← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (١)، وفي رواية: "فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، وبصدق ذلك الفرج ويكذبه". وقد بوب البخاري على حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ -باب "زنا الجوارح دون الفرج"، قال الحافظ: (أي: إن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره.) (٢)، وقال ابن بطَّال: (سمي النظر والنطق زنا؛ لأنه يدعو إلى الزنا الحقيقي) (٣). قوله: (لا يكني) بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف من الكناية، والمعنى: أنَّه ﷺ تلفظ بالكلمة المذكورة ولم يَكْنِ عنها بلفظ آخر. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النظر إلى المرأة التي لا تحل قد يسمى زنا، ولكنه لا حد فيه. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنَّه ينبغي التثبت والتبين في أمر من جاء معترفًا بالزنا تائبًا؛ لأن العادة أن صاحب الفاحشة يستتر ولا يظهر أمره، فإذا جاء تائبًا وجب التثبت؛ خشية أن يكون في عقله شيء؛ لأن النبي ﷺ لم يكتف بمجرد إقراره بالزنا، وإنما سأله عن عقله، ثم قال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، كما في حديث بريدة ﵁، ثم سأله لعله أطلق لفظ الزنا على التقبيل أو الغمز أو النظر، بل استفهمه ﷺ بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان النبي ﷺ يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته، ولم يُسمع منه إلَّا في هذا الموطن (٤)، كل هذا مبالغة في التثبت، ودليل على حرص الشريعة على صيانة الدماء.

стр. 3747

• الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز تلقين المقر الرجوع عن إقراره واعتذاره بشبهة يتعلق بها، لقوله: "لعلك قبلت … "، وأنه يقبل رجوعه عن ذلك، ولولا أنَّه يقبل رجوعه لما كان لتلقينه ذلك فائدة، وهذا رأي الجمهور من أهل العلم، إلَّا أن المالكية لا يرون تلقين من اشتهر بالمحرمات (١). والله تعالى أعلم.

стр. 3748

ما يثبت به الزنا ١٢١٦/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَال: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا بالْحَقِّ، وَأنزَلَ عَلَيهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أنزَلَ اللهُ عَلَيهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَينَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَال بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ، فَيُضِلُّوا بتَرْكِ فَريضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرّجْمَ حَقٌّ في كِتَابِ اللهِ: عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "الاعتراف بالزنا" مختصرًا (٦٨٢٩)، ثم في باب "رجم الحبلى إذا زنت" رواه مطولًا (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١) من طريق الزُّهْريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنَّه سمع عبد الله بن عبَّاس ﵄ يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق … ) وساق الحديث. وقد تضمن خطبة طويلة لعمر ﵁ ساقها البخاري بطولها، وفيها هذا المقدار الذي ساقه الحافظ، وأما لفظ "البلوغ" فهو لفظ مسلم. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أنَّه خطب) كانت هذه الخطبة من عمر ﵁ بعد صدوره من الحج وقدومه المدينة سنة ثلاث وعشرين.

стр. 3749

قوله: (إن الله بعث محمدًا بالحق) هذه الجملة ساقها عمر ﵁ بين يدي خطبته توطئة لها؛ ليتيقظ السامع لما سيقول: قوله: (آية الرجم) بالرفع اسم كان مؤخر، وخبرها (فيما أنزل الله)، وآية الرجم على ما ذكر العلماء: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وفي رواية للنسائي أن موضعها سورة الأحزاب، وهي مما نسخ لفظه وبقي حكمه، وسيأتي الكلام عليها قريبًا. قوله: (قرأناها) أي: تلوناها. قوله: (ووعيناها) أي: حفظناها. قوله: (وعقلناها) أي: تدبرناها. وجمع عمر ﵁ بين هذه الألفاظ مبالغة في تأكيد ثبوت آية الرجم وأنها كانت متلوة من القرآن. قوله: (ورجمنا بعده) أي: تبعًا له، وفيه إشارة إلى وقوع الإجماع على الرجم بعد الرسول ﷺ وأن الحكم باق لم ينسخ. قوله: (فأخشى إن طال بالناس زمان) قد وقع ما خشيه عمر ﵁ فقد أنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم، وبعض المعتزلة، وهؤلاء محجوجون بالسنة، وضالون بشهادة عمر ﵁، وهذا من الحق الذي جعله الله تعالى على لسان عمر وقلبه ﵁. قوله: (وإن الرجم حق في كتاب الله) أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، على ما تقدم في حديث عبادة ﵁، أو أنَّه يريد الآية المنسوخة، ومعنى (حق) أي: ثابت أو واجب يُعمل به إلى يوم القيامة. قوله: (إذا أَحْصَنَ) بفتح الهمزة؛ أي: تزوج حرة تزويجًا صحيحًا وجامعها وهو بالغ عاقل، والمرأة كذلك. قوله: (إذا قامت البينة) أي: شهادة أربعة ذكور. قوله: (أو كان الحَبَلُ) بفتح المهملة والموحدة؛ أي: الحمل، كما في

стр. 3750

رواية أخرى، والمعنى: أن توجد امرأة حبلى لا زوج لها ولا سيد. قوله: (أو الاعتراف) أي: الإقرار بالزنا والاستمرار عليه. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أدلة ثبوت الزنا ثلاثة: وهي الإقرار، والبينة، ولا خلاف في ثبوت الزنا بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب، وأما الثالث وهو ظهور الحمل فهو موضع خلاف. • الوجه الرابع: اختلف العلماء في المرأة يظهر عليها الحمل ولا زوج لها ولا سيد هل يثبت عليها الزنا؟ على قولين: الأول: أنَّه يثبت عليها الزنا، ويجب عليها الحد إلَّا إذا ادعت الغصب أو وطء الشبهة وأقامت البينة على ذلك، ولا تقبل دعواها بغير بينة (١)، وهذا قول مالك وأصحابه، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٢). واستدلوا بحديث الباب حيث صرح عمر ﵁ بأن الحمل يثبت به الزنا كالبينة والإقرار، وقول الصحابي حجة عند أكثر العلماء، لا سيما وأنه من الخلفاء الراشدين، وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، فينزل منزلة الإجماع (٣)، كما استدلوا بأن الحمل شاهد على الزنا ولو حصل إكراه أو وطء شبهة لظهر؛ لأن الناس لا يسكتون عن بيان ما يدفع عنهم العار والأذى. القول الثاني: أن ظهور الحمل على امرأة لا زوج لها ولا سيد لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، ولا تُسال عن سبب حملها إلَّا ببينة تشهد بالزنا، أو باعتراف منها، وهذا قول الحنفية والشَّافعية، والمعتمد في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 3751

وحجتهم أن الحمل لا يلزم أن يكون من الزنا اختيارًا، فقد يكون من وطء غصب أو إكراه أو من وطء شبهة، وقاعدة الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات، بل قال بعض العلماء: إن من المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية أنَّه ينبغي أن تكون الشبهة كافية في درء العقوبات، ولا ينبغي أن تكون كافية في إيجابها (١). والفرق بين القولين أنَّه على الأول يكفي ظهور الحمل في ثبوت الحد، وعلى الثاني لا يكفي بل لا بد أن تقوم بينة أو تعترف. والذي يظهر - والله أعلم - أن من ظهر عليها الحمل ولا زوج لها ولا سيد وادعت إكراهًا أو وطء شبهة أنَّه لا يقام الحد عليها، إلَّا إن وجد قرينة قوية تدل على كذبها، وأن هذا الحمل من زنا، فهذا يرجع فيه إلى اجتهاد القاضي. وقد ورد عن الصحابة ﵃ قضايا درأوا فيها الحد بالشبهة عمن وجدت حبلى ولا زوج لها ولا سيد، وقد ادعت الإكراه، ونحوه، ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق والبيهقي، أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتي بامرأة من أهل اليمن، قالوا: بغت، قالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلَّا برجل رمى فيَّ مثل الشهاب، فقال عمر ﵁: (يمانية نؤمة) فخلى عنها (٢). • الوجه الخامس: روى النَّسائي من طريق سفيان، عن الزُّهْريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس ﵄ رضِي حديث عمر ﵁، وفي آخره: "ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا أَحصن وكانت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، وقد قرأناها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة … ") (٣). وقد طعن الأئمة في ثبوت هذه الآية، واعتبروا ذلك من أفراد سفيان بن عيينة، عن الزُّهْريّ، وقد خالفه ثمانية من أصحاب الزُّهْريّ لم يذكروها،

