وقولنا: (أيمان مكررة) أي: لا بد أن تتكرر اليمين، كما سيأتي، بخلاف سائر الدعاوى، وذلك لعظم شأن الدماء.
وقولنا: (في قتل) يفيد أنه لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح، كما سيأتي -إن شاء الله-.
وقولنا: (معصوم) هذا شرط في القتيل الذي لم يعلم قاتله، إذ لا أيمان ولا دعوى أصلًا في قتيل غير معصوم، كمرتد -مثلًا- وهذا بالإجماع (١).
وقد ذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أن القسامة مشروعة وأصل يثبت به القصاص أو الدية على ما سيأتي -إن شاء الله- في حديث الباب الذي هو الأصل في مشروعيتها.
стр. 3677
أحكام القسامة
١١٩٧/ ١ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في عَينٍ، فَأتى يَهُودَ فَقَال: أنتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأقبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَبِّرْ كَبِّرْ"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأذَنُوا بِحَرْبٍ" فَكَتَبَ إِلَيهِمْ في ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَهْلٍ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "، قَالُوا: لَا، قَال: "فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ "، قَالُوا: لَيسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ. قَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْني منْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب "كتابة الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه" (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩)(٦) من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه … الحديث.
وهذا الحديث له عدة ألفاظ في "الصحيحين" وغيرهما.
стр. 3678
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (عن رجال من كبراء قومه) أي: من شيوخ قوم سهل بن أبي حثمة، وهم من الأنصار من بني حارثة من الخزرج ﵃.
قوله: (أن عبد الله بن سهل) هو عبد الله بن سهل بن زيد بن كعب الحارثي الأنصاري، قتل في خيبر على عهد رسول الله ﷺ بعد فتحها، وهو أخو عبد الرحمن الآتي ذكره (١).
قوله: (ومحيصة بن مسعود) بضم الميم فحاء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة على صيغة التصغير، وحكى القرطبي وغيره التخفيف، واعتبره هو المشهور (٢)، وهو محيصة بن مسعود بن زيد بن كعب الحارثي الأنصاري المدني ابن "عبد الله بن سهل المقتول، صحابي معروف، أسلم قبل الهجرة، وشهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد كلها، وبعثه رسول الله ﷺ إلى فَدَك يدعوهم إلى الإسلام (٣).
قوله: (من جهد أصابهم) بفتح الجيم، و (من) سببية؛ أي: بسب مشقة وضيق عيش.
قوله: (قد قتل) في بعض الروايات: (فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلًا).
قوله: (وطرح في عين) في رواية: (في عين أو فقير) أي: أُلقي بعد قتله في عين، والمراد بها: الحفرة أو البئر الصغيرة أو حوض يكون أسفل النخلة، والفقير: الحفيرة (٤).
قوله: (فأتى يهود) اسم جنس، يراد به القبيلة والطائفة، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (٥)، أو وزن الفعل.
стр. 3679
قوله: (فأقبل هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل) أي: فجاء إلى رسول الله ﷺ محيصة وأخوه حويصة بن مسعود وابن عمهما عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل، وفي رواية لمسلم: (فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ ) وفي رواية: (فدفنه صاحبه، ثم أقبل إلى المدينة … ). وحويصة: بضم الحاء، وفتح الواو فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة، ويجوز التخفيف في يائه، وهو أخو محيصة لأبيه وأمه، وهو أسن منه، أسلم على يد أخيه محيصة بعد الهجرة سنة ثلاث، وشهد أُحدًا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ (١)، وكان عبد الرحمن بن سهل أصغر الثلاثة.
قوله: (فذهب محيصة يتكلم) أي: أراد أن يتكلم بشرح القصة لرسول الله ﷺ ، و (ذهب) هنا من أفعال الشروع، و (محيصة) اسمها، وجملة (يتكلم) خبرها، دكلانما بادر إلى الكلام لكونه حاضرًا في الواقعة، وكان أصغر من أخيه حويصة، كما تقدم.
قوله: (كَبِّر كَبِّر) بصيغة الأمر من التكبير؛ أي: ليبدأ الأكبر بالكلام، واللفظ الثاني تأكيد للأول تنبيهًا على شرف السن، وقوله: (يريد السن) هذا مدرج لتفسير (كَبِّرْ).
قوله: (إما أن يدوا صاحبكم) أي: إما أن يدفع اليهود لكم دية القتيل، ففاعل (يدوا) اليهود، ويدوا: بفتح الياء وضم الدال، فعل مضارع من ودى يدي دية، من باب (ضرب) (٢).
قوله: (وإما أن يَأْذنوا بحرب) هكذا في نسخ "البلوغ"، بفتح الياء، والذي في "الصحيحين": (يُؤذنوا) بضمها؛ أي: يعلمونا أنهم ممتنعون عن التزام شرعنا؛ لأن الأذان معناه: الإعلام، والمعنى: أنهم إذا امتنعوا عن الحلف فهم ممتنعون عن الالتزام بأحكام ديننا، فينتقض عهدهم ويصيرون حربًا، وهذا الكلام من النبي ﷺ فيه فائدتان:
стр. 3680
١ - التسلية لأولياء المقتول وأن الأمر مأخوذ بعين الاعتبار.
٢ - الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل على يهود، لا أن ذلك حكم على اليهود في حال غيابهم؛ لأن النبي ﷺ لم يسمع منهم، ولهذا كتب لهم بعد هذا القول.
قوله: (فكتب إليهم في ذلك) أي: فكتب رسول الله ﷺ إلى اليهود كتابًا في هذه القضية يذكر فيه ما ادُّعِيَ به عليهم، ووجود القتيل بينهم.
قوله: (أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم) أي: أتحلفون خمسين يمينًا -كما في بعض الروايات- على شخص من اليهود بأنه هو القاتل، ونحكم لكم بثبوت دمه على هذا الشخص، فتقتلونه به أو تأخذون ديته.
قوله: (ليسوا مسلمين) أي: فلا نرضى بأيمانهم؛ لأنهم كفار لا يتورعون عن الكذب.
قوله: (فوداه) أي: فدفع رسول الله ﷺ دية القتيل لئلا يهدر دمه.
