← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الإسلام، وحسابهم على الله" (١). الثَّاني: أن الحديث دليل على أنَّه يقتل؛ لأنَّه جعل التارك لدينه منهم، والصلاة ركن الدين الأعظم، ولا فيما إذا قلنا بأنه كافر، فقد ترك الدين بالكلية، وإن لم يكفر فقد ترك عمود الدين (٢). أما من ترك الصَّلاة جاحدًا لوجوبها فلا خلاف في كفره وأنَّه مرتد عن دين الإسلام، ويقام عليه حد الردة، والخلاف فيمن تركها كسلًا وهو يعترف بفرضيتها. ° الوجه السابع: في حديث عائشة ﵂ دليل على أن من أقام محاربًا بعد ارتداده أن الإمام غير فيه بين قتله أو صلبه أو نفيه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] لكن ينبغي تقييد حرابته بما إذا لم يَقْتُلْ وإلا قُتل. أما من ارتد ولم يحارب فلا يعاقب إلَّا بالقتل، كما دل عليه حديث ابن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم.

стр. 3572

تعطيم شأن الدماء ١١٦٧/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه البُخاريّ في كتاب "الرقاق"، باب "القصاص يوم القيامة" (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨) من طريق الأعمش، حدثني شقيق، قال: سمعت عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ … فذكره. وهذا لفظ مسلم؛ لأنَّ لفظة (يوم القيامة) ليست عند البُخاريّ. ° الوجه الثَّاني: في الحديث دليل على عظم شأن دم الإنسان، فإنَّه لم يُبدأ به يوم القيامة في القضاء والفصل بين النَّاس إلَّا لكونه أهمَّ وأعظمَ من غيره من أنواع المظالم بين العباد، وذلك الشاهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، كما تقدم، وهذا فيه تحذير بليغ من حقوق العباد عمومًا؛ لئلا تلحق المسلمَ عاقبتُها في ذلك الموقف العظيم، وأعظمها الدماء، قال ابن دقيق العيد: (هذا تعظيم لأمر الدماء، فإن البدء يكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوب تعظم بحسب عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه) (١). ° الوجه الثالث: ورد هذا الحديث عند النَّسائيّ بلفظ: "أول ما يحاسب

стр. 3573

به العبد الصَّلاة، وأول ما يقضي بين النَّاس في الدماء" (١). وهذا يدل على عظم شأن الصَّلاة، فإنَّه لم يُبدأ بها يوم القيامة في الحساب إلَّا لكونها أعظم العبادات. ولا منافاة بين أول الحديث وآخره -إن قيل بصحته (٢) -، لأنَّ أوله يتعلق بما بين العبد وربه، وآخره بما بين العبد وغيره من الخلق (٣)، أو يقال: إن أوله في أولية الحساب، وآخره في أولية القضاء، والقضاء معناه: الفصل في الخصومات، والحساب: إطلاع العباد على أعمالهم، وهذا كله من باب الجمع بالاعتبار المذكور، فإن قلنا بالترجيح -وهو المتعين- فلا كلام في ترجيح ما في "الصحيحين". والله تعالى أعلم.

стр. 3574

حكم قتل الحر بالعبد ١١٦٨/ ٤ - عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدع عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَفي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: "وَمَنْ خَصى عَبْدَهُ خَصَينَاهُ"، وَصحّحَ الْحَاكِمُ هَذِه الزِّيَادَةَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٢٩٦)، وأبو داود في كتاب "الديات"، باب "من قتل عبده أو مَثَّلَ به أيقاد منه؟ " (٤٥١٥)، والترمذي (١٤١٤)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢١)، وابن ماجة (٢٦٦٣) من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، مرفوعًا. وقد رواه عن قتادة جماعة منهم: شعبة، وأبو عوانة، وابن أبي عروبة وغيرهم. ورواه أبو داود (٤٥١٦)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٠)، والحاكم (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨) من طريق هشام، عن قتادة، به بزيادة: "ومن خصى عبده خصيناه". قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقال التِّرمذيُّ: (هذا حديث حسن غريب)، ونقل في "العلل" عن البُخاريّ أنَّه قال: (كان علي بن المديني يقول بهذا الحديث) قال محمَّد:

стр. 3575

(وأنا أذهب إليه) (١). والحديث مداره على رواية الحسن، عن سمرة، وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف تقدم ذكره، وخلاصته: أنَّه قيل: إنَّه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنَّما هو كتاب، وقيل: إنَّه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأمَّا غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب، ثم إنَّه ليس هذا هو المهم، وإنَّما المهم أن الحسن كان يدلس، ولا يقبل من حديثه إلَّا ما صرح فيه بالسماع، وهو هنا رواه بالعنعنة، وقد جاء في سياق الإسناد عند الإمام أحمد التصريح بأن الحسن لم يسمعه من سمرة. ولهذا قال الحافظ ابن رجب: (وقد طعن في هذا الحديث الإمام أحمد وغيره) (٢). ورواه عبد الرَّزاق في "مصنفه" (٩/ ٤٨٨) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن مرسلًا. وقد تكلم العلماء في رواية معمر عن قتادة (٣). ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من جدع عبده جدعناه) الجدع: هو القطع، يقال: جدعت الأنف جدعًا من باب (نفع): قطعته، وكذا الأذن واليد والشفة، لكنَّه بالأنف أخص (٤). قوله: (ومن خمس عبده خصيناه) الخِصَاءُ: سَلُّ الخصيتين ونزعهما، تقول: خصيت العبد أخصيه خِصاء -بالكسر-: سللت خِصْييه، فهو خَصِيٌّ (٥). ° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بأن الحر يقتل بالعبد قصاصًا، فإذا قَتَلَ حر عبدًا وجب الاقتصاص منه، وهذا قول النَّخعيُّ وداود

стр. 3576

الظاهري، وهو مروي عن قتادة والثوري، وهو اختيار ابن تيمية وابن عثيمين (١). ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن السيد يقاد بعبده في النَّفس والأطراف، وإذا كان القصاص مشروعًا في حق السيد إذا اعتدى على عبده، فإنَّه يكون مشروعًا في حق من قتل عبد غيره من باب أولى، كما استدلوا بعموم الأدلة في وجوب القصاص، وبقوله ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" وسيأتي، فدل على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية والرق. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتص من الحر إذا قتل عبد غيره، ولا يقتص منه إذا قتل عبده (٢). واستدلوا: بقول النَّبيِّ ﷺ لِزِنْبَاع بن روح بن سلامة الجُذاميّ لما جبَّ عبده وجاع أنفه: "من مَثَّلَ بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله" (٣). وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الحر لا يقتل بالعبد مطلقًا، سواء أكان عبده أم عبد غيره، وإنَّما يؤدب، وعليه قيمته بالغةً ما بلغت، واختاره ابن باز في "شرحه" على "البلوغ" (٤). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] قالوا: فمقتضى ظاهر هذه الآية أن الحر لا يقتل إلَّا بالحر، وأن العبد لا يقتل إلَّا بالعبد، وأن الأنثى لا تقتل إلَّا بالأنثى، إلَّا أننا خالفنا الظاهر في قتل العبد بالحر وقتل الأنثى بالذكر للإجماع على

стр. 3577

ذلك (١). وللمعنى المستنبط من نسق الآية، وهو أن الجنس يقتل بما يماثله، وإذا قُتل بما يماثله قتل بما هو فوقه من باب أولى، وأمَّا الحر فإنَّه لا يقتل بالعبد؛ لأنَّه لا يلزم من قتل الجنس بما يماثله أن يقتل بمن هو دونه، والعبد لا يساوي الحر بل هو أقل منه (٢). والقول الأول وجيه لما تقدم؛ ولأنَّه هو الذي يتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة من حقن الدماء والحفاظ على الأرواح من أن تُزهق بغير حق، قال ابن تيمية: (ليس في العبد نصوص صريحة صحيحة تمنع قتل الحر به) وقَوَّى أنَّه يقتل به، وقال: هذا الراجح (٣). وأمَّا الآية فلا دلالة فيها على المدَّعَى؛ لأنَّها لم ترد لبيان مقابلة الجنس بجنسه وحتمية ذلك، وإنَّما وردت -والله أعلم- ردًّا على أناس حصل بينهم قتال في الجاهلية، ولم يقتصوا إلَّا بعد الإسلام، وحلفوا ألا يرضوا إلَّا بالحر بدل العبد، والرجل بدل المرأة، ثم إن الاستدلال بها عن طريق مفهوم المخالفة، وهو لا يعتبر حجة إذا عارضه المنطوق، والذي يظهر أن الاستدلال بالآية غير ظاهر، كما يقول الشوكاني (٤)، وأمَّا دليل أبي حنيفة فهو ضعيف، فيه المثنى بن الصباح، وهو لا يحتج به. والله تعالى أعلم.