стр. 3752

ومنهم: صالح بن كيسان، عند البخاري (١)، ويونس بن عبد الأعلى، كما عند مسلم (٢)، ولذا أعرض عنها البخاري وكأنها لم تصح عنده، قال النَّسائي: (لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث "الشيخ والشيخة … " غير سفيان، وينبغي أنَّه وهم، والله أعلم) (٣). ومما يدل على أن سفيان بن عيينة لم يحفظه ما جاء في "مسند الحميدي" أنَّه قال: سمعته من الزُّهْريّ بطوله، فحفظت منه أشياء، وهذا لم أحفظه (٤). وقد ورد الحديث عند أحمد بإثباتها (٥)، لكن إعراض البخاري عنها يدل على عدم ثبوتها، ثم هي أخبار آحاد ليست مشهورة، فضلًا عن أن تكون متواترة، وآيات القرآن لا تثبت إلَّا بالتواتر، ثم إن تخصيص الرجم بالشيخ والشيخة لا وجه له، فإن الحكم معلق بالإحصان، سواء أكان المحصن شيخًا أم شابًّا، ولا يوجد مادة (شيخ) في لغة العرب تفيد الإحصان (٦). والله تعالى أعلم.

стр. 3753

حكم الأمة إذا زنت ١٢١٧/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أحَدِكُمْ فَتبَيَّنَ زنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "البيوع"، باب "بيع العبد الزاني" (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣) من طريق اللَّيث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁، أنَّه سمعه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، واللفظ لمسلم، كما قال الحافظ. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فتبين زناها) ظاهره أن المراد تبينه بما يتبين في حق الحرة، وهو الشهادة أو الاعتراف، أو أن المراد عِلْمُ السيد بذلك (١). قوله: (ولا يثرب عليها) بضم الياء المثناة، وفتح المثلثة، وتشديد الراء مكسورة؛ أي: لا يعنفها ولا يوبخها، والتثريب: التوبيخ واللوم. قوله: (فليبعها) هذا أمر ندب عند الجمهور، وحملته الظاهرية على

стр. 3754

الوجوب أخذًا بظاهره، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمسكًا بالأصل الشرعي، وهو أنَّه لا يجبر أحد على إخراج ملكه لشخص آخر في غير الشُّفْعةَ (١). قوله: (ولو بحبل من شعر) لو: للتقليل، وقوله: (من شعر) بفتح العين وسكونها، وخص حبل الشعر؛ لأنه أكثر حبالهم، وفي رواية لهما: "ولو بضفير" والضفير: الحبل، وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب إقامة الحدود على الأرقاء؛ ردعًا لهم عن الفواحش وصيانة لهم عن محارم الله . • الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن حد الأمة إذا زنت هو الجلد، وهذا الحديث لم يبين الإحصان وعدمه، وقد جاء في رواية في "الصحيحين": (أنَّه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن)، وقد طعن الطحاوي في قوله: (ولم تحصن) وادعى تفرد مالك بها عن ابن شهاب، وأشار إلى تضعيفها، وأنكر الحفاظ عليه ذلك؛ لأنه رواه ابن عيينة ويحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، وليس في ثبوتها مُخَالفَةُ؛ لأن الأمة تجلد مطلقًا، سواء أكانت محصنة أم غير محصنة، فالآية دلت على حكم المحصنة، والحديث على حكم غير المحصنة وأنهما حكمهما الجلد. وقد دل قوله: ﴿فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أن الجلد ينصف عليها فتجلد خمسين، ولا تغريب على قول الجمهور؛ لأن تغريبها يضر بسيدها، وربما أغراها بمعاودة الفاحشة. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه إذا تكرر الزنا من الأمة أنَّها تجلد مرة ثانية، فإن لم يردعها الجلد وجب بيعها ولو بأرخص الأثمان؛ لأنه لا خير في بقائها ولا فائدة في تأديبها، وهذا يدل على أن الزنا عيب في الرقيق، بدليل أنَّه أمر ببيعه ولو بحبل، وإذا لم يعلم به المشتري فله الخيار في رده.

стр. 3755

فإن قيل: كيف يؤمر ببيعها والمسلم لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه؟ فالجواب: أنَّه لم يقصد ببيعها التخلص منها وبلوى غيره بها، وإنَّما المراد لعلها ترتدع عند المشتري وتستعف بأن يعفها بنفسه أو يصونها في بيته أو يزوجها، أو تعلم بان إخراجها من ملك سيدها بسبب الزنا فتتركه خشية تنقلها بين الملاك، أو غير ذلك من وجوه حفظها؛ لأن بعض الناس قد يكون أقدر على إعفاف أمته أو حفظها من غيره، ثم إن الظاهر من قوله: "ولو بحبل من شعر" أن البائع بين عيبها للمشتري بسبب كون ثمنها زهيدًا. • الوجه السادس: في الحديث دليل على أن السيد منهي عن الجمع بين عقوبة الجلد والتعنيف على الزنا؛ لأن الحد كفارة وهو بمثابة التوبة، والتائب والمحدود لا ينبغي أن يعيرا. • الوجه السابع: استدل العلماء بهذا الحديث على أنَّه لا يجب على البائع ذكر عيب الأمة الزانية التي أقيم عليها الحد، لأمرين: ١ - لأن الشارع أمره ببيعها ولم يأمره ببيان عيبها. ٢ - أن هذا العيب ليس معلومًا ثبوته في المستقبل، فقد يتوب الفاجر ويفجر البار. وظاهر النص أن البائع يبين للمشتري هذا العيب؛ لأجل أنَّه ينتبه لهذا مستقبلًا؛ ولأنه لا تنزل قيمته إلَّا إذا بين ما فيه، ثم إن في ترك البيان نوعًا من الغش يؤدي إلى أن السيد الثاني لا يحتاط لهذا الأمر، فالأقرب أنَّه يبين. والله تعالى أعلم.

стр. 3756

ما جاء في أن السيد يقيم الحد على رقيقه ١٢١٨/ ٧ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ في مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أَبو داود في كتاب "الحدود"، باب، في إقامة الحد على المريض" (٤٤٧٣)، والنَّسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٥٥، ٤٥٩)، وأحمد (٢/ ٣٥٢) من طريق عبد الأعلي بن عامر التغلبي، عن ميسرة بن يعقوب أبي جميلة الطهوي، عن علي ﵁، قال: فجرت جارية لآل رسول الله ﷺ فقال: "يا علي انطلق فأقم عليها الحد" … وذكر الحديث، وفيه قصة، إلَّا أن النَّسائي في الموضع الأول ساقه مختصرًا، وهو لفظ "البلوغ" ولم يذكر القصة. وهذا سند ضعيف، فيه عبد الأعلى، ضعفه أحمد وأَبو زرعة وأَبو حاتم وابن معين والنَّسائي (١)، وميسرة بن يعقوب هو صاحب راية علي ﵁، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى عنه جماعة (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول). وقد رواه مسلم (١٧٠٥) موقوفًا من طريق السدي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: خطب علي ﵁ فقال: يا أيها الناس

стр. 3757

أقيموا على أرقائكم الحدود من أحصن منهم ومن لم يُحْصِنْ، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخفت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت". • الوجه الثاني: أجمع العلماء على أن الذي يقيم الحدود على الأحرار ولي الأمر أو من يقوم مقامه كالقاضي. وأما الأرقاء فالجمهور على أن أسيادهم وملاكهم هم الذين يقيمون عليهم الحد، لهذا الحديث، ولحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ المتقدم: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها … " والجمهور على أن السيد يجلد رقيقه للزنا، واختلفوا في القطع للسرقة، والجلد للشرب، ورجح ابن حزم القول بالعموم (١). وقالت الحنفية: إنه لا يقيم الحدود مطلقًا إلَّا الإِمام أو من أذن له (٢)، واستدلوا بما رواه الطحاوي عن مسلم بن يسار، أنَّه قال: كان رجل من الصحابة ﵁ يقول: (الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان) قال الطحاوي: (لا نعلم له مخالفًا) (٣) وتعقبه ابن حزم بأنه خالفه اثنا عشر صحابيًّا (٤). وحديث الباب حجة عليهم. والله تعالى أعلم.

