ثبوت القصاص في الطَّرَف كالسِّن
١١٧٧/ ١٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁؛ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيهَا الْعَفْوَ، فَأبوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأبوْا، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَبوا إلَّا الْقِصَاصَ، فَأمَرَ رَسُول اللهِ ﷺ وبِالْقِصَاصِ، فَقَال أنسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيّتُهَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ" فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أقسَمَ عَلَى اللهِ لأبرهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأوَّل: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البُخاريّ في مواضع من "صحيحه" أولها في كتاب "الصلح"، باب "الصلح في الدية" (٢٧٠٣) من طريق حميد أن أنسًا حدثهم أن الرُّبيع -وهي ابنة النضر- كَسَرَتْ ثنية جارية … وساق الحديث.
ورواه مسلم من طريق ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ به.
° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن الرَّبيع) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخره عين مهملة، هي بنت النضر الأنصارية الخزرجية، أخت أنس بن النضر الآتي ذكره.
قوله: (عمته) أي: عمة أنس بن مالك؛ لأنَّها أخت أبيه مالك بن النضر، وعليه فهي بدل أو عطف بيان من الرُّبيع.
стр. 3607
قوله: (ثنية) على وزن فعيلة، جمعها ثنايا، وهي أسنان مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.
قوله: (جارية) أي: امرأة شابة، وهي من الأنصار كما في بعض الرِّوايات، وعند أبي داود: (ثنية امرأة) (١)، وهذا يبين أن المراد بالجارية المرأة الشابة لا الأمة الرقيقة.
قوله: (فطلبوا إليها العفو فأبوا) أي: فطلب أهل الرَّبيع من الجارية ومن أهلها العفو عن الكسر المذكور مجانًا، فامتنعوا من قبول ذلك.
قوله: (فعرضوا الأرش فأبوا) أي: فعرض أهل الرَّبيع (الأرش) وهو بفتح الهمزة، ومعناه: الدية؛ أي: دية الثنية، وأصل الأرش: الفساد يقال: أَرَّشْتُ بين القوم: إذا أفسدت، ثم استعمل في نقصان الأعيان؛ لأنَّه فساد فيها (٢) والمعنى: أن هؤلاء امتنعوا عن قبول الأرش وأصروا على القصاص.
قوله: (فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص) أي: المماثلة، وذلك بكسر ثنية الرَّبيع، إمَّا بقلع سنها إن كانت الجناية كذلك، أو يبرد من سنها بقدر ما كسرت من ثنية الجارية، وهذا هو الأقرب لسياق الحديث.
قوله: (فقال أنس بن النضر) هو أخو الرُّبيع -كما تقدم- استشهد في غزوة أُحد ﵁ كما ثبت في "الصحيحين" (٣)، وهذا يفيد أن قصَّة الرَّبيع كانت قبل أُحد.
قوله: (لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها) لم يقل ذلك ﵁ ردًّا على النَّبيِّ ﷺ وإعراضًا عن حكمه، وإنَّما قاله من باب التوقع والرجاء بأن الله تعالى يرضي الخصم، ويلقي في قلبه الإجابة إلى العفو أو أخذ الدية بدل القصاص، وقد أثنى عليه النَّبيُّ ﷺ كما سيأتي، ولو كان قَصَدَ ردَّ ما حكم الله به لكان مستحقًا لِأَوْجَعِ القول وأفظعه.
стр. 3608
قوله: (يا أنس كتابُ الله القصاصُ) أي: يا أنس شَرْعُ الله تعالى وحكمه يثبت لهم القصاص، وقد يكون ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينافيه.
وكتاب الله: مبتدأ، والقصاص: خبر.
قوله: (فعفوا) أي: على الدية، بدليل رواية البُخاريّ في "التفسير" من طريق الفَزَاريُّ، عن حميد: (فرضي القوم، وقبلو الأرش) (١).
قوله: (إن من عباد الله … ) أي: إن بعض عباد الله لا يخيب الله رجاءهم ولا يرد دعاءهم، ومنهم أنس بن النضر ﵁، وإنَّما قال النَّبيُّ ﷺ ذلك لأنَّ أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره وهو القصاص مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك، فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث أنس في يمينه، فألهم الله تعالى الغير العفو، فبرَّ قسم أنس ﵁.
قوله: (لأبرَّه) أي: لا يُحَنِّثه، بل يبر قسمه ويعطيه مطلوبه لكرامته عليه.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت القصاص في السن إذا كانت الجناية عمدًا، وهذا هو نص القرآن، فإن كانت الجناية على السن بكاملها، فهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وقد ثبت الإجماع على قلع السن بالسن بالعمد (٢)، وأمَّا كسر السن فقد دل هذا الحديث على ثبوت القصاص فيه، وهو قول الجمهور، وبه قطع الشَّافعية إذا أمكن (٣).
وشرط ذلك أمران:
الأوَّل: المماثلة، فالثنية بالثنية، والرباعية بمثلها، والعليا بالعليا، وكذا السفلى.
стр. 3609
الثَّاني: الأمن من الحيف، وذلك بأن يمكن الاستيفاء من سن الجاني بلا حيف، ويتم ذلك في السن بأن يبرد من سن الجاني بنسبة ما كسره من سن المجني عليه، كالنصف مثلًا، قال أبو داود في "سننه": (سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يُقتص من السن؟ قال: تُبرد) (١).
وذهب الشَّافعي إلى عدم مشروعية القصاص في السنن، لعدم إمكان المماثلة (٢).
والصَّواب الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في الموضوع، والمماثلة ممكنة، ولا سيما في زماننا هذا.
أما العظام غير السن فإن كانت عظام الرأس فلا قصاص بالإجماع؛ لما يخشى في القصاص من تلف الجاني.
وأمَّا عظام بقية البدن ففيها ثلاثة أقوال:
القول الأوَّل: أن فيها القصاص، وهذا رأي ابن حزم (٣)، لعموم الآيات الدّالة على معاملة الجاني بمثل ما فعل، وحديث أنس هذا: "كتابُ الله القصاص" وهو عام.
والقول الثَّاني: أن فيها القصاص إلَّا ما كان مخوفًا، مثل الفخذ والصلب وعظم الرقبة والصدر، ففيها الدية، وهذا قول مالك وابن المنذر (٤)، للعمومات السابقة.
والقول الثالث: أنَّه لا قصاص فيها، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (٥)، بل الدية، لعدم المماثلة؛ ولأنَّه لا يؤمن من الحيف.
والقول الثَّاني قوي، لا سيما في زماننا هذا.
стр. 3610
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن القصاص هو حكم الله تعالى وشرعه، فيجب تنفيذه على الجاني، إلَّا إذا عفا صاحب الحق، ولا يعتبر هذا تعطيلًا لحكم الله تعالى؛ لأنَّ القصاص مَحْضُ حَقِّ آدمي.
° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الاستشفاع والسعي في قبول التنازل عن القصاص عند أهل المجني عليه، وأن هذا ليس من باب الشفاعة في الحدود بعد رفعها إلى السلطان.
° الوجه السادس: جواز الحلف على ما يُظن وقوعه، وهذا على أحد القولين. وسأذكر الكلام في هذه المسألة -إن شاء الله- في كتاب "الإيمان والنذور".
° الوجه السابع: استدل الأصوليون بهذا الحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه، والمراد أنَّه شرع لنا من حيث إنَّه وارد في كتابنا أو سنة نبينا ﷺ ، لا من حيث إنَّه كان شرعًا لمن كان قبلنا.
