← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

وأما ما ورد عن الصحابة ﵃ فهي قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم، بخلاف دلالات اللفظ فهي على عمومها، كما علم في الأصول (١). وإذا انتهت مدة الانتظار اعتدت عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا، ثم حلت للأزواج. * الوجه الرابع: إذا تزوجت امرأة المفقود وبقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففي المسألة تفاصيل موضعها كتب الفقه، وهي مبنية على الاجتهاد، وأرجح الأقوال أن زوجها الأول إذا قدم فهو بالخيار مطلقًا، سواء أقدم قبل وطء الثاني أم بعده، وقد قضى بالخيار عمر وعثمان وعلي ﵃، قال الموفق: (وهذه قضايا انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعًا) (٢). فإن أبقاها الزوج الأول للثاني فهي له، ويأخذ منه صداقه، وإن أخذها فهي له، ولا يرجع الثاني عليها بشيء (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3467

تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ١١٢٦/ ١٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ١١٢٧/ ١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁ فقد رواه مسلم في كتاب "السلام"، باب "تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها" (٢١٧١) من طريق هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم". وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه البخاري في كتاب "النكاح"، باب "لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة" (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١) من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري، وزاد: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حَاجَّةً، واكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: "ارجع فحج مع امرأتك". ولفظ مسلم: "لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم". * الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (لا يبيتن) مضارع، ماضيه بات فلان ليلًا؛ أي: فعل ذلك الفعل في الليل، ولا يكون إلا مع سهر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ

стр. 3468

لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقد أنكر كثير من علماء اللغة مجيء بات بمعنى نام (١). والمعنى: أنه لا يمكث عندها بالليل خاليًا بها، ومفهومه أنه يجوز له البقاء عندها في النهار خلوة أو غيرها، لكن حديث ابن عباس الذي يليه دل على المنع من الخلوة مطلقًا ليلًا أو نهارًا. قوله: (عند امرأة ثيب) هذه اللفظة ثابتة في "صحيح مسلم" وليست في "البلوغ"، والثيب: من قد تزوجت، ووجه تخصيصها: ١ - أنها هي التي يُدخل عليها غالبًا، بخلاف البكر؛ فإنها مصونة في العادة، مجانبة للرجال. ٢ - أنه إذا نُهي عن الدخول على الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فتكون البكر من باب أولى. قوله: (إلا أن يكون ناكحًا) أي: زوجًا لها. قوله: (أو ذا محرم) أي: صاحب حرمة، وذلك بأن تكون المرأة من ذوات محارمه، وهي التي لا يجوز له الزواج بها، وهي من حرمت بالنسب؛ أي: بالقرابة كالأم والبنت والأخت، أو حرمت بالرضاع كأمه من الرضاع أو أخته، أو بالمصاهرة كأم زوجته وزوجة أبيه أو نحو ذلك. قوله: (إلا مع ذي محرم) استثناء منقطع؛ لأن وجود المحرم ليس خلوة، أو تسميته خلوة تسامح. * الوجه الثالث: حديث جابر ﵁ دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يبيت عند امرأة إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم منها كأخيها أو عمها ونحو ذلك؛ لأن الشيطان حريص على إغواء الناس وإيقاعهم في الذنوب والمعاصي، ولا سيما في المبيت؛ لأنه محل السكن وانقطاع الاتصال بالناس، ومثل هذا مظنة إيقاع الفاحشة بها، وإذا نهي عن الخلوة بالأجنبية ولو

стр. 3469

لمدة قصيرة فالمبيت من باب أولى؛ لأن الخطر فيه أكثر، وقد قال النبي ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان" (١). يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (لكن في مثل زماننا هذا قد يُتهم المحرم، سواء أكان من النسب أم من الرضاعة، فينبغي للمرأة التَّوَقِّي ولو كان محرمًا؛ لأن بعض المحارم لا يؤمن، فلا يبيت عندها إلا إذا كان معها غيرها من النساء، فالحاصل أن المقام مقام عظيم خطير، والواجب على المرأة أن تتحرى أسباب الأمن وتبتعد عن أسباب الخطر) (٢). * الوجه الرابع: حديث ابن عباس ﵄ أعم من حديث جابر ﵁ حيث دل على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ليلًا أو نهارًا، لما يترتب على الخلوة من المفاسد العظيمة؛ لأنه إذا اجتمع نقصان الإيمان وضعف النفوس ووجود الدوافع إلى المعصية وقع المُحَرَّمُ، وتحريم الخلوة من باب تحريم الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد، فنهيُ الشرع عن الخلوة ابتعادًا عن الشر وأسبابه. وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخولَ على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول لله، أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ الموتُ" (٣). والحمو: قريب الزوج كالأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن يحل له أن يتزوج بها لو لم تكن متزوجة، ومعناه: أن الحمو مثل الموت؛ لما يترتب على دخوله الذي لا ينكر من الهلاك الديني، والدمار الأمدي، والناس قد يتساهلون به، فيحصل من ذلك ما لا تحمد عقباه، وإذا نهي عند الدخول فالنهي عن الخلوة من باب أولى. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على كمال الشريعة الإسلامية وحرصها على صون الأعراض ومنع الفساد. والله تعالى أعلم.

стр. 3470

وجوب استبراء المسبية ١١٢٨/ ١٩ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قَال: في سَبَايَا أَوْطَاسٍ: "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتى تَضَعَ وَلَا غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتى تَحِيضَ حَيضَةً"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. ١١٢٩/ ٢٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في الدَّارَقُطْنيِّ. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي سعيد ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، باب "في وطء السبايا" (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ١٩٥) من طريق شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، وَرَفَعَهُ، أنه قال في سبايا أوطاس … وذكر الحديث. قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وسكت عنه الذهبي، وليس الأمر كما قال الحاكم؛ لأن شريكًا -وهو ابن عبد الله القاضي- إنما أخرج له مسلم مقرونًا، وهو سيء الحفظ. وقد اختلف على شريك في هذا الإسناد، فرواه عن قيس -كما تقدم- ورواه عن إسحاق السبيعي، ورواه عن قيس مقرونًا بإسحاق، ثم إن شريكًا لم يتابع على هذا اللفظ عن إسحاق، -فيما أعلم- فقد روى الحديث علية أصحاب إسحاق كشعبة والثوري وغيرهما بغير هذا اللفظ (١). وقد حسن الحافظ هذا الحديث في "التلخيص" (٢)، ولعل هذا باعتبار