قوله: (من عنده) ظاهره أن المراد من ماله ﷺ ، وقد جاء في بعض الروايات: (فوداه بمائة من إبل الصدقة)، وفيها نفي احتمال أن الدية من اليهود أو غيرهم، وقد طعن بعضهم في رواية: (بمائة من إبل الصدقة) وقالوا: إنها غلط من راويها سعيد بن عبيد، ووجه ذلك أن الصدقة المفروضة وهي الزكاة لا تصرف هذا المصرف، وإنما هي لأصناف سماهم الله تعالى، وهذه الرواية عند البخاري ومسلم، ورواه يحيى بن سعيد، وقال: (من عنده)، ومن تحاشى تغليط الثقة قال: لا منافاة، والمعنى: أنه اشتراها من إبل الصدقة، وهناك تأويلات أخرى لا تخلو من ضعف، فإن قيل: بالترجيح -ولعله المتعين (١) - فرواية يحيى بن سعيد أرجح، فإنه ثقة متقن، وسعيد بن عبيد هو الطائي أبو الهذيل الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه) (٢)، وقال الحافظ: (ثقة).
стр. 3681
قوله: (ركضتني منها ناقة) أي: ضربتني برجلها، وأراد بهذا أنه ضبط الحديث وحفظه حفظًا بليغًا، وهو أن النبي ﷺ سلَّم الإبل لأولياء القتيل، كما جاء في بعض الروايات.
° الوجه الثالث: هذا الحديث هو الأصل في مسألة القسامة، قال القاضي عياض: (حديث القسامة المذكور أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة … ) (١)، وقال ابن الملقن: (هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، وأصل في القسامة وأحكامها) (٢).
وصفتها: أن يوجد قتيل ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على من قتله، فيدعي أولياء المقتول على واحد أو جماعة قتله، وتقوم القرائن على صدق الولي المدعي.
ولا بد في القسامة من أربعة شروط مأخوذة من أدلتها:
الأول: أن تكون الدعوى على قتل يوجب القصاص إذا ثبت القتل؛ لأن الأصل فيها حديث الباب، وهو في دعوى قتل.
فإن كانت الجناية فيما دون النفس من الأطراف والجراح فلا قسامة -على أحد القولين- لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها؛ ولأن المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله، ومن قُطِعَ طرفه أو جُرح أمكنه ذلك، قال الموفق ابن قدامة: (لا أعلم بين أهل العلم في هذا اختلافًا) (٣).
الثاني: أن تكون الدعوى على شخص معين، لقوله كما في بعض الروايات: (فيحلف خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته)، فإن كان مبهمًا، أو كانت الدعوى على أهل مدينة أو حَيٍّ من الأحياء فلا قسامة.
الشرط الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى، فإن ادعى بعضهم وأنكر
стр. 3682
بعض لم تثبت القسامة؛ لأنه دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة.
الرابع: وجود اللَّوْث، وهو بفتح فسكون، من لاث الرجل يلوث لوثًا: أخبر بغير ما يُسأل عنه، ولاث الخبر: كتمه وحبسه عن وجهه (١). وفي تفسير اللوث قولان:
القول الأول: أنه العداوة الظاهرة، كنحو ما بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا، وما بين أهل البغي وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، ونحو ذلك.
والقول الثاني: أن اللوث ما رجح جانب المدعي في دعواه، وهذا القول أعم من الأول؛ لأنه يشمل العداوة وغيرها من القرائن، كأن يوجد القتيل في دار إنسان، أو يُرى أثاثه عنده، ونحو ذلك.
وهذا رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، قال الحافظ ابن حجر: (اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها) (٣).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه إذا وجد القتيل المجهول القاتل ووجدت القرائن على قاتله حلف أولياء المقتول، لقوله: "تحلفون وتستحقون دم قاتلكم" وفي بعض الروايات: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته" وهذا يفيد أن عدد الأيمان خمسون تعظيمًا لشأن الدم، وأنه لا بد من خمسين رجلًا، على كل واحد منهم يمين، فإن كانوا أقل، فإن الأيمان بينهم على قدر إرثهم، فإذا كان للقتيل ثلاثة أبناء حلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينًا، فإذا حلفوا على شخص استحقوا دمه إذا كان القتل عمدًا، أو الدية إذا كان خطأ.
стр. 3683
° الوجه الخامس: استدل العلماء: بقوله: "أتحلفون … " وفي رواية: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" على أن الأولياء الذين يحلفون في القسامة هم العصبة؛ أي: عصبة المقتول؛ لأن النبي ﷺ علم أنه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلًا وارثًا، فإنه لا يرثه إلا أخوه ومن هو في درجته أو أقرب منه نسبًا؛ ولأنه خاطب بهذا بني عمه، وهم غير وارثين مع وجود الأخ، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد.
والقول الثاني: أن الأولياء الذين يحلفون هم الوارثون، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد (١)، واستدلوا بان النبي ﷺ جعل الحالف هو المستحق للدية أو القصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدل ذلك على أنه لا يحلف إلا الوارث المستحق للدية. والقول الأول أرجح؛ لما تقدم من أن النبي ﷺ خاطب بذلك بني عمه وهم غير وارثين؛ ولأنه لا يُعقل أن يكون خمسون رجلًا وارثين، وعلى هذا فيبدأ بالوارثين، فإن لم يبلغوا خمسين كُمِّلوا من سائر العصبات الذين لا يرثون، الأقربُ فالأقرب منهم إلى الميت.
° الوجه السادس: في الحديث دليل على أنه إذا نكل المُدَّعُونَ عن الحلف، وقالوا: لا نحلف على شيء لم نره، توجهت الأيمان على المدعى عليهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء.
° الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه إذا نكل المدعى عليه وأبي أن يحلف أو لم يرض المدعون يمينه أُدِيَ القتيل من بيت المال؛ لأن أولياء عبد الله بن سهل لم يحلفوا، ولم يرضوا بأيمان اليهود.
ويمكن أن يستدل بعموم هذا الحديث على أن دية المقتول في زحمة طواف أو تدافع، تكون في بيت المال، وقد مضت الإشارة إلى ذلك.
стр. 3684
° الوجه الثامن: في الحديث دليل على أن المشتركين في طلب حق ينبغي لهم أن يقدموا للكلام واحدًا منهم؛ لأن هذا نوع من الأدب مع المتحدث معه، وفيه تنظيم للأمر، وأحقهم أسنهم إذا كان فيه أهلية لذلك.
° الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن موجب القسامة هو القود، وهو قول الأكثرين، لقوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم".
والقول الثاني: أن القسامة توجب الدية ولا توجب القصاص، وهو قول الحنفية، والشافعية في الجديد، وجماعة من الصحابة والتابعين (١).
واستدلوا بقوله: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" وهذا حصر بين أمرين لا ثالث لهما وهو القصاص.
