حكم من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه
١٢٠٧/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأتَ عَينَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وفي لفظٍ لأَحْمَدَ والنّسَائي، وصَححَهُ ابنُ حِبَّانَ: "فَلَا دِيَةَ لَهُ ولَا قِصَاصَ".
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب "الديات"، باب "من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له" (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨)(٤٤) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهذا لفظ البخاري.
ورواه أحمد (١٤/ ٥٤٥)، والنسائي (٨/ ٦١)، وابن حبان (١٣/ ٣٥١) من طريق النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من اطلع إلى بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية له ولا قصاص".
وهذا سند صحيح، وإنما أورد الحافظ هذه الرواية لأن فيها زيادة حكم على ما تقدم، وهو نفي الدية والقصاص، ولهذا بوب البخاري على هذا الحديث بنفي الدية -كما تقدم- مع أنه ليس في الخبر الذي ساقه تصريح بذلك، لكنه أشار إلى هذه الزيادة (١).
стр. 3712
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قال أبو القاسم) هذه كنية النبي ﷺ ، وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم: (أن رسول الله ﷺ قال … ).
قوله: (اطلع عليك) هذا لفظ عام يتناول كل مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان، سواء أكان من ثقب أم شَقِّ باب، أم نافذة، أو غير ذلك.
قوله: (فحذفته) بالحاء المهملة؛ أي: رميته بالحصاة، وأصل الحذف: الرمي بحصى أو نوى بين السبابتين، أو بين الإبهام والسبابة.
ويروى بالخاء المعجمة، وقد ذكر القرطبي أن هذه هي الرواية الصحيحة وأن من رواه بالحاء فقد أخطأ، فإن الخذف بالخاء يكون بالحجر، وبالمهملة بالعصا (١)، وتبعه على ذلك النووي، فذكره بالخاء المعجمة فحسب (٢)، قال الحافظ: (ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازًا) (٣).
والتعبير بقوله: "فحذفته بحصاة" إشارة إلى أنه لا يرميه إلا بشيء خفيف كحصاة وبندقة ونحوهما؛ لأن الحذف لا يكون إلا بالشيء الخفيف.
قوله: (ففقأت عينه) بالهمز؛ أي: شققتها فخرج ما فيها، أو أطفأت نورها.
قوله: (جناح) رواية مسلم: "من جناح" والجناح بالضم: هو الإثم، وعند مسلم: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه" وهذا نصر في الإباحة والتحليل.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الاطلاع على أحوال الناس في منازلهم والنظر إليهم، ولهذا ينبغي للمستأذن ألا يقف أمام الباب، بل ينحرف عنه يمينًا أو شمالًا، لئلا يطلع على شيء لا يليق الاطلاع عليه وقت فتح الباب، لحديث هزيل قال: جاء رجل فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب مستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ : "هكذا -عنك-
стр. 3713
أو هكذا، فإنما جعل الاستئذان من أجل النظر" (١).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من اطلع على بيت غيره بغير إذنه فإنه لا حرمة له ولا لنظره، ولو حذفه صاحب المنزل بحصاة ففقأ عينه لم يكن عليه إثم ولا ضمان لا بقصاص ولا دية؛ لأن هذا دفاع مأذون فيه، والمترتب على المأذون فيه غير مضمون، وظاهر الحديث -كما تقدم- أنه لا يرميه بثقيل أو يرشقه بنُشَّابة، فإن فعل تعلق به القصاص أو الدية، وإنما يرميه بالشيء الخفيف كالمِدْرَى (٢) والبندق والحصاة، لقوله: "فحذفته" (٣). وهذا قول الشافعي وأحمد (٤).
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن عليه القصاص إن فقأ عينه (٥)، واستدلوا بأن هذا الناظر لو دخل المنزل ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه فمجرد النظر أولى.
وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والتخويف والمبالغة في الزجر.
والصواب القول الأول، فإن الحديث نص صريح في الإذن في فقءِ عين الناظر، وما علل به أصحاب القول الثاني مصادم للنص، فلا يلتفت إليه، والقياس على من دخل المنزل قياس مع الفارق، فإن الداخل يُعلم به فيستتر منه، بخلاف الناظر من ثقب الباب ونحوه.
° الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره، ويؤيد هذا حديث أنس ﵁ أن رجلًا اطلع في بعض حُجَرِ النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل يختله ليطعنه (٦).
والقول الثاني: أنه لا بد من نهيه وإنذاره قبل رميه، وكأن هذا القائل نظر إلى قاعدة الدفع بالأسهل فالأسهل. والله تعالى أعلم.
стр. 3714
حكم ما أفسدته الماشية ليلًا
١٢٠٨/ ٤ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب ﵁ قال: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بالنهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَن حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بالليلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفي إسْنَادِهِ اخْتِلَاف.
° الكلام مع عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٠/ ٥٦٨)، وأبو داود (٣٥٧٠) في كتاب "البيوع"، باب "المواشي تفسد زرع قوم" (٣٥٧٠)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٤)، وابن حبان (١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥) من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيِّصة، عن البراء بن عازب ﵁، قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فكُلِّم رسول الله ﷺ فيها فقضى … الحديث.
وهذا السياق لأبي داود.
وهذا الحديث مداره على الزهري، وفي سنده اختلاف، كما ذكر الحافظ، وهذا الاختلاف في وصله وفي إرساله وفي الزيادة في بعض أسانيده، كما سيتبين.
وقد رواه عن الأوزاعي موصولًا محمد بن مصعب، كما عند أحمد، والفريابي عند أبي داود، والوليد بن مسلم عند النسائي، وأيوب بن سويد عند الشافعي (٢/ ١١٨) ومن طريقه الدارقطني (٣/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ٣٤١).
وتابع الأوزاعي على وصله عبدُ الله بن عيسى، عن الزهري، رواه ابن
стр. 3715
ماجه (٢٣٣٢)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٤) وقرن النسائي بعبد الله بن عيسى إسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ثقة محتج به في "الصحيحين"، فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله (١).
وروي مرسلًا، فقد رواه مالك (٢/ ٧٤٧) ومن طريقه أحمد (٣٩/ ٩٧) عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقة للبراء … وهذا مرسل صحيح، رجاله ثقات.
قال ابن عبد البر: (هذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به … ) (٢).
وتابع مالكًا الليث، عن الزهري، عن ابن محيصة الأنصاري -لم يسمه- أن ناقة للبراء … رواه ابن ماجه (٢٣٣٢).
وتابعهما سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعيد بن محيصة، أن ناقة للبراء … فتابع سعيد حرامًا عليه. رواه أحمد (٣٩/ ١٠١)، والبيهقي (٨/ ٣٤٢).
قال الطحاوي: (وإن كان الأوزاعي قد وصله فإن مالكًا والأثبات من أصحاب الزهري قد قطعوه) (٣)، وهو بهذا يرجح الإرسال، ولا شك أن الإرسال أرجح، فقد رواه بذلك أكثر من عشرة أنفس (٤).
ورواه عبد الرزاق (١٨٤٣٧) ومن طريقه أبو داود (٣٥٦٩) عن معمر، عن الزهري، فقال فيه: عن حرام بن محيصة، عن أبيه، أن ناقة للبراء … فزاد: عن أبيه.
قال أبو داود: لم يُتَابَعْ عبد الرزاق، وقال محمد بن يحيى الذهلي: لم
стр. 3716
يتابع معمر على ذلك. فجعل الخطأ من معمر. فعليه فهي زيادة شاذة.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه يجب على أهل الحوائط، وهي البساتين والمزارع حفظ بساتينهم في النهار؛ لأنهم منتشرون فيها، يحرثون ويزرعون ويجنون، وأما المواشي فهذا أوان رعيها التي جرت عادتها أن ترعى فيه.