стр. 3471

شواهده، فإن الحديث له شواهد، ومنها حديث رويفع السابق، ومنها: الحديث الثاني وهو حديث ابن عباس ﵄، وقد رواه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٩٧) عن أحمد بن عمرو، والدارقطني (٣/ ٢٥٧) عن أبي محمد بن صاعد، كلاهما عن عبد الله بن عمران العائذي بمكة، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مسلم الجَنَدي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض. قال لنا ابن صاعد: (وما قال لنا في هذا الإسناد أحد عن ابن عباس إلا العائذي). وهذا إعلال له بالإرسال، فإن تفرد العائذي بوصله عن بقية أصحاب ابن عيينة علة قوية. وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس مرسلًا. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٣٧٠) عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس مرسلًا أيضًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (في سبايا أوطاس) هذا على حذف مضاف؛ أي: في شأن سبايا أوطاس، والسبايا: جمع سبية كعطايا وعطية، يقال: سبيت العدو سبيًا: أسرته. وأوطاس: اسم واد في الطائف، تجمَّع فيه المنهزمون من هوازن وحلفائها بعد حنين، فأرسل إليهم النبي ﷺ سرية بقيادة أبي عامر الأشعري فقاتلهم حتى قتل، وتولى القيادة بعده أبو موسى الأشعري فقاتلهم حتى بددهم وشردهم. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يجب على السابي استبراء المسبية إذا أراد وطأها، والمراد بالاستبراء -كما تقدم-: التربص للعلم ببراءة رحمها، فإن كانت حاملًا فاستبراؤها بوضع حملها، لهذا الحديث، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وإن كانت غير حامل وهي ممن تحيض فاستبراؤها بحيضة كاملة، وإن كانت آيسة فبمضي شهر واحد من دخولها في ملكه.

стр. 3472

ويدخل في عموم الحديث من ملك أمة بشراء أو هبة أو غير ذلك من أسباب الملك، وكانت المملوكة ممن يوطأ مثلها. * الوجه الرابع: أخذ بعموم الحديث من قال: إن الاستبراء واجب، سواء ملك الأمة من صغير لم يبلغ أو من امرأة، وسواء كانت بكرًا أم ثيبًا؛ ولأن العدة تجب مع العلم ببراءة الرحم. والقول الثاني: أنه لا يجب الاستبراء إذا ملكها من طفل أو امرأة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١)؛ لأن المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، وحيث تيقن المالك براءة رحم الأمة فله وطؤها ولا استبراء عليه. فإن قيل: ألا يمكن أن يكون أحد زنى بها؟ فالجواب: بلى، لكن الأصل عدم ذلك (٢). وكذا لو ملكها وهي بكر فلا استبراء عليه على أحد القولين، وهو قول ابن عمر ﵄، ذكره عنه البخاري (٣). وهو قول داود (٤)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)؛ لأن الحكم يدور مع علته. وقال الجمهور يجب عليه الاستبراء؛ لعموم الحديث. * الوجه الخامس: في قوله: "لا توطأ حامل" دليل على جواز مقدمات الوطء كالتقبيل واللمس والاستمتاع بها فيما دون الفرج؛ لأن النبي ﷺ إنما نهى عن الوطء، وهذا رواية عن أحمد في المسبية (٦). والقول الثاني: تحريم ذلك كله سدًّا للذريعة؛ لأنه ربما لم يملك نفسه فيجامعها؛ ولأنه استبراء يحرم الوطء، فحرم الاستمتاع كالعدة (٧). والله تعالى أعلم.

стр. 3473

ما جاء في أن الولد للفراش دون الزاني ١١٣٠/ ٣١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِهِ. ١١٣١/ ٢٢ - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ في قِصَّةٍ. ١١٣٢/ ٢٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسعودٍ ﵁ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. ١١٣٣/ ٢٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ عِنْدَ أبي دَاوُدَ. * الكلام عليها من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الحدود"، بابٌ "للعاهر الحجر" (٦٨١٨) من طريق شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: … وذكر الحديث. ورواه مسلم (١٤٥٨) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، بمثله مرفوعًا. وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه البخاري في الباب المذكور (٦٨١٧)، ومسلم (١٤٥٧) من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إليَّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة" قالت: فلم ير سودة قط. وهذا لفظ مسلم.

стр. 3474

أما حديث ابن مسعود ﵁ فقد رواه النسائي في كتاب "الطلاق" باب "إلحاق الولد بالفراش إذا لم يَنْفِهِ صاحب الفراش" (٦/ ١٨١) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" قال النسائي عقبه: (ولا أحسب هذا عن عبد الله بن مسعود، والله تعالى أعلم). وقد أُعل هذا الحديث بالإرسال، فقد قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما هو مغيرة عن أبي وائل مرسلًا أن النبي ﷺ ، قال محمد: وإنما هو: قال عبد الله بن حذافة للنبي ﷺ ) (١). والمراد: أن البخاري يرجح أن هذا الحديث حديث عبد الله بن حذافة لا حديث عبد الله بن مسعود، وهو ما يدل عليه كلام النسائي المذكور، وقد عزاه الهيثمي إلى الطبراني (٢). وذكر الدارقطني في "العلل" وَصْلَهُ عن أبي وائل، عن عبد الله، وإرساله عن أبي وائل عن النبي ﷺ ، ثم قال: (ورفعه صحيح) (٣). وأما حديث عثمان ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "الطلاق"، باب "الولد للفراش" (٢٢٧٥) من طريق مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي، عن رباح، قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها، فولدت غلامًا أسود مثلي، فسميته عبد الله، ثم وقعت عليها فولدت غلامًا أسود مثلي، فسميته عبيد الله، ثم طَبِنَ (٤) لها غلام لأهلي رومي يقال له: يُوحَنَّه، فراطنها بلسانه، فولدت غلامًا كأنه وَزَغة من الوزغات (٥)، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ليوحنه، فرفعنا إلى عثمان أحسبه قال مهدي: قال: فسألهما، فاعترفا، فقال لهما:

стр. 3475

أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؟ إن رسول الله ﷺ قضى أن الولد للفراش، وأحسبه قال: فجلدها، وجلده وكانا مملوكين. وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه رباحًا الكوفي، وهو مجهول، كما في "التقريب"، وفي سنده اختلاف ذكره الدارقطني (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (الولد للفراش) هذا على حذف مضاف؛ أي: لصاحب الفراش والواطئ على الفراش، والمعنى: أنه تابع أو محكوم به له، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية، وقد جاء الحديث بلفظ: "الولد لصاحب الفراش" عند البخاري (٢). والعرب تكني عن المرأة بالفراش، ولا تكون المرأة فراشًا إلا بالعقد والدخول المتحقق على الراجح، كما سيأتي. قوله: (وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني، والعَهَر: بفتحتين: الزنا والفجور، يقال: عَهِرَ من باب تَعِبَ: فَجَرَ، فهو عاهر، وعَهَرَ عُهورًا من باب قعد لغة (٣). والحجر: معروف. والمعنى: أن الولد لصاحب الفراش وهو الزوج فيلحق به، وللعاهر الخيبة والحرمان ولا حق له في الولد، وهذا لا ينافي إقامة الحد عليه على حسب حاله. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الولد يحكم به للفراش؛ لأن النسب يحتاط في إثباته حفظًا للنسل وصيانة للعرض، فماذا ولد للزوج ولد وأمكن كونه منه فهو ولده في الحكم إلا أن ينفيه باللعان التام (٤)، ولهذا حكم النبي ﷺ بأن الولد لزمعة؛ لأنه هو صاحب الفراش، قال ابن دقيق العيد: (الحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم) (٥).