والقول الأول أرجح لقوة مأخذه، ويؤيده المعنى، فإن ردع المجرمين وصيانة الدماء واستقرار الأمن إنما يكون في القسامة على الوجه الذي صحت به الآثار، وأما غرامة الدية فأمر ميسور عند أرباب الفساد.
وأما أدلة القائلين بالدية فهي إما مؤولة؛ لقيام الدليل على وجوب التأويل، وإما معارضة بما هو أقوى منها، وإما ضعيفة لا تقوم بها حجة.
وأما لفظ: "إما أن يدوا صاحبكم … " فالجواب أنها دعوى على اليهود بدون تعيين القاتل فلا يمكن القصاص، فإن حلفوا على واحد أمكن القصاص.
° الوجه العاشر: ظهر في مسألة القسامة أمور أهمها:
١ - أن اليمين توجهت على المدعي، وهذا لا يخالف قاعدة: أن اليمين على المدعى عليه؛ لأن الأصل أن اليمين مشروعة في الجانب الأقوى، وجانب المدعي قد ترجح بوجود القرائن التي تقوي جانبه.
٢ - تكرار الأيمان فيها، ذلك لعظم شأن الدماء.
٣ - أن المدعي يحلف على شيء لم يره، وهذا لكونه معتمدًا على
стр. 3685
القرائن وغلبة الظن، كقول الأعرابي: (والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني) (١)، وقول عبد الله بن سهل: (أنتم والله قتلتموه) فحلف على غلبة الظن وما يحيط به من القرائن التي تجعله في مقام اليقين، فإنه لم يكن في خيبر سوى اليهود، وبينهم وبين المسلمين العداوة المعروفة. والله تعالى أعلم.
стр. 3686
ما جاء في أن القسامة كانت في الجاهلية
١١٩٨/ ٢ - عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أقرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ ناسٍ مِنَ الأنصَارِ في قَتِيلٍ ادّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِم.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "القسامة"، (١٦٧٠)(٧)(٨) من طريق يونس، عن ابن ضهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار مولى ميمونة ﵄ زوج النبي ﷺ ، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار، أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.
ورواه من طريق ابن جريج، حدثني ابن شهاب، بهذا الإسناد مثله، وزاد: وقضى بها رسول الله ﷺ … الحديث.
وبهذا يتبين أن الحافظ جمع بين الروايتين في سياق واحد.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن القسامة كانت موجودة في الجاهلية قبل الإسلام، وقد بوب البخاري في "صحيحه" في كتاب "مناقب الأنصار" باب "القسامة في الجاهلية"، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس ﵄، قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم … وساق الحديث بطوله (١).
стр. 3687
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية؛ لكونها سبيلًا من سبل صيانة الدماء وعدم ضياع الحقوق، وهذا يدل على أن ما عند الكفار مما يوافق الشرع يؤخذ به، ومثل ذلك المضاربة فقد كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، كما تقدم في موضعه.
وهذا إقرار للقسامة في الجملة لا في التفصيل؛ لأن القسامة في الإسلام تختلف عن القسامة في الجاهلية في أمور، منها:
١ - أن القسامة في الإسلام تُشرع الأيمان فيها في جانب المدعين، كما تقدم، فإذا حلفوا استحقوا القود في العمد، أما في الجاهلية فقد دل سياق حديث ابن عباس ﵄ المتقدم على أن المدعى عليه يخير بين الدية أو الأيمان أو القصاص.
٢ - أن اليمين لا تطلب من المدعى عليه إلا بعد نكول المدعي، بخلاف القسامة في الجاهلية فإنها تطلب من المدعى عليه.
٣ - أنه لا تخيير للمدعى عليه كما في الجاهلية (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3688
باب قتال أهل البغي
القتال: مصدر قاتله يقاتله قتالًا ومقاتلة، بمعنى حاربه ونازله.
والبغي: مصدر بغى يبغي بغيًا، ويطلق هذا الفعل في اللغة على مجرد الطلب، تقول: بغيت الشيء أبغيه: إذا طلبته. ويطلق على التعدي والاستطالة على الناس، يقال: بغى الرجل بغيًا: إذا عدل عن الحق واستطال، ومنه الفئة الباغية؛ أي: المتعدية.
والبغي في اصطلاح الفقهاء: هو خروج جماعة من المسلمين لهم شوكة ومنعة عن قبضة الإمام؛ لينازعوه في سلطانه بتأويل سائغ.
وموقف الإمام من البغاة أنه يراسلهم ويسألهم ما يكرهون منه، ويزيل ما يكرهونه من مظلمة؛ لأن إزالة ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به، ويكشف ما يدعونه من شبهة؛ لأن في كشف شبهتهم رجوعًا إلى الحق، وذلك لأن الله تعالى أمر بالإصلاح أولًا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فإن أصروا نصحهم وخوفهم عاقبة البغي، وأمرهم بالعود للطاعة؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود، فإن أصروا دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا وغُلبوا في المناظرة، وأصروا آذنهم بالقتال، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ولدفع شرهم وأذاهم عن المسلمين، وللحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية وعزتها، وعلى هذا فقتال البغاة هو آخر وسيلة يلجأ إليها الإمام.
وقد قسم بعض العلماء الخارجين على الإمام إلى أقسام:
١ - بغاة، وتقدم تعريفهم وحكمهم.
٢ - خوارج: وأول خروجهم في عهد علي ﵁ وأصولهم موجودة قبل
стр. 3689
ذلك، وهم أشنع من البغاة وأقبح؛ لأنهم يخرجون لتفريق المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم، يقاتلون المسلمين، ويَدَعُون عُبَّادَ الأصنام والأوثان، والجمهور من أهل العلم على أنهم عصاة حكمهم حكم البغاة، وقال آخرون: إنهم مرتدون وحكمهم القتل مطلقًا، لثبوت الأحاديث في قتلهم.
٣ - قطاع طريق: وهم الذين يتعرضون للناس بإشهار السلاح وسلب الأموال وغيرها، وقد دل القرآن على عقوبتهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
стр. 3690
التحذير من حمل السلاح على المسلمين
١١٩٩/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ "مَنْ حَمَلَ عَلَينَا السلَاحَ فَلَيسَ مِنا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الديات"، باب "قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ (٦٨٧٤)، وفي "الفتن" (٧٠٧٠)، ومسلم (٩٨) من طريق نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.