وأما في الليل فأصحاب البساتين ينامون ويرتاحون من الكد والتعب في النهار، والغالب أن البساتين مشرعة ليس عليها حائط، والليل ليس وقت رعي، فيلزم أصحاب المواشي حفظها بالليل؛ لئلا تفسد على الناس مزارعهم وهم نائمون.
فإذا حصل إفساد في النهار فلا ضمان على أهلها؛ لأن التفريط من أهل البستان، إلا إذا رعى ماشيته في النهار قرب مزرعة، والمزرعة ليس عليها سور أو نحوه، فعليه الضمان؛ لأن البهيمة في مثل هذا تذهب وتأكل، وقد قال النبي ﷺ : "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه" (١).
وإن حصل منها إفساد في الليل فعلى صاحبها ضمان ما أفسدته إذا كان مفرطًا في حفظها، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد (٢)، لهذا الحديث، أما إذا لم يفرط بأن حفظها برباط أو شَبْكٍ أو سور، ثم انطلقت مع تمام الحفظ فلا ضمان على صاحبها؛ لأنه لم يفرط.
وقد استدل الفقهاء -أيضًا- على حكم الضمان بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] والنفش: الرعي ليلًا، وقد روى المفسرون أن سليمان ﵇ حكم في هذه القضية أن يُدفع الحرث لصاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الحرث فيصيب منها، والآية تشهد لهم -على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ-.
стр. 3717
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ضمان على أرباب البهائم فيما أتلفت لا في الليل ولا في النهار، إلا أن يكون صاحبها راكبًا، أو قائدًا، أو سائقًا، أو مرسلًا (١).
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁: "العجماء جرحها جبار" (٢)؛ أي: هدر، والمعنى: أن جناية البهيمة هدر غير مضمون.
والراجح القول الأول، لقوة مأخذه، ويؤيده العمومات الموجبة لحفظ الأموال، ومنها: "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، وأما حديث "العجماء جرحها جبار" فهو عام مخصوص بحديث البراء السابق، والخاص مقدم على العام (٤).
وأما البهائم التي يهملها أصحابها فتتعرض للناس في طرقهم ويحصل بسببها الوفيات الجماعية وإزهاق النفوس البريئة، فلا شك أنهم ظالمون معتدون آثمون، ولا ريب أنها هدر، أما ما يحدث من جرائها وتضمين صاحبها فهذا يرجع فيه إلى القاضي وما يراه بناء على التقارير بشأن ما يحصل. والله تعالى أعلم.
стр. 3718
ما جاء في قتل المرتد واستتابته
١٢٠٩/ ٥ - عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁ في رَجُلٍ أَسْلَمَ ثمّ تَهَوَّدَ: لَا أَجْلِسُ حَتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وفِي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذلِكَ.
١٢١٠/ ٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ما قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث معاذ ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب "استتابة المرتدين"، باب، حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم"، ومسلم (٣/ ١٤٥٦) من طريق قرة بن خالد، حدثني حميد بن هلال، حدَّثنا أَبو بردة، عن أبي موسى ﵁، قال: أقبلت إلى رسول الله على ومعي رجلان … وساق الحديث، وفيه: بَعْثُ أبي موسى ﵁ إلى اليمن، ثم معاذ ﵁ بعده، وفيه: فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فاسلم، ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتَّى يقتل، قضاءُ رسول الله ﷺ (ثلاث مرات)، فأمر به فقتل … الحديث.
ورواه أَبو داود (٤٣٥٥) من طريق طلحة بن يحيى، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قدم عليَّ معاذ وأنا باليمن، ورجل كان يهوديًّا فاسلم فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ، قال: لا أنزل
стр. 3719
عن دابتي حتَّى يقتل فقتل، قال أحدهما (١): وكان قد استتيب قبل ذلك.
وأما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد رواه البخاري في الباب المذكور (٦٩٢٢) من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: أُتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عبَّاس ﵄ فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم؛ لنهي رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا بعذابي" ولقتلتهم؛ لقول الرسول ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (من بدل دينه) صيغة عموم تشمل الذكر والأنثى، وتبديل الدين هو الردة، والمراد بالدين: الدين الإسلامي؛ لأنه هو الدين الحق، والمعنى: من بدل دينه الإسلامي بغيره من الأديان، والردة تحصل بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالترك، كان يعتقد ما يقتضي الكفر، كأن ينكر وجود الله تعالى، أو وحدانيته، أو يكره ما أنزل الله، أو بالفعل كالسجود للصنم، أو بالقول كالاستهزاء؛ بالله تعالى أو برسوله، أو القدح بشيء من أحكام الشريعة ولو تعريضًا، وهذا أمر عظيم وقع فيه فئام من الناس، والترك كترك الصلاة أو ترك الحكم بما أنزل الله رغبة عنه.
قوله: (فاقتلوه) هذا أمر يراد به الوجوب ولا صارف له.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب قتل المرتد إذا ثبتت جريمة الردة عليه، وهو مسلم بالغ عاقل مختار عالم بالتحريم.
ويؤيد حديث الباب ما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁: "لا يحل دم امرئ مسلم … فذكر: التارك لدينه المفارق للجماعة" على أن المراد به المرتد، أما إن فُسِّرَ بالمحارب قاطعِ الطَّرِيق فلا شاهد فيه على ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
стр. 3720
وقد دل على هذا عمل الصحابة ﵃، كما في حديث معاذ ﵁، وقد نقل ابن قدامة وغيره إجماع أهل العلم على وجوب قتل الرجل المرتد، وقال: (روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عبَّاس وخالد وغيرهم ﵃، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا) (١)؛ ولأن ردة الشخص تضر المسلمين وتسبب ردة غيره وتساهله، وقتله حسم لباب الشر وردع لغيره من أن يعمل عمله.
• الوجه الرابع: استدل الجمهور من الحنابلة والمالكية والشَّافعية بحديث ابن عبَّاس ﵄ على أن المرأة المرتدة تقتل كالرجل، لعموم: "من بدل دينه" (٢).
وذهبت الحنفية إلى أن المرأة المرتدة لا تقتل، ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام (٣)، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فانكر قتل النساء والصبيان (٤)؛ ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارئ، كالصبي.
والراجح القول الأول؛ لقوة دليله؛ ولأن المرأة شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل فيقتل كالرجل.
وأما حديث ابن عمر ﵄ فهو محمول على الكافرة الأصلية لا المرتدة؛ لأن النبي ﷺ قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، وقد نهى النبي ﷺ الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء، ولم يكن فيهم مرتد (٥). فيكون حديث الباب خاصًّا؛ فيقدم على غيره من العمومات.
стр. 3721
• الوجه الخامس: استدل بحديث معاذ وابن عبَّاس ﵄ من قال: إن استتابة المرتد غير واجبة، بل هي مستحبة، وهذا قول الحنفية، وقول عند الشَّافعية والحنابلة (١)؛ لأنه على أمر بقتل المرتد ولم يأمر باستتابته، ولو كانت واجبة لأمر بها، وكذا حديث معاذ ﵁.
والقول الثاني: أنَّها تجب استتابة المرتد قبل قتله، وبه قال مالك، وهو المشهور في مذهب الشَّافعية والحنابلة، وهو قول إسحاق (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يخبر جميع الذين كفروا أنهم إن ينتهوا غَفَرَ لهم ما سلف، وهذا معنى الاستتابة، والمرتد من الذين كفروا، والأمر للوجوب.
كما استدلوا بحديث جابر ﵁ أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلَّا قتلت (٣)؛ ولأن الردة إنما تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال؛ ولأنه أمكن إصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه.
والأظهر أنَّه يجوز قتله في الحال، لظاهر الحديث، لكن إن رأى الإِمام المصلحة في تأجيله واستتابته فله ذلك، وعليه يحمل ما ورد من الآثار، وتتحقق توبته بإتيانه بالشهادتين وإقراره بما جحد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين أنَّه تقبل توبة المرتد في الجملة) (٤).
