← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

إذا غاب الزوج ولم يترك نفقة ١١٥٥/ ١١ - عَنْ عُمَرَ ﵁، أنَّهُ كتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأجْنَادِ في رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهمْ: أنْ يَأَخُذُوهُمْ بِأنْ يُنْفِقُوا أوْ يُطَلِّقُوا. فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا، أخْرَجَهُ الشَّافِعيُّ ثُمَّ الْبَيهَقيُّ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ. الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه الشافعي (٢/ ٣٢٧ ترتيب مسنده) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦٩) أخبرنا مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵄، به. وهذا سند ضعيف، مسلم بن خالد هو الزنجي ضعيف، قال الحافظ في "التقريب": (صدوق كثير الأوهام). لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه حماد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، به، كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١٢١٧) قال أبو حاتم: (نحن نأخذ بهذا في نفقة ما مضى). كما تابعه عبد الرزاق (٧/ ٩٣ - ٩٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (كتب عمر إلى أمراء الأجناد: أنِ ادعُ فلانًا وفلانًا -ناسًا قد انقطعوا من المدينة وخلوا منها- فإما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا إليهن بنفقة، وإما أن يطلقوا، ويبعثوابنفقة ما مضى) وهذا كما قال الحافظ: أتم سياقًا من حديث الباب (١).

стр. 3537

وقد جاء في "مسائل أبي داود" أن الإمام أحمد احتج بهذا الحديث (١). * الوجه الثاني: استدل الفقهاء من المالكية والحنابلة بهذا الأثر على أن الزوج إذا غاب ولم يترك لزوجته نفقة وليس له مال ظاهر أن لها حق المطالبة بفراقه إن رغبت في ذلك، لما يصيبها من الضرر بسبب عدم إنفاقه (٢)؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى قواد جيوشه ورؤساء ألويته في أطراف البلاد الإسلامية في شأن رجال غابوا عن نسائهم، بأنه يلزمهم إرسال نفقة نسائهم أو يفارقونهن، وإذا فارقوهن بعثوا بنفقة ما مضى، إلا إن رضيت الزوجة بإسقاط نفقة ما مضى فلها ذلك. وهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإن المُنْفِقَ لو غاب عن قريبه ولم ينفق عليه لم تلزمه نفقة ما مضى؛ لأن نفقة القريب مقصود بها سد الحاجة، أما نفقة الزوجة فهي من باب المعاوضة، والمعاوضة لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف ما كان لدفع الحاجة فإنها إذا مضى زمنها استغنى عنها، فأشبه ما لو استغنى عنها بيساره (٣). وقد استثنى المالكية في موضوع الزوجة إذا غاب زوجها: ما إذا تعهد قريب الزوج أو أجنبي بالإنفاق عليها فلا حق لها في الفراق (٤). وقالت الشافعية: لا حق لامرأة الغائب في طلب الفراق إلا إذا أثبتت بالبينة أنه معسر حيث هو، فلا يكتفى بالجهل بحاله، ولا بإعساره في مبدأ غيبته؛ لأن الإضرار بها إنما يتحقق بالإعسار، فما لم يثبت لم يكن لها حق الفرقة، فكأن الشافعية يديرون الأمر مع الإعسار لا مجرد الغيبة. كما اشترطوا لسقوط حقها في طلب الفراق أن يكون المتبرع بالنفقة أصلًا للزوج، والزوج من عياله حتى لا تلحقها بذلك مذلة ولا مهانة، فإن كان أجنبيًّا أو قريبًا غير أصل لم تجبر على قبول النفقة منه، ولا يسقط حقها في المطالبة. والله تعالى أعلم.

стр. 3538

مراتب النفقة ومن أحق بالتقديم ؟ ١١٥٦/ ١٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النبِيِّ ﷺ . فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَال: "أنفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أنْفِقْهُ علَى أهْلِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ"، قَال: عِنْدِي آخَرُ؟ قَال: "أَنْتَ أَعْلَمُ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائيُ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الشافعي (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ ترتيب مسنده)، وأبو داود (١٦٩١) في كتاب "الزكاة"، بابٌ "في صلة الرحم"، والنسائي (٥/ ٦٢)، والحاكم (١/ ٤١٥) كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ … وذكر الحديث. وهذا لفظ الشافعي، وزاد: قال المقبري: ثم يقول أبو هريرة -إذا حدث بهذا الحديث-: (يقول ولدك: أنفق عليَّ إلى من تكلني، تقول زوجتك: أنفق علي أو طلقني، يقول خادمك: أنفق علي أو بعني). وهذا الحديث قد ذكره الحافظ في كتاب "الزكاة"، باب "صدقة التطوع" برقم (٦٣٦) لكن هناك ساقه بلفظ أبي داود وهو بلفظ: "تصدق به … " في جميع المواضع وهو المناسب لكتاب "الزكاة"، وهنا ساقه بلفظ النفقة مع ما في زيادة الشافعي مما يناسب هذا الباب.

стр. 3539

وقد رواه عن محمد بن عجلان سفيان بن عيينة عند الشافعي وأبي داود والحاكم، وذلك بتقديم الولد على الزوجة كما في هذا السياق، ورواه يحيى القطان، عن محمد بن عجلان عند النسائي بتقديم الزوجة على الولد، وقد يكون هذا الاختلاف من ابن عجلان؛ فإن في حفظه شيئًا. ويؤيد رواية يحيى حديث جابر ﵁ وفيه: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك) (١). وحديث الباب سنده حسن، ومحمد بن عجلان قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة) وقد وصفه الذهبي بأنه متوسط في الحفظ (٢)، وعلى هذا فلعله حسن الحديث -إن شاء الله- وأما الحاكم فإنه قال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر بينته هناك في "الزكاة". * الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الإنسان يبتدئ في موضوع النفقة على الترتيب المذكور في هذا الحديث، فيبدأ بالإنفاق على نفسه، فإن فضل عنده شيء أنفقه على أهله، فإن فضل عنده شيء أنفقه على ولده، ثم على خادمه، وهذا يدل على أن الحقوق وكذا الفضائل إذا تزاحمت أنه يبدأ بالأوكد فالأوكد. * الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن نفقة الأقارب لا تجب على المنفق إلا إذا كان ما ينفقه عليهم فاضلًا عن نفقة نفسه، إما من ماله أو من كسبه، فأما من لا يفضل عنده شيء فليس عليه نفقة، ونفسه مقدمة؛ ولأن النفقة مواساة، فلا تجب على المحتاج، كالزكاة، وعلى هذا فلا تجب النفقة من رأس المال، ولا من ثمن ملك، ولا من قيمة آلة صنعة، كآلة نجارة أو حدادة، فلا نفقة في قيمتها، لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من هذه الأشياء، وقيده شيخنا بما إذا لم يحصل ضرر (٣)، وهذا وجيه جدًّا،