ورواه البخاري (٧٠٧١) من حديث أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ باللفظ نفسه.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز حمل السلاح على المسلمين برهم وفاجرهم؛ لأن حمل السلاح معناه قتالهم وسفك دمائهم وإخافتهم وترويعهم، بل لا يحمل السلاح إلا على من استحقه كالكفار والبغاة -على ما تقدم- وقطاع الطريق، والواجب على المسلمين التناصح وحل المشاكل بالطرق السلمية لا بحمل السلاح، بل قد ورد النهي عما هو دون ذلك، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يُشِرْ أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار" (١).
وعنه -أيضًا- أن النبي ﷺ قال: "من أشار إلى أخيه بحديده فإن
стр. 3691
الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه" (١).
° الوجه الثالث: في الحديث وعيد شديد على من حمل السلاح على المسلمين، لقوله: "فليس منا" والمعنى: أنه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا؛ لأن هدي النبي ﷺ وطريقته نصر المسلم والقتال دونه، لا ترويعه وإخافته وقتاله، أو يمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (٢).
وهذا الحديث حمله العلماء على من حمل السلاح لقتال المسلمين غير مستحل قتالهم، أما إذا استحل قتالهم بغير حق فهذا كافر؛ لاستحلاله المحرم القطعي.
وأما حمل السلاح لقتال البغاة من المسلمين فقد ورد فيه أدلة خاصة. والله تعالى أعلم.
стр. 3692
التحذير من الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة
١٢٠٠/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيّةٌ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه مسلم في كتاب "الإمارة"، باب "وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة" (١٨٤٨) من طريق غيلان بن جرير، عن أبي قيس بن رباح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّية يغضب لعَصَبَةٍ أو يدعو إلى عَصَبَةٍ، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه".
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من خرج من طاعة) أي: طاعة من وقع عليه الاجتماع وتمت بيعته في قطر من الأقطار؛ لأن من المعلوم أن الناس لم يجمعوا على خليفة واحد في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية إلى يومنا هذا، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم.
قوله: (وفارق الجماعة) أي: جماعة المسلمين الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم.
стр. 3693
قوله: (فميتته جاهلية) بكسر الميم، مصدر نوعي؛ لأنه أضيف إلى الجاهلية، وهذا فيه تشبيه من مات مفارقًا للجماعة بمن مات على الكفر بجامع أن الكل لم يكن تحت حكم إمام؛ لأن الخارج عن الطاعة -كأهل الجاهلية- لا إمام له.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب طاعة الناس لولي الأمر الذي تمت بيعته، ولزوم الجماعة وإن جرى من الإمام ما جرى من نقص أو معصية ما لم يروا كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهان، كما جاء في حديث عبادة ﵁ (١).
وقد دلت النصوص الشرعية على أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وهذا من القطعيات الشرعية، لحديث: "إنما الطاعة في المعروف" (٢).
وفي الطاعة ولزوم الجماعة الخير الكثير والأمن والطمأنينة، وصلاح الأحوال، ونصر الحق، وقمع البدع وأهلها.
وفي الاختلاف والخروج الشر العظيم، وضعف الحق، وتدخل القوى الكافرة، وظهور البدع والمنكرات، وانقسام الناس، وزعزعة الأمن وإراقة الدماء، ونهب الأموال، وهذا واضح في زماننا هذا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يُستراح من فاجر) (٣). ويقول: (لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المنكرات وتركِ واجبٍ أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب) (٤).
° الوجه الرابع: في الحديث تحذير شديد ووعيد عظيم لمن ينقض البيعة ويفرق الجماعة، ويخرق الإجماع.
стр. 3694
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن من فارق الجماعة ولم يخرج عليهم ولم يقاتلهم أنه لا يقاتل ليرد إلى الجماعة ويذعن للإمام بالطاعة؛ لأن النبي ﷺ أخبر عن حال موته ولم يأمر بقتاله؛ لأنه لم يخرج بذلك عن الإسلام. والله تعالى أعلم.
стр. 3695
ما جاء في أن عمارًا تقتله الفئة الباغية
١٢٠١/ ٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالت: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغيَةُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه مسلم في كتاب "الفتن"، باب "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء" (٢٩١٦)(٧٣) من طريق ابن عون، عن الحسن، عن أمه (١)، عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا.
ورواه -أيضًا- من طريق شعبة، قال: سمعت خالدًا يحدث عن سعيد بن أبي الحسن، عن أمه (١)، عن أم سلمة، بلفظ: "تقتلك الفئة الباغية".
ورواه البخاري (٤٤٧)، ومسلم (٢٩١٥) من حديث أبي سعيد ﵁ في بناء المسجد، وفيه: "وَيْحَ عمارٍ تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الخير، ويدعونه إلى النار".
وكان الأولى أن يشير إليه الحافظ كعادته؛ لأن هذا مما يقوي الحديث، وقد ذكر ابن عبد البر أن الآثار قد تواترت عن النبي ﷺ في أن عمارًا تقتله الفئة الباغية (٢)، وقد أجمعوا على أنه قتل سنة سبع وثلاثين في صفين مع علي ﵄، وقد تقدمت ترجمته في باب "التيمم".
стр. 3696
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن عمارًا ﵁ يقتل في حرب
بين طائفتين من المسلمين، وقد دل التاريخ على أن الطائفة الأولى أهل
العراق بقيادة علي ﵁، والثانية أهل الشام بقيادة معاوية ﵁، وأول ما
نشأت الفتنة من قتل عثمان ﵁ حيث امتنع معاوية من بيعة علي ﵁ بحجة
أن معه قتلة ابن عمه عثمان ﵁، وطلب منه تسليمهم للانتقام منهم،
فمعاوية ﵁ خرج بشبهة، وهي المطالبة بدم عثمان ﵁. فكاتبهم علي ﵁
مبينًا أنه ينظر في الأمر؛ لأن القتلة ليسوا أفرادًا، بل هم جمع غفير، ولهم.
قوة، فلا يمكن تسليمهم في الحال، فحصل الانقسام بين المسلمين، طائفة تُؤْثِرُ الخليفة الرابع عليًّا ﵁، والأخرى تُؤْثِرُ معاوية، وثالثة اعتزلت المعسكرين، وابتعدت عن الفتنة، فحصلت موقعة الجمل، ثم وقعة صفين، وفيها قتل عمار ﵁، قتله أهل الشام، وبأن بذلك وظهر سِرُّ ما أخبر به النبي ﷺ ، وأن عليًّا محق، وأن معاوية باغٍ (١). وهذه من الفتن التي وقعت في القرن الأول المشهود له بالخيرية، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تفترق أمتي فرقتين، فتمرق بينهما مارقة، فيقتلها أَولى الطائفتين بالحق" (٢)، وهذا دليل على:
١ - أن ما حصل بين علي ومعاوية ﵁ أنه عن اجتهاد وتأويل.