ووجه الاستدلال: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "كتابُ الله القصاصُ" وليس في كتاب الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ إلَّا ما حكي عن التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا﴾ فدل على أنَّه ﷺ قضى بحكم التوراة، بدليل أنَّه ذكر الآية، ولو كان حكمًا ابتدأه ما ذكرها.
والظاهر أن الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة لفظي؛ لأنَّ القائلين به لا يعتبرونه دليلًا مستقلًا، وإنَّما هو راجع إلى الكتاب أو السنة، ومن لا يرى حجيته فإنَّه يعمل به؛ لوروده في الكتاب والسنة، لا لأنه شرع لمن قبلنا (١).
° الوجه الثامن: قال القرطبي: (فيه دليل على كرامات الأولياء)، وذلك أن في الحديث منقبة عظيمة لأنس بن النضر ﵁، وأنَّه من عباد الله تعالى الذين يسمع الله نداءهم، ويجيب دعاءهم، ويحقق لهم مطلوبهم.
° الوجه التاسع: جواز الثّناء على بعض عباد الله الصَّالحين في حضورهم إذا أُمنت الفتنة في ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3611
من قُتل بين قوم ولم يُعرف قاتله
١١٧٨/ ١٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَال دُونَهُ فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائي، وَابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَاد قَويٍّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأوَّل: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الديات"، باب "من قتل في عميا بين قوم" (٤٥٤٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٣٩ - ٤٠)، وابن ماجة (٣٦٣٥) من طريق سليمان بن كثير العبدي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا به، وتمامه: (فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا) وقد جاء عند أبي داود: (من قتل في عميا في رمي يكون بينهم).
وهذا الحديث -كما قال الحافظ- سنده قوي، فيه سليمان بن كثير، وهو من رجال الشيخين، إلَّا أن العلماء تكلموا في روايته عن الزُّهريّ خاصة (١)، وفي غيره لا بأس به، كما قال الحافظ في "التقريب". لكن روي هذا الحديث مرسلًا، فقد رواه أبو داود (٤٥٣٩) من طريق حماد ومن طريق سفيان، عن عمرو، عن طاوس، مرسلًا، قال الدارقطني: (وهو الصَّحيح) (٢)،
стр. 3612
وقال ابن عبد الهادي: (إسناده جيد، لكن قد روي مرسلًا) (١).
° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في عِمِّيا) بكسر العين المهملة وتشديد الميم المكسورة بعدها ياء، اسم مقصور من العَمَى؛ أي: من قُتل في حال يعمى أمره فلا يتبين قاتله.
قوله: (أو رِمِّيا) بكسر الراء وتشديد الميم المكسورة بعدها ياء، اسم مقصور من الرمي، وكل منهما مصدر يراد به المبالغة؛ أي: من قتل في حال ترامي القوم ومضاربتهم فيما بينهم، فلم يتبين القاتل ولا حال القتل فهو قتل خطإ (٢).
وقد تقدم لفظ أبي داود: (من قتل في عميا في رمي) وظاهر هذا أن اللفظ الثَّاني تفسير للأول؛ أي: ترامى القوم، فوجد بينهم قتيل.
قوله: (فعقله عقل الخطأ) أي: فديته دية قتل الخطأ ولا قصاص فيه.
قوله: (ومن قتل عمدًا فهو قود) أي: ففيه القصاص.
قوله: (ومن حال دونه فعليه لعنة الله) أي: حال دون القصاص وسمى الجاني بشفاعة أو بقوته مع طلب مستحقه له.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه إذا قتل إنسان في حال مشتبهة لم يتضح فيها القاتل، كما لو تقاتل فريقان وتراموا بحجارة أو نحوها ثم وجد بينهم قتيل لا يُدرى من قتله فإن ديته دية القتل الخطأ ولا قصاص فيه، وهذا أظهر الأقوال في هذه المسألة؛ لدلالة الحديث عليه، لكن حصل الخلاف في الدية على من تكون؟
فالقول الأوَّل: أن الدية في بيت المال، وهو قول إسحاق؛ لأنَّه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين.
ومثل هذا لو مات في زحمة طواف أو سعي أو رمي جمار أو نحو
стр. 3613
ذلك؛ لأنَّه دم معصوم لا يضيع هدرًا، فتكون الدية في بيت المال في كل حالة لا يبقى فيها سبيل للثبوت على غير بيت المال.
والقول الثَّاني: أن ديته تجب على جميع من حضر، وذلك لأنَّه مات بفعلهم، فلا يتعداهم إلى غيرهم، وهذا قول الحسن.
والقول الثالث: أنَّه هدر؛ لأنَّه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد، وهو قول مالك (١)، والقول الأوَّل أرجح، لقوة مأخذه، ولأنَّه قول علي ﵁ (٢).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن قتل العمد يوجب القصاص، وقتل العمد: أن يَقْصِدَ آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، وله صور وأمثلة محلها كتب الفقه.
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه لا يحل لمسلم أن يحول دون استيفاء القصاص أو الدية بأن يحمي الجاني، أو يكون سببًا في ذلك، وأن هذا من الكبائر، والواجب على المؤمن أن يكون عونًا للحق ولو كان أهل الحق ضعيفين أو أعداء له فالحق أحق بالأخذ والاتباع.
والواجب على ولاة الأمور وعلى القضاة إنفاذ الحق وإيصاله إلى مستحقه، وأن يحذروا التساهل أو قبول الشفاعات التي تمنع الحق أو السماح لمن يقف بهذا الطَّريق ولو كان عظيمًا، ومن حال دون تنفيذ الحق بشفاعة أو قوة فقد تعرض لغضب الله تعالى ولعنته، وقد أنكر النَّبيُّ ﷺ على أسامة بن زيد في شأن المخزومية، وقال: "أتشفع في حد من حدود الله … " (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3614
عقوبة القاتل والممسك
١١٧٩/ ١٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذي أَمْسَكَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ مَوْصُولًا ومُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلا أن الْبَيهَقِي رَجَّحَ الْمُرْسَلَ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأوَّل: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٣/ ١٤٠)، والبيهقيّ (٨/ ٥٠) من طريق أبي داود الحَفَرِي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أميَّة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل … الحديث".
وهذا الحديث في سنده اختلاف، فقد روي موصولًا كما مَرَّ، وروي مرسلًا من طريق وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن أميَّة، قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل أمسك رجلًا وقتله الآخر، قال: "يُقتل القاتل، ويُحبس الممسك".
رواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٧٢)، والدارقطني (٣/ ١٤٠)، والبيهقيّ (٨/ ٥٠).
وقد رجح البيهقي المرسل، فإنَّه قال بعد الموصول: (هذا غير محفوظ، وقد قيل عن إسماعيل بن أميَّة، عن سعيد بن المسيب، عن النَّبيِّ ﷺ ، والصَّواب ما أخبرنا … ) ثم ساق المرسل المتقدم، ولعل وجه ترجيح المرسل أنَّه من طريق وكيع عن سفيان، وهو أثبت من الحفري في روايته عن
стр. 3615
سفيان (١). ويؤيد هذا أن عبد الرَّزاق رواه في "مصنفه" (٩/ ٤٨١) عن معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلًا.
أما ابن القطان فقد رجح الموصول، حيث قال: (وهو عندي صحيح) (٢).
قال ابن عبد الهادي: (وقول البيهقي أصح من قول ابن القطان)، ثم قال عن المرسل: (هذا هو المحفوظ) (٣).
° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنَّه إذا أمسك رجل رجلًا وقتله آخر، فإن القاتل يقتل قصاصًا إلَّا أن يعفو أهل القتيل، قال الموفق: (لا خلاف في أن القاتل يقتل؛ لأنَّه قتل من يكافئه عمدًا بغير حق) (٤).