стр. 3476

وثبوت النسب بالفراش مجمع عليه -كما يقول ابن القيم- وهو إحدى الجهات الأربع التي يثبت بها النسب، وهي الفراش، والاستلحاق، والبينة، والقافة، والثلاثة الأولى مجمع عليها (١). والفراش هي الزوجة أو الأمة، والزوجة لا تكون فراشًا بمجرد عقد النكاح، وإن كان عقد النكاح مقصودًا به الوطء، وإنما تكون فراشًا بالعقد والدخول المحقق، إما باعتراف الزوج أو بالبينة الدالة على ذلك، وهذا رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٢)، ورجحه الصنعاني (٣). والقول الثاني: أن الزوجة تعتبر فراشًا بمجرد العقد وإن علم أن الزوج لم يجتمع بها، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول ضعيف؛ لأن العقد لا تأثير له في إثبات النسب، وإلا لجاز نسب الولد إلى من لم يبلغ التاسعة من عمره (٤). والقول الثالث: أنها تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الوطء، وهو قول الشافعي وأحمد. والصواب الأول؛ لأنه مقتضى الدليل اللغوي؛ لأن المرأة لا تكون فراشًا إلا بحقيقة الوطء، ولا يمكن أن يفترشها زوجها إلا إذا جامعها، ثم هو مقتضى دليل العقل، فإنه -كما يقول ابن القيم- كيف تصير المرأة فراشًا لرجل لم يدخل بها ولم يَبْنِ بها؟ وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسبٍ بمن لم يبن بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها (٥)؟! أما الأمة فلا تصير فراشًا إلا بالوطء -على قول الجمهور- والفرق بينهما أن الزوجة تراد للوطء خاصة، فجعل العقد عليها كالوطء عند من يقول به، بخلاف الأمة فإنها تراد لملك الرقبة، وأنواع المنافع غير الوطء. ولا يلحق الولد بالفراش إلا إذا أمكن كونه منه، كأن تلده لأكثر من ستة

стр. 3477

أشهر منذ أن تزوجها؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر بالإجماع، وأما أكثره فهو موضع خلاف، وقد روي عن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري أنه سنة، وهذا يؤيده ما قرره أهل الذكر من رجال الطب الشرعي في هذه المسألة من أن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنة (١)، فإن لم يمكن كونه منه كأن تلده لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها لم يلحق به، وفي المسألة تفاصيل محلها كتب الفقه. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الزنا لا يثبت به النسب، لقوله: "وللعاهر الحجر"، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو المذهب عند الحنابلة، فإذا ادعى الزاني أن الولد ولده لم يلحق به، كما استدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قضى فيمن استلحقه الورثة بعد موت المورث أنه إن كان من أمة كان يملكها المورث حين أصابها فإنه يلحقه من وقت الاستلحاق ما لم يكن المورث قد أنكره قبل موته، وإن كان من أمة لم تكن مملوكة له أو من حرة عَاهَرَ بها فإنه لا يلحقه ولو كان هو الذي ادعاه في حياته (٢). وهذا نص صريح في اعتبار الفراش وعدم اعتبار الزنا أساسًا لثبوت النسب. والقول الثاني: أنه إذا استلحقه ولم ينازعه أحد فإنه يلحق به (٣)، حفظًا لنسب هذا الطفل؛ لئلا يضيع نسبه ولئلا يُعَيَّر، وهذا قول الحسن البصري وإسحاق بن راهويه وجماعة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٤). ثم إن الفقهاء ذكروا في باب "الإقرار بمشارك في الميراث" أن الورثة لو أقروا بوارث للميت ثبت نسبه بشروط معروفة في محلها، فهكذا هنا، وقوله: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" جملتان متلازمتان؛ أي: إذا نازع الزاني صاحب فراش في الولد، فالولد للفراش، بدليل حديث الباب. لكن هذا القيد لم يدل عليه دليل (٥).

стр. 3478

* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن حكم الفراش مقدم على الشَّبَهِ، وأن حكم الشبه إنما يُعتمد عليه في إلحاق النسب إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش، بدليل أن النبي ﷺ لم يلتفت هنا إلى شبه الغلام بعتبة؛ لوجود ما هو أقوى منه، وهو الفراش. * الوجه السادس: أمر النبي ﷺ زوجته سودة بنت زمعة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع؛ لأنه في ظاهر الشرع أخوها؛ لأنه الحق بأبيها زمعة، لكن لما رأى النبي ﷺ الشبه بينه وبين عتبة بن أبي وقاص قويًّا خشي أن يكون من مائه، فيكون أجنبيًّا منها، فأمرها بالاحتجاب منه تورعًا. ويستفاد من ذلك أن المرأة إذا شكت في قرابة أحد محارمها فإنها تحتجب عنه احتياطًا وتورعًا، ولا تتساهل في أمر مشتبه فيه. والله تعالى أعلم.

стр. 3479

باب الرضاع الرضاع في اللغة: بكسر الراء وفتحها، مصدر رَضَعَ الصبيُّ الثديَ رضعًا ورِضَاعة ورضاعًا؛ أي: مصَّه (١). وشرعًا: اسم لحصول لبن امرأة في معدة طفل بأي وسيلة كان. فالمقصود أن اللبن يصل إلى معدة الطفل، سواء وصل إليها عن طريق الثدي، وهو الغالب، أو عن طريق الرضاعة الصناعية، أو شَرِبَهُ من إناء أو نحو ذلك، خلافًا لابن حزم حيث قصر الحكم على المص من الثدي بفيه فقط (٢)، كأنه لَحَظَ مسمى الرضاع، وأما غيره فقد لحظ المعنى من الرضاع، وهو الأقرب. وإذا تم الرضاع بشروطه نشر الحرمة، وهي أن يكون الطفل المرتضع ولدًا للمرضعة في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية في السفر، وولد من نُسب لبنها إليه. ولا يؤثر الرضاع في بقية أحكام النسب، فلا يصير ولدًا للمرضعة في وجوب نفقتها عليه، وكونها ترثه ويرثها، وكذا الولاية في النكاح والمال، فهذه وما ماثلها لا تترتب على الرضاع؛ لأنه لا يساوي النسب في القوة، فلا يساويه في الأحكام، وإنما يُشَبَّهُ به فيما نُصَّ عليه، كما سيأتي إن شاء الله. والأصل في ثبوت حكم الرضاع الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].

