← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

"الثقات" (١)، وقد تفرد برفع الحديث. والفرق بين رواية الدارقطني ورواية الأربعة أن الخامس عند الدارقطني: "عشرون بني لبون" وعند الأربعة: "بني مخاض" وبينهما فرق كما سيأتي، فإن ابن اللبون أتى عليه سنتان، وابن المخاض أتى عليه سنة. قال الدارقطني: (هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، ومنها: أن خشف بن مالك رجل مجهول، ولم يروه عنه إلَّا زيد بن جبير، ولا نعلم أحدًا رواه عن زيد إلَّا الحجاج، فاختلفوا عليه فيه … )، وقال في "العلل": (لا يعرف هذا -أي: ذكر بني مخاض- عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا في حديث خشف هذا) (٢). ولما ساقه أبو داود أردفه بقوله: (وهو قول عبد الله) قال البيهقي: (يعني إنَّما روي من قول عبد الله موقوفًا غير مرفوع). وقول الحافظ: (وإسناد الأوَّل أقوى) أي: إسناد اللفظ الأوَّل أقوى؛ لأنَّه موافق لرواية أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله، فقد رواه الدارقطني (٣/ ١٧٢) من طريق أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: (دية الخطأ خمسة أخماس … وفي آخره: وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكور … ) وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن الظاهر أنَّه في حكم الموصول؛ لأنَّه كان شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده في ذلك من العلم ما ليس عند غيره (٣). وقد أطال الدارقطني في "السنن" في تقوية رواية: "عشرون بني لبون" وتضعيف رواية: "عشرون بني مخاض" وذهب إلى تقوية رواية أبي عبيدة، عن أبيه، واعتبر حديث خشف بن مالك مخالفًا لها، ثم إن أكثر الرواة لا يذكرون

стр. 3642

تفسير الأخماس، ولعل تفسيرها من كلام الحجاج، وقد خالفهم، وهم أكثر عددًا وكلهم ثقات. والحديث رواه ابن أبي شيبة (٩/ ١٣٣) من طريق وكيع، قال: حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله، أنَّه قال: (دية الخطأ أخماسًا: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون). ورواه عبد الرَّزاق (٩/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة -أيضًا- (٩/ ١٣٣) من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بمثله، وهذا الطَّريق رواه الدارقطني (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) وقال: (فهذه الرِّواية وإن كان فيها إرسال فإبراهيم النَّخعيُّ هو أعلم النَّاس بعبد الله وبرأيه وفتياه … ). وهذا الموقوف أصح من المرفوع، فإن أبا داود لما روى المرفوع -كما تقدم- قال: (وهو قول عبد الله) أي: إنه روي موقوفًا، كما مرَّ، وقال البيهقي: (والصحيح أنَّه موقوف على عبد الله بن مسعود، والصحيح عن عبد الله أنَّه جعل أحد أخماسها بني المخاض في الأسانيد التي تقدم ذكرها … ). فيكون التغليظ في دية الخطأ مستنده قول جماعة من فقهاء الصّحابة ﵃، قال ابن القيِّم: (إن حديث ابن مسعود ﵁ قد روي من وجوه متعددة، إذا جمع بعضها إلى بعض قوي بمجموعها على دفع العلة التي علل بها)، وهذا جارٍ على منهج الفقهاء، ثم ذكر الاختلاف في الأسنان، ثم قال: (وكل هذا يدل على أنَّه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي ﷺ ، والله أعلم) (١). ° الوجه الثَّاني: في الحديث دليل على مقدار دية قتل الخطأ وأنها مخففة تقسم أخماسًا: عشرون حقة، وهي ما دخلت في السنة الرابعة، وعشرون جذعة، وهي ما دخلت في الخامسة، وعشرون بنات مخاض، وهي

стр. 3643

التي دخلت في السنة الثَّانية، وعشرون بنات لبون، وهي التي دخلت في الثَّالثة، وعشرون بني لبون أو بني مخاض على ما تقدم. ووجه التخفيف أنَّها وجبت أخماسًا، وأُدخل فيها الذكور، والذكور عند النَّاس أقل رغبة من الإناث. وهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور السلف، إلَّا أنَّه وقع الخلاف في الخامس منها، فقال أحمد وأبو حنيفة: عشرون بني مخاض، أخذًا بالمرفوع؛ ولأن بني المخاض دون بني اللبون فكان الأولى الأخذ باليقين (١). وقال مالك والشَّافعيّ: الخامس بنو لبون، أخذًا بالرواية الموقوفة (٢) والله تعالى أعلم.

стр. 3644

أسنان الإبل في دية العمد ١١٨٦/ ٣ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ: "الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، في بُطُونِهَا أَوْلادُهَا". * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الديات"، باب "الدية كم هي؟ " (٤٥٤١)، والترمذي (١٣٨٧)، وابن ماجة (٢٦٢٦)، وأحمد (١١/ ٢٤٤) من طريق محمَّد بن راشد، أخبرنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا. وقال التِّرمذيُّ: (حديث حسن غريب)، وهذا هو الراجح في سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، كما تقدم أكثر من مرَّة. وسليمان بن موسى روي له مسلم في "المقدمة"، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه) (١). ومحمد بن راشد وهو المكحولي ثقة، وثقه أحمد وابن معين والنَّسائيُّ وآخرون (٢). والجملة الأخيرة: (في بطونها أولادها) ليست عند أبي داود ولا

стр. 3645

التِّرمذيُّ ولا أحمد في هذا الحديث، إنَّما هي في حديث عبد الله بن عمرو الآتي. وظاهر سياق الحافظ لهذا الحديث أنَّه في دية الخطأ وهذا لفظ أحمد، بينما هو في دية العمد، كما عند التِّرمذيِّ، وأحمد (١١/ ٦٠٢)، ولفظ التِّرمذيِّ: "فمن قتل مؤمنًا متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة … الحديث"، وفي آخره: "وذلك لتشديد العقل". ° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن دية العمد مائة من الإبل مثلثة، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء والشَّافعيّ، ورواية في مذهب مالك، ورواية عن أحمد، ومحمد بن الحسن من فقهاء الحنفية (١). والدية بهذه الأوصاف تعتبر مغلظة؛ لأنَّها إناث وليس فيها ذكور، ولهذا قال في رواية التِّرمذيِّ: "وذلك لتشديد العقل" (٢)، ويؤيد ذلك ما رواه مالك عن عمرو بن شعيب، أن رجلًا يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ منه عمر الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة (٣). والقول الثَّاني: أن دية العمد أرباع، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهذا قول أبي حنيفة، وقول في مذهب مالك، ورواه جماعة عن أحمد، وهو قول الزُّهريّ وربيعة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 3646

