التي هي نحو الكعبة، والاستغفار هنا: إما لأنهم لم يحولوها إلى ناحية غير القبلة، أو لأن انحرافهم لا يحصل به تمام الانحراف عن القبلة لصعوبة ذلك حيث كان اتجاه المراحيض إليها.
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها حال البول أو الغائط، وهذا النهي للتحريم عند جمهور العلماء، وقد اختلف في هذه المسألة على أقوال أهمها:
القول الأول: تعميم النهي، وبه قال جماعة من أهل العلم، فقالوا: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان، وهو المشهور من مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واختاره ابن العربي، وابن حزم ورجحه، الشوكاني، والمباركفوري شارح «جامع الترمذي»، والشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، ودليلهم حديث أبي أيوب وما في معناه، فإنه نص صريح في النهي عن الاستقبال والاستدبار، ولأنه فعل الراوي.
القول الثاني: لمالك والشافعي وجماعة من أهل العلم منهم: البخاري، أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، ويجوز في البنيان، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب (٣)، ورجحه الصنعاني (٤).
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته، مستقبل الشام، مستدبر الكعبة)، وفي رواية: (مستقبلاً بيت المقدس) (٥).
стр. 387
وكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذا الحديث بعد حديث أبي أيوب، كما فعل ابن دقيق العيد في «الإلمام»، والمقدسي في «العمدة»، لِيُعرف الاستدلال به لمن قال بمضمونه، وجواب المخالف عنه.
قالوا: وهذا دليل على جوازه في البنيان؛ لأن فعل الرسول ﷺ يفسر أقواله ويبين مراده، فإذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة، وإذا أمر بشيء ثم تركه دل على أن الأمر ليس للوجوب، بل للاستحباب.
وحديث ابن عمر هذا ليس فيه إلا الاستدبار فقط، فإلحاق الاستقبال به إما بطريق القياس، أو لحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (١).
وأجاب الأولون عن حديث ابن عمر بأنه فعل، وفعله ﷺ لا يعارض قوله الذي هو خطاب لعموم الأمة؛ لأن الفعل له عدة احتمالات فلا يَرُدّ صريح النهي:
١ - فيحتمل أنه قبل النهي، فالنهي يرجح عليه؛ لأنه ناقل عن الأصل، وهو الجواز.
٢ - ويحتمل أنه خاص بالنبي ﷺ فلا يلحق به غيره.
إلى غير ذلك من الاحتمالات التي ذكر ابن القيم، وهي ستة (٢)، وبعضها
стр. 388
ضعيف، كقولهم: إنه قبل النهي، فإن هذا مجرد احتمال، فلا يكفي، إذ لا دليل عليه، وأما دعوى الخصوصية فمردودة؛ لأن الأصل التأسي به ﷺ في أفعاله ما لم يقم دليل على الخصوصية، لكن الدليل إذا طرقه الاحتمال ضَعُفَ، إذ لا سبيل للجزم بواحد منها، فلا تترك الأحاديث الصحيحة الصريحة لمثل ذلك.
وقالوا عن حديث جابر: إن فيه ابن إسحاق، وهو وإن كان لا بأس به ولكنه ليس بمنزلة من روى أحاديث النهي مطلقاً، وهي أحاديث في الصحيحين، كحديث أبي أيوب الذي أخرجه السبعة، ثم إن هذا الحديث حكاية فعل فلا عموم لها، ويحتمل أن ذلك لعذر، وليس فيه دلالة على أنه في البنيان، فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة في المنع؟.
والذي يظهر لي - والله أعلم - هو القول الأول، ووجه الترجيح أمران:
الأول: أن النهي ورد بصريح القول، وهو خطاب لجميع الأمة، ولم يغيره النبي ﷺ في حق أمته، لا مطلقاً ولا من وجه، وقد رواه عدد من الصحابة ﵃، كأبي أيوب في الصحيحين، وسلمان الفارسي وأبي هريرة عند مسلم وغيرهم، والمعارض لها إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة.
الثاني: أن علة النهي تعظيم واحترام القبلة، وهذا معنى مناسب ورد النهي على وفقه فيكون علة له، ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان، ولو كان الحائل كافياً في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى.
قال الشوكاني: (الإنصاف: الحكم بالمنع مطلقاً، والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة، ولم نقف على شيء من ذلك) (١).
الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز استقبال الشمس أو القمر حال البول أو الغائط، ووجه الدلالة من وجهين:
стр. 389
الأول: أنه نهاهم عن استقبال القبلة واستدبارها، ولم ينههم عن استقبال غيرهما من الجهات.
الثاني: أن قوله: «شَرِّقوا أو غَرِّبوا» عام في كل وقت، فإذا شرق وقت طلوعهما استقبلهما، وإذا غرب عند ميلانهما للغروب استقبلهما.
وأما ما جاء في كتب الفقه من كراهة استقبالهما لما فيهما من نور الله تعالى، فهو غير صحيح لأمرين:
الأول: أن النور الذي في الشمس والقمر ليس نور الله تعالى الذي هو صفته، بل هو نور مخلوق.
الثاني: أن هذا النور ليس خاصاً بهما، بل هو في سائر الكواكب، فيلزم منه كراهة استقبال النجوم، ولا قائل به، والله أعلم.
الوجه السادس: الحديث دليل على تعظيم الكعبة واحترامها؛ لأنها بيت الله ، أضافها إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، ولها مكانة عظمى في قلوب المسلمين، وقد أوجب الله تعالى استقبالها في الصلاة التي هي أكمل حالات العبد، إذ هي صلة بين العبد وربه، ونزهها أن تكون قبلة لهم حال بولهم أو غائطهم، أو تكون خلفهم تعظيماً لها واحتراماً، والله تعالى أعلم.