стр. 3758

تأخير رجم الحبلى حتى تضع ١٢١٩/ ٨ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ أَن امْرَأَةً مِنْ جُهَينَةَ أَتَتْ نَبِيَّ الله ﷺ وَهيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا فَقَالتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نبِيُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَال: "أَحْسِنْ إِلَيهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بهَا" فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بهَا فَشُكَّتْ عَلَيهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَرُجمَتْ، ثُمّ صَلَّى عَلَيهَا، فَقَال عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَال: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَينَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أفضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بنَفْسِهَا لله؟ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في "الحدود"، باب "من اعترف على نفسه بالزنى" (١٦٩٦) من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني أَبو قلابة، أن أبا المهلب حدثه، عن عمران بن حصين ﵁، أن امرأة من جهينة … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أن امرأة من جهينة) هي قبيلة جهينة بن زيد، وهي قبيلة عظيمة لها فروع كثيرة، منازلهم كانت ولا تزال على ساحل البحر الأحمر، وعاصمة حاضرتهم بلدة أُملج، وهي بلدة ساحلية على البحر غرب المدينة النبوية. وقد ذهب بعض العلماء كالنووي والشوكاني وغيرهما إلى أن هذه المرأة هي المعروفة بالغامدية التي روى حديثها بريدة ﵁ وغيره؛ لأن غامدًا بطن

стр. 3759

من جهينة (١). وقال آخرون: هما قصتان؛ لما بينهما من الاختلاف؛ فإن قصة الجهنية رواها عمران بن حصين، ولم يرددها الرسول ﷺ ، ولم تذكر ماعزًا ﷺ ، ولها ولي بالمدينة، ولذا رجعت بعد الولادة، وجاء لعمر ﵁ ذكر في قصتها، أما الغامدية فروى حديثها بريدة ﵁، ورددها الرسول ﷺ وذكرت ماعزًا ﵁، وليس لها ولي بالمدينة، فتكفل رجل من الأنصار بشأنها، ولم يرجمها الرسول ﷺ إلَّا بعد الفطام، وجاء في قصتها ذكر خالد بن الوليد ﵁، ومن يقول: إنهما قصة واحدة ينشأ عنده عدة إشكالات، ومن يقول: هما قصتان يسلم من هذا. قوله: (وهي حبلى) يقال: حبلت المرأة تحبل فهي حبلى: إذا حملت، ونقل النووي في "تهذيبه" اتفاق أهل اللغة على أن الحَبَل مختص بالآدميات، وفي غيرها يقال: الحمل (٢)، لكن قد يشكل على هذا ما تقدم في "البيوع" من بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ، وهو في الحيوان. قوله: (من الزنا) من: تعليلية، ويصح كونها ابتدائية. قوله: (أصبت حدًّا) أي: ما يلزم به الحد ويثبت، وهذا لفظ مجمل، لكن وقع بيانه في رواية أخرى إن كانت قصة الجهنية والغامدية واحدة، أو في قول عمر ﵁: (أتصلي عليها وقد زنت). قوله: (أحسن إليها) أمره بالإحسان إليها خشيةَ أن يصل إليها أذى من قراباتها بسبب زناها، ورحمة بها لأنها قد تابت. قوله: (فإذا وضعت فأتني بها) ظاهر هذا أن الرجم وقع عقب الوضع، فإن كانتا قصتين فلا إشكال، وإن كانت واحدة فقد ثبت في حديث بريدة ﵁ أن الغامدية رجمت بعد أن فطمت ولدها، فتكون الأولى محمولة على الثانية، والمراد أنَّه أتى بها بعد الولادة، ثم أمر بتأخيرها إلى الفطام.

стр. 3760

قوله: (فشكت عليها ثيابها) شُكَّتْ بوزن شُدَّتْ، ومعناه: جمعت عليها ثيابها ولُفَّتْ بها؛ لئلا تنكشف في تقلبها واضطرابها عند نزول الموت. قوله: (ثم صَلَّى عليها) بفتح الصاد واللام عند الجمهور من رواة مسلم، كما قال القاضي عياض، وصلاته عليها ليعلم أنَّها ماتت تائبة، ونقل القاضي عياض عن الطَّبري أنَّها بضم الصاد وكسر اللام (١)، على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله، ويؤيد ذلك رواية أبي داود: (ثم أمرهم فصلوا عليها) (٢)، والأول أرجح لأمرين: الأول: أن أكثر رواة مسلم عليها. الثاني: قول عمر ﵁: (أتصلي عليها) يدل على أنَّه ﷺ باشر الصلاة عليها. وأما رواية أبي داود فمعناها أمرهم أن يصلوا خلفه. قوله: (أتصلي عليها) الظاهر أنَّه استفهام تعجب واستكشاف لحكمة صلاته ﷺ عليها مع أنَّه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها والإعراض عنها، وليس هو للإنكار، هكذا قال ابن علان (٣)، وقد يرد على هذا النفي جذب عمر ﵁ لرسول الله ﷺ لما أراد أن يصلي على ابن أُبي بن سلول، فقد يقال: إن هذا الاستفهام للإنكار؛ لوجود الفعل، لا سيما ما عرف من قوة عمر ﵁ وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم. قوله: (لو قسمت بين سبعين) أي: سبعين عاصيًا، فحذف التمييز للعلم به، والظاهر أن العدد من باب المبالغة في عظم توبتها، وليس المراد التحديد بالسبعين، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلاف ذلك. قوله: (لوسعتهم) بكسر السين وفتح العين؛ أي: لكفتهم في رفع آثامهم، والمعنى: أنَّها تابت توبة تستوجب مغفرةَ ورحمةَ سبعين من أهل المدينة.

стр. 3761

قوله: (أن جادت) من الجود، كأنها أخرجت روحها ودفعتها لله . وجملة: (لقد تابت) أفادت ما خفي على عمر ﵁، فإنه نظر إلى ما صدر منها، وغفل عما ختمت به أمرها، وهو التوبة. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن حكم الزنا يثبت بالاعتراف مرة واحدة، وسبق الخلاف في ذلك. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على ثبوت حكم الرجم في حق الزاني المحصن بأن يرجم بالحجارة حتَّى يموت؛ لأن الرسول ﷺ حكم برجمها، وهذا محمول على أنَّها كانت محصنة؛ لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع يدلان على أنَّه لا يرجم غير المحصن. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن شرط استيفاء الحد أن يؤمن الحيف، فلا يتعدى إلى غير من عليه الحد، فإذا وجب الحد على حامل فلا يقام عليها حتَّى تضع، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، كما نقله ابن المنذر وابن حزم وابن قدامة (١)، وذلك لئلا يقتل من لا ذنب له، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وهكذا القصاص لو وجب على امرأة وهي حبلى، فإنها تترك حتَّى تضع؛ لئلا يتعدى القتل إلى غير الجاني، وأما تأخير الحد لأجل المرض، فسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريبًا. • الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية شَدِّ ثياب المرأة عليها عند إرادة تنفيذ الحد عليها؛ لئلا تنكشف عورتها عند اضطرابها من مس الحجارة، والجمهور على أنَّها تُرجم قاعدة، ولعل ذلك مأخوذ من كونها شدت عليها ثيابها، بل نقل بعضهم الاتفاق على ذلك. أما الرجل فالجمهور على أنَّه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقيل: يخير الإِمام (٢).