стр. 3540

فإن رأس المال أو ثمن الملك قد يكون مالًا عظيمًا لا يتأثر بالإنفاق. وهذا أحد الشروط الثلاثة التي يذكرها الفقهاء لوجوب نفقة الأقارب، وهي أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم. والشرط الثاني: أن يكون المُنْفَقُ عليهم عاجزين عن الكسب؛ لأن النفقة تجب على سبيل المواساة، فلا تُستحق مع الغنى، كالزكاة. والشرط الثالث: أن يكون المُنْفِقُ وارثًا للمنفق عليه بفرض كالأخ لأم، أو تعصيب، كالعم وابن العم، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: على الرجل الذي يرث أن ينفق على مورثه حتى يستغني، فأناطت الآية النفقة بالميراث، وهي كذلك تجب على قدر الميراث؛ ولأن الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بالإنفاق عليه وصلته، إلا عموديَّ النسب (١)، فتجب نفقته ولو لم يرثه المنفق، لقوة القرابة، وعموم الأدلة، فمن له أب وجدّ معسران وجبت عليه نفقتهما ولو كان المنفق محجوبًا من الجد بأبيه المعسر. والراجح في ذلك ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أن الإرث ليس بشرط مطلقًا، فتجب نفقة من يرث بالرحم، كالعمة والخالة، لموافقته لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وأن الشرط إنَّما هو غنى المنفق -كما سيأتي- وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب، لوجوب صلتهم وتحريم قطيعتهم، ومن المعلوم أن من قطع النفقة لم يَبَرَّ ولم يصل، وهذا قول أبي حنيفة، قال ابن القيم: (وهو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه، وقواعد الشرع، وصلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل، وحرم الجنة على كل قاطع رحم، فالنفقة تُستحق بشيئين: بالميراث بكتاب الله، وبالرحم بسنة رسول الله ﷺ ) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 3541

تأكيد نفقة الوالدين ١١٥٧/ ١٣ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيم عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبرُّ؟ قَال: "أمَّكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: "أُمَّكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: "أُمَّكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: "أَبَاكَ ثُمَّ الأقْرَبَ فَالأقْرَبَ". أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأدب"، باب "في بر الوالدين" (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧)، وأحمد (٣٣/ ٢٣٠) من طريق بهز بن حكيم، قال: حدثني أبي عن جدي، به. قال الترمذي: (هذا حديث حسن، وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة من أهل الحديث، روى عنه معمر وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وغير واحد من الأئمة). والحديث أصله في البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" … الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أبر) بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء على صيغة المتكلم؛ أي: مَنْ أحسن إليه ومن أَصِلُه؟ والبر: بالكسر هو الإحسان، وهو في حق الوالدين وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق، وهو الإساءة إليهم، والتضييع لحقهم.

стр. 3542

قوله: (قال: أمك) بالنصب لفعل محذوف، دل عليه ما قبله؛ أي: بُرَّ أمك وصلها أولًا. وقد ذكرت الأم في هذا الحديث ثلاث مرات، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري كذلك، وهذا يقتضي أن يكون لها ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال: للأم ثلاثة أرباع البر (١). قوله: (ثم الأقرب فالأقرب) أي: إلى آخر ذوي الأرحام. * الوجه الثالث: في الحديث حث على بر الأقارب والإحسان إليهم، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب، وإنما كانت الأم أحقهم لكثرة تعبها وشفقتها وخدمتها؛ لأن لها فضيلة الحمل والرضاع والتربية، وفي الحمل التعب، ثم مشقة الوضع، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإذا كانت الأم مقدمة على الأب فتقديمها على غيره من باب أولى، ومن بر الأم والأب الإنفاق عليهما. وقد نقل الحافظ عن الجمهور أن الأم مقدمة على الأب في البر، وهذا هو صريح حديث الباب، وأما ما تقدم في حديث طارق: "أمك وأباك" فإن الواو بمعنى (ثم)؛ لأن غير الصريح يحمل على الصريح، وقد نقل بعضهم الإجماع على تقديم الأم على الأب، لكن حكى القاضي عياض في المسألة خلافًا، فقيل: إنهما سواء (٢)، والصواب الأول. والله تعالى أعلم.

стр. 3543

باب الحضانة الحضانة في اللغة: بفتح الحاء وكسرها، مصدر الفعل حَضَنَ حَضْنًا وحَضَانَةً، ومنه: حَضَنَ الطائر بيضه: إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه، وحضنت المرأة ولدها حضانة: إذا ضمته إليها. والحِضْنُ: هو صدر الإنسان أو عضداه وما بينهما، أو ما دون الإبط إلى الكشح (١). وشرعًا: تربية الطفل ورعايته والقيام بجميع أموره في سن معينة، ممن له الحق في الحضانة. وسبب الحضانة: وجود فراق بين الزوجين. وهي من محاسن هذه الشريعة وكمالها وعنايتها برعاية الضعفاء والمحتاجين، وهي قربة وطاعة لله تعالى يثاب القائم بها.

стр. 3544

سقوط حضانة الأم إذا تزوجت ١١٥٨/ ١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄؛ أن امْرَأةً قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنِي كَانَ بَطْنِي لَهُ وعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإنَّ أَبَاهُ طَلَّقَني وَأَرَادَ أنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (١١/ ٣١٠ - ٣١١)، وأبو داود في كتاب "الطلاق"، باب "من أحق بالولد" (٢٢٧٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٧) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو ﵄، أن امرأة قالت: … الحديث. وسنده حسن؛ للخلاف في سلسلة عمرو بن شعيب، وقد تقدم الكلام على ذلك. وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي. قال ابن القيم: (هذا حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا بُدًا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي ﷺ حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا … ) (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وعاء) بكسر أوله؛ أي: ظرفًا له حال حمله.

стр. 3545

قوله: (وثديي) الثدي: نتوء في صدر الرجل والمرأة، وهو في المرأة أوضح؛ لأنه مجتمع اللبن كالضرع لذوات الظلف والخف، يذكر ويؤنث، وجمعه: أَثدٍ وثُدِيٌّ (١). قوله: (سقاء) بكسر السين على وزن كساء، وهو وعاء من جلد يكون للماء واللبن، وجمعه أسقية، والمعنى: له سقاء حال رضاعه. قوله: (وحجري) الحجر: مثلث الحاء، والمراد به: حضن الإنسان. قوله: (له حواء) بكسر الحاء؛ أي: مكانًا يحويه ويحفظه. ومراد الأم بذلك أنها أحق بالولد من أبيه؛ لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب. قوله: (ما لم تنكحي) بفتح التاء وكسر الكاف: تتزوجي. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت الحضانة ومشروعيتها لحاجة المحضون إلى من يقوم بتربيته. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الأم هي الأحق بالحضانة ما لم تتزوج وكانت صالحة لها، وهذا مجمع عليه، قال ابن هبيرة: (اتفقوا على أن الحضانة للأم ما لم تتزوج) (٢). وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، كما ذكر ابن هبيرة، بل نقل بعضهم الإجماع (٣). وذلك لأنها أشفق وأرأف وأصبر وأفرغ. * الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها؛ لأنها أصبحت مشغولة عن الولد بمعاشرة الزوج الجديد، وقد يلحق الصغير شيء من الغلظة والجفاء من قبل الزوج؛ لأن بعض أزواج الأمهات قد يبغض الصغير ولد زوجته ولا يشفق عليه، وفي ذلك خطر يهدد أمن الطفل واستقراره النفسي، فينشأ وتنشأ معه عقد تحيل حياته المستقبلية إلى شر ونفور،