стр. 390
وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة
٩٨/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٣٥) في «الطهارة»، باب «الاستتار في الخلاء» من طريق ثور بن يزيد، عن الحصين الحُبْراني (١)، عن أبي سعيد الحبراني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: « … ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». قال أبو داود: (رواه أبو عاصم عن ثور قال: «حصين الحميري» ورواه عبد الملك بن الصباح، عن ثور فقال: «أبو سعيد الخير» قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ .
وبهذا يتبين أن نسبته إلى عائشة وهم من الحافظ، وإنما هو من حديث أبي هريرة ﵁ (٢).
وهذا إسناد ضعيف، لأنه من رواية حصين الحبراني، قال الذهبي: (حصين الحميري الحبراني، لا يعرف في زمن التابعين، خَرَّجَ له أبو داود وابن ماجه) (٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)، وقال أبو زرعة:
стр. 391
(شيخ) (١)، وقال في «التقريب»: (مجهول).
وأبو سعيد الحُبراني، مختلف فيه، فقيل: إنه صحابي، ولا يصح، وهو مجهول، وثقه ابن حبان (٢).
والمصنف لم يذكر ضعفه كعادته؛ لأنه حسنه «في الفتح» (٣)، كما تقدم عند حديث سلمان ﵁، ونقل ابن الملقن تصحيحه عن ابن حبان والحاكم (٤).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الاستتار عن أعين الناس عند قضاء الحاجة مطلوب، وقد مضى أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد، وذلك لقصد الستر، وإلا فهما أمران متغايران؛ أعني الاستتار وطلب التفرد، لكن أحدهما يؤكد الآخر.
والحديث وإن كان ضعيفاً لكن معناه صحيح، وعمومات الشريعة تدل على أن ذلك مطلوب، وفيه تأسٍّ بالنبي ﷺ .
والاستتار يحصل إما بجدار أو بكثيب من رمل أو نحو ذلك مما يجعله خلفه، لئلا يراه أحد.
ومن الاستتار ما ورد في حديث ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة تنحى، ولا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض) (٥).
وفي حديث بهز بن حكيم قال: حدثني أبي، عن جدي قال: قلت: يا
стр. 392
رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك» قال: قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينّها» قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: «فالله أحق أن يُستحيا منه» (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 393
ما يقال عند الخروج من الخلاء
٩٩/ ١٤ - وَعَنْهَا أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنَ الْغائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». أَخْرَجَهُ الْخَمسةُ. وَصَحّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الخمسة وهم: أبو داود (٣٠) في كتاب «الطهارة»، والترمذي (٧)، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) (٧٩) وهو ضمن «السنن الكبرى» له (٦/ ٢٤)، وابن ماجه (٣٠٠)، وأحمد (٤٢/ ١٢٤)، وأخرجه - أيضاً - ابن حبان (٤/ ٢٩١)، والحاكم (١/ ١٨٥) كلهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، حدثتني عائشة ﵂ به.
وهذا إسناد حسن، يوسف بن أبي بردة، وثقه العجلي (١) والحاكم، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وقال الحافظ في «التقريب»: (مقبول)، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة)، قال الشيخ أحمد شاكر: (وغرابته لانفراد إسرائيل به، وإسرائيل ثقة حجة) (٣)، وقد صححه أبو حاتم الرازي والحاكم، كما ذكر الحافظ.
قال الحاكم (١/ ٢٦٢): (هذا حديث صحيح، فإن يوسف بن أبي بردة من ثقات ال أبي موسى، ولم نجد أحداً طعن فيه، وقد ذكر سماع أبيه من
стр. 394
عائشة ﵂ (١).
وأما تصحيح أبي حاتم فقد نقله ابنه فقال: سمعت أبي يقول: (أصح حديث في هذا الباب - يعني في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء - حديث عائشة … ) (٢)، وممن صححه النووي (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، والألباني (٥).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (غُفرانك) أي: أسألك غفرانك، فهو منصوب بفعل محذوف، كما قال تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أي: أعطنا وامنحنا غفرانك، والمغفرة هي ستر الذنوب والتجاوز عنها.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب قوله: «غفرانك» بعد قضاء حاجته وخروجه من المكان، فإن كان في بناء قاله إذا خرج، وإن كان في الصحراء قاله إذا فارق المكان الذي قضى فيه حاجته، ووجه الاستحباب أن هذا فعل مجرد لقصد القربة، فهو للاستحباب، على أظهر الأقوال كما في علم الأصول.
ومناسبة هذا الدعاء أن الإنسان لما خف جسمه بعد قضاء الحاجة، وارتاح من الأذى، تذكر ثقل الذنوب وعواقبها فدعا ربه أن يخفف عنه أذية الإثم، كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، فالنجو يُثقل البدن ويؤذيه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه، وهذا معنى مناسب من باب تذكّر الشيء بالشيء، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن القيم (٦).
وقال البغوي: (كأنه رأى تركه ذِكْرَ الله تعالى زمان لبثه على الخلاء تقصيراً منه فتداركه بالاستغفار) (٧)، وقد سبقه إلى ذلك الخطابي (٨)، وعنه
стр. 395
نقله النووي (١).
والأول أظهر، وأما الثاني ففيه نظر؛ لأنه انحبس عن ذكر الله في هذا الموطن بأمر الله، وإذا كان كذلك فإنه لا يقال عنه: إنه غافل عن الذكر، بل هو ممتثل متعبد لله تعالى، كالحائض لا تصلي ولا تصوم، ولا يسن لها إذا طهرت أن تستغفر الله تعالى من تركها ذلك.
الوجه الرابع: ورد في هذا الموضع أحاديث يذكرها الفقهاء، لكنها ضعيفة، ولذا قال أبو حاتم: (أصح ما فيه حديث عائشة) كما تقدم.
ومن ذلك حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (٢)، وفي الأحاديث الصحيحة غُنية عن الضعيفة، والله تعالى أعلم.