ما جاء في حالات يَعْظُم فيها القتل ١١٨٧/ ٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: " .. وإِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثةٌ: مَنْ قَتَلَ في حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غيرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الجَاهِلِيّةِ". أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ في حَدِيثٍ صَحَّحَهُ. ١١٨٨/ ٥ - وَأَصْلهُ فِي البْخُارِي من حديث ابن عباس ﵄. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجهما: حديث ابن عمر ﵄ رواه ابن حبان (١٣/ ٣٤٠ - ٣٤١) من طريق سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عم ﵄ … ، وذكر الحديث بطوله، وفيه الجملة المذكورة. وقد وقع في سياقه عند ابن حبان (ابن عمر) وهكذا جاء في "زوائد ابن حبان" للهيثمي (١٦٩٩). وأورد الحافظ هذا الحديث في "إتحاف المهرة" (٨/ ٦٣٠) من مسند ابن عمر ﵄، وجاء في "التلخيص" (١) (ابن عمرو) وعلى هذا اعتمد بعض من حَقَّقَ "البلوغ"، فحكم بأن (ابن عمر) تحريف. وهذا الحديث فيه سنان بن الحارث بن مصرف، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) وكذا ابن قُطْلُوبُغا (٤)، وروى عنه جمع، وباقي رجاله ما بين صدوق وثقة، وهذا الحديث انفرد به ابن حبان.

стр. 3647

وقد رواه أحمد (١١/ ٢٦٤) من طرق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه: "وإن أعدى النَّاس على الله من قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية". ورواه -أيضًا- (١١/ ٢٦٤) من طريق حبيب المعلم، عن عمرو، مقتصرًا على الجملة المذكورة. وهذا الحديث أصله في البُخاريّ -كما قال الحافظ-، فقد رواه في كتاب "الديات"، باب "من طَلَبَ دم امرئ بغير حق" (٦٨٨٢) من طريق نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أبغض النَّاس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه". ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (أعتى النَّاس) هذا أفعل تفضيل من العتو، وهو التجبر، والمعنى: أطغى النَّاس وأشدهم تمردًا وتجبرًا. قوله: (من قتل في حرم الله) في حديث ابن عباس: "ملحد في الحرم" والإلحاد: العدول عن القصد، ومنه لحد الحافر القبر؛ أي: مال به عن الوسط، والإلحاد يشمل كل ميل عن الإسلام، سواء بالشرك أو بالمعصية، ومنها: القتل بغير حق، أو غير ذلك (١). قوله: (ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية) المراد بسنة الجاهلية: كل ما كان من أمر الجاهلية، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث (٢). قوله: (لذحل) بفتح الذال المعجمة، وسكون الحاء المهملة، هو الحقد والعداوة، والمراد به: الثأر والسعي للانتقام عن جناية عليه في الجاهلية بعد دخوله في الإسلام.

стр. 3648

° الوجه الثالث: في الحديث دليل على شدة هذه الجرائم الثلاث، ووصف صاحبها بأنه أشد النَّاس عتوًا وتجبرًا، وهذا يدل على فساد طبعه وخبث طويته حيث ارتكب واحدة من هذه الأمور العظيمة. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على عظم شأن المعصية في حرم الله تعالى، ومن ذلك الإقدام على جريمة القتل، والقتل في حد ذاته أعظم الذنوب بعد الشرك بالله تعالى، ويعظم أمره إذا كان في حرم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن شعبة، عن السدي، أنَّه سمع مُرَّةَ بن شراحيل أنَّه سمع عبد الله- قال لي شعبة: ورفعه، ولا أرفعه لك- يقول: في قوله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: (ولو أن رجلًا همَّ فيه بإلحاد وهو بِعَدِنَ أَبْيَنَ لأذاقه الله عذابًا أليمًا) (١). وقد استثنى العلماء من تحريم القتل والقتال في الحرم حالتين: ١ - القتال مدافعة، فيجوز لمن اعتدى عليه أحد داخل حدود الحرم أن يقاتله مدافعة إذا لم يندفع بدون ذلك. ٢ - قتل من جنى في الحرم جناية تُحِل قتله، مثل القاتل عمدًا، والزاني المحصن إذا تمت الشروط (٢). وظاهر الحديث أنَّه عام في حرم مكّة وحرم المدينة، وقد ورد الحديث في غزوة الفتح عندما قُتل رجل في المزدلفة، كما جاء في بعض الرِّوايات (٣)، لكن هذا لا يقتضي تخصيص الحديث به؛ لما علم من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلَّا أن يقال: إن الإضافة في قوله: (حَرَمِ الله) عهدية، والمعهود حرم مكّة.

стр. 3649

وقد ذهب الإمام الشَّافعي وأحمد إلى أن الدية تغلظ على القاتل إذا قتل في البلد الحرام، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم (١). وهذا ليس عليه دليل مرفوع، وإنَّما ورد آثار عن الصّحابة كعمر وابن عباس ﵃، وأسانيدها ضعيفة (٢)، فالظاهر أن الدية مائة من الإبل مطلقًا إلَّا ما جاء فيه الدليل، كما تقدم. ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز لولي الدم المسفوك عمدًا أن يقتل غير قاتل وليّه، وأن من فعل ذلك فهو أبغض النَّاس إلى الله تعالى؛ لأنَّ الجاني لا يجني إلَّا على نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] أي: سلطة على القاتل؛ لأنَّه بالخيار إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه إلى الدية، وإن شاء عفا عنه مجانًا، كما تقدم، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ بأن يمثل بقتل القاتل، أو يقتص من غير القاتل، أو يقتل غيره (٣). ° الوجه السادس: تعظيم شأن القتل من أجل عداوات الجاهلية وثأرها التي قضى عليها الإسلام وأبطلها وأنَّه لا قصاص فيها، وقد قال النَّبيُّ ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة: "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة … الحديث" (٤). ° الوجه السابع: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن التشبه بأفعال الجاهليين الخاصة بهم من عبادات أو عادات، إلَّا ما دلَّ النَّصُّ الشرعي عليه (٥)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا نصّ عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية، في أعيادهم وغير أعيادهم) (٦) والله تعالى أعلم.

стр. 3650

تغليظ الدية في شبه العمد ١١٨٩/ ٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "ألَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونهَا أَوْلَادُهَا". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الديات"، بابٌ "في الخطأ شبهِ العمد" (٤٥٤٧)، والنَّسائيُّ (٨/ ٤١)، وابن ماجة (٢٦٢٧)، وابن حبان (١٣/ ٣٦٥) من طريق حماد، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ خطب يوم فتح مكّة، فكبّر ثلاثًا، ثم قال: "لا إله إلَّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مَأثرة في الجاهلية تذكّر وتُدَّعَى من دم أو مال تحت قدميَّ، إلَّا ما كان من سقاية الحاج وسِدَانة البيت، ألا أن دية الخطأ … الحديث" وهذا لفظ أبي داود. والحديث صحَّحه ابن القطان (١)، ونقل الحافظ تصحيح ابن القطان وأقره (٢)، وقال ابن عبد البر: (هذا حديث مضطرب، لا يثبت من جهة الإسناد) (٣).