стр. 3546

وسوء طباع، وقد تؤثر حضانتها له على العلاقة الزوجية، واحتمال أن يكون زوج الأم على خلاف ذلك احتمال نادر، والنادر لا يقام له وزن، ولا يكون له حكم. والقول بسقوط حضانة الأم إذا تزوجت هو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، وقد قضى بذلك أبو بكر وعمر ﵄ ولا مخالف لهما، وهذا هو القول الراجح في المسألة، على أن في بعض المذاهب الفقهية استثناءات وتفاصيل موضعها كتب الفقه. ومن ذلك أن الزوج إذا رضي بحضانة ولد الزوج الأول فإن الحضانة لا تسقط، بل هي باقية على أظهر الأقوال؛ لأنها لم تسقط عنها إلا لأجل التفرغ لحقوق الزوج والقيام ببيته وشؤونه، فإذا رضي بالحضانة فالأم أحق بولدها. وذهب الحسن وابن حزم إلى عدم سقوط حضانة الأم بزواجها، واستدل بأن أنس بن مالك ﵁ كان عند والدته وهي مزوجة بأبي طلحة، وكذا أم سلمة تزوجت بالنبي ﷺ وبقي ولدها في كفالتها، وطعن ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب بأنه ضعيف؛ لأنه كان يحدث من صحيفة (١)، وَرُدَّ هذا بأن حديث عمرو بن شعيب قبله الأئمة الكبار أمثال الإمام أحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق والبخاري وغيرهم (٢). وللفقهاء تفاصيل فيمن تنتقل إليه الحضانة إذا عدمت الأم لسبب كتزويج وموت، وكلها اجتهادية لا دليل عليها، والنفس لا تطمئن إلى شيء مما ذكروه، والأقرب ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وهو تقديم الأقرب مطلقًا، سواء من جهة الأم أو من جهة الأب، فإن تساويا قدمت الأنثى. * الوجه السادس: وقع الخلاف بين أهل العلم في وقت سقوط حضانة الأم هل هو بمجرد العقد عليها أو لا بد من الدخول؟ الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة أن الحضانة تسقط بمجرد العقد؛ لأن النكاح هو العقد، فإذا عُقد عليها

стр. 3547

فقد أصبح النكاح متحقق الوجود دخل بها أو لم يدخل؛ ولأنها قد تكون مشغولة بمهام زوجها ومتطلبات الحياة الجديدة. وقالت المالكية، وهو قول مرجوح عند الحنابلة: إن الحضانة لا تسقط إلا بعد الدخول، ولا تسقط بمجرد العقد على الأم (١)؛ لأن الدخول هو الذي يؤدي إلى انشغال الزوجة، وبسببه تتحول إلى التفرغ لحياتها الزوجية مما يصرفها عن الاهتمام بحضانة الطفل. والقول الأول أظهر، فإن الرسول ﷺ قال: "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" وبالعقد يتحقق النكاح، وإنما الدخول من آثار العقد، ومن عُقد عليها صارت زوجة لمن عقد عليها شرعًا. وتظهر وجاهة هذا القول في زماننا هذا؛ لأن تكاليف الزواج والاستعداد له تقتضي جهدًا ووقتًا من الزوجة وأهلها، فانشغالها عن طفلها أمر ممكن، ثم إن الغالب أن المدة بين العقد والدخول تكون مدة قليلة، فالمقصود أنه إن حصل انشغال عنه أثناء الاستعداد للزواج نُزع منها، وإن لم يحصل شيء من ذلك بقي في حضانتها حتى يتم الدخول. * الوجه السابع: في الحديث دليل على اعتبار المعاني والعلل وتأثيرها في الأحكام وأن ذلك أمر مستقر في الفطرة السليمة حتى فِطَرِ النساء؛ لأن هذه الأوصاف الثلاثة التي أدلت بها المرأة وجعلتها سببًا لتعليق الحكم بها قد قررها النبي ﷺ ورتب أثرها عليها، ولو كانت أوصافًا غير مقبولة ألغاها. والله تعالى أعلم.

стр. 3548

ما جاء في تخيير الولد بين أبويه ١١٥٩/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁؛ أن امْرَأَةً قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ وَهِذِهِ أمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهمَا شِئْتَ" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، وأبو داود في الباب السابق (٢٢٧٧)، والترمذي (١٣٥٧)، والنسائي (٦/ ١٨٥ - ١٨٦)، وابن ماجه (٢٣٥١) كلهم من طريق زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة التغلبي، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وأبو ميمونة اسمه سليم … ، وهلال بن ميمونة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو مدنى، روى عنه يحيى بن أبي كثير، ومالك بن أنس، وفليح بن سليمان). وصحح الحديث ابن القطان (١). ورواه ابن أبي شيبة (٧/ ١٣٤)، والطحاوي (٤/ ١٧٧)، والبيهقي (٨/ ٣) من طريق وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة ﵁، بنحوه.

стр. 3549

* الوجه الثاني: أجمع العلماء على أن الصبي قبل سن التمييز يكون عند أمه ما لم تتزوج -كما تقدم- فإذا بلغ سن التمييز واستقل ببعض شؤونه فإنه يخير بين أبويه، فيذهب مع من اختار منهما، وهذا ما قضى به عمر وعلي وأبو هريرة ﵃، وقضى به شريح، وهو قول أحمد والشافعي وإسحاق. واستدلوا بحديث الباب (١). وحددوا سن التمييز بسبع سنوات؛ لأن هذا -في الغالب- هو سن الاستغناء والتمييز، بحيث يتمكن الطفل فيه من الاستغناء عن النساء. وإن خير فلم يختر واحدًا منهما أو اختارهما معًا قدم أحدهما بالقرعة. وشرط تخييره أمران: الأول: أن يكونا جميعًا من أهل الحضانة بحيث تتحقق مصلحة الطفل عند أي واحد منهما، فإذا كان الأب أحفظ للطفل وأغير من الأم قدم عليها، وكذا لو كانت الأم أحفظ من الأب قدمت عليه، ولا عبرة باختيار الصبي في هذه الحال؛ لأنه ضعيف العقل، يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا عبرة باختياره. والتخيير ليس قاعدة مطلقة، إنما المطلق هو مصلحة الصغير. الثاني: أن يكون الغلام عاقلًا، فإن كان معتوهًا فحضانته لأمه؛ لأنها أشفق عليه، وأصبر، وأقوم بمصالحه من أبيه. وإذا اختار الطفل أباه كان عنده ليلًا ونهارًا، ليحفظه ويعلمه ويؤدبه، ولا يمنعه من زيارة أمه، وإن اختار أمه كان عندها ليلًا وعند أبيه نهارًا ليعلمه ويربيه. وإذا مرض الولد المميز ذكرًا كان أو أنثى تمرضه أمه في بيتها حتى ولو لم تكن حاضنته، لما تقدم. وذهبت الحنفية والمالكية إلى عدم التخيير، وقالوا: إنه بعد التمييز يكون