стр. 396
وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار
١٠٠/ ١٥ - وَعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتى النَّبيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ اتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالثاً، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، زَادَ أَحْمَدُ، والدّارَقُطْني: «ائْتِني بِغَيْرِهَا».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ﵁، كان سادس رجل في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد بعدها، قال له النبي ﷺ في أول الإسلام: «إنك غلام معلَّم» (١)، وروى البخاري عنه أنه قال: (والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة … ) (٢)، وقال النبي ﷺ : «من أحبّ أن يقرأ القران غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد (٣) … » (٤).
وكان ممن يخدم النبي ﷺ ، وهو صاحب سواكه ونعليه ووساده، قال حذيفة ﵁: (ما أعرف أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلًّا (٥) بالنبي ﷺ من
стр. 397
ابن أم عبد) (١).
تولى القضاء وبيت المال في الكوفة على عهد عمر ﵁ وصدراً من خلافة عثمان ﵁، ثم دعاه إلى المدينة، ومات فيها سنة اثنتين وثلاثين (٢) ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «لا يُستنجى بروث» (١٥٦) من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ذكر عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول … وذكر الحديث.
ثم قال البخاري: (وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن … )، وإبراهيم هذا هو ابن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، روى عن أبيه وجدِّه أبي إسحاق، قال عنه في «التقريب»: (صدوق يهم).
وقد رواه عن زهير جمع منهم: يحيى القطان وأحمد بن يونس ويحيى ابن ادم وأبو نعيم والحسن بن موسى وغيرهم.
قال الحافظ: (وإنما عدل أبو إسحاق عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى، لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة) (٣).
وغرض البخاري من قوله: (وقال إبراهيم .. ) الرد على من زعم أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر، فقد ذكر الحاكم أن أبا إسحاق الشاذكوني قال: (ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان، ولم يقل: حدثني، فجاز
стр. 398
الحديث وسار) (١).
وقد ذكر الترمذي أن هذا الحديث فيه اضطراب، وكذا الدارقطني (٢)؛ لأن أبا إسحاق السبيعي روى الحديث على أوجه متعددة، وقد ذكرها الدارقطني، ورجح رواية زهير عن أبي إسحاق، وهي التي أخرجها البخاري، ثم قال: (وفي النفس منه شيء؛ لكثرة الاختلاف على أبي إسحاق، والله أعلم) (٣). أما الترمذي فقد رجح رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، وضعّف رواية زهير المذكورة؛ لأن سماع زهير من أبي إسحاق كان بأخَرة، وإسحاق قد اختلط.
والصواب مع البخاري، فإنه على فرض أن زهيراً سمع من أبي إسحاق بأخَرة فإنه قد توبع، كما قال الحافظ (٤)، تابعه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، قال ابن عيينة: (لم يكن في ولد أبي إسحاق أحفظ منه).
وإسرائيل - أيضاً - قد سمع من أبي إسحاق بأخرة، كما قال الإمام أحمد (٥)، وقد ذكر أبو داود كما في «سؤالات الآجري»: أن زهيراً فوق إسرائيل بكثير (٦).
وقد نفى الحافظ في «المقدمة» هذا الاضطراب؛ لثبوت ترجيح رواية زهير عن أبي إسحاق على رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وهما أرجح الروايات كلها.
وأخرجه أحمد من طريق أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود، ولفظه: (فألقى الروثة وقال: إنها ركس ائتني بحجر) (٧) وهذه الزيادة صحيحة إن ثبت سماع أبي إسحاق من علقمة، قال أبو حاتم وأبو زرعة: (أبو إسحاق لم يسمع من علقمة شيئاً) (٨)، ونقل الحافظ عن
стр. 399
الكرابيسي أنه أثبت سماع أبي إسحاق هذا الحديث من علقمة (١).
وأخرجه الدارقطني بهذا الإسناد بلفظ: «ائتني بغيرها» (٢)، وسيأتي - إن شاء الله - بيان غرض الحافظ من إيراد هذه الزيادة.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أتى الغائط) أي: ذهب إلى الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة.
قوله: (فأتيته بروثة) بفتح الراء وسكون الواو، هي فضلة ذات الحافر، وعند ابن خزيمة (فوجدت له حجرين وروثة حمار .. ) (٣).
قوله: (إنها ركس) بكسر الراء وسكون الكاف، وعند ابن ماجه وابن خزيمة: «هي رجس»، قال أبو عبيد: (هو شبيه المعنى بالرجيع) (٤)، أي: لأنه رجع من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقال الفيومي: (الركس بالكسر هو: الرجس، وكل مستقذر «ركس») (٥).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الاستنجاء لا يكون بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأنه ﷺ طلب من ابن مسعود ﵁ أن يأتيه بثلاثة أحجار، وقد تقدم في حديث سلمان ﵁ عند مسلم: (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه» (٦).
ومعنى: (فليستطب) أي فليستنجِ، يقال: استطاب الرجل: إذا استنجى.
وهذا قول الشافعية والحنابلة (٧)، واختاره ابن حزم، ونقله ابن عبد البر عن أكثر المدنيين من أصحاب مالك (٨).
стр. 400
وذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه يجزئ حجران، ولا يلزم الثالث؛ لأنه ﷺ اكتفى بحجرين لما ألقى الروثة، ولم يطلب من عبد الله أن يأتيه بثالث بدلها (١).
والقول الأول أرجح؛ لأن إزالة النجاسة وإن كانت معقولة المعنى؛ وهو أن الغرض الإنقاء؛ لكن تحديد الشرع هذه الإزالة في حالة الاستجمار بثلاثة أحجار أمر يجب اعتباره، وتركه فيه مخالفة الشارع الحكيم، وهذا أمر ثبت عنه ﷺ قولاً وفعلاً، والقول صريح في ذلك، كحديث سلمان ﵁ وغيره مما تقدم.