стр. 3578

حكم قتل الوالد بالولد ١١٦٩/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بالْوَلَدِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِي، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْبَيهَقيُّ، وَقَال التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ مُضْطَرِب. * الكلام عليه من وجوهين: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: فقد رواه أحمد (١/ ٤٢٣)، والترمذي في أبواب "الديات"، باب "ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا؟ " (١٤٠٠)، وابن ماجة (٢٦٦٢) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. وهذا سند ضعيف؛ لأنَّ فيه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، وبه أعله الحافظ في "التلخيص" (١)، قال ابن المبارك: (كان الحجاج يدلس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه العرزمي، والعرزمي متروك لا نقر به) (٢). وقد تابع الحجاجَ ابنُ لهيعة، كما عند أحمد (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) وصرح بالتحديث عن عمرو بن شعيب، وهذا فيه نظر، فقد قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (لم يسمع ابن لهيعة من عمرو شيئًا) (٣). ومما يؤيد ذلك أن الإمام أحمد رواه -أيضًا- من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب به،

стр. 3579

هكذا بالعنعنة (١). ورواه ابن الجارود (٧٨٨)، والبيهقيّ (٨/ ٣٨) من طريق محمَّد بن عجلان، وابن أبي عاصم في "الديات" (٦٦) من طريق المثني بن الصباح، كلاهما عن عمرو بن شعيب به. وقد صحح الحديث ابن الجارود، والبيهقيّ، كما في "معرفة السنن" (١٢/ ٤٠) فإنَّه لما رواه من طريق ابن عجلان قال: (هذا إسناد صحيح)، ثم رواه من طريق الحجاج، وقال: (والحجاج غير محتج به). وقد حكم التِّرمذيُّ على هذا الحديث بأنه مضطرب، وذلك أنَّه روي موصولًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر، وروي عن سراقة بن مالك، عن النَّبيِّ ﷺ ، وروي عن عمرو بن شعيب مرسلًا (٢)، ورويَ من حديث ابن عباس ﵄، ومع أن التِّرمذيُّ حكم باضطرابه إلَّا أنَّه قال: (والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به). ° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنَّه لا يقاد الوالد بالولد، والمعنى: أن الوالد إذا قتل ولده فإنَّه لا يجب عليه القصاص سواء أكان القاتل هو الأب أَمِ الأم، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة (٣)، واختاره ابن باز في "شرحه". كما استدلوا بعموم الأدلة الموجبة لبر الوالدين والإحسان إليهما، والاقتصاص منهما ينافي ذلك؛ ولأن الوالد سبب في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدام الوالد؛ ولأن القصاص شرع للردع والزجر، وليس هناك حاجة إلى ردع الوالد عن قتل ولده؛ لما هو معروف عن الوالدين من الشفقة على أولادهم والرحمة بهم، وهذه تمنعهم من قتل أولادهم ظلمًا وعدوانًا.

стр. 3580

وقال داود الظاهري ومالك وأحمد في رواية عنهما وابن المنذر: إنَّه يجب القصاص على الوالد إذا قتل ولده؛ لعموم الأدلة في وجوب القصاص من القاتل، وعدم ورود ما يقوى على تخصيصها، واختار هذا ابن عثيمين (١). وأجابوا عن الأحاديث بأنها لا تقوم بها حجة، لما تقدم من الكلام عليها، وأمَّا التعليل بأن الوالد سبب إيجاد الولد … فهو مردود؛ فإن الولد لم يكن سببًا في إعدام والده، بل هو سبب إعدام نفسه. وقال مالك: إن تعمد القتل تعمدًا لا شك فيه مثل أن يضجعه ويذبحه أو يبقر بطنه ونحو ذلك، قتل، بخلاف ما لو ضربه بعصا ونحوه، فمات (٢). وكأن مالكًا غَلَّبَ شفقة الأب وأنها شبهة قائمة في عدم قتل الأب بابنه إلَّا في حالة تزول فيها الشفقة زوالًا لا لبس فيه، كالصور المتقدمة، فهنا تأتي عمومات الأدلة. وعند التأمل نجد أن العمومات قوية في هذه المسألة، وتبقى الأدلة المعارضة لها، هل تقوى على تخصيصها أو لا؟ ويبقى نظر القاضي واجتهاده. والله تعالى أعلم.

стр. 3581

ما جاء في قتل المسلم بالكافر وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ١١٧٠/ ٦ - عَنْ أَبي جُحَيفَةَ قَال: قُلْتُ لِعَليٍّ ﵄: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ الْوَحْيِ غَيرُ الْقُرْآنِ؟ قَال: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إلا فَهْمٌ يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالى رَجُلًا في الْقُرْآنِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا في هذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَال: "الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ١١٧١/ ٧ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَقَال فِيهِ: "المُؤْمِنُونَ تَتَكافأُ دِمَاؤُهُمْ، ويسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ" وَصحَّحَهُ الحَاكِمُ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجهما: أما حديث أبي جحيفة ﵁ فقد رواه البُخاريّ في عدة مواضع من "صحيحه"، أولها في كتاب "العلم"، باب "كتابة العلم" (١١١)، ومنها في كتاب "الجهاد"، باب "فكاك الأسير" (٣٠٤٧) من طريق زهير، حدَّثنا مطرف، أن عامرًا حدثهم عن أبي جحيفة ﵁ قال: قلت لعلي ﵁ … وذكر الحديث. وعامر هو الشعبي، وأبو جحيفة هو الصحابي الجليل وهب السُّوائيُّ، وهذا الحديث فيه رواية صحابي عن صحابي.

стр. 3582

وأمَّا حديث علي ﵁ فقد رواه أحمد (٢/ ٢٨٦)، وأبو داود (٤٥٣٠)، في كتاب "الديات"، باب "أيقاد المسلم بالكافر؟ " والنَّسائيُّ (٨/ ١٩ - ٢٠) من طريق يَحْيَى بن سعيد، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَاد، قال: انطلقت أنا والأشتر (١) إلى علي ﵁ فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى النَّاس عامة؟ قال: لا، إلَّا ما في كُتابي هذا … فإذا فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم … الحديث، وتمامه: من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين". وقد صحح هذا الإسناد ابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر (٢)، وسماع يَحْيَى بن سعيد القطان من ابن أبي عروبة كان قبل اختلاطه. وفيه الحسن البصري وهو مدلس، وقد عنعنه، ولكنه قد توبع، فقد رواه أبو داود (٢٠٣٥)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٤)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) من طرق، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج، عن علي بنحوه، وفي "المسند" أن عليًّا كان يأمر بالأمر فيؤتى … الحديث. وأبو حسَّان الأعرج، واسمه مسلم بن عبد الله، من رجال مسلم، وهو صدوق، وروايته عن علي مرسلة، ثم إن الحديث فيه عنعنة قتادة، وهو مدلس. وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث علي ﵁ ولفظه: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم). وسيأتي هذا في كتاب "الجهاد" إن شاء الله تعالى. ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (هل عندكم) الخطاب لعلي ﵁، والجمع إمَّا لإرادته مع بقية أهل البيت، أو للتعظيم، وإنَّما سأل أبو جحيفة عليًّا ﵁؛ لأنَّ جماعة من

