حكم دخول المتشبه بالنساء على المرأة
١٢٢٥/ ١٤ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَال، وَالْمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ. وَقَال: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكِمْ"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "نفي أهل المعاصي والمخنثين" (٦٨٣٤) من طريق هشام الدستوائي، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، وتمام الحديث: وأخرج فلانًا، وأخرج عمر فلانًا.
ورواه -أيضًا- في "اللباس" (٥٨٨٥) من طريق شعبة، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄، ولفظه: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لعن رسول الله ﷺ ) تقدم في "الجنائز" أن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى (لعن رسول الله) أي: دعا باللعنة.
قوله: (المخنثين من الرجال) جمع مخنث، بفتح النون وكسرها، على وزن اسم الفاعل أو اسم المفعول، وهو المؤنث من الرجال، وهو الرجل الذي يتشبه بالنساء في أخلاقه وحركاته وكلامه وزيّه وغير ذلك مما هو من خصائص النساء، مأخوذ من التخنث، وهو التكسر في المشي وغيره.
стр. 3782
قوله: (والمترجلات من النساء) جمع مترجلة، وهي المرأة التي تتشبه بالرجال في أخلاقها وحركاتها وكلامها وزيها وغير ذلك مما هو من خصائص الرجال.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء وأن ذلك من كبائر الذنوب، لثبوت لعن من فعل ذلك، فينهى الرجل عن التشبه بالمرأة في كل أمر جاء الشرع بتخصيصه بالنساء؛ كالحرير ولبس الذهب والحجاب، وصفة زيها وملابسها، ونحو هذا مما ثبت به النص، أو لم يأت به الشرع ولكن قضى به العرف، فإنه يعتبر ما عليه حال الناس وما قضى به عرفهم ما لم يتضمن مفسدة منعها الشرع، وعلى هذا فيحرم على الرجل لبس حلية الذهب والتزعفر وهو كل طيب له لون، ويحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة في مشيتها وكلامها.
• الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم تشبه النساء بالرجال، وأن ذلك من كبائر الذنوب، فتنهى المرأة عن التشبه بالرجل في كل أمر جاء الشرع بتخصيص الرجل به، مثل كون لباس الرجل فوق الكعبين، أو لم يات به الشرع ولكن قضى به العرف، فإنه يعتبر في ذلك ما لم تتضمن مفسدة منعها الشرع.
وقد ذكر العلماء أن الحديث محمول على من قصد التشبه بالآخر مما يمكن تركه، أما ما لا حيلة للرجل أو المرأة فيه فلا إثم فيه؛ لأنه غير داخل في الاستطاعة، مثل رقة الصوت عند الرجل أو خشونته عند المرأة أو تكسره في مشيته وثبوتها وانتصابها في ذلك، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: (وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به) (١).
• الوجه الخامس: الحكمة من النهي عن التشبه أن الله تعالى خلق
стр. 3783
الإنسان وجعل لكل من الرجل والمرأة خصائص ينفرد بها عن الآخر في تكوين بدنه، وفي طباعه وصفاته النفسية والعقلية، وجعل لكل منهما وظيفة ورسالة في هذه الحياة تناسب تكوينه وما فطر عليه، ولن تستقيم أمور الناس وتنتظم أحوالهم حتَّى يقوم كل من الرجل والمرأة بوظيفته التي تلائمه.
ومن هنا جاء الإسلام بنهي المرأة عن التشبه بالرجل، ونهى الرجل عن التشبه بالمرأة؛ لأن انتزاع الرجل بعض خصائص المرأة أو وظائفها هو فقد للرجولة الحقة والحياة السوية، وكذا المرأة متى حاولت انتزاع بعض خصائص الرجل أو وظائفه فهي ممسوخة وخارجة عن طبيعتها وأنوثتها.
ومن مقاصد الشريعة في تحريم التشبه ولعن فاعله إظهارُ الفرق بين الرجل والمرأة، وسَدُّ الذرائع، لما قد يفضي إليه هذا التشبه من مفاسد عظيمة، فإن الرجل إذا تشبه بالمرأة في لباسها وحركاتها وصوتها قد يفضي به ذلك إلى أن يمكن من نفسه كأنه امرأة، ولعل هذا غرض الحافظ من ذكر هذا الحديث في آخر باب الزنى، وقد تبع في هذا البخاري، فإنه ذكره في "الحدود".
وكذا المرأة متى تشبهت بالرجل اكتسبت من أخلاقه ما يهون عليها أمر البروز والخروج من منزلها ومشاركة الرجال، وصارت تُظهر من بدنها مثل ما يظهره الرجل (١).
هذا فيما يتعلق بتشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، وأما التشبه بالكفار فسيأتي - إن شاء الله - في كتاب "الجامع".
• الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية نفي من أتى معصية لا حد فيها، وهو يدل على نفي من أتى ما فيه حد من باب أولى، والنهي عن دخول المخنثين في البيوت من الطرق والتدابير الواقية من الزنا، وقد نهى النبي ﷺ عن دخول المخنث على النساء لما سمعه يصف المرأة بأوصاف تهيج قلوب الرجال. والله تعالى أعلم.
стр. 3784
ما جاء في أن الحدود تدرأ بالشبهات
١٢٢٦/ ١٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَة، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
١٢٢٧/ ١٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرمذي وَالحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: "ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وَهُوَ ضعِيفٌ أَيضًا.
١٢٢٨/ ١٧ - وَرَوَاهُ البَيهَقِي عَنِ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ فقد رواه ابن ماجة (٢٥٤٥) من طريق إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف -كما قال الحافظ - بل ضعيف جدًّا، فيه إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني، ضعفه أحمد وابن معين وأَبو زرعة وأَبو حاتم والبخاري وآخرون، وقد نقل الحافظ أقوال الأئمة فيه (١)، ولخص حاله في "التقريب"، فقال: (متروك).
وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه التِّرمِذي في أَبواب "الحدود"، باب "ما جاء في درء الحدود" (١٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٨٤) من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.
стр. 3785
وهذا سند ضعيف -كما قال الحافظ- بل ضعيف جدًّا، فيه يزيد بن زياد القرشي الدمشقي، قال عنه البخاري: (منكر الحديث ذاهب) (١)، ولما قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) تعقبه الذهبي بقوله: (يزيد بن زياد شامي متروك).
ورواه البيهقي (٨/ ٢٣٨) من طريق عبد الله بن هاشم، حدَّثنا وكيع، عن يزيد، فذكره موقوفًا.
قال التِّرمِذي: (ورواية وكيع أصح)، وقال البيهقي: (ورواية وكيع أقرب إلى الصواب)، وهذا لا يعني صحة الموقوف، فإن الحديث مداره على يزيد بن زياد، وعليه فلا يصح لا مرفوعًا ولا موقوفًا.
وأما حديث علي ﵁ وأنه من قوله، فلم أقف عليه لا في "السنن"
ولا في "المعرفة" للبيهقي، وقد رواه في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٣٨) من طريق المختار بن نافع، ثنا أَبو حيان التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ مرفوعًا، وسنده ضعيف جدًّا، المختار بن نافع قال عنه البخاري: (منكر الحديث). ورواه في "الخلافيات" عن علي ﵁ موقوفًا (٢)، وقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال: (ادرأوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم) (٣).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (ادرأوا) أي: ادفعوا، والدرء هو الدفع، والخطاب للحكام ومن ينوب منابهم كالقضاة.
قوله: (بالشبهات) جمع شبهة، والشبهة مأخوذة من الاشتباه، وهو
стр. 3786
الالتباس وعدم اتضاح الشيء؛ أي: فلا تحدوا إلَّا بأمر متيقن لا يتطرق إليه تأويل.
• الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذه الأحاديث على أن الحد يدفع بالشبهة التي يجوز وقوعها؛ كدعوى الإكراه، أو أنَّها أُتيت وهي نائمة، أو رجوع المقر عن إقراره، أو كون الشهود على الزنا نساء، وغير ذلك من الشبهات التي لا يمكن حصرها؛ لأن أساسها في الغالب الوقائع وهي لا تحصر، والمرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي واقتناعه بما يدعى أنَّه شبهة.
والقول بأن الحدود تدرأ بالشبهات موضع اتفاق بين الفقهاء ما عدا الظاهرية فهم لا يقولون به، ويرون أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة، قال ابن حزم: (لا يحل درء حد بشبهة ولا إقامته بشبهة، وإنَّما هو الحق واليقين فقط) (١).
والفقهاء يختلفون فيما يصح أن يكون شبهة وما لا يصح، مثل إكراه الرجل على الوطء، بعضهم يعتبره شبهة، وبعضهم لا يعتبره.
وأحاديث الباب لم يثبت منها شيء مرفوعًا، وبعض الموقوف لا بأس به، كما تقدم، فيكون المعول عليه، ويؤيده ما ورد عن النبي ﷺ من العمومات، كما في قصة ماعز ﵁ أنَّه قال له: "لعلك قبلت، لعلك لمست، لعلك غمزت" كل ذلك يلقنه أن يقول نعم، بعد إقراره بالزنا، ولا فائدة من ذلك إلَّا كونه لو قالها تُرك، وكذا ما جاء في قصة الغامدية، وسيأتي في باب "السرقة" ما يؤيد ذلك أيضًا.
ثم إن أحاديث الباب وإن لم تصح من جهة الإسناد، فهي صحيحة من جهة المتن، ومعناها مقطوع به من جهة الشرع، وموافق لمقتضى العقل، وذلك أن الحد عقوبة مقدرة على معصية، وهذه المعصية لا بد أن تتحقق لتنطبق عليها العقوبة، ولا تتحقق مع قيام الشبهة؛ لأننا إذا أقمنا الحد مع قيام
стр. 3787
الشبهة فمعناه أننا اعتقدنا ثبوت ما ليس بثابت، وهذا من باب الحكم بالظن، وهو لا يكفي في عقوبة بليغة قد تصل إلى إتلاف معصوم أو إضرار بمسلم فيما يتعلق بجلده أو الحط من قدره في المجتمع.
وقد قرر الباحثون في الفقه الإسلامي أن قاعدة درء الحدود بالشبهة لها ارتباط وثيق بقاعدة البراءة الأصلية، وأن الأصل في الإنسان براءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات حتَّى تثبت إدانته بدليل صحيح لا يتطرق إليه الظن والاحتمال، بناء على أن الأصل براءة الذمة، يقول الشوكاني عن الأدلة في هذا الباب: (والجميع يصلح للاحتجاج به، لا سيما والأصل في الدماء ونحوها العصمة، فلا تستباح مع وجود ما يدل على سقوط الحد) (١).
• الوجه الرابع: يستفاد مما تقدم أنَّه يجب على الحاكم والقاضي الاحتياط في إقامة الحدود وفرض العقوبات، وعليه أن ينظر في الشبهات التي تتوارد على القضية، فما اقتنع به أثبته، وما لم يقتنع به ألغاه، وأثبت الجريمة وأدان الجاني. والله تعالى أعلم.
стр. 3788
من ألمَّ بمعصية فعليه أن يستتر
١٢٢٩/ ١٨ - عَنِ ابْن عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْتَنِبُوا هذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتي نَهى اللهُ تَعَالى عَنْهَا، فَمَنْ ألَمَّ بهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيهِ كِتَابَ اللهِ "، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ في الْمُوَطَّإِ مِنْ مُرْسَلِ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١/ ٨٦)، والحاكم (٤/ ٢٤٤)، والبيهقي (٨/ ٣٣٠) من طريق أسد بن موسى، حدَّثنا أَنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، حدثني عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قام بعد أن رجم الأسلمي، فقال: "اجتنبوا هذه القاذورة … الحديث" وهذا السياق للطحاوي.
والحديث إسناده قوي، وظاهره الصحة، أسد بن موسى ثقة، وبقية رجاله على شرطهما، قال الحاكم: (إسناد صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، مع أن أسد بن موسى لم يخرجا له ولا أحدهما.
وقد أعل بالإرسال، فقد ذكر الدَّارَقُطني طرق الحديث وأنه رواه اللَّيث بن سعد وابن عيينة وحماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار، مرسلًا عن النبي هو أشبهها الصواب) (١).
стр. 3789
ورواه مالك (٢/ ٨٢٥) عن زيد بن أسلم أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ … وذكره بنحوه.
ورواه الشَّافعي في "الأم" (٧/ ٣٦٧ - ٣٦٨) قال: أخبرنا مالك به مرسلًا، ثم قال: (هذا حديث منقطع ليس مما يثبت به، هو نفسه حجة، وقد رأيت من أهل العلم عندنا من يعرفه، ويقول به، فنحن نقول به).
وقال ابن عبد البر: (هكذا روى هذا الحديث مرسلًا جماعة الرواة للموطأ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه) (١)، قال الحافظ: (ومراده بذلك: من حديث مالك، وإلَّا فقد روى الحاكم.) (٢) ثم ذكره مسندًا، كما تقدم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (هذه القاذورات) هكذا بالجمع في نسخ "البلوغ" وقد جاءت بلفظ الإفراد في المصادر المذكورة في التخريج، إلَّا في "الموطأ" فقد جاءت بالجمع، وهي جمع قاذورة، وهي الأمر القبيح والفعل السيئ، والمراد ما فيه حد كالزنا والشرب، وسميت قاذورة؛ لأن حقها أن تقذر، فوصفت بما يوسف به صاحبها، والمعاصي كلها قاذورات.
قوله: (فمن ألمَّ بها) أي: فعلها وارتكبها.
قوله: (من يبد لنا) أي: يظهر ما فعل.
قوله: (صفحته) أي: جانبه أو وجهه، والمراد هنا حقيقة أمره، والمعنى: من تظهر لنا جريمته وتصل إلى الإِمام نقم عليه الحد ولا نتركه.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم تعاطي ما حرم الله تعالى من المعاصي من الأقوال والأفعال، والمعاصي كلها قاذورات، فيجب البعد عنها والحذر منها، ومن وقع في شيء منها فليستتر بستر الله تعالى، ولا يظهر ما فعل، وعليه أن يبادر بالتوبة، والله تعالى يقبل توبة عبده متى تحققت شروطها،
стр. 3790
وأصح الأقوال عند أهل العلم أن الأفضل فيمن ارتكب معصية أو ما يوجب الحد أن يستر على نفسه ويتوب فيما بينه وبين الله تعالى، وقد ثبت عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يستر الله على عبد في الدنيا إلَّا ستره الله يوم القيامة" (١). وعنه -أيضًا- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل أمتي معافى إلَّا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" (٢).
• الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن من أظهر المعصية وما حصل منه، أنَّه يقام عليه أمر الله تعالى، وكذا لو ثبتت عليه بالبينة، وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 3791
باب حد القذف
القذف في اللغة: الرمي بالحجارة ونحوها مما يؤذي ويضر، واستعير للسب وتوجيه العيوب، بجامع الإضرار في كلّ، وإضافة الحد إلى القذف من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ أي: الحد الذي سببه القذف.