وأما توجيه أصحاب القول الثاني فيجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الرسول ﷺ طلب الحجر الثالث، كما تقدم في رواية أحمد والدارقطني التي ذكر الحافظ، وكأن غرضه من إيرادها الرد على الطحاوي وإثبات الحجر الثالث، وقد ذكر الحافظ أنه على تقدير عدم سماع أبي إسحاق من علقمة فهو مرسل؛ والمرسل حجة عند المخالفين - يريد الطحاوي ومن هو على مذهب أبي حنيفة - وعندنا - أيضاً - إذا اعتضد (٢).
الوجه الثاني: أنه لا يلزم أن يأمر ابن مسعود ﵁ أمراً جديداً، بل اكتفى ﷺ بالأمر الأول في طلب الثلاثة، وحين ألقى الروثة علم ابن مسعود أنه لم يتمّ امتثاله الأمر حتى يأتي بحجر ثالث.
الوجه الثالث: أنه يحتمل أنه ﷺ أخذ ثالثاً بنفسه من دون طلب، أو استنجى بحجر وطرفي حجر اخر، وبالاحتمال لا يتم الاستدلال للطحاوي، ولا لمن دافع عنه، وهو العيني (٣) عفا الله عن الجميع، وجزاهم خيراً، والله تعالى أعلم.
стр. 401
بيان ما لا يُستنجى به
١٠١/ ١٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إِنّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ». رَوَاه الدّارَقُطْنِيُّ وَصَحّحَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن عدي (٣/ ٣٣٢)، والدارقطني (١/ ٥٦) من طريق سلمة ابن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
وقال الدارقطني: (إسناده صحيح)، وذكره ابن دقيق العيد في «الإلمام» (١)، ونقل الحافظ تصحيح الدارقطني (٢).
وسلمة بن رجاء التميمي الكوفي مختلف فيه، فقال فيه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (ضعيف)، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس) (٣)، وقال ابن عدي: (أحاديثه أفراد وغرائب، حدث بأحاديث لا يتابع عليها) (٤)، وذكر الحافظ في «المقدمة»: أن له حديثاً واحداً في البخاري في «الفضائل» (٥).
والظاهر أنه لا بأس به، فإنه في هذا الحديث وافق غيره، كما في حديث سلمان المتقدم وغيره من الأحاديث التي ذكر فيها النهي عن الاستنجاء
стр. 402
بالعظم والروث، والحسن بن فرات قال عنه الحافظ: (صدوق يهم)، وقد ذكر الدارقطني في «العلل» (٨/ ٢٣٩) أنه وهم في هذا الحديث بزيادة (إنهما لا يطهران) وقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق نصر بن حماد، ثنا شعبة، عن فرات، عن أبي حازم به، بدونها. ونصر بن حماد ضعيف.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وقد علل لذلك بأنهما لا يطهران، مع أن الدارقطني قد حكم بزيادتها، وقد تقدم في حديث ابن مسعود ﵁ التعليل بأنهما طعام الجن، وتقدم تعليل الروثة - أيضاً - بأنها ركس.
والتعليل بعدم التطهير في الروثة عائد إلى كونها ركساً، وأما في العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة ولا يقطع البِلَّةَ، ومثل ذلك الزجاج الأملس.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الاستنجاء بالأحجار يطهر طهارة لا يلزم معها الماء، وليس مزيلاً فقط؛ لأنه علل بأن العظم والروث لا يطهران؛ فدل على أن الحجارة وما في معناها يطهر، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، ويؤيد ذلك حديث ابن مسعود المتقدم، فإنه ﷺ طلب أحجاراً ولم يطلب ماء، وكذا حديث سلمان المتقدم، وشرط ذلك الإنقاء، فإذا أنقى المحل بثلاثة أحجار فأكثر أجزأ، ولا يلزم الاستنجاء بالماء، فإن ضم إليه الماء من باب الطهارة والنظافة فهو أكمل.
وكذا لو تعدى الخارج موضع العادة بيسير بحيث لا يمكن التحرز منه، فإنه يجزئ الاستجمار.
لكن إن انتشر بحيث يخرج عما جرت العادة به، بأن انتشر الخارج على شيء من الصفحة أو يمتد إلى الحشفة امتداداً غير معتاد، ففي إجزاء الاستجمار، قولان:
الأول: أنه لا بد من غسله بالماء وعدم الاكتفاء بالاستجمار، وهو قول
стр. 403
الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١)؛ لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله؛ لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يجزئ فيه إلا الغسل، أشبه الساق والفخذ، وقد أخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: (إنهم كانوا يبعرون بعراً، وأنتم تَثْلِطُونَ ثلطاً فأتبعوا الحجارة الماء) (٢)، لكن عند الحنفية لا يلزم الماء، بل يجزئ أيُّ مائع طاهر مزيل.
والقول الثاني: أنه يجزئ الاستجمار في الصفحتين والحشفة، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 404
وجوب التنزه من البول وأنه من أسباب عذاب القبر
١٠٢/ ١٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإنّ عَامّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ.
١٠٣/ ١٨ - ولِلْحَاكِمِ: «أَكْثرُ عَذَابِ الْقَبرِ مِنَ الْبَوْلِ». وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٨) من طريق محمد بن الصباح السمان، نا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
قال الدارقطني: (الصواب أنه مرسل).
وهذا السند رجاله ثقات غير محمد بن الصباح، فقد ترجمه الذهبي في «الميزان» فقال: (بصري، عن أزهر السمان، لا يعرف، وخبره منكر) (١) وكأنه يعني هذا الحديث (٢).
وأما الثاني فقد أخرجه أحمد (١٥/ ١٢)، والدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم (١/ ١٨٣) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثر عذاب القبر من البول» ولفظ أحمد: «في البول».
стр. 405
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات).
وسأل الترمذيُّ البخاريَّ عن هذا الحديث فقال: (صحيح) (١).
وقال الدارقطني: (صحيح).