وأما الآية فهي في الكافر الأصلي، وأما حديث جاب ﵁ فهو ضعيف، فيه معمر بن بكار السعدي، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا
стр. 3722
تعديلًا (١)، وقال العقيلي: (في حديثه وهم، ولا يتابع على أكثره) (٢)، وقال الذهبي: (صويلح) (٣).
• الوجه السادس: في هذا الحديث منقبة عظيمة لمعاذ ﵁ وهي غيرته على الإسلام وقوته في أمر الله تعالى، وحرصه على تنفيذ حدود الله تعالى، فإنه لما عرف الحقيقة أَبى أن ينزل عن دابته حتَّى ينفذ حكم الله تعالى في هذا المرتد، فدل ذلك على أنَّه ينبغي للمؤمن ولولاة الأمور المبادرة إلى أوامر الله تعالى ورسوله، والمسارعة إلى تنفيذ حدوده، والحرص على عدم تأخيرها لأسباب لا وجه لها، ولعل أبا موسى أَخَّرَهُ لأنه كان يرجو إسلامه. والله تعالى أعلم.
стр. 3723
وجوب قتل من سبَّ النبي ﷺ -
١٢١١/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْمى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ نَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيلَةٍ أَخَذَ الْمِغْوَلَ، فَجَعَلَهُ في بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبي ﷺ فَقَال: "ألَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أَبو داود في كتاب "الحدود"، باب "الحكم فيمن سبَّ النبي ﷺ ، (٤٣٦١)، والنَّسائي (٧/ ١٠٧ - ١٠٨) من طريق إسماعيل بن جعفر، قال: حدثني إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة، قال: حدَّثنا ابن عبَّاس ﵄ أن أعمى كانت له أم ولد … وذكر الحديث بطوله، وقد ساق منه الحافظ القدر المقصود.
وهذا حديث صحيح، قال ابن عبد الهادي: (في إسناده عثمان الشحام احتج به مسلم، وعكرمة إمام، واحتج به البخاري، وباقي الإسناد مخرج لهم في الصحيح) (١).
وقد احتج الإِمام أحمد بهذا الحديث على قتل الذِّمِّيُّ إذا سب الرسول ﷺ (٢).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (له أم ولد) أي: له جارية يطؤها، وله منها ولد، والظاهر أنَّها غير مسلمة، بدليل أنَّها كانت تجترئ على يسب النبي ﷺ .
стр. 3724
قوله: (تشتم النبي ﷺ ) الشتم: هو السب، والمراد هنا: وصف النبي ﷺ بالعيب والنقص، والاعتراض على شريعته، يقال: شتمه يشتمه، من باب (ضرب وقتل).
قوله: (وتقع فيه) يقال: وقع فيه: إذا عابه وذمه.
قوله: (فلما كان ذات ليلة) يجوز رفع ذات على أنَّها فاعل لـ (كان)، ويجوز النصب على أنَّها خبر، واسمها مقدر؛ أي: فلما كان الوقت أو الزمان، ويجوز نصبه على الظرفية؛ أي: كان الأمر في ذات ليلة. وذات ليلة: قيل معناه: ساعة من ليلة، وقيل معناه: ليلة من الليالي، وذات مقحمة.
قوله: (المغول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة، على وزن منبر، قال في "القاموس": (حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلافًا) (١)، وقال الخطابي: (شِبْهُ المِشْمِلِ، ونَصْلُهُ دقيق ماضٍ) (٢)، والمشمل: السيف القصير، سمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل؛ أي: يغطيه بثوبه، واشتقاق المغول من غاله الشيء واغتاله: إذا أخذه من حيث لم يدر (٣).
وضبطه الصنعاني بكسر الميم وسكون العين المهملة، (٤) وهو في "السنن" بالغين المعجمة، كما تقدم.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب قتل من سب النبي ﷺ وأن دمه هدر، فإن كان الساب مسلمًا كان ذلك ردة، فيقتل بإجماع أهل العلم، على ما تقدم في حكم المرتد، وإن كان من أهل العهد فيقتل على خلاف بين أهل العلم في استتابته، وينتقض عهده بذلك.
وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي ﷺ صريحًا فإنه يجب قتله، وممن حكى الإجماع إسحاق بن راهويه، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وآخرون.
ويؤيد ذلك أن مفسدة السبِّ لا تزول إلَّا بالقتل؛ لأن السابَّ متى
стр. 3725
استبقي طمع هو وغيره في السب الذي هو من أعظم الفساد في الأرض كقاطع الطَّرِيق سواء، بخلاف المرأة المقاتلة فإنها إذا أُسرت زالت مفسدة مقاتلتها (١).
ولأن سب الرسول ﷺ تعلق به عدة حقوق، فهو سب لمن أرسله، وفيه منافاة لحق الرسول ﷺ الذي هو أوجب الحقوق البشرية، فإن حقه التعظيم والإجلال والتوقير، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨، ٩]، كما أن سب الرسول ﷺ فيه تنقص لشريعته، وقدح في الدين، فصار سب الرسول ﷺ متضمنًا ثلاثة أمور كلها كفر: سَبَّ الله، وسَبَّ الرسول، وسَبَّ شريعته (٢). وقد تعلق بهذا الأمر ثلاثة حقوق:
١ - حق الله: حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه، وطعن في كتابه ودينه وألوهيته، فَسَبُّ الرسول سَبٌّ لمن أرسله.
٢ - حق الرسول: لأن حقه التعظيم.
٣ - حق المؤمنين: الذين آمنوا به، وما قام أمر دينهم وآخرتهم إلَّا به.
• الوجه الرابع: الجمهور من أهل العلم على قبول توبة الساب إذا علمنا صدق توبته بتعظيم النبي ﷺ ومدافعته عن شريعته، لعموم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، لكن وقع الخلاف في سقوط القتل عنه، فمنهم من قال: يسقط عنه القتل؛ لأن قتله لردته، فإذا تاب زال عنه سبب القتل، وهؤلاء لا يفرقون بين سب الله وسب رسوله ﷺ ، ويرون الحدود تسقط بالتوبة قبل القدرة.
والقول الثاني: أنَّه يقتل، لحق النبي ﷺ وهو لا يسقط بالتوبة، كسائر حقوق الآدميين، فإذا قتل عومل معاملة المسلمين.
ولو قيل إن هذا يرجع إلى رأي الإِمام حسب المصلحة لكان له وجاهة (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3726
كتاب الحدود
باب حدَّ الزاني
الحدود في اللغة: مفردها حد، وهو بمعنى المنع، وهو على كثرة إطلاقاته وسعة مدلولاته لا يخرج عن هذا المعنى.
وسميت هذه العقوبات الشرعية حدودًا لعلة المنع، لكن مورد المنع إما لأنها تمنع عن المعاودة، أو لأنها زواجر عن محارم الله، أو لأنها مقدرة من الشارع تُمنع الزِّيادة فيها والنقصان.
وأما الحد شرعًا: فتكاد تتفق عبارات الفقهاء على تعريفه، وهو: عقوبة بدنية مقدرة شرعًا لأجل حق الله تعالى.
وقولنا: (عقوبة) جنس في التعريف يشمل المقدرة وغير المقدرة، البدنية وغيرها.
وقولنا: (بدنية) قيد أول يخرج العقوبة المالية، كجزاء الصيد.
وقولنا: (مقدرة) قيد ثانٍ يخرج التعزير؛ لأنه غير مقدر، كما سيأتي.
وقولنا: (شرعًا) قيد ثالث يفيد بأنها توقيفية من الشارع، فخرج العقوبات المقدرة في القوانين الوضعية فلا تسمى حدودًا.
وقولنا: (لأجل حق الله تعالى) قيد رابع يخرج ما كان حقًّا للعبد، وهو القصاص في النفس أو الطرف، وهذا باعتبار الأغلب؛ لأن القصاص وإن كان فيه حق لله تعالى إلَّا أنَّه غلب فيه جانب حق الآدمي، ولهذا إذا عفا الأولياء سقط، بخلاف الحد فلا يجوز العفو عنه، كما سيأتي.
