في الثدي؛ أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه قوله ﷺ : "إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة، (١). قال النووي: (معناه: مات وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي) (٢).
قوله: (وكان قبل الفطام) بكسر الفاء، هو فصل الصبي من الرضاع.
قوله: (أنشز العظم) أي: قواه وأحكمه وأكبر حجمه (٣).
* الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على أن صفة الرضاع الذي تثبت به الحرمة هو ما تغذى به الجسم واستفاد منه، وذلك بأن يصل إلى الأمعاء ويوسعها، وهذا يدل على أن القليل لا يحرم، وفيها دليل على أن وقت الرضاع هو زمن الصغر وهو وقت المجاعة.
* الوجه الرابع: استدل بحديث ابن عباس ﵄ من قال: إن الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين، وأما ما كان بعدهما فلا يحرم، وهذا قول الجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين.
قال الترمذي بعد الحديث: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا) (٤).
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فجعل الله تعالى تمام الرضاعة حولين، فدل على أنه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به التحريم.
وظاهر هذا القول أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فُطِمَ الصبي أم لم يفطم.
والقول الثاني: أن الرضاع في الحولين والأيام بعد الحولين، وهذا
стр. 3502
رواية عن مالك، حكاها عنه ابن القاسم، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال: ما كان بعد الحولين من رضاع شهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث (١). وكان مالكًا لاحظ أن الطفل يحتاج إلى هذه المدة لتحويل غذائه إلى طعام.
والقول الثالث: أن الرضاع المحرم ما كان في ثلاثين شهرًا، وهذا قول أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فَعُلِمَ أنه أراد الحمل مع مدة الفصال، وكأنه لاحظ احتياج الطفل إلى هذه المدة للتدرج من اللبن إلى الطعام المعتاد (٢).
والقول الرابع: أن العبرة بالفطام (٣)، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، وقد صح هذا عن أم سلمة وابن عباس ﵃، وهو قول جماعة من السلف منهم: الزهري، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وأحد قولي الأوزاعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
واستدلوا بأثر ابن مسعود المذكور، كما يدل له قوله ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة" فإن عمومه يقتضي أنه ما دام الطفل غذاؤه اللبن أن ذلك الرضاع يحرم، فإن فُطم ولو في الحولين لم يكن رضاعه من المجاعة.
كما استدلوا بالنظر؛ لأنه إذا كان الطفل يتغذى بغير اللبن فأي فرق بين من كان في الحولين ومن بعد الحولين؟
وقد تقدم الخلاف في حكم رضاع الكبير، وذكر ابن القيم أن القول
стр. 3503
بالحولين والقول برضاع الكبير طرفان، وما سواهما فأقوال متقاربة (١).
والذي يظهر -والله أعلم- ويستفاد من الأدلة أن الرضاع المعتبر ما كان الطفل بحاجة إليه، لعموم: "إنما الرضاعة من المجاعة"، ولما جاء من الأوصاف الأخرى، فإن فُطم الولد عن اللبن واستغنى بالطعام استغناء بينًا ولو في الحولين لم يكن ذلك رضاعًا؛ لأنه لا رضاع بعد الفطام. والله تعالى أعلم.
стр. 3504
حكم شهادة المرضعة
١١٤٣/ ١٠ - عَنْ عُقْبَةَ بنِ الْحَارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقَالتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟ "، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي النوفلي المكي ﵁، أسلم يوم الفتح، وكان أبوه أحد المطعمين في الجاهلية، وقد قتل يوم بدر مع المشركين، وعقبة هو قاتل خبيب بن عدي ﵁، قال الزبير بن بكار: وأهل النسب يقولون: عقبة هذا هو وأبو سِرْوعة أسلما معًا يوم الفتح، والأصح أنه أبو سروعة، وهو قول أهل الحديث، وقال ابن الأثير: الأول أصح؛ أي: أخوان أسلما يوم الفتح، ونقل الحافظ عن أبي حاتم أنه قال: (أبو سروعة قاتل خبيب، له صحبة، اسمه عقبة بن الحارث بن عامر، وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي أدركه ابن أبي مليكة، ذاك قديم) (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" وأولها في كتاب "العلم"، باب "الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله" (٨٨)، ومنها: في كتاب "النكاح"، باب "شهادة المرضعة" (٥١٠٤) من عدة طرق عن
стр. 3505
عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عُزَيزٍ، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله ﷺ : "كيف وقد قيل؟ " فَفَارَقَها، ونكحت زوجًا غيره.
هذا لفظ البخاري في كتاب "العلم" وهو أقرب إلى لفظ "البلوغ"، وإلا فإن الحافظ ما ساقه بلفظه.
وقد رواه ابن أبي مليكة قال: حدثني عبيد بن أبي حاتم، عن عقبة بن الحارث، قال: وقد سمعته من عقبة، لكني لحديث عبيد أحفظ، قال: تزوجت امرأة … الحديث.
وهذا الحديث من أفراد البخاري، ولم يخرجه مسلم، بل لم يخرج في "صحيحه" عن عقبة بن الحارث شيئًا (١).
* الوجه الثالث: في شح ألفاظه:
قوله: (بنت أبي إهاب) جاء في كتاب "الشهادات" عند البخاري: (أنه تزوج أم يحيى بنت إهاب) (٢)، واسمها غَنِيَّةُ -بوزن عطية- بنت أبي إهاب بن عُزَيزِ بن قيس، وهي امرأة جبير بن مطعم، وأم ولده نافع ومحمد (٣).
قوله: (فجاءت امرأة) في رواية عند البخاري: (فجاءت أمة سوداء) (٤).
قوله: (ولا أخبرتني) بكسر التاء المثناة؛ أي: قبل ذلك، وكأنه اتهمها، وفي رواية للبخاري في "النكاح": (وهي كاذبة). وفي رواية: (فأرسل إلى أبي آل إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمناه أرضعت صاحبتنا) (٥).
قوله: (فركب إلى رسول الله ﷺ ) أي: من مكة؛ لأنها كانت دار إقامته.
قوله: (كيف وقد قيل) استفهام إنكاري؛ أي: كيف تجتمع بها وتباشرها وقد
стр. 3506
قيل ذلك، والواو حالية، وفي رواية: "دعها عنك"، وفي أخرى: "فنهاه عنها".
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الرضاع يثبت وتترتب عليه أحكامه بشهادة امرأة واحدة، وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو قول طاوس، والزهري، والأوزاعي، وآخرين (١).
وذهب الشافعي، وعطاء إلى أنه لا بد من أربع نسوة؛ لأن كل امرأتين في منزلة الرجل الواحد (٢).
وذهب مالك، والحكم بن عتيبة إلى أنه لا يقبل إلا شهادة امرأتين؛ لأن الرجل أكمل شهادة، وإذا كان لا يقبل في الشهادة إلا رجلان فمن باب أولى لا يقبل إلا امرأتان، وهذا القول رواية عن أحمد (٣).