стр. 3651

وقد حصل في سنده اختلاف ذكره النَّسائيّ والدارقطني، فقد رواه النسائي (٨/ ٤١) من طريق هُشيم، عن خالد، عن القاسم، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ … وهذا لا يؤثر لما هو معلوم من أن جهالة الصحابي لا تضر. ورواه -أيضًا- من طريق بشر بن المفضل ويزيد بن زُريع قالا: نا خالد الحذاء به، إلَّا أنَّهما قالا: يعقوب بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . وروايتهما مرجوحة؛ لأنَّه قد خالفهما حماد بن زيد، ووهيب، وهُشيم، والثوري، واتفاق هؤلاء على عقبة بن أوس دليل على ضعف الرواية الأخرى؛ لأنَّ النَّفس تطمئن لحفظ وضبط الأكثر عند الاختلاف ما لا تطمئن إلى رواية الأقل (١). ° الوجه الثَّاني: استدل بهذا الحديث الشَّافعية والحنابلة وأبو حنيفة في رواية عنه، وبعض المالكيّة على أن الجناية على النَّفس ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد (٢)، وهذا الحديث أثبت شبه العمد، والظاهر أن إثبات العمد والخطأ لا خلاف فيه؛ لوروده في القرآن. قال السرخسي: (ثبت شبه العمد عن صحابة رسول الله ﷺ منهم: عمر وعثمان وعلي ﵃ ولم ينكره أحد فكان إجماعًا) (٣). وشبه العمد: هو قصد الجناية بما لا يقتل غالبًا، كما لو ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا ونحو ذلك، وسمي شبه عمد؛ لأنَّه عمد في الضرب والاعتداء، ولكنه ليس قصدًا في الإماتة. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية شبه العمد مائة من الإبل، وأنها مغلظة كدية العمد، لوجود العمد في الاعتداء، وذلك بأن يكون منها أربعون من الإبل حاملًا في بطونها أولادها. والله تعالى أعلم.

стр. 3652

ما جاء في دية الأصابع والأسنان ١١٩٠/ ٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "هَذِهِ وَهذِهِ سَوَاءٌ، يعني الْخِنْصَرَ وَالإبْهَامَ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلأَبي دَاوُدَ والتِّرْمِذِيِّ: "الأَصَابعُ سَوَاءٌ؛ وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ". وَلابنْ حِبَّانَ: "دِيَةُ أَصَابعِ الْيَدَينِ وَالرِّجْلَين سَوَاءٌ، عَشَرَة مِنَ الإِبلِ لكُلِّ إِصْبَعٍ". * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البُخاريّ في كتاب "الديات"، باب (دية الأصابع) (٦٨٩٥) قال: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. ورواه أبو داود (٤٥٥٩) من طريق عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدثني شعبة به. ولفظه: (الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء". ورواه التِّرمذيُّ (١٣٩٢) من طريق يَحْيَى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: حدَّثنا قتادة … وهو مثل لفظ البُخاريّ. وبهذا يتبين أن جمع التِّرمذيُّ وأبي داود في اللفظ المذكور ليس بجيد؛ لأنَّ لفظ "البلوغ" هو لفظ أبي داود، كما تقدم، ولفظ التِّرمذيُّ كلفظ البُخاريّ. ورواه التِّرمذيُّ (١٣٩١)، وأحمد (٤/ ٣٧٨)، وابن حبان (١٣/ ٣٦٦) من طريق الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد بن أبي سعيد النّحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.

стр. 3653

قال التِّرمذيُّ: (حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم). وكأن المصنف لم يستحضر وجود الحديث عند التِّرمذيِّ بهذا اللفظ، فاقتصر على عزوه لابن حبان، وكذا فعل في "التلخيص" (١). ولعل الحافظ ذكر هذه الرِّوايات؛ لأنَّ رواية البُخاريّ مقدمة على غيرها، ورواية أبي داود: "الأصابع سواء" أعم من رواية البُخاريّ؛ لأنَّها تشمل الأصابع الخمسة، ورواية البُخاريّ نصت على الخنصر والإبهام، ثم إن في رواية أبي داود زيادة بيان لقوله: "الأسنان سواء" وذلك في قوله: "الثنية والضرس سواء". وأمَّا الرّواية الأخيرة ففيها التنصيص على أصابع اليدين والرجلين، وبيان مقدار الدية لكل إصبع. ° الوجه الثَّاني: الحديث دليل على أن دية كل إصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل، وقد ذكر الفقهاء أن دية كل إصبع مقسومة على أناملها؛ لأنَّه لما قسمت دية اليد على الأصابع وجب أن تقسم دية الأصابع على عدد الأنامل، وفي كل إصبع ثلاثة أنامل، في كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث، أما الإبهام ففيه أنملتان في كل أنملة خمس من الإبل نصف دية الإصبع. أما الأصابع الزائدة ففيها حكومة عند الجمهور؛ لأنَّه لا جمال فيها ولا منفعة، فلم تكمل فيها الدية؛ ولأنَّه لا مقدر فيها، ومثل هذا يقال في أصابع الرجلين. وأمَّا الظفر فقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن فيه حكومة؛ لأنَّ ما ورد عن الصّحابة ﵃ في تقدير ديته مختلف، فعمر ﵁ حكم فيه ببعير، وحكم ابن عباس ﵄ بأن فيه خُمُسَ دية الإصبع، وروي عنه عُشْرُ دية الإصبع، فيوافق عمر ﵁، ولعل هذا محمول على معنى الحكومة (٢).

стр. 3654

° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية الأسنان سواء، لا فرق بين ثنية وناب وضرس، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وحديث الباب نص في ذلك؛ ولأن كل دية وجبت في جملةٍ، فإنَّها مقسومة على العدد دون المنافع، كما في الأصابع والشفتين وغيرهما. وقد تقدم أن دية السن خمس من الإبل، وقد دلت رواية أبي داود: "الثنية والضرس سواء" على أن الدية لا ينظر فيها إلى النفع فحسب وإلا فالضرس أنفع في مضغ الطَّعام من الثنية، والإبهام بالنسبة للأصابع أنفع من الخنصر، بل من سائر الأصابع. وتوحيد الدية في الأسنان والأصابع من حكمة الشارع، حمايةً للمسلم من التعدي على أصابعه وأسنانه، وقطعًا للنزاع، ولو كانت الدية مختلفة لحصل شيء من النزاع والاختلاف. والله تعالى أعلم.