وسئل عنه فقال: (يرويه الأعمش واختلف عنه، فأسنده أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وخالفه فضيل فوقفه، ويشبه أن يكون الموقوف أصح) (٢)، وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال: (إن رفعه باطل) (٣)، وقد نقل ذلك الحافظ في «التلخيص» (٤) ولم يتعقبه بشيء، وهنا جزم بصحته، والله أعلم.
وله شاهد من طريق أبي يحيى القتات - كما ذكر الحاكم - عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ فقال: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول» (٥).
الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تنزه الإنسان من بوله، وذلك بغسله، وإزالة أثره من بدنه أو ثوبه أو مكان صلاته، وتحريم التساهل بذلك، وأن التساهل من أسباب عذاب القبر، بل إن أكثر عذاب القبر منه.
ومن ذلك أن يبول في محل دَمِثٍ حتى لا يطير عليه شيء من رشاش، أو يبول في الحمام في فتحة الغائط، وإذا أصابه شيء منه فليبادر إلى تطهير ما أصابه من ثوبه أو بدنه.
стр. 406
وقد جاء في ذلك - أيضاً - أحاديث كثيرة، ذكرها المنذري (١) ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة .. الحديث» (٢).
وقد أفاد هذا الحديث أن ترك التنزه من البول من كبائر الذنوب، وقد جاء في رواية للبخاري: «وما يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير» (٣)، وقد بوب عليه البخاري في كتاب «الوضوء» بقوله: (بابٌ من الكبائر أن لا يستتر من بوله) (٤)، وذلك لأن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، وقد ذكر الذهبي في كتابه «الكبائر»: عدم التنزه من البول (٥)، ومن بعده ابن حجر الهيثمي في كتابه «الزواجر» (٦)، قال الخطابي (معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأن الذنب فيهما هين سهل) (٧)، وقال المنذري: (ولخوف توهم مثل هذا استدرك، فقال ﷺ : «بلى إنه كبير») (٨) والله أعلم.
وهذا في بول بني ادم، وما شابهه من الأبوال النجسة، وأما من عممه في سائر الأبوال - كالخطابي (٩) ـ فهو مردود، لقوله في رواية: (وكان لا يستتر من بوله) فتكون الألف واللام في قوله: (من البول) بدلاً من الضمير، أما بول المأكول كالإبل والغنم فهو طاهر؛ لأن النبي ﷺ أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل (١٠)، ولم يأمرهم بغسل أوانيهم ولا ما أصابهم منها، فدل على طهارتها.
стр. 407
الوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت عذاب القبر، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى عن ال فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، قال ابن كثير: (هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور) (١)، وقد تواترت الأحاديث عنه ﷺ في إثبات عذاب القبر، ومن ذلك الأحاديث التي مضت، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من عذاب القبر. والله تعالى أعلم.
стр. 408
الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة
١٠٤/ ١٩ - عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَلّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْخَلَاءِ: أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو سفيان، سراقة بن مالك بن جُعْشُم - بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة - المدلجي الكناني، كان ينزل قُدَيداً (١)، يُعَدّ في أهل المدينة، وقد روى البخاري قصته في إدراكه الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة، ودعا النبي ﷺ عليه حتى ساخت رِجْلا فرسه في الأرض ثم إنه طلب منه الخلاص وأن لا يدل عليه ففعل، وكتب له أماناً (٢)، أسلم يوم الفتح، ومات سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان ﵁، وقيل: مات بعد عثمان (٣) ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (١/ ١٨)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ١٦٠ - ١٦١) والبيهقي في
стр. 409
«السنن الكبرى» (١/ ٩٦) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن رجل من بني مدلج، عن أبيه قال: (قدم علينا سراقة بن جعشم فقال: علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى).
وهذا إسناد ضعيف، ذكره المصنف ليعلم حاله؛ لأن فيه رجُلين مبهمين وهما: المدلجي ووالده، ومحمد بن عبد الرحمن: مجهول، وليس لهذا الحديث طريق غير هذا.
ولفظ البيهقي كما تبين: (أن يعتمد) وكأن معناها: أن يتمايل على رجله اليسرى ويميل على جهتها، وأما لفظ الحافظ: (أن نقعد) فهو مشكل؛ لأن قضاء الحاجة ليس محل قعود على الرجل اليسرى وإلا لتلوث بالنجاسة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب نصب الرجل اليمنى، والتحامل على الرجل اليسرى أثناء قضاء الحاجة، وقد ذكر العلماء أن هذه الكيفية تُسَهِّلُ الخارج.
ولكن هذا الحديث ضعيف - كما تقدم - والضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، فإن ثبت من الناحية الطبية أن هذه الجِلْسة مفيدة صارت مطلوبة، لا من جهة أنها من السنة، ولكن من جهة أنها من المصلحة؛ لأن كل ما فيه مصلحة فإنه مأمور به، ما لم يشهد الشرع ببطلانها، والله تعالى أعلم.
стр. 410
استحباب نتر الذكر بعد البول
١٠٥/ ٢٠ - عَنْ عِيسى بْنِ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عيسى بن يزداد؛ قيل: بباء موحدة، وراء مهملة، ودالين مهملتين بينهما ألف، وقيل: بمثناة تحتية، وزاي معجمة، وبقيته كالأول، وقيل: ازداد؛ الفارسي اليماني، روى عن أبيه، وروى عنه زكريا بن إسحاق، قال البخاري: (لا يصح حديثه)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١).
وأما أبوه، فقال أبو حاتم: (لا صحبة له، وحديثه مرسل) (٢)، وقال ابن حبان: (يقال: إن له صحبة) (٣)، وممن نصّ على أنه لا صحبة له: البخاري، وأبو داود، وأبو حاتم - كما تقدم - وابنه عبد الرحمن، وابن عدي، وغيرهم، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير (٤)، وقال ابن معين: (لا يعرف عيسى ولا أبوه).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه (٣٢٦)، وأحمد (٣١/ ٣٩٩) من طريق زمعة ابن صالح، عن عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه، وأخرجه أحمد (٣١/ ٤٠٠) - أيضاً - من طريق زكريا بن إسحاق، عن عيسى، به.