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقبل إلا رجلان أو رجل وامرأتان قياسًا للرضاع على غيره (٤)، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والجمهور على عدم العمل بحديث الباب كما تبين، فلا يقبل في الرضاع شهادة امرأة واحدة؛ لأنها شهادة على نفع نفسها، وحملوا الحديث على أن الرسول ﷺ أمره بفراقها من باب الورع، وأن النهي فيه للتنزيه.
وهذا محمل ضعيف، لمخالفته لظاهر الحديث، ولا سيما بعد تكرار السؤال، كما في بعض الروايات، والنبي ﷺ يقول: "دعها عنك"، "كيف وقد قيل" (٥).
فالصواب القول الأول، وهو أن شهادة المرأة الواحدة تقبل في الرضاع ولو كانت هي المرضعة؛ لأن هذه المرأة أثبتت الرضاع، ونفاه عقبة، فاعتمد النبي ﷺ قولها. فحديث الباب نص في محل النزاع، فإن النبي ﷺ قبل
стр. 3507
شهادتها، ولأن الرضاع فعل لا يحصل لها به نفع مقصود، ولا تدفع عنها به ضررًا، فقبلت شهادتها فيه كفعل غيرها، ثم إن الرضاع من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء في الغالب الكثير، واطلاع الرجال عليه أمر نادر، فكيف ترد شهادتهن فيه والحاجة داعية إلى ذلك؟
وما استدل به المخالف فهو إما عمومات، فيقدم عليها حديث الباب؛ لأنه خاص، أو تعليل لا يقف لمعارضة هذا الحديث الصحيح الصريح.
وقد روى عبد الرزاق بسنده عن ابن شهاب، قال: جاءت امرأة سوداء في إمارة عثمان ﵁ إلى ثلاثة أبيات قد تناكحوا، فقالت: أنتم بَنِيَّ وبناتي، ففرق بينهم (١).
وروى -أيضًا- بسنده عن الشعبي، قال: كان القضاة يفرقون بشهادة امرأة في الرضاع (٢).
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على قبول شهادة الرقيق إذا كان عدلًا، لقوله: (فجاءت أمة سوداء) ولو لم تكن شهادتها مقبولة ما أمر النبي ﷺ عقبة بفراق امرأته بناء على شهادتها.
والجمهور على أنه لا تقبل شهادة الرقيق، والصواب مع من قبلها (٣).
* الوجه السادس: في الحديث دليل للقاعدة الشرعية: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، وذلك أن شهادة المرأة الواحدة لا تكفي في فسخ النكاح وفي الطلاق، فإذا شهدت بالرضاع ثبت حكمه -عند من يقبل شهادتها- ويترتب على ذلك فسخ النكاح تبعًا له إذا كان قد حصل بين من يحرم اجتماعهما. ومثل ذلك الشهادة بالولادة فإنه يثبت بها النسب، ولا يثبت النسب بشهادتهن استقلالًا.
* الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه يجب الإنكار على من حاول البقاء على المحرمات ولو كان عن تأويل؛ لأن النبي ﷺ قال لعقبة: "كيف وقد قيل؟ " مع أنه قال: (هي كاذبة). والله تعالى أعلم.
стр. 3508
ما جاء في النهي عن استرضاع الحمقاء
١١٤٤/ ١١ - عَنْ زَيادٍ السَّهْمِي قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَاءُ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ، وَهُوَ مُرْسلٌ، وَلَيسَتْ لِزيَادٍ صُحْبَةٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو زياد السهمي، روى عنه هشام بن إسماعيل المكي، قال في "التقريب": (مجهول، أرسل حديثًا) وقد ذكره ابن حجر في "الإصابة" في القسم الرابع، وهو من ذكر اسمه في الصحابة على سبيل الوهم والغلط (١).
* الوجه الثاني: في خريجه:
أخرجه أبو داود في "المراسيل" (١٩٦)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦٤)، قال أبو داود: (حدثنا الحسن بن الصبَّاح، حدثنا إسحاق ابن بنت داود بن أبي هند -من خير الرجال- عن هشام بن إسماعيل المكي، عن زياد السهمي، قال: نهى رسول لله ﷺ أن تسترضع الحمقاء، فإن اللبن يُشبه).
وهذا سند ضعيف، زياد السهمي مجهول، كما مضى، والراوي عنه وهو هشام مجهول، وإسحاق ابن بنت داود، قال عنه ابن القطان: (لا تعرف له حال، وقول الحسن بن الصباح: إنه من خير الرجال، لا يقضي له بالثقة في الرواية) (٢).
وإسحاق هذا وثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (ربما
стр. 3509
أخطأ) (١)، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن تسترضع) أي: يطلب منها الرضاع، فتكون مرضعة للطفل.
قوله: (الحمقاء) مؤنث الأحمق، يقال: حَمُقَ -بالضم- فهو أحمق، والمرأة حمقاء، والحُمْقُ: قلة العقل، وضعف البصيرة.
قوله: (فإن اللبن يشبه) أي: إن المرأة إذا أرضعت غلامأ فإنه ينزع إلى أخلاقها فيشبهها (٢).
ولذا قيل: إن الرضاع يغير الطباع.
* الوجه الرابع: استدل الفقهاء بهذا المرسل على أنه لا ينبغي أن تُسترضع المرأة الحمقاء، بمعنى يطلب منها أن ترضع الطفل، وهذا وإن كان مرسلًا إلا أنه يستأنس به من جهة المعنى في اختيار المرضعة بأن تكون امرأة عاقلة مستقيمة معروفة بالدين والأخلاق الفاضلة، وقد نقل الموفق عن الإمام أحمد أنه كره الارتضاع بلبن الفجور والمشركات؛ لأن لبن الفاجرة ربما أفضى إلى شبه المرضعة في الفجور، والارتضاع من المشركة يجعلها أمًّا، لها حرمة الأم مع شركها، وربما مال إليها في محبة دينها (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3510
باب النفقات
النفقات: جمع نفقة كثمرة وثمرات، وهي في اللغة: اسم من الإنفاق، وهو الإخراج، واللفظ يدل على المضي والذهاب، يقال: نَفقَ فرسه: إذا ذهب، ونَفِقَتِ الدراهم نفقًا من باب تعب: نَفِدَتْ (١).
وشرعًا: ما يلزم المرءَ صرفُه لمن عليه مؤنته من زوجته وأولاده ومماليكه ودوابه ونحو ذلك.
والأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة:
١ - النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، وهذه نفقة الزوجات.
٢ - النسب: وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة، وهذه نفقة الأقارب.
٣ - المُلك: وذلك كالرقيق والدابة، وهذه نفقة المماليك والبهائم.