стр. 3583

الرافضة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لا سيما عليًّا- أشياء من الوحي، خصهم بها رسول الله ﷺ لم يطلع عليها غيرهم، وقد سأل هذا السؤال قيس بن عباد والأشتر النَّخعيُّ، كما تقدم، كما سأله غيرهما (١). والظاهر أن المسؤول عنه هنا ما يتعلق بالأحكام الشرعيّة من الوحي الشامل للكتاب والسنة. قوله: (قال: لا) أي: لا شيء عندنا، فحذف اسم لا وخبرها، لدلالة السياق. قوله: (والذي فلق الحبة) الواو للقسم، والغرض منه: تأكيد ما تضمنته، وهو أن النَّبيَّ ﷺ لم يخصه بشيء من علم الدين دون غيره من النَّاس. ومعنى (فلق الحبة) أي: شقها فأخرج منها النبات والغصن، والحبة: ما يكون في السنبل والأكمام. قوله: (وبرأ النسمة) بفتح الباء والراء؛ أي: خلق، والنسمة -بفتح النون والسين-: النَّفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، والجمع: نَسَم، بالتحريك، مثل: قصبة وقصب. قوله: (إلَّا فَهْمٌ) مرفوع على أنَّه بدل من (شيء) أي: ليس عندنا شيء إلَّا فهم، قال الجوهري: (فهمت الشيء فهمًا: علمته) (٢) والفهم: جودة استعداد الذهن للاستنباط وحسن تصور المعنى. قوله: (وما في هذه الصحيفة) أي: وما في هذه الورقة، وكانت بِقِرَابِ سيفٍ، كما عند مسلم (٣)، وفي لفظ النَّسائيّ وغيره: (فأخرج كتابًا من قراب سيفه) (٤) والقراب: بالكسر، وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمائله. قوله: (والعقل) بفتح العين، وسكون القاف، هي الدية، والمراد هنا:

стр. 3584

تفصيل أحكامها، وسميت الدية عقلًا؛ لأنَّ أولياء القاتل كانوا يعطون أولياء المقتول الدية من الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل. قوله: (وفكاك الأسير) بكسر الفاء وفتحها، إطلاق أسره وتخليصه من يد العدو، والمراد هنا: الترغيب فيه. قوله: (تتكافأ دماؤهم) أي: تتساوى في الديات والقصاص، فلا فرق في ذلك بين الشريف والوضيع، والكبير والصغير، والعالم والجاهل. قوله: (ويسعى بذمتهم أدناهم) الذمة: الأمان والعهد والضمان، والمعنى: أن الواحد من المسلمين إذا أمَّن كافرًا، حرم دمه على جميع المسلمين، ولو كان هذا المجير أصغر المسلمين، والمراد بالأدنى: أقلهم عددًا، وهو الواحد، أو أسفلهم رتبة وشرفًا، وهو العبد أو الأجير ونحوهما. قوله: (وهم يد علي من سواهم) أي: هم مجتمعون على أعدائهم يعين بعضهم بعضًا، وكما أن اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى جانب وبعضها إلى جانب، فكذلك اللائق بشأن المسلمين. قوله: (ولا ذو عهد في عهده) أي: ولا يقتل معاهد في مدة عهده حتَّى يبلغ مأمنه ما دام أنَّه قائم بالعهد غير ناقض إياه. والمعاهد: من أُبرم معه أو مع دولته معاهدة صلح أو معاهدة عدم اعتداء. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز قتل المسلم بالكافر، سواء أكان حربيًّا أم ذميًّا أم مستأمنًا. والحربي: هو من لا عهد له ولا ذمة، وهو الكافر الذي يحمل جنسية الدولة الكافرة المحاربة للمسلمين، سواء أكانت محاربة بالفعل أم لا. والذمي: من أُمضي له عقد الذمة، وهو عهد يعطى للمقيمين من غير المسلمين في دولة المسلمين بعدم التعرض له في نفسه وماله ودينه، إذا أَعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام. والمستأمن: من أُعطي الأمان الموقت على نفسه وماله وعرضه ودينه، لغرض شرعي؛ كسماع كلام، أو تجارة أو سفارة ونحو ذلك.

стр. 3585

وهذا قول الجمهور من الشَّافعية والحنابلة والظاهرية (١). وقد جاءت دلالة الحديث من جهة المنطوق والمفهوم، أما المنطوق فمن قوله: "ولا يقتل مسلم بكافر" والكافر لفظ عام، يشمل كل كافر حربيًّا أم ذميًّا أم مستأمنًا، وأمَّا المفهوم فقوله في رواية قيس بن عباد: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" فإن مفهومه أن دماء غير المسلمين لا تكافئ ولا تساوي دماء المؤمنين، وعليه فلا قصاص من المسلم للكافر، ويؤيد ذلك أن الله تعالى نفى التساوي بين المؤمنين والكافرين، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥] وإذا انتفى التساوي والتكافؤ بين الفريقين انتفى وجوب القصاص المبني على المماثلة والمساواة. والقول الثَّاني: أنَّه يجب القصاص على المسلم إذا قتل ذميًّا عمدًا عدوانًا، وهو قول أبي حنيفة (٢)، لعموم الأدلة التي دلت على مشروعية القصاص، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولحديث ابن مسعود ﵁ السابق، وفيه: "والنفس بالنفس"، وحملوا حديث الباب على الحربي. والقول الثالث: أنَّه يجب القصاص على المسلم إذا قتل ذميًّا غِيلَة، وهو قول المالكيّة، ولهم تفسيرات عديدة لقتل الغيلة، ومنها: أن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله، وقيل: هي الغدر، وهي أن يقتله على زوجته أو ماله، وقيل: أن يخدعه حتَّى يدخله موضعًا ويأخذ ما معه، وقيل: غير ذلك (٣). واستدلوا بما ورد عن عبد الله بن يعقوب، عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي، أنَّه قال: (قتل رسول الله ﷺ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلة) (٤).

стр. 3586

والراجح هو القول الأوَّل، لقوة أدلته وصراحتها في الدلالة على المراد، وأما أدلة أصحاب القول الثَّاني فهي عامة تخصص بما ورد من أنَّه لا يقتل مسلم بكافر، وأمَّا دليل المالكيّة فهو ضعيف؛ لأنَّه مرسل مسلسل بالمجاهيل، فلا تقوم به حجة. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز قتل المعاهد في مدة عهده، وذلك وفاء بالعهد الذي أعطي للمعاهدين، وأصبحوا بموجبه معصومي الدم، ما داموا قائمين بالعهد غير ناقضين إياه، ومن قتل معاهدًا لم يقتص منه على قول الجمهور، لكن عليه الدية، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنَّة" (١). ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن المسلم الواحد إذا أمَّن حربيًّا صار أمانه ساريًا على عموم المسلمين، فيجب احترام أمانه ولا يحل هتك عهده وعقده، ولو كان الذي أمَّنه عبد أو امرأة ونحوهما. فإذا قال: أَمّنِّي حتَّى أكلم الأمير، أو اتصل بفلان أو نحو ذلك، فأمنه لم يجز قتله حتَّى يُرَدَّ إلى مأمنه، وفي حديث أم هانئ ﵂ أنَّها قالت: يا رسول الله زعم ابن أمي على أنَّه قاتل رجلًا قد أجرته، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أُمَّ هانئ" (٢). ° الوجه السادس: في الحديث دليل على تساوي المسلمين في القصاص والدية، فلا فرق بين شريف ووضيع، أو صغير وكبير، وليس أحد أفضل من أحد لا في نسب ولا جنس ولا لون، بل هم أمام الحق سواء، وهذا بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة. ° الوجه السابع: في الحديث دليل على وجوب العمل على فِكاك الأسير المسلم والسعي إلى تخليصه من الأسر، وقد ورد الأمر بذلك والترغيب فيه،