стр. 3550

عند أبيه، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو: "أنت أحق به ما لم تنكحي" ولو كان الاختيار إلى الصبي ما كانت أمه أحق به (١). وأجيب عنه: بأن هذا حديث عام في الأزمنة أو مطلقًا، وحديث التخيير يخصصه أو يقيده، قال الصنعاني: (وهذا جمع حسن بين الدليلين) (٢). * الوجه الثالث: اختلف العلماء في البنت إذا بلغت سبعًا هل تخير كالغلام أو لا؟ فذهب الشافعي إلى أنها تخير كما يخير الغلام؛ لأن كل سن خير فيه الغلام خيرت فيه البنت. والقول الثاني: أنها لا تخير، والأب أحق بها بعد السبع، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو من مفردات المذهب (٣)؛ لأن المقصود من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ وأغير عليها، ولهذا جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها، فتبقى عنده إلى البلوغ، ثم بعده إلى أن يتسلمها زوجها، والحديث إنما ورد في الغلام لا في الجارية. وشرط كونها عند أبيها العناية بها وعدم إهماله لها، فإن أخذها وتركها عند ضرة أمها لتسيء إليها ولا تقوم بمصالحها، وتفضل أولادها عليها، فإن أمها والحالة هذه أحق بها إن رضي زوجها إن كانت متزوجة. والقول الثالث: أنها تبقى عند أمها حتى تحيض، وبعضهم قال: حتى يتسلمها زوجها، وهذا رواية عن أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٤)، ورجحه ابن القيم، فقال: (وهو الصحيح دليلًا)، وقال: (هذا القول هو الذي لا نختار سواه) (٥). وهذا قول قوي؛ لأن البنت بحاجة إلى تعلم آداب النساء والتخلق

стр. 3551

بأخلاقهن وما يتعلق بشؤون المنزل، وهذا لا يتم إلا إذا كانت البنت بصحبة أمها، ومعلوم أن الأب يتصرف في طلب المعاش ولقاء الناس، ولن تجد البنت شفقة وحنانًا كشفقة الأم، ولا بد في ذلك من النظر في المصلحة لها، والتحقق من عدم الضرر والخطر في بقائها عند أمها، ثم إن كونها عند أمها لا يعني تخلي الأب عنها، بل عليه أن يقوم بما يجب عليه، ولو قيل: إن الترجيح في هذه المسألة مرجعه إلى النظر في مصلحة المحضونة ما كان بعيدًا؛ لأن هذا يختلف من أسرة إلى أخرى. والله تعالى أعلم.

стр. 3552

حكم حضانة الأبوين إذا كان أحدهما كافرًا ١١٦٠/ ٣ - عَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ ﵁ أنَّهُ أَسْلَمَ، وأَبَتِ امْرَأتُهُ أنْ تُسْلِمَ. فأقْعَدَ النَّبِيُّ ﷺ الأُمَّ نَاحيَةً، والأبَ ناحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَينَهُمَا. فَمَال إِلَى أُمِّهِ، فَقَال: "اللَّهُمَّ اهْدِهِ"، فَمَال إِلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو الحكم رافع بن سنان الأنصاري الأوسي ﵁ روى عن النبي ﷺ في تخيير الصغير بين أبويه، وكان قد أتى النبي ﷺ حين أسلم وأبت امرأته أن تسلم -كما في حديث الباب-، روى عنه حفيد ابنه: جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه النسائي في كتاب "الطلاق"، باب (إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد) (٦/ ١٨٥) من طريق عثمان البَتِّي، عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عن أبيه، عن جده، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء ابن لهما صغير لم يبلغ الحلم، فأجلس النبي ﷺ الأب ها هنا والأم ها هنا، ثم خيره، فقال: "اللهم اهده، فذهب إليه". هذا سياق الحديث عند النسائي، وهو الموافق لما في "البلوغ" من أن المخير كان ذكرًا.

стр. 3553

وقد أعل هذا بأن عبد الحميد بن سلمة وأباه وجده لا يعرفون، نقل هذا الحافظ عن الدارقطني (١)، وقد وهم عثمان البتي في ذلك، وخالفه آخرون، فقالوا: عبد الحميد بن جعفر. فقد رواه أبو داود (٢٢٤٤) من طريق عيسى بن يونس، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١٢٥ - ١٢٦) من طريق المعافى بن عمران، والحاكم (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وأحمد (٣٩/ ١٦٨) من طريق عيسى بن يونس -أيضًا-، والدارقطني (٤/ ٤٣ - ٤٤) من طريق علي بن غراب وأبي عاصم النبيل، أربعتهم عن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي، عن جدي رافع بن سنان، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال النبي ﷺ : "اقعد ناحية" وقال لها: "اقعدي ناحية"، قال: وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: "ادعواها" فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ : "اللهم اهدها" فمالت الصبية إلى أبيها، فأخذها. وفي هذا السياق أن المخير كانت صبية، وعبد الحميد بن جعفر وأبوه ثقتان، وجده رافع صحابي، كما تقدم. وهذا سند صحيح إن كان جعفر بن عبد الله والد عبد الحميد قد سمع من جد أبيه رافع بن سنان، وقد صرح بالتحديث في إسناد الحاكم، لكن نقل العلائي في "جامع التحصيل" أن عبد العزيز النخشبي قال: هذا مرسل؛ لأن جعفر بن عبد الله لم يدرك جدَّ أبيه، ولم يقل بإرساله أحد سواه (٢). وفي إسناد الحاكم: الحسن بن علي بن زياد وهو السُّرِّي، له ترجمة في "الأنساب" للسمعاني (٣)، وعلى أي حال فجعفر ثقة، وما رواه كان قد حصل في أهل بيته فهو أدرى به (٤)

стр. 3554

وقد ضعف ابن القطان رواية عبد الحميد بن سلمة، وصحح رواية عبد الحميد بن جعفر، وهو يرى أنهما قصتان خُيِّرَ في أحدهما غلام، وفي الأخرى جارية (١)، وقد نقل ابن قدامة عن ابن المنذر أنه قال عن هذا الحديث: (لا يثبته أهل النقل، وفي سنده مقال) (٢). * الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بثبوت الحضانة بعد الفرقة للأم الكافرة وإن كان الولد مسلمًا، ووجه الاستدلال: أنه لو لم يكن للأم حق في الحضانة مع كفرها لم يُقْعِدِ النبي ﷺ الصبية بينهما، وهذا قول الحنفية والمالكية (٣). قالوا: ولأن مناط الحضانة الشفقة، وليست تختلف باختلاف الدين. والقول الثاني: أن الأم الكافرة لا حضانة لها، وهذا قول الشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بأن الحضانة ولاية، وقد دلت نصوص الشريعة على أنه ليس لكافر ولاية على مسلم؛ ولأن أمه ربما فتنته عن دينه، وعلمته الكفر، وزينته له، وربته عليه، وهذا أعظم الضرر، وإذا كان المقصود من الحضانة حفظ الولد ومصلحته فكيف تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه؟! وأجابوا عن الحديث بجوابين: الأول: أنه متكلم في إسناده، كما تقدم. الثاني: أن الطفل اختار أباه بدعوة النبي ﷺ ، وهذا يفيد أن كونه مع الكافر خلاف هدي الله تعالى، وهذا هو الراجح. والمشهور من مذهب الحنابلة أنه ليس للفاسق حضانة ولو كان هو