ونفقة الزوجة هي أقوى النفقات؛ لأنها معاوضة، فتطالب بها، أو لها الفسخ، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
стр. 3511
جواز إنفاق المرأة من مال زوجها بغير علمه إذا منعها الكفاية
١١٤٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بنتُ عُتْبَةَ -امْرَأةُ أبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيني وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ جُنَاح؟ فَقَال: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع أولها كتاب "البيوع" (٢٢١١)، ومنها: في "النفقات"، في عدة أبواب، ومنها: باب (إذا لم ينفق الرجل للمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف (٥٣٦٤١)، ومسلم (١٧١٤) من طرق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وهذا لفظ مسلم.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (دخلت هند) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صحابية، قرشية، عالية الشهرة، أهدر النبي ﷺ دمها يوم الفتح، وكانت ممن أمر النبي ﷺ بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، فجاءته مع بعض النسوة في الأبطح فأعلنت إسلامها، ورَحَّبَ بها، وأخذ البيعة عليهن، وكانت فصيحة جريئة، صاحبة رأي وحزم وأنفة، تقول الشعر الجيد، ومنه رِثَاها لقتلى بدر من المشركين قبل إسلامها، ماتت في خلافة عثمان ﵁،
стр. 3512
وبهذا جزم ابن سعد، ومال إليه الحافظ، وقيل: في خلافة عمر ﵁ سنة أربع عشرة في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق ﵁ وهو قول ابن عبد البر، والله تعالى أعلم (١).
قوله: (أبي سفيان) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، صحابي من سادات قريش في الجاهلية، والد معاوية رأس الدولة الأموية، ولد سنة سبع وخمسين قبل الهجرة، أسلم يوم الفتح، وأبلى بعد إسلامه البلاء الحسن، وشهد حنينًا والطائف، ومات سنة إحدى وثلاثين ﵁ (٢).
قوله: (فقالت: إن أبا سفيان) هذا السؤال كان يوم الفتح وقت إسلام هند ﵂.
قوله: (رجل شحيح) أي: بخيل حريص، يقال: شَحَّ يَشُحُّ، من باب (قتل)، وفي لغة من بابي (ضرب وتعب)، فهو شحيح، وهم أشحاء وأشحة، وفي رواية: (رجل مِسِّيك) بكسر الميم وتشديد السين صيغة مبالغة، ويجوز مَسِيك وزن شحيح. والشح أعم من البخل؛ لأن البخل مخصوص بمنع المال، والشح يعم منع كل شيء في جميع الأحوال (٣)، وقيل: الشح هو البخل مع حرص (٤).
وقال ابن القيم: (الفرق بين الشح والبخل: أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وامساكه، فهو شحيح قبل الحصول، بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل) (٥)، وسيأتي مزيد كلام في هذين اللفظين في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى.
стр. 3513
قوله: (من جناح) الجناح: هو الإثم، وهو من الميل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي: مالوا، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحًا، ثم سمي كل إثم جناحًا، كقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ في غير موضع من القرآن.
قوله: (خذي) هذا أمر إباحة، بدليل رواية البخاري: "لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف" (١).
قوله: (بالمعروف) أي: بما يقره الشرع والعرف، وقال ابن حجر: (المراد بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية) (٢).
واعلم أن هندًا لم ترد أن أبا سفيان شحيح مطلقًا، فتذمه بذلك، وإنما وصفت حاله معها، فإنه كان يقتر عليها وعلى أولادها، كما قالت: (لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفى بنيّ) وهذا لا يدل على البخل مطلقًا، فقد يفعل الإنسان هذا مع أهل بيته؛ لأن غيرهم أحوج منهم وأولى، وعلى هذا فلا يجوز أن يُستدل به على أن أبا سفيان كان بخيلًا، فإنه لم يكن معروفًا بهذا (٣)، ثم إن العرب لا تُسوِّد البخلاء، وأبو سفيان كان سيد قومه.
* الوجه الثالث: هذا الحديث فيه مسائل عديدة تدخل في أبواب الفقه، أذكر منها ما يتعلق بالنفقات، وما أرى أهميته مما زاد على ذلك:
ففي الحديث دليل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وقد انعقد الإجماع على ذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب نفقة الولد على أبيه، وقد أجمعوا على وجوبها إذا كان الولد صغيرًا أو بالغًا مريضًا وهو معسر، فإن بلغ مبلغًا يمكنه تحصيل نفقته بالاكتساب سقطت نفقته عن الأب، لكن عموم الحديث يفيد وجوب النفقة على الأب مطلقًا إذا كانوا فقراء، وله ما ينفق عليهم، ولم يستثن منهم بالغًا ولا صحيحًا.
стр. 3514
* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن القول قول الزوجة في قبض النفقة، ووجه الاستدلال: أنه لو كان القول قول الزوج لكلفت المرأة أن تقيم بينة على إثبات عدم الكفاية، فلما سلطها الشارع على ماله دل على أن القول قولها، ومن قال: إن القول قول الزوج أجاب عن الحديث بأنه ليس قضاء وإنما هو فتيا (١).
* الوجه السادس: الحديث دليل على أن من وجبت عليه النفقة فلم ينفق شحًّا فإنه يؤخذ من ماله ولو بغير علمه؛ لأنها نفقة واجبة عليه، وقد ذكر أهل العلم أن هذا ليس خاصًّا بالنفقة بل هو عام في كل من له حق على إنسان وامتنع عن أدائه، وتسمى مسألة الظفر، وهي مسألة خلافية تقدم بحثها في باب "العارية" (٢) والراجح -كما تقدم- أنه إن كان الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى بينة كالنفقة وحق الضيف جاز الأخذ، وإن كان الحق خفيًّا كالدين أو ثمن المبيع ونحو ذلك مما خفي لم يجز الأخذ، والله أعلم.
* الوجه السابع: في الحديث دليل على أن المعتبر في النفقة الواجبة الكفايةُ المعتبرةُ بالمعروف، والمعروف يقضي بمراعاة أمور كثيرة تختلف باختلاف البلاد والأزمنة.
والقول بأن النفقة معتبرة بالكفاية، وليست مقدرة بشيء معين هو قول أكثر أهل العلم (٣).
ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أمر هندًا أن تأخذ كفايتها من غير تقدير، ورد الاجتهاد في ذلك إليها مع التقييد بالمعروف؛ أي: المتعارف عليه بين كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، ولم يعتبرها الرسول ﷺ بمقدار معلوم.
والمشهور في مذهب الشافعي، ورواية عن مالك أن النفقة مقدرة بالأمداد على الموسر كل يوم مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد
стр. 3515
ونصف، قياسًا على فدية الأذى في الحج، وكفارة الجماع في رمضان (١).
والصواب الأول، ولذا قال النووي -وهو من الشافعية-: (إن هذا الحديث يرد على أصحابنا) أي: لأنه نص صريح في اعتبار الكفاية بدون تقدير شيء معين، لكن قال الحافظ: إنه ليس صريحًا في الرد عليهم، دانما التقدير بالأمداد يحتاج إلى دليل (٢)، وعلى أي حال فالظاهر أن جميع أنواع النفقة غير مقدرة شرعًا، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان، فيكون مرجعها إلى العرف الذي يتمشى مع أحكام الشرع ومقاصده.
* الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن المعتبر في نفقة الزوجة عند النزاع منظور فيه إلى حالها وقدر كفايتها دون حال زوجها، وهذا قول بعض الحنفية، لقوله: "خذي ما يكفيك" (٣).