والقذف شرعًا: الرمي بالزنا.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن الرمي بالزنا قذف يوجب الحدَّ على القاذف، وإنَّما الخلاف في الرمي بعمل قوم لوط، وهذا مبني على الخلاف في اعتباره زنا، فمن اعتبره زنا، قال: الرمي به مثل الرمي بالزنا، وهو قول مالك والشَّافعي وأحمد، ومن لم يعتبره زنا، قال: إن الرمي به يوجب التعزير، وهو قول أبي حنيفة (١).
ومثال القذف أن يقول: يا زانٍ، أو أنت زانٍ، أو يا من فَعَلَ عَمَلَ قوم لوط، أو نحو ذلك من الألفاظ الصريحة في القذف، ومثله لو قال: فضحتِ زوجَكِ، أو يا قَحْبة، ونحو ذلك، بشرط وجود قرينة تدل على المراد؛ لأن هذه الألفاظ كنايات، على ما ذكره الفقهاء.
والقذف من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصنًا - وهو: الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله - وإنَّما كان من الكبائر؛ لثبوت الحد فيه ولعن فاعله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
стр. 3792
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣] وعده النبي ﷺ من السبع الموبقات (١).
وتخصيص النساء بالذكر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ مع أن الرجال في حكمهن بلا خلاف؛ لأن قذف النساء أشنع وأعظم.
والحكمة من تحريمه وإيجاب الحد على فاعله صيانة الأعراض، وتطهير المجتمع من بذاءة اللسان، وثرثرة الكلام، وإشاعة الفواحش، وفضح البيوت، واتهام الأعراض، والتشكيك في الأنساب.
وإقامة حد القذف هو العلاج الحاسم والدواء الشافي الذي يهدف إلى استئصال الشر من جذوره، وتطهير المجتمع من اللغو والكلام الباطل، خلافًا للقوانين الوضعية في بعض الدول العربية التي تعاقب على القذف بالحبس والغرامة، أو أحدهما، ومثل هذا لا يرجع الجاني ولا يزجر غيره. والله عليم حكيم.
стр. 3793
ثبوت حد القذف
١٢٣٠/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَينِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الْحَدَّ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إِلَيهِ الْبُخَارِيُّ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٤٠/ ٧٦ - ٧٧)، وأَبو داود في كتاب "الحدود"، باب "في حد القذف" (٤٤٧٤)، والتِّرمِذي (٣١٨١)، والنَّسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٨٩)، وابن ماجة (٢٥٦٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵄.
وهذا الحديث حسنه التِّرمِذي، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعنه، لكن صرح بالتحديث عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٧/ ٤٠٩) وعند البيهقي كما في "دلائل النبوة" (٤/ ٧٤)، و"السنن الكبرى" (٨/ ٥٥٠) فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.
لكن قد يشكل على هذا أن الشيخين قد رويا قصة الإفك بطولي وتفاصيلها، ولم يرد ذكر لِجَلْدِ الرامين، نعم ورد التصريح بأسماء القذفة، لكن لم يرد أن النبي ﷺ جلدهم (١).
ثم إن الحديث قد اختلف فيه على ابن إسحاق فرواه جماعة من الثقات
стр. 3794
عنه موصولًا بذكر عائشة ﵂ -كما تقدم، ورواه محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة مرسلًا (١).
وقول الحافظ: (وأشار إليه البخاري) مراده بذلك قول البخاري في كتاب "الاعتصام" من "صحيحه": باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، (وشاور النبي ﷺ عليًّا وأسامة فيما رمى به أصحاب الإفك عائشة، فسمع منهما حتَّى نزل القرآن، فجلد الرامين.) (٢).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لما نزل عذري) أي: الآيات الدالة على براءتها مما رميت به، شبهتها بالعذر الذي يبرئ المعذور من الجرم.
قوله: (على المنبر) اسم آلة، مشتق من النبر، وهو الرفع؛ لأنه يتخذ للارتفاع عليه، وتعلية الصوت.
قوله: (فذكر ذلك) أي: عذري.
قوله: (وتلا القرآن) أي: قرأ القرآن المتعلق بعذرها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. .. ﴾ [النور: ١١] إلى آخر ستَّ عشرة آية، على أحد الأقوال، ويكون آخرها: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]، (٣). وقال ابن كثير في بداية تفسيرها: (هذه الآيات العشر نزلت كلها في شأن عائشة ﵂.) وعلى هذا فآخرها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠]، آخر الوجه الثاني من سورة النور على مصحف المدينة النبوية.
وقد أجمع العلماء على أن قصة الإفك هي سبب نزول هذه الآيات، وكان نزولها بعد شهر من الحادثة، كما ذكر ابن كثير (٤). وسميت بقصة الإفك
стр. 3795
أخذًا من لفظ الآية، والإفك أخص من الكذب؛ لأنه -كما قال أَبو هلال العسكري-: (هو الكذب الفاحش القبيح) (١)، إضافة إلى أنَّه قلب للحقائق وَصرْفٌ لها عن وجهها، وهو إثم كبير، وهذه هي معاني الإفك في اللغة، كما في "اللسان" وغيره.
قوله: (وأمر برجلين) أي: أمر بإحضار رجلين، وهما: حسان بن ثابت، ومِسْطح بن أُثاثة، بكسر الميم وإسكان السين، وبضم الهمزة من أُثاثة.
قوله: (وامرأةٍ) بالجر عطف على ما قبله، وهي حمنة بنت جحش، وقد ورد تسميتهم عند البخاري كما في "المغازي" (٤١٤١) كما ورد النص على جلدهم في الرواية المرسلة عند أبي داود، حيث نُصَّ على الرجلين، أما المرأة فالنص عليها من قول النفيلي شيخ أبي داود.
قوله: (فَضُرِبُوا الحد) أي: حد القذف، وهو ثمانون، وذلك لثبوت كذبهم به.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت حد القذف، ووجوب إقامته على القاذف في الجملة، وقد اتفق العلماء على أن القذف الذي يجب فيه الحد هو الرمي بالزنا أو نفي النسب، وقد تقدم ذلك.
ويلحق بحد القذف عقوبة أخرى نص عليها القرآن وهي الحكم بفسق القاذف وعدم قبول شهادته، وعدم تصديقه في أقواله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، والإحصان في الآية بمعنى: العفة مع البلوغ والعقل.
• الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنَّه لم يثبت القذف لعائشة ﵂ إلَّا من الثلاثة المذكورين، والأكثرون من المفسرين على أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول (٢)، وهذا قد جاء في حديث عائشة ﵂: (وكان
стр. 3796
الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أُبي ابن سلول) (١). لكن هل هذا خاص به أو معه غيره؟ فيه كلام للمفسرين.
وأما حده ففيه خلاف بين أهل العلم، فقال القرطبي وابن القيم (٢): إنه لم يُحَدَّ، وذكر ابن القيم أعذارًا، منها: أن الحد كفارة وابن أبي ليس أهلًا لذلك، وقيل: إن الحد لا يثبت إلَّا ببينة أو إقرار، وهو لم يثبت عليه شيء من ذلك، وقيل: ترك حده للمصلحة، وهي تأليف قومه؛ لأنه كان سيدًا مطاعًا، وقيل: لذلك كله.
وكل هذه أعذار ضعيفة، ما عدا الثاني؛ لأن الظاهر أن ابن سلول لم يصرح بشيء، بل كان لدهائه ونفاقه يثير الفرية ويترك غيره يخوض فيها، وقد توارى خلفها يشعل نيرانها دون أن يثبت عليه شيء يُدان به، وقد جاء في "الصحيح" الإشارة إلى هذا.