وأمَّا الممسك فإن لم يعلم أن القاتل سيقتله فلا شيء عليه؛ لأنَّه متسبب، والقاتل مباشر، فيسقط حكم المتسبب به، وإن أمسكه لمن يقتله مثل أن ضبطه له حتَّى ذبحه:
فالقول الأوَّل: أنَّه يحبس، كما دل عليه الحديث، ولم يذكر في الحديث مدة حبسه، فيكون مرجعها إلى اجتهاد الحاكم؛ لأنَّ الغرض تأديبه، وليس بمقصود استمراره إلى الموت، وعزاه الشوكاني إلى الجمهور (٥)، وقيل: يحبس حتَّى يموت، وهذا قول عطاء وربيعة، وروي ذلك عن علي ﵁ (٦)، وهو رواية من أحمد، أخذ بها الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم (٧)؛ لأنَّه حَبَسَ المجني عليه إلى الموت فيحبس هو إلى الموت.
والقول الثَّاني: أن الممسك يقتل كالقاتل؛ لأنهما اشتركا في القتل، فإنَّه لولا الإمساك ما قَدِرَ على قتله، وبإمساكه تمكن من قتله، فالقتل حاصل
стр. 3616
بفعلهما. وهذا قول مالك، ورواية من أحمد (١).
والقول الثالث: أن الممسك يعاقب ويأثم ولا يقتل؛ لأنَّ الممسك غير قاتل؛ ولأن الإمساك سبب غير ملجئ، فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضَّمان على المباشر، وهذا قول أبي حنيفة والشَّافعيّ (٢)، وكأن هؤلاء لم يأخذوا بهذا الحديث في أنَّه يحبس الممسك؛ لأنَّه معلول بالإرسال كما تقدم، وهذا القول قوي -في نظري- والعقاب أنواع، ومنه السجن، ويكون مرجعه إلى اجتهاد الحاكم. والله تعالى أعلم.
стр. 3617
حكم قتل المسلم بالمعاهد
١١٨٠/ ١٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْبَيلَمَانيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ. وَقَال: "أنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمّتِهِ". أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسلًا، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو عبد الرحمن بن أبي زيد البيلماني -بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح اللام- مولى عمر ﵁، يذكر في عداد الضعفاء، قال عنه أبو حاتم: الشين الحديث)، وقال الدارقطني: (ضعيف لا تقوم به حجة)، وقال الأزدي: (منكر الحديث)، روى عن ابن عباس وابن عمرو ابن عمرو وغيرهم ﵃، وروى عنه ابنه محمَّد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسماك بن الفضل وغيرهم، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد رواه عبد الرَّزاق (١٠/ ١٠١) باب (قود المسلم بالذمي)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ١٣٥)، والبيهقيّ (٨/ ٣١) عن الثوري، عن ربيعة، عن عبد الرحمن بن البيلماني يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه أقاد من مسلم قتل يهوديًّا، وقال: "أنا أحق من وفَى بذمتي" وعند البيهقي: "من وفَى بذمته".
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأنَّه مرسل، والذي أرسله عبد الرحمن بن البيلماني، وقد قال عنه الدارقطني: (ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل
стр. 3618
الحديث، فكيف إذا أرسله؟!) (١)، وقد روي مرسلًا -أيضًا- من طرق أخرى (٢).
وروي موصولًا، فقد رواه الدارقطني (٣/ ١٣٤) من طريق إبراهيم بن محمَّد الأسلمي، عن ربيعة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته".
وهذا إسناد واهٍ -كما قال الحافظ- آفته إبراهيم الأسلمي، فهو متروك، كما قال النَّسائيّ والدارقطني (٣). قال الدارقطني عقب الحديث: (والصَّواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسلًا عن النَّبيِّ ﷺ ).
وإذا كان مرسل الثقات من قبيل الضعيف، فكيف بمرسل الضعفاء والمتروكين، هذا من جهة الإسناد، وأمَّا من جهة المتن ففيه نكارة؛ لأنَّه مخالف للحديث الصَّحيح المتقدم: "لا يقتل مسلم بكافر" على أن لفظ الكافر لفظ عام.
ولعل الحافظ ذكر الحديث لبيان حاله، وليعرف طالب العلم أن الحديث لا أصل له، وأن في الباب حديثًا مخالفًا للصواب، ولو أسقطه كما فعل ابن دقيق العيد في "الإلمام" وابن عبد الهادي في "المحرر" لكان أولى.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قتل المسلم بالكافر المعاهد، وأن المعاهد في ذمة إمام المسلمين، وفي ذمة المسلمين جميعًا.
والمعاهد -بفتح الهاء، وقيل: بكسرها-: هو الكافر الذي أُعطي العهد والأمان، فحرم قتله أو أسره أو رقه، قال الحافظ: (المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم) (٤).
стр. 3619
والقول بأن المسلم يقتل بالمعاهد هو قول الحنفية، وقد استدلوا بهذا الحديث في كتبهم (١). كما يستدلون بعموم الأدلة الدّالة على مشروعية القصاص، قالوا: لأنَّ الحاجة تدعو إلى زاجر قوي يردع المسلم ويمنعه من الاعتداء على الذميين؛ لأنَّ العداوة الدينية قد تدفع المسلم على الإقدام على قتل الذمي لأتفه الأسباب، فكان في تشريع القصاص من المسلمين للكافر الذمي سَدٌّ لباب الفتنة وحفظ الحقوق الذميين التي كفلها لهم الإسلام، وحملوا حديث: "لا يقتل مسلم بكافر" على أن المراد الحربي لا المعاهد، لتتفق النصوص.
يقول عبد القادر عوده ﵀: (ورأي أبي حنيفة يتفق مع القوانين الوضعية الحديثة، فهي لا تفرق في العقوبة لاختلاف الدين، والقانون المصري لا يفرق بين ذمي ومسلم فكلاهما يقتل بالآخر) (٢).
وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالذمي، وتقدم بيان ذلك، وهو القول الراجح.
وقد أجمع الفقهاء على أن قتل المعاهد من كبائر الذنوب، لما ثبت فيه من الوعيد، فقد ثبت في الصَّحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنَّة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (٣).
وقد نقل ابن بطال عن المهلب أنَّه استدل بهذا الحديث الصَّحيح على أن المسلم لا يقتل بالمعاهد؛ لأنَّه اقتصر في الحديث على الوعيد الأخروي دون الدنيوي (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3620
قتل الجماعة بالواحد
١١٨١/ ١٧ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَال عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأوَّل: في تخريجه:
فقد رواه البُخاريّ في كتاب "الديات"، باب "إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أم يقتص منهم كلهم؟ " (٦٨٩٦) فقال: قال لي ابن بشار: حدثني يَحْيَى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: (لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).
وهذا إسناد موصول؛ لأنَّ ابن بشار -واسمه محمَّد، ويعرف بِبُنْدار- هو من شيوخ البُخاريّ الذين سمع منهم، وحدث عنهم بالشيء الكثير.
وهذا السياق للإسناد وإن كان سياق تعليق إلَّا أن القول بالاتصال هو الراجح، قال الحافظ: (هذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد) (١)، ويؤيد ذلك أن البُخاريّ قد استعمل صيغة: (قال فلان) بكثرة عن شيوخه في الأسانيد المتصلة في "التَّاريخ الكبير"، وهذا وإن لم يعهد منه في "الصَّحيح" إلَّا أنَّه ممكن الوقوع، وما أحسن قول الحافظ ابن رجب عن حديث المعازف الذي رواه البُخاريّ بمثل صيغة حديث الباب، فقال: (وقال هشام بن عمار: حدَّثنا صدقة بن خالد … ) قال ابن رجب: (هكذا ذكره البُخاريّ في كتابه بصيغة التعليق المجزوم به، والأقرب أنَّه مسند، فإن هشام بن عمار أحد شيوخ
стр. 3621
البُخاريّ، وقد قيل: إن البُخاريّ إذا قال في "صحيحه": (قال فلان) ولم يصرح بروايته عنه، وكان قد سمع منه، فإنَّه يكون قد أخذه عنده عرضًا أو مناولة أو مذاكرة، وهذا كله لا يخرجه عن أن يكون مسندًا، والله أعلم) (١).
وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٤٧) عن وكيع، قال: حدَّثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء برجل، وقال: (لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).
ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٧١) عن يَحْيَى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا).
° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (غلام) هو الذكر الصَّغير، قال ابن سيده: (هو غلام من لدن الفطام إلى سبع سنين) وتقدم ذلك في أول الكتاب (٢).
قوله: (غيلة) بكسر الغين؛ أي: خديعة وخفية، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه أحد، قال ابن فارس: (الغين والواو واللام أصل صحيح يدل على خَتْل وأخذٍ من حيث لا يدري) (٣).
وليس للفقهاء تعريف اصطلاحي لقتل الغيلة، ولعلهم تركوا ذلك لوضوح معناه اللغوي، ومع ذلك ذكروا له صورًا، منها:
١ - أن يدعو شخصًا إلى منزله لخياطة أو طِبٍّ، أو نحو ذلك، فإذا انفرد به قتله وأخذ ما معه.
٢ - أن يخدع صغيرًا أو كبيرًا فيدخله موضعًا، فيقتله ويأخذ ما معه.
وتقدم شيء من ذلك في باب "ما جاء في قتل المسلم بالكافر".
قوله: (لو اشترك فيه) هذا لفظ "البلوغ"، وهي رواية الكُشْمَيهَنِي، قال
стр. 3622
الحافظ: (وهو أوجه)، والذي في البُخاريّ: (فيها) والتأنيث على إرادة النَّفس، كما قال الحافظ (١).
قوله: (صنعاء) بالمد، مدينة قديمة أثرية، وهي عاصمة اليمن اليوم.
قوله: (لقتلتهم به) أي: لاقتصصت منهم وقتلتهم جميعًا لاشتراكهم في قتله، وإسناد القتل إليه ﵁ فيه إشارة إلى أن قتل الغيلة لا يُقبل فيه العفو، كما سيأتي. ولفظة: (به) ليست عن البُخاريّ.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنَّه إذا اشترك جماعة -اثنان فأكثر- في قتل شخص عمدًا، فإنَّه يجب عليهم القصاص جميعًا بشرط أن يكون فعل كل واحد منهم صالحًا لإحداث الوفاة، وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (٢)؛ لأنَّ الخليفة الراشد عمر ﵁ أمر بقتل قاتلي الغلام، وقد ورد أنهم كانوا سبعة، وكان ذلك بمحضر من الصّحابة ﵃ ولم ينقل عن أحد منهم أنَّه أنكر ذلك عليه، ولو كان هذا غير جائز لما أمر به عمر ﵁ (٣).
كما استدلوا بعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدّالة على مشروعية القصاص، ولم تفرق بين كون القاتل واحدًا أو جماعة.
ومن جهة المعنى: فإنَّه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى التسارع إلى القتل عن طريق الاشتراك؛ ليسلم القاتل من القصاص، فتسفك الدماء، وتزول حكمة الردع والزجر.
والقول الثَّاني: أنَّه لا يجب القصاص عليهم وإنَّما تجب الدية، وهذا رواية في مذهب الإمام أحمد، وبه قال الزُّهريّ وابن المنذر (٤)، وحكاه ابن
стр. 3623
أبي موسى عن ابن عباس ﵄ (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
ووجه الاستدلال: أن الآية دلت على وجوب المماثلة والمساواة في الأوصاف، وإذا تفاوتت فلا قصاص؛ كالحر يؤخذ بالعبد، وإذا كان التفاوت في الأوصاف يمنع من القصاص فإن التفاوت في العدد يمنع من باب أولى.
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقتل الجماعة بالواحد يستدعي قتل أنفس بنفس، فيكون ممنوعًا لمخالفته لظاهر الآية.
والقول الثالث: أنَّه يقتل واحد فقط يختاره أولياء الدم، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، وهو قول بعض الشَّافعية، وهو مروي عن بعض السلف؛ كمعاذ وابن الزُّبير وابن سيرين والزهري (٢).
واستدلوا بما تقدم في القول الثَّاني، حيث دلت الآيتان على أنَّه لا تؤخذ أنفس بنفس واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فيقتص من واحد فقط، وليس من المعقول أن يفلت بقية الجناة من العقاب، فيلزمون بدفع حصصهم من الدية.
والراجح هو القول الأوَّل، لقوة دليله، وقد نقل ابن قدامة إجماع الصّحابة ﵃ على هذا الرأي، لكن قد يشكل على ذلك ما تقدم عن ابن عباس ﵄.
وأما أدلة الباقين فهي غير ناهضة؛ لأنَّ آية البقرة -كما تقدم- وردت لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من تعنت وكبرياء حتَّى إنهم لا يقبلون بالعبد إلَّا حرًّا، ولا بالأنثى إلَّا ذكرًا، ولم تتعرض الآية لقتل الجماعة بالواحد.
وأمَّا آية المائدة فإنَّها نزلت توبيخًا لليهود الذين خالفوا نص التوراة في أن النفس بالنفس، فصاروا يفضلون بعض الأجناس على بعض، فيقتصون من
стр. 3624
القُرَظِي للنَّضَرِي، ولا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن قتل الغيلة يوجب القتل حتمًا، ولا يجوز فيه عفو ولا صلح، وهذا قول المالكيّة، وبعض فقهاء الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
ووجه الاستدلال:
١ - أن عمر ﵁ قتل النفر الذين قتلوا الغلام وهم خمسة أو سبعة، كما تقدم، وقال: (لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).
٢ - أن عمر ﵁ نسب العقوبة إليه لا إلى ولي الدم، ولم يستثن عفو الولي، مما يدل على أن قتل المغتال لولي الأمر، وليس لأولياء القتيل أثر من إسقاط العقوبة عنه.
والقول الثَّاني: أن قتل الغيلة كغيره من أنواع القتل في وجوب القصاص، ولولي الدم العفو إلى بدل أو إلى غير بدل، وهذا قول الجمهور (٢).
واستدلوا بعموم الأدلة على شرعية القصاص التي لم يفرق فيها بين قتل الغيلة وغيره.
والقول الأوَّل أرجح، لقوة دليله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنَّه لا يُدرى به) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3625
تخيير الولي بين القصاص والدية
١١٨٢/ ١٨ - عَنْ أَبي شُرَيحٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " .. فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل بَعْدَ مَقَالتَي هذِهِ فَأَهْلُهُ بَينَ خِيرَتَينِ: إِمَّا أَنْ يَأخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
١١٨٣/ ١٩ - وَأَصْلُهُ في الصحيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ بمعْنَاهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأوَّل: في ترجمة الراوي:
وهو أبو شريح الخزاعي ثم الكعبي، خويلد بن عمرو، أو عمرو بن خويلد، أو هانئ وقيل: غير ذلك، وقد قال ابن عبد البر عن الأوَّل: إنَّه أصحها، وقال ابن حجر: والأول أشهر، وهو صحابي جليل، أسلم قبل فتح مكّة، وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح، روى عن النَّبيِّ ﷺ أحاديث، وروى عن ابن مسعود ﵁، وروى عنه نافع بن جبير بن مطعم، وأبو سعيد المقبري، وابنه سعيد، وغيرهم، وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة، فصيحًا قويًّا في الله تعالى لا تأخذه فيه لومة لائم، وقصته مع عمرو بن سعيد والي المدينة ليزيد بن معاوية معروفة، وهي في "الصحيحين"، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين ﵁ (١).