والقول الثاني: أن النفقة معتبرة بحال الزوجين معًا، فإن كانا موسرين فلها عليه نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين فعليه نفقة المعسرين، وإن كانا متوسطين فلها عليه نفقة المتوسطين، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا فعليه نفقة المتوسطين أيهما كان الموسر، وهذا مذهب الحنابلة، والمالكية، واختاره الخصاف من الحنفية، وقال صاحب "الهداية": (وعليه الفتوى) (٤)، قال الموفق: (وفيه جمع بين الأدلة وعمل بها ورعاية لكلا الجانبين) (٥).
وقد استدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] مع حديث هند الذي معنا.
والقول الثالث: أن النفقة معتبرة بحال الزوج وحده يسارًا وإعسارًا، فإن كان غنيًّا ألزم عند النزاع بنفقة غني، وإن كان فقيرًا فنفقة فقير ولو كانت هي غنية.
стр. 3516
وهذا قول الشافعية والظاهرية، وظاهر الرواية عند الحنفية؛ للآية الكريمة المذكورة، ولقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] حيث إن ظاهرهما يفيد أن المعتبر حال الزوج (١)، إلا أن الشافعية استثنوا المسكن، فالمعتبر فيه حال الزوجة لا حال الزوج (٢).
وهذا القول قوي جدًّا، فإن الآية دليل واضح على أن الزوج لا يكلف أكثر مما يطيق، وحديث هند -في نظري- ليس فيه دليل على أن المعتبر حال الزوجة؛ لأن النبي ﷺ يعرف حال أبي سفيان وأنه قادر على الإنفاق، فأمرها أن تأخذ ما يكفيها؛ لأن من يعطي بعض النفقة ويمنع بعضها قادر على أن يؤخذ من ماله ما يكفي زوجته وأولاده.
* الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن المرأة إذا قَدِرَتْ على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل، وسيأتي -إن شاء الله- حكم ما إذا عَجَزَ الزوج عن الإنفاق.
* الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن ما لم يقدره الله ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف.
* الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على أن ذم الشاكي لخصمه بما هو فيه حال الشكاية لا يكون غيبة، فلا يأثم به هو ولا سامعه بإقراره عليه (٣).
* الوجه الثاني عشر: جواز سماع كلام المرأة الأجنبية عند الإفتاء والحكم وما فيه معنى ذلك، وقد شرط الفقهاء لذلك أمن الفتنة وعدم التلذذ بكلامها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قال الجصاص: (فإذا كانت منهية عن إسماع صوت خلخالها، فكلامها إذا كانت شابة تُخشى من قِبَلِهَا الفتنة أولى بالنهي عنه) (٤).
стр. 3517
وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تسمع الأجانب صوتها في الصلاة، وأما خارج الصلاة فيجوز لها أن تكلم من احتاجت إلى تكليمه، كما في الاستفتاء، والرد على الهاتف ونحو ذلك بقدر الحاجة بكلام معروف لا لين فيه، ولا ميوعة (١)، قال تعالى: ﴿إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. قال ابن كثير: (ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم؛ أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3518
بيان فضل المنفق وما تنبغي مراعاته عند الإنفاق
١١٤٦/ ٢ - عَنْ طَارقٍ الْمُحَارِبِي ﵁ قَال: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ ويَقُولُ: "يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأ بمَنْ تَعُولُ: أمَّكَ وَأَبَاكَ، وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ"، رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبانَ وَالدَّارَقُطْني.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو طارق بن عبد الله المحاربي الكوفي، له رواية وصحبة، روى عن النبي ﷺ حديثين أو ثلاثة، وروى عنه أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي، وربعي بن حراش، وجامع بن شداد المحاربي (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه النسائي في كتاب "الزكاة"، باب "أيتهما اليد العليا" (٥/ ٦١)، وابن حبان (٨/ ١٣١)، والدارقطني (٣/ ٤٤ - ٤٥) من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحاربي، قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس … الحديث.
وهو عند النسائي وابن حبان مختصرًا هكذا، ورواه الدارقطني مطولًا.
وهذا الحديث رجاله ثقات، يزيد بن زياد وثقه أحمد وابن معين
стр. 3519
والعجلي، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس، هو صالح الحديث) (١)، وقال الحافظ: (صدوق)، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. وأصله في "الصحيحين"، فأوله جاء من حديث حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول … " (٢) وآخره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك" (٣).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (يد المعطي العليا) هذا تعريف العليا بأنها يد المعطي، وهذا تعريف حسي ومعنوي، فالمنفق يده عالية على يد الأخذ عند القبض، وهي عالية عليها في شرفها وفضلها وإحسانها.
قوله: (وابدأ بمن تعول) أي: ابدأ في الإعطاء والإنفاق بمن تعول، وهو الذي تلزمك نفقته من أهل وعيال، يقال: عال الرجلُ اليتيمَ عولًا، من باب (قال): كفله وقام به، والعيال: أهل البيت ومن يمون الإنسان، الواحد: عَيِّل، مثل: جياد وجيد (٤). وتقدم في "الزكاة".
قوله: (أمك وأباك) منصوب بفعل مقدر؛ أي: أعط أمك.
قوله: (ثم أدناك أدناك) أي: ثم أعط أقاربك الأقرب فالأقرب، وهذا التكرار إما للتوكيد، أو للتدرج في حقوق الأقارب: الأقرب فالأقرب.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن تكون يده عليا بحيث يكون منفقًا محسنًا على قدر حاله واستطاعته، لا أن يكون آخذًا سائلًا؛ لأن البذل والإنفاق يجعل اليد عليا.
стр. 3520
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن إلى أقاربه وأرحامه ويواسيهم بما يستطيع، وأن يبدأ بالأهم فالأهم، فيبدأ بالأم؛ لأنها مقدمة في البدء على الأب، ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية فهو أقل منها، والأخت مقدمة على الأخ، وهكذا يراعي الأقرب فالأقرب من أقاربه إذا لم يكن عنده ما يكفيهم.
* الوجه السادس: اسْتُدِلَّ بهذا الحديث على وجوب نفقة الأقارب على قريبهم إذا كان قادرًا على الإنفاق، والمنفَق عليه محتاجًا، لقوله: "وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك" والمراد بالأقارب: قرابة الأصول والفروع وكل ذي رحم محرم. والله تعالى أعلم.
стр. 3521
وجوب نفقة المملوك على مالكه
١١٤٧/ ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ"، رَوَاهُ مِسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب "الأيمان"، باب "إطعام" المملوك" (١٦٦٢) من طريق عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه، عن العجلان مولى فاطمة، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يجب على السيد نفقة رقيقه وكسوته، سواء أكان عبدًا أم أمة، وأنه لا يكلف من العمل إلا ما كان في حدود قدرته واستطاعته.
وقد جاء في "الصحيحين" من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (١).