стр. 3655

ما جاء في ضمان المتطبب لما أتلفه ١١٩١/ ٨ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ قَال: "مَنْ تَطَبَّبَ -وَلم يَكُنْ بالطِّبِّ مَعْرُوفًا- فَأصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيرِهِمَا، إلا أَنَّ منْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه الدارقطني (٣/ ١٩٦)، والحاكم (٤/ ٢١٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ … وذكره بلفظ "البلوغ". ورواه أبو داود (٤٥٨٦) في كتاب "الديات"، بابٌ "فيمن تطبب بغير علم فأعنت"، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٢ - ٥٣) (١)، وابن ماجة (٣٤٦٦) بهذا الإسناد، ولفظه عند أبي داود: "من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن"، وللنسائي بنحوه، ولعل الحافظ ساق لفظ الدارقطني لأنَّه أتم. وقال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي. وهذا فيه نظر ظاهر، فإن ابن جريج والوليد بن مسلم مدلسان، وقد عنعناه، إلَّا عند الدارقطني والحاكم فقد وقع في الإسناد تصريح الوليد

стр. 3656

بالتحديث، فبقيت العلة في عنعنة ابن جريج، وبقي أمر آخر وهو أن التِّرمذيَّ قد نقل في "العلل" عن البُخاريّ -كما تقدم- أنَّه قال: (ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب) (١). قال أبو داود: (هذا لم يروه -أي: مسندًا- إلَّا الوليد لا ندري أصحيح هو أم لا؟)، وقال الدارقطني: (لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم، وغيره يرويه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن النَّبيِّ ﷺ ) ولا شك أن هذا إعلال للحديث؛ لأنَّ تفرد الوليد بن مسلم بإسناده غير مقبول من مثله عن ابن جريج، فهذا الإسناد ضعيف، وله شاهد من رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت، فهو ضامن" رواه أبو داود (٤٥٨٧)، وهذا سند مرسل، وفيه جهالة المُرْسِلِ، وقد يكون مرجع حديث ابن جريج إلى هذا، فلا يتقوى به. ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من تطبب) صيغة تفعل تستعمل في معنى تَكَلُّفِ الشيء، مثل تجمل، وتصبر، ومعناه: تكلف الطب وتعاطاه، فداوى مريضًا ولم يكن عارفًا له. قوله: (فأصاب نفسًا فما دونها) أي: فأهلك نفس المريض أو أتلف شيئًا منه، والحديث شامل لطب الأدوية والجراحة وتوابع ذلك. قوله: (فهو ضامن) أي: لما أتلفه. ° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن من ادعى لهم الطب وليس بعالم فيه فغرَّ النَّاس وعالجهم فأتلف بعلاجه إنسانًا فمات من علاجه أو أتلف بعض أعضائه فإنَّه ضامن لما أتلف، وتجب عليه الدية؛ لأنَّه متعد.

стр. 3657

وقد أجمع أهل العلم على تضمين الطَّبيب الجاهل، قال ابن رشد: (لا خلاف بين أهل العلم أنَّه إذا لم يكن من أهل الطب أنَّه يضمن؛ لأنَّه متعدٍ) (١) ومثل هذا قال الخطابي، وابن القيِّم (٢)، ويؤيد ذلك عبارات الفقهاء في كتبهم على اختلاف مذاهبهم التي تنص على تضمين الطَّبيب الجاهل، وقد ذكر ابن رشد أنَّه إذا أخطأ وهو ليس من أهل المعرفة أن عليه الضرب والسجن والدية، قيل: في ماله، وقيل: على العاقلة. ومثل هذا شامل لجميع أنواع الطب (٣). وقد ذكر ابن القيِّم أن الطَّبيب لا يكون حاذقًا يثق من نفسه جودة الصنعة وإحكام المصلحة حتَّى يراعي عشرين أمرًا، ثم سردها (٤). ومفهوم الحديث أنَّه إذا عالجه من له علم وبصارة بالطب أنَّه لا يضمن ما نتج من فعله، وكذا لو أعنت الطَّبيب الحاذق بالسراية فإنه لا يضمن اتفاقًا؛ لأنَّها سرايةُ فعلٍ مأذونٍ فيه من جهة الشرع، ومن جهة الشخص المعالج، وهكذا سراية كل مأذون فيه، كما تقدم، فإن كان الفعل غير مأذون فيه، كما لو ختن صبيًّا بغير إذن وليه فَسَرتْ جنايته ضمن. ومن تعاطى الطب وهو جاهل به، فهو آثم وعمله محرم؛ لأنَّه مبني على دعوى كاذبة وتغرير بالنَّاس؛ لأنَّ النَّاس لا يذهبون عادة إلى من ليس بطبيب. وما أخذ من أجرة فهي حرام، وهي من أكل أموال النَّاس بالباطل؛ لكونها ثمرة خداع وتمويه على النَّاس. ومما يؤسف عليه أن هذا النوع موجود في المجتمع، ففيه رجال ونساء يدعون المعرفة بما يعرف بالطب الشعبي من كَيٍّ وفَصْدٍ وتقديم أدوية مركبة من أعشاب وغيرها، ويعبثون بأبدان النَّاس، ويأخذون الأثمان الباهظة التي تدر عليهم أموالًا طائلة.

стр. 3658

وقد ذكر أهل العلم أن الطَّبيب إذا كان حاذقًا ولكنه أخطأ الدواء، أو صفة استعماله، أو جنت يده على عضو صحيح فإنَّه يضمن ما جنس، فإن كان جنايته أقل من الثُّلث ففي ماله خاصة، وإن كانت أكثر من الثُّلث فهي على عاقلته؛ لأنَّه في حكم الجاني خطأ، وإذا كان هذا في الطَّبيب الحاذق فكيف بمن يتطبب بالنَّاس؟! والواجب على ولاة الأمر تتبع مثل هؤلاء وكفهم عن العبث بأبدان النَّاس وأعضائهم. وبتضمين الطَّبيب الجاهل يتضح مبدأ العدل في هذه الشريعة وصيانة أرواح النَّاس وأبدانهم من عبث العابثين الذين يُقْدِمُون بكلِّ جرأة على معالجة النَّاس وهم جاهلون. والله المستعان.

стр. 3659

دية الموضحة ١١٩٢/ ٩ - وَعَنْهُ؛ أَن النَّبي ﷺ قَال: "فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَزَادَ أَحْمَدُ: "وَالأَصَابعُ سَوَاءٌ، كلُّهُنَّ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١١/ ٣٨٦)، وأبو داود في كتاب "الديات"، باب "ديات الأعضاء" (٤٥٦٦)، والترمذي (١٣٩٠)، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٧)، وابن ماجة (٢٦٥٥)، وابن الجارود (٧٨٥) كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وهذا لفظ ابن ماجة. قال التِّرمذيُّ: (حديث حسن). ورواه أحمد (١١/ ٥٨٩) من طريق مطر الورَّاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "في الموضحة خمس من الإبل، والأصابع سواء … الحديث". وسنده حسن في المتابعات؛ لأنَّ مطرًا الوراق فيه كلام، وقد لخص الحافظ حاله في "التقريب" فقال: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف)، وقد تابعه حسين المعلم، كما في الإسناد الذي قبله. ° الوجه الثَّاني: الحديث دليل على أن دية الموضحة خمس من الإبل، وقد تقدم أن الموضحة: هي كل جرح في الوجه أو الرأس ينتهي إلى عظم، سميت بذلك لأنَّها توضح العظم وتبرزه.