стр. 3762

• الوجه السابع: في الحديث دليل على مشروعية الصلاة على المرجوم، وجوازها من الإِمام كبقية موتى المسلمين، وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب "الجنائز"، وأزيد هنا ما له مناسبة، قال ابن القيم على حديث الغامدية: (لم يُختلف فيه أنَّه ﷺ صلى عليها) (١)، وابن القيم يقصد رواية بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، (ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت) (٢)، وقد خولف في ذلك، فقد أخرجه مسلم من طريق غيلان المحاربي، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، وليس فيه ذكر الصلاة، وقد ذكرت هذا في كتاب "الجنائز". وكذا صَلَّى على الجهنية، وكل ذلك جاء صريحًا في القصتين. وقد جاء الخلاف في قصة ماعز ﵁، فروى البخاري من طريق محمود بن غيلان، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁ في قصة ماعز ﵁، وفي آخره: فقال النبي ﷺ خيرًا، وصَلَّى عليه (٣). وقد أُعلت هذه الزِّيادة بأن محمود بن غيلان خالف أكثر من عشرة أنفس، رووا الحديث عن عبد الرزاق فلم يذكروها، منهم من سكت عنها، ومنهم من صرح بنفيها، قال الحافظ: (قد خالفه العدد الكثير من الحفاظ، فصرحوا بأنه لم يصل عليه، لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد … )، ثم ذكرها، ومنها: حديث عمران في قصة الجهنية. قال البيهقي: (وقول محمود بن غيلان أنَّه صلى عليه خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزُّهْريّ على خلافه). وقد سئل أَبو عبد الله البخاري هل قوله: ("فصلى عليه" يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا) (٤).

стр. 3763

وقد رواه ابن جريج عند مسلم (١)، ويونس بن يزيد عند البخاري، ومسلم بدونها (٢). وعلى هذا فزيادة: (فصلى عليه) غير محفوظة، وعذر البخاري في ذكرها ما تقدم ذكره عن الحافظ، ومن يقول بثبوتها فهو يرى أن زيادة الثقة إذا وقعت غير منافية كانت مقبولة. وقد جاء في رواية من طريق عبد الرزاق - رواها عنه جماعة - عن معمر: (فقال رسول الله ﷺ خيرًا ولم يصلِّ عليه) (٣)، ورواية الإثبات عند هؤلاء أرجح، لأمور: ١ - كونها في "صحيح البخاري". ٢ - كونها مثبتة، والمثبت مقدم على النافي. ٣ - أن رواية النفي يمكن حملها على أنَّه لم يصل عليه حين رجمه، ورواية الإثبات أنَّه صلى عليه في اليوم الثاني، كما في رواية أبي أمامة بن سهل بن حنيف. • الوجه الثامن: نقل ابن القيم الاتفاق على أن الحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة على مرتكب الجريمة، كان تكون جريمته ثبتت بالبينة، وذلك لئلا تكون التوبة سببًا في إسقاط الحدود وظهور الفساد في البر والبحر، وتوبته إذا كانت نصوحًا نفعته فيما بينه وبين الله تعالى، فيغفر له ما سلف، ويكون الحد تطهيرًا وتكفيرًا لسيئته، وهو من تمام التوبة (٤). واختلفوا في سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، أو من جاء تائبًا كحال ماعز والجهنية ﵄ على أن التوبة لا تسقط الحد؛ لأن الرسول ﷺ تائبة تطلب التطهير بإقامة الحد،

стр. 3764

وسمى النبي ﷺ فعلها توبة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وهذا عام في التائب وغيره، ولا مخصص له فيما أعلم؛ ولأن الحدود كفارة، فلم تسقط بالتوبة، ككفارة اليمين والقتل. وهذا قول الجمهور، ومنهم الحنفية، والمالكية، وأرجح الروايتين عن أحمد، وقول للشافعي (١). والقول الثاني: أن التوبة تقبل، وتُسقط عنه الحد، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو المعتمد في مذهب الشَّافعية (٢)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقوله تعالى في حق السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيهِ﴾ [المائدة: ٣٩]؛ ولأن الحد خالص حق الله تعالى، فيسقط بالتوبة (٣). ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن قصة الغامدية وماعز محمولة على من اختار إقامة الحد عليه، وكأنه يرى تطهيره بالحد أبلغ من تطهيره بالتوبة، أو ليجتمع له تطهيران، وأما من تاب بعد اعترافه ولم يطلب إقامة الحد عليه فلا يقام، وهذا قول وسط، كما يقول عنه ابن القيم (٤). وأصح قولي أهل العلم أن الأفضل فيمن ارتكب جريمة الزنا أن يتوب سرًّا، ولا يظهر جريمته حتَّى يقام حده عليه، ومن تاب صادقًا فإن الله تعالى يقبل توبته؛ لعموم الأدلة في قبول توبة التائبين. وهذا الكلام في غير المحارب، أما المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه الحد بالاتفاق، وهذا بالنسبة لحق الله تعالى، أما حقوق الآدميين كأخذ مال أو قتل أو جرح فلا تسقط على رأي الجمهور إلَّا أن يُعفى عنها (٥). والله تعالى أعلم.

стр. 3765

رجم المحصن من أهل الكتاب ١٢٢٠/ ٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ١٢٢١/ ١٠ - وقصَّةُ رجْمِ اليهودِيَّينِ في "الصحيحين" من حديثِ ابنِ عُمَرَ ﵄. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث جابر ﵁ فقد رواه مسلم في "الحدود"، باب "رجم اليهود أهل الذمة في الزنى" (١٧٠١) قال: حدثني هارون بن عبد الله، حدَّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أَبو الزُّبَير أنَّه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: رجم النبي ﷺ رجلًا من أسلم ورجلًا من اليهود وامرأته. ثم قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، حدَّثنا ابن جريج بهذا الإسناد مثله غير أنَّه قال: وامرأة. وأما حديث ابن عمر ﵄ رفِي فرواه البخاري في "الحدود"، باب "أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورُفِعُوا إلى الإِمام" (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩) من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، أنَّه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا … الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (رجم) أي: أمر، وأُسند الفعل إليه من باب المجاز العقلي؛ لأنه هو الآمر، وقد تقدم في حديث ماعز: (اذهبوا به فارجموه).