وهذا الأمر يراد به الندب؛ لأن السيد لو أطعم رقيقه أدنى مما يأكله وألبسه أقل مما يلبسه فإنه لا يذم؛ لأنه قد أدى الواجب، قال القرطبي: (ولا خلاف في ذلك فيما علمته) (٢)، وإنما موضع الذم أن يمنعه مما تقوم به
стр. 3522
حياته، وأما كونه يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس فهذا من مكارم الأخلاق، وقد لبس أبو ذر ﵁ بُردًا وألبس غلامه مثله، وقد جاء الحديث في الحث عليه والإرشاد إليه؛ لأن هذا نوع من التواضع بحيث لا يرى لنفسه مزية على عبيده، إذ الكل عبيد الله، والمال مال الله، ولكن الله تعالى سخر بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضًا (١).
* الوجه الثالث: يستفاد من ذلك وجوب الإحسان إلى الخدم والعمال بإعطائهم حقوقهم في وقتها، وعدم تكليفهم من العمل ما لا يطيقون، أو التعدي على أوقات عباداتهم وراحتهم، وقد تقدم شيء من ذلك في باب "الإجارة". والله تعالى أعلم.
стр. 3523
وجوب نفقة الزوجة على زوجها
١١٤٨/ ٤ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاويةَ الْقُشَيرِيِّ عَنْ أبيهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنَا عَلَيهِ؟ قَال: "أنْ تُطْعِمَهَا اذَا طَعِمْتَ، وَتَكسُوهَا اذَا اكْتَسَيتَ" الحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ في عِشْرَةِ النِّسَاءِ.
١١٤٩/ ٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِي ﷺ : في حَدِيثِ الْحَجِّ بطُولِهِ، قَال في ذِكْرِ النِّسَاءِ: "وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ" أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث حكيم بن معاوية ﵁ تقدم تخريجه في باب (عشرة النساء) من كتاب "النكاح" برقم (١٠٣٣) مع وجود اختلاف في بعض الألفاظ عما هنا، وقد أخرجه أحمد (٣٣/ ٢١٧)، وأبو داود (٢١٤٢)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٦٩)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وابن حبان (٩/ ٤٨٢)، والحاكم (٢/ ١٨٧ - ١٨٨) كلهم من طريق أبي قزعة الباهلي، عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: … وذكر الحديث.
وهذا الحديث قد صححه ابن حبان، والحاكم، وسكت عنه الذهبي، وحسنه الألباني (١). ولعل ذلك من أجل حكيم بن معاوية، فقد قال عنه الحافظ: (صدوق).
стр. 3524
وكذا حديث جابر ﵁ فقد تقدم تخريجه في باب (صفة الحج) من كتاب "الحج" برقم (٧٤٢)، وهذه الجملة مما حذفه الحافظ -هناك- عند سياقه للحديث، ولذا لم يقل الحافظ إنه تقدم كالذي قبله.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم (١).
ووجه الاستدلال من الحديث الأول: أن قوله: "تطعمها … " جاء جوابًا لقول السائل: (ما حق زوجة أحدنا عليه؟)، ولفظة: (حق) تقتضي الوجوب، لا سيما مع وجود القرائن، ومنها لفظة: (على) فإنها من الحروف الدالة على الإيجاب، كما ذكره الأصوليون.
ووجه الاستدلال من الحديث الثاني: أن صيغة: (لهن عليكم) تفيد إلزام الأزواج بالنفقة والكسوة، وهذا يقتضي الوجوب، ونفقة الزوجة أقوى النفقات، كما تقدم؛ لأنها معاوضة، فتطالب بها أو لها الفسخ؛ لأن الزوجة محبوسة على الزوج يمنعها من التصرف والاكتساب، ومن القواعد المقررة في الشريعة أن من حُبس لِحَقِّ غيره فنفقته واجبة عليه (٢).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن نفقة الزوجة وكسوتها واجبة بالمعروف، وهو المعتاد في بيئتها وزمانها من غير تقتير ولا تبذير، وهذا يدل على أن نفقة الزوجة معتبر فيها الكفاية؛ لأن الرسول ﷺ لم ينص على مقدار معين، بل ترك ذلك إلى المعروف، لاختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص.
وفي حديث حكيم بن معاوية أن حقها على زوجها أن يطعمها من طعامه ويكسوها من كسوته، ولا ريب أن هذا من كمال المروءة ومن مكارم الأخلاق، فلا يقدم نفسه عليها أو يميزها عنه، ويتأكد هذا فيمن عنده أكثر من زوجة. والله تعالى أعلم.
стр. 3525
عظم مسؤولية المرء عمن تلزمه نفقته
١١٥٠/ ٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقوتُ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بلَفْظِ: "أنْ يَحْبِسَ عمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ".
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الزكاة"، بابٌ "في صلة الرحم" (١٦٩٢)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٢٦٨) من طريق أبي إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، مرفوعًا.
والحديث رجاله ثقات غير وهب بن جابر، فهو متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، ونقل الحافظ عن ابن المديني أنه قال: (مجهول) وقال الذهبي: (لا يكاد يعرف، تفرد عنه أبو إسحاق) (١).
وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (٩٩٦) من طريق طلحة بن مصرف، عن خيثمة، قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له، فدخل، فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلقْ؛ فأعطهم، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا … ".
وقد ذكر الصنعاني تبعًا للشارح المغربي أن لفظ مسلم خاص بقوت
стр. 3526
المماليك، ولفظ النسائي عام (١)، ولعل وجه العموم في قوله: "من يقوت" فإنه عام في الزوجة والأولاد والرقيق والحيوان، بخلاف: "من يملك" فهو في المملوك والحيوان، على أن النسائي بَوَّبَ لهذا الحديث بقوله: "إثم من ضَيَّعَ عياله".
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كفى بالمرء إثمًا) كفى: فعلٌ ماضٍ مبني على فتح مقدر، بالمرء: الباء حرف جر زائد، والمرء: مفعول كفى مجرور لفظًا منصوب محلًّا، إثمًا: تمييز.
قوله: (أن يضيع) في تأويل مصدر فاعل كفى، وهو من أضاع الرباعي، أو من ضَيَّعَ مشددًا، وهو من التضييع؛ أي: يترك من يقوت ضائعًا هالكًا.
قوله: (من يقوت) من قاته يقوته: إذا أعطاه قوتًا، والقوت: ما يؤكل ليمسك الرمق، وجمعه: أقوات (٢).
ومعنى الحديث: يكفي في كون المرء آثمًا مذنبًا أن يضيع ويهمل من تلزمه نفقته من مماليك وبهائم وغيرهم.
قوله: (قهرمان) بفتح القاف وإسكان الهاء، هو كالخازن الوكيل والحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور الرجال بلغة الفرس (٣).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على عظم مسؤولية الإنسان عمن تلزمه نفقته، من زوجة وأولاد وأقارب ومماليك وحيوان، وأن تضييع الإنسان وإهماله لمن تحت يده ببخله وإمساكه النفقة عنه من أكبر أسباب الإثم.
فالواجب على الإنسان أن يتقي الله تعالى ويبذل النفقة لمن هي لهم، سواء أكان من بني آدم أم من الحيوان، ولا يجوز له أن يقصر فيها أو يظلم أو يحبسها عنهم بغير حق، وعليه أن يبدأ بمن يعول. والله تعالى أعلم.