٢ - أن عليًّا أقرب إلى الصواب من معاوية، بل نكاد نجزم بصوابه، إلا أن معاوية كان مجتهدًا.
٣ - أن كلا الطائفتين على الحق، ولكن إحداهما أقرب إليه.
يقول ابن كثير: (هذا الحديث من دلائل النبوة؛ لأنه قد وقع الأمر طبق ما أخبر به الرسول ﷺ ، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعمه فرقة الرافضة أهل الجهل والجور من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب عليٍّ أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا مذهب أهل
стр. 3697
السنة والجماعة أن عليًّا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا في قتاله له، قد أخطأ وهو مأجور إن شاء الله، ولكن عليًّا هو الإمام المصيب إن شاء الله، فله أجران) (١).
وللقرطبي كلمة جامعة يحسن تسجيلها -هنا- حيث يقول: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعُبِّدْنَا بالكَفِّ عما شجر بينهم، ألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم … وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غِنائهم في الدين ﵃. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]. وسئل بعضهم عنها فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أَخْضِبُ بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبًا فيه … ) والله تعالى أعلم (٢).
стр. 3698
ما ينهى عنه في قتال البغاة
١٢٠٢/ ٤ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغى مِنْ هذِهِ الأُمةِ؟ "، قَال: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا". رَوَاهُ الْبزَّارُ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ؛ فَإنَّ في إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
١٢٠٣/ ٥ - وَصح عَنْ عَليٍّ ﵁ مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيبَةَ وَالحَاكِمُ.
° الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه البزار (١٨٤٩ زوائد)، والحاكم (٢/ ١٥٥) من طريق عبد الملك بن عبد العزيز، حدثني كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا، آفته كوثر بن حكيم، وقد تفرد به، وهو متروك، قال الإمام أحمد: (أحاديثه بواطيل، ليس بشيء)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، وقال ابن حبان: "كان ممن يروي المناكير عن المشاهير، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات" (١).
стр. 3699
قال البزار: (لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن نافع إلا كوثر)، وقال ابن عدي: (هذا الحديث غير محفوظ) (١).
والحديث سكت عنه الحاكم، كما في المطبوع، وقول الحافظ هنا: إن الحاكم صححه، ليس في المطبوع من "المستدرك"، إلا إن كان الحافظ أخذ هذا من سكوته عنه، مع أنه لا ينسب لساكت قول، وقد قال في "التلخيص": (سكت عنه الحاكم) (٢)، وقد يكون في كتاب آخر غير "المستدرك"، وقد تعقب الذهبي سكوت الحاكم بقوله: (قلت: كوثر متروك).
وأما حديث علي ﵁ فقد رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٦٣) من طريق يحيى بن آدم، عن شريك، عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﵁، أنه قال يوم الجمل: (لا تتبعوا مدبرًا، ولا تُجْهِزُوا على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو آمن).
وفي إسناده شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ.
ورواه الحاكم (٢/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ١٨١) من طريق علي بن حجر، حدثنا شريك، عن السدي، عن يزيد بن ضبيعة العبسي، قال: نادى منادي عمار -أو قال: علي- يوم الجمل، وقد ولى الناس: (ألا لا يُذاف على جريح، ولا يقتل مُوَلٍّ، ومن ألقى السلاح فهو آمن، فشق ذلك علينا).
وهذا الأثر عن علي ﵁ له طرق، ومنها: ما رواه سعيد بن منصور (٢/ ٣٣٧) من طريق الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، أن مروان بن الحكم قال له -وهو أمير المدينة-: ما رأيت أحدًا أحسن غلبة من أبيك علي بن أبي طالب .. وساق الخبر، وفيه: (فصرخ صارخ لعلي لا يقتل مدبر، ولا يذفف على جريح … إلخ). وتذفيف الجريح: الإسراع في قتله (٣).
وهذا سند موصول صحيح، وتابع الدراورديَّ حفصُ بن غياث، عن
стр. 3700
جعفر، عن أبيه، مرسلًا، رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٨٠)، كما تابعه ابن جريج (١)، قال: أخبرني جعفر عن أبيه .. فذكره، رواه عبد الرزاق (١٠/ ١٢٣ - ١٢٤).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يا ابن أم عبد) هو عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأنه المعروف بذلك.
قوله: (لا يُجهز) بضم الياء مبني لما لم يسم فاعله، وكذا الأفعال التي بعده، يقال: جَهَزْتُ على الجريح، من باب (نفع) وأجهزت عليه إجهازًا: إذا أتممت عليه وأسرعت قتله (٢).
قوله: (لا يقسم فيؤهما) أي: لا تغنم أموالهم فتقسم.
° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على عدد من القواعد التي ينبغي للإمام مراعاتها والالتزام بها في قتال البغاء، وذلك لأن الغرض من قتالهم هو إخماد فتنتهم ودفع شرهم وأذاهم، والحفاظ على وحدة الأمة وعزتها.
وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا إلا أنه مؤيد بعمومات وأدلة أخرى، وبعمل الصحابة ﵁. فعن أبي أمامة ﵁ قال: (شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون موليًا، ولا يسلبون قتيلًا) (٣).
وقال الشوكاني: (إن النهي المرفوع إلى النبي ﷺ وإن كان فيه المقال السابق، ولكنه يؤيده أن الأصل في دم المسلم تحريم سفكه، والآية المذكورة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فيها الإذن بالمقاتلة إلى حصول تلك الغاية، وربما كان ذلك الهرب من مقدماتها إن لم يكن منها) (٤).
стр. 3701
ومن هذه القواعد:
١ - أنه لا يجهز على الجريح منهم؛ لأن شَرْطَ حِلِّ قتالهم كونهم مقاتلين، والجريح تمنعه جراحته عن القتال.
٢ - أنه لا يقتل أسيرهم، فإذا دخل في الطاعة خلي سبيله، وإن أبي ذلك وكان رجلًا جلدًا من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة، فإذا انقضت خلي سبيله، وشرط عليه ألا يعود إلى القتال (١).