стр. 3766

قوله: (رجلًا من أسلم) هو ماعز بن مالك الأسلمي ﵁. قوله: (وامرأة) هذه رواية لمسلم، كما تقدم، والمراد بها الجهنية كما تقدم. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أهل الكتاب وسائر أهل الذمة إذا رُفعوا إلينا حكمنا بينهم بما في شريعتنا، كان ذلك موافقًا لما عندهم أو مخالفًا، وأنزلناهم في الحكم منزلتنا؛ لأن الرسول ﷺ حكم برجم اليهوديين، وقد رجم ماعزًا وغيره من المسلمين. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب إقامة حد الزنى على الذِّمِّيّ إذا زنى؛ لأن أهل الذمة يعتقدون تحريم الزنى، كما في شريعتهم، ولذا أخبروا النبي ﷺ بأنهم يجلدون، مع كذبهم في هذا، فإقامة الحد عليهم من باب المنع في وقوع مثل هذه الجريمة، وليس من باب التطهير والكفارة. • الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن الإحصان ليس من شروطه الإسلام، وأن الذِّمِّيَّ يحصِّن الذمية، فإذا وطئ الكافر في نكاح صحيح في شرعه فهو محصن، تجري عليهم أحكام المسلمين إذا ترافعوا إلينا، وهذا مذهب الشَّافعية والحنابلة، واختاره ابن القيم (١). والقول الثاني: أن الإسلام شرط في الإحصان، فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية مسلمًا، وعليه فلا يرجم الكافر، وهذا مذهب المالكية، وأكثر الحنفية، ورواية عند الحنابلة (٢)، واستدلوا بما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن" (٣). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر أن المشرك ليس بمحصن، والرجم لا يكون إلَّا للمحصن، فالإسلام إذن شرط في الإحصان. وأجابوا عن حديث الباب بأن الرسول ﷺ رجم اليهوديين بحكم التوراة، ولذا سألهم عنها، لا بهذه الشريعة، وكان ذلك عند قدومه المدينة،

стр. 3767

لما ورد في بعض طرق القصة: (لما قدم النبي ﷺ المدينة أتاه اليهود)، وكان إذ ذاك مأمورًا باتباع حكم التوراة، ثم نُسخ ذلك بالحد المعروف. والراجح القول الأول، لقوة دليله، وضعف دليل المخالف، فإن الحديث نص صريح في أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان. وأما دليلهم وهو حديث ابن عمر ﵄، فقد روي مرفوعًا، وروي موقوفًا، قال الدَّارَقُطني: (والصحيح موقوفًا) (١)، ولو صح رفعه فقد تعين حمله على إحصان القذف، جمع أبينه وبين قصة اليهوديين؛ لأن الراوي واحد، فلا يخالف النبي ﷺ فيما يروي عنه (٢)، وعليه فلا يجب حد القذف على من قذف مشركًا. وأما جوابهم عن حديث الباب بأنه أول قدومه المدينة فهي دعوى تحتاج إلى تحقيق التاريخ، وكون النبي ﷺ فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا يقتضي الفورية، ولا ينافي ثبوت شرعية حكم الرجم، والنبي ﷺ سألهم عن حكم التوراة في الرجم ليقيم عليهم الحجة من كتابهم الذي أنكروا أن يكون الرجم فيه، وليبين لهم أن كتب الله تعالى متفقة على هذا الحكم، وهو مأمور من ربه بأن يحكم عليهم بشرعه، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وهذا دليل قطعي بأنه مأمور بالحكم بما في شريعته. • الوجه السادس: في الحديث دليل على أن أنكحة الكفار صحيحة، ولولا صحة أنكحتهم ما ثبت إحصانهم. • الوجه السابع: في الحديث دليل على أن الكفار مخاطبون بالأوامر والنواهي على أرجح الأقوال في هذه المسألة، وهو مبني على أن الرسول ﷺ حكم عليهم بشرعه؛ لا بما في التوراة، وهو الظاهر، كما تقدم. والله تعالى أعلم.

стр. 3768

ما جاء في إقامة الحد على المريض ١٢٢٢/ ١١ - عَنْ سَعِيدِ بن سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄ قَال: كَانَ بين أَبْيَاتِنَا رُوَيجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهمْ، فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: "اضْرِبُوهُ حَدَّهُ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذلِكَ، فَقَال: "خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً"، فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَة، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي ﵄، ذكره الجمهور في الصحابة ﵃، وقال ابن عبد البر: (صحبته صحيحة)، واختلف فيه قول ابن حبان، فذكره في الصحابة، وفي ثقات التابعين، وقال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث)، وقال الواقدي: (كان واليًا لعلي ﵁ على اليمن) (١). • الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٣٦/ ٢٦٣)، والنَّسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٧٣)، وابن ماجة (٢٥٧٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن سعيد بن سعد بن عبادة رفقا، قال: كان بين أبياتنا رويجل … وذكر الحديث.

стр. 3769

وهذا الحديث في سنده محمد بن إسحاق، وهو صدوق حسن الحديث، لكنه مدلس، وقد عنعنه (١)، ثم إنه مختلف في إسناده، كما ذكر النَّسائي وغيره، فقد رواه أَبو داود (٦/ ٤٧٢) من حديث الزُّهْريّ، عن أبي أمامة، عن رجل من الأنصار، ورواه النَّسائي (٦/ ٤٧٢) من حديث الزُّهْريّ -أيضًا- عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، ورواه الدَّارَقُطني (٣/ ٩٩) من حديث فليح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف. وقد أعل -أيضًا- بالإرسال، فرواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد القطان ومحمد بن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله، عن أبي أمامة، فذكره مرسلًا، ولما ذكر الاختلاف في إسناده قال: (أجودها حديث أبي أمامة مرسل)، ورواه غير واحد عن يحيى الأنصاري، عن أبي أمامة مرسلًا. وقد رجح الدَّارَقُطني إرساله -أيضًا- والظاهر أن هذا لا يضر لأن أبا أمامة معدود في صغار الصحابة، ولد في عهد النبي ﷺ ، وهو الذي سماه وحنكه (٢). قال الحافظ بعد أن ذكر طرق الحديث وما ورد فيها من اختلاف: (فإن كانت الطرق كلها محفوظة فيكون أَبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة، وأرسله مرة) (٣). • الوجه الثالث: في شرح ألفاظ: قوله: (أبياتنا) جمع بيت، ويجمع على بيوت -أيضًا- كما في "القاموس" (٤). قوله: (رويجل) تصغير رجل، ولعل الغرض من ذلك التحقير، وقد ورد في بعض الروايات: (رويجل ضعيف مُخْدج) والمخدج: بضم الميم وسكون الخاء المعجمة، هو السقيم الناقص الخلق، وفي رواية: (مُقْعَدٌ زَمِن).

стр. 3770

والزَّمِنُ: هو المريض مرضًا يدوم طويلًا (١). قوله: (فخبث) بفتح الخاء والباء، من باب (قتل) أي: زنا وفجز (٢). قوله: (فذكر ذلك سعد) هو سعد بن عبادة بن دُليم الأنصاري الخزرجي المدني ﵁، سيد الخزرج، شهد بيعة العقبة، اختلف في شهوده بدرًا، وقد جزم البخاري بشهوده إياها، وتبعه ابن منده، وقال ابن سعد: كان يتهيأ للخروج فَنُهِشَ فأقام، قال الذهبي: (له أحاديث يسيرة، مات قبل أوان الرواية)، وكان ﵁ سيدًا جوادًا ملكًا شريفًا مطاعًا، مات سنة أربع أو ست عشرة (٣). قوله: (عثكالًا) العثكال بالكسر على وزن قرطاس، وهو عذق النخل. قوله: (شمراخ) بالكسر على وزن قرطاس -أيضًا-، هي فروع العثكال، وهي غصون دقيقة تنبت على أصل العثكال في أعلى الغصن الغليظ، وهي التي تنتظم فيها ثمرة النخلة، والعثكال للنخل كالعنقود للعنب. • الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن المريض إذا ارتكب ما يوجب الجلد كالزنا أو القذف أو الشرب أنَّه يقام عليه الحد ولا يؤخر، فيقام عليه الحد بقدر ما يستطيع ويتحمل، وهذا أحد الأوجه الثلاثة عند الشَّافعية، وهو قول الظاهرية، وبعض الحنابلة (٤). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بإقامة الحد على هذا الزاني مع علمه بضعفه وعدم تحمله، ومع ذلك أمر أن يقام عليه الحد بضربه بعذق فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، لئلا تفوت إقامة الحد عليه. والظاهر أن هذا الحديث محمول على مريض لا يرجى برؤه، بدليل الصفات التي وصف بها هذا الرجل، كما تقدم، وهذا هو الذي يقام عليه

стр. 3771

الحد ولا يؤخر؛ لأنه ليس له نهاية تنتظر، أما من كان يرجى برؤه، أو خيف عليه شدة حر أو برد فيؤخر الحد حتَّى يبرأ، أو يزول ما يُخاف منه، ليقام الحدُّ على الوجه الشرعي، يقول ابن القيم: (تأخير الحد أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض لمصلحة المحدود) (١). وقد تقدم ما رواه مسلم موقوفًا من طريق السدي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: خطب علي ﵁ فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدود من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدي، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخفت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول لله ﷺ فقال: "أحسنت" (٢). • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن المخارج المؤدية إلى أعمال مباحة أنَّه يجوز ارتكابها، ولا تعد من الحيل المنهي عنها التي تفضي إلى أمور محرمة. والله تعالى أعلم.