واعلم أن إطلاق الحدود على العقوبات المقدرة اصطلاح جرى عليه
стр. 3727
الفقهاء، ولعلهم قصدوا بذلك أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن القيم أن هذا اصطلاح حادث، وأن الحد في لسان الشرع أعم وأشمل، فهو يشمل العقوبة المقدرة وغير المقدرة، كما يشمل نفس الجناية، وهي المعصية، كقوله تعالى: " ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] (١).
والحكمة من مشروعية الحدود: أنَّها جوابر وزواجر، فهي كفارة لمن أقيمت عليه، لقوله ﷺ بعد ذكر شيء من الجرائم الحدية: "ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له" (٢)، وهي زواجر للفاعل عن المعاودة، ولغيره من أن يفعل فعله، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحدود تردع العصاة، وتمنع من انتشار الفساد وشيوع الجرائم، وتحقق الأمن في البلاد، وفيها حفظ الأنساب والأعراض والعقول والأموال.
وقوله: (باب حد الزاني) في بعض النسخ: (حد الزنا) وهو يوافق حد القذف وحد السرقة، والأول يوافق باب (حد الشارب … ).
والزنا: اسم مقصور على لغة الحجاز، وهي لغة القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وهو مصدر زنى يَزْنِي زنًا فهو زانٍ، والجمع زناة، مثل: قضى يقضي قضاءً فهو قاضٍ وهم قضاة، ويجوز فيه المد على لغة نجد، وقيل: لبني تميم منهم خاصة.
والأصل أن تكتب الكلمة بالألف المقصورة؛ لأنه يائي اللام، وعليه الرسم في القرآن، ويجوز كتابتها بالألف الممدودة (الزنا).
وعند الفقهاء: أن يجامع الرجل من لا يحل له جماعها في فرجها.
стр. 3728
ولا خلاف بين الفقهاء أن الجماع في الفرج زنا، وإنَّما الخلاف فيما لو وطئها في الدبر، فالجمهور من المالكية والشَّافعية والحنابلة أنَّه زنا، فيعاقب الواطئ في الدبر بعقوبة الزنا، قال الموفق: (والوطء في الدبر مثله -أي: مثل الوطء في القبل- في كونه زنا؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك فيها ولا شبهة، فكان زنا كالوطء في القبل) (١). وعلى هذا فيكون تعريفه: أن يجامع الرجل من لا يحل له جماعها في قبلها أو دبرها.
وعند الحنفية أن الوطء في الدبر كاللواط لا حد فيه، بل فيه التعزير (٢).
стр. 3729
ما جاء في حد الزاني
١٢١٢/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ وَزَيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَني ﵄؛ أَن رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتى رَسُولَ اللهِ على فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ باللهِ إِلا قَضَيتَ لي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالى، فَقَال الآخَرُ - وَهُوَ أفقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَينَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأذَنْ لي، فَقَال: "قُلْ"، قَال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْني الرَّجْمَ، فَافْتَدَيتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُوني أَنَّما عَلَى ابْني جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هذَا الرَّجْمَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأقْضِينَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَهذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع كثيرة من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الوكالة"، كما تقدم في "البيوع"، ومنها: في "الحدود"، باب "الاعتراف بالزنا" (٦٨٢٧، ٦٨٢٨)، ومسلم (١٦٩٧ - ١٦٩٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ وزيد بن خالد ﵄ أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب … الحديث، واللفظ لمسلم، كما قال الحافظ.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من الأعراب) هو اسم جمع لا مفرد له من لفظه، والأعرابي:
стр. 3730
نسبة إلى الجمع؛ لأنه جرى مجرى القبيلة، وهم من سكن البادية من العرب، ويجمع على أعاريب، والعرب: خلاف العجم، وهم سكان الأمصار، أو هو عام فيمن سكن البادية والأمصار.
قوله: (أنشدك بالله) هكذا بإثبات حرف الجر في المخطوطة وبعض نسخ "البلوغ"، وليس مثبتًا في "صحيح مسلم" مع أن اللفظ له، ولا في نسخ الشرح. و (أنشدك) بفتح الهمزة، وسكون النون، وضم الشين، من قولهم: نشده: إذا سأله رافعًا نشيدته؛ أي: صوته، هذا أصله، ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد ولو لم يكن هناك رفع صوت، وضمن معنى أنشدك: أُذَكِّرُكَ، ولهذا حذف حرف الجر.
قوله: (إلَّا قضيت لي) هذا استثناء مفرغ، والفعل مؤول بالمصدر المتصيد، والتقدير: لا أنشدك إلَّا القضاء بكتاب الله، وقيل: المعنى: أسألك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا القضاء، فالتاكيد إنما وقع لعدم التشاغل بغيره، لا لأن لقوله: (بكتاب الله) مفهومًا.
والقضاء: هو الفصل في الخصومات.
قوله: (بكتاب الله) أي: حكم الله وشرعه، وهو يشمل ما أنزل الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ؛ لأنه جاء في الحديث ذكر التغريب، ولرواية: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بالحق".
قوله: (فقال الآخر) هو والد الزاني، والأعرابي هو زوج المرأة المزني بها.
قوله: (وهو أفقه منه) وجه ذلك أنَّه استأذن، وأنه قال: فاقض بيننا، وذاك قال: إلَّا قضيت لي؛ ولأنه سأل أهل العلم.
قوله: (إن ابني) في رواية للبخاري في الباب المذكور: (إن ابني هذا) وهو يدل على حضوره، قال الحافظ: (خلا معظم الروايات عن هذه الإشارة) (١).
стр. 3731
قوله: (عسيفًا على هذا) العسيف: هو الأجير وزنًا ومعنى، والجمع عُسفاء، كأجراء، وقد جاء هذا التفسير مدرجًا في بعض روايات البخاري، وفي حديث عمرو بن شعيب عند النَّسائي: (كان ابني أجيرًا لامرأة هذا) (١)، سمي بذلك من العسف، وهو الجور؛ لأن المستأجر يعسفه على العمل، و (على) بمعنى عند، والظاهر أن الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له منها، والإشارة إلى الرجل الأول، وهو زوج المرأة.
قوله: (فأخبرت) بالبناء لما لم يُسَمَّ فاعله؛ وكأن المخبر ظن أن ذلك حق له، له أن يعفو عنه على مال يأخذه.
قوله: (فافتديت منه) الفداء -بكسر الفاء-: ما يقوم مقام الشيء دفعًا للمكروه.
قوله: (ووليدة) الوليدة: فعيلة بمعنى مفعولة، قال الجوهري: (هي الصبية والأمة، والجمع ولائد) (٢).
قوله: (وتغريب عام) التغريب: مصدر غَرَّبَ، وهو النفي عن البلد الذي وقعت فيه الفاحشة، يقال: غَرُبَ الرجل: بَعُدَ، وغَرَّبته: أبعدته.
قوله: (رد عليك) أي: مردود عليك، من إطلاق لفظ المصدر على اسم المفعول، كقولهم: ثوب نسج؛ أي: منسوج.
قوله: (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) هذا حد الزاني غير المحصن، وقد يستدل على أنَّه بكر لم يحصن برواية النَّسائي: (كان أجيرًا لامرأة هذا، وابني لم يحصن) (٣)، ووجب عليه الحد؛ لوجود قرينة تدل على اعترافه، وهي حضوره مع أبيه، كما في رواية: (ابني هذا)، وسكوته عما نسب إليه، أو أنَّه اعترف، ثم إن قوله: (رد عليك) يشعر بأنه قُبِضَ العوض، ولا مقابل له إلَّا الافتداء عن الرجم.