٣ - ألا يطلب هاربهم؛ لأن الغرض من قتالهم هو إخماد فتنتهم، وهذا متحقق بتفرقهم، وعلى هذا فلا يطلب الهارب منهم، ولا يتبع مدبرهم، إلا إذا كان له فئة أخرى من أهل البغي، يأوي إليها، فإنه يجوز قتله في هذه الحال؛ لأنه يُخاف من عوده مرة أخرى (٢).
والقول بجواز قتله هو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية، ورجحه الشوكاني، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] والهارب والجريح لم يحصل منهما فيئة.
والقول الثاني: أنه لا يجوز قتله؛ لأن القصد دفع البغاة في تلك الحال، وقد وقع، وهذا قول الشافعي ومن وافقه، أخذًا بعموم النهي، وأجابوا عن الآية بأنه لا دليل فيها؛ لأن المراد بالفيئة إلى أمر الله ترك الصولة والاستطالة، وقد حصل ذلك من الهارب والجريح الذي لا يقدر على القتال (٣).
٤ - ألا تغنم أموالهم، وذلك لأن قتالهم إنما هو لدفع شرهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم، وعلى هذا فلا يستباح منهم إلا ما اقتضته الضرورة، كدفع الصائل، ويبقى حكم المال وكذا الذرية والنساء على أصل العصمة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال الشافعي:
стр. 3702
(الآية تدل على أنه إنما أبيح قتالهم في حال، وليس في ذلك إباحة أموالهم ولا شيء منها) (١). وقال ابن قدامة: (فأما غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم اختلافًا) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3703
حكم من فرق أمر هذه الأمة وهي جميع
١٢٠٤/ ٦ - عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أتاكُمْ وَأَمْرُكُم جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُم فَاقْتُلُوهُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عَرْفَجَةُ -بفتح العين وسكون الراء- وضبطه بعضهم بضم العين والفاء، وشُريح بالضم، مختلف في اسم والده، فقيل: شريح، وقيل: شراحيل الأشجعي، وقيل: غير ذلك، له صحبة، روى عنه زياد بن عِلاقة، ووقدان أبو يعفور العبدي، وغيرهما، روى له مسلم وأبو داود والنسائي حديثًا واحدًا، وهو حديث الباب (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإمارة"، باب "حكم من خرق أمر المسلمين وهو مجتمع" (١٨٥٢)(٦٠) من طريق يونس بن أبي يعفور، عن أبيه، عن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه".
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (وأمركم جميع) أي: كلمتكم مجتمعة على إمام واحد وأنتم يد واحدة، فالمراد بالأمر: الأمر الذي يعنيهم ويهمهم، وهو أمرهم العام، أمر
стр. 3704
الولاية، ولهذا أضافه إلى ضمير الجمع، كما في قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (١).
قوله: (أن يشق عصاكم) أصل العصا: الاجتماع والائتلاف، وذلك أنها لا تدعى عصا حتى تكون جميعًا، فإذا انشقت لم تدع عصا، ومنه قيل للرجل إذا قام في المكان واطمأن واجتمع إليه أمره: قد ألقى عصاه. وقيل للخوارج: قد شقوا عصا المسلمين؛ أي: فرقوا جماعتهم. فَشَقُّ العصا: تعبير يراد به تفريق الجماعة.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين ما أمر بالطاعة، وتحريم الخروج عليه، ووجوب العمل على جمع كلمة المسلمين والتحذير من تفريق جماعتهم، وأن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين فإنه يجب قتله مهما كانت منزلته شرفًا ونسبًا، لقوله في بعض الروايات: "فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" وهذا يدل على أن تفريق جماعة المسلمين من كبائر الذنوب، لوجوب قتل من أراد ذلك، ولما يترتب على تفريق الكلمة وشق عصا الطاعة من المفاسد العظيمة، قال الصنعاني: (دلت الألفاظ -أي: ألفاظ الحديث- على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، المراد: أهل قُطْرٍ … فإنه قد استحق القتل؛ لإدخاله الضرر على العباد) (٢).
ومما يدل على عناية الإسلام باجتماع الكلمة واتحاد الصف أن الإسلام يطالب بقتل الحاكم الثاني، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (٣).
إن التعدد في القيادات يعني التفرق والشتات، ووحدة القيادة رمز على وحدة الأمة ومتانة جسدها ووحدة رأيها. والله المستعان.
стр. 3705
باب قتال (١) الجاني وقتل المرتد
تقدم أن القتال مصدر قاتله يقاتله قتالا ومقاتلة، ومعناه: حاربه ونازله، وأما القتل: فهو إزهاق الروح بالضرب أو بغيره.
والفرق بين القتل والقتال أنه في القتال إذا كف المقاتل وجب تركه والكف عنه، كما تقدم في قتال أهل البغي، بخلاف القتل، ولهذا فكل من جاز قتله جاز قتاله، وليس كل من جاز قتاله جاز قتله (٢).
والجاني: اسم فاعل من جنى جناية؛ أي: أذنب ذنبًا يؤاخذ عليه.
وهي في عرف الفقهاء: التعدي على الأبدان سواء في النفس أو الطَّرَفِ، وقد تقدم هذا في باب "الجنايات".
وأما معناها العام: فهو شامل للتعدي على النفس والطرف والعرض والمال، وهي بهذا المعنى تتناول أحكام الصائل، وهو من سطا عاديًا على غيره يريد نفسه أو عرضه أو ماله، وهذا هو مراد الحافظ بهذا الجزء من هذا الباب، كما سيأتي إن شاء الله.
وأما المرتد فهو في اللغة: الراجع، يقال: ارتد فلان فهو مرتد: إذا رجع، والاسم: الردة (٣). وهو لفظ خاص بالكفر، أما الارتداد فيستعمل فيه وفي غيره.
وفي الشرع: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر.
والردة تحصل بقوله الكفر أو فعله أو اعتقاده، كما تحصل بالشك، كالشك في وجود الله تعالى، أو الشك في صدق الرسول ﷺ ، وغير ذلك، مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 3706
ما جاء فيمن قُتِلَ دون ماله
١٢٠٥/ ١ - عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائي وَالترْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب "الأدب"، باب "في قتال اللصوص" (٤٧٧١)، والترمذي (١٤١٩)، والنسائي (٧/ ١١٥) من طريق عبد الله بن حسن، قال: حدثني عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ مرفوعًا.
وهذا لفظ الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: (حديث حسن).
والحديث رواه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١) باللفظ نفسه، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على مشروعية الدفاع عن المال، وجواز مقاتلة المعتدي لأخذ المال، وأن من دافع عن ماله وقتل في هذه المدافعة فهو شهيد عند الله تعالى.