стр. 3480

وأما السنة: فأحاديث الباب، وقد أجمعت الأمة على التحريم بالرضاع وإن اختلفت في بعض فروعه. والحكمة في جعل الرضاع سببًا للتحريم: أن جزء المرضعة وهو اللبن صار جزءًا للرضيع باغتذائه به، فأشبه منيَّها وحيضها في النسب (١).

стр. 3481

ما جاء في الرضعة والرضعتين ١١٣٤/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الرضاع"، بابٌ "في المصة والمصتين" (١٤٥٠) من طريق ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ مرفوعًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا تحرم) بضم التاء، وفتح الحاء، وتشديد الراء مكسورة؛ أي: لا تمنع الزواج، ولا يثبت بها التحريم، بحيث يكون الرجل محرمًا للمرأة. قوله: (المصة والمصتان) المصة: هي المرة الواحدة من المص، والمراد بها: الرضعة، وهي تناول الثدي برفق وامتصاصه لبنه مرة واحدة، وفي رواية: "الإملاجة والإملاجتان" وهي بكسر الهمزة والجيم المفتوحة المخففة، وهي المصة، يقال: مَلَجَ الصبي أمه ملجًا: رضعها، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أملجته، والمرة من الثلاثي ملجة، ومن الرباعي إملاجة (١). * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصة والمصتين لا تحرمان؛ لأنهما يسيرتان، والرضاع المؤثر ما كان له أثر على الرضيع، كما سيأتي.

стр. 3482

* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث داود الظاهري وأتباعه على أن الرضاع المحرم ثلاث رضعات فصاعدًا، أخذًا بمفهوم الحديث، وهذا قول ضعيف؛ لأن هذا المفهوم عارضه منطوق أقوى منه، وهو حديث عائشة ﵂ الآتي (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرِّمْنَ، ثم نسخن بخمس معلومات .. الحديث) والله تعالى أعلم.

стр. 3483

ما جاء أن الرضاع المحرم هو ما يسد الجوع ١١٣٥/ ٢ - وَعَنْهَا ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: أخرجه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب "الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم" (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥) من طريق مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، فقال: "يا عائشة من هذا؟ " قلت: أخي من الرضاعة، قال: "يا عائشة انظرن … " الحديث، وهذا لفظ البخاري. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (انظرن) أي: تأملن. قوله: (من إخوانكن) أي: من الرضاع، وذلك بالنظر في الرضاع هل هو رضاع تثبت به الحرمة لتحقق شروطه أو لا؟ ولعل الغرض من هذه الجملة التنبيه على الزمن الذي تثبت به حرمة الرضاع، خشية أن يكون الرضاع وقع حالة الكبر بحيث لا يترتب عليه أحكامه (١).

стр. 3484

قوله: (فإنما الرضاعة من المجاعة) أسلوب قصر، والمجاعة: بفتح الميم خلو المعدة من الطعام؛ أي: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية أو المطعمة من المجاعة، والمعنى: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي ما أذهب الجوع بحيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته، فينمو منه وينبت لحمه، فيصير كجزء من المرضعة. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن مطلق الرضاع لا يحرم، وإنما الذي يحرم هو ما يسد الجوع، ويغذي الطفل، فيكون حينئذٍ كالجزء من المرضعة، فيصير كأحد أولادها، تغذى في بطنها وصار بضعة منها. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي التثبت من وجود الرضاع المحرم، من حيث زمانه ومن حيث عدده؛ لأن من الرضاع ما لا تثبت به المحرمية. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه يجب على الرجل أن يكون عنده غيرة على أهله ومحارمه من مخالطة الأجانب، وأن الرجل يسأل زوجته عما يشكل عليه، بشرط ألا يصل الأمر إلى حَدِّ الشكوك والأوهام. * الوجه السادس: في الحديث دليل على أنه يقبل قول المرأة فيمن اعترفت برضاعه مع الإرشاد إلى الاحتياط في ذلك. * الوجه السابع: جاء الرضاع في القرآن مطلقًا، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وظاهره ثبوت حكم الرضاع بمطلق الرضاع قل أو كثر، لكن هذا الحديث قيد مطلق القرآن. والله تعالى أعلم.

стр. 3485

حكم رضاع الكبير ١١٣٦/ ٣ - وعَنْها ﵂ قَالتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيلٍ فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبي حُذَيفَةَ مَعَنَا في بَيتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. فَقَال: "أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيهِ" رَوَاهُ مُسْلِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الرضاع"، باب "رضاعة الكبير" (١٤٥٤) (٢٧) من طريق القاسم، عن عائشة ﵂ أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت -تعني ابنة سهيل- النبي ﷺ فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوه، وإنه يدخل علينا، وإني أظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال النبي ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه، يذهب الذي في نفس أبي حذيفة" فرجعتْ، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. * الوجه الثاني: في ألفاظه: قوله: (سهلة بنت سهيل) هي زوجة أبي حذيفة بن عتبة ﵁، أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة ﵄ (١). قوله: (إن سالمًا) هو سالم بن معقل، نشأ في بيت أبي حذيفة وتبناه، فكان يقال له: سالم بن أبي حذيفة، وكان مولى لامرأة من الأنصار، وقد