стр. 3732
قوله: (واغد يا أنيس) أي: انطلق، وأصل الغدو الذهاب ما بين صلاة الصبح وطلوع الفجر، ثم كثر حتَّى استعمل في الذهاب والانطلاق في أي وقت كان، ومنه هذا الحديث، ويؤيد ذلك رواية: "قم يا أُنيس فسل امرأة هذا" (١).
وأنيس: هو ابن الضحاك الأسلمي، لرواية: (ثم قال لرجل من أسلم - يقال له: أنيس -: "قم يا أنيس".
قوله: (فإن اعترفت فارجمها) هذا مراد به إعلام المرأة بأن هذا الرجل قد قذفها بابنه، فَيُعَرِّفُها بأن لها عنده حد القذف، فتطالب به أو تعفو عنه، بناء على أن القذف حق للمقذوف، إلَّا أن تعترف بالزنا، فيجب عليها الحد، فاعترفت فرجمت، كما في بعض الروايات، هذا ما ذكره الشراح، وفيه نظر، والظاهر أن المسألة قد اشتهرت، فَطُلِبَ اعتراف المرأة، ولا مجال للقول بالستر هنا، وجاء في رواية للبخاري: (فاعترفت فرجمها) (٢)، وعند مسلم: (فغدا عليها فاعترفت) (٣).
• الوجه الثالث: في هذا الحديث فوائد كثيرة أذكر أهمها، ومن ذلك أن الحديث فيه دليل على جفاء بعض الأعراب لبعدهم عن مواطن العلم والأدب، حيث ناشد الأعرابي النبي ﷺ ألا يحكم له إلَّا بكتاب الله تعالى.
• الوجه الرابع: فيه دليل على حسن خلقه حيث لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يعنفه على سوء أدبه.
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن حد الزاني الذي لم يحصن جلد مائة اتفاقًا، وتغريب عام للحر الذكر، وهو قول المالكية، والرواية المعتمدة في مذهب الحنابلة، وقول للشافعية (٤)، وسيأتي الخلاف في ذلك.
وأما حد الزاني المحصن فهو الرجم بإجماع من يعتد بإجماعه، كما سيأتي أيضًا.
стр. 3733
• الوجه السادس: هذا الحديث من أدلة القائلين بعدم الجلد قبل الرجم في حق المحصن؛ لأن الرسول ﷺ صلى لم يذكره في وقت التعليم واستيفاء الحكم، والمخالف يقول: إن عدم ذكر الجلد لا دليل فيه على نفيه؛ لأن الترك لا عموم له، كما أن الفعل لا عموم له.
• الوجه السابع: في الحديث دليل على أنَّه لا يجوز العفو عن عقوبة الزنا؛ لأنها عقوبة حدية لحق الله تعالى، فلا يملك العبد إسقاطه، سواء أكان المسقط له هو الإِمام، أم المجني عليه، أم المتضرر من جريمة الزنا.
• الوجه الثامن: في الحديث دليل على أن للعالم أن يفتي في مِصْبر فيه من هو أعلم منه إذا أفتى بعلم؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يفتون في زمن النبي ﷺ ، لقوله: "ثم سألت أهل العلم.
• الوجه التاسع: الحديث فيه دليل على أن من أقدم على محرم جهلًا أنَّه لا يؤدب بل يعلم؛ لأن والد الزاني افتدى الحد من ابنه بمائة شاة ووليدة ظانًّا جواز ذلك، فأعلمه النبي ﷺ بحكم الله تعالى، ورَدَّ العوض.
• الوجه العاشر: في الحديث دليل على جواز الوكالة في إقامة الحدود، لقوله: "واغْدُ يا أنيس … "، وقد بوب البخاري في كتاب "الوكالة" على ذلك، وساق هذا القدر من الحديث، وأشار إلى شيء من ذلك في آخر كتاب "الحدود"، وقد تقدم أن الحافظ أورد هذا القدر في باب "الوكالة" من كتاب "البيوع". والله تعالى أعلم.
стр. 3734
ما جاء في الجمع بين الجلد والرجم
١٢١٣/ ٢ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الحدود"، باب "حد الزنى" من طريق هُشَيْم، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (خذوا عني) أي: تلقوا عني حكم حد الزنا.
قوله: (خذوا عني) توكيد لفظي، وتكرير اللفظ يدل على ظهور أمر كان قد خفي شأنه واهتم به.
قوله: (فقد جعل الله لهن سبيلًا) الضمير يعود على النساء الزواني، وسبيلًا: أي: خلاصًا عن إمساكهن في البيوت بحد واضح في حق المحصن وغيره، حيث بين النبي ﷺ أن ما ذكر في هذا الحديث من الحد هو بيان لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].
قوله: (البكر بالبكر) البكر: مبتدأ وما بعده متعلق بمحذوف حال؛ أي:
стр. 3735
البكَر يَزْنِي بالبكر، و (جلد مائة) مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: عليهما جلد مائة، والجملة خبر لقوله: (البكر)، والبكر في الأصل: الشاب الذي لم ينكح، والشابة التي لم تُنكح، والمراد هنا: من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل.
وقوله: (بالبكر) خرج مخرج الغالب، فليس على سبيل الاشتراط؛ لأنه يجب الجلد على البكر سواء زنى ببكر مثله أو ثيب، كما تقدم في قصة العسيف.
قوله: (والثيب بالثيب) الثيب: من تزوج من الرجال والنساء، قال أهل اللغة: الثيب يقع على الرجل والمرأة، وبه جاء هذا الحديث، والمراد هنا: من جامع في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل. وقوله: (بالثيب) خرج مخرج الغالب على ما تقدم.
قوله: (نفي سنة) النفي هو الإبعاد عن الوطن، والمراد به نفي الزاني عن البلد الذي وقعت فيه الجناية.
• الوجه الثالث: الظاهر من سياق هذا الحديث أن آية سورة النساء جاءت لبيان العقوبة في أول الإسلام، وهي الحبس، فإن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يشعر بأن هذا الحكم نزل لوقت محدد، وأن الله تعالى سيبدله بحكم آخر، ثم جاء تغييره بما دل عليه حديث عبادة ﵁ من ثبوت الحد.
• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن حد الزاني البكر من ذكر أو أنثى أن يجلد مائة ويغرب عامًا، أما الجلد فهو مجمع عليه كما تقدم، وأما التغريب فالقول به في حق الحر الذكر هو قول الجمهور (١) -كما تقدم-؛ لحديث عبادة هذا؛ فإنه ﷺ جمع الجلد مع التغريب وعطف أحدهما على الآخر، والجلد عقوبة حدية باتفاق، فيكون التغريب عقوبة حدية؛ لأن العطف يقتضي التشريك، كما استدلوا بحديث العسيف المتقدم.
стр. 3736
والقول الثاني: أن البكر لا يغرب إلَّا أن يراه الإِمام، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عند الحنابلة (١)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والآية لم تذكر التغريب، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله، والزِّيادة على كتاب الله نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد كهذا الحديث، فتبقى دلالة الآية، ويرد ما عداها.
والصواب القول الأول، لقوة أدلته ووضوح مأخذه، وما قالته الحنفية غير مسلم، فإن الزِّيادة على النص لا تكون ناسخة؛ لأن النسخ إبطال ورفع الحكم، ونحن لم نقل بإبطال الجلد، بل نقول بإيجابه وزيادة التغريب عليه بدلالة السنة.
• الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث فقهاء الشَّافعية والحنابلة على وجوب تغريب المرأة كالرجل، لقوله: "البكر بالبكر".
وقالت المالكية والأوزاعي: إن المرأة لا تغرب (٢)؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في نهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج، ويكون عموم حديث الباب مخصوصًا بأحاديث النهي عن سفر المرأة بدون محرم.
وهذا قول قوي؛ لأن تغريبها بدون محرم تعريض لها للفتنة وتضييع لها، وتغريبها مع محرمها يفضي إلى تغريب من لا ذنب له، وإن كلفت دفع أجرة له فقد كلفت بشيء زائد على عقوبتها المنصوصة بالشرع، لكن إن وجد محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب فإنها تغرب عملًا بأدلة التغريب، وإن لم يوجد فلا تغرب، لما تقدم، قال الموفق: (وقول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها) (٣)، وعلى هذا فيسقط عنها التغريب، وقد ذكر الشنقيطي قاعدة وهي: أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (٤).