وقيل: إنه أقيم عليه الحد مع من حُدَّ من الصحابة، ذكر هذا القرطبي، وأشار إليه ابن حجر ﵀، ومستند هذا القائل روايات لا تخلو من مقال (٣). والأقرب أنَّه لم يحد، فإنه لو حُدَّ لنقل واشتهر.
• الوجه الخامس: يرى الماوردي أنه ﷺ لم يجلد أحدًا من القذفة لعائشة ﵂، وعلل ذلك بأن الحد إنما يثبت ببينة أو إقرار.
وأجاب القائلون بأنهم حدوا بأنه قد يثبت ما يوجب الحد بنص القرآن، وحد القاذف يثبت بعدم ثبوت ما قَذَفَ به، ولا يحتاج في إثباته إلى بينة، صحيح أن القرآن لم يبين أحدًا من القذفة، لكن ورد هذا في تفسير الآيات، فقد جاء في "الصحيحين" ما يدل على أن مسطح بن أثاثة من القذفة، وأنه هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ (٤) [النور: ٢٢]. والله تعالى أعلم.
стр. 3797
حكم قذف الرجل زوجته
١٢٣١/ ٢ - عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: أَوّلُ لِعَانٍ كَانَ في الإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ "الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌ في ظَهْرِكَ"، الحديثَ. أخْرَجَهُ أبُو يَعلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
١٢٣٢/ ٣ - وَهُوَ: فِي الْبُخَارِيِّ نَحوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أَنس ﵁ فقد رواه النَّسائي (٦/ ١٧٢ - ١٧٣) من طريق عمران بن يزيد، ورواه ابن حبان (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وأَبو يعلى (٣/ ١٩٩) من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي، قالا: حدَّثنا مخلد بن الحسين، حدَّثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أَنس بن مالك ﵁، قال: … وذكر الحديث.
وهذا الحديث في إسناده مسلم بن أبي مسلم، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (ربما أخطأ) ووثقه الخطيب، ونقل الحافظ في "اللسان" عن الأزدي قوله: (حدث بأحاديث لا يتابع عليها) وعن البيهقي أنَّه غير قوي، وقد تابعه عمران بن يزيد -كما تقدم- ومحمد بن كثير عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٥١) (١)، وأصل هذا الحديث عند مسلم (١٤٩٦) بنحوه، ولعل الحافظ اختار هذه الرواية؛ لأنها أدل على المراد في باب القذف، وهو قوله: "البينة أو حد في ظهرك" فإن هذا ليس عند مسلم، لكن لو أشار إلى أن
стр. 3798
أصل الحديث في مسلم لكان أولى -كعادته- ولعله اكتفى بالإشارة إلى حديث ابن عبَّاس ﵄.
وأما حديث ابن عبَّاس ﵄ فقد رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب "إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة" (٢٦٧١) من طريق هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك"، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك". فذكر حديث اللعان …
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أول لعان كان في الإسلام) ثبت هذا في حديث أَنس عند مسلم، وقد تقدم تعريف اللعان في بابه، وأشرت هناك إلى خلاف العلماء في نزول آية اللعان، فمنهم من قال: إنها نزلت في هلال بن أمية الواقفي حين قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، وهذا ظاهر قوله هنا: (أول لعان كان في الإسلام … ).
والقول الثاني: أنَّها نزلت في عويمر العجلاني لما قذف زوجته بشريك بن سحماء، لقوله ﷺ لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" (١) ويكون ذكر هلال بن أمية وهمًا من أحد الرواة، ولا يؤثر هذا؛ لثبوت أصل الحديث. وهذا اختيار الشَّافعي، والطبري، والقاضي عياض، وابن بطَّال، وأبي العباس القرطبي، وآخرين (٢).
وأما الأولية في حديث الباب فهي مقابلة بغيرها، لأنه ورد في حديث ابن عمر ﵄: (إن أول من سأل عن ذلك فلان وفلان)، وفي رواية: (فرق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان) (٣) والمراد عويمر وشريك، لأنهما من
стр. 3799
بني العجلان، كما تقدم، وأما هلال بن أمية فهو أنصاري واقفي كما مَرَّ (١).
قوله: (أن شريك بن سحماء) بفتح الشين المعجمة والسين المهملة، وسحماء: هي أمه، قيل لها: سحماء؛ لأنها كانت سوداء، وشريك هذا صحابي بلوي، كان حليفًا للأنصار، وتقدم ذكره في "اللعان".
قوله: (قذفه هلال بامرأته) أي: إن هلال بن أمية رمى شريك بن سحماء بأنه قد زنى بزوجته وهي خولة بنت عاصم، ذكرها في "الإصابة" (٢)، وليس لها رواية. وهذا ثابت في "الصحيحين"، لكن ورد أيضًا فيهما أن القاذف هو عويمر العجلاني -كما تقدم-، وهذه وجهة نظر من قال: إنهما قصتان مختلفتان اتفق وقوعهما في زمن واحد أو متقارب.
قوله: (البينة) هذا لفظ البخاري، كما تقدم، ولفظ أبي يعلى: "يا هلال أربعة شهود وإلَّا فحد في ظهرك". والبينة، ومثلها (أربعة شهود) بالنصب مفعول به لفعل محذوف؛ أي: أحضر البينة، وبالرفع مبتدأ حذف خبره؛ أي: عليك البينة، والمراد: بينة الزنا، وهي أربعة شهود.
قوله: (الحديث) إشارة إلى أنَّه لم يكمل الحديث، وإنَّما ساق القدر المطلوب، وهو حديث طويل.
قوله: (والا فحد في ظهرك) فيه حذف فعل الشرط، ثم المبتدأ بعد فاء الجزاء، والتقدير: وإنْ لا تحضر البينة فجزاؤك حد في ظهرك، والمراد به: حد القذف ثمانون جلدة، للآية الكريمة.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنا كلف البينة على ذلك بأربعة شهود، كما لو قذف غيرها، لعموم آية القذف، فإن لم يقم بينة أقيم عليه حد القذف ويسقطه باللعان.
وعلى هذا فالأزواج داخلون في عموم آية القذف، إلَّا أن الله تعالى جعل لهم فرجًا ومخرجًا فأنزل آيات اللعان، وتقدم بيان ذلك في بابه بما يغني عن إعادته. والله تعالى أعلم.
стр. 3800
حد المملوك إذا قذف
١٢٣٣/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ قَال: لَقَدْ أَدْرَكتُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضرِبُونَ الْمَمْلُوكَ في الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ في "جَامِعِهِ".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
تقدمت ترجمة عبد الله بن عامر بن ربيعة في سابع أحاديث كتاب "الصداق"، والغرض هنا التنبيه على وهم وقع فيه الشارح المغربي، وتبعه الصنعاني (١) حيث ذكر أنَّه عبد الله بن عامر القارئ الشامي، أحد القراء السبعة، وأنه ولد سنة إحدى وعشرين، وهذا غلط واضح، لم ينتبه له الشارح ولا الصنعاني، فإن من ولد سنة إحدى وعشرين كيف يقول: لقد أدركت أبا بكر وعمر … وإنَّما هو عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزِي أَبو محمد المدني، ولد في عهد النبي ﷺ ، كما تقدم في ترجمته.
• الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٢٨) عن أبي الزناد، أنَّه قال: جلد عمر بن عبد العزيز عبدًا في فرية ثمانين، قال أَبو الزناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال: (أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جرا، فما رأيت أحدًا جلد عبدًا فرية أكثر من أربعين).