° الوجه الثَّاني: في تخريجهما:
أما حديث أبي شريح ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الديات"، باب "ولي العمد يرضى بالدية" (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦) من طريق
стр. 3626
يَحْيَى بن سعيد، قال: حدَّثنا ابن أبي ذئب، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، يقول: قال رسول الله ﷺ : "ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل … الحديث".
وهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، قال التِّرمذيُّ: (هذا حديث حسن صحيح).
وعزوه للنسائي وهم من الحافظ ﵀، وقد عزاه المزي إلى أبي داود والترمذي فقط (١)، وعزاه الحافظ نفسه في "التلخيص" إلى التِّرمذيِّ فحسب (٢).
وأمَّا حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه البُخاريّ في كتاب "الديات"، باب "من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين" (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥) من طريق يَحْيَى بن أبي كثير، حدَّثنا أبو سلمة، حدَّثنا أبو هريرة أنَّه عام فتح مكّة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية … وساق الحديث، وفيه: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمَّا أن يؤدى، وإما أن يقاد … " الحديث بطوله، وعند مسلم: "إمَّا أن يفدى، وإما أن يقتل".
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الواجب في قتل العمد أحد أمرين: إمَّا القصاص وأمَّا الدية، ويتعين أحدهما باختيار الولي، وهذا قول الشَّافعي، ومالك وأحمد في رواية عنهما، وهو قول الظاهرية (٣).
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال ابن عباس في الآية: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية … فالعفو أن يقبل الرجل الدية في العمد … يتبع بالمعروف، ويؤدي بإحسَّان) (٤)، وهذا يفيد أن هذه الأمة مخيرة بين
стр. 3627
القصاص والدية، وهذا من رحمة الله تعالى وإحسانه إلى هذه الأمة حيث لم يحتم عليهم القصاص كما كان في بني إسرائيل.
والقول الثَّاني: أن الواجب في قتل العمد القصاص عينًا، وليس للولي أن يأخذ الدية من القاتل إلَّا برضاه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك في المشهور عنه، ورواية عن أحمد (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ووجه الدلالة: أن (على) تفيد الوجوب، وأن الله تعالى لم يذكر الدية. كما استدلوا بالأدلة الموجبة للمماثلة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والمعاقبة بالمثل لا تتحقق إلَّا بالقصاص، إذ لا مماثلة بين القتل والدية.
كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ المتقدم: "ومن قتل عمدًا فهو قود" فالرسول ﷺ أوجب القود في العمد واقتصر عليه، ولو كانت الدية واجبة لذكرها.
والقول الثالث: أن الواجب القصاص عينًا، وللولي أن يأخذ المال من غير رضا القاتل، وهذا قول للشافعي (٢)، ودليل ذلك ما تقدم في الذي قبله، إلَّا أنهم قالوا: إن لولي الدم أخذ الدية ولو لم يرض القاتل؛ لأنَّه لا يهدر دم في الإسلام.
والراجح هو القول الأوَّل؛ لأنَّ أدلتهم قوية وصريحة في تخيير الولي بين القصاص والدية.
أما أدلة الباقين فهي غير ناهضة على المدعى؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ قد جاء في آخرها ما يدل على أن هذا محمول على
стр. 3628
اختيار الاقتصاص من القاتل، وأمَّا آيات المماثلة فليس فيها ما ينفي إيجاب الدية الثابت بأدلة أخرى، وكذا قوله ﷺ : "ومن قتل عمدًا فهو قود"، فتكون أدلة التخيير جاءت بحكم زائد على ما ثبت في هذه الأدلة، فيؤخذ بالجميع (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3629
باب الديات
الديات: جمع دية، وهي مصدر وَدَى القتيل؛ أي: أدى ديته، والهاء عوض عن فاء الكلمة، وهي الواو، مثل: وعد عدة، ووصل صلة. وجمعت لاختلاف أنواعها.
واصطلاحًا: المال المؤدى إلى المجني عليه أو وليه بسبب الجناية على نفس أو طَرَف.
والأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].
أما السنة فالأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيرها، وأمَّا الإجماع فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في النَّفس عند توفر شروط وجوبها.
والدية عقوبة مالية تحل محل القصاص إذا سقط، أو امتنع لسبب من الأسباب، إذا كانت الجناية عمدًا، وتكون عقوبة أصلية إذا كانت الجناية شبه عمد أو خطأ.
والقاعدة في هذا الباب أن كل من أتلف إنسانًا أو جزءًا منه بمباشرة أو تسبب فعليه الدية.
والمباشرة: فعل الأمر من غير واسطة، كان يضربه بآلة تقتل أو يلقيه من شاهق، والتسبب: أن يكون الشخص ونحوه سببًا في حصول أمر ما، كأن يحفر بئرًا في الطَّريق فيقع فيها إنسان (١).
стр. 3630
مقادير الديات
١١٨٤/ ١ - عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ كتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفيهِ: "أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَد، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْليَاءُ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائَةً مِنَ الإبِلِ، وَفي الأنفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفي اللِّسان الدِّيَةُ، وَفي الشَّفَتَينِ الدِّيَةُ، وَفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفي الْبَيضَتين الدِّيَةُ، وَفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفي العَينَينِ الدِّيَةُ، وَفي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْف الدِّيةِ، وَفي الْمَأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْمُنَقَلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإبِلِ، وَفي كُلِّ إِصْبَعِ مِنْ أَصابع الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْر مِنَ الإبِل، وَفي السِّنّ خَمس مِنَ الإبِلِ، وَفي الْمُوضِحَةِ خَمس مِنَ الإبلِ، وَإِن الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ألفُ دِينَارٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل، وَالنسَائي وَابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا في صحّتِهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأوَّل: في ترجمة الراوي:
وهو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري الخزرجي المدني، قاضي المدينة النبوية، قيل: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمَّد، وقيل: اسمه كنيته، روى عن أبيه، وخالته عمرة بنت عبد الرحمن، والسائب بن يزيد وغيرهم، ولم يدرك جده عمرو بن حزم، روى عنه ابناه:
стр. 3631
عبد الله ومحمد، والزهري وغيرهم، وقد كان من مشاهير الفقهاء العباد، قال عنه الحافظ في "التقريب": (ثقة عابد)، مات سنة مائة، وقيل: بعدها (١) رحمه الله تعالى. وأما أبوه فهو محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري المدني، ولد في حياة النَّبيِّ ﷺ سنة عشر في نجران عندما كان أبوه واليًا عليها للنبي ﷺ ، روى عن أبيه، وعن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص، وروى عنه ابنه أبو بكر، وعمرو بن كثير بن أفلح، وكان ثقة قليل الحديث، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين ﵀ (٢).
وأمَّا جده عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، فقد تقدمت ترجمته في "نواقض الوضوء" من كتاب "الطهارة" عند الحديث (٧٧).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في "المراسيل" رقم (٢٤٧) من طريق محمَّد بن بكار وأخيه جامع بن بكار، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٩) من طريق محمَّد بن بكار، كلاهما قالا: حدَّثنا يَحْيَى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزُّهريّ، ورواه النَّسائيّ (٨/ ٥٧) وأحمد (٣)، وابن حبان (١٤/ ٥٠١) من طريق الحكم بن موسى، ثنا يَحْيَى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزُّهريّ، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن النَّبيَّ ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئت على أهل اليمن … الحديث.