стр. 3486

أنكحه أبو حذيفة بنت أخيه هندًا (١) بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان سالم من فضلاء الصحابة وقُرَّاءِ القرآن، وقد تقدم في أبواب "الإمامة" أنه كان يؤم المهاجرين الأولين في العُصْبة -موضع بقباء- قبل مقدم رسول الله ﷺ ، وكان أكثرهم قرآنًا (٢)، واستشهد هو ومولاه أبو حذيفة يوم اليمامة في خلافة الصديق ﵁ سنة ثنتي عشرة ﵁ (٣). قوله: (مولى أبي حنيفة) أي: حليف أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبنى سالمًا؛ أي: اتخذه ابنًا له قبل أن يُبطل الإسلام التبني، فلما أبطل الله التبني صار سالمًا أجنبيًّا من المرأة. وأبو حذيفة هو مُهشِّم أو هاشم أو هشيم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ﵁، أسلم قبل وصول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر هو وزوجته سهلة بنت سهيل الهجرتين، وصلى للقبلتين، وشهد بدرًا وما بعدها، وأراد مبارزة أبيه يوم بدر، وقد استشهد يوم اليمامة، كما تقدم وهو ابن ست وخمسين سنة على أحد الأقوال (٤). قوله: (وقد بلغ ما يبلغ الرجال) أي: أدرك الحلم وصار بالغًا. وجاء في رواية عند مسلم: (وكيف أرضعه وهو رجل كبير) وفي رواية: (إنه ذو لحية). * الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: بجواز رضاع البالغ وأن حرمة الرضاع تثبت برضاع البالغ كما تثبت برضاع الطفل، وهذا قول عائشة ﵂، وروي عن عطاء والليث وداود، ونصره ابن حزم ورد حجج المخالفين (٥).

стр. 3487

وكانت نساء النبي ﷺ كلهن على خلاف قول عائشة ﵂، فقد روى مسلم عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول: (أبي سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا) (١). وذهب الجمهور من أهل العلم من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار إلى أن رضاع البالغ لا يحرم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ [لبقرة: ٢٣٣] وبالحديث المتقدم: "إنما الرضاعة من المجاعة" قالوا: فهذا نص خرج مخرج الحصر، دالٌّ على أن حكم الرضاعة خاص بمن يشبعه اللبن، ويكون غذاءه لا غير، وهذا لا يتأتى في رضاع الكبير. كما استدلوا بحديث أم سلمة الآتي. وأجابوا عن قصة سالم بأنها خاصة به خصوصية عين لا تتعداه إلى غيره، وقد حكم بالخصوصية أمهات المؤمنين، كما تقدم، أو أنها منسوخة، قال الشافعي: (وهذا -والله تعالى أعلم- في سالم مولى أبي حذيفة خاصة) (٢). وقال ابن المنذر: (وليس تخلو قصة سالم أن تكون منسوخًا أو خاصًّا بسالم كما قالت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ وهن بالخاص والعام والناسخ والمنسوخ أعلم) (٣). واختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز (٤). والقول الثالث: أن الحكم خاص بسالم وبمن يشبه حاله، وهذه خصوصية وصف، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، واختاره ابن القيم (٦)، والصنعاني تبعًا للشارح حسين بن محمد المغربي، ومن بعدهما الشوكاني (٧).

стр. 3488

والقول بالخصوصية نوقش من ثلاثة أوجه: ١ - أنه مخالف للأصل؛ لأن الأصل عدم الخصوصية. ٢ - أن قول أم سلمة: (والله ما نرى هذا إلا رخصة … ) مجرد تظنن منها. ٣ - أنه لو كان خاصًّا بسالم لبين رسول الله ﷺ ذلك، كما بين لأبي بُردة ﵁ لما ضحى بالجذعة من المعز: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك" (١). وأما القول بالنسخ فهو ضعيف؛ لأن من شرط النسخ معرفة التاريخ، وهنا لا يعرف، ثم لو كان النسخ صحيحًا لما ترك التشبث به أمهات المؤمنين ﵅، قال القرطبي: (قد أطلق بعض الأئمة على حديث سالم: أنه منسوخ، وأظنه سمى التخصيص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا، على ما يعرف في الأصول) (٢). ورأي شيخ الإسلام فيه وجاهة؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة، وذلك بأن تجعل قصة سالم مخصصة لعموم: "إنما الرضاعة من المجاعة" وغيره من الأدلة، لكن الاحتياط في هذا مطلوب، وعدم التساهل مؤكد، وهذا أمر يتعلق بالمحارم، ولا سيما في هذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان، وغلب فيه الجهل، وانتشرت الرذائل، وتساهل بعض الناس في صيانة محارمهم والغيرة عليها. والله تعالى أعلم.

стр. 3489

ثبوت حكم الرضاع لزوج المرضعة وأقاربه ١١٣٧/ ٤ - وَعَنْهَا ﵂ أن أفْلَحَ -أَخَا أَبي الْقُعَيسِ- جَاءَ يَسْتَأذِنُ عَلَيهَا بَعْدَ الْحِجَابِ. قَالتْ: فَأبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أخْبَرْتُهُ بالَّذِي صَنَعْتُ، فَأمَرَنِي أنْ آذَنَ لَهُ عَلَيّ وَقَال: "إنَّهُ عَمُّكِ"، مُتَفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب "الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض … " (٢٦٤٤) ثم في كتاب "النكاح"، باب "لبن الفحل" (٥١٠٣)، ومسلم (١٤٤٥) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة أنها أخبرته أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن أنزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعت، فأمرني أن آذن له عليَّ. هذا لفظ مسلم. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن أفلح أخا أبي القعيس) أفلح: هو عم عائشة ﵂ من الرضاعة؛ لأنه أخو أبي القعيس نسبًا الذي رضعت عائشة من زوجته، وليس له ذكر إلا في هذا الحديث، كما ذكر ابن عبد البر (١)، وقد ورد في إحدى روايات مسلم: (استأذن عليَّ أفلح بن قعيس) وهذا وهم من بعض الرواة، والصواب ما تقدم (٢).

стр. 3490

قوله: (بعد الحجاب) أي: بعد نزول آيات الحجاب، وذلك آخر سنة خمس من الهجرة (١). قوله: (فأبيت أن آذن له) جاء تعليل ذلك في بعض الروايات: (فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس) تريد أن أبا القعيس لم يرضعها وهو زوج المرأة، وإنما الذي أرضعها هي زوجته، واللبن للمرأة لا للرجل فيما تظن. * الوجه الثالث: الحديث أصل في أن للرضاع حكم النسب من إباحة الدخول على النساء ونحو ذلك من الأحكام، كما تقدم. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت حكم الرضاع من زوج المرضعة وأقاربه، وأن الرضاع كما يتعلق بالمرأة يتعلق بالرجل، فيكون زوج المرضعة بمنزلة الوالد، وهي بمنزلة الأم، وأخوه بمنزلة العم، وأختها بمنزلة الخالة؛ لأنه صاحب اللبن، فإن اللبن تسبب عن مائه وماء المرأة جميعًا. ولهذا ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن لبن الفحل يؤثر في التحريم، والفحل هو الرجل، ونسبة اللبن إليه مجازية لكونه السبب فيه (٢)، ولم يخالف إلا ابن علية وأهل الظاهر وجماعة (٣)؛ لأن النبي ﷺ أثبت لأفلح عمومة عائشة ﵂، وإنما ارتضعت لبن امرأة أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس صار لها أبًا، فينشر التحريم، كما تقدم. ويصور لبن الفحل مع افتراق الأُمَّين، كرجل له امرأتان، ترضع إحداهما صبيًّا والأخرى صبية، فيحرم أحدهما على الآخر؛ لأنهما أخوان لأب. ولو أرضعت إحداهما ولدًا صار هذا الولد ولدًا له، وأخًا لأولاده من هذه المرأة المرضعة وأخًا لأولاده من المرأة الأخرى؛ لأنهم اشتركوا مع الرضيع في أب واحد (٤).