стр. 3772

حكم من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط أو وقع على بهيمة ١٢٢٣/ ١٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ والْمَفْعُولَ بهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ واقْتُلُوا الْبَهيمَةَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثقُونَ، إلا أَنَّ فِيهِ اخْتِلافًا. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث عبارة عن حديثين، كل جملة في حديث مستقل، الأول حديث عمل قوم لوط، والثاني حديث الوقوع على بهيمة، وقد جمعهما الحافظ في سياق واحد، ولعل ذلك لاتحاد الصحابي والسند. وقد رواهما أحمد (٤/ ٤٦٤)، وأَبو داود في كتاب "الحدود"، بابٌ "فيمن عمل عمل قوم لوط" (٤٤٦٢)، وبابٌ "فيمن أتى بهيمة" (٤٤٦٤)، والتِّرمِذي (١٤٥٥) (١٤٥٦)، والنَّسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٨٦) مقتصرًا على الجملة الثانية، وساق الأولى بلفظ: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط"، وابن ماجة (١٥٦١) كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، مرفوعًا. وهذا الحديث رجاله موثقون -كما قال الحافظ -أي: قيل بتوثيقهم، فعمرو بن أبي عمرو متكلم فيه، قال البخاري: (عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولا أقول بحديث عمرو بن أبي عمرو أنَّه من

стр. 3773

وقع على بهيمة يقتل) (١)، وقال يحيى بن معين: (عمرو ثقة، ينكر عليه هذا الحديث) (٢). وقال أحمد: (ليس به بأس)، ووثقه أَبو زرعة، وقال أَبو حاتم: (لا بأس به) (٣)، وقال أَبو داود: (ليس هو بالقوي)، وقال الذهبي: (صدوق، حديثه مخرج في الصحيحين في الأصول) ثم قال فيما بعد: (حديثه صالح حسن منحط عن الدرجة العليا من الصحيح) (٤) فتعقبه الحافظ بقوله: (كذا قال، وحق العبارة أن يحذف العليا) (٥). ونقل عبد الحق عن النَّسائي أنَّه استنكر هذا الحديث (٦)، وقال الحافظ (لم يخرج له البخاري من روايته عن عكرمة شيئًا، بل عن أَنس وغيره) (٧). والذي يظهر أن الرجل لا بأس به، لكن قد أُنكر عليه هذا الحديث، وقد ذكر الذهبي في مقدمة كتابه "من تُكُلِّمَ فيه وهو موثَّق" أن ثقات الرواة الذين تكلم فيهم بعض الأئمة لا ينزل حديثهم عن رتبة الحسن، إلَّا أن يكون للرجل منهم أحاديث تُستنكر عليه، وهي التي تُكُلِّمَ فيه من أجلها، فينبغي التوقف في هذه الأحاديث. وقد تابع عمرو بن أبي عمرو داود بن الحصين، عن عكرمة، كما رواه عبد الرزاق (١٣٤٩٢)، وعباد بن منصور عند البيهقي (٨/ ٢٣٤) ولا يفرح بهما؛ لشدة ضعفهما. وقول الحافظ: (إلَّا أن فيه اختلافًا) أي: في كل جملة من هذا الحديث جاء عن ابن عبَّاس ﵄ ما يخالفها، أما الأولى فقد روى أَبو داود (٤٤٦٣) عن ابن عبَّاس ﵄ هي في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم، وروى

стр. 3774

البيهقي (٨/ ٢٣٢) عنه قال: ينظر أعلي بناء في القرية فيرمى به منكسًا، ثم يتبع الحجارة. وأما الجملة الثانية فقد روى البيهقي (٨/ ٢٣٤) عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رَزِين، سئل ابن عبَّاس ﵄ عن الذي يأتي البهيمة، قال: لا حدَّ عليه. فهذا الاختلاف عن ابن عبَّاس ﵄ يدل على أنَّه ليس عنده فيهما سنة عن النبي ﷺ وإنَّما تكلم باجتهاده. والحق أن ما جاء عن ابن عبَّاس ﵄ بالنسبة للجملة الأولى لا يعد اختلافًا؛ لأن الحديث ورد بالقتل، وما ورد عن ابن عبَّاس ﵄ صور من صور هذا القتل. وأما بالنسبة للجملة الثانية فهو اختلاف، وقد اختلفت كلمة العلماء في الخروج من هذا الاختلاف. فالإمام أحمد (١) وأَبو داود والترمذي وآخرون رجحوا حديث عاصم في أن الذي يأتي البهيمة لا حد عليه، وهو الذي يظهر من كلام البخاري، كما تقدم، وذلك لضعف عمرو بن أبي عمرو. والبيهقي وجماعة رجحوا رواية عمرو بن أبي عمرو لأمور ثلاثة: ١ - أن القاعدة في مثل هذا تقديم الرواية على الرأي، فإنه لا حكم لرأي ابن عبَّاس إذا انفرد، فكيف إذا عارض المروي، فيترجح المرفوع على الموقوف. ٢ - أن عمرًا تابعه على روايته جماعة، كما عند عبد الرزاق في "مصنفه". ٣ - أن عمرًا لا يقصر عن عاصم في الحفظ، بل لعله خير منه في الحديث، فقد قال الحافظ عن عاصسم: (صدوق له أوهام) وقال عن عمرو: (ثقة ربما وهم) وتقدم من وثقه، ولكن المعوَّل في هذا الأمر العظيم على ما قاله كبار الأئمة، أمثال أحمد والبخاري، كما تقدم.

стр. 3775

• الوجه الثاني: اتفق أهل العلم على تحريم عمل قوم لوط وأنه من كبائر الذنوب، وقد ذم الله تعالى هذه الفعلة الشنيعة، وقص علينا قصتهم تحذيرًا لنا أن نسلك سبيلهم، فيصيبنا ما أصابهم، وذلك في أكثر من موضع في القرآن. وقد اختلف العلماء في عقوبة هذه الجريمة على ثلاثة أقوال: الأول: أنَّه يقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا، سواء أكانا محصنين أو بكرين، أو أحدهما محصنًا والآخر بكرًا، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشَّافعي، ورواية عن أحمد، وصفها ابن القيم بأنها أصح الروايتين، وحكى ابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، إجماع الصحابة على هذا القول (١)، واستدلوا بحديث ابن عبَّاس ﵄ رقِي هذا، لكنهم اختلفوا في كيفية قتله، على خمسة أقوال: الأول: أنَّه يقتل بالسيف، لظاهر حديث ابن عبَّاس ﵄، فإن القتل إذا أطلق انصرف إلى القتل بالسيف. القول الثاني: أنَّه يرجم بالحجارة؛ لحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ في الذي يعمل عمل قوم لوط قال: "فارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا" (٢)، وهو قول عمر وعلي وابن عبَّاس ﵃. والقول الثالث: أنَّه يرفع على أعلي بناء في البلد فيرمى منه منكسًا ويتبع بالحجارة؛ لأن هذه عقوبة الله تعالى بقوم لوط، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر: ٧٤]، قال الشنقيطي: (وهذا غير ظاهر؛ لأن قوم لوط لم يكن عقابهم على اللواط وحده، بل عليه وعلى الكفر وتكذيب نبيهم ﷺ ، فهم قد جمعوا إلى اللواط ما هو أعظم من اللواط،