وقد تقدم هذا الحديث في "نواقض الوضوء" وذكرت هناك اختلاف
стр. 3632
العلماء في صحته؛ لأنَّ هذا الإسناد ظاهره السلامة من العلة، فرجاله جميعًا ثقات، وقد صحَّحه ابن عدي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
لكن في الحديث علة خفية قادحة، وهي أن الحكم بن موسى أخطأ في هذا الحديث -كما في الإسناد الثَّاني- وقال: سليمان بن داود، والصَّواب سليمان بن أرقم، كما في رواية محمَّد بن بكار وأخيه، ولأن كل من قرأ أصل يَحْيَى بن حمزة وَجَدَهُ عن سليمان بن أرقم، وسليمان بن أرقم قال عنه أبو زرعة: (ذاهب الحديث)، وقال أبو حاتم: (متروك) (١).
والحديث له طرق أخرى، ومنها ما رواه عبد الرَّزاق (٤/ ٤) ومن طريقه ابن خزيمة (٢٢٦٩)، وابن الجارود (٧٨٤، ٧٨٦)، والدارقطني (١/ ١٢١) عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن النَّبيَّ ﷺ كتب كتابًا … فذكره، قال الدارقطني: (مرسل، ورواته ثقات).
وذلك لأنَّ عبد الله بن أبي بكر روى الحديث عن جده محمَّد بن عمرو بن حزم، وقد ولد محمَّد في عهد النَّبيِّ ﷺ في السنة العاشرة، ولم يسمع من النَّبيِّ ﷺ ، وهذا لا يضر -إن شاء الله- لأنه رواه لنا عن طريق الوجَادة، وهو قوله: (هذا كتاب رسول الله ﷺ ).
لكن ينبغي أن يعلم أنَّه كما بَعُدَ الزمن عن عهد النَّبيِّ ﷺ ضعفت قوة الوجادات؛ لأنَّه لا يؤمن عليها من التغيير أو التحريف أو الضياع أو الزيادة أو النقصان.
والحديث قد تعددت طرقه، وهي تدل بمجموعها على أنَّه حديث محفوظ، لكن هذا لا يعني أنَّه مسند، كما قال رجل ليحيى بن معين: هذا مسند؟ قال: (لا، ولكنه صالح)، بمعنى أن النَّبيَّ ﷺ كتبه، كما قال الإمام أحمد، فصار نسخة ووجادة توارثها الأئمة والمصنفون.
стр. 3633
ثم إنَّه ورد لمعظم ما جاء فيه شواهد صحيحة، وأخرى صالحة يصل بها إلى درجة الاحتجاج، من فتاوى الصّحابة ومراسيل التّابعين، وأكثر ما جاء من شواهده حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود وأحمد في "مسنده"، ومراسيل سعيد بن المسيب، وفتاوى لعلي ﵁، ثم إن العلماء تلقوه بالقبول، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وقد ذكرت شيئًا من ذلك في باب "نواقض الوضوء". وسأذكر ما له شواهد عند الكلام على أحكامه إن شاء الله تعالى.
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (اعْتَبَطَ) بالعين المهملة الساكنة، بعدها فتح؛ أي: قُتل بلا موجب، تقول: عبطت الشَّاةِ عبطًا، من باب (ضرب): ذبحتها صحيحة من غير علة بها (١).
قوله: (قتلًا) منصوب على المصدرية.
قوله: (عن بينة) أي: قد قامت البينة على معرفة القاتل بالشاهدين أو بالإقرار؛ لأنَّ المقصود بالبينة: كل ما أبان الحق وأظهره.
قوله: (فإنَّه قود) بالفتح؛ أي: فحكمه القصاص.
قوله: (مائةً من الإبل) بالنصب على أنَّه بدل من (الدية) الذي هو اسم (إن) مؤخرًا، ويجوز رفعه على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف.
قوله: (أوعِبَ جَدْعُهُ) بضم الهمزة، فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله بمعنى: استوعب، جدعه؛ أي: قطع واستؤصل بأكمله، تقول: وعبته وعبًا من باب (وعد) وأوعبته إيعابًا واستوعبته، كلها بمعنى، وهو أخذ الشيء جميعه (٢).
قوله: (وفي البيضتين) أي: الخصيتين.
قوله: (وفي الصلب) بضم الصاد وإسكان اللام، ويجوز ضمها للإتباع، هو: عظم من لدن الكاهل إلى العَجْبِ، وهو العمود الفقري، قال الفيومي
стр. 3634
(الصُّلْبُ كل ظهر له فَقَار. .) (١).
قوله: (وفي المأمومة) هي الشجة التي بلغت إلى أم الدماغ، وأم الدماغ: هي جلدة فوق الدماغ.
قوله: (وفي الجائفة) هي الطعنة التي بلغت جوف البطن، وقيل: هي التي تصل جوف العضو من ظهر أو صدر أو ورك أو غيرها مما له جوف.
قوله: (وفي المنقلة) بضم الميم وفتح النون وتشديد القاف مكسورة، هي الشجة التي تكسر العظم وتخرجه عن محله.
قوله: (وفي الموضحة) بضم الميم بصيغة اسم الفاعل من الإيضاح، وهي الجرحة التي ترفع اللحم عن العظم وتوضحه.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت القصاص إذا قُتل المسلم المعصوم عمدًا عدوانًا إلَّا أن يرضى أولياء المقتول بالدية، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة ﵁ المذكور قبل هذا الباب، وفيه: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمَّا أن يُؤدى، وإما أن يقاد" هذا لفظ البُخاريّ، ولفظ مسلم: "إمَّا أن يفدى، وأما أن يقتل".
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الدية الكاملة للنفس المسلمة هي مائة من الإبل، ويشهد لهذا حديث سهل بن حثمة الطَّويل -الآتي- في "القسامة" وفيه: (فَكَرِهَ رسول الله ﷺ أن يُبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة) وهو في "الصحيحين".
وقد ذهبت الشَّافعية والظاهرية والحنابلة في رواية إلى أن الإبل هي الأصل في الدية، وما عداها كالبقر والغنم والذهب والفضة فهو مقوم بها أصلًا، وعليه فتقوم الدية بالعملة المعروفة حسب قيمة الإبل غلاء ورخصًا، وهذا هو المعمول به في المحاكم قديمًا، أما الآن فدية العمد وشبهه مائة ألف وعشرة آلاف، ودية الخطأ مائة ألف (٢).
стр. 3635
وذهب بعض العلماء إلى أن أصول الدية هي الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة، وهذا هو الصَّحيح من المذهب عند الحنابلة، وهو قول عطاء وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر ﵁ قام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذَّهب ألف دينار، وعلى أهل العروض اثنى عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (١).
والقول الأول أرجح.
ومما يؤيد أن الأصل هي الإبل:
١ - أن النَّبيَّ ﷺ فرق بين دية العمد والخطأ، فغلَّظ بعضها، وخفف بعضها، كما سيأتي، والتغليظ والتخفيف لا يتحقق في غير الإبل.
٢ - أنَّه جاء في حديث عمرو بن شعيب: "والمأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل أو قيمتها من الذَّهب أو الورق أو البقر أو الشاء … " (٢).
٣ - أن ديات الأعضاء والشجاج كل ذلك مقدر بالإبل، كما في حديث الباب وغيره، ولو كان غيرها أصلًا لثبتت في هذه الأشياء.
وأمَّا حديث عمرو بن شعيب فليس فيه دليل على أن المذكور أصول، بل هو دليل على أن الإبل أصل، ولو كانت أصولًا لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى.
° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية كاملة، كالأنف واللسان والذكر.