وإسناده صحيح، لكن ليس فيه ذكر أبي بكر ﵁، ورواه عبد الرزاق
стр. 3801
(٧/ ٤٣٧)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥٠٢) من طريق سفيان الثَّوري، عن ذكوان، عن عبد الله بن عامر، وليس في رواية عبد الرزاق ذكر أبي بكر، وهي في رواية ابن أبي شيبة. ورواه البيهقي (٨/ ٢٥١) بهذا الإسناد، ولفظه هو لفظ "البلوغ".
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن حد المملوك ذكرًا كان أم أنثى إذا قذف حرًّا أربعون جلدة، لفعل الصحابة ﵃، والنص إنما ورد في تنصيف حد الزنا في الإماء، وهو قوله تعالى: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فكأن الصحابة ﵃ قاسوا حد القذف على حد الزنا الثابت تنصيفه في حق الأمة، وتكون آية القذف العامة في الأحرار والأرقاء قد دخلها التخصيص، والمخصص وهو القياس، أعني قياس حد القذف من الأمة على حد الزنا في حقها، ثم قاسوا العبد على الأمة في ذلك كله بجامع الملك.
والقول الثاني: أن حد المملوك إذا قذف حرًّا ثمانون جلدة كحد الحر، وهذا قول ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وابن حزم الظاهري (١)، ولعل من قال بذلك أخذ بعموم الآية، وهو أن العبد داخل في عمومها، ولا يمكن إخراجه إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخرجه لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس، وإنَّما ورد النص في تنصيف الحد على الأمة في حد الزنى، وقياس القذف على الزنى قياس مع الفارق؛ لأن القذف حق للآدمي، فَيُرْدَعُ العبد كما يردع الحر (٢)، واختار هذا القول الصنعاني، والشنقيطي، وابن عثيمين (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3802
حكم من قذف مملوكه
١٢٣٤/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَال"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "قذف العبد" (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠) من طريق فضيل بن غزوان، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي نُعْم، حدثني أَبو هريرة ﵁ قال: قال أَبو القاسم ﷺ : "من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد … الحديث"، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جُلد يوم القيامة إلَّا أن يكون كما قال".
• الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن السيد إذا قذف عبده بالزنا لم يُحَدَّ للقذف في الدنيا؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنَّه يُحَدُّ لقذفه يوم القيامة، ولو وجب حده في الدنيا لم يجب حده يوم القيامة، لما تقدم من أن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه.
أما إذا قَذَفَ المملوكَ غيرُ مالكه فالجمهور على أنَّه لا يحد القاذف، بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك (١)، ويجب أن يؤدب القاذف ردعًا له عن أعراض المعصومين، وكفًّا له عن أذاهم.
стр. 3803
واستدلوا بحديث الباب، فإنه صريح في أن الحد لا يقام على قاذف العبد، قالوا: ولأن مرتبة العبد دون مرتبة الحر.
والقول الثاني: أن قاذف العبد يحد كما يحد قاذف الحر، وهذا رأي ابن حزم (١)، لعموم: وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام … " (٢) وهذا قول قوي، فإن حرمة المسلم يجب أن تصان، لا فرق في ذلك بين الحر والعبد، وأما حديث الباب، فلا دلالة فيه على العموم، وإنَّما هو خاص بمن قذف مملوكه، لقوله: "من قذف مملوكه فلا يدخل في هذا إذا كان القاذف أجنبي". والله تعالى أعلم.
стр. 3804
باب حد السرقة
السرقة في اللغة: مصدر سرق يسرق، من باب (ضرب)، ومعناها: الأخذ بخفية؛ لأن العنصر الأساسي لمادة (سرق) هو الاختفاء.
وأما شرعًا فيختلف تعريفها حسب الشروط المعتبرة، مع اتفاقهم على إيراد المعنى اللغوي ضمن الحد، وأحسن تعريف لها أن يقال:
السرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه بغير حق.
وقولنا: (أخذ المال) يخرج ما ليس بمال، كالخمر والدُّخان والصليب وآلات اللهو ونحوها مما منفعته غير مباحة.
وقولنا: (على وجه الاختفاء) هذا هو العنصر الأساسي في السرقة، وذُكِرَ في التعريف لبيان محترزه، فخرج الآخذ من غير خفية، كالمنتهب، وهو آخذ الشيء من صاحبه غلبة وقهرًا، وخرج المختلس: وهو آخذ الشيء بحضور صاحبه في غفلة منه والهرب به، ونحوهما كما سيأتي.
وقولنا: (من مالكه أو نائبه) النائب: كل من كان بيده مال غيره بإذن الشرع، أو بإذن مالكه كالمستعير والمودَع وولي اليتيم ونحوهم. ويخرج ما لو سرق مغصوبًا من غاصبه فلا قطع فيه، لكن ما سقط فيه القطع ففيه التعزير أو مضاعفة الغرم، كما سيأتي - إن شاء الله -.
وقولنا: (بغير حق) يخرج أخذ المالك وديعته من المودَع، أو أخذ الأب من مال ابنه ونحو ذلك.
والسرقة محرمة، وهي من كبائر الذنوب، ثبت حكمها بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]، وأما السنة
стр. 3805
فالأحاديث المتكاثرة التي بلغت التواتر في وجوب قطع يد السارق، ومنها أحاديث الباب، وأما الإجماع فقد اتفق المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة.
وأما الحكمة من القطع فهي حماية الناس وأموالهم، فإن القطع بربع الدينار وإن كان قليلًا لكن قصد به حماية الأموال، والقضاء على العبث بالأمن، ففي السرقة اعتداء على الأموال من جهة، واعتداء على حق الملكية الفردية من جهة أخرى، وفيها ترويع الآمنين، وتهديد الناس، وهي تثير القلق الدائم والاضطراب النفسي، فيعيش الناس في ذعر وخوف، والسارق لا يبالي بما يحصل من انتهاك الحرمات وسفك الدماء في سبيل تحقيق غرضه والتخلص مما وقع فيه، والسرقة إذا فشت هُدِّدَ الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، وأصبحت حياتهم مريرة، ثم إن السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ فإنه يَنْقِبُ الدور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، فجاءت هذه العقوبة المناسبة الرادعة بإبانة العضو الذي جعله السارق وسيلة إلى الاعتداء، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ أي: اقطعوا أيديهما جزاءً لهما بعملهما وكسبهما السيء، ونكالًا وعبرة لغيرهما، والنكال: ما يُنَكِّلُ الناس ويخيفهم أن يسرقوا، مأخوذ من النكْلِ بالكسر، وهو قيد الدابة.
стр. 3806
وجوب قطع السارق، ومقدار النصاب
١٢٣٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إلا في رُبْعِ دِينَار فَصَاعِدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
ولفظ البخاري: "تُقْطَعُ اليدُ فِي رُبُعِ دينارٍ فَصَاعِدًا"، وفِي رواية لأحمد: "اقْطَعُوا في رُبُعِ دينارٍ، ولا تَقْطَعُوا فيما هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ".
١٢٣٦/ ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ. مُتّفَقٌ عَلَيهِ.
١٢٣٧/ ٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ"، مُتَفَقٌ عَلَيهِ أَيضًا.
• الكلام عليها من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث عائشة ﵂ فقد رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤)(١) من طريق عمرة، عن عائشة ﵂، مرفوعًا.
وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا"، وسيأتي الفرق بينهما.
ولعل الحافظ قدم رواية مسلم لأنها أقوى حيث جاءت بصيغة القصر، كما سيأتي.