стр. 3587

قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] والمراد بذلك: إعتاقها من الرق، أو تخليصها من الهلكة (١) وقال رسول الله ﷺ : "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني" (٢)، والعاني: الأسير. ° الوجه الثامن: في الحديث دليل على وجوب اتحاد كلمة المسلمين ضد أعداء الإسلام، ووقوفهم صفًّا واحدًا لمن أراد النيل من دينهم وعقيدتهم، أو حاول تفريق صفهم وتشتيت أمرهم، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وهذا يفيد منع تولية الكفار شيئًا من الولاية أو أمور المسلمين؛ لأنَّ للولي يدًا على المولَّى عليه. ° الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن الرسول ﷺ لم يخص أهل البيت بشيء من العلم دون سائر الأمة؛ لأنَّ عليًّا ﵁ نفى ذلك، وأكد النفي بالقسم بالله تعالى الذي برأ النسمة وفلق الحبة، لتأكيد الأمر وأنَّه لم يُخَصَّ بشيء دون غيره. وفي حديث علي ﵁ -عند مسلم- قال: (من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصحيفة، فقد كذب) وفي هذا أبلغ الرد على الشيعة والرافضة الذين يزعمون أن عندهم أشياء خصهم بها النَّبيُّ ﷺ دون غيرهم من الأمة، ومن أصول مذهبهم وأركان دينهم القول بإيداع الشريعة أو خَزْنِ العلم عند الأئمة المعصومين بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ ، ومن هذا العلم: الجامعة والجَفْر ومصحف فاطمة وغير ذلك مما فيه طعن في الشريعة وتضليل للأمة، فإن مقتضى ذلك أن الدين لم يكمل، وهذا مصادم لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] كما أن فيه طعنًا في الرسول ﷺ حيث كنتم جزءًا من الشريعة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. والله تعالى أعلم.

стр. 3588

ما جاء في القصاص بالمثقل، وقتل الرجل بالمرأة ١١٧٢/ ٨ - عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيَةً وُجدَ رَأسُهَا قَدْ رُضَّ بَينَ حَجَرَينِ، فَسَألوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هذَا؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا. فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأقَرّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأسَهُ بَينَ حَجَرَينِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البُخاريّ في مواضع من "صحيحه"، أولها: في كتاب "الخصومات"، باب "ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهودي" (٢٤١٣)، ثم في مواضع من كتاب "الديات"، ومنها: باب "سؤال القاتل حتَّى يُقِرَّ، والإقرار في الحدود" (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢) (١٧) من طريق همام، حدَّثنا قتادة، عن أنس بن مالك ﵁. وهذا لفظ مسلم، إلَّا أن في آخره: (فأمر رسول الله ﷺ أن يُرَضَّ رأسه بالحجارة) وهذا يخالف لفظ "البلوغ"، ولفظ الحافظ مثل لفظ صاحب "العمدة". ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن جارية) يحتمل أنَّها أمة أو حرة دون البلوغ. قوله: (قد رُضَّ) وفي رواية للبخاري: (رضخ رأسها) (١) والرّض بالضاد المعجمة، والرضخ -بالضاد والخاء المعجمتين- بمعنى واحد، وهو الدق.

стр. 3589

قوله: (فسألوها) في رواية "الصحيحين": (فجيء بها إلى النَّبيِّ ﷺ وبها رمق، فقال لها: "أقتلك فلان؟ ") وهذا يبين أن السائل هو النَّبيُّ ﷺ . قوله: (فلان، فلان) بحذف همزة الاستفهام، وقد جاء في "الصحيحين" سبب القتل: (أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها)، وفي رواية: (خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة، فرماها يهودي بحجر … ) وقوله: (على أوضاح) أي: بسبب أوضاح، وهي حلي الفضة، سميت بذلك لبياضها. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الرجل يُقتل بالمرأة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (١). وهذا الحديث نص في الموضوع، ولا يقال: إنَّه يحتمل أن النَّبيَّ ﷺ قتله لنقضه العهد؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قتله قصاصًا حيث رضي رأسه بين حجرين، ولو كان قتله لنقضه العهد لقتله بالسيف (٢). واستدلوا -أيضًا- بعموم الآيات الموجبة للقصاص، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ولم تفرق هذه الآيات بين الرجل والمرأة، كما يستدل لذلك بحديث عمرو بن حزم الآتي في أول "الديات"، وفيه: "وأن الرجل يقتل بالمرأة". وذهب الحسن البصري وعكرمة وعطاء إلى أنَّه لا يجب القصاص على الرجل إذا قتل المرأة، وإنَّما تجب الدية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. ووجه الاستدلال: أن الله تعالى قابل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها في القصاص، فدل على أن كل فرد لا يقتل إلَّا بما يماثله، وإلا لم يكن لهذه المقابلة معنى.

стр. 3590

وفي المسألة أقوال أُخر، لا داعي لذكرها، والراجح هو القول الأوَّل، لقوة دليله، ويؤيده الحكمة من مشروعية القصاص، وهي صيانة الأنفس وحقن الدماء، ولو قيل بعدم القصاص إذا قتل الرجل المرأة لأدى ذلك إلى إهدار دماء النساء، وهضم حقوقهن، وإقدام الرجال على قتل النساء لأتفه الأسباب، وفي هذا من المفاسد ما لا يخفى. وأمَّا استدلال أصحاب القول الثَّاني بآية: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ فلا دلالة فيها على أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنَّ هذا من باب دلالة المفهوم، وقد جاءت السنة بقتل الذكر بالأنثى، فدل على أن هذا المفهوم لا عبرة به، وأن الذكر يقتل بالأنثى (١). ثم إن الآية لم ترد لبيان مقابلة الجنس بجنسه وحتمية ذلك، وإنَّما وردت -والله أعلم- ردًّا على أناس حصل بينهم قتال في الجاهلية، ولم يقتصوا إلَّا بعد الإسلام، وحلفوا ألا يرضوا إلَّا بالحر بدل العبد، والرجل بدل المرأة، تطاولًا عليهم وإظهارًا لشرفهم عليهم، ذكر معنى ذلك القرطبي عن الشعبي وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (٢)، وتقدمت الإشارة إلى ذلك. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت القصاص في القتل بالمُثَقَّلِ، وأنَّه لا يختص بالمحدد، والمثقل هو ما ليس له حد من الأدوات، كالمطرقة والحجر والخشبة الكبيرة، وهذا قول الجمهور، ومنهم: الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعيّ وأحمد (٣). كما استدلوا بعموم الآيات الدّالة على وجوب القصاص في القتلى، ولم تفرق بين من قُتل بمحدد ومن قُتل بمثقل.

стр. 3591

والقول الثَّاني: أنَّه لا قصاص إلَّا في القتل بالمحدد، وأمَّا القتل بالمثقل فلا يعتبر قتل عمد، فلا يجب به القود، سواء كان المثقل من الحديد أو من غيره، وهذا قول الحسن البصري والشعبي والنخعي، ورواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية أخرى: التَّفريق بين مثقل الحديد فيجب القصاص، ومثقل غيره فلا يجب، وأجابوا عن الحديث بأعذار ضعيفة (١). واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا والحجر فيه مائة من الإبل … الحديث" وسيأتي. ووجه الاستدلال: أن النَّبيَّ ﷺ أخبر بأن قتيل السوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة، وهذه ليست محددة، وإنَّما هي من المثقل، فدل على أن القصاص لا يجب في القتل بالمثقل. والراجح هو القول الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد ذلك حكمة مشروعية القصاص، وهي حماية الأرواح وحقن الدماء. ثم إن القتل بمثقل كالقتل بالمحدد بل هو أشد؛ لأنَّ المحدد أسرع في الإزهاق من المثقل، يضاف إلى ذلك أن عدم إيجاب القتل بالمثقل قد يؤدي إلى اتخاذه وسيلة لتنفيذ جرائم القتل، إذا علم القاتل أنَّه لن يقتص منه. ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن القاتل يُقتل بمثل ما قَتَلَ به، فإن قَتَلَ بسيف قُتل به، وإن قتل ببندقية أو بغرق أو بخنق قتل بذلك، وهذا قول الجمهور من المالكيّة والشافعية (٢). ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل) (٣)، وقال الزَّركشي: (هي أوضح دليلًا) (٤).