أما الأنف فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية كاملة في استئصاله، لقوله: "وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية"، ويشهد لهذا حديث عبد الله بن
стр. 3636
عمرو ﵄، وفيه: (قال: وقضى رسول الله ﷺ في الأنف إذا جُدع الديةَ كاملةً … ) (١). ولأن الأنف عضو فيه جمال ظاهر ومنفعة كاملة.
وكذا اللسان فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية كاملة في قطع لسان الكبير الناطق، لقوله: "في اللسان الدية"، ويشهد لهذا أحاديث مرسلة وآثار تقوي ذلك، فقد روى البيهقي من طريق ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره أن السنة مضت في العقل بأن في اللسان الدية (٢).
وروى عبد الرَّزاق وابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ أنَّه قال: (في اللسان الدية) (٣).
وكذا الذكر فقد أجمع العلماء على وجوب الدية فيه كاملة؛ لقوله: "وفي الذكر الدية" ويشهد له ما رواه ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره أن السنة مضت في العقل بأن في الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية. وقد أفتى بذلك علي ﵁، كما رواه عبد الرَّزاق عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنَّه قال: (وفي الذكر الدية، وفي إحدى البيضتين النصف) (٤).
° الوجه السابع: في الحديث دليل على أن في الشفتين الدية، وهذا أمر مجمع عليه، لقوله: "وفي الشفتين الدية" ويشهد لهذا ما ورد عن علي ﵁ بسند حسن أنَّه قال: (في الشفتين الدية) (٥)؛ ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما، وفيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة.
° الوجه الثامن: الحديث دليل على أن في البيضتين وهما الخصيتين
стр. 3637
الدية، لقوله: "وفي البيضتين الدية" وقد أجمع أهل العلم على ذلك، ويشهد لذلك قضاء علي ﵁ أن في البيضة النصف، كما تقدم، وعن سعيد بن المسيب، وقد تقدم أيضًا؛ ولأن فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل يكون بهما، فكانت فيهما الدية كاليدين.
° الوجه التاسع: في الحديث دليل على وجوب الدية في كسر الصلب إذا لم يجبر، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، لقوله: "وفي الصلب الدية"، ويشهد له مرسل سعيد بن المسيب من طريق ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره، أن السنة مضت في العقل بأن في الصلب الدية (١)؛ ولأنَّه عضو ليس في البدن مثله، وفيه جمال ومنفعة، فوجب فيه الدية كالأنف.
والقول الثَّاني: أن فيه حكومة (٢)، إلَّا أن يذهب مشيه أو جِمَاعُهُ فتجب الدية لتلك المنفعة، وهذا قول الشَّافعية، والقاضي من الحنابلة.
قالوا: لأنَّه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب فيه دية كاملة كسائر الأعضاء.
والراجح هو القول الأوَّل؛ لأنَّ حديث الباب نص في ذلك، مع ما عضده من مرسل سعيد بن المسيب. وأمَّا قولهم: لم تذهب منفعته، ففيه نظر، فإن النفع قد ذهب مع الحدوبة، والله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
° الوجه العاشر: في الحديث دليل على وجوب الدية كاملة في إتلاف العينين، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، لقوله: "وفي العينين الدية" ويشهد لهذا ما رواه محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،
стр. 3638
مرفوعًا، وفيه: "وفي العين نصف العقل، خمسون من الإبل … " (١).
ولأن العين من أعظم الجوارح منفعة وجمالًا.
° الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على وجوب نصف الدية في قطع الرجل الواحدة، وقد أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الدية، وفي أحدهما نصف الدية، لقوله: "وفي الرِّجْلِ نصف الدية"، ويشهد له حديث عمرو بن شعيب: "وفي الرِّجْلِ نصف الدية" (٢). وحد الرجل الذي تجب به الدية هو مفصل الكعبين.
° الوجه الثَّاني عشر: في الحديث دليل على أن في المأمومة ثلث الدية، سواء كانت الجناية عمدًا أو خطأ، وقد ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، لقوله: "وفي المأمومة ثلث الدية"، ويشهد لهذا حديث عمرو بن شعيب المتقدم، وفيه: "والمأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل، أو قيمتها من الذَّهب أو الورق أو البقر أو الشاء" (٣).
° الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على أن في الجائفة ثلث الدية سواء أكانت عمدًا أم خطأ، وقد ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، لقوله: "وفي الجائفة ثلث الدية"، ويشهد لهذا حديث عمرو المتقدم.
وهذا في الجائفة غير النافذة، وأمَّا الجائفة النافذة مثل ما لو طعن بطنه بسنان فخرج من ظهره، أو العكس، فالجمهور على أن ذلك جائفتان، فيجب فيهما ثلثا الدية، لقضاء أبي بكر ﵁ بذلك (٤)، ولا مخالف له، فكان إجماعًا (٥).
° الوجه الرابع عشر: في الحديث دليل على أن في المنقلة خمس عشرة من الإبل، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، لقوله: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل"، ويشهد لهذا حديث عمرو بن شعيب المتقدم، كما يشهد له فتيا
стр. 3639
علي ﵁، كما أخرجه عبد الرَّزاق وابن أبي شيبة عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة.
° الوجه الخامس عشر: في الحديث دليل على أن كل أصبع من أصابع اليدين أو الرجلين فيه عشر من الإبل، وهذا قول عامة أهل العلم، لقوله: "وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل"، وسيأتي لهذا مزيد بحث وأدلة في الأحاديث الآتية.
° الوجه السادس عشر: في الحديث دليل على أن دية السن خمس من الإبل، وهذا قول عامة أهل العلم، بل قال الموفق: (لا نعلم خلافًا أن دية الأسنان خَمْسٌ خَمْسٌ) (١)، وسيأتي لذلك مزيد بحث وأدلة إن شاء الله تعالى.
° الوجه السابع عشر: في الحديث دليل على أن في الموضحة خمسًا من الإبل، لقوله: "وفي الموضحة خمس من الإبل"، وسيأتي لذلك مزيد بحث وأدلة في الأحاديث الآتية.
° الوجه الثامن عشر: الحديث دليل على أن الرجل يقتل بالمرأة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء -كما تقدم- لقوله: "وأن الرجل يقتل بالمرأة"، ويشهد لهذا حديث أنس في "الصحيحين" في قصَّة اليهودي الذي قتل المرأة، وتقدم، وقد مضى بحث هذه المسألة.
° الوجه التاسع عشر: في الحديث دليل على أن الدية على أهل الذَّهب ألف دينار، وظاهر هذا أنَّه أصل على أهل الذَّهب، والإبل أصل على أهل الإبل، ويحتمل أن ذلك مع عدم الإبل وأن قيمة المائة منها ألف دينار في ذلك العصر.
وقد طعن العلماء في هذه الجملة، وأنَّها لا تصح في المرفوع؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يقض بذلك، وإنَّما الذي قضى به ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم (٢)، وقد تقدم أن الذي قضى بالدية ألف دينار هو عمر ﵁ لما غلت الإبل، فجعلها على أهل الذَّهب ألف دينار. والله تعالى أعلم.
стр. 3640
أسنان الإبل في دية الخطأ
١١٨٥/ ٢ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "دِيَةُ الْخَطَإِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي، وَأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ بلَفْظِ: "وَعِشْرُونَ بنِي مَخَاضٍ" بَدَلَ بَنِي لَبُونٍ. وَإِسْنَادُ الأوَّلِ أقوَى. وَأَخرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الْمَرْفُوعِ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأوَّل: في تخريجه:
فقد رواه الدارقطني (٣/ ١٧٥) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، بلفظ: "وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون".
