عباس ﵄ أعم من حديث جابر ﵁ حيث دل على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ليلًا أو نهارًا، لما يترتب على الخلوة من المفاسد العظيمة؛ لأنه إذا اجتمع نقصان الإيمان وضعف النفوس ووجود الدوافع إلى المعصية وقع المُحَرَّمُ، وتحريم الخلوة من باب تحريم الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد، فنهيُ الشرع عن الخلوة ابتعادًا عن الشر وأسبابه.
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخولَ على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول لله، أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ الموتُ" (٣). والحمو: قريب الزوج كالأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن يحل له أن يتزوج بها لو لم تكن متزوجة، ومعناه: أن الحمو مثل الموت؛ لما يترتب على دخوله الذي لا ينكر من الهلاك الديني، والدمار الأمدي، والناس قد يتساهلون به، فيحصل من ذلك ما لا تحمد عقباه، وإذا نهي عند الدخول فالنهي عن الخلوة من باب أولى.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على كمال الشريعة الإسلامية وحرصها على صون الأعراض ومنع الفساد. والله تعالى أعلم.
стр. 3470
وجوب استبراء المسبية
١١٢٨/ ١٩ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قَال: في سَبَايَا أَوْطَاسٍ: "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتى تَضَعَ وَلَا غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتى تَحِيضَ حَيضَةً"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.
١١٢٩/ ٢٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في الدَّارَقُطْنيِّ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي سعيد ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب "في وطء السبايا" (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ١٩٥) من طريق شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، وَرَفَعَهُ، أنه قال في سبايا أوطاس … وذكر الحديث.
قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، وليس الأمر كما قال الحاكم؛ لأن شريكًا -وهو ابن عبد الله القاضي- إنما أخرج له مسلم مقرونًا، وهو سيء الحفظ. وقد اختلف على شريك في هذا الإسناد، فرواه عن قيس -كما تقدم- ورواه عن إسحاق السبيعي، ورواه عن قيس مقرونًا بإسحاق، ثم إن شريكًا لم يتابع على هذا اللفظ عن إسحاق، -فيما أعلم- فقد روى الحديث علية أصحاب إسحاق كشعبة والثوري وغيرهما بغير هذا اللفظ (١).
وقد حسن الحافظ هذا الحديث في "التلخيص" (٢)، ولعل هذا باعتبار