وعن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟، قال: "فلا تعطه مالك"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" (١).
стр. 3707
وظاهر العموم أنه لا فرق بين المال القليل والكثير، وهو قول الجمهور، قال عبد الله بن المبارك: (يقاتل عن ماله ولو درهمين) (١).
وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا، كالثوب والطعام، قال النووي: (وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير) (٢).
وقد ذكر القرطبي أن سبب الخلاف في ذلك هل القتال لدفع المنكر فلا يفرق المال بين القليل والكثير، أو أنه من باب دفع الضرر فتختلف الحال في ذلك (٣).
° الوجه الثالث: نص الفقهاء على أن الدفاع عن النفس والأهل والعرض والمال مشروع، وأنه يكون بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به، فإن كان يندفع بالتهديد لم يضربه، وإن كان لا يندفع إلا بالضرب ضربه بيده، ثم بعصا، ومتى أمكن الأسهل حرم الأصعب، كضربه بحديدة؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأن المقصود دفعه لا إتلافه، فإن فعل فعليه الضمان، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله ولا ضمان عليه.
ويستثنى من المدافعة بالأسهل ما إذا خشي أن يبادره الصائل بالقتل إن لم يعاجله، فله ضربه بما يقتله أو يقطع طرفه، ويكون ذلك هدرًا.
° الوجه الرابع: اختلف العلماء فيمن قتل دون ماله أو نفسه أو أهله هل يأخذ حكم الشهيد في أحكام الدنيا؟، على قولين:
الأول: أنه لا يأخذ حكم الشهيد بل يغسل ويكفن ويصلى عليه، وتسميته شهيدًا إنما هو باعتبار الثواب دون أحكام الدنيا، وهذا القول رواية عن أحمد، وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعركة، لكن له ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل شهيد المعركة (٤).
القول الثاني: أنه يأخذ حكم الشهيد فلا يغسل ولا يصلى عليه، وهو
стр. 3708
قول الشعبي والأوزاعي، وإسحاق في الغسل؛ لأنه قتل شهيدًا، فأشبه شهيد المعركة، أخذًا بعموم الحديث (١)، والقول الأول أقرب؛ لقوة مأخذه، والله تعالى أعلم.
стр. 3709
ما جاء فيمن عَضَّ رَجُلًا فوقعت ثنيته
١٢٠٦/ ٢ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَال: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاختَصَمَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَال: "أيَعَضُّ أَحَدُكُم أخاه كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه البخاري في كتاب "الديات"، باب "إذا عض رجلًا فوقعت ثناياه" (٦٨٩٢)، ومسلم (١٦٧٣) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين ﵄، قال: قاتل يعلي بن مُنْية أو ابن أمية رجلًا، فعض أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فمه، فنزع ثنيته، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال: "أيعض أحدكم كما يعض الفحل؟، لا دية له".
هذا لفظ مسلم، كما قال الحافظ، مع بعض الاختلاف، وليس عند مسلم لفظة: "أخاه" وإنما هي عند البخاري.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يعلى بن أمية) تقدمت ترجمته في "الحج" عند الحديث (٧٥٢)، ويقال: يعلى بن مُنْية، بضم الميم وسكون النون بعدها ياء مثناة، وهي أمه، على أحد الأقوال.
قوله: (فعض) من العض وهو القطع بالأسنان، يقال: عَضَّ يَعَضُّ بفتح الياء والعين من المضارع، من باب (تَعِبَ)، وأصل عضَّ: عَضضَ، بكسر الضاد الأولى (١).
стр. 3710
قوله: (فنزع ثنيته) هكذا بالإفراد، وهو رواية البخاري وأحد ألفاظ مسلم، وعند البخاري ورواية لمسلم: (فوقعت ثنيتاه)، وقد ذكر الحافظ أن التثنية هي رواية الأكثر.
والمعنى: فنزع المعضوضةُ يدُه ثنيةَ العاض وأخرجها من مكانها، لكن لا عمدًا بل لشدة نزعه، والثنية: إحدى الأسنان الأربع في مقدمة الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت.
قوله: (كما يعض الفحل) بفتح الياء والعين، كما تقدم، والفحل: هو الذكر من الإبل وغيرها من الدواب، وهذا التشبيه مقصود به التنفير وتقبيح حال المشبه.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن من عض رجلًا فانتزع المعضوضُ يدَه فنزع ثنية العاض أنه لا شيء عليه، لا قصاص ولا دية؛ لأن العاض معتد صائل على المعضوض، وللمعضوض الدفاع عن نفسه، ولا يترتب على دفاعه عن نفسه ضمان ما يتلف بسبب ذلك؛ لأنه دفاع مشروع مأذون فيه، وما يترتب على المأذون فهو غير مضمون.
وقد قيد حكم هذا الحديث وأمثاله بأن يدافع عن نفسه بالأسهل فالأسهل من وسائل الدفع، وذلك بأن يمكنه تخليص يده بأيسر ما يقدر عليه من فك لحييه أو الضرب في شدقيه ليرسلهما، ونحو ذلك، وظاهر الدليل عدم الاشتراط، لكنهم قالوا: إن هذا القيد مأخوذ من القواعد الكلية العامة في الشرع (١).
° الوجه الرابع: تحريم العض وأنه ليس من شيم بني آدم، وإنما هو من فعل الحيوان، ولهذا شبه عض الآدمي بفعل البهيمة تنفيرًا عن مثل هذا الفعل.
° الوجه الخامس: مشروعية الدفاع عن النفس، وأن الخصومة خصلة ممقوتة، وتزيد بشاعتها إذا كانت بطريقة وحشية. والله تعالى أعلم.
стр. 3711
حكم من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه
١٢٠٧/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأتَ عَينَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وفي لفظٍ لأَحْمَدَ والنّسَائي، وصَححَهُ ابنُ حِبَّانَ: "فَلَا دِيَةَ لَهُ ولَا قِصَاصَ".
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الديات"، باب "من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له" (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨)(٤٤) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري.
ورواه أحمد (١٤/ ٥٤٥)، والنسائي (٨/ ٦١)، وابن حبان (١٣/ ٣٥١) من طريق النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من اطلع إلى بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية له ولا قصاص".
وهذا سند صحيح، وإنما أورد الحافظ هذه الرواية لأن فيها زيادة حكم على ما تقدم، وهو نفي الدية والقصاص، ولهذا بوب البخاري على هذا الحديث بنفي الدية -كما تقدم- مع أنه ليس في الخبر الذي ساقه تصريح بذلك، لكنه أشار إلى هذه الزيادة (١).