стр. 3737
ويرى بعض أهل العلم أنَّها تحبس، والحبس يقوم مقام التغريب في إبعادها عن الناس وقطع الصلة بها (١).
• الوجه السادس: لم يرد في الحديث ذكر مسافة التغريب، ولذا قال الفقهاء: إن أقلها مسافة قصر، لتحصل الغربة؛ ولأن ما دون مسافة القصر في حكم الحضر، والذي يظهر جواز التغريب إلى ما دون مسافة القصر، كما قال بعض أهل العلم؛ لأن الحديث مطلق (٢).
• الوجه السابع: الحديث دليل على أن حد الزاني المحصن الرجم مع الجلد، أما الرجم فهو مجمع عليه ممن يعتد بإجماعه، وإنَّما الخلاف في الجلد قبل الرجم على قولين:
الأول: أنَّه لا يجلد بل يرجم فقط، وهذا قول الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد، وهي الصحيح من المذهب، ونسبه ابن كثير في "تفسيره" إلى الجمهور (٣)، واستدلوا بأن الرسول ﷺ رجم ماعزًا ﵁ ولم يجلده، وكذا رجم الغامدية ﵄ واليهوديين ولم يجلد واحدًا منهما، كما استدلوا بقوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" فقد أقسم النبي ﷺ أن يقضي بينهما بكتاب الله ولم يذكر إلَّا الرجم فقط، حيث رتبه على الاعتراف ترتيب الجزاء على الشرط.
والقول الثاني: أن المحصن يجلد قبل أن يرجم، وهو رواية عن أحمد، وقول علي ﵁ وبعض الصحابة" (٤)، واستدلوا بحديث عبادة هذا حيث صرح النبي ﷺ بالجمع بينهما للزاني المحصن تصريحًا ثابتًا ثبوتًا لا مطعن فيه، كما استدلوا بما رواه الشعبي عن علي ﵁ أنَّه جلد شراحة الهمدانية يوم
стр. 3738
الخميس، ورجمها يوم الجمعة، ولما قيل له: جلدتها ثم رجمتها؟ قال: (جلدتها بكتاب الله تعالى، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ ) (١).
والقول الأول أرجح، لقوة أدلته؛ لأن الظاهر أن قصة ماعز ﵁ وما معها متأخرة عن حديث عبادة ﵁؛ لأنه بيان لحد الزنا الذي كانت عقوبته الحبس، كما دلت عليه آية النساء، فيظهر أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، فتكون قصة ماعز متاخرة، ويبعد أن يكون الرسول ﷺ جلد ماعزًا والغامدية واليهوديين ولم يذكر أحد من الرواة ذلك، فيقوى الظن بعدم وقوع الجلد، بل إن نقل الجلد أهم من نقل الرجم، ثم إن الرجم يغني عن الجلد؛ لأنه حد فيه قتل فيسقط ما عداه.
وأما ما ورد عن علي ﵁ فقد تكلم العلماء في صحته، ثم إن رواية البخاري ليس فيها ذكر الجلد، وليس الأخذ بالرواية التي ذكر فيها الجلد بأولى من الأخذ بالرواية التي اقتصر فيها على الرجم (٢)، وعلى فرض صحته والأخذ به فالظاهر أنَّه اجتهاد من علي ﵁، ويؤيد ذلك رواية أحمد: "أجلدها بكتاب الله، بالقرآن، وأرجمها بسنة نبي الله ﷺ ) ثم إن قول الصحابة: (جمعت بين حدين) يؤيد ذلك، فإن هذا يشعر بأنهم لم يكونوا يعرفون الجلد قبل الرجم، فاستنكروا هذا، ولو رأى الحاكم الجمع بين الجلد والرجم لكان له مستند من فعل علي ﵁. والله تعالى أعلم.
стр. 3739
ما جاء في الاعتراف بالزنا وهل يشترط تكراره ؟
١٢١٤/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: أَتى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ في الْمَسْجدِ فَنَادَاهُ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحّى تِلْقَاءَ وَجْههِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذلِكَ عَلَيهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "أَبِكَ جُنُون؟، قَال: لَا، قَال: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ "، قَال: نَعَمْ، فَقَال: رَسُولُ الله ﷺ : "اذْهَبُوا بهِ فَارْجُمُوهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، ومنها: في كتاب "الحدود"، باب "لا يُرجم المجنون والمجنونة" (٦٨١٥)، ومسلم (١٦٩١)(١٦) من طريق الزُّهْريّ، قال: أخبرني أَبو سلمة بن عبد الرحمن (١)، وسعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال: أتى رجل من المسلمين … وذكر الحديث. وهذا لفظ مسلم.
وهذا الحديث رواه جماعة من الصحابة، كأبي بكر وأَبي هُرَيرَةَ وابن عبَّاس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وبريدة وأبي سعيد وغيرهم ﵃،
стр. 3740
وقد أطال الإِمام مسلم، ثم أَبو داود في سياق أسانيد قصة ماعز ﵁، وذكروا طرقها، وألفاظها، وفي قصته مواضع حصل فيها اضطراب (١)، وسأذكر شيئًا من ذلك لتوضيح ما أُجمل في حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ هذا.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (رجل من المسلمين) هو ماعز بن مالك الأسلمي ﵁، كما وردت تسميته في البخاري وإحدى روايات مسلم، وكما في حديث ابن عبَّاس ﵄ الآتي.
قوله: (فأعرض عنه) لعله يرجع عن الاعتراف بشبهة مثلًا، فيتوب فيما بينه وبين الله تعالى، ولذا قال له: "لعلك قَبَّلْتَ … " كما سيأتي.
قوله: (فتنحى) أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجه النبي ﷺ .
قوله: (تلقاء وجهه) منصوب على الظرفية، وأصله مصدر أقيم مقام الظرف؛ أي: مكانًا تلقاء، فهو مصدر نائب مناب الظرف المحذوف، وليس في المصادر تفعال بكسر أوله إلَّا هذا وتبيان، وسائرها بفتح أوله.
قوله: (حتَّى ثنى ذلك) أي: كرر وردد، وقد ضبطه ابن الملقن بتخفيف النون، وكذا المغربي (٢).
قوله: (أبك جنون) استفهام حقيقي، والمعنى: هل أنت مصاب بمرض عقلي؟ فإن قيل: لو كان مجنونًا لم يفد قوله: إنه ليس بمجنون، فما وجه سؤاله، وإنَّما سؤال غيره ممن يعرفه هو المؤثر؟ فالجواب:
١ - أنَّه ورد في بعض الروايات أنَّه سأل غيره عنه، كحديث بريدة: ("أبه جنون؟ " فأخبر أنَّه ليس بمجنون) (٣) فعلى هذا يكون سأله أولًا، ثم سأل عنه احتياطًا.
стр. 3741
٢ - أن المقصود بسؤاله معرفة حاله وعقله ليبنى عليه الأمر، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون؛ لأنه ظهر عليه من الحال ما يشبه حال المجنون، وذلك أنَّه دخل المسجد وليس عليه رداء، كما في حديث جابر بن سمرة ﵁ عند مسلم.
قوله: (فهل أحصنت) بفتح الهمزة، فحاء فصاد مهملتان؛ أي: تزوجت، وأصل الإحصان المنع، وله معان منها: التزويج، وهو الإحصان الموجب لرجم الزاني، وسمي الزواج إحصانًا؛ لأن المرأة المزوجة يمنعها زوجها من الوقوع في الفاحشة، ويمتنع هو بها.
وإنَّما سأله عن الإحصان والعقل فقط؛ لأنهما شيئان لا يدركان بالنظر والعلامات الواضحة، والسؤال عن الإحصان لتردد حال الزاني بين الجلد والرجم، ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلَّا بعد تبين سببه.