стр. 3555

الأب؛ لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة، ولا حظ للمحضون في حضانته؛ لأنه يتأثر به، وينشأ على طريقته، وهو قول الجمهور، ويرى ابن القيم أن الفسق لا أثر له على حق الحضانة، وأن اشتراط العدالة في الحاضن في غاية البعد؛ لأنه لو اشترط ذلك -في رأيه- لأفضى إلى ضياع أطفال العالم، ولكانت المشقة عظيمة على الأمة؛ لأنه منذ مجيء الإسلام والفساق يحضنون أبناءهم، ولم نسمع أن تعرض لهم أحد يحاول انتزاع أبنائهم، وقد استطرد ابن القيم في تعليله قائلًا: "إن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه منع فاسقًا من تربية ابنه وحضانته، ولا كذلك ثبت عن الصحابة ﵃" (١). ولو روعي التفريق بين بداية حياة الطفل وعدم فهمه وإدراكه لما هو فسق أو فجور فلا يؤثر الفسق على حق الحضانة، وبين المرحلة التي تليها، وهي التي يتأثر فيها المحضون فَيُمنع الفاسق، لما كان ذلك بعيدًا، كما تقول به الحنفية، ولو قيل: إن الفسق يمنع الحضانة إذا كان يضيع به الولد -ولا سيما في زماننا هذا- لكان وجيهًا، وتحديد ذلك يُرجع فيه إلى القاضي. والله تعالى أعلم.

стр. 3556

ما جاء أن الخالة بمنزلة الأم في الحضانة ١١٦١/ ٤ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى في ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالتِهَا، وَقَال: "الْخَالةُ بِمَنْزلَةِ الأم"، أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ. ١١٦٢/ ٥ - وَأَخْرَجَهُ أحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فَقَال: وَالْجَارِيةُ عِنْدَ خَالتِهَا؛ فإنَّ الْخَالةَ وَالِدَةٌ. الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: حديث البراء ﵁ رواه البخاري في كتاب "الصلح"، باب "كيف يُكْتَبُ؟ " (٢٦٩٩) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁، قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة … وساق الحديث بطوله إلى أن قال: فخرج النبي ﷺ فتبعتهم ابنة حمزة، يا عمِّ، يا عمِّ، فتناولها علي ﵁ فأخذها بيدها، وقال لفاطمة: دونكِ ابنةَ عمك، احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي (١)، وقال زيد: ابنة أخي (٢)، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا". وما قد يخشى من عنعنة أبي إسحاق، فقد زال بتصريحه بالسماع من

стр. 3557

البراء عند البخاري في موضع آخر (١)، وليس هناك قرينة على التدليس، وبهذا يتبين أن إعلال بعض العلماء له بعنعنة أبي إسحاق (٢) ليس بوجيه. وأما حديث علي ﵁ فقد رواه أبو داود (٢٢٨٠)، والنسائي في "الكبرى" (٧/ ٤٣٣)، وأحمد (٢/ ١٦٠ - ١٦١) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، وهبيرة بن يَرِيم، عن علي ﵁، قال: لما خرجنا من مكة اتبعتنا ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم … وساق الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: "والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة". وهذا سند حسن، رجاله ثقات، غير هانئ بن هانئ فهو مستور، كما قال الحافظ في "التقريب"، وهبيرة بن يحيىيم فقد قال فيه الحافظ: (لا بأس به، وقد عيب بالتشيع)، ولعل حديثهما من قبيل الحسن لمتابعة أحدهما للآخر. * الوجه الثاني: هذا الحديث من الأدلة على مشروعية الحضانة وثبوتها لمصلحة الصغير لحفظه وصيانته وتربيته. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن العصبة من الرجال لهم أصل في الحضانة ما لم يوجد من هو أحق منهم؛ لأن النبي ﷺ أقر كلًّا من جعفر وعلي ﵄ على ادعائهما حضانة ابنة عمه، ولم ينكر عليهما. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الأم مقدمة في الحضانة على كل أحد؛ لأن النبي ﷺ لم يعط الخالة حق الحضانة في هذه القصة إلا لأنها بمنزلة الأم لكمال شفقتها وبرها. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الخالة تلي الأم في استحقاق الحضانة، وقد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن، فمقتضى التشبيه في قوله: "الخالة بمنزلة الأم" أن تكون الخالة أقدم من غيرها من أمهات الأم وأقدم من الأب والعمات. وللفقهاء خلاف في المسألة، فمنهم من قال: يقدم الأب على الخالة،

стр. 3558

ومنهم من قال: تقدم الجدة أم الأم وأم الأب على الخالة، ومنهم من قال: تقدم الأخوات، وهي أقوال اجتهادية لا دليل عليها، والأظهر في هذه المسألة ما قاله الشوكاني وهو تقديم الخالة بعد الأم على سائر الحواضن؛ لنص الحديث وفاءً بحق التشبيه المذكور وإلا كان لغوًا (١). * الوجه السادس: في الحديث دليل على أن المرأة إذا تزوجت لا يسقط حقها من الحضانة إذا رضي زوجها بقيامها بالحضانة، وبهذا يحصل التوفيق بين قضاء النبي ﷺ بالحضانة لزوجة جعفر، وبين قوله في الحديث المتقدم: "أنت أحق به ما لم تنكحي". والله تعالى أعلم.

стр. 3559

فضل الإحسان إلى الخدم ١١٦٣/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاولْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَينِ"، مُتفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِي. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأطعمة"، باب "الأكل مع الخدم" (٥٤٦٠) من طريق شعبة، عن محمد هو ابن زياد، قال: سمعت أبا هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أُكُلة أو أُكُلتين، أو لقمة أو لقمتين، فإنه ولي حَرَّهُ وعِلاجَهُ". هذا لفظ البخاري. ورواه مسلم (١٦٦٣) من طريق داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاءه وقد ولي حره ودخانه، فليقعده معه، فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده منه أُكُلة أو أُكلتين"، قال داود: يعني لقمة أو لقمتين. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا أَتَى أحدَكم خادمُه) بتقديم المفعول (أحدكم) على الفاعل (خادمه) لئلا يعود الضمير -لو جاء على الأصل- على متأخر لفظًا ورتبة، والمراد بالخادم: ما يشمل الرقيق والأجير والطباخ وغيرهم، بل قال العلماء: يدخل في ذلك حامل الطعام، كما سيأتي.