стр. 411
وهذا إسناد ضعيف، وليس له طريق مستقيم بإجماع أهل الحديث، لما تقدم، وأيضاً: زمعة بن صالح متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، ضعفه أحمد وابن معين - في رواية - وأبو زرعة وابن حبان واخرون، قال النووي: (اتفقوا على أنه ضعيف) (١).
وكما أنه ضعيف في سنده فهو ضعيف في متنه، فإن معناه غير صحيح؛ لأن نتر الذكر يسبب درّ البول وتتابعه، والإنسان بهذا الفعل يَجُرُّ على نفسه بلاءً بالسلس والوسوسة وطول بقائه على حاجته.
وأما قول الشارح المغربي وتبعه الصنعاني: إن حديث ابن عباس المتقدم في قصة صاحب القبرين شاهد لهذا الحديث (٢) فليس بواضح؛ لأن حديث ابن عباس يدل على خطر وعظم التساهل بالبول وأن الواجب التنزه منه، والتنزه منه لا يلزم منه نتر الذكر، بل يكون في غسله وغسل ما أصاب البدن أو ما أصاب الثوب، والله أعلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (فلينتر) من النتر بنون ثم تاء مثناة من فوق ثم راء مهملة من باب «نصر»، قال في القاموس: (استنتر من بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصاً عليه مهتماً به) (٣). وصفة ذلك أن ينفض ذكره لاستخراج ما بقي في القصبة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب النتر ثلاث مرات بعد البول لإخراج بقية البول من الذكر زيادة في الإنقاء، وهذا استحبه كثير من الفقهاء كالشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، إما استدلالاً بهذا الحديث، وإما تعويلاً على المعنى المذكور.
стр. 412
والصواب أن ذلك لا يستحب لعدم ثبوت الحديث، ولأن ذلك يحدث الوسواس - كما تقدم ـ، بل إذا انتهى البول غسل رأس الذكر، ومثل ذلك السّلْتُ الذي ذكره الفقهاء، وهو أن يمسح ذكره من أصله إلى رأسه ثلاث مرات، فهذا لم يصح فيه شيء، وربما سبب ضرراً.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (نتر الذكر بدعة على الصحيح … وكذلك سَلْتُ البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ ، والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قرّ، وإن حلبته درّ) (١).
وقال ابن القيم: (راجعت شيخنا - يعني ابن تيمية - في السلت والنتر فلم يره، وقال: لم يصح الحديث) (٢).
فإن وجد من الناس من قد يخرج منه شيء بعد البول إذا لم يتحرك أو يمشي خطوات فهذا له حكم خاص، ولا ينبغي أن يجعل أمراً عاماً لكل أحد، فهذا لا حرج عليه إذا تحرك أو مشى خطوات، بشرط أن يتيقن خروج شيء عن طريق التجربة، فإن كان مجرد وَهْمٍ أو وسواس فلا عبرة به، ولا ينبغي الالتفات إليه، قال النووي: (والمختار أن هذا يختلف باختلاف الناس، والمقصود أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه … وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسواس … ) (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 413
حكم الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء
١٠٦/ ٢١ - عَنِ ابنِ عَبّاس ﵄ أَنّ النّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالُوا: إنّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ المَاءَ. رَوَاهُ الْبَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
١٠٧/ ٢٢ - وَأَصْلُهُ فِي أَبي دَاوُدَ، والتِّرمذِيِّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البزار في «مسنده» (١٥٠ مختصر زوائده) قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، ثنا أحمد، عن محمد بن عبد العزيز، قال: وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فسألهم رسول الله ﷺ فقالوا: (إنا نتبع الحجارة الماء).
وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، قال عنه النسائي: (متروك)، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: (هم ثلاثة إخوة: محمد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز، وعمران بن عبد العزيز، وهم ضعفاء الحديث، ليس لهم حديث مستقيم) (١)، ونقل الهيثمي تضعيفه عن البخاري (٢)، قال البزار عقب الحديث: (لا نعلم أحداً رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه).
стр. 414
وفي إسناده - أيضاً - عبد الله بن شبيب، وهو ضعيف، قال الذهبي: (مجمع على ضعفه) (١)، وقال أيضاً: (أخباري علاّمة، لكنه واهٍ) (٢)، وقال أبو أحمد الحاكم: (ذاهب الحديث) (٣)، وقال ابن حبان: (يقلب الأخبار ويسرقها) (٤).
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) من طريق يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم.
وهذا إسناد ضعيف، ضعفه النووي (٥) والحافظ (٦)، وله علتان:
الأولى: ضعف يونس بن الحارث، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (أحاديثه مضطربة)، قال: وسألته عنه مرة أخرى فضعفه، وقال الدوري عن ابن معين: (لا شيء)، وعنه: (ليس به بأس يكتب حديثه).
وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال أبو داود: (مشهور روى عنه غير واحد) (٧).
الثانية: جهالة إبراهيم بن أبي ميمونة، قال ابن القطان: (مجهول الحال لا يعرف، ما روى عنه غير يونس بن الحارث، وهو ضعيف، وقال: إن الجهل بحال إبراهيم بن أبي ميمونة كافٍ في تعليل الخبر فاعلم ذلك) (٨).
لكن الحديث له شواهد كثيرة يصح بها، ويدل على مشروعية غسل الدبر من أثر النجو، ومن ذلك ما جاء من طريق أبي أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري، أنه حدثه أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال:
стр. 415
«إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطّهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطّهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (١).
ومما ورد في هذا الباب حديث أبي أمامة (٢)، وحديث عبد الله بن سلام (٣)، وكذا حديث عائشة: (مُرْنَ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم؛ إن رسول الله ﷺ كان يفعله) (٤).