стр. 3660

والجمهور من أهل العلم على أن جميع الرأس والوجه موضع للموضحة، وقد ذكر الفقهاء أن الشجة إذا كانت في الرأس ونزلت إلى الوجه فهي موضحتان؛ لأنَّها في عضوين، وإن كان بينهما حاجز وهي في موضع واحد كالرأس أو الوجه فموضحتان أيضًا. وأمَّا الأصابع فتقدم الكلام عليها. والله تعالى أعلم.

стр. 3661

ما جاء في دية أهل الذمة ودية المرأة ١١٩٣/ ١٠ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَقْلُ أَهْلِ الذِّمّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمينَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ. وَلَفْظُ أَبي دَاوُدَ: "دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ"، وَللنَّسَائيِّ: "عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١١/ ٦٦٢ - ٦٦٣)، من طريق سليمان بن موسى، وأبو داود (٤٥٤٢) في كتاب "الديات"، باب "الدية كم هي؟ " من طريق حسين المعلم، والترمذي (١٤١٣) من طريق أسامة بن زيد، والنَّسائيُّ (٨/ ٤٥) من طريق سليمان بن موسى، وابن ماجة (٢٦٤٤) من طريق عبد الرحمن بن عياش، أربعتهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا. وهذا لفظ النَّسائيّ. ورواه أبو داود (٤٥٨٣) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "دية المعاهد نصف دية الحر". وفيه عنعنة محمَّد بن إسحاق. ورواه النَّسائيّ (٨/ ٤٤ - ٤٥) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتَّى يبلغ الثُّلث من ديتها".

стр. 3662

وهذا سند ضعيف؛ لأنَّ فيه ابن جريج وهو مدلس، وقد عنعنه، والراوي عنه إسماعيل بن عياش، وهو في غير الشاميين ضعيف كثير الخطأ لا يؤخذ بروايته، وابن جريج حجازي، بقي أمر آخر، وهو أن التِّرمذيَّ نقل في "العلل" عن البُخاريّ -كما تقدم- أنَّه قال: (ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب). ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عقل) أي: دية، وتقدم وجه تسمية الدية عقلًا. قوله: (أهل الذمة) المراد بالذمة: العهد والأمان والضمان. وأهل الذمة: هم الذين يُعطون عهدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام إذا أعطوا الجزية والتزموا أحكام الإسلام. والمراد بهم: اليهود والنصارى الذين يعيشون تحت سلطان المسلمين. قوله: (المعاهد) بكسر الهاء، وقيل: بفتحها، وهو الذي دخل دار الإسلام من الكفار بعهد من الإمام أو من أحد المسلمين. قوله: (عقل المرأة مثل عقل الرجل) أي: دية المرأة في أعضائها وجراحها مثل دية الرجل في أعضائه وجراحه. قوله: (حتَّى يبلغ الثُّلث) ضمير (يبلغ) يعود على العقل، والمعنى: أن دية المرأة تستمر مثل دية الرجل حتَّى يصل الأرش إلى ثلث دية المرأة، فإذا بلغت الثُّلث صارت ديات جراحها على النصف من دية جراح الرجل. ففي إصبعين من أصابع المرأة عشرون كالرجل، وفي ثلاث أصابع ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون؛ لأنَّ الأربعين تزيد على الثُّلث، فترجع إلى النصف من دية جراح الرجل. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية الكتابي نصف دية الحر المسلم، سواء أكان ذميًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا، وقد ورد في بعض الرِّوايات:

стр. 3663

(أن النَّبيَّ ﷺ قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين)، وهذا قول مالك وأحمد، قال الخطابي: (ليس في دية أهل الكتاب أبينُ من هذا) (١)، إلَّا أن أحمد قال: تضعف الدية على المسلم إذا قتل الذمي أو المستأمن عمدًا، من باب التعزير، فتكون ديته مثل دية المسلم (٢)، ودليل ذلك فعل عثمان ﵁ (٣). وجمهور أهل العلم على أن دية الذمي لا تضاعف بالقتل العمد؛ لعموم الأدلة، ولذا قال الشوكاني: (ما ذهب إليه أحمد من التفصيل باعتبار العمد والخطأ فليس عليه دليل) (٤) لكن لو لم يكن في قول أحمد إلَّا اتباع الخليفة الراشد عثمان ﵁ لكفى. والقول الثَّاني: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم في الخطأ العمد، وهذا قول الشَّافعي وإسحاق (٥)، ودليلهم قضاء عمر وعثمان ﵄ في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم (٦). والقول الثالث: أن دية غير المسلم سواء كان كتابيًا أو غير كتابي كدية المسلم في الخطأ والعمد، وهذا مذهب الحنفية وجماعة من السلف (٧)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: ذمة وهدنة ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فذكر أنَّها دية، كما ذكر ذلك في المؤمن، والأصل عدم الفرق حتَّى يثبت دليل صحيح على ذلك. والقول الأوَّل أرجح لقوة دليله، والأحاديث الواردة في هذا الباب تبيّن المراد من الآية.

стр. 3664

وأمَّا الكافر غير الكتابي كالوثني المستأمن أو المجوسي، ففي مقدار ديته ثلاثة أقوال: القول الأوَّل: أن ديته ثمانمائة درهم؛ أي: ثلثا عشر دية المسلم، وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ وجماعة من السلف، وهو قول الحنابلة، والشافعية. والقول الثَّاني: أن دية الكافر مثل دية المؤمن، وهو قول الحنفية، كما تقدم. والقول الثالث: أنَّها نصف دية المسلم مثل ما تقدم في دية الكتابي، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزُّبير، واختاره الشوكاني وابن باز وابن عثيمين (١)، لما جاء في بعض الرِّوايات: "عقل الكافر نصف عقل المؤمن" (٢)، وهذا عام يشمل الكتابي وغيره، وتخصيص الكتابي في بعض الرِّوايات لا يقتضي تخصيص الحكم؛ لأنَّه فرد من أفراد العام، ومجيء الخاص بحكم العام لا يقتضي التخصيص، كما في الأصول، ويؤيد ذلك أن الكفر نقص مؤثر، فالتنصيف قوي. ° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بأن دية جراح المرأة مثل دية جراح الرجل حتى تبلغ الثُّلث من ديته، فإذا جاوز الثُّلث فعلى النصف من ديته، بمعنى أن الجناية التي توجب ثلث الدية تكون هي والرجل سواء، وحديث الباب نص في ذلك، فيقدم على ما سواه، وعلى هذا فإذا قطع إصبع امرأة ففيه عشر من الإبل، وفي إصبعين عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون نصف دية الرجل. وهذا قول المالكيّة والحنابلة والشَّافعيّ في القديم، وهو قول سعيد بن