стр. 3491

* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من شك في حكم فإنه يتوقف عن العمل حتى يسأل العلماء. * الوجه السادس: في الحديث دليل على أن من ادعى رضاعًا وصدقه الرضيع ثبت حكم الرضاع بينهما، ولا يحتاج إلى إقامة بينة، فإن أفلح ادعى الرضاع وصدقته عائشة ﵂ وأذن له الشارع بمجرد ذلك. * الوجه السابع: فيه دليل على مشروعية الاستئذان ولو في حق المحرم؛ لجواز أن تكون المرأة على حال لا يحل للمحرم أن يراها عليه. * الوجه الثامن: في الحديث دليل على وجوب الحجاب، والمراد الحجاب الشرعي الذي يعني أن تستر المرأة جميع بدنها، ومن ذلك الوجه والكفان والقدمان ومواضع الزينة، ولو كان الحجاب غير واجب لما كان لذكره فائدة. والله تعالى أعلم.

стр. 3492

مقدار الرضاع المحرِّم ١١٣٨/ ٥ - وَعَنْهَا ﵂ قَالتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب "الرضاع"، باب "التحريم بخمس رضعات" (١٤٥٢) من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكير، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات … الحديث). وفيه: (وهن فيما يقرأ من القرآن). * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة خمس رضعات، ومفهومه أن الرضعة والرضعتين والثلاث وما نقص عن الخمس لا يحرم، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير ﵃، وعطاء وطاوس، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وابن حزم، ورجحه الصنعاني، والشوكاني (١). ووجه الاستدلال: أن عائشة ﵂، ذكرت عددًا أعلى وعددًا أدنى، ولو كان هناك عدد أدنى من الخمس لبينته. وقد روى عبد الرزاق بسنده عن عائشة ﵂، قالت: (لا يحرم دون

стр. 3493

الخمس رضعات معلومات) (١)، وهذا حصر طريقه النفي والإثبات. والقول الثاني: أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهذا مروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، والزهري، وآخرون، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [لنساء: ٢٣] قالوا: فعلق الله التحريم بوجود الإرضاع، ولم يقيد ذلك بشيء، فحيث وجد اسم الرضاع ثبت حكمه، فهؤلاء رجحوا ظاهر القرآن على الأحاديث الواردة في هذا، كما استدلوا بالحديث الآتي: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فإنه ربط التحريم بمجرد الرضاع، كما ورد آثار عن الصحابة ﵃ تدل على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم. والقول الثالث: أنه لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات، وبه قال أبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وهو رواية عن أحمد (٣)، واستدلوا بالحديث المتقدم: "لا تحرم المصة والمصتان" قالوا: فمفهوم الحديث أن ما زاد على المصتين يثبت به التحريم، وهو الثلاث فصاعدًا. والراجح القول الأول، وهو أن الرضاع المحرم خمس رضعات، لأن حديث عائشة ﵂ نص صريح، ويقويه حديث: "لا تحرم المصة والمصتان" كما يقويه حكمة التحريم بالرضاع -كما تقدم- وهي شبهة الجزئية بين المرضع والمرضعة، وهذا لا يتحقق إلا برضاع كامل، وهو خمس وجبات بحيث ينبت اللحم، وينشز العظم. أما من يرون أن قليله وكثيره محرم فهو مردود بالحديث المتقدم: "لا تحرم المصة والمصتان"، وأما قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فإن

стр. 3494

السنة بينت أن الرضاعة التي تحرم هي ما كانت مبنية على العدد، فلا تحرم المصة ولا المصتان، ولا يحرم إلا الخمس، فتكون الآية من قبيل المجمل الذي بينه الشارع بالعدد وضبطه به. وأما من قال إن الثلاث تحرم فدليله مفهوم حديث عائشة ﵂، والخمس منطوق، فهو مقدم، ثم إن العمل بأحاديث الرضعات الخمس إعمال للأحاديث كلها. * الوجه الثالث: الرضعات مفردها رضعة: وهي -على الأظهر- اسم مرة، كالأكلة والشربة، فيكون المراد بها الوجبة التامة وإن تخللها تنفس أو انتقال من ثدي إلى آخر، أو جاءه ما يلهيه، وإنما يتركه عن رِيٍّ وطيب نَفْسٍ؛ لأنه لم يرد في الشرع لها ضابط معين، فيرجع فيها إلى اللغة وإلى عرف الناس، والناس لا يعدون الأكلة إلا الوجبة التامة، سواء تخللها قيام أو اشتغال يسير أو قطعها لعارض ثم رجع إليها؛ لأنه لم يكملها. وهذا مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، نصرها ابن القيم، واختارها ابن سعدي (١). * الوجه الرابع: قول عائشة ﵂: (فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) يمثل به الأصوليون لما نسخ لفظه وبقي حكمه، فإن الآية الدالة على أن المحرم خمس رضعات ليست في القرآن الآن، وكلام عائشة ﵂ هذا مراد به أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًّا حتى إنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ آية خمس الرضعات، لكونه لم يبلغه النسخ (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 3495

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ١١٣٩/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَال: "إنَّهَا لا تَحِلُّ لِي، إنَّها ابنَةُ أَخي مِنَ الزَضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ"، متفقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب "الشهادة على الأنساب والرضاع … " (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) من طريق همام، حدثنا قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أريد على ابنة حمزة) أي: رُغِّبَ في أن يتزوج ابنة عمه حمزة ﵁، وقد اختلف في اسمها على أقوال ستة سردها ابن الملقن في "شرحه على العمدة" (١). قوله: (فقال: إنها لا تحل لي … ) الكلام موجه إلى علي ﵁، كما ورد عند مسلم من حديث علي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما لك تَنَوّق (٢) في قريش وتدعنا؟ فقال: "وعندكم شيء؟! قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله ﷺ : "إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة" (٣).