стр. 3776

وهو الكفر بالله وإيذاء رسوله ﷺ ) (١). والقول الرابع: أنَّه يحرق بالنار؛ وهو قول أبي بكر وعلي وابن الزُّبَير ﵃، وكأن عليًّا يرى الرجم ويرى التحريق. والقول الخامس: يهدم عليه حائط، وهذا مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃. والقول الثاني في المسألة: أنَّه يحد حد الزاني، فيجلد مائة ويغرب إن كان بكرًا، ويرجم إن كان محصنًا، وهذا قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وقول جماعة من السلف ذكرهم ابن القيم، وهؤلاء أطلقوا عليه أنَّه زنى وجعلوا تعريف الزنا شاملًا له (٢)، واستدلوا بدليلين: الأول: حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" (٣). الثاني: القياس على الزنا بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج، فهو وطء في محل محرم. واعتذروا عن حديث ابن عبَّاس ﵄ بأن فيه مقالًا، فلا ينتهض على إباحة دم المسلم. والقول الثالث: أن اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزاني وإنَّما يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وقول عند الشَّافعية، وهو قول الظاهرية (٤)، واحتجوا بأن الصحابة ﵃ اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنَّه ليس فيه نص صريح، وأنه من مسائل الاجتهاد، والحدود تدرأ بالشبهات. والذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول القاضي بأن يقتل مطلقًا إن ثبت إجماع الصحابة الذي حكاه من تقدم ذكرهم، ويكون هذا الإجماع مقويًا للحديث، وإلَّا فالقول الثالث أظهر؛ لأن حديث الباب وحده لا ينتهض على

стр. 3777

إباحة دم المسلم، والمسألة مرجعها إلى اجتهاد القاضي ونظره. أما ما استدل به أصحاب القول الثاني من حديث أبي موسى ﵁، فقد ضعفه الحافظان الذهبي وابن حجر؛ لأنه من رواية بشر بن الفضل البجلي، وهو مجهول (١)، وفي إسناد البيهقي محمد بن عبد الرحمن المقدسي، كذبه أَبو حاتم، ونقل الذهبي عن الأزدي أن قال: (لا يصح حديثه) (٢). وأما القياس فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة نص، بناء على صحة الحديث واستقامة الاستدلال به. • الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال: إن من وقع على بهيمة فإنه يقتل بكل حال، وهذا رواية عن أحمد، وقال الشَّافعي: (إن صح الحديث قلت به) وهو ظاهر اختيار ابن القيم (٣). والقول الثاني: أن حده حد الزاني، وهذا قول الشَّافعي، وقول للمالكية، وهو قول الحسن البصري (٤)، ودليلهم القياس على الزنا بجامع أن كلًّا منهما وطء في فرج محرم ليس فيه شبهة، فيكون حده كالزنى. والقول الثالث: أنَّه يعزر ولا حد عليه، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم أَبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه، والشَّافعي في قول له، وأحمد في رواية عنه، قال المرداوي: (هي المذهب وعليها جماهير الأصحاب)، وهو قول إسحاق، والظاهرية (٥). واستدلوا بأن لم يصح في عقوبته شيء عن النبي ﷺ ، والعقوبات المقدرة لا بد فيها من دليل ثابت سالم من الاعتراض، ولا دليل هنا ثابت، فلا حد

стр. 3778

إذن، وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر ﵁: (ليس على من أتى بهيمة حد) (١). وهذا أرجح الأقوال؛ لأن من أتى بهيمة فعل فعلًا محرمًا مجمعًا عليه، فاستحق العقوبة بالتعزير، وهذا أقل ما يفعل به، والبهيمة لا حرمة لها، وليس بمرغوب فيها فلا حاجة للزجر عنها بالحد؛ لأن النفوس تعاف ذلك الفعل المستهجن، فيبقى على الأصل في انتفاء الحد ووجوب التعزير. وأما حديث الباب فلم يثبت ثبوتًا تقوم به الحجة، ولا نُقِلَ عن الصحابة إجماع على القتل، كما نقل فيمن عمِل عَمل قوم لوط - إن ثبت هذا الإجماع - بل ورد عن ابن عبَّاس وعمر ﵁ أنَّه لا حد عليه كما تقدم. • الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن البهيمة التي وقع عليها إنسان تقتل، وهذا هو القول الراجح في مذهب الحنابلة، وكذا الشَّافعية في الراجح عندهم إذا كانت البهيمة مما يؤكل، وحديث الباب عام في كل بهيمة مأكولة أو غير مأكولة. والحكمة من قتلها ما رواه أبو داود والنَّسائي أنَّه قيل لابن عبَّاس: ما شأن البهيمة؟ -أي: لأنها لا عقل لها ولا تكليف عليها فما بالها تقتل- قال: ما أُراه قال ذلك، إلَّا أنَّه يكره أن يؤكل لحمها أو يُنْتَفَعُ بها وقد عمل بها ذلك العمل. وروي أنَّه قال: إنها تُرى فيقال: هذه التي فعل بها ما فعل. والقول الثافي: أنَّها إن كانت مأكولة ذبحت وإلَّا لم تقتل، وهذا قول في مذهب الشَّافعية (٢)، لما روي أن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان إلَّا لمأكله (٣). والأول هو الراجح، وهو أنَّها تقتل لا سيما إذا كانت مأكولة يمكن الاستفادة منها، أما إن كانت غير مأكولة كالحمار والبغل ونحوهما، فإن قتلت فهو أخذ بعموم الحديث، وإن أبعدت إلى مكان آخر يمكن أن تعيش فيه، لكان فيه وجاهة في نظري، والله أعلم.

стр. 3779

ما جاء في أن التغريب باقٍ ينسخ ١٢٢٤/ ١٣ - عَنْ ابْن عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ ووَقْفِهِ. • الكلام عليه من وجهين: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه التِّرمِذي في أَبواب "الحدود"، باب "ما جاء في النفي" (١٤٣٨) قال: حدَّثنا أَبو كريب، ويحيى بن أكثم، قالا: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. وهذا الحديث إسناده قوي، ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، فقد رواه أَبو كريب، ويحيى بن أكثم وآخرون مرفوعًا كما مَرَّ، ورواه محمد بن عبد الله بن نمير، وأَبو سعيد الأشج، كلاهما عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب، هكذا موقوفًا لم يذكر فيه النبي ﷺ . قال الدَّارَقُطني عن وقفه: (هو الصواب). ورواية أبي سعيد الأشج رواها البيهقي (٨/ ٢٢٣) من طريق إبراهيم بن أبي طالب، حدثني أَبو سعيد، به. وروي مرسلًا من طريق يوسف بن محمد بن سابق، عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، أن النبي ﷺ … مرسلًا لم يذكر ابن عمر. وقد

стр. 3780

رجح أَبو حاتم إرساله (١). قال التِّرمِذي: (وقد صح عن رسول الله ﷺ النفي، رواه أَبو هريرة وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، وغيرهم عن النبي ﷺ ). • الوجه الثاني: الحديث دليل على أن جلد الزاني البكر وتغريبه عن محل إقامته مدة سنة أمر مستقر، وأنه لم ينسخ ولم يغير، بدليل فعل أبي بكر وعمر ﵄، ولعل هذا هو الغرض من ذكرهم في هذا الحديث، وإلَّا فالحجة قائمة بما ثبت عن النبي ﷺ ، كما تقدم في حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ وزيد بن خالد وعبادة بن الصامت ﵃". ولعل الحافظ ساق هذا الحديث ردًّا على من ادعى نسخ التغريب، كما قالت الحنفية، وهذا أمر لا سبيل إلى إثباته بعد ثبوت عمل الخلفاء ﵃ بالتغريب، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. والله تعالى أعلم.