ورواه أبو داود (٤٥٤٥) في كتاب "الديات"، باب "الدية كم هي؟ "، والترمذي (١٣٨٦)، والنَّسائيُّ (٨/ ٤٣ - ٤٤)، وابن ماجة (٢٦٣١) بهذا الإسناد، وفيه: "وعشرون بنات لبون، وعشرون بني مخاض" بدل: "بني لبون".
قال الدارقطني: (الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه رواه إلَّا خشف بن مالك، عن ابن مسعود … ).
وهذا سند ضعيف، الحجاج مدلس وقد عنعنه، وقد صرح بالتحديث في رواية ابن ماجة من طريق عبد السَّلام بن عاصم، عن الصباح بن محارب، عنه، والصباح صدوق ربَّما خالف، وعبد السَّلام مقبول، كما في "التقريب"، وخشف بن مالك جَهَّله غير واحد، ووثقه النَّسائيّ، وذكره ابن حبان في
стр. 3641
"الثقات" (١)، وقد تفرد برفع الحديث.
والفرق بين رواية الدارقطني ورواية الأربعة أن الخامس عند الدارقطني: "عشرون بني لبون" وعند الأربعة: "بني مخاض" وبينهما فرق كما سيأتي، فإن ابن اللبون أتى عليه سنتان، وابن المخاض أتى عليه سنة.
قال الدارقطني: (هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، ومنها: أن خشف بن مالك رجل مجهول، ولم يروه عنه إلَّا زيد بن جبير، ولا نعلم أحدًا رواه عن زيد إلَّا الحجاج، فاختلفوا عليه فيه … )، وقال في "العلل": (لا يعرف هذا -أي: ذكر بني مخاض- عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا في حديث خشف هذا) (٢). ولما ساقه أبو داود أردفه بقوله: (وهو قول عبد الله) قال البيهقي: (يعني إنَّما روي من قول عبد الله موقوفًا غير مرفوع).
وقول الحافظ: (وإسناد الأوَّل أقوى) أي: إسناد اللفظ الأوَّل أقوى؛ لأنَّه موافق لرواية أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله، فقد رواه الدارقطني (٣/ ١٧٢) من طريق أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: (دية الخطأ خمسة أخماس … وفي آخره: وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكور … ) وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن الظاهر أنَّه في حكم الموصول؛ لأنَّه كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره (٣).
وقد أطال الدارقطني في "السنن" في تقوية رواية: "عشرون بني لبون" وتضعيف رواية: "عشرون بني مخاض" وذهب إلى تقوية رواية أبي عبيدة، عن أبيه، واعتبر حديث خشف بن مالك مخالفًا لها، ثم إن أكثر الرواة لا يذكرون
стр. 3642
تفسير الأخماس، ولعل تفسيرها من كلام الحجاج، وقد خالفهم، وهم أكثر عددًا وكلهم ثقات.
والحديث رواه ابن أبي شيبة (٩/ ١٣٣) من طريق وكيع، قال: حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله، أنَّه قال: (دية الخطأ أخماسًا: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون).
ورواه عبد الرَّزاق (٩/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة -أيضًا- (٩/ ١٣٣) من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بمثله، وهذا الطَّريق رواه الدارقطني (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) وقال: (فهذه الرِّواية وإن كان فيها إرسال فإبراهيم النَّخعيُّ هو أعلم النَّاس بعبد الله وبرأيه وفتياه … ).
وهذا الموقوف أصح من المرفوع، فإن أبا داود لما روى المرفوع -كما تقدم- قال: (وهو قول عبد الله) أي: إنه روي موقوفًا، كما مرَّ، وقال البيهقي: (والصحيح أنَّه موقوف على عبد الله بن مسعود، والصحيح عن عبد الله أنَّه جعل أحد أخماسها بني المخاض في الأسانيد التي تقدم ذكرها … ).
فيكون التغليظ في دية الخطأ مستنده قول جماعة من فقهاء الصّحابة ﵃، قال ابن القيِّم: (إن حديث ابن مسعود ﵁ قد روي من وجوه متعددة، إذا جمع بعضها إلى بعض قوي بمجموعها على دفع العلة التي علل بها)، وهذا جارٍ على منهج الفقهاء، ثم ذكر الاختلاف في الأسنان، ثم قال: (وكل هذا يدل على أنَّه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي ﷺ ، والله أعلم) (١).
° الوجه الثَّاني: في الحديث دليل على مقدار دية قتل الخطأ وأنها مخففة تقسم أخماسًا: عشرون حقة، وهي ما دخلت في السنة الرابعة، وعشرون جذعة، وهي ما دخلت في الخامسة، وعشرون بنات مخاض، وهي
стр. 3643
التي دخلت في السنة الثَّانية، وعشرون بنات لبون، وهي التي دخلت في الثَّالثة، وعشرون بني لبون أو بني مخاض على ما تقدم.
ووجه التخفيف أنَّها وجبت أخماسًا، وأُدخل فيها الذكور، والذكور عند النَّاس أقل رغبة من الإناث.
وهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور السلف، إلَّا أنَّه وقع الخلاف في الخامس منها، فقال أحمد وأبو حنيفة: عشرون بني مخاض، أخذًا بالمرفوع؛ ولأن بني المخاض دون بني اللبون فكان الأولى الأخذ باليقين (١).
وقال مالك والشَّافعيّ: الخامس بنو لبون، أخذًا بالرواية الموقوفة (٢) والله تعالى أعلم.
стр. 3644
أسنان الإبل في دية العمد
١١٨٦/ ٣ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ: "الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، في بُطُونِهَا أَوْلادُهَا".
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأوَّل: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الديات"، باب "الدية كم هي؟ " (٤٥٤١)، والترمذي (١٣٨٧)، وابن ماجة (٢٦٢٦)، وأحمد (١١/ ٢٤٤) من طريق محمَّد بن راشد، أخبرنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.
وقال التِّرمذيُّ: (حديث حسن غريب)، وهذا هو الراجح في سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، كما تقدم أكثر من مرَّة.
وسليمان بن موسى روي له مسلم في "المقدمة"، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه) (١).
ومحمد بن راشد وهو المكحولي ثقة، وثقه أحمد وابن معين والنَّسائيُّ وآخرون (٢).
والجملة الأخيرة: (في بطونها أولادها) ليست عند أبي داود ولا
стр. 3645
التِّرمذيُّ ولا أحمد في هذا الحديث، إنَّما هي في حديث عبد الله بن عمرو الآتي.
وظاهر سياق الحافظ لهذا الحديث أنَّه في دية الخطأ وهذا لفظ أحمد، بينما هو في دية العمد، كما عند التِّرمذيِّ، وأحمد (١١/ ٦٠٢)، ولفظ التِّرمذيِّ: "فمن قتل مؤمنًا متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة … الحديث"، وفي آخره: "وذلك لتشديد العقل".
° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن دية العمد مائة من الإبل مثلثة، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء والشَّافعيّ، ورواية في مذهب مالك، ورواية عن أحمد، ومحمد بن الحسن من فقهاء الحنفية (١).
والدية بهذه الأوصاف تعتبر مغلظة؛ لأنَّها إناث وليس فيها ذكور، ولهذا قال في رواية التِّرمذيِّ: "وذلك لتشديد العقل" (٢)، ويؤيد ذلك ما رواه مالك عن عمرو بن شعيب، أن رجلًا يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ منه عمر الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة (٣).
والقول الثَّاني: أن دية العمد أرباع، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهذا قول أبي حنيفة، وقول في مذهب مالك، ورواه جماعة عن أحمد، وهو قول الزُّهريّ وربيعة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار (٤). والله تعالى أعلم.