стр. 3592

كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] قالوا: ولأن القصاص بني على المماثلة والمساواة ولذا سمي قصاصًا، فشرع فيه المماثلة، بجعل الجزاء من جنس الجناية. وعند هؤلاء يجوز العدول عن المماثلة إلى السيف؛ لأنَّه أسرع وأسهل. ويستثنى من ذلك ما إذا وقع القتل بوسيلة محرمة كاللواط أو السحر أو نحو ذلك، فإنَّه لا يقتل بمثله؛ لأنَّ هذا الفعل محرم لعينه، فوجب العدول عنه وتحريم تعاطيه. والقول الثَّاني: أن عقوبة القصاص لا تنفذ إلَّا بالسيف سواء وقعت الجناية به أو بغيره، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بأحاديث، ومنها: حديث النُّعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا قود إلَّا بالسيف" (٢)؛ ولأن السيف أمضى الآلات وأسرع في إزهاق روح الجاني؛ لئلا يقع الحيف والظلم عليه، ولا يؤمن ذلك إلَّا إذا كان التنفيذ بالسيف. والظاهر في هذه المسألة أنَّه إذا كان المقصود إزهاق نفس الجاني وأن ذلك يكون بأسرع آلة فلا مانع أن يترك ذلك للإمام أو من ينيبه، فله أن يختار أيَّ آلة تكون أسرع من السيف وأقل إيلامًا (٣). ° الوجه السادس: في الحديث دليل على جواز العمل بالإشارة وأنها معتبرة في الدعاوى وغيرها، لكن لا يعمل بها، بل ترشد إلى المطلوب، ولهذا ذكر جمهور الفقهاء أن القتل لا يثبت بمجرد قول المجروح على

стр. 3593

المتهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ما قتل اليهودي بمجرد قول الجارية، وإنَّما قتله باعترافه، فإذا اعترف الجاني مرَّة واحدة كفى، ولو أنكر المتهم فالقول قوله مع يمينه (١). ° الوجه السابع: فيه دليل على خبث اليهود وحرصهم على المال وطمعهم فيه ولو ترتب على ذلك إزهاق الأرواح. والله تعالى أعلم.

стр. 3594

حكم جناية الغلام إذا كانت عاقلته فقراء ١١٧٣/ ٩ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لأُناسٍ فُقَراءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأُناسٍ أَغنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثةُ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (٣٣/ ١٥٧)، وأبو داود في كتاب "الديات"، بابٌ "في جناية العبد يكون للفقراء" (٤٥٩٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢٥ - ٢٦) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين ﵁، به. وهذا لفظ النَّسائيّ، وعند أبي داود وأحمد: (فلم يجعل عليه شيئًا). وهذا الحديث إسناده صحيح، وقد تفرد به معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو متكلم فيه، قال ابن معين: (صدوق، وليس بحجة) وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (كان من المتقنين)، وقال الذهبي: (صدوق، صاحب حديثٍ ومعرفة) (١). وعزو الحديث للثلاثة وهم من الحافظ؛ لأنَّ التِّرمذيَّ لم يرو هذا الحديث، ولهذا فإن المزي عزاه لأحمد وأبي داود والنَّسائيُّ، وكذا ابن

стр. 3595

عبد الهادي في "المحرر" (١)، وأبو نضرة: هو المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي. ° الوجه الثَّاني: هذا الحديث أشكل على كثير من أهل العلم، واختلفوا في الجواب عنه، والواجب أن يحمل على معنى يطابق الأدلة الشرعيّة ويوافقها؛ لأنَّ ما اشتبه من السنة مثل ما اشتبه من القرآن، ومعلوم أن المتشابه من القرآن يفسر بالمحكم ويرد إليه، فكذا السنة ما اشتبه منها يرد إلى المحكم ويفسر به (٢). ومعلوم أن السنة دلت على أن الجاني عمدًا عليه القصاص أو الدية، وخطأ عليه الدية وتحملها العاقلة، وهنا قال: (لم يجعل عليه شيئًا). وأحسن ما يحمل عليه الحديث أن هذا الجاني كان غلامًا، والغلام يطلق على ما قبل البلوغ، وعلى هذا فلا يجب عليه القصاص؛ لأنَّ عمد الصبي حكمه حكم الخطأ، وليس على عاقلته دية؛ لأنهم فقراء، والدية لا تجب على العاقلة إلَّا إذا كانوا أغنياء، ولم يعط النَّبيُّ ﷺ من بيت المال لأسباب: إمَّا لعدم وجود شيء في بيت المال، أو لبيان أن بيت المال لا تلزمه مثل هذه الجنايات، وقد ذكر بعض العلماء أنَّه دَفَعَ ديته من بيت المال، وهذا لا دليل عليه (٣). وهذا الحمل موافق لألفاظ الحديث. وحمله بعضهم على أن هذا الغلام كان مملوكًا، والمملوك جنايته في رقبته على تفاصيل مذكورة في كتب الفقه، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 3596

النهي عن القصاص في الجراحات قبل برء المجني عليه ١١٧٤/ ١٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرنٍ في رُكبَتِه، فَجَاءَ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: أَقِدْني، فَقَال: "حَتَّى تَبْرَأَ"، ثُمَّ جَاءَ إِلَيهِ، فَقَال: أَقِدْنِي، فَأقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيهِ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَجْتُ، فَقَال: "قَدْ نَهَيتُكَ فَعَصَيتَني، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ"، ثُمَّ نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنْ يُقْتَصّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْني، وَأُعِلَّ بِالارْسَالِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أحمد (١١/ ٦٠٦) من طريق محمَّد بن إسحاق أنَّه ذكر أحاديث عمرو بن شعيب، فقال: وذكر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل طُعن … الحديث. وهذا سند ضعيف، ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالتحديث، ولهذا قال ابن عبد الهادي: (الظاهر أنَّه لم يسمعه منه) (١). وقد تابع محمدَ بن إسحاق ابنُ جريج، عن عمرو بن شعيب، أخرجه الدارقطني (٣/ ٨٨) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٦٧ - ٦٨) وفي هذا الإسناد ابن جريج وهو مدلس، وقد عنعنه، ثم إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب (٢).