стр. 3807
ورواه أحمد (٤١/ ٦٠ - ٦١) من طريق محمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: قدمت المدينة، فلقيت أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو عامل المدينة، قال: أُتيت بسارق، فأرسلتْ إليَّ خالتي عمرة بنت عبد الرحمن ألا تعجل في أمر هذا الرجل حتَّى آتيك، فأخبرك ما سمعت من عائشة ﵂ في أمر السارق، قال: فأتتني وأخبرتني أنَّها سمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : "اقطعوا في ربع الدينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك"، وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا، قال: وكانت سرقته دون ربع دينار، فلم أقطعه.
وهذا الحديث في سنده محمد بن راشد المكحول، مختلف في توثيقه، كما يقول ابن عبد الهادي (١)، وقد تقدم الكلام عليه، وقد قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق يَهِمُ، وقد رمي بالقدر)، ويحيى بن يحيى الغساني ثقة، لكن يشهد له ما قبله، والحديث رواه مسلم (١٦٨٤)(٤) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة ﵂، باللفظ المذكور أولًا، ولعل الحافظ ذكر رواية أحمد لفائدتين:
١ - أنَّها بصيغة الأمر.
٢ - أن فيها التصريح بمفهوم الروايات السابقة.
وأما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه البخاري في "الحدود"، في الباب المذكور (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
وأما حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ فقد رواه البخاري في باب "لعن السارق إذا لم يُسمَّ" (٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٧) من طريق الأعمَش، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مرفوعًا.
стр. 3808
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (لا تقطع) بالرفع على النفي، وهو بمعنى النهي؛ أي: لا تقطعوا، وفيه قصر طريقه النفي والاستثناء، والمقصور قطع اليد، والمقصور عليه كون المسروق ربع دينار فصاعدًا.
قوله: (ربع دينار) الدينار يساوي (٧٢) حبة شعير، وهي بالجرام من ثلاثة ونصف الجرام إلى ثلاثة وثلاثة أرباع، فربع الدينار يساوي جرامًا من الذهب تقريبًا.
قوله: (فصاعدًا) حال مؤكدة حذف عاملها وجوبًا؛ أي: فذهب المقدار صاعدًا، وفي مسلم: "ربع دينار فما فوق".
قوله: (تقطع اليد) هذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: اقطعوا اليد، بدليل رواية أحمد الآتية.
قوله: (قَطَعَ) أي: أمر بالقطع؛ لأنه ﷺ لم يكن يباشر القطع بنفسه، وفي حديث المخزومية الآتي: "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" (١).
قوله: (في مجن) أي: سَرِقَةِ مجن ثمنه ثلاثة دراهم، وهي ربع دينار، كما في رواية أحمد.
والمجن: بكسر الميم وفتح الجيم بعدها نون مشددة، هو الترس الذي يتقي به الفارس وقع السيف، مأخوذ من الاجتنان وهو الاختفاء؛ لأن الفارس يختفي به.
قوله: (لعن الله السارق) أي: طرده وأبعده عن رحمته، وهذه الجملة إما أنَّها خبرية لفظًا ومعنى، فالرسول ﷺ يخبر أن الله لعن السارق، أو أنَّها خبرية لفظًا إنشائية معنى، بمعنى أن الرسول ﷺ يدعو عليه بذلك، وقيل: لا يراد به اللعن وإنَّما هو للتنفير (٢).
стр. 3809
قوله: (البيضة) ظاهره أن المراد البيضة المعروفة، ونقل البخاري عن الأعمَش راوي الحديث أنَّها بيضة الحديد، وهي التي تتخذ جنة للرأس، قد تكون قيمتها ربع دينار فصاعدًا.
قوله: (الحبل) ظاهره أن المراد الحبل المعروف، ونقل البخاري عن الأعمَش أنَّه قال: (والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم)، وذلك كحبل السفينة، لكن رد العلماء هذا التأويل، قال الخطابي: (تأويل الأعمَش هذا غير مطابق لمذهب الحديث ومخرج الكلام فيه، وذلك أنَّه ليس بالسائغ في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه هذا الحديث من اللوم والتثريب: أخزى الله فلانًا عرض نفسه للتلف في مالٍ له قدر ومزية، وفي عَرَضٍ له قيمة، إنما يضرب المثل في مثله بالشيء الوَتِح (١) الذي لا وزن له ولا قيمة) (٢).
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب قطع يد السارق في الجملة، والقطع يكون لليد اليمنى من مفصل الكف، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد قرأ ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما) وهي قراءة شاذة، قال الموفق: (وهذا إن كان قراءة وإلَّا فهو تفسير) (٣)، وكون القطع من مفصل الكف هو قول أبي بكر وعمري؛ ولأن الكف هو أقل ما يطلق عليه اسم اليد، واليد قبل السرقة كانت محترمة، فلما جاء النص بقطعها وكانت تطلق على الكف وما فوقه، وجب الأخذ بالمتيقن وترك ما عداه، قال البخاري: (وقطع علي ﵁ من الكف) (٤).
• الوجه الرابع: اختلف العلماء هل يشترط النصاب في السرقة على قولين:
الأول: أنَّه لا يشترط النصاب، بل تقطع اليد في القليل والكثير، وهذا القول عزاه ابن رشد للحسن البصري، وعزاه ابن حزم لطائفة، ولعل المراد
стр. 3810
بهم الخوارج وبعض المتكلمين، كما ذكر ابن عبد البر (١)، وهو قول الظاهرية، إلَّا أنهم -كما قال ابن حزم- يستثنون الذهب، فلا تقطع اليد في سرقته إلَّا بربع دينار، وأما غيره فيقطع في القليل والكثير باستثناء التافه الذي لا قيمة له أصلًا، ودليلهم أن التحديد في الذهب منصوص، ولم يوجد نص في غيره، فيكون داخلًا في عموم الآية (٢).
واستدلوا بدليلين:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ فهي عامة في سرقة القليل والكثير.
الثاني: حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁: "لعن الله السارق … " ووجه الدلالة: أنَّه رتب القطع على سرقة القليل كالبيضة، فدل على أنَّه ملحق بالكثير.
القول الثاني: أنَّه لا بد في القطع من نصاب محدد يرجع إليه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، مستدلين بأحاديث الباب القولية والفعلية، وهذا هو الراجح لثبوت النصاب بادلة كثيرة صحيحة وصريحة.
وأما الآية فهي عامة جاءت السنة بتخصيصها (٣)، وأما حديث أبي هريرة ﵁ فعنه جوابان:
الأول: أن سياقه لا يشعر بأن المراد أن اليد تقطع في القليل كالبيضة والحبل، وإنما المراد المبالغة في التحذير من السرقة، وبيان خسارة السارق وأنه إذا سرق القليل تجرأ على سرقة الكثير، وإنما فسر بذلك ليتمشى مع الأحاديث الدالة على اعتبار النصاب.
الثاني: أن حديث عائشة ﵂ وغيره معارض لهذا الإطلاق، فإنه صريح في الحصر، كما تقدم، وفي رواية أحمد: "ولا تقطعوا فيما هو أقل من ذلك" وهذا مفهوم من منطوق الحصر.
стр. 3811
ومما يؤيد مذهب الجمهور أنَّه لا بد في القطع من مقدار يجعل ضابطًا يرجع إليه، وعادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم إذ لا يلحقهم ضرر بفقده، والنصاب المقدر فيه حكمة ظاهرة، فإن ربع الدينار كفاية المقتصد في يومه له ولمن تَكُون غالبًا.
• الوجه الخامس: اختلف القائلون بشرطية النصاب في مقداره على أقوال كثيرة بلغت عشرين، أهمها ثلاثة:
الأول: أن مقدار النصاب ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو عرض قيمته ثلاثة دراهم، ولا قطع فيما هو دون ذلك، وهذا مذهب مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١)، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ وهو نص في ربع الدينار، وحديث ابن عمر ﵄ نص في ثلاثة الدراهم، وكانت قيمتها ربع دينار في ذلك الوقت، كما تقدم.