стр. 3665

المسيب والقاسم بن محمَّد وآخرين (١). وعن ربيعة بن عبد الرحمن، قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاثة أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قال: فقلت: لما عظم جرحها واشتدت مصيبتها تنصف عقلها؟ قال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال: هي السنة يابن أخي (٢). أما دية النَّفس فقد أجمع أهل العلم على أن المرأة على النصف من دية الرجل، نقل الإجماع ابن المنذر وابن عبد البر وابن رشد والموفَّق ابن قدامة، وغيرهم (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 3666

حكم شبه العمد ١١٩٤/ ١١ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتلُ صَاحِبُهُ، وَذَلكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيطَانُ فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَينَ النَّاسِ في غَيرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سلَاح"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَضَعَّفَهُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأوَّل: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في "الديات"، باب "ديات الأعضاء" (٤٥٦٥)، وأحمد (١١/ ٣٢٧)، والدارقطني (٣/ ٩٥) من طريق محمَّد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهذا لفظ أبي داود، وفي آخره: "فتكون دماء في عِمِّيَّا في غير ضغينة ولا حمل سلاح"، وقد عزاه الحافظ في "الدراية" (١) لأبي داود وحده؛ لأنَّ لفظ الدارقطني انتهى عند قوله: "ولا يقتل صاحبه". وهذا الحديث في سنده محمَّد بن راشد وهو يعرف بالمكحول، وثقه أحمد وابن معين والنَّسائيُّ وآخرون، وقال ابن عدي: (إذا حدث عنه ثقة فحديثه مستقيم) (٢). وسليمان بن موسى وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي بعض أحاديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه) (٣)، وقد تقدم هو والذي قبله قريبًا، والحديث له شواهد تقدم بعضها، تدل على أن شبه العمد ليس فيه قصاص، وإنَّما تغلظ فيه الدية.

стр. 3667

وأمَّا تضعيف الدارقطني فلم أجده في "السنن" بعد سياق هذا الحديث، لكنَّه ذكر أثناء كلامه على حديث ابن مسعود ﵁ -المتقدم- في تخميس دية الخطأ أن محمَّد بن راشد ضعيف عند أهل الحديث (١)، فلعل الحافظ يقصد هذا، أو يكون التنصيص على تضعيف الحديث في بعض نسخ "السنن"، ولم أقف عليه في "العلل" له. وقد عزا الحديث ابن عبد الهادي في "المحرر" إلى أحمد وأبي داود (٢). وكان الحافظ ابن حجر ذَهَلَ عن كون الحديث عند أبي داود وأحمد فعزاه إلى الدارقطني. ° الوجه الثَّاني: في شرح ألفاظه: قوله: (دية شبه العمد مغلظة) أي: أشد من دية قتل الخطأ، فهي مثل دية قتل العمد، وذلك بأن تكون الدية مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها، كما تقدم. قوله: (ولا يقتل صاحبه) أي: صاحب شبه العمد، وهو القاتل، سماه صاحبه لصدور القتل عنه، والغرض من هذه الجملة دفع توهم جواز الاقتصاص في شبه العمد حيث جعله كالعمد المحض في العقل. قوله: (أن يغزو الشَّيطان) نزا من باب (نصر)، وهو الوثوب والتسرع في الشر، ويكون في الأجسام، نحو: نزا الفحل نزوًا: وثب، ويكون في المعاني كما هنا، والمعنى: يثب الشَّيطان بين النَّاس فيحرش بينهم ويهيجهم على القتال، وفي رواية لأحمد: "أن ينزغ الشَّيطان بين النَّاس" (٣). قوله: (فتكون دماء) بالضم على أن (تكون) تامة، وما بعدها فاعل؛ أي: فتوجد دماء أو فتحصل دماء. قوله: (في غير ضغينة) أي: في غير حقد ولا عداوة، والمعنى: أن

стр. 3668

قتل شبه العمد يحصل بسبب وسوسة الشيطان وإغوائه، فيحصل القتال بين الناس من غير حقد ولا عداوة ولا حمل سلاح، بل في حال يعمى أمر المقتول ولا يتبين قاتله ولا حال قتله، فيكون القتل في مثل ذلك شبه عمد. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن دية قتيل شبه العمد مغلظة، وتقدم ذلك، كما أن فيه دليلًا على إثبات شبه العمد، وتقدم أيضًا، وأنه ليس فيه قصاص، وهذا من الفروق بينه وبين العمد والخطأ. ° الوجه الرابع: أن قتل شبه العمد لا يقصد به القتل؛ إذ لا عداوة ولا حمل سلاح، وإنما بسبب الشيطان الذي ينزغ بين الناس فيوقعهم فيما وقعوا فيه. والله تعالى أعلم.

стр. 3669

مقدار الدية من الفضة ١١٩٥/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَتَلَ رَجلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَي عَشَرَ ألفًا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَرَجّحَ النَّسَائيُ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالهُ. ° الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "الديات"، باب "الدية كم هي؟ " (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، والنسائي (٨/ ٤٤)، وابن ماجه (٢٦٢٩) من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا. وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا محمد بن مسلم فهو متكلم فيه، فقد ضعفه الإمام أحمد، والنسائي، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجلي، وقال ابن مهدي: (كتبه صحاح) وبالغ ابن حزم فقال: (ساقط لا يحتج بحديثه)! (١). ومع ما فيه من كلام فقد تفرد بوصل هذا الحديث. وقد رواه الترمذي (١٣٨٩) من طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكر فيه: ابن عباس. قال الترمذي: (لا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم).

стр. 3670

وقد رجح النسائي إرساله، فقال: (محمد بن مسلم ليس بالقوي، والصواب مرسل … ) (١). ورجح -أيضًا- إرساله أبو حاتم (٢)، كما رجح إرساله البخاري وأبو داود وابن حزم، وغيرهم (٣). ووجه ترجيح الإرسال، أمران: الأول: أن من وصله وهو محمد بن مسلم قد طعن الأئمة فيه، فيتوقف في حديثه لو فُرض أنه لم يُخَالِفْ، فكيف وقد خالف من هو من كبار الحفاظ الأثبات، أمثال ابن عيينة، وقد قال يحيى بن معين: (كان سفيان بن عيينة أثبت من محمد بن مسلم الطائفي ومن أبيه ومن أهل قريته) (٤). الثاني: أن البيهقي روى بسنده عن محمد بن ميمون، ثنا سفيان، به موصولًا، قال محمد بن ميمون: وإنما قال لنا فيه: عن ابن عباس مرة واحدة، وأكثر ذلك كان يقول: عن عكرمة، عن النبي ﷺ . ومعنى هذا أن سفيان رفع الحديث مرة واحدة، والأكثر أنه يرسله، فإن كان محمد بن ميمون قد حفظه عن سفيان فهو دليل على أن سفيان قد اختلف عليه في وصله وإرساله، فتارة يوصله، وتارة يرسله، وهو الأكثر، ومحمد بن ميمون صدوق ربما أخطأ، ولعله وَصَلَهُ خطأ، بدليل أن الحديث جاء عن سفيان مرسلًا من طريقين، كما عند الترمذي وابن أبي شيبة. يقول ابن حزم: (والذي رواه مشاهير أصحاب ابن عيينة عنه في هذا الخبر فإنما هو عن عكرمة، لم يذكر فيه ابن عباس) (٥). ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الدية اثنا عشر ألفًا، وقد بين البيهقي أن المراد: درهمًا (٦)، وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الخمسة: وهي الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة، كلها أصول، أما على القول

стр. 3671

الراجح وهو أن الأصل الإبل فيحمل هذا الحديث على أن هذا المبلغ هو قيمة الإبل في ذلك الوقت، لا أنها دية مستقلة، أو أن الجاني لم يكن عنده إبل فصالح النبي ﷺ بين أهل القتيل والجاني. والله تعالى أعلم.