стр. 3597

وقد خالف ابنَ إسحاق وابنَ جريج أيوب فقد رواه عبد الرَّزاق في "مصنفه" (٩/ ٤٥٣)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٩٠) عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، قال: قال رسول الله ﷺ : "أبعدك الله، أنت عَجِلْتَ" هكذا رواه عنه مختصرًا مرسلًا، بل هو معضل. والحديث له شواهد لا تخلو من مقال، ومنها: حديث جابر ﵁ أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته … الحديث بنحوه. رواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٦٩)، والدارقطني (٣/ ٨٩)، والبيهقيّ (٨/ ٦٦ - ٦٧) من طريق ابن علية، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁. وقد روي هذا موصولًا، لكن نص أبو داود على أن ابن علية قد وَهِمَ فيه (١)، وروي مرسلًا عن أيوب، عن عمرو بن دينار، رواه البيهقي (٨/ ٦٦)، وروى أبو داود في "المراسيل" (٢٤٣) (٢) من طريق ابن عيينة، وأبو داود -أيضًا- (٢٤٣) (٣) من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن عمرو بن دينار، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: طعن رجل آخر بقرن في رجله … الحديث. وذكر الدارقطني أن المرسل هو المحفوظ، وكذا رجح أبو زرعة المرسل (٢). ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بقرن) هو بفتح القاف وسكون الراء، عظم ينبت في رأس الحيوان، وهو معروف. قوله: (أقدني) بفتح الهمزة، أمر من القَوَدِ: وهو الاقتصاص من الجاني. قوله: (حتَّى تبرأ) أي: يحصل لك الشفاء مما أصابك. قوله: (عَرَجْتُ) بفتح الراء؛ أي: صرت أعرج، يقال: عَرَجَ يَعْرُجُ من باب (قتل) أي: غَمَزَ في رجله، لعلة طارئة، فهو أعرج، وهي عرجاء، فإن

стр. 3598

كان من علة لازمة قيل: عَرِجَ -بالكسر- يَعْرَجُ من باب (تعب) (١). قوله: (فأبعدك الله) جملة دعائية غير مقصودة؛ لأنَّ هذا الرجل قد أساء الأدب، فدعا عليه من باب الزجر عن هذه العجلة. قوله: (وبطل عرجك) أي: ضاع عليك أرش عرجك، وفاتك ما كان له من دية بسبب تعجلك في القصاص. ° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على النَّهي عن استيفاء القصاص في الجروح حتَّى يندمل الجرح ويشفى صاحبه، ويعرف ما صار إليه الجرح وانتهى، وذلك لاحتمال السراية، وهي تجاوز العَطَبِ من محل الجناية إلى غيره. وهذا النَّهي للتحريم، فيحرم أن يُقتص من عضو قبل برئه، والقول بالتحريم هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول الحنفية والمالكية، وذهب الإمام الشَّافعي إلى أنَّه لا يحرم، وإنَّما النَّهي للكراهة أو للإرشاد، وهو رواية لأحمد خَرجَهَا الموفَّق (٢). واستدلوا بأن الرسول ﷺ أقاد الرجل، ولو كان حرامًا ما أقاده. قال ابن المنذر: (كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالقصاص من الجرح حتَّى يبرأ صاحب الجرح) (٣). فإذا اقتص المجني عليه من الجاني قبل برء جرحه ثم سرت الجناية بطل حقه ولا ضمان على الجاني؛ لأنَّه باقتصاصه قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية، فبطل حقه منه، كما لو رضي بترك القصاص. فإن رضي المجني عليه بتأخير القصاص إلى البرء، ثم سرت الجناية كأن يقطع إصبعًا عمدًا، ثم تآكلت أخرى، وجب على الجاني الضَّمان، إمَّا بالقصاص أو الدية؛ لأنَّ السراية أثر الجناية، والجناية مضمونة، فكذا أثرها، وهو مبني على قاعدة: (ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون). والله تعالى أعلم.

стр. 3599

ما جاء في قتل شبه العمد، ودية الجنين ١١٧٥/ ١١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: اقْتَتَلَتِ امْرَأتانِ مِنْ هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فاخْتَصَمُوا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ دِيَةَ جَنِينِها غرةٌ عَبْدٌ أَوْ وَليدَةٌ، وَقَضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ". فَقَال حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَليُّ: يَا رَسُولَ الله، كَيفَ يُغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّما هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ"، مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ١١٧٦/ ١٢ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأل: مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الْجَنِينِ؟ قَال: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النابِغَةِ، فَقَال: كُنْتُ بَينَ امْرَأتينِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى .. فَذَكَرَهُ مُخْتَصرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجهما: حديث أبي هريرة ﵁ رواه البُخاريّ في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الطب"، باب "الكهانة" (٥٧٥٨)، وفي مواضع من "الديات"، منها: باب "جنين المرأة" (٦٩٠٤)، ومسلم (١٦٨١) (٣٦) من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وهذا لفظ مسلم.

стр. 3600

وأمَّا حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه أبو داود في كتاب "الديات"، باب "دية الجنين" (٤٥٧٢)، والنَّسائيُّ (٨/ ٢١ - ٢٢)، وابن ماجة (٢٦٤١)، وابن حبان (١٣/ ٣٧٨)، والحاكم (٣/ ٥٥٧) من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، عن عمر ﵁ أنَّه سأل عن قضية النَّبيِّ ﷺ في ذلك، فقام حَمَلُ بن النابغة، فقال: كنت بين ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بِغُرَّةٍ وأن تقتل. ورواه أبو داود والحاكم من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، وفي آخره: (فقال عمر: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا). وهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، وابن جريج قد صرح بالتحديث، وأبو عاصم هو الضَّحَّاك بن مخلد النبيل. لكن طعن الحفاظ في لفظة: (وأن تقتل)، وقد رواه أبو داود والنَّسائيُّ عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: قام عمر على المنبر … فذكر معناه، ولم يذكر (وأن تقتل). وهذا سند منقطع، طاوس لم يسمع من عمر ﵁، قال البيهقي بإثر الحديث: (كذا قال: "أن تقتل بها" يعني المرأة القاتلة، ثم شك فيه عمرو بن دينار، والمحفوظ أنَّه قضى بديتها على عاقلة القاتلة) (١)، وعلى هذا فهي لفظة شاذة، والمحفوظ ما ذكر (٢). وقد أخرجه -دون ذكر الأمر بالقتل- عبد الرَّزاق (١٨٣٤٣) ومن طريقه الطّبرانيّ (٣٤٨٢)، والدارقطني (٣/ ١١٧)، والحاكم (٣/ ٥٧٥) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، بالزيادة المذكورة. وأعلم أن هذا الحديث مروي بعدة روايات، وله ألفاظ كثيرة في "الصحيحين" و "السنن" وغيرها، وقد يبدو التعارض في بعض الرِّوايات.

стр. 3601

° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (اقتتلت امرأتان من هذيل) هما ضرتان تحت حَمَلِ بن النابغة، كما في حديث ابن عباس ﵄، وفي رواية في "الصحيحين": (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان … ) (١)، ولا تنافي بين الرِّوايات؛ لأنَّ لحيان -بكسر اللام أو فتحها- بطن من هذيل. قوله: (بحجر) أي: صغير لا يقصد به القتل غالبًا، فيكون هذا القتل شبه عمد، وفي رواية: (ضربتها بعمود فُسطاط) (٢)، قال القرطبي: (يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحدهما بإحدى الآلتين، والثَّاني بالأخرى) (٣). قوله: (فقتلها وما في بطنها) ظاهر ذلك أن القتل وقع عقب الضرب، وهذا غير مراد؛ لما جاء في "الصحيحين" من رواية سعيد، عن أبي هريرة ﵁، قال: (إن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرةٍ عبدٍ أو أمة، ثم إن المرأة توفيت … ) (٤)، كما أن هذه الرِّواية فيها بيان أن الجنين خرج ميتًا، ورواية الباب محتملة لأنَّ يكون خرج ميتًا، وأن يكون خرج حيًّا لكنه مات. قوله: (أن دية جنينها) الجنين: حمل المرأة ما دام في بطنها، سمي بذلك لاستتاره، فإن خرج حيًّا فهو ولد، أو ميتًا فهو سِقْطٌ. قوله: (غرةٌ عبدٌ أو وَليدةٌ) الغرة -بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء-: هي في الأصل بياض في الوجه، والمراد هنا: العبد أو الأمة ولو كانا أسودين؛ لكرم الآدمي على الله. وقوله: (عبدٌ) بالتنوين، تفسير وبيان لقوله: (غرة) فهو بدل، و (أو) للتنويع، والوليدة: هي الأمة، كما في الرِّوايات الأخرى.