стр. 3527
ما جاء في نفقة الحامل المتوفى عنها
١١٥١/ ٧ - عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ -في الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا- قَال: "لَا نَفَقَةَ لَهَا". أَخْرَجَهُ الْبَيهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ قَال: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ.
١١٥٢/ ٨ - وثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ في حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ ﵁ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليهما من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث جابر ﵁ فقد رواه البيهقي (٧/ ٤٣١) من طريق حرب بن أبي العالية، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.
وهذا سند ضعيف، فيه حرب بن أبي العالية، قال الذهبي: (خرج له مسلم وأبو عبد الرحمن حديثًا واحدًا)، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: (روى عنه هشيم، ما أدري، له أحاديث ضعيفة) كأنه ضعفه.
واختلف فيه رأي ابن معين، فمرة قال: (شيخ ضعيف)، ومرة قال: (ثقة) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يهم).
وفيه -أيضًا- عنعنة أبي الزبير، وهو موصوف بالتدليس (٢).
ورواه البيهقي (٧/ ٤٣٠) موقوفًا من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة، حسبها الميراث.
стр. 3528
قال البيهقي: (هذا هو المحفوظ موقوف).
وفيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد رواه عبد الرزاق (٧/ ٣٧) قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: (ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة … ) وفيه تصريح ابن جريج بالتحديث.
وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد مضى تخريجه في باب (الكفاءة والخيار) (١٠٠٦)، ثم في باب (العِدَدِ) (١١١١).
* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن المتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة وإن كانت حاملًا، وهذا الأثر وإن كان موقوفًا وفيه ما تقدم، لكنه مؤيد بأمور ثلاثة:
الأول: أن الوفاة بينونة كبرى، فهي كالطلاق الذي هو آخر الثلاث بجامع البينونة والحِلِّ للغير، ولهذا ذكر الحافظ حديث فاطمة بنت قيس بعد هذا الحديث مع أنه ليس في المتوفى عنها، والمعنى: أنه إذا كانت البائن في حال الحياة لا نفقة لها فالمتوفى عنها من باب أولى.
الأمر الثاني: أن المال قد انتقل من الزوج إلى الورثة فوقعت فيه السهام، وهي من جملتهم لها سهمها، فنفقتها من سهمها.
الأمر الثالث: أنه لو قيل بالنفقة فإنه لا يخلو إما أن تكون النفقة لها أو للحمل، فبطل أن يكون للحمل؛ لأن نفقة الأقارب تسقط بالوفاة، وبطل أن تكون لها؛ لأنها لو كانت لها، لكانت لها وإن كانت حائلًا، فإذا لم تجب لواحد منهما بطل وجوبها.
والقول بأنه لا نفقة لها، هو قول الجمهور من أهل العلم، وهو قول جابر وابن عباس ﵃، وبه قال ابن المسيب وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو الراجح عند الحنابلة، ورجحه ابن المنذر (١).
стр. 3529
والقول الثاني: أن النفقة تجب للمتوفى عنها الحامل، وتكون من جميع المال، وهذا القول حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عمر ﵃ وابن سيرين والشعبي والثوري وآخرين، وهو وجه في مذهب أحمد.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قالوا: ولأنها معتدة بالحمل عن نكاح، فكان لها النفقة كالمطلقة الحامل.
والراجح الأول؛ لقوة مأخذه، وأما الآية فإنها في الحامل المبتوتة، وهو قول أكثر المفسرين، وذلك أن البائن في حال الحياة إذا كانت حاملًا فالإنفاق على زوجها من ماله، بخلاف المتوفى عنها فإن المال انتقل للورثة، كما تقدم، وعلى هذا فالنفقة تكون في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة وجبت نفقته على قريبه.
وهذا الخلاف في المتوفى عنها الحامل، فإن كانت غير حامل فلا نفقة لها بالإجماع (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3530
وجوب الإنفاق على الزوجة والمملوك والولد
١١٥٣/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اليَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْني أوْ طَلِّقْني"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْني، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٩٧) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "اليد العليا خير … " وفي آخره: "ويقول عبده: أطعمني واستعملني، ويقول ولده: إلى من تكلني".
وقد حسن الحافظ هذا الإسناد، لأن فيه عاصم بن بهدلة، وهو حسن الحديث؛ لأن العلماء تكلموا في حفظه (١)، لكن الظاهر أن هذه الرواية معلولة؛ لأن الصواب فيها الوقف، كما في رواية الأعمش عن أبي صالح الآتية، فيكون رفع الحديث من أوهام عاصم.
وقوله: (تقول المرأة … ) ظاهره أنه مرفوع، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة ﵁، بدليل رواية البخاري (٥٣٥٥) من طريق الأعمش، حدثني أبو صالح، قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أفضل الصدقة ما ترك غنًى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني،
стр. 3531
ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني؟ " فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على فضل البذل والإنفاق من غير إسراف، والترغيب في ذلك، وخيرية اليد العليا المعطية على اليد السفلى، وهي يد الآخذ، وقد دل على هذا المعنى حديث حكيم بن حزام في "الصحيحين" (١).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الواجب على المنفق أن يبدأ بمن يعول، فيقدم النفقة الواجبة على غيرها من النفقات؛ كنفقة الزوجة والأولاد والوالدين إذا كانا عاجزين، وغيرهم، وعلى المؤمن الذي أعطاه الله تعالى بسطة في المال أن تكون يده عليا في الأقربين.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن للمرأة أن تطلب الفراق إذا لم ينفق عليها زوجها، وأن هذا حق لها، لها أن تطلبه، ولها أن تصبر وترضى بما عليه زوجها من العسر، وهذا أفضل لها، كما حصل من نساء سلف هذه الأمة إلى يومنا هذا، فإن من النساء التقيات الخيرات من تصبر على عسر زوجها وفاقته، ولا تقول له شيئًا، لحبها له، أو لتقواها وإيمانها، أو لأسباب أُخر. والله تعالى أعلم.
стр. 3532
ما جاء في الفرقة إذا أعسر الزوج بالنفقة
١١٥٤/ ١٠ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ -فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ- قَال: "يُفَرَّقُ بَينَهُمَا". أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبي الزِّنَادِ عَنْهُ قَال: فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: سُنَّةٌ؟ فَقَال: سُنَّةٌ. وَهَذَا مُرْسَلٌ قَويٌّ.
الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه سعيد بن منصور، باب "ما جاء في الرجل إذا لم يجد ما ينفقه على امرأته" (٢/ ٥٥) رقم (٢٠٢٥) قال: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قلت: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ.
ورواه -أيضًا- بهذا الإسناد عبد الرزاق (٧/ ٩٦) والشافعي كما في "ترتيب المسند" (٢/ ٣٢٨).
ورجاله ثقات، لكنه مرسل، والمرسل غير حجة عند المحدثين، وقد قال الشافعي بعد سياقه بهذا الإسناد: (والذي يشبه قول سعيد سنة: أن يكون سنة رسول الله ﷺ ) (١).