وأما العروض فتقوم بالدراهم فما بلغ ثلاثة دراهم قطع دون مراعاة ربع الدينار، لحديث المجن المتقدم، وأما حديث عائشة ﵂ فلم يأخذ به مالك؛ وروى الأثرم عن أحمد أن العروض تقوم بربع دينار أو بثلاثة دراهم، فعلى هذا تقوم العروض بأدنى الأمرين (٢).
والقول الثاني: أن النصاب ربع دينار ذهبًا أو ما قيمته ربع دينار من الفضة والعروض، وهذا قول الشَّافعي، فهو يرى أن الذهب هو الأصل، لحديث عائشة ﵂؛ فإنه جمل الذهب أصلًا يرجع إليه في النصاب، وقد روى مالك أن عثمان أُتي بسارق سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع) (٣).
وروى البيهقي أن عليًّا قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفًا (٤).
стр. 3812
قال الشَّافعي: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع، وحديث ابن عمر ﵄ محمول على ذلك، وترك الشَّافعي حديث ابن عمر فلم يأخذ به في تقويم العروض؛ للاختلاف في ثمن المجن (١).
والقول الثالث: أن النصاب عشرة دراهم أو ما يعادلها من ذهب أو عروض، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وسفيان الثَّوري (٢)، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قطع في مجن، قالوا: وقد تعددت الروايات في قيمة هذا المجن، فقيل: ثلاثة دراهم أو أربعة أو خمسة أو ربع دينار، أو عشرة دراهم، والأخذ بالأكثر أرجح؛ لأن الأقل فيه شبهة عدم الجناية، والحدود تدرأ بالشبهات، والواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم، وقد روى أَبو داود، والنَّسائي (٣) من طريق محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: قطع رسول الله ﷺ في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم.
وروى محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مثله (٤). وهذا من الاختلاف على محمد بن إسحاق.
والراجح قول الشَّافعي؛ لأن الأحاديث صريحة في أن النصاب ربع دينار، أما رواية ثلاثة دراهم فهي محمولة على أن الثلاثة ربع دينار، وقد تكون أكثر، وهي قضية عين لا عموم لها، فلا يجوز ترك صريح لفظه عقيم في تحديد النصاب لهذه القضية.
وأما دليل الحنفية فيجاب عنه بما يلي:
أولًا: أن الأحاديث في قيمة المجن معلولة في سندها، ومضطربة في متنها، فلا تقدم على حديث عائشة ﵂ الثابت في "الصحيحين"، ثم إن الصحيح
стр. 3813
في قيمة المجن ثلاثة دراهم، لحديث ابن عمر المتفق عليه، وباقي الأحاديث لا تقاومه سندًا، فإن حديث ابن عبَّاس فيه محمد بن إسحاق، وقد عنعنه.
ثانيًا: أن الاحتياط بعد ثبوت الدليل وصحته يكون في اتِّباع الدليل والعمل به لا فيما عداه (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3814
حكم جاحد العارية والنهي عن الشفاعة في الحدود
١٢٣٨/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ "، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَ سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضعِيفُ أقَامُوا عَلَيهِ الْحدَّ" الحديثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، واللَّفظُ لِمُسْلِم، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، ومنها: في كتاب "الحدود"، باب "كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان" (٦٧٨٨)، ومسلم (١٦٨٨)(٨) من طريق اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، به، وتمامه: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعْتُ يدها".
ورواه مسلم (١٦٨٨)(١٠) من طريق معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد … الحديث، وهذه الرواية أعرض عنها البخاري، واعتبر بعض العلماء هذا دليلًا على شذوذها.
وظاهر صنيع الحافظ أن قصة المخزومية التي سرقت، والمرأة التي كانت تجحد المتاع قصة واحدة، وأن جحد العارية ذكر تعريفًا لها ووصفًا
стр. 3815
لها، لا أن ذلك سبب القطع، وهذا قول النووي (١)، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، لكن صنيع المصنف يشعر بأنها واحدة؛ لأنه جعل ما ذكره ثانيأ رواية من روايات الحديث، ومثل هذا فعل صاحب "المحرر" وصاحب "عمدة الأحكام" قبل الحافظ، والظاهر أنَّها قصة واحدة، اختلف فيها هل كانت سارقة أو جاحدة، ومما يؤيد ذلك ذكر أسامة في قصة المخزومية، وفي قوله: (كانت تستعير المتاع) ويبعد أن يأتي أسامة مرة ثانية وقد قال الرسول ﷺ له: "أتشفع في حد من حدود الله"، ثم إن المرأة وصفت بأنها مخزومية في كلا القصتين.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أتشفع) الخطاب لأسامة بن زيد ﵁ بدليل رواية "الصحيحين": "أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلَّا أسامة حِبُّ رسول الله ﷺ ، فكلم رسول الله ﷺ ، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله … ". ولو أن الحافظ ذكره بهذا السياق كما فعل المقدسي وابن عبد الهادي لكان أولى.
وكانت هذه السرقة عام الفتح، كما في "الصحيحين" (٢)، وإنَّما أهمهم شأنها لما خافوا من لحوقهم العار الجاهلي في قطع يدها وافتضاحهم به بين القبائل.
والشفاعة لغة: مصدر شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، قال ابن الأثير: "هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم" (٣).
وهي في باب العقوباب: التماس العفو عن العقوبة أو التخفيف منها عن الغير من غير بدل.
والاستفهام للإنكار بدلالة السياق، ولما جاء في "الصحيحين" أنَّه قال:
стр. 3816
(استغفر لي يا رسول الله)، وقد حمله الحافظ على احتمال أنَّه سبق لأسامة علم بأنه لا شفاعة في حد، وهذا يحتاج إلى دليل؛ وكأنه مبني على أن الإنكار لا يناسب الجاهل.
قوله: (إنما هلك … ) هكذا في بعض نسخ "البلوغ"، وهو لفظ "الصحيحين"، وفي لفظ آخر: "أهلك"، وعند البخاري: "إنما ضَلَّ"، وهذا أسلوب قصر، فيه قصر هلاك من قبلنا على ترك إقامة الحد، والظاهر أن المراد بمن قبلنا بنو إسرائيل، ورواية البخاري: "إن بني إسرائيل كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه. . . (١)، وهذا القصر ليس عامًّا، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي هلاكهم، فيكون الحديث محمولًا على قصر خاص، وهو الهلاك بسبب المحاباة في الحدود من باب المبالغة في تعظيم شأنها حتَّى كأنها هي بذاتها سبب هلاك بني إسرائيل.
قوله: (الشريف) هو من جمع علو النسب مع حميد الصفات وعلو القدر، وجمعه شرفاء وأشراف.
قوله: (الضعيف) هو ذو الضعف خلاف القوي، وجمعه ضعاف وضعفاء، وليس هو ضد الشريف، لكن جاء في رواية: "كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف" (٢)، والوضيع ضد الشريف، وهو الذي لا قدر له ولا احترام بين الناس.
قوله: (كانت امرأة) في رواية مسلم: "امرأة مخزومية" كما تقدم، وعند النَّسائي: (سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم) (٣) فهم أحد أفخاذ قريش، وهم من أشرافهم ولذا يقال لهم: ريحانة قريش، وهي نسبة إلى مخزوم بن يَقَظَة، وهو أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه بنو عبد مناف.