стр. 3672

ما جاء في أنه لا يؤخذ أحد بجناية غيره ١١٩٦/ ١٣ - عَنْ أَبي رِمْثَةَ قَال: أتيتُ النَّبي ﷺ وَمَعِي ابْنِي فَقَال: "مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: ابْني أَشْهَدُ بِهِ. قَال: "أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْني عَلَيكَ وَلَا تَجْني عَلَيهِ". رَوَاهُ النَّسَائيُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو رمثة -بكسر الراء وسكون الميم- التيمي، ويقال: التميمي (١) ﵁، صحابي اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه على عدة أقوال، ذكرها المزي في "تهذيبه"، وقد جزم أحمد والبخاري وابن حبان أن اسمه رفاعة بن يثربي، وقيل: حبيب بن حيان، وقيل: حيان بن وهب، وقيل غير ذلك، روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه إياد بن لقيط، وثابت بن أبي منقذ. وهو غير أبي رمثة البلوي، فهذا سكن مصر، ومات بأفريقية، وهذا ما مشى عليه ابن عبد البر، وهو التفريق بينهما، ويرى المزي أنه واحد، فقال: (أبو رمثة البلوي، ويقال: التميمي، ويقال: التيمي … روى له أبو داود والترمذي والنسائي) (٢). ° الوجه الثاني: في تخريجه: فقد رواه النسائي في كتاب "القسامة"، بابٌ "هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ " (٨/ ٥٣)، وأبو داود (٤٤٩٥)، وأحمد (١١/ ٦٧٣)، وابن الجارود

стр. 3673

(٧٧٠) من طرق، عن إياد بن لقيط، قال: حدثني أبو رمثة التميمي، قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي، فقال: "ابنك؟ " قلت: أشهد به، قال: "لا يجني عليك ولا تجني عليه" وهذا لفظ ابن الجارود، وجاء في آخر سياقه عند أبي داود: (وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]). وهذا الحديث إسناده صحيح، وقد جاء هذا المعنى عن عدد من الصحابة ﵃ (١). ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (ومعي ابني) هكذا لفظ "البلوغ"، وهو لفظ ابن الجارود، كما تقدم، ورواية عند أحمد. والذي في "سنن" أبي داود والنسائي: (انطلقت مع أبي) (أتيت النبي ﷺ مع أبي) فأبو رمثة هو الابن الذي جاء مع أبيه إلى النبي ﷺ وليس هو الأب الذي جاء ومعه ابنه، وهكذا جاء في مصادر أخرى منها: "كتاب الديات" لابن أبي عاصم (٢). والأكثرون من الرواة كسفيان الثوري وعبيد الله بن إياد وعبد الملك بن سعيد كلهم قالوا: أن أبا رمثة كان مع أبيه، مما يرجح أن أبا رمثة هو الابن؛ لأنهم الأكثر ضبطًا وعددًا (٣). قوله: (أشهد به) اختلف في ضبط هذا اللفظ، فقيل: بهمزة وصل، وصيغة أمر؛ أي: كن شاهدًا بأنه ابني من صلبي، وقيل: بفتح الهمزة، وصيغة المتكلم؛ أي: وأُقِرُّ وأعترف بأنه ولدي، فيكون الغرض منها تقرير أنه ابنه، وهذا هو الأقرب. قوله: (أما إنه) بالتخفيف للتنبيه، و (إنه) إما ضمير الشأن أو ضمير الابن. قوله: (لا يجني عليك) أي: لو صدرت منه جناية لا تؤخذ بها أنت، ولا يكون ضمانها عليك، والجناية: الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما

стр. 3674

يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة (١). وقوله: (ولا تجني عليه) أي: لو صدرت منك جناية لا يؤخذ بها هو، ولا يكون ضمانها عليه، ولعل المراد بالحديث: الإثم، وإلا فإن الدية تحملها العاقلة. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، سواء أكان قريبًا كالأب والولد وغيرهما، أم أجنبيًّا؛ لأن الله تعالى أوجب العدل، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فليس لأحد أن يقتل أحدًا بجناية أخيه أو ابن عمه؛ لأن هذا هو عمل الجاهلية، وقد جاء الإسلام بإبطاله والقضاء عليه. وأما ما ورد من أن العاقلة تحمل الدية في شبه العمد والخطأ، فليس من تحمل الجناية، وإنما هو من باب التعاون والتعاضد فيما بين المسلمين. والله تعالى أعلم.

стр. 3675

باب دعوى الدم والقَسَامَة أي: باب دعوى القتل والأيمان عليه، وعبر بالدم للزومه للقتل غالبًا، وعبر بالقسامة؛ لأنها صارت حقيقة عرفية على الخمسين يمينًا في جانب المدعي ابتداء، كما سيأتي. والحافظ مقلد للشافعية في كتبهم في هذا التبويب، ومنهم النووي في كتابه "المنهاج"، والأكثرون من الفقهاء يقتصرون على القسامة (١). والدعوى: هي طلب الشيء زاعمًا ملكه، وعند الفقهاء: قول مقبول عند القاضي يقصد به المدعي طَلَبَ حَق قِبَلَ غيره أو دَفْعَ غيره عن حق نفسه. وأضافها إلى الدم؛ لأن الدعوى أنواع، فقد تكون دعوى مال، أو دعوى عِرْضٍ، أو دعوى دم، أو غير ذلك. والقسامة -بفتح القاف وتخفيف السين-: اسم مصدر أقسم إقسامًا وقسامة، والقسامة: هي اليمين، سميت بذلك لأنها تُقْسَمُ على أولياء الدم، يقال: قُتِلَ فلان بالقسامة: إذا اجتمع الأولياء وادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، وحلفوا خمسين يمينًا. والقول بأن القسامة هي اليمين، هو قول ابن فارس والجوهري وغيرهما من علماء اللغة، وقال الأزهري وجماعة: هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، والأول هو الصحيح (٢). وشرعًا: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.