стр. 3560

قوله: (فإن لم يجلسه معه) أي: إن الأفضل أن يجلسه معه؛ لما فيه من التواضع وعدم الترفع على المسلم. قوله: (فليناوله) ظاهر الأمر الإيجاب وأنه يناوله من الطعام ما ذكر، وقيل: إن الأمر للندب. قوله: (أُكلة أو أُكلتين) الأُكلة: بضم الهمزة هي اللقمة، وعليه فإن اللفظين المشكوك في أيهما الوارد متحدان من حيث المعنى، و (أو) للتقسيم بحسب حال الطعام وحال الخادم. قوله: (فإنه ولي حره وعلاجه) وعند مسلم (ودخانه) والجملة مستأنفة للتعليل، والمعنى: أن الخادم قد تعلقت نفسه بهذا الطعام، فإنه تولى عمله وإعداده وناله من حره ودخانه ما ناله. قوله: (مشفوهًا) أي: قليلًا؛ لأن الشِفَاهَ كثرت عليه حتى صار قليلًا، وقوله: (قليلًا) أي: قليلًا بالنسبة إلى من اجتمع عليه. * الوجه الثالث: في هذا الحديث حث على مكارم الأخلاق، وأمر بالتواضع وترك التكبر على العبد والخادم، وذلك بالإرشاد إلى هذا الأدب العظيم، وهو أن الخادم إذا أعدَّ الطعام وقدمه للأكل فإنه ينبغي لسيده مراعاة خادمه، وذلك بأن يجلسه معه للأكل أو يناوله منه لقمة أو لقمتين؛ لأنه ولي حره ودخانه، وتعلقت به نفسه، وشمَّ رائحته، وهذا إما على الاستحباب، أو على الوجوب، كما تقدم، والحديث محمول على ما إذا كان الطعام يختلف، بأن كان السيد ونحوه يمتاز بشيء من الطعام عن خدمه، أما إذا كان الطعام واحدًا فلا حاجة إلى ما ذُكر. والأفضل الأكمل أن يكون طعام المخدوم والخادم واحدًا، كما تقدم في حديث أبي ذر ﵁: "فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون"، وقد تقدم نقل الإجماع على أن هذا ليس للوجوب؛ لأن الواجب نفقة المملوك وكسوته بالمعروف، بدليل هذا الحديث؛ فإنه لما أُمر أن يناوله لقمة أو لقمتين دل على أن مساواته غير واجبة، وقد ألحق العلماء حامل الطعام بمن صنعه؛ لوجود المعنى فيه، وهو تعلق نفسه به. والله تعالى أعلم.

стр. 3561

النهي عن تعذيب الحيوان ١١٦٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَال: "عُذِّبَتْ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ النَّارَ فِيهَا، لَا هيَ أطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ"، مُتَفَقٌ عَلَيهِ. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب "أحاديث الأنبياء"، باب "ما ذكر عن بني إسرائيل" (٣٤٨٢)، ومسلم (٢٢٤٢) من طريق محمد بن أسماء الضُّبعي، حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، مرفوعًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عذبت امرأة) في حديث جابر عند مسلم: (من بني إسرائيل) (١) وفي رواية له: (ورأيت في النار امرأة حِمْيريةً سوداءَ طويلةً)، قال الحافظ: (ولا تضاد بينهما؛ لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فنسبت المرأة إلى دينها تارة، وإلى قبيلتها أخرى) (٢). قوله: (في هرة) في للتعليل، ذكر ذلك ابن هشام (٣)، أو للسببية؛ أي: بسبب هرة، وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (من جَرَّاءِ هرةٍ لها) (٤) أي: من أجلها، والهرة: أنثى السِّنَّور، والهر: الذكر، والهرة هي

стр. 3562

البَسَّةُ -بفتح الباء- وذكر صاحب "القاموس" أن العامة تكسر الباء (١). قوله: (سجنتها) جملة مستأنفة؛ لبيان سبب دخولها النار، بسبب الهرة. قوله: (خشاش) بفتح الخاء وكسرها وضمها، والفتح أشهر، والمراد: هوام الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها، وفي رواية مسلم: (حشرات الأرض). * الوجه الثالث: الحديث أصل في تحريم تعذيب الحيوان، وحبسه بدون طعام وشراب؛ لأن هذا من الظلم والتعدي. والموجبُ للعقوبة المذكورة فيه مجموعُ الأمرين من الحبس والمنع من الأكل، وهذا يدل على أن هذا الفعل ذنب عظيم يستحق فاعله النار، وهذا هو الغرض من الإخبار بهذه القصة، وإذا كان هذا في الهرة فكيف بما فوقها من الإبل والبقر والغنم؟! وإذا كان هذا في الحيوان فكيف بظلم بني آدم المعصومين والتعدي عليهم وحبسهم بغير حق، وإيذائهم وتعذيبهم بأنواع العذاب؟! لا ريب أن جرم ذلك فوق ما ذكر بأضعاف مضاعفة، فما جاء في هذا الحديث فهو تنبيه على ما فوقه من الظلم والتعدي. * الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن المرأة كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بسبب الهرة، لقوله: "عذبت في هرة"، "دخلت النار في هرة"؛ لأنها لو كانت كافرة ما علل دخولها بسبب الهرة. والقول الثاني: أنها كافرة، دلَّ على ذلك ما في "المسند" من حديث علقمة، قال: كنا عند عائشة فدخل أبو هريرة، فقالت: أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة أنها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها؟ فقال: سمعته منه، يعني رسول الله ﷺ ، قال عبد الله -يعني ابن الإمام أحمد-: هكذا قال أبي، فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، وإن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث (٢).

стр. 3563

وعلى هذا فإن كانت كافرة فمعناه أنها عذبت بكفرها وزيدت عذابًا بسبب ذلك؛ لأن الحديث نص صريح في تعذيبها بسبب الهرة، ويكون ذكر الهرة تحذيرًا لهذه الأمة من تعذيب الحيوان وأنه سبب للعقوبة، وإن لم تكن كافرة فتعذيبها بسبب الهرة، ولما أصرت على تعذيبها وذلك من الصغائر، صار من الكبائر، وهذا اختيار النووي (١). * الوجه الخامس: جواز اقتناء الهرة وحبسها بشرط إطعامها وسقيها؛ لأن الرسول ﷺ لم يرتب الذم إلا على ترك إطعامها وسقيها، ويلحق بالهرة ما في معناها، والحديث لا يدل على وجوب إطعامها، بل على وجوب تخليتها تأكل بنفسها. * الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب نفقة الحيوان على مالكه، كذا قال النووي، وليس في هذه الرواية ما يدل على ذلك؛ لأن الحديث لا يدل على وجوب إطعام الهرة، بل على وجوب تخليتها تأكل بنفسها، لكن في رواية همام، عن أبي هريرة عند مسلم: "من جَرَّاءِ هرةٍ لها" فهذه ظاهرها الملك، فيدل على وجوب الإنفاق على البهائم وأن على صاحبها علفها وسقيها وما يصلحها. * الوجه السابع: لقد سبق الإسلام بقرون عديدة جمعيات الرفق بالحيوان (٢)، التي تنادي بالحفاظ على الحيوانات وعدم إيذائها، وأما الإنسان فهي لا تهمل الدعوة إلى الرفق به من حيث الجملة، ولكنها تنتقي، فإن كان مسلمًا فلا قيمة له ولا كرامة، وإن كان كافرًا فهو موضع الاحترام والعناية. والله المستعان.

стр. 3564

* الوجه الثامن: هذا الحديث في النهي عن تعذيب الحيوان وما قبله في فضل الإحسان إلى الخدم ليس لذكرهما في "باب الحضانة" مناسبة واضحة، إلا أن يقال: إن الخادم تحت رعاية المخدوم فأشبه الطفل في وجوب مراعاته، وكذا الهرة بحاجة إلى العناية بها إذا حبسها. والله تعالى أعلم.