وظاهر هذا أن الشافعي يحتج بمثل هذا المرسل، وقد ورد عنه أنه قال: (إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن) (٢) ففهم منه بعض العلماء أنه يرى حجية مراسيل سعيد بن المسيب دون غيرها (٣).
стр. 3533
وقال ابن المديني: (إذا قال سعيد: "مضت السنة" فحسبك به) (١)، وعلى هذا فقول سعيد: (من السنة … ) مستثنى من التابعين، كما قيل في استثناء مراسيله، ويكون الشافعي قد ألحق سعيدًا بالصحابة ﵃ في مثل هذه الصيغة.
والصواب أن الشافعي لا يحتج بمرسل سعيد وإنما يرجح به، والترجيح بالمرسل جائز، ومن راجع كلامه في "الرسالة" رأى ذلك بينًا (٢).
وقد ذكر الحافظ السخاوي القولين في هذه الصيغة هل هي من الموقوف المتصل أو من المرفوع المرسل (٣).
* الوجه الثاني: استدل الفقهاء -ومنهم الحنابلة- بهذا المرسل على أن الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته ولم يستطع الإنفاق أن يفرق بينهما بطلاق أو خلع أو فسخ، وهذا راجع إلى رغبتها وطلبها، فإن اختارت الفراق فلها ذلك؛ لما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁. والقول بجواز التفريق لعدم الإنفاق هو مذهب مالك، والشافعي في القول المعتمد، وأحمد (٤).
كما استدلوا بالعمومات كقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٥)، ولا شك أن الإمساك مع عدم الإنفاق من أبلغ الضرر وأشد الأذى.
كما استدلوا بالقياس على العيب، وذلك أنه يجوز التفريق بالعيب، كما تقدم في "النكاح" وهو لا يفوت به إلا المتعة أو كمالها؛ فالتفريق بالنفقة التي بها قوام الحياة من باب أولى.
وظاهر هذا القول أن لها الفراق مطلقًا، سواء تزوجته وهو معسر عالمة بعسره، أو تزوجته وهو معسر جاهلة بإعساره، أو تزوجته وهو موسر ثم أعسر (٦).
стр. 3534
والقول الثاني في المسألة: أنه لا حق للمرأة في الفسخ، وإنما تطلب من القاضي أن يفرض لها نفقة وتستدين عليه، وهذا مذهب الحنفية والشافعية في قول مرجوح، وأهل الظاهر، وهو مروي عن عطاء والزهري والثوري وابن شبرمة (١). واستدلوا:
١ - بأنه لم يرد دليل صريح على جواز التفريق لعدم الإنفاق.
٢ - أن الله تعالى ندب إلى النكاج مع الفقر، فقال سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فلا يصح أن يكون الفقر سببًا للتفريق.
٣ - أن الصحابة ﵃ كان فيهم الموسر والمعسر، بل كان أكثرهم معسرين، ولم يؤثر أن النبي ﷺ فرق بين زوجين لعدم إنفاق الزوج.
٤ - أن الامتناع عن الإنفاق للعسر ليس ظلمًا، فلا يكون مسوغًا للتفرق، وتكون النفقة حينئذٍ دينًا، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وأجابوا عن أدلة الأولين بأن المراد بها الممتنع عن الإنفاق مع القدرة عليه إذا تعين التفريق طريقًا لرفع ظلمه، أما المعسر فلا ظلم منه فلا يصح التفريق عليه.
والقول الثالث: أنه إذا أعسر الزوج بالنفقة وكانت زوجته موسرة وجب عليها أن تنفق عليه، ولا ترجع عليه بما أنفقت إذا أيسر، وهذا قول ابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فقد جعل الله على الوارث القادر نفقة مورثه العاجز، والمرأة وارثة لزوجها، فعليها إذا كانت موسرة نفقته إذا كان معسرًا، قال ابن حزم: (الزوجة وارثة فعليها نفقته بنص القرآن) (٢).
وهذا استدلال مردود؛ لأن هذه الآية جاءت في النفقة الواجبة للوالدات
стр. 3535
بسبب الولادة دون غيرهن، وقد بينت الآية أن نفقتهن واجبة على المولود له وهو الأب، فإن عَجَزَ كانت على وارث الأب، أو وارث المولود له.
والقول الرابع: لابن القيم، وهو أنه لا حق للمرأة في الفسخ بسبب إعسار الزوج، إلا إذا غرها وتراءى باليسار كذبًا، أوكان ذا مال فترك الإنفاق عليها وعَجَزَتْ عن أخذ كفايتها من ماله، أما إذا تزوجته عالمة بإعساره أو تزوجته موسرًا فأعسر فلا حق لها في طلب الفرقة (١).
وبهذا يكون ابن القيم وافق أصحاب القول الأول في صورة من الصور الثلاث المتقدمة، وهي ما إذا تزوجته معسرًا جاهلة بإعساره، ووافق أصحاب القول الثاني في الصورتين الأُخريين.
والقول بأن لها الفسخ إذا غرها قول قوي؛ لأن هذا من باب الغش والتدليس، وأما إذا كان موسرًا ثم أعسر فليس لها الفسخ؛ لأن هذا ليس باختياره، وكذا في الحال الثانية وهي ما إذا كانت عالمة، لكن لا يمنعها من التكسب؛ لأنه إذا كان ينفق عليها له الحق أن يمنعها من التكسب، أما إذا كان لا ينفق عليها فلا يمنعها من التكسب، وقد نقل الموفق عن أبي حنيفة وصاحبيه وجماعة من السلف ذُكروا في القول الثاني أنه يرفع يده عنها لتكتسب (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3536
إذا غاب الزوج ولم يترك نفقة
١١٥٥/ ١١ - عَنْ عُمَرَ ﵁، أنَّهُ كتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأجْنَادِ في رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهمْ: أنْ يَأَخُذُوهُمْ بِأنْ يُنْفِقُوا أوْ يُطَلِّقُوا. فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا، أخْرَجَهُ الشَّافِعيُّ ثُمَّ الْبَيهَقيُّ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ.
الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه الشافعي (٢/ ٣٢٧ ترتيب مسنده) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦٩) أخبرنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄، به.
وهذا سند ضعيف، مسلم بن خالد هو الزنجي ضعيف، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق كثير الأوهام).
لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه حماد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، به، كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١٢١٧) قال أبو حاتم: (نحن نأخذ بهذا في نفقة ما مضى).
كما تابعه عبد الرزاق (٧/ ٩٣ - ٩٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (كتب عمر إلى أمراء الأجناد: أنِ ادعُ فلانًا وفلانًا -ناسًا قد انقطعوا من المدينة وخلوا منها- فإما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا إليهن بنفقة، وإما أن يطلقوا، ويبعثوابنفقة ما مضى) وهذا كما قال الحافظ: أتم سياقًا من حديث الباب (١).
стр. 3537
وقد جاء في "مسائل أبي داود" أن الإمام أحمد احتج بهذا الحديث (١).