стр. 3602

ويجوز في (غرة) ترك التنوين وإضافته إلى ما بعده، والأول أقوى، ويؤيده حديث المغيرة: (قضى رسول الله ﷺ بالغرةِ عبدٍ أو أمة) (١). قوله: (وقضى بدية المرأة على عاقلتها) أي: قضى بدية المرأة المقتولة على عاقلة المرأة القاتلة، وهذا قد يكون فيه إشكال في مرجع الضمير، لكن الرِّواية الأخرى المتقدمة بينت ذلك، ففيها: (فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة). والعاقلة: هم الأقارب الذين يقومون بدفع الدية عن قريبهم القاتل، سموا عاقلة: إمَّا من العقل: وهي الدية؛ لأنهم يؤدونها، أو من العقل بمعنى: المنع؛ لأنهم يمنعون قريبهم من أن يعتدى عليه. والعاقلة: هم العصبة بالنفس، كالإخوة لغير أم، والأعمام وبنوهم، وفي دخول الآباء والأبناء في العاقلة خلاف، وفي رواية عند أبي داود: (وبَرَّأَ زوجها وولدها) أي: برأهما من تحمل الدية، وهذا يدل على أن الزوج والولد ليسا من العاقلة. قوله: (وورثها ولدها ومن معهم) وفي رواية للبخاري: (فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها) (٢)، والضمير المنصوب يعود على الدية، والمراد بولدها: ولد المرأة المقتولة ومن معهم من الورثة الذين يرثون مع الابن كالزوج، وليس للعاقلة شيء، وفي رواية لأبي داود: (ميراثها لزوجها وولدها) (٣) وهذا لبيان الواقع؛ لأنهم كانوا هم الورثة، وإلا فالظاهر أن ميراثها لورثتها أيًّا كان، كما في رواية "الصحيحين" (٤). قوله: (فقام حَمَلُ بن النابغة) هو زوج القاتلة، وهو حَمَلُ بن مالك بن النابغة، نسب إلى جده، وحَمَل هذا له صحبة، وقد نزل البصرة، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، روى عنه ابن عباس ﵂، قيل: وعمر ﵁ (٥). وفي رواية لأبي داود: (فقال أبو القاتلة) (٦)، وفي رواية للطبراني: (فقال أخوها العلاء بن

стр. 3603

مسروح) فإما أن يحمل على أن الجميع قال ذلك، أو يقال بالترجيح، وهو أولى. وكونه تكلم مع أنَّه ليس من العاقلة: إما لأنه زوج المقتولة والقاتلة وعاصب القاتلة ووالد الجنين، ويحتمل أنَّه معبر عن العصبة دون نفسه مستبعدًا الحكم (١). قوله: (كيف يغرم) -بضم الياء- مضارع غَرِمَ -بكسر الراء- من باب (تعب) مبني لما لم يسم فاعله، تقول: غَرِمْتُ الدية والدين وغير ذلك أَغْرِمُهُ: إذا أديته (٢). قوله: (من لا شرب … إلخ) نائب فاعل، والمعنى: كيف تُطلب الدية لمن لم يولد حيًّا ولم يوجد منه شيء من أمارات الحياة. قوله: (ولا استهل) الاستهلال: رفع الصوت بالصياح وغيره، والمعنى: أنَّه لم تُعلم حياته بصوت نطق ولا بكاء. قوله: (يطَلّ) بضم الياء المثناة وفتح الطاء وتشديد اللام، مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: يهدر ويلغى، وروي: (بَطَلَ) بالباء الموحدة من البطلان، قال القاضي عياض: (كذا رويناه عن جمهورهم بالباء الموحدة، وعند أبي جعفر بالياء باثنتين مضمومة) (٣)، وقال النووي: (أكثر نسخ بلادنا بالمثناة) (٤). قوله: (من إخوان الكهان) أي: من أشباه الكهان، بضم الكاف وتشديد الهاء، جمع كاهن: وهو من يدعي علم الغيب، أو يدعي الكشف عن المغيبات، من عَرَّافٍ ومُنَجِّمٍ ورَمَّال وغيرهم. قوله: (من أجل سجعه) أي: بسبب كلامه الذي قاله بأسلوب السجع، وهذا يحتمل أن يكون مدرجًا، وأن يكون من نفس الحديث، وقد جزم

стр. 3604

القرطبي بأنه من تفسير الراوي (١). والسجع: أن تتوافق في الكلام فِقْرتان أو أكثر في الحرف الأخير (٢). وإنَّما كره النَّبيُّ ﷺ سجع حمل بن النابغة لأمرين: ١ - أنَّه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، وقصد إبطاله. ٢ - أنَّه تكلف هذه السجعات لنصرة الباطل، كما كان الكهان يروجون أقاويلهم بأسجاع تعجب السامعين (٣). قوله: (بمسطح) بكسر الميم؛ أي: عود من أعواد الخِباء. قوله: (وأن تُقتل) بصيغة الفعل المبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ أي: القاتلة تقتل قصاصًا. ° الوجه الثالث: هذا الحديث أصل في النوع الثَّاني من أنواع القتل وهو شبه العمد، وهو قصد الجناية بما لا يقتل غالبًا، كما لو ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة، أو ألقاه في ماء قليل ونحو ذلك، فشبه العمد يشبه العمد في قصد الجناية، ويخالفه في أن الآلة لا تقتل غالبًا. فهذا النوع لا يجب فيه القصاص، ولا دية على الجاني، وإنَّما الدية على العاقلة. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن دية شبه العمد تكون على عاقلة القاتل، وهم عصبته الذكور من الآباء والإخوة والعمومة وبنوهم، واعتبار الآباء والأبناء من العاقلة موضع خلاف بين أهل العلم. وإنَّما كانت الدية على العاقلة؛ لأنَّ القتل وقع بدون قصد من الجاني، فناسب مساعدتهم له ولو كان غنيًّا، ولكن تخفف عنهم بتفريقها عليهم حسب قدرتهم وقربهم، وتؤجل، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 3605

° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن دية الجنين الذي سقط ميتًا بسبب الجناية على أمه غرة، وهي عبد أو أمة، لا فرق بين الذكر والأنثى، ويجبر المستحق على قبول الرقيق من أي نوع كان، بشرط السلامة من العيوب المثبتة للرد في البيع، وقد قَدَّرَ الفقهاء الغرة بخمس من الإبل؛ لأنَّ ذلك مروي عن عمر وزيد ﵄ (١)؛ ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات؛ لأنَّه أرش المُوْضِحَةِ ودية السن، فوجب الرد إليه. ودية الجنين على القاتل لا على العاقلة؛ لأنَّها أقل من ثلث الدية، وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تحمله. وتكون دية الجنين ميراثًا؛ لأنَّها بدل نفسه، فيرثها ورثته، كما لو قُتل بعد الولادة، وليس للعاقلة منها شيء. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الدية تكون ميراثًا بعد المرأة المقتولة، فيأخذها ولدها ومن معهم من الورثة، ولم يُختلف في أن الزوج يرث هنا فرضه من دية زوجته المقتولة. ° الوجه السابع: ذم السجع إذا كان متكلفًا قُصد به نصرة الباطل، فأمَّا إذا وقع بغير تكلف ولم يقصد به نصرة الباطل فهو غير مذموم. وقد جاء السجع في كلام النَّبيُّ ﷺ ، مع أنَّه قد يقال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يقصد السجع، وإنَّما جاء اتفاقًا لقوة بلاغته (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 3606

ثبوت القصاص في الطَّرَف كالسِّن ١١٧٧/ ١٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁؛ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيهَا الْعَفْوَ، فَأبوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأبوْا، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَبوا إلَّا الْقِصَاصَ، فَأمَرَ رَسُول اللهِ ﷺ وبِالْقِصَاصِ، فَقَال أنسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيّتُهَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ" فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أقسَمَ عَلَى اللهِ لأبرهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه البُخاريّ في مواضع من "صحيحه" أولها في كتاب "الصلح"، باب "الصلح في الدية" (٢٧٠٣) من طريق حميد أن أنسًا حدثهم أن الرُّبيع -وهي ابنة النضر- كَسَرَتْ ثنية جارية … وساق الحديث. ورواه مسلم من طريق ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ به. ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن الرَّبيع) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخره عين مهملة، هي بنت النضر الأنصارية الخزرجية، أخت أنس بن النضر الآتي ذكره. قوله: (عمته) أي: عمة أنس بن مالك؛ لأنَّها أخت أبيه مالك بن النضر، وعليه فهي بدل أو عطف بيان من الرُّبيع.