стр. 3565

كتاب الجنايات الجنايات: جمع جناية، وهي مصدر جنى، والقياس أن المصادر لا تجمع، ولكن لما تعددت أنواعها جمعت، فإنها تكون عمدًا، وشبه عمد، وخطأ، وتكون في الأطراف، والنفس. وهي لغة: التعدي على بدن أو مال أو عرض. وشرعًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، وعلى هذا فالتعريف الشرعي أخص من اللغوي، لاقتصاره على ما يتعلق بالبدن فقط. ومجيء الشريعة بأحكام الجنايات دليل على كمال هذه الشريعة وأنها جاءت لمصالح العباد بجلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم؛ لأن الله تعالى شرع بها ما يردع عن العدوان، ويمنع الناس من ظلم بعضهم بعضًا وتعدي بعضهم على بعض. ولولا هذه العقوبات التي شرعها الله لأهلك الناس بعضهم بعضًا، ولفسد نظام العالم، وليس للناس حياة ولا اطمئنان على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم إلا بتمكين شرع الله تعالى، وعلى حسب قوة الرادع في أي دولة يقوى الأمن، وعلى حسب ضعف الرادع يضعف الأمن، وهذا أمر مشاهد محسوس.

стр. 3566

حرمة دم المسلم ١١٦٥/ ١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدينِهِ الْمُفَارِق للْجَمَاعَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ١١٦٦/ ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إلا في إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الإسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "الديات"، باب "قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ " (٦٨٧) من طريق حفص بن غياث، ورواه مسلم (١٦٧٦) من طريق حفص بن غياث وأبي معاوية ووكيع كلهم من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكر الحديث. ورواه مسلم -أيضًا- من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "والله الذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم … " وذكره بنحوه. وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الحدود"، باب

стр. 3567

(الحكم فيمن ارتد) (٤٣٥٣)، والنسائي (٨/ ٢٣)، والحاكم (٤/ ٣٦٧) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن عبيد الله بن عمير، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا. وهذا الحديث رجاله ثقات، وعبيد بن عمير هو أبو قتادة الليثي. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. وقال ابن عبد الهادي: (هو حديث صحيح على شرط الصحيح) (١). وقد نقل الحافظ -هنا- تصحيح الحاكم، وصرح بصحته في "الدراية" (٢). وروى مسلم من طريق الأعمش، أنه لما روى حديث ابن مسعود السابق، قال: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله، ولعل الحافظ ذكر حديث عائشة مع أن ما جاء فيه أفاده ما قبله؛ لأن فيه تفسيرًا وتقييدًا وزيادة على ما قبله. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم) أي: لا يجوز سفك دم إنسان مسلم، يعني قتله، وفي رواية عند مسلم من طريق سفيان: "لا يحل دم رجل" وهذا كناية عن قتله ولو لم يُرَقْ دمه، كما لو خنقه أو سَمَّه، وإنما عبر بذلك باعتبار الغالب في القتل وهو إراقة الدم. قوله: (امرئ) أي: رجل، ويقال: مرء مسلم، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ومؤنثه: امرأة ومَرْأَة ومَرَةٌ، وخص الذَّكَرَ -هنا- بالذكر لشرفه وأصالته وغلبة دوران الأحكام عليه. قوله: (يشهد … إلخ) هذه صفة ثانية لقوله: "مسلم" وهي صفة كاشفة؛ لأن المسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا كان يشهد تلك الشهادة، والصفة الكاشفة هي التي تبين حقيقة الموصوف.

стр. 3568

قوله: (إلَّا بإحدى ثلاث) الباء سببية، وثلاث على تقدير محذوف يفهم من السياق؛ أي: إلَّا بسبب إحدى خصال ثلاث، أو ثلاث خصال، وهي: الزنا والقتل والارتداد، ثم فصلها بتعداد المتصفين بها، كما في حديث عائشة الذي بعده، وقد وقع في رواية الثَّوري: "إلَّا ثلاثة نفر". قوله: (الثيب الزاني) يجوز فيه الجر على أنَّه بدل مما قبله، وعلى البدلية لا بد فيه وفيما بعده من مضاف محذوف، تقديره: خصلة الثيب الزاني، وقصاص النَّفس بالنفس، وترك التارك لدينه، وبدون هذا التقدير يتعذَّر الإبدال؛ لأنَّ الثيب وما بعده ليسوا نفس هذه الخصال، ويجوز رفعه على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وهي، والنصب بتقدير: أعني. والثيب: من ليس ببكر، وهو وصف يطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل ثيب، وامرأة ثيب، وهو عند الفقهاء: المكلف الحر الذي وطئ في نكاح صحيح ولو طلقها، والأنثى مثله. قوله: (والنفس بالنفس) الباء للمقابلة، والمعنى: أن قاتل النَّفس يقتل في مقابلة النَّفس التي قتلها، ولفظ الحديث هو لفظ الآية، والحديث هنا مطلق، لكنَّه مقيد بما في حديث عائشة ﵂ الذي بعده، وهو قوله: "ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا يقتل" كما أنَّه مقيد بأحاديث ستأتي. قوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة) أي: المرتد عن الإسلام، والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين؛ أي: فارقهم بالارتداد ولو كان بينهم، وإلا فالغالب أنَّه لا يبقى معهم، وهي صفة للتارك، لا صفة مستقلة، وإلا لكانت الخصال أربعًا. قوله: (ورجل يقتل مسلمًا) التّقييد بالرجل لا مفهوم له؛ لأنَّ المرأة مثله، وإنَّما خص الرجل؛ لأنَّ الغالب أن القتل يقع من الرجال. قوله: (ورجل خرج من الإسلام) الخروج من الإسلام إمَّا أن يراد به الردة، وإما أن يراد به المحاربة، بدليل ما بعده، ويكون التعبير بالخروج عن الإسلام للوعيد الشديد على الخروج على الإمام.

стр. 3569

قوله: (فيحارب الله ورسوله) المراد بالمحاربة هنا: المضادة والمخالفة والمناقضة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطَّريق وإخافة السبيل، لكن قوله: "فيقتل … " يؤيد أن المراد به المحارب، فإن ما ذكر هنا هو الذي أمر الله به في حق المحاربين (١). قوله: (يصلب) الصلب: تعليق الإنسان للقتل على جذع ونحوه. قوله: (أو ينفى من الأرض) النفي من الأرض: هو الجلاء والإخراج منها، والمراد هنا: أن يبعد من بلده إلى بلد آخر. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على عصمة دم المسلم؛ وأنَّه لا يحل دمه إلَّا إذا ارتكب واحدًا من هذه الخصال الثلاث، وهي: ١ - الزنا بعد الإحصان، بخلاف البكر، فإنَّه يجلد ويغرب ولا يرجم. ٢ - قتل النَّفس عمدًا عدوانًا، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وعموم الحديث يدل على أنَّه يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، والمسلم بالكافر، وسيأتي الكلام في ذلك. ٣ - الارتداد عن دين الله تعالى. فمن فعل واحدة من هذه الثلاث استحق عقوبة القتل؛ إمَّا كفرًا وهو المرتد، وإما حدًّا وهما: الزاني والقاتل، وذلك لما في قتله من المصالح العظيمة، وهي حفظ الأنساب والنفوس والأديان. والأصل في الدماء العصمة شرعًا وعقلًا، أما عقلًا فلأن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ليؤدي دوره في هذه الحياة، وفي القتل إبادة له وحرمان له من الحياة، وإفساد لهذه الصورة الإنسانية. وأمَّا شرعًا فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا

стр. 3570

فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وهذه الأمور الثلاثة سيأتي تفصيلها -إن شاء الله تعالى- عند أحاديثها، منها: ما في هذا الباب، ومنها ما هو في الأبواب القادمة. ° الوجه الرابع: مفهوم قوله: "إلَّا بإحدى ثلاث" أنَّه لا يحل إراقة دم المسلم بغير هذه الثلاث، وقد جاء ما يدل على أنَّه يحل بغيرها، فيكون عموم هذا المفهوم مخصصًا بما ورد من الأدلة الدّالة على أنَّه يحل دم المسلم بغير الأمور المذكورة، ومنهم من قال: إن ما ورد من الأدلة الأخرى يمكن رده إلى حديث ابن مسعود ﵁ (١). ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه لا بد في صحة إسلام المرء من نطقه بالشهادتين: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يعرف إلَّا بالتلفظ والاتصاف. ° الوجه السادس: استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أن تارك الصَّلاة كسلًا لا يقتل، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وقول المزني من الشَّافعية، والزهري وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وداود بن علي (٢)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حصر إهدار دم المرء المسلم في هذه الثلاثة بلفظ النفي والاستثناء، وتركُ الصَّلاة ليس واحدًا منها. وأجيب عن ذلك بجوابين: الأوَّل: أن هذا الحديث عام خصصته الأحاديث الدّالة على وجوب قتل تارك الصَّلاة (٣)، ومنها: حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلَّا بحق

стр. 3571

الإسلام، وحسابهم على الله" (١). الثَّاني: أن الحديث دليل على أنَّه يقتل؛ لأنَّه جعل التارك لدينه منهم، والصلاة ركن الدين الأعظم، ولا فيما إذا قلنا بأنه كافر، فقد ترك الدين بالكلية، وإن لم يكفر فقد ترك عمود الدين (٢). أما من ترك الصَّلاة جاحدًا لوجوبها فلا خلاف في كفره وأنَّه مرتد عن دين الإسلام، ويقام عليه حد الردة، والخلاف فيمن تركها كسلًا وهو يعترف بفرضيتها. ° الوجه السابع: في حديث عائشة ﵂ دليل على أن من أقام محاربًا بعد ارتداده أن الإمام غير فيه بين قتله أو صلبه أو نفيه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] لكن ينبغي تقييد حرابته بما إذا لم يَقْتُلْ وإلا قُتل. أما من ارتد ولم يحارب فلا يعاقب إلَّا بالقتل، كما دل عليه حديث ابن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم.

стр. 3572

تعطيم شأن الدماء ١١٦٧/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه البُخاريّ في كتاب "الرقاق"، باب "القصاص يوم القيامة" (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨) من طريق الأعمش، حدثني شقيق، قال: سمعت عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ … فذكره. وهذا لفظ مسلم؛ لأنَّ لفظة (يوم القيامة) ليست عند البُخاريّ. ° الوجه الثَّاني: في الحديث دليل على عظم شأن دم الإنسان، فإنَّه لم يُبدأ به يوم القيامة في القضاء والفصل بين النَّاس إلَّا لكونه أهمَّ وأعظمَ من غيره من أنواع المظالم بين العباد، وذلك الشاهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، كما تقدم، وهذا فيه تحذير بليغ من حقوق العباد عمومًا؛ لئلا تلحق المسلمَ عاقبتُها في ذلك الموقف العظيم، وأعظمها الدماء، قال ابن دقيق العيد: (هذا تعظيم لأمر الدماء، فإن البدء يكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه) (١). ° الوجه الثالث: ورد هذا الحديث عند النَّسائيّ بلفظ: "أول ما يحاسب

стр. 3573

به العبد الصَّلاة، وأول ما يقضي بين النَّاس في الدماء" (١). وهذا يدل على عظم شأن الصَّلاة، فإنَّه لم يُبدأ بها يوم القيامة في الحساب إلَّا لكونها أعظم العبادات. ولا منافاة بين أول الحديث وآخره -إن قيل بصحته (٢) -، لأنَّ أوله يتعلق بما بين العبد وربه، وآخره بما بين العبد وغيره من الخلق (٣)، أو يقال: إن أوله في أولية الحساب، وآخره في أولية القضاء، والقضاء معناه: الفصل في الخصومات، والحساب: إطلاع العباد على أعمالهم، وهذا كله من باب الجمع بالاعتبار المذكور، فإن قلنا بالترجيح -وهو المتعين- فلا كلام في ترجيح ما في "الصحيحين". والله تعالى أعلم.

стр. 3574

حكم قتل الحر بالعبد ١١٦٨/ ٤ - عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدع عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَفي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: "وَمَنْ خَصى عَبْدَهُ خَصَينَاهُ"، وَصحّحَ الْحَاكِمُ هَذِه الزِّيَادَةَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٢٩٦)، وأبو داود في كتاب "الديات"، باب "من قتل عبده أو مَثَّلَ به أيقاد منه؟ " (٤٥١٥)، والترمذي (١٤١٤)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢١)، وابن ماجة (٢٦٦٣) من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، مرفوعًا. وقد رواه عن قتادة جماعة منهم: شعبة، وأبو عوانة، وابن أبي عروبة وغيرهم. ورواه أبو داود (٤٥١٦)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٠)، والحاكم (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨) من طريق هشام، عن قتادة، به بزيادة: "ومن خصى عبده خصيناه". قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقال التِّرمذيُّ: (هذا حديث حسن غريب)، ونقل في "العلل" عن البُخاريّ أنَّه قال: (كان علي بن المديني يقول بهذا الحديث) قال محمَّد:

стр. 3575

(وأنا أذهب إليه) (١). والحديث مداره على رواية الحسن، عن سمرة، وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف تقدم ذكره، وخلاصته: أنَّه قيل: إنَّه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنَّما هو كتاب، وقيل: إنَّه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأمَّا غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب، ثم إنَّه ليس هذا هو المهم، وإنَّما المهم أن الحسن كان يدلس، ولا يقبل من حديثه إلَّا ما صرح فيه بالسماع، وهو هنا رواه بالعنعنة، وقد جاء في سياق الإسناد عند الإمام أحمد التصريح بأن الحسن لم يسمعه من سمرة. ولهذا قال الحافظ ابن رجب: (وقد طعن في هذا الحديث الإمام أحمد وغيره) (٢). ورواه عبد الرَّزاق في "مصنفه" (٩/ ٤٨٨) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن مرسلًا. وقد تكلم العلماء في رواية معمر عن قتادة (٣). ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من جدع عبده جدعناه) الجدع: هو القطع، يقال: جدعت الأنف جدعًا من باب (نفع): قطعته، وكذا الأذن واليد والشفة، لكنَّه بالأنف أخص (٤). قوله: (ومن خمس عبده خصيناه) الخِصَاءُ: سَلُّ الخصيتين ونزعهما، تقول: خصيت العبد أخصيه خِصاء -بالكسر-: سللت خِصْييه، فهو خَصِيٌّ (٥). ° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بأن الحر يقتل بالعبد قصاصًا، فإذا قَتَلَ حر عبدًا وجب الاقتصاص منه، وهذا قول النَّخعيُّ وداود
следующие страницы →