* الوجه الثاني: استدل الفقهاء من المالكية والحنابلة بهذا الأثر على أن الزوج إذا غاب ولم يترك لزوجته نفقة وليس له مال ظاهر أن لها حق المطالبة بفراقه إن رغبت في ذلك، لما يصيبها من الضرر بسبب عدم إنفاقه (٢)؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى قواد جيوشه ورؤساء ألويته في أطراف البلاد الإسلامية في شأن رجال غابوا عن نسائهم، بأنه يلزمهم إرسال نفقة نسائهم أو يفارقونهن، وإذا فارقوهن بعثوا بنفقة ما مضى، إلا إن رضيت الزوجة بإسقاط نفقة ما مضى فلها ذلك.
وهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإن المُنْفِقَ لو غاب عن قريبه ولم ينفق عليه لم تلزمه نفقة ما مضى؛ لأن نفقة القريب مقصود بها سد الحاجة، أما نفقة الزوجة فهي من باب المعاوضة، والمعاوضة لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف ما كان لدفع الحاجة فإنها إذا مضى زمنها استغنى عنها، فأشبه ما لو استغنى عنها بيساره (٣).
وقد استثنى المالكية في موضوع الزوجة إذا غاب زوجها: ما إذا تعهد قريب الزوج أو أجنبي بالإنفاق عليها فلا حق لها في الفراق (٤).
وقالت الشافعية: لا حق لامرأة الغائب في طلب الفراق إلا إذا أثبتت بالبينة أنه معسر حيث هو، فلا يكتفى بالجهل بحاله، ولا بإعساره في مبدأ غيبته؛ لأن الإضرار بها إنما يتحقق بالإعسار، فما لم يثبت لم يكن لها حق الفرقة، فكأن الشافعية يديرون الأمر مع الإعسار لا مجرد الغيبة.
كما اشترطوا لسقوط حقها في طلب الفراق أن يكون المتبرع بالنفقة أصلًا للزوج، والزوج من عياله حتى لا تلحقها بذلك مذلة ولا مهانة، فإن كان أجنبيًّا أو قريبًا غير أصل لم تجبر على قبول النفقة منه، ولا يسقط حقها في المطالبة. والله تعالى أعلم.
стр. 3538
مراتب النفقة ومن أحق بالتقديم ؟
١١٥٦/ ١٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النبِيِّ ﷺ . فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَال: "أنفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أنْفِقْهُ علَى أهْلِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أَنْتَ أَعْلَمُ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائيُ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ.
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الشافعي (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ ترتيب مسنده)، وأبو داود (١٦٩١) في كتاب "الزكاة"، بابٌ "في صلة الرحم"، والنسائي (٥/ ٦٢)، والحاكم (١/ ٤١٥) كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ … وذكر الحديث.
وهذا لفظ الشافعي، وزاد: قال المقبري: ثم يقول أبو هريرة -إذا حدث بهذا الحديث-: (يقول ولدك: أنفق عليَّ إلى من تكلني، تقول زوجتك: أنفق علي أو طلقني، يقول خادمك: أنفق علي أو بعني).
وهذا الحديث قد ذكره الحافظ في كتاب "الزكاة"، باب "صدقة التطوع" برقم (٦٣٦) لكن هناك ساقه بلفظ أبي داود وهو بلفظ: "تصدق به … " في جميع المواضع وهو المناسب لكتاب "الزكاة"، وهنا ساقه بلفظ النفقة مع ما في زيادة الشافعي مما يناسب هذا الباب.
стр. 3539
وقد رواه عن محمد بن عجلان سفيان بن عيينة عند الشافعي وأبي داود والحاكم، وذلك بتقديم الولد على الزوجة كما في هذا السياق، ورواه يحيى القطان، عن محمد بن عجلان عند النسائي بتقديم الزوجة على الولد، وقد يكون هذا الاختلاف من ابن عجلان؛ فإن في حفظه شيئًا.
ويؤيد رواية يحيى حديث جابر ﵁ وفيه: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك) (١).
وحديث الباب سنده حسن، ومحمد بن عجلان قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة) وقد وصفه الذهبي بأنه متوسط في الحفظ (٢)، وعلى هذا فلعله حسن الحديث -إن شاء الله- وأما الحاكم فإنه قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر بينته هناك في "الزكاة".
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الإنسان يبتدئ في موضوع النفقة على الترتيب المذكور في هذا الحديث، فيبدأ بالإنفاق على نفسه، فإن فضل عنده شيء أنفقه على أهله، فإن فضل عنده شيء أنفقه على ولده، ثم على خادمه، وهذا يدل على أن الحقوق وكذا الفضائل إذا تزاحمت أنه يبدأ بالأوكد فالأوكد.
* الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن نفقة الأقارب لا تجب على المنفق إلا إذا كان ما ينفقه عليهم فاضلًا عن نفقة نفسه، إما من ماله أو من كسبه، فأما من لا يفضل عنده شيء فليس عليه نفقة، ونفسه مقدمة؛ ولأن النفقة مواساة، فلا تجب على المحتاج، كالزكاة، وعلى هذا فلا تجب النفقة من رأس المال، ولا من ثمن ملك، ولا من قيمة آلة صنعة، كآلة نجارة أو حدادة، فلا نفقة في قيمتها، لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من هذه الأشياء، وقيده شيخنا بما إذا لم يحصل ضرر (٣)، وهذا وجيه جدًّا،
стр. 3540
فإن رأس المال أو ثمن الملك قد يكون مالًا عظيمًا لا يتأثر بالإنفاق.
وهذا أحد الشروط الثلاثة التي يذكرها الفقهاء لوجوب نفقة الأقارب، وهي أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم.
والشرط الثاني: أن يكون المُنْفَقُ عليهم عاجزين عن الكسب؛ لأن النفقة تجب على سبيل المواساة، فلا تُستحق مع الغنى، كالزكاة.
والشرط الثالث: أن يكون المُنْفِقُ وارثًا للمنفق عليه بفرض كالأخ لأم، أو تعصيب، كالعم وابن العم، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: على الرجل الذي يرث أن ينفق على مورثه حتى يستغني، فأناطت الآية النفقة بالميراث، وهي كذلك تجب على قدر الميراث؛ ولأن الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بالإنفاق عليه وصلته، إلا عموديَّ النسب (١)، فتجب نفقته ولو لم يرثه المنفق، لقوة القرابة، وعموم الأدلة، فمن له أب وجدّ معسران وجبت عليه نفقتهما ولو كان المنفق محجوبًا من الجد بأبيه المعسر.
والراجح في ذلك ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أن الإرث ليس بشرط مطلقًا، فتجب نفقة من يرث بالرحم، كالعمة والخالة، لموافقته لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وأن الشرط إنَّما هو غنى المنفق -كما سيأتي- وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب، لوجوب صلتهم وتحريم قطيعتهم، ومن المعلوم أن من قطع النفقة لم يَبَرَّ ولم يصل، وهذا قول أبي حنيفة، قال ابن القيم: (وهو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه، وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل، وحرم الجنة على كل قاطع رحم، فالنفقة تُستحق بشيئين: بالميراث بكتاب الله، وبالرحم بسنة رسول الله ﷺ ) (٢). والله تعالى أعلم.