стр. 3712
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قال أبو القاسم) هذه كنية النبي ﷺ ، وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم: (أن رسول الله ﷺ قال … ).
قوله: (اطلع عليك) هذا لفظ عام يتناول كل مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان، سواء أكان من ثقب أم شَقِّ باب، أم نافذة، أو غير ذلك.
قوله: (فحذفته) بالحاء المهملة؛ أي: رميته بالحصاة، وأصل الحذف: الرمي بحصى أو نوى بين السبابتين، أو بين الإبهام والسبابة.
ويروى بالخاء المعجمة، وقد ذكر القرطبي أن هذه هي الرواية الصحيحة وأن من رواه بالحاء فقد أخطأ، فإن الخذف بالخاء يكون بالحجر، وبالمهملة بالعصا (١)، وتبعه على ذلك النووي، فذكره بالخاء المعجمة فحسب (٢)، قال الحافظ: (ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازًا) (٣).
والتعبير بقوله: "فحذفته بحصاة" إشارة إلى أنه لا يرميه إلا بشيء خفيف كحصاة وبندقة ونحوهما؛ لأن الحذف لا يكون إلا بالشيء الخفيف.
قوله: (ففقأت عينه) بالهمز؛ أي: شققتها فخرج ما فيها، أو أطفأت نورها.
قوله: (جناح) رواية مسلم: "من جناح" والجناح بالضم: هو الإثم، وعند مسلم: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه" وهذا نصر في الإباحة والتحليل.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الاطلاع على أحوال الناس في منازلهم والنظر إليهم، ولهذا ينبغي للمستأذن ألا يقف أمام الباب، بل ينحرف عنه يمينًا أو شمالًا، لئلا يطلع على شيء لا يليق الاطلاع عليه وقت فتح الباب، لحديث هزيل قال: جاء رجل فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب مستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ : "هكذا -عنك-
стр. 3713
أو هكذا، فإنما جعل الاستئذان من أجل النظر" (١).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من اطلع على بيت غيره بغير إذنه فإنه لا حرمة له ولا لنظره، ولو حذفه صاحب المنزل بحصاة ففقأ عينه لم يكن عليه إثم ولا ضمان لا بقصاص ولا دية؛ لأن هذا دفاع مأذون فيه، والمترتب على المأذون فيه غير مضمون، وظاهر الحديث -كما تقدم- أنه لا يرميه بثقيل أو يرشقه بنُشَّابة، فإن فعل تعلق به القصاص أو الدية، وإنما يرميه بالشيء الخفيف كالمِدْرَى (٢) والبندق والحصاة، لقوله: "فحذفته" (٣). وهذا قول الشافعي وأحمد (٤).
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن عليه القصاص إن فقأ عينه (٥)، واستدلوا بأن هذا الناظر لو دخل المنزل ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه فمجرد النظر أولى.
وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والتخويف والمبالغة في الزجر.
والصواب القول الأول، فإن الحديث نص صريح في الإذن في فقءِ عين الناظر، وما علل به أصحاب القول الثاني مصادم للنص، فلا يلتفت إليه، والقياس على من دخل المنزل قياس مع الفارق، فإن الداخل يُعلم به فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب الباب ونحوه.
° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره، ويؤيد هذا حديث أنس ﵁ أن رجلًا اطلع في بعض حُجَرِ النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل يختله ليطعنه (٦).
والقول الثاني: أنه لا بد من نهيه وإنذاره قبل رميه، وكأن هذا القائل نظر إلى قاعدة الدفع بالأسهل فالأسهل. والله تعالى أعلم.
стр. 3714
حكم ما أفسدته الماشية ليلًا
١٢٠٨/ ٤ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب ﵁ قال: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بالنهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَن حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بالليلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفي إسْنَادِهِ اخْتِلَاف.
° الكلام مع عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٠/ ٥٦٨)، وأبو داود (٣٥٧٠) في كتاب "البيوع"، باب "المواشي تفسد زرع قوم" (٣٥٧٠)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٤)، وابن حبان (١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥) من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيِّصة، عن البراء بن عازب ﵁، قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فكُلِّم رسول الله ﷺ فيها فقضى … الحديث.
وهذا السياق لأبي داود.
وهذا الحديث مداره على الزهري، وفي سنده اختلاف، كما ذكر الحافظ، وهذا الاختلاف في وصله وفي إرساله وفي الزيادة في بعض أسانيده، كما سيتبين.
وقد رواه عن الأوزاعي موصولًا محمد بن مصعب، كما عند أحمد، والفريابي عند أبي داود، والوليد بن مسلم عند النسائي، وأيوب بن سويد عند الشافعي (٢/ ١١٨) ومن طريقه الدارقطني (٣/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ٣٤١).
وتابع الأوزاعي على وصله عبدُ الله بن عيسى، عن الزهري، رواه ابن
стр. 3715
ماجه (٢٣٣٢)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٤) وقرن النسائي بعبد الله بن عيسى إسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ثقة محتج به في "الصحيحين"، فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله (١).
وروي مرسلًا، فقد رواه مالك (٢/ ٧٤٧) ومن طريقه أحمد (٣٩/ ٩٧) عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقة للبراء … وهذا مرسل صحيح، رجاله ثقات.
قال ابن عبد البر: (هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به … ) (٢).
وتابع مالكًا الليث، عن الزهري، عن ابن محيصة الأنصاري -لم يسمه- أن ناقة للبراء … رواه ابن ماجه (٢٣٣٢).
وتابعهما سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعيد بن محيصة، أن ناقة للبراء … فتابع سعيد حرامًا عليه. رواه أحمد (٣٩/ ١٠١)، والبيهقي (٨/ ٣٤٢).
قال الطحاوي: (وإن كان الأوزاعي قد وصله فإن مالكًا والأثبات من أصحاب الزهري قد قطعوه) (٣)، وهو بهذا يرجح الإرسال، ولا شك أن الإرسال أرجح، فقد رواه بذلك أكثر من عشرة أنفس (٤).
ورواه عبد الرزاق (١٨٤٣٧) ومن طريقه أبو داود (٣٥٦٩) عن معمر، عن الزهري، فقال فيه: عن حرام بن محيصة، عن أبيه، أن ناقة للبراء … فزاد: عن أبيه.
قال أبو داود: لم يُتَابَعْ عبد الرزاق، وقال محمد بن يحيى الذهلي: لم