قوله: (اذهبوا به فارجموه) أي: في مصلى الجنائز، لرواية البخاري: (فأمر به فرجم في المصلى)، ولم يعين في هذه الرواية ما يرجم به، لكن ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم: (فرميناه بالعظم والمدر والخزف). والعظم معروف، والمدر: قطع الطين، والتراب المتلبد (١)، والخزف: قطع الفخار المتكسر.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الزنا يثبت بالإقرار كما يثبت بالشهادة، فمن أقر على نفسه بأنه زنى، وهو مختار ثبت الحد في حقه، وقد ثبت حد الزنا بالإقرار في عدة وقائع في زمن النبي ﷺ وبعده، وأما ثبوت الزنا بالشهادة، فقد ذكر ابن تيمية أنَّه ما عرف حد أقيم بشهادة (٢).
• الوجه الرابع: اختلف العلماء هل يكفي الإقرار مرة واحدة لثبوت الحد، أم لا بد من التكرار؟، على قولين:
الأول: أنَّه لا بد من الإقرار أربع مرات، وهو مذهب الحنفية
стр. 3742
والحنابلة (١)، واستدلوا بالنص والقياس، أما النص فهذا الحديث، ووجه الاستدلال: أن قول الراوي: (فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه) إشعار بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه وإلَّا لرجمه في أول مرة.
وأما القياس فقد قاسوا الإقرار على الشهادة بالزنا، فكما أنَّه لا يقبل إلَّا أربعة شهود، فكذا لا بد من أربع إقرارال.
القول الثاني: أن يكفي لإقامة الحد إقرار واحد، وهذا مذهب المالكنة والشَّافعية (٢)، لما تقدم في قصة العسيف: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ولم يذكر إقرارات أربعة مع أن المقام مقام بيان واستيفاء، والفعل المطلق يصدق بالواحد، ورجم رسول الله ﷺ الجهنية، كما سيأتي، وإنَّما اعترفت مرة واحدة، ولما قالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك … إلخ، بين أن ردها لأجل وضع الحمل، مما يدل على أن قصتها بعد قصة ماعز، وأن تكرار الإقرار ليس بشرط.
وأجاب هؤلاء عن أدلة الأولين بما يلي: أما قصة ماعز فعنها ثلاثة أجوبة:
١ - أن الروايات في عدد إقراره مضطربة، فجاء أربع مرات، كما في هذا الحديث وحديث ابن عبَّاس ﵄، وفي حديث جابر بن سمرة ﵁ عند مسلم: (أنَّه ردده أربع مرات)، وفيه أيضًا: أنَّه ردده مرتين، وفيه: فرده مرتين أو ثلاثًا، وجاء ثلاثًا في حديث أبي سعيد عند مسلم: (فاعترف بالزنا ثلاث مرات).
٢ - أن ترديد ماعز ليس دليلًا على أن الرسول ﷺ تصد تكرار الإقرار، بل قصد الاستثبات والتَّبَيُّنَ، بدليل استفساره عن حاله وعن كيفية الزنا، كما في حديث ابن عبَّاس ﵄ الآتي وغيره.
стр. 3743
٣ - سلمنا أنَّه لا اضطراب وأنه أقر أربع مرات، لكن هذا أمر فعله ماعز ﵁ من تلقاء نفسه، ولم يأمره الرسول ﷺ به، ولم يطلبه منه، وكونه أقره عليه دليل على جوازه لا على شرطيته.
وأما القياس فهو غير مستقيم؛ لأن الإقرار في المال لا بد فيه من عدلين، ولو أقر على نفسه مرة واحدة كفت إجماعًا، ولم يقل أحد إنه لا بد من إقرارين، ثم إن هذا القياس ينتقض بأن إقرار الفاسق على نفسه مقبول، بخلاف شهادته، ثم إن اشتراط الأربعة خاص بشهود الزنا، فلا يقاس عليه غيره. على أن اشتراط الأربعة في الشهود إنما هو لمزيد الاحتياط في الحد؛ لكونه يسقط بالشبهة، ولا وجه للاحتياط بعد الإقرار، فإن إقرار الرجل على نفسه لا يبقى بعده ريبة، بخلاف الشهادة عليه.
ومن يرى التكرار ينفي الاضطراب، وذلك بحمل رواية المرتَهِن أنَّه اعترف مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر، بدليل حديث بريدة عند مسلم: (فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، إني أريد أن تطهرني، فلما كان من الغد أتاه … ) فلعل الراوي اقتصر على أحد اليومين، أما رواية الثلاث فلعل الراوي اقتصر فيها على المرات التي رده فيها، فإنه لم يرده في الرابعة، بل استثبت وسأله، ثم أمر برجمه، أو يقال: بالترجيح بين الروايات.
والذي يظهر - والله أعلم - هو الجمع بين الأدلة وعدم إهمال شيء منها، وهو أن من كان مشكوكًا في عقله ملتبسًا أمره، فلا بد من إقراره أربعًا لحديث ماعز ﵁، ومن عُرف صحة عقله واتضاح أمره فمرة واحدة؛ لبقية الأحاديث، فإن الرسول ﷺ اكتفى بمرة واحدة في حديث العسيف وقصة الغامدية؛ لظهور الأمر وعدم اللبس، ويؤيد ذلك أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز ﵁، وقد دلت جميع روايات حديثه على أنَّه ﷺ كان لا يدري عن حاله شيئًا، وقد رجح هذا الشوكاني (١)، والشنقيطي (٢).
стр. 3744
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن المجنون لا يعتبر إقراره ولا يثبت عليه الحد؛ لأن شرط الحد التكليف، وكذا الحكم في طلاقه وعتقه وأيمانه ووصيته، وقد مضى شيء من ذلك في "الطلاق".
• الوجه السادس: في الحديث دليل على أنَّه يجب على القاضي والمفتي أن يستفصل عما يجب الاستفصال عنه مما يغير حكم المسألة؛ لأن الرسول ﷺ سأل ماعزًا عن الجنون ليتبين العقل، وعن الإحصان ليثبت الرجم.
• الوجه السابع: في الحديث دليل على أنَّه لا يشترط في إقامة الحد حضور الإِمام ولا نائبه، لقوله: "اذهبوا به فارجموه" وقد ورد في حديث جابر بن سمرة: (فرجمه) (١)، والمراد: أمر برجمه، كما في باقي الروايات، والأولى حضور الحاكم ويقوم مقامه القاضي أو نائبه؛ ليؤمن الحيف أو الاستهانة بحدود الله تعالى.
• الوجه الثامن: استدل بهذا الحديث من قال: إن المحصن لا يجلد قبل الرجم؛ لأنه لم يذكر الجلد مع تعدد رواة قصة ماعز، وكثرة ألفاظها.
• الوجه التاسع: في الحديث منقبة عظيمة لماعز ﵁ إذ جاء بنفسه تائبًا طالبًا التطهير مع الإعراض عنه وتلقينه ما يسقط الحد، كما في الحديث الآتي، وقد قال النبي ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم" (٢).
• الوجه العاشر: في الحديث دليل على أن وجود مثل هذه الحالات النادرة في ذلك المجتمع الطاهر فيها حكمة ورحمة، أما الحكمة فلأجل أن يدرك الناس في هذه الأمة - إلى يوم القيامة - أنَّه لا يخلو مجتمع من أناسٍ قد يتلطخون بمثل هذه الأمور، وأن العبرة بكثرة أهل الفضل والدين والصلاح. وأما كونها رحمة، فهذا يدركه من عايش قصص التائبين من أهل عصرنا، فإذا علموا أن من الصحابة - رجالًا ونساءً - من قد زنى سهَّل ذلك عليه أمر التوبة، والله أعلم.