стр. 3781

حكم دخول المتشبه بالنساء على المرأة ١٢٢٥/ ١٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَال، وَالْمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ. وَقَال: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكِمْ"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "نفي أهل المعاصي والمخنثين" (٦٨٣٤) من طريق هشام الدستوائي، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، وتمام الحديث: وأخرج فلانًا، وأخرج عمر فلانًا. ورواه -أيضًا- في "اللباس" (٥٨٨٥) من طريق شعبة، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، ولفظه: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لعن رسول الله ﷺ ) تقدم في "الجنائز" أن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى (لعن رسول الله) أي: دعا باللعنة. قوله: (المخنثين من الرجال) جمع مخنث، بفتح النون وكسرها، على وزن اسم الفاعل أو اسم المفعول، وهو المؤنث من الرجال، وهو الرجل الذي يتشبه بالنساء في أخلاقه وحركاته وكلامه وزيّه وغير ذلك مما هو من خصائص النساء، مأخوذ من التخنث، وهو التكسر في المشي وغيره.

стр. 3782

قوله: (والمترجلات من النساء) جمع مترجلة، وهي المرأة التي تتشبه بالرجال في أخلاقها وحركاتها وكلامها وزيها وغير ذلك مما هو من خصائص الرجال. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء وأن ذلك من كبائر الذنوب، لثبوت لعن من فعل ذلك، فينهى الرجل عن التشبه بالمرأة في كل أمر جاء الشرع بتخصيصه بالنساء؛ كالحرير ولبس الذهب والحجاب، وصفة زيها وملابسها، ونحو هذا مما ثبت به النص، أو لم يأت به الشرع ولكن قضى به العرف، فإنه يعتبر ما عليه حال الناس وما قضى به عرفهم ما لم يتضمن مفسدة منعها الشرع، وعلى هذا فيحرم على الرجل لبس حلية الذهب والتزعفر وهو كل طيب له لون، ويحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة في مشيتها وكلامها. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم تشبه النساء بالرجال، وأن ذلك من كبائر الذنوب، فتنهى المرأة عن التشبه بالرجل في كل أمر جاء الشرع بتخصيص الرجل به، مثل كون لباس الرجل فوق الكعبين، أو لم يات به الشرع ولكن قضى به العرف، فإنه يعتبر في ذلك ما لم تتضمن مفسدة منعها الشرع. وقد ذكر العلماء أن الحديث محمول على من قصد التشبه بالآخر مما يمكن تركه، أما ما لا حيلة للرجل أو المرأة فيه فلا إثم فيه؛ لأنه غير داخل في الاستطاعة، مثل رقة الصوت عند الرجل أو خشونته عند المرأة أو تكسره في مشيته وثبوتها وانتصابها في ذلك، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: (وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به) (١). • الوجه الخامس: الحكمة من النهي عن التشبه أن الله تعالى خلق

стр. 3783

الإنسان وجعل لكل من الرجل والمرأة خصائص ينفرد بها عن الآخر في تكوين بدنه، وفي طباعه وصفاته النفسية والعقلية، وجعل لكل منهما وظيفة ورسالة في هذه الحياة تناسب تكوينه وما فطر عليه، ولن تستقيم أمور الناس وتنتظم أحوالهم حتَّى يقوم كل من الرجل والمرأة بوظيفته التي تلائمه. ومن هنا جاء الإسلام بنهي المرأة عن التشبه بالرجل، ونهى الرجل عن التشبه بالمرأة؛ لأن انتزاع الرجل بعض خصائص المرأة أو وظائفها هو فقد للرجولة الحقة والحياة السوية، وكذا المرأة متى حاولت انتزاع بعض خصائص الرجل أو وظائفه فهي ممسوخة وخارجة عن طبيعتها وأنوثتها. ومن مقاصد الشريعة في تحريم التشبه ولعن فاعله إظهارُ الفرق بين الرجل والمرأة، وسَدُّ الذرائع، لما قد يفضي إليه هذا التشبه من مفاسد عظيمة، فإن الرجل إذا تشبه بالمرأة في لباسها وحركاتها وصوتها قد يفضي به ذلك إلى أن يمكن من نفسه كأنه امرأة، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في آخر باب الزنى، وقد تبع في هذا البخاري، فإنه ذكره في "الحدود". وكذا المرأة متى تشبهت بالرجل اكتسبت من أخلاقه ما يهون عليها أمر البروز والخروج من منزلها ومشاركة الرجال، وصارت تُظهر من بدنها مثل ما يظهره الرجل (١). هذا فيما يتعلق بتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، وأما التشبه بالكفار فسيأتي - إن شاء الله - في كتاب "الجامع". • الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية نفي من أتى معصية لا حد فيها، وهو يدل على نفي من أتى ما فيه حد من باب أولى، والنهي عن دخول المخنثين في البيوت من الطرق والتدابير الواقية من الزنا، وقد نهى النبي ﷺ عن دخول المخنث على النساء لما سمعه يصف المرأة بأوصاف تهيج قلوب الرجال. والله تعالى أعلم.

стр. 3784

ما جاء في أن الحدود تدرأ بالشبهات ١٢٢٦/ ١٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَة، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. ١٢٢٧/ ١٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرمذي وَالحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: "ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وَهُوَ ضعِيفٌ أَيضًا. ١٢٢٨/ ١٧ - وَرَوَاهُ البَيهَقِي عَنِ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ". • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ فقد رواه ابن ماجة (٢٥٤٥) من طريق إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف -كما قال الحافظ - بل ضعيف جدًّا، فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني، ضعفه أحمد وابن معين وأَبو زرعة وأَبو حاتم والبخاري وآخرون، وقد نقل الحافظ أقوال الأئمة فيه (١)، ولخص حاله في "التقريب"، فقال: (متروك). وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه التِّرمِذي في أَبواب "الحدود"، باب "ما جاء في درء الحدود" (١٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٨٤) من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.

стр. 3785

وهذا سند ضعيف -كما قال الحافظ- بل ضعيف جدًّا، فيه يزيد بن زياد القرشي الدمشقي، قال عنه البخاري: (منكر الحديث ذاهب) (١)، ولما قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) تعقبه الذهبي بقوله: (يزيد بن زياد شامي متروك). ورواه البيهقي (٨/ ٢٣٨) من طريق عبد الله بن هاشم، حدَّثنا وكيع، عن يزيد، فذكره موقوفًا. قال التِّرمِذي: (ورواية وكيع أصح)، وقال البيهقي: (ورواية وكيع أقرب إلى الصواب)، وهذا لا يعني صحة الموقوف، فإن الحديث مداره على يزيد بن زياد، وعليه فلا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا. وأما حديث علي ﵁ وأنه من قوله، فلم أقف عليه لا في "السنن" ولا في "المعرفة" للبيهقي، وقد رواه في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٣٨) من طريق المختار بن نافع، ثنا أَبو حيان التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ مرفوعًا، وسنده ضعيف جدًّا، المختار بن نافع قال عنه البخاري: (منكر الحديث). ورواه في "الخلافيات" عن علي ﵁ موقوفًا (٢)، وقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال: (ادرأوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم) (٣). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (ادرأوا) أي: ادفعوا، والدرء هو الدفع، والخطاب للحكام ومن ينوب منابهم كالقضاة. قوله: (بالشبهات) جمع شبهة، والشبهة مأخوذة من الاشتباه، وهو
следующие страницы →