стр. 3496

قوله: (إنها ابنة أخي … ) جملة مستأنفة لتعليل تحريم ابنة حمزة على الرسول ﷺ ؛ لأن حمزة أخ للنبي ﷺ من الرضاع أرضعتهما ثويبة، وهي مولاة لأبي لهب (١)، فيكون النبي ﷺ عم ابنة حمزة ﵁. قوله: (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) من: سببية؛ أي: يحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النسب، ولهذا سمى الله تعالى المرضعة أمًا والمرتضعة أختًا. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن ما حرمه النسب وهو القرابة يحرمه الرضاع، وقد ذكر الله تعالى في القرآن المحرمات بالنسب؛ أي: بالقرابة وهن سبع: الأمهات، والجدات وإن علون، والبنات، وبنات الأولاد وإن نزلن، والأخوات مطلقًا … إلخ، فتكون المحرمات من الرضاع سبعًا -أيضًا-، وذلك أن كل امرأة حرمت نسبًا حرمت من تماثلها رضاعًا، كالأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع … وهكذا. وقد ذكر الله تعالى أن المحرمات بالرضاع: الأمهات وإن علون، والأخوات، وجاءت السنة ببيان الباقي كما في حديث الباب. فهذا من جهة العدد، أما من جهة الحد، فالقاعدة في باب الرضاع: أن الرضاع ينشر الحرمة إلى المرتضع وفروعه، دون أصوله وحواشيه، فتنتشر الحرمة إلى أبنائه وبناته ونسلهم، فيكونون أولادًا للمرضعة ولصاحب اللبن، أما أصوله من أب أو أم وآبائهما، أو حواشيه من إخوة وأخوات فلا يتعلق بهم تحريم؛ لأن قرابات الرضيع ليس بينهم وبين المرضعة ولا زوجها نسب ولا سبب، فلم يتعلق بهم تحريم (٢). وأما المرضعة فإن الرضاع ينشر الحرمة إلى فروعها وأصولها وحواشيها، فأولاد الزوج وزوجته المرضعة؛ إخوة المرتضع وأخواته، وآباؤهما أجداده

стр. 3497

وجداته، وإخوة المرضعة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته. أما موضوع المصاهرة فقد ذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة، وعلى هذا فأم زوجتك من الرضاع حرام عليك كأم زوجتك من النسب، وبنت زوجتك من الرضاع -كأن يكون لك زوجة قد أرضعت بنتًا من زوج سابق- تحرم عليك، كبنت زوجتك من النسب. واستدل هؤلاء بعموم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، نقل ذلك عنه ابن رجب (١)، مع أن ابن القيم نقل عنه أنه توقف (٢)، ودليل هذا القول عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فيكون الأصل الحل، والرسول ﷺ لم يذكر المصاهرة عندما قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3498

صفة الرضاع المحرم وزمنه ١١٤٠/ ٧ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ. ١١٤١/ ٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: "لَا رَضَاعَ إلَّا في الحَوْلَينِ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجّحا الْمَوْقُوفَ. ١١٤٢/ ٩ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا رَضَاعَ إلَّا ما أنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ"، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ. * الكلام عليها من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أم سلمة ﵂ فقد رواه الترمذي في أبواب "الرضاع"، باب "ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين" (١١٥٢) من طريق أبي عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة ﵁، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي … الحديث". قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ورواه يحيى القطان، عن هشام، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أم سلمة ﵂ موقوفًا، قال الدارقطني: (وقول يحيى أشبه بالصواب) (١) ورواه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٠) عن عبدة، عن

стр. 3499

هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن جده، عن أم سلمة بنحوه موقوفًا. ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٤/ ١١٩، ١٧٥) من طريق وهيب، عن هشام، عن فاطمة، عن أم سلمة بنحوه موقوفًا أيضًا. وقول الحافظ: إن الحاكم صحح الحديث، لم أقف عليه، لأني لم أجد الحديث في "المستدرك" ولا رأيت أحدًا عزاه إليه. وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه الدارقطني (٤/ ١٧٤)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ١٠٣)، والبيهقي (٧/ ٤٦٢) من طريق الهيثم بن جميل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" هذا لفظ الدارقطني، وعند ابن عدي: "لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين". قال الدارقطني: (لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ)، وقال ابن عدي: (وهذا يعرف بالهيثم بن جميل، عن ابن عيينة مسندًا، وغير الهيثم يوقفه على ابن عباس، والهيثم بن جميل يسكن أنطاكية، ويقال: هو البغدادي، ويغلط الكثير على الثقات كما يغلط غيره، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب). وقال البيهقي: (هذا هو الصحيح موقوفًا) وعلى هذا فيكون الهيثم بن جميل قد وهم في رفع هذا الحديث، وقد صحح وقفه إضافة إلى من ذكر: عبد الحق، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وغيرهم (١). وأما حديث ابن مسعود ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "النكاح"، بابٌ "في رضاعة الكبير" (٢٠٥٩)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦١) من طريق عبد السلام بن مطهر، أن سليمان بن المغيرة، حدثهم عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن لعبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: … وذكر الحديث. وهذا حديث ضعيف، والغريب أن المؤلف سكت عنه على خلاف

стр. 3500

عادته، وسبب ضعفه أن فيه ثلاثة مجاهيل: ١ - أبو موسى الهلالي. ٢ - والده، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: هو مجهول وأبوه مجهول (١). ٣ - ابن عبد الله بن مسعود مجهول؛ لأنه لم يسم. وقد اختلف في إسناده؛ فقد رواه الدارقطني (٤/ ١٧٣) من طريق النضر بن شميل، نا سليمان بن المغيرة، نا أبو موسى، عن أبيه، عن ابن لعبد الله بن مسعود، أن رجلًا كان مع امرأته وهو في سفر، فولدت، فجعل الصبي لا يمص، فأخذ زوجها يمص لبنها ويمجه، قال: حتى وجدتُ طعم لبنها في حلقي، فأتيت أبا موسى الأشعري فذكرتُ ذلك له، فقال: حرمت عليك امرأتك، فأتاه ابن مسعود، فقال: أنت الذي تفتي هذا بكذا وكذا؟ قال رسول الله ﷺ : ""لا رضاع إلا ما شدَّ العظم، وأنبت اللحم". وخالف وكيعٌ عبدَ السلام والنضرَ فلم يذكر في إسناده ابن عبد الله بن مسعود، رواه أبو داود (٢٠٦٠)، وأحمد (٧/ ١٨٥) من طريق وكيع، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ بمعناه. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (ما فتق الأمعاء) أي: شق أمعاء الصبي بأن سلك فيها ووقع منها موقع الغذاء، وذلك بأن يكون في زمن الرضاع. والأمعاء: جمع مِعًى -بكسر ففتح- كعنب وأعناب، وهي المصران. قوله: (في الثدي) جار ومجرور حال من فاعل (فتق) أي: كائنًا في الثدي، فائضًا منه، سواء كان بالارتضاع أو بغيره، أو يكون على حذف مضاف؛ أي: في زمن الثدي، وهو لغة معروفة، فإن العرب تقول: مات فلان