стр. 3745
حكم تلقين المُقِرِّ ما يدفع الحَدَّ عنه
١٢١٥/ ٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: لَمَّا أتى مَاعزُ بن مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَال لَهُ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ "، قَال: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، بابٌ "هل يقول الإِمام لِلْمُقِرِّ: لعلك لمست أو غمزت؟ " (٦٨٢٤) من طريق وَهْب بن جرير، حدَّثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: … وذكر الحديث، وتمامه: قال: "أنكتها؟ " -لا يكني-، قال: فعند ذلك أمر برجمه.
ولعل الحافظ ذكر حديث ابن عبَّاس ﵄ هي مع أنَّه في قصة ماعز ﵁؛ لأن فيه زيادة لم ترد في حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁؛ ولأن فيه تسمية الرجل المبهم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لعلك قبلت) حذف المفعول للعلم به؛ أي: قبلتها، والمراد: المرأة التي زنا بها.
قوله: (أو غمزت) الغمز: بالغين المعجمة، هو الإشارة بالعين والحاجب، ويطلق على الجسّ واللمس باليد، أو وضع اليد على عضو الغير.
قوله: (أو نظرت) أي: لعلك لم يقع منك زنا حقيقة، "وإنما أطلقت الزنا على القبلة أو اللمس أو النظر، وقد ورد حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عن
стр. 3746
النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (١)، وفي رواية: "فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، وبصدق ذلك الفرج ويكذبه".
وقد بوب البخاري على حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ -باب "زنا الجوارح دون الفرج"، قال الحافظ: (أي: إن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره.) (٢)، وقال ابن بطَّال: (سمي النظر والنطق زنا؛ لأنه يدعو إلى الزنا الحقيقي) (٣).
قوله: (لا يكني) بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف من الكناية، والمعنى: أنَّه ﷺ تلفظ بالكلمة المذكورة ولم يَكْنِ عنها بلفظ آخر.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النظر إلى المرأة التي لا تحل قد يسمى زنا، ولكنه لا حد فيه.
• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنَّه ينبغي التثبت والتبين في أمر من جاء معترفًا بالزنا تائبًا؛ لأن العادة أن صاحب الفاحشة يستتر ولا يظهر أمره، فإذا جاء تائبًا وجب التثبت؛ خشية أن يكون في عقله شيء؛ لأن النبي ﷺ لم يكتف بمجرد إقراره بالزنا، وإنما سأله عن عقله، ثم قال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، كما في حديث بريدة ﵁، ثم سأله لعله أطلق لفظ الزنا على التقبيل أو الغمز أو النظر، بل استفهمه ﷺ بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان النبي ﷺ يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته، ولم يُسمع منه إلَّا في هذا الموطن (٤)، كل هذا مبالغة في التثبت، ودليل على حرص الشريعة على صيانة الدماء.
стр. 3747
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز تلقين المقر الرجوع عن إقراره واعتذاره بشبهة يتعلق بها، لقوله: "لعلك قبلت … "، وأنه يقبل رجوعه عن ذلك، ولولا أنَّه يقبل رجوعه لما كان لتلقينه ذلك فائدة، وهذا رأي الجمهور من أهل العلم، إلَّا أن المالكية لا يرون تلقين من اشتهر بالمحرمات (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3748
ما يثبت به الزنا
١٢١٦/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَال: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا بالْحَقِّ، وَأنزَلَ عَلَيهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أنزَلَ اللهُ عَلَيهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَينَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَال بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ، فَيُضِلُّوا بتَرْكِ فَريضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرّجْمَ حَقٌّ في كِتَابِ اللهِ: عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
فقد رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "الاعتراف بالزنا" مختصرًا (٦٨٢٩)، ثم في باب "رجم الحبلى إذا زنت" رواه مطولًا (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١) من طريق الزُّهْريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنَّه سمع عبد الله بن عبَّاس ﵄ يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق … ) وساق الحديث. وقد تضمن خطبة طويلة لعمر ﵁ ساقها البخاري بطولها، وفيها هذا المقدار الذي ساقه الحافظ، وأما لفظ "البلوغ" فهو لفظ مسلم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنَّه خطب) كانت هذه الخطبة من عمر ﵁ بعد صدوره من الحج وقدومه المدينة سنة ثلاث وعشرين.
стр. 3749
قوله: (إن الله بعث محمدًا بالحق) هذه الجملة ساقها عمر ﵁ بين يدي خطبته توطئة لها؛ ليتيقظ السامع لما سيقول:
قوله: (آية الرجم) بالرفع اسم كان مؤخر، وخبرها (فيما أنزل الله)، وآية الرجم على ما ذكر العلماء: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وفي رواية للنسائي أن موضعها سورة الأحزاب، وهي مما نسخ لفظه وبقي حكمه، وسيأتي الكلام عليها قريبًا.
قوله: (قرأناها) أي: تلوناها.
قوله: (ووعيناها) أي: حفظناها.
قوله: (وعقلناها) أي: تدبرناها.
وجمع عمر ﵁ بين هذه الألفاظ مبالغة في تأكيد ثبوت آية الرجم وأنها كانت متلوة من القرآن.
قوله: (ورجمنا بعده) أي: تبعًا له، وفيه إشارة إلى وقوع الإجماع على الرجم بعد الرسول ﷺ وأن الحكم باق لم ينسخ.
قوله: (فأخشى إن طال بالناس زمان) قد وقع ما خشيه عمر ﵁ فقد أنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم، وبعض المعتزلة، وهؤلاء محجوجون بالسنة، وضالون بشهادة عمر ﵁، وهذا من الحق الذي جعله الله تعالى على لسان عمر وقلبه ﵁.
قوله: (وإن الرجم حق في كتاب الله) أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، على ما تقدم في حديث عبادة ﵁، أو أنَّه يريد الآية المنسوخة، ومعنى (حق) أي: ثابت أو واجب يُعمل به إلى يوم القيامة.
قوله: (إذا أَحْصَنَ) بفتح الهمزة؛ أي: تزوج حرة تزويجًا صحيحًا وجامعها وهو بالغ عاقل، والمرأة كذلك.
قوله: (إذا قامت البينة) أي: شهادة أربعة ذكور.
قوله: (أو كان الحَبَلُ) بفتح المهملة والموحدة؛ أي: الحمل، كما في
стр. 3750
رواية أخرى، والمعنى: أن توجد امرأة حبلى لا زوج لها ولا سيد.
قوله: (أو الاعتراف) أي: الإقرار بالزنا والاستمرار عليه.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أدلة ثبوت الزنا ثلاثة: وهي الإقرار، والبينة، ولا خلاف في ثبوت الزنا بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب، وأما الثالث وهو ظهور الحمل فهو موضع خلاف.
• الوجه الرابع: اختلف العلماء في المرأة يظهر عليها الحمل ولا زوج لها ولا سيد هل يثبت عليها الزنا؟ على قولين:
الأول: أنَّه يثبت عليها الزنا، ويجب عليها الحد إلَّا إذا ادعت الغصب أو وطء الشبهة وأقامت البينة على ذلك، ولا تقبل دعواها بغير بينة (١)، وهذا قول مالك وأصحابه، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٢).
واستدلوا بحديث الباب حيث صرح عمر ﵁ بأن الحمل يثبت به الزنا كالبينة والإقرار، وقول الصحابي حجة عند أكثر العلماء، لا سيما وأنه من الخلفاء الراشدين، وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، فينزل منزلة الإجماع (٣)، كما استدلوا بأن الحمل شاهد على الزنا ولو حصل إكراه أو وطء شبهة لظهر؛ لأن الناس لا يسكتون عن بيان ما يدفع عنهم العار والأذى.
القول الثاني: أن ظهور الحمل على امرأة لا زوج لها ولا سيد لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، ولا تُسال عن سبب حملها إلَّا ببينة تشهد بالزنا، أو باعتراف منها، وهذا قول الحنفية والشَّافعية، والمعتمد في مذهب الحنابلة (٤).