وقد ذكر الحافظ في «فتح الباري» حديث الباب، وهو حديث أبي هريرة ﵁ وقال: (إسناده صحيح) (٥)، وهذا وهم منه ﵀ ولو قال: وهو حديث صحيح، لأصاب، أي: لشواهده؛ ذكر ذلك الألباني (٦).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قباء) بضم القاف ممدود؛ مذكر مصروف، هذا هو الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون، وفي لغة أخرى أنه مؤنث ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وفي لغة ثالثة أنه اسم مقصور، اسم لمكان قرب المدينة النبوية
بثلاثة أميال، وهذا في الزمن الماضي، أما الآن فهو حي من أحياء المدينة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن إزالة النجاسة من محل الخارج بتخفيفها بالحجارة ثم إتباعها الماء هو أكمل التطهر، ليحصل كمال الإنقاء، وهذه
стр. 416
هي الحالة الأولى، وهذه الحالة لم يثبت فيها حديث من القول ولا من الفعل؛ لأن حديث أنس المتقدم في أول الباب (فأتبعه أنا وغلام بإدواة من ماء فيستنجي بالماء) محتمل، لكن لا شك أن الجمع بينهما أفضل وأكمل في النظافة.
والحالة الثانية: الاقتصار على الماء وحده؛ وهو أفضل من الاقتصار على الحجارة وحدها؛ لأنه يطهر المحل، وهذا هو ظاهر حديث أنس المتقدم حيث استنجى ﷺ بالماء، فيحتمل أنه استنجى به بعد الاستنجاء بالحجارة، ويحتمل أنه استنجى به وحده.
والحالة الثالثة: الاقتصار على الحجارة وحدها، لا فرق في ذلك بين وجود الماء وعدمه، ولا بين الحاضر والمسافر والصحيح والمريض، وقد دل على ذلك حديث سلمان المتقدم وفيه: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، وحديث ابن مسعود ﵁ لما أمره الرسول ﷺ أن يأتيه بثلاثة أحجار، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ أنه جمع للنبي ﷺ أحجاراً فأتى بها بطرف ثوبه ووضعها إلى جنبه ثم انصرف (١).
وقد ذكر ابن القيم في هدي النبي ﷺ عند قضاء الحاجة أنه كان يستنجي بالماء تارة، ويستجمر بالأحجار تارة، ويجمع بينهما تارة (٢).
أما الأولان فثابتان، وأما الجمع من فعله فلم يثبت، ولو ثبت لما احتاج من قال: إن الأفضل الجمع بينهما إلى الاستدلال بحديث أهل قباء - الذي أخرجه البزار - مع ضعفه، ولكان الفعل هو الدليل على الأفضلية لو ثبت، والله أعلم (٣).
انتهى الجزء الأول، ويليه
ـ بعون الله وتوفيقه - الجزء الثاني،
وأوله باب «الغسل وحكم الجنب»
стр. 417
باب الغسل وحكم الجنب
الغُسل - بضم الغين ـ: اسم مصدر بمعنى: اَغتسال، وجمعه: أغسال، وهو تعميم البدن بالغَسل بالماء، والجُنُب: بضم الجيم والنون، اسم لمن حصلت منه الجنابة، وهي إنزال المني.
والجنب: البعيد، سمي به من حصلت منه جنابة: إما لأن المنيَّ بَعُدَ عن محله وانتقل عنه، أو لبعده عما كان مباحاً له قبلها من الصلاة والقراءة ونحو ذلك.
ولفظ (الجنب) يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد والمثنى والجمع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وربما طابق على قلة، فيقال: أجناب وجُنُبون، ونساء جُنبات، ومنه قول عائشة ﵂: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ونحن جنبان) (١).
وأحاديث هذا الباب تبحث في مسألتين:
الأولى: في أحكام الغسل، ما يجب منه، وما يستحب، وكيفيته.
الثانية: أحكام الجنب، ما يحل وما يحرم، من القراءة، واللبث في المسجد، والنوم على جنابة، ونحو ذلك.
стр. 418
ما جاء في أنه لا اغتسال إلا من إنزال
١٠٨/ ١ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المَاءُ مِنَ المَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٣٤٣) في كتاب «الحيض» باب «إنما الماء من الماء» من طريق شريك - يعني ابن أبي نَمِرٍ ـ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عِتْبان فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : «أعجلنا الرجل»، فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمنِ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : «إنما الماء من الماء».
وأخرجه البخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥) من طريق شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر، فقال النبي ﷺ : «لعلنا أعجلناك»؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «إذا أُعْجِلْتَ - أو قُحِطت - فعليك بالوضوء»، وهذا لفظ البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الماء من الماء) لفظ مسلم: «إنما الماء من الماء»، والماء الأول: مبتدأ، والمراد به: ماء الاغتسال، والثاني: متعلق بمحذوف خبر، والمراد به: المني النازل دفقاً بلذة، وقد سمَّاه الله تعالى ماء، فقال تعالى:
стр. 419
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، ولفظ الحديث فيه جناس تام، حيث اتفق اللفظان في الحروف، واختلف المعنى.
وفي الحديث أسلوب من أساليب القصر عند البلاغيين، وطريقه (إنما) ومعناه: أن الاغتسال مقصور على الإنزال.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من إنزال المني، وهذا منطوق الحديث، وأما مفهومه فإنه يفيد عدم وجوب الغسل بدون إنزال، فلو جامعها في فرجها ولم ينزل فليس عليه غسل، وقد دل على ذلك قوله: «إذا أُعجلت أو قُحطت فعليك بالوضوء»، وأُعجلت: بضم الهمزة وكسر الجيم، وقُحطت: بضم القاف وفتحها، وبالهمز: أُقحطت، ومعناه: جامعت ولم تنزل، وهو الإكسال.
وقد جاء هذا المعنى وهو أن الماء من الماء عن عدد من الصحابة ﵃، عثمان وأُبي بن كعب، وحديثهما في الصحيحين، ورافع بن خديج، وحديثه عند أحمد، وأبي أيوب وحديثه عند النسائي وابن ماجه، وقد ورد عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأُبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك (١).