• الوجه الثالث: في الحديث دليل على تحريم الشفاعة في حدود الله تعالى، والإنكار على الشَّافع، وقد ذكر ابن القيم أن الشفاعة في الحدود من
стр. 3817
كبائر الذنوب (١)، وقال الماوردي: (لا يحل لأحد أن يشفع في إسقاط حد عن زان ولا غيره، ويحل للمشفوع إليه أن يشفِّع فيه) (٢). وقد بوب البخاري على الحديث -كما تقدم- بقوله: "باب كراهة الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان" وهذا القيد وهو الرفع إلى السلطان لم يرد في لفظ الحديث الذي ساقه البخاري، وإنما جاء في رواية أنه ﷺ قال لأسامة: "لا تشفع في حد فإن الحدود إذا انتهت إلي فليست بمتروكة" (٣). قال ابن عبد البر: (لا أعلم بين أهل الحلم اختلافًا في الحدود إذا بلغت إلى السلطان لم يكن فيها عفو لا له ولا لغيره، وجاز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم ما لم تبلغ السلطان، وذلك محمود عندهم) (٤). وعلى هذا فليس للإمام أن يقبل شفاعة أحد كائنًا من كان متى بلغه الحد، بل عليه أن ينفذه، ويقيم شرع الله تعالى.
لكن ما المراد ببلوغ الإمام؟ قالت الحنفية والشافعية والظاهرية: إن المراد ثبوت الحد عند الإمام، أما قبل ثبوته فتجوز الشفاعة.
وقالت الحنابلة وفريق من أهل العلم: إن المراد وصول القضية إلى الإمام، واعتبرت المالكية نواب الإمام كافٍ، مثل الشرطة أو الحرس أو من يقوم مقام ولي الأمر.
والأولى في الشفاعة قبل بلوغ الإمام أن ينظر إلى ما يترتب على ذلك من المصالح والمفاسد، وقد أجاز الشفاعة في ذلك أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وفساد وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، ويظهر أن هذه حالة متفق على استثنائها في الحد والتعزير (٥).
وينبغي أن يعلم (أن العدالة الكاملة، والأهداف السامية للعقوبة لا تظهر إلا إذا كانت عامة وشاملة وتطبق على جميع الناس، دون تمييز طبقي أو
стр. 3818
عنصري أو طائفي، وأن السارق يجب أن ينال جزاءه مهما كانت مكانته أو قرابته من الحكام والقضاة والسلطات الحاكمة، وإلا كان التمييز والمحاباة والرشوات والواسطات في تطبيق الحدود سببًا في الظلم والهلاك والدمار، وهو ما حذر منه رسول الله ﷺ ) (١).
° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب قطع جاحد العارية، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت أبي فقلت له: تذهب إلى هذا الحديث؟ فقال: (لا أعلم شيئًا يدفعه) (٢) وهو قول إسحاق بن راهويه (٣)، والظاهرية، وانتصر له ابن حزم (٤)، كما نصره ابن القيم (٥)، واختاره الشوكاني، والصنعاني، والشيخ محمد بن إبراهيم، وابن باز في "شرحه على البلوغ"، وابن عثيمين (٦).
ووجه الدلالة: أن الراوي رتب قطع يدها على جحد العارية بالفاء التي تفيد أن سبب القطع هو الجحد.
والقول الثاني: أن جاحد العارية لا يقطع، وهذا قول الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخرقي، وأبو الخطاب، وعبد الرحمن بن قدامة صاحب "الشرح الكبير"، ونصرها القرطبي (٧). واستدلوا بدليلين:
١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾.
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أوجب قطع يد السارق، والجاحد لا يسمى سارقًا، وإنما هو خائن.
стр. 3819
٢ - حديث جابر ﵁ الآتي بعد هذا "لا قطع على خائن … ".
ووجه الدلالة: أن جاحد العارية خائن فلا قطع عليه.
وقد أجاب الجمهور عن الاستدلال بحديث الباب بجوابين:
الأول: أن معمر بن راشد تفرد من بين سائر الرواة بذكر العارية في الحديث، وأن الليث بن سعد ويونس بن يزيد وأيوب بن موسى رووه عن الزهري وقالوا: سرقت، ومعمر لا يقاوم هؤلاء، ومؤدى هذا الجواب ترجيح رواية سرقت، قال البيهقي: (وأما رواية معمر عن الزهري فهي منفردة، والعدد أولى بالحفظ من الواحد) (١).
الجواب الثاني: سلمنا بثبوت لفظ جحد العارية، لكنه ليس هو سبب القطع، بل سبب القطع هو السرقة، وذكر العارية للتعريف بالمرأة وأن الاستعارة صارت خلقًا لها فعرفت المرأة به، ومؤدى هذا الجواب الجمع بين الروايتين بهذا التأويل. ويؤيد هذا قوله ﷺ : "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت … "، ثم أمر بيد المرأة فقطعت، فهذا يدل على أن المرأة قطعت في السرقة وإلا لكان ذكر السرقة لاغيًا لا فائدة فيه (٢).
وَرُدَّ هذان الجوابان بما يلي:
أولًا: قولهم بتفرد معمر بذكر العارية غير صحيح، بل قد رواه بلفظ العارية جمع من الرواة، ومن بينهم أيوب بن موسى أحد رواته عن الزهري بلفظ: (سرقت) وكذا رواه يونس بن يزيد -في أحد الوجهين عنه (٣) -، وشعيب بن أبي حمزة، كما عند النسائي.
ثانيًا: وأما قولهم إن القطع بسبب السرقة لا بسبب الجحد فهو جواب ضعيف لا يخفى تكلفه، فإن من القواعد الأصولية: ترتيب الحكم على الوصف يؤذن بعلية ذلك الوصف، فيكون ترتيب القطع على جحد العارية
стр. 3820
مؤذنًا بأن الجحد هو علة القطع، وإهمال هذا الوصف وجعله للتعريف يخرجه عن كونه علة، وبالتالي فلا يستلزم وجوه وجود الحكم، وبذلك يذهب كثير من الأحكام الشرعية المرتبة على الأوصاف.
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة أصحاب القول الثاني بما يلي:
أما الآية فقد قال ابن القيم إن جاحد العارية داخل في اسم السارق، والجحد داخل في اسم السرقة، كما جرى ذلك على لسان الصحابة ﵃ في روايات حديث عائشة هذا (١)، لكن لم يذكر ابن القيم شواهد من لغة العرب على ذلك، ولهذا استبعد الحافظ ابن حجر هذا الجواب (٢)، وحتى لو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقًا لكان قطعه ثابتًا بهذا الحديث، ولا يلزم الاستدلال بالآية على ذلك، ثم إن المعنى الموجود في السارق موجود في الجاحد بل الجاحد أعظم؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، والمعير محسن متفضل، والجاحد يريد قطع هذا الإحسان والمعروف بين الناس.
وأما حديث "لا قطع على خائن" فهو حديث معلول كما سيأتي، وعلى فرض صحته فهو عام لكل خائن، وحديث المخزومية خاص بجحد العارية، فيقدم الخاص على العام، ويكون القطع فيمن جحد العارية دون غيره من الخونة، كجاحد الوديعة.
هذا ملخص ما حصل بين الفريقين من ردود ومناقشات، والذي يظهر لي أن جاحد العارية لا يقطع، وأن هذه المرأة ما قطعت بسبب جحد العارية بل بسبب السرقة، وذلك لأمور:
١ - اتفاق الشيخين على ذكر السرقة.
٢ - ذكر النبي ﷺ السرقة.
٣ - أن رواية الجحد يمكن تأويلها كما تقدم.
٤ - أن جاحد العارية ليس بسارق ولا يقطع إلا السارق. والله تعالى أعلم.