стр. 3676

وقولنا: (أيمان مكررة) أي: لا بد أن تتكرر اليمين، كما سيأتي، بخلاف سائر الدعاوى، وذلك لعظم شأن الدماء. وقولنا: (في قتل) يفيد أنه لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح، كما سيأتي -إن شاء الله-. وقولنا: (معصوم) هذا شرط في القتيل الذي لم يعلم قاتله، إذ لا أيمان ولا دعوى أصلًا في قتيل غير معصوم، كمرتد -مثلًا- وهذا بالإجماع (١). وقد ذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أن القسامة مشروعة وأصل يثبت به القصاص أو الدية على ما سيأتي -إن شاء الله- في حديث الباب الذي هو الأصل في مشروعيتها.

стр. 3677

أحكام القسامة ١١٩٧/ ١ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في عَينٍ، فَأتى يَهُودَ فَقَال: أنتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأقبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأذَنُوا بِحَرْبٍ" فَكَتَبَ إِلَيهِمْ في ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَهْلٍ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "، قَالُوا: لَا، قَال: "فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ "، قَالُوا: لَيسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ. قَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْني منْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب "كتابة الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه" (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩) (٦) من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه … الحديث. وهذا الحديث له عدة ألفاظ في "الصحيحين" وغيرهما.

стр. 3678

° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن رجال من كبراء قومه) أي: من شيوخ قوم سهل بن أبي حثمة، وهم من الأنصار من بني حارثة من الخزرج ﵃. قوله: (أن عبد الله بن سهل) هو عبد الله بن سهل بن زيد بن كعب الحارثي الأنصاري، قتل في خيبر على عهد رسول الله ﷺ بعد فتحها، وهو أخو عبد الرحمن الآتي ذكره (١). قوله: (ومحيصة بن مسعود) بضم الميم فحاء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة على صيغة التصغير، وحكى القرطبي وغيره التخفيف، واعتبره هو المشهور (٢)، وهو محيصة بن مسعود بن زيد بن كعب الحارثي الأنصاري المدني ابن "عبد الله بن سهل المقتول، صحابي معروف، أسلم قبل الهجرة، وشهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد كلها، وبعثه رسول الله ﷺ إلى فَدَك يدعوهم إلى الإسلام (٣). قوله: (من جهد أصابهم) بفتح الجيم، و (من) سببية؛ أي: بسب مشقة وضيق عيش. قوله: (قد قتل) في بعض الروايات: (فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا). قوله: (وطرح في عين) في رواية: (في عين أو فقير) أي: أُلقي بعد قتله في عين، والمراد بها: الحفرة أو البئر الصغيرة أو حوض يكون أسفل النخلة، والفقير: الحفيرة (٤). قوله: (فأتى يهود) اسم جنس، يراد به القبيلة والطائفة، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (٥)، أو وزن الفعل.

стр. 3679

قوله: (فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل) أي: فجاء إلى رسول الله ﷺ محيصة وأخوه حويصة بن مسعود وابن عمهما عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل، وفي رواية لمسلم: (فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ ) وفي رواية: (فدفنه صاحبه، ثم أقبل إلى المدينة … ). وحويصة: بضم الحاء، وفتح الواو فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة، ويجوز التخفيف في يائه، وهو أخو محيصة لأبيه وأمه، وهو أسن منه، أسلم على يد أخيه محيصة بعد الهجرة سنة ثلاث، وشهد أُحدًا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ (١)، وكان عبد الرحمن بن سهل أصغر الثلاثة. قوله: (فذهب محيصة يتكلم) أي: أراد أن يتكلم بشرح القصة لرسول الله ﷺ ، و (ذهب) هنا من أفعال الشروع، و (محيصة) اسمها، وجملة (يتكلم) خبرها، دكلانما بادر إلى الكلام لكونه حاضرًا في الواقعة، وكان أصغر من أخيه حويصة، كما تقدم. قوله: (كَبِّر كَبِّر) بصيغة الأمر من التكبير؛ أي: ليبدأ الأكبر بالكلام، واللفظ الثاني تأكيد للأول تنبيهًا على شرف السن، وقوله: (يريد السن) هذا مدرج لتفسير (كَبِّرْ). قوله: (إما أن يدوا صاحبكم) أي: إما أن يدفع اليهود لكم دية القتيل، ففاعل (يدوا) اليهود، ويدوا: بفتح الياء وضم الدال، فعل مضارع من ودى يدي دية، من باب (ضرب) (٢). قوله: (وإما أن يَأْذنوا بحرب) هكذا في نسخ "البلوغ"، بفتح الياء، والذي في "الصحيحين": (يُؤذنوا) بضمها؛ أي: يعلمونا أنهم ممتنعون عن التزام شرعنا؛ لأن الأذان معناه: الإعلام، والمعنى: أنهم إذا امتنعوا عن الحلف فهم ممتنعون عن الالتزام بأحكام ديننا، فينتقض عهدهم ويصيرون حربًا، وهذا الكلام من النبي ﷺ فيه فائدتان:

стр. 3680

١ - التسلية لأولياء المقتول وأن الأمر مأخوذ بعين الاعتبار. ٢ - الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل على يهود، لا أن ذلك حكم على اليهود في حال غيابهم؛ لأن النبي ﷺ لم يسمع منهم، ولهذا كتب لهم بعد هذا القول. قوله: (فكتب إليهم في ذلك) أي: فكتب رسول الله ﷺ إلى اليهود كتابًا في هذه القضية يذكر فيه ما ادُّعِيَ به عليهم، ووجود القتيل بينهم. قوله: (أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم) أي: أتحلفون خمسين يمينًا -كما في بعض الروايات- على شخص من اليهود بأنه هو القاتل، ونحكم لكم بثبوت دمه على هذا الشخص، فتقتلونه به أو تأخذون ديته. قوله: (ليسوا مسلمين) أي: فلا نرضى بأيمانهم؛ لأنهم كفار لا يتورعون عن الكذب. قوله: (فوداه) أي: فدفع رسول الله ﷺ دية القتيل لئلا يهدر دمه. قوله: (من عنده) ظاهره أن المراد من ماله ﷺ ، وقد جاء في بعض الروايات: (فوداه بمائة من إبل الصدقة)، وفيها نفي احتمال أن الدية من اليهود أو غيرهم، وقد طعن بعضهم في رواية: (بمائة من إبل الصدقة) وقالوا: إنها غلط من راويها سعيد بن عبيد، ووجه ذلك أن الصدقة المفروضة وهي الزكاة لا تصرف هذا المصرف، وإنما هي لأصناف سماهم الله تعالى، وهذه الرواية عند البخاري ومسلم، ورواه يحيى بن سعيد، وقال: (من عنده)، ومن تحاشى تغليط الثقة قال: لا منافاة، والمعنى: أنه اشتراها من إبل الصدقة، وهناك تأويلات أخرى لا تخلو من ضعف، فإن قيل: بالترجيح -ولعله المتعين (١) - فرواية يحيى بن سعيد أرجح، فإنه ثقة متقن، وسعيد بن عبيد هو الطائي أبو الهذيل الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه) (٢)، وقال الحافظ: (ثقة).
следующие страницы →