стр. 3501

في الثدي؛ أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه قوله ﷺ : "إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة، (١). قال النووي: (معناه: مات وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي) (٢). قوله: (وكان قبل الفطام) بكسر الفاء، هو فصل الصبي من الرضاع. قوله: (أنشز العظم) أي: قواه وأحكمه وأكبر حجمه (٣). * الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على أن صفة الرضاع الذي تثبت به الحرمة هو ما تغذى به الجسم واستفاد منه، وذلك بأن يصل إلى الأمعاء ويوسعها، وهذا يدل على أن القليل لا يحرم، وفيها دليل على أن وقت الرضاع هو زمن الصغر وهو وقت المجاعة. * الوجه الرابع: استدل بحديث ابن عباس ﵄ من قال: إن الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين، وأما ما كان بعدهما فلا يحرم، وهذا قول الجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. قال الترمذي بعد الحديث: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا) (٤). كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل الله تعالى تمام الرضاعة حولين، فدل على أنه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به التحريم. وظاهر هذا القول أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فُطِمَ الصبي أم لم يفطم. والقول الثاني: أن الرضاع في الحولين والأيام بعد الحولين، وهذا

стр. 3502

رواية عن مالك، حكاها عنه ابن القاسم، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال: ما كان بعد الحولين من رضاع شهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث (١). وكان مالكًا لاحظ أن الطفل يحتاج إلى هذه المدة لتحويل غذائه إلى طعام. والقول الثالث: أن الرضاع المحرم ما كان في ثلاثين شهرًا، وهذا قول أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فَعُلِمَ أنه أراد الحمل مع مدة الفصال، وكأنه لاحظ احتياج الطفل إلى هذه المدة للتدرج من اللبن إلى الطعام المعتاد (٢). والقول الرابع: أن العبرة بالفطام (٣)، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، وقد صح هذا عن أم سلمة وابن عباس ﵃، وهو قول جماعة من السلف منهم: الزهري، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وأحد قولي الأوزاعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). واستدلوا بأثر ابن مسعود المذكور، كما يدل له قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" فإن عمومه يقتضي أنه ما دام الطفل غذاؤه اللبن أن ذلك الرضاع يحرم، فإن فُطم ولو في الحولين لم يكن رضاعه من المجاعة. كما استدلوا بالنظر؛ لأنه إذا كان الطفل يتغذى بغير اللبن فأي فرق بين من كان في الحولين ومن بعد الحولين؟ وقد تقدم الخلاف في حكم رضاع الكبير، وذكر ابن القيم أن القول

стр. 3503

بالحولين والقول برضاع الكبير طرفان، وما سواهما فأقوال متقاربة (١). والذي يظهر -والله أعلم- ويستفاد من الأدلة أن الرضاع المعتبر ما كان الطفل بحاجة إليه، لعموم: "إنما الرضاعة من المجاعة"، ولما جاء من الأوصاف الأخرى، فإن فُطم الولد عن اللبن واستغنى بالطعام استغناء بينًا ولو في الحولين لم يكن ذلك رضاعًا؛ لأنه لا رضاع بعد الفطام. والله تعالى أعلم.

стр. 3504

حكم شهادة المرضعة ١١٤٣/ ١٠ - عَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقَالتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟ "، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي النوفلي المكي ﵁، أسلم يوم الفتح، وكان أبوه أحد المطعمين في الجاهلية، وقد قتل يوم بدر مع المشركين، وعقبة هو قاتل خبيب بن عدي ﵁، قال الزبير بن بكار: وأهل النسب يقولون: عقبة هذا هو وأبو سِرْوعة أسلما معًا يوم الفتح، والأصح أنه أبو سروعة، وهو قول أهل الحديث، وقال ابن الأثير: الأول أصح؛ أي: أخوان أسلما يوم الفتح، ونقل الحافظ عن أبي حاتم أنه قال: (أبو سروعة قاتل خبيب، له صحبة، اسمه عقبة بن الحارث بن عامر، وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي أدركه ابن أبي مليكة، ذاك قديم) (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" وأولها في كتاب "العلم"، باب "الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله" (٨٨)، ومنها: في كتاب "النكاح"، باب "شهادة المرضعة" (٥١٠٤) من عدة طرق عن

стр. 3505

عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عُزَيزٍ، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله ﷺ : "كيف وقد قيل؟ " فَفَارَقَها، ونكحت زوجًا غيره. هذا لفظ البخاري في كتاب "العلم" وهو أقرب إلى لفظ "البلوغ"، وإلا فإن الحافظ ما ساقه بلفظه. وقد رواه ابن أبي مليكة قال: حدثني عبيد بن أبي حاتم، عن عقبة بن الحارث، قال: وقد سمعته من عقبة، لكني لحديث عبيد أحفظ، قال: تزوجت امرأة … الحديث. وهذا الحديث من أفراد البخاري، ولم يخرجه مسلم، بل لم يخرج في "صحيحه" عن عقبة بن الحارث شيئًا (١). * الوجه الثالث: في شح ألفاظه: قوله: (بنت أبي إهاب) جاء في كتاب "الشهادات" عند البخاري: (أنه تزوج أم يحيى بنت إهاب) (٢)، واسمها غَنِيَّةُ -بوزن عطية- بنت أبي إهاب بن عُزَيزِ بن قيس، وهي امرأة جبير بن مطعم، وأم ولده نافع ومحمد (٣). قوله: (فجاءت امرأة) في رواية عند البخاري: (فجاءت أمة سوداء) (٤). قوله: (ولا أخبرتني) بكسر التاء المثناة؛ أي: قبل ذلك، وكأنه اتهمها، وفي رواية للبخاري في "النكاح": (وهي كاذبة). وفي رواية: (فأرسل إلى أبي آل إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا) (٥). قوله: (فركب إلى رسول الله ﷺ ) أي: من مكة؛ لأنها كانت دار إقامته. قوله: (كيف وقد قيل) استفهام إنكاري؛ أي: كيف تجتمع بها وتباشرها وقد
следующие страницы →