وكان هذا في أول الإسلام، وهو أن من جامع ولم ينزل استنجى وتوضأ، ثم شُرع الغسل مطلقاً بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وقد ورد ما يدل على النسخ من طريق ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أُبي بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام، لقلة الثياب، ثم أُمِرَ بالغسل، ونُهِيَ عن ذلك (٢)، قال أبو داود: (يعني الماء من الماء).
стр. 420
على أن بعض العلماء حمل حديث الباب على الاحتلام، وقد بوَّب عليه النسائي في سننه (١)، ومال إليه الحافظ (٢)، وأيد ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إنما الماء من الماء في الاحتلام» (٣).
لكن إدخال الاحتلام يكون من باب العموم، وأما الحديث فليس في الاحتلام، لما تقدم من التصريح بسببه، وهو أنه سؤال عن الجماع لا عن الاحتلام، وصورة السبب قطعية الدخول في الحكم عند الأكثرين، فيضعف القول باختصاص ذلك بحالة الاحتلام في النوم، والله أعلم.
стр. 421
وجوب الغسل من الجماع
١٠٩/ ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمّ جَهَدَها، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ: (وَإنْ لَمْ يُنزِلْ).
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري (٢٩١) في كتاب «الغسل» باب «إذا التقى الختانان»، ومسلم (٣٤٨) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي رافع (١)، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
وأخرجه مسلم - أيضاً - من طريق مطر الوراق، عن الحسن به، وفيه: «وإن لم ينزل».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا جلس) أي: الرجل، وهو مفهوم من السياق، والمراد بالجلوس: كونه بذلك المحل.
قوله: (بين شعبها الأربع) أي: شعب المرأة الأربع، والضمير لم يتقدم له مرجع، لكنه معلوم من السياق، والشُّعب - بضم الشين ـ: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد بها هنا: يداها ورجلاها على الأظهر، وهو كناية عن مكان الرجل من المرأة في حال الجماع، وهي حال يستقبح ذكرها،
стр. 422
فَكَنّى عنها بلفظ الشُّعَبِ التي هي بمعنى الأطراف، ليفهم بذلك المراد من حالة اتصال محلَّي الجماع.
قوله: (ثم جَهَدها) بفتح الجيم والهاء، يقال: جهد وأجهد، أي: بلغ المشقة، والمعنى: بلغ جهده فيها، وذلك بإيلاج ذكره في فرجها، ثم كَدِّها بحركته؛ لأن المرأة وإن كانت تتلذذ بذلك لكن يحصل منها جهد ومشقة.
وهذا من محاسن اللغة، حيث إنه يُكنَّى عما يُستحيا من ذكره بما يدل عليه، فإن المقصود من ذلك الكناية عن الجماع ومعالجة الإنزال، وأن ذلك إذا حصل فقد وجب الغسل وإن لم ينزل، وفي رواية: «وألزق الختان الختان» بدل «ثم جهدها»، وهذا يدل على أن الجهد كناية عن معالجة الإيلاج، وفي رواية عند مسلم: «إذا مسّ الختان الختان».
والمراد من التقاء الختانين: تغييب الحشفة في الفرج، وهو المراد بالمسّ، وليس المراد حقيقته؛ لأن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمس الذكر في الجماع.
قوله: (فقد وجب الغسل) أي: عليهما جميعاً.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من الجماع على الرجل والمرأة، سواء أحصل إنزالٌ أم لا، لقوله في رواية مسلم: «وإن لم ينزل».
وقد أخرج مسلم من طريق هشام، عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل.
قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة ﵂، فأذنت لي، فقلت لها: يا أماه، أو يا أم المؤمنين: إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أُمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟
стр. 423
قالت: على الخبير سقطت! قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (١).
الوجه الرابع: هذا الحديث ناسخ لمفهوم حديث: «إنما الماء من الماء»، ودليل النسخ حديث أبي بن كعب قال: (إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نُهي عنها) (٢)، وهو صريح في النسخ، على أن حديث إيجاب الغسل ولو لم ينزل أرجح ولو لم يثبت النسخ؛ لأنه منطوق، وذلك مفهوم، والمنطوق مقدم في العمل على المفهوم، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِلُ، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» (٣)، وتقدم معنى الإكسال قريباً.
ونقل ابن رجب عن الدارقطني أنه قال: (لم يختلف عن أبي الزبير في رفع الحديث) (٤). وأم كلثوم: هي أخت عائشة ﵄؛ ذكره ابن رجب، والنووي (٥) وقال: (هذا من رواية الأكابر عن الأصاغر).
وقد حكى النووي وغيره انعقاد الإجماع على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة ﵃ لا يرون الغسل إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين (٦).
وقد ساق الإمام مسلم في صحيحه في هذا الموضع عن أبي العلاء ابن الشّخير أنه قال: (كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه
стр. 424
بعضاً، كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً) (١)، وغرضه بذلك - والله أعلم - الإشارة إلى أن حديث «الماء من الماء» منسوخ، والله تعالى أعلم.
стр. 425
وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها
١١٠/ ٣ - وعَنْ أُمّ سَلَمةَ ﵂ أَنّ أُمَّ سُلَيمٍ وَهي امرأةُ أَبي طَلْحَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ الغُسْلُ إذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعمْ، إذا رَأَتِ المَاءَ» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١١١/ ٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيمٍ: وَهَلْ يَكُونُ هذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الأول: فقد أخرجه البخاري (٢٨٢) في كتاب «الغسل» باب «إذا احتلمت المرأة»، ومسلم (٣١٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أوَ تحتلم المرأة؟! فقال: «تربت يداك فبم يشبهها ولدها»، هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية أخرى: (قالت: فضحتِ النساء).
وأما الثاني: فقد أخرجه مسلم (٣١١) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله ﷺ :