стр. 3607

قوله: (ثنية) على وزن فعيلة، جمعها ثنايا، وهي أسنان مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت. قوله: (جارية) أي: امرأة شابة، وهي من الأنصار كما في بعض الرِّوايات، وعند أبي داود: (ثنية امرأة) (١)، وهذا يبين أن المراد بالجارية المرأة الشابة لا الأمة الرقيقة. قوله: (فطلبوا إليها العفو فأبوا) أي: فطلب أهل الرَّبيع من الجارية ومن أهلها العفو عن الكسر المذكور مجانًا، فامتنعوا من قبول ذلك. قوله: (فعرضوا الأرش فأبوا) أي: فعرض أهل الرَّبيع (الأرش) وهو بفتح الهمزة، ومعناه: الدية؛ أي: دية الثنية، وأصل الأرش: الفساد يقال: أَرَّشْتُ بين القوم: إذا أفسدت، ثم استعمل في نقصان الأعيان؛ لأنَّه فساد فيها (٢) والمعنى: أن هؤلاء امتنعوا عن قبول الأرش وأصروا على القصاص. قوله: (فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص) أي: المماثلة، وذلك بكسر ثنية الرَّبيع، إمَّا بقلع سنها إن كانت الجناية كذلك، أو يبرد من سنها بقدر ما كسرت من ثنية الجارية، وهذا هو الأقرب لسياق الحديث. قوله: (فقال أنس بن النضر) هو أخو الرُّبيع -كما تقدم- استشهد في غزوة أُحد ﵁ كما ثبت في "الصحيحين" (٣)، وهذا يفيد أن قصَّة الرَّبيع كانت قبل أُحد. قوله: (لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها) لم يقل ذلك ﵁ ردًّا على النَّبيِّ ﷺ وإعراضًا عن حكمه، وإنَّما قاله من باب التوقع والرجاء بأن الله تعالى يرضي الخصم، ويلقي في قلبه الإجابة إلى العفو أو أخذ الدية بدل القصاص، وقد أثنى عليه النَّبيُّ ﷺ كما سيأتي، ولو كان قَصَدَ ردَّ ما حكم الله به لكان مستحقًا لِأَوْجَعِ القول وأفظعه.

стр. 3608

قوله: (يا أنس كتابُ الله القصاصُ) أي: يا أنس شَرْعُ الله تعالى وحكمه يثبت لهم القصاص، وقد يكون ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينافيه. وكتاب الله: مبتدأ، والقصاص: خبر. قوله: (فعفوا) أي: على الدية، بدليل رواية البُخاريّ في "التفسير" من طريق الفَزَاريُّ، عن حميد: (فرضي القوم، وقبلو الأرش) (١). قوله: (إن من عباد الله … ) أي: إن بعض عباد الله لا يخيب الله رجاءهم ولا يرد دعاءهم، ومنهم أنس بن النضر ﵁، وإنَّما قال النَّبيُّ ﷺ ذلك لأنَّ أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره وهو القصاص مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك، فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث أنس في يمينه، فألهم الله تعالى الغير العفو، فبرَّ قسم أنس ﵁. قوله: (لأبرَّه) أي: لا يُحَنِّثه، بل يبر قسمه ويعطيه مطلوبه لكرامته عليه. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت القصاص في السن إذا كانت الجناية عمدًا، وهذا هو نص القرآن، فإن كانت الجناية على السن بكاملها، فهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وقد ثبت الإجماع على قلع السن بالسن بالعمد (٢)، وأمَّا كسر السن فقد دل هذا الحديث على ثبوت القصاص فيه، وهو قول الجمهور، وبه قطع الشَّافعية إذا أمكن (٣). وشرط ذلك أمران: الأوَّل: المماثلة، فالثنية بالثنية، والرباعية بمثلها، والعليا بالعليا، وكذا السفلى.

стр. 3609

الثَّاني: الأمن من الحيف، وذلك بأن يمكن الاستيفاء من سن الجاني بلا حيف، ويتم ذلك في السن بأن يبرد من سن الجاني بنسبة ما كسره من سن المجني عليه، كالنصف مثلًا، قال أبو داود في "سننه": (سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يُقتص من السن؟ قال: تُبرد) (١). وذهب الشَّافعي إلى عدم مشروعية القصاص في السنن، لعدم إمكان المماثلة (٢). والصَّواب الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في الموضوع، والمماثلة ممكنة، ولا سيما في زماننا هذا. أما العظام غير السن فإن كانت عظام الرأس فلا قصاص بالإجماع؛ لما يخشى في القصاص من تلف الجاني. وأمَّا عظام بقية البدن ففيها ثلاثة أقوال: القول الأوَّل: أن فيها القصاص، وهذا رأي ابن حزم (٣)، لعموم الآيات الدّالة على معاملة الجاني بمثل ما فعل، وحديث أنس هذا: "كتابُ الله القصاص" وهو عام. والقول الثَّاني: أن فيها القصاص إلَّا ما كان مخوفًا، مثل الفخذ والصلب وعظم الرقبة والصدر، ففيها الدية، وهذا قول مالك وابن المنذر (٤)، للعمومات السابقة. والقول الثالث: أنَّه لا قصاص فيها، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (٥)، بل الدية، لعدم المماثلة؛ ولأنَّه لا يؤمن من الحيف. والقول الثَّاني قوي، لا سيما في زماننا هذا.

стр. 3610

° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن القصاص هو حكم الله تعالى وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني، إلَّا إذا عفا صاحب الحق، ولا يعتبر هذا تعطيلًا لحكم الله تعالى؛ لأنَّ القصاص مَحْضُ حَقِّ آدمي. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الاستشفاع والسعي في قبول التنازل عن القصاص عند أهل المجني عليه، وأن هذا ليس من باب الشفاعة في الحدود بعد رفعها إلى السلطان. ° الوجه السادس: جواز الحلف على ما يُظن وقوعه، وهذا على أحد القولين. وسأذكر الكلام في هذه المسألة -إن شاء الله- في كتاب "الإيمان والنذور". ° الوجه السابع: استدل الأصوليون بهذا الحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه، والمراد أنَّه شرع لنا من حيث إنَّه وارد في كتابنا أو سنة نبينا ﷺ ، لا من حيث إنَّه كان شرعًا لمن كان قبلنا. ووجه الاستدلال: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "كتابُ الله القصاصُ" وليس في كتاب الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ إلَّا ما حكي عن التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا﴾ فدل على أنَّه ﷺ قضى بحكم التوراة، بدليل أنَّه ذكر الآية، ولو كان حكمًا ابتدأه ما ذكرها. والظاهر أن الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة لفظي؛ لأنَّ القائلين به لا يعتبرونه دليلًا مستقلًا، وإنَّما هو راجع إلى الكتاب أو السنة، ومن لا يرى حجيته فإنَّه يعمل به؛ لوروده في الكتاب والسنة، لا لأنه شرع لمن قبلنا (١). ° الوجه الثامن: قال القرطبي: (فيه دليل على كرامات الأولياء)، وذلك أن في الحديث منقبة عظيمة لأنس بن النضر ﵁، وأنَّه من عباد الله تعالى الذين يسمع الله نداءهم، ويجيب دعاءهم، ويحقق لهم مطلوبهم. ° الوجه التاسع: جواز الثّناء على بعض عباد الله الصَّالحين في حضورهم إذا أُمنت الفتنة في ذلك. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →