← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

بيان عقوبة شارب الخمر ١٢٤٨/ ١ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بجَرِيدَتَين نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرّحْمن بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بهِ عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "ما جاء في ضرب شارب الخمر" (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) (٣٥) من طريق قتادة، عن أنس ﵁. وهذا لفظ مسلم؛ لأن البخاري لم يذكر ما أشار به عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار عمر ﵁ الصحابة ﵃، ولفظ البخاري: (أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين) قال ابن عبد الهادي: (متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، وهو أتم) (١)، أما المجد في "المنتقى" فإنه لما ساقه بمثل لفظ "البلوغ" قال: (رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه) (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (شَرِبَ الخمر) الخمر في اللغة: الستر والتغطية، وهذا هو الأصل

стр. 3852

في مادة خَمَرَ، قال ابن فارس: (الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر) (١)، والخمر تجمع على خمور، وهي مؤنثة في اللغة الفصيحة المشهورة، وقد تُذَكَّرُ، وهي لغة قليلة حتى إن الأصمعي أنكرها. والخمر: يطلق على كل ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء أكان من العنب أم التمر أم غيرهما. قال في "القاموس": (الخمر: ما أسكر من عصير العنب أو هو عام، والعموم أصح؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب) (٢). وسيأتي تفصيل القول في حقيقة الخمر إن شاء الله تعالى. وسميت خمرًا إما لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، أو لأنها تستره وتغطيه، أو لأنها تُغَطَّى حتى تغلي، قال ابن عبد البر: (والثلاثة الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت الغليان وحد الإسكار، وهي مخالطة للعقل، وربما غلبت عليه وغطته) (٣). قوله: (فجلده) أي: ضربه على جلده، والجلد: هو الضرب بالسوط ونحوه، واشتقاقه من جلد الحيوان: وهو غشاء جسمه. قوله: (بجريدتين) مثنى جريدة، وهي غصن النخل المجرود من أوراقه، وهي الخوص، فسميت جريدة لأنها مجردة عن الخوص. قوله: (نحو أربعين) أي: قريبًا من أربعين، والظاهر أن المعنى أن الجريدتين كانتا مفردتين، جلد بكل واحدة منهما عددًا حتى كمل من الجميع أربعون. قوله: (فلما كان عمر) أي: جاء عمر، والمراد صار خليفة، وكان تامة، وعمر: فاعل.

стр. 3853

قوله: (استشار الناس) أي: طلب مشورتهم ورأيهم وما عندهم من العلم في جلد شارب الخمر. وسبب الاستشارة ما ورد عن أنس ﵁ قال: فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال: (ما ترون في شارب الخمر. . .) (١). والمعنى: أنه لما فتحت الشام والعراق وسكن الناس في الريف ومواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار أكثروا من شرب الخمر. وإنما استشار عمر ﵁ الناس في العقوبة؛ لأن النبي ﷺ لم يبين في الخمر حدًّا بحيث لا يزاد عليه كما جاء في حد الزنا والقذف. قوله: (فقال عبد الرحمن بن عوف) هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا، ومناقبه مشهورة، تقدمت ترجمته في باب "اللباس" من كتاب "الصلاة". وقد روى الإمام مالك أن عليًّا ﵁ قال: (نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى) (٢) لكن هذا حديث معضل. قوله: (أخف الحدود ثمانون) هكذا في نسخ "البلوغ" بالرفع (٣)، وتخريجها ظاهر، والمراد الإخبار بأن أخف الحدود ثمانون، لا الأمر بذلك. لكن رواية مسلم بالنصب: (أخفَّ الحدود ثمانين) وتوجيه رواية النصب تؤيده رواية مسلم: (فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين). فكان التقدير: أرى أن تجعلها أخف الحدود ثمانين.

стр. 3854

° الوجه الثالث: في الحديث دليل على ثبوت عقوبة شارب الخمر من فعل النبي ﷺ ، وأنه جلد الشارب نحو أربعين، وكان الشارب يضرب بالأيدي والنعال وبالثياب وبالجريد، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: أُتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: "اضربوه"، قال أبو هريرة ﵁: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه (١). وحديث أنس ﵁ قال: جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال (٢). ثم استقر الأمر على ضربه بالجريد نحو أربعين في عهده ﷺ وعهد أبي بكر ﵁. ° الوجه الرابع: اختلف العلماء في عقوبة شارب الخمر على ثلاثة أقوال: الأول: أن عقوبته أربعون جلدة، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٣)، قالوا: وللإمام أن يزيد على الأربعين تعزيرًا، واستدلوا بهذا الحديث، ورجح هذا الشيخ محمد بن عثيمين (٤). والقول الثاني: أن عقوبته ثمانون، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عند الحنابلة، وقول للشافعي، لفعل عمر ﵁، فإنه استشار الصحابة ﵃، ولم ينقل أن أحدًا خالف، فكان إجماعًا، ورجح هذا القرطبي (٥). والقول الثالث: أنها عقوبة تعزيرية ولا حد فيها، وقد حكى الطبري وابن المنذر وغيرهما ذلك عن طائفة من أهل العلم، قال الحافظ: (وأظنه رأي البخاري، فإنه لم يترجم بالعدد أصلًا، ولا أخرج هنا في العدد الصريح

стр. 3855

شيئًا مرفوعًا) (١). وهو اختيار الشوكاني (٢)، وعلى هذا القول فمرجع العقوبة إلى الإمام، يقدرها بناءً على المصلحة وما يتحقق به الزجر، وهو قول قوي، يؤيده ما يلي: ١ - فهم الصحابة ﵃ فإن ابن عباس ﵄ قال: (إن رسول الله ﷺ لم يَقِتْ في الخمر حدًّا) (٣)، وعن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ لم يسُنَّ فيه -أي: الخمر- شيئًا) (٤). ٢ - أن الصحابة ﵃ أعملوا رأيهم في تحديد العقوبة لما استشارهم عمر ﵁ وقد فهموا أن الأربعين ليست حدًّا، فإن النبي ﷺ لم يرد عنه نص بتحديد الأربعين، وإلا لما قالوا فيه بالرأي، كما لم يقولوا بغيره، قال الشوكاني: (ومما يؤيد عدم ثبوت مقدار معين عنه ﷺ طلب عمر ﵁ المشورة من الصحابة، فأشاروا عليه بآرائهم، ولو كان قد ثبت تقديره عنه ﷺ لما جهله جميع أكابر الصحابة) (٥). ٣ - أنه ورد الضرب بالأيدي والنعال والثياب، كما في حديث أبي هريرة ﵁، والظاهر أن الضرب بهذه الصفة لا يمكن تحديده بالأربعين. ٤ - أن هذا القول تجتمع به الأدلة، ولا يشكل عليه شيء منها. ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن عقوبة الخمر لا تتجزأ، بل تُستوفى جملة واحدة؛ لأن قوله: (فجلده) ظاهر في هذا، ويؤيده حديث علي ﵁ الآتي في قصة الوليد. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن البلاد والأماكن قد تختلف في عقوبة الخمر، فإذا كثر الشرب وتساهل الناس زيد في العقوبة لردعهم، وإن قل الشرب فلا مانع من الاقتصار على الأربعين.

стр. 3856

° الوجه السابع: فضل الاجتهاد في المسائل ومشاورة أهل العلم، وهذا دأب أهل الحق وطالبي الصواب. والاستشارة فيها من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره، فمن ذلك: ١ - أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها نبيه محمدًا ﷺ ، وهو أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا، وأفضلهم رأيًا، قال تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٢ - أن فيها احترامًا لأهل الرأي والعلم، فإنه إذا جمعهم وأخذ رأيهم في حادثة من الحوادث اطمأنت نفوسهم، وأحبوه، وعلموا أنه لا يستبدُّ عليهم. ٣ - أن في الاستشارة تنوير الأفكار بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول. ٤ - ما تنتجه الاستشارة من صواب الرأي، وسداد العمل، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يَتِمَّ له مطلوب فليس بملوم (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 3857

حكم إقامة الحد بالقرينة الظاهرة (١) ١٢٤٩/ ٢ - وَلِمُسْلِم عَنْ عَلِيٍّ ﵁ في قِصّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَفي هذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيهِ أَنَّهُ رَاهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ، فَقَال عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتى شَرِبَهَا. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الحدود" باب "حد الخمر" (١٧٠٧) من طريق حُضين بن المنذر أبي ساسان، قال: شهدت عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما: حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: وَلِّ حارَّها من تولى قارَّها (٢)، فإنه وَجَدَ عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إليَّ.

стр. 3858

والحافظ قد اختصر الحديث، واقتصر على المراد، لكن قوله: (وفي الحديث … إلخ) قصور؛ لأنه يوهم أن عثمان جلد الوليد بشهادة واحد على التقيؤ مع أنه شهد عليه رجلان، كما في سياق الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الوليد بن عقبة) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، من فتيان قريش وشعرائهم وأجوادهم، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، أمهما أروى بنت كريز بن ربيعة، أسلم يوم الفتح، ولاه عثمان الكوفة سنة خمس وعشرين وقصة صلاته بالناس الصبح وهو سكران رواها مسلم كما تقدم، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه الشرب مشهورة -أيضًا- مخرجة في "الصحيحين"، مات سنة إحدى وستين ﵁ (١). قوله: (وكل سنة) أي: كل من الأربعين والثمانين سنة؛ أي: طريقة مشروعة يعمل بها، فالأربعون سنة؛ لأنها فعل النبي ﷺ ، والثمانون سنة قد عمل بها عمر ﵁ في زمانه. قوله: (وهذا أحب إلي) اسم الإشارة يعود إلى الأربعين التي جلدها الوليد، وأمر بالإمساك عليها، ومعناه: هذا الذي جلدته وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين. ويحتمل أنها تعود إلى الثمانين؛ لأنها أقرب مذكور، وتكون الثمانون أحب إليه مع جرأة الشاربين، لا أنها أحب إليه مطلقًا، لئلا يقال: كيف يجعل فعل عمر ﵁ أحب إليه من فعل النبي ﷺ ، لكن يشكل على هذا أن عليًّا ﵁ لم يجلد الوليد ثمانين، وإنما جلده أربعين، كما في رواية مسلم. وقد جاء في "صحيح البخاري" في "مناقب عثمان" حديث المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود من طريق شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري (ثم دعا عثمان عليًّا فأمره أن يجلده -أي: الوليد- فجلده ثمانين) (٢).

стр. 3859

وجاء في باب "هجرة الحبشة" من رواية معمر، عن الزهري: (فجلد الوليد أربعين) (١)، وهذا تعارض، وقد رجح الحافظ رواية معمر هذه، وقال: (إنها أصح من رواية يونس، عن الزهري، والوهم فيه من الراوي عنه شبيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم … ) ثم ذكر حديث الباب (٢). وقبل الحافظ رجح القرطبي حديث حضين بن المنذر في رواية الأربعين، وقال: (لأنه مفصَّل في مقصوده، حَسَنٌ في مساقه، وساقه مساق المثبت) واعتبر رواية الثمانين وهمًا (٣). قوله: (أن رجلًا شهد عليه) أي: الوليد، ولم يرد في السياق تسمية هذا الشاهد، ولذا وقع الخلاف في تعيينه (٤). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن عقوبة الشارب أربعون أو ثمانون، وأن الكل سنة، قال الحافظ: (في هذا الحديث الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين) (٥). ° الوجه الرابع: في قول علي ﵁: "وكلٌّ سنة) دليل واضح على اعتقاد علي ﵁ صحة إمامة الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄ وأن حكمهما يوسف بأنه سنة، وفي هذا رد قوي على الرافضة والشيعة؛ لأنه قول متبوعهم الذي يتعصبون له ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه (٦). ° الوجه الخامس: اختلف العلماء فيمن وجدت منه ريح الخمر أو تقيأها هل هذا يكفي لثبوت الجريمة فيقام عليه الحد أم لا؟ فالقول الأول: أنه لا يثبت الحد بوجود الرائحة أو القيئ، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين، كما ذكر ابن قدامة، وقال: (هو قول أكثر أهل العلم) (٧).

стр. 3860

قالوا: لأنه يمكن أن يكون شربها مكرهًا أو في مخمصة، أو أنه لم يعلم أنها مسكرة، فلما علمها مجها، أو شرب لغصة بقدر ما يسيغها. والرائحة مع ذلك محتملة لا يلزم منها الشرب، فقد تكون من الخمر، وقد تكون من غيره، فإن الروائح قد تتفق، ومثل هذه الأمور تورث شبهة، والحد لا يقام مع وجود الشبهة. والقول الثاني: أنه يثبت الحد بالرائحة أو القيء، وهذا مذهب مالك وأصحابه، والرواية الثانية عن أحمد، وهو اختيار ابن القيم (١). واستدلوا على القيء بحديث الباب، قالوا: لأن عثمان ﵁ أقام الحد على الوليد بالقيء، لقوله: (إنه لم يتقيأها حتى شربها). وأما إقامة الحد بالرائحة فدليله ما ثبت في "الصحيحين" واللفظ للبخاري بإسناده إلى علقمة قال: كنا بحمص فقرأ ابن مسعود ﵁ سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أُنزلت، فقال: قرأتُ على رسول الله ﷺ ، فقال: أحسنتَ، ووجد منه ريح خمر، فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ فضربه الحد (٢). والذي يظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن الحد لا يقام بمجرد القيء ولا الرائحة؛ لأن قاعدة الشريعة المطردة المجمع عليها درء الحد بالشبهة، وما يتوارد من الشبه في موضوع الرائحة والقيء شبهة محتملة، كشبهة الاشتباه، وشبهة النسيان، وشبهة الإكراه، وشبهة الجهل ونحو ذلك. فيمكن وقوعها، فإن الروائح قد تتفق، وقد يكون لديه عصير أو نبيذ قد تخمر فنسي تخمره وشربه … ونحو ذلك. لكن إن وجد قرينة أخرى تنفي الشبهة وتبعد الاحتمال ويقنع بها القاضي، فإنه يحد، وهذا مروي عن جماعة من السلف منهم عمر ﵁ وابن

стр. 3861

الزبير ﵁ وعطاء، واختاره بن قدامة. وذلك كان يكون من وجدت منه الرائحة معروفًا بالإدمان، أو يشهد شاهدان على شخص أحدهما بالشرب والآخر بالرائحة أو القيء، أو يوجد جماعة من الفساق على شراب، بعضهم سكر، وبعضهم تنبعث منه الرائحة، ونحو ذلك. أما قصة الوليد فلا دليل فيها؛ لأن الظاهر أن عثمان ﵁ لم يجلد الوليد بمجرد القيء، وإنما شهد عليه حمران بن أبان أنه شرب، وشهد آخر أنه تقيأها، فانضمت شهادة التقيؤ إلى شهادة الشرب، مع أن الوليد قد شرب وشرب، كما ذكر ذلك الحافظ في ترجمته. وأما قصة ابن مسعود مع الرجل فالجواب عنها من وجهين: الأول: أنها ليست نصًّا في أن موجب الحد وجود الرائحة مجردة، بل يحتمل أن الرجل اعترف بالشرب بلا عذر، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال (١)، لا سيما مع وجود المعارض، ويؤيد هذا قوله له: (أتشرب الخمر؟) فإنه حكم عليه بالشرب، ثم إن معارضته لابن مسعود ﵁ مع قوله له: (أحسنت) مشعر بأن الرجل فيه مبادئ سكر؛ إذ كيف يعارضه أولًا ثم يقول له: (أحسنت)؟! الثاني: أن هذا مجرد رأي لابن مسعود ﵁ والرأي يخطئ ويصيب، ثم إن عليًّا ﵁ قد خالف ابن مسعود، كما ذكر الحافظ (٢)، بناءً على رواية عند الإسماعيلي إثر هذا الحديث. والملاحظ أن البخاري مع دقته في تراجمه لم يخرج هذا الحديث في كتاب "الحدود" وإنما أخرجه في "فضائل القرآن" ولم يترجم واقعة الخمر منه في كتاب "الحدود" كعادته في تقطيع الحديث على أبواب العلم مراعاة لما فيها من أحكام، وكذا مسلم ذكر الحديث ضمن أحاديث "فضائل القرآن"، ولم يذكره في "الحدود" مع أنها أولى به؛ لأنه أخرج حديث إقامة الحد بالقيء، فكان المناسب أن يذكر بعده حديث إقامة الحد بالرائحة. والله تعالى أعلم.

стр. 3862

حكم من تكرر منه شرب الخمر ١٢٥٠/ ٣ - عَنْ مُعَاويةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال في شَارب الْخَمْر: "إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمّ إِذَا شَرِبَ الرّابعَةَ فَاضْرِبوا عُنُقَهُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَريحًا عَنِ الزُّهْريِّ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٢٨/ ٨٣)، وأبو داود في كتاب "الحدود"، باب "إذا تتابع في شرب الخمر" (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ١٤١)، وابن ماجه (٢٥٧٣) من طريق عاصم، عن أبي صالح ذكوان، عن معاوية بن أبي سفيان ﵄، به مرفوعًا. وهذا سند حسن، من أجل عاصم بن أبي النجود، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، والحديث رواه الحاكم (٤/ ٣٨٢) وسكت عنه، وقال الذهبي: (صحيح) ونقله عنه الزيلعي. وقال ابن عبد الهادي: (رواته ثقات، وقد روى جماعة من الصحابة نحو هذا الحديث) (١). وقال الترمذي: (وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نُسخ بعد)، وذكر -أيضًا- في أول كتابه "العلل" أن جميع ما في هذا الكتاب -وهو كتاب

стр. 3863

الجامع- معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين … وذكر منهما حديث الباب (١). ورواه أبو داود (٤٨٨٥) من طريق سفيان قال الزهري: أخبرنا قَبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه" فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورُفِعَ القتل وكانت رخصة. قال سفيان: حدث الزهري بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخوَّل بن راشد، فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث. وهذا صريح في رفع القتل وأنه نسخ. ° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الشارب يقام عليه الحد ثلاث مرات، فإذا شربها في الرابعة فإنه يقتل. وقد ورد في بعض الأحاديث أن القتل في الثالثة، وفي بعضها أنه في الخامسة، وهذا شك نادر من بعض الرواة لا يؤثر في صحة الحديث، ولا في أن الحكم بالقتل إنما هو في الرابعة، وعليه أكثر الروايات. والقول بأنه يقتل هو قول الظاهرية، وقد نصره ابن حزم ودافع عنه، واختاره من المتأخرين الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المسند"، ثم طبع في رسالة مستقلة (٢). والقول الثاني: أنه لا يقتل، وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابله (٣)، واستدلوا بحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … الحديث" وتقدم في أول "الجنايات". ووجه الدلالة: أن هذا الحديث ورد بأسلوب يقتضي القصر على من ورد

стр. 3864

ذكرهم، وهم الزاني والقاتل والمرتد، والشارب ليس واحدًا منهم، فيبقى حكم دمه على الأصل وهو العصمة، ويكون هذا الحديث ناسخًا لحديث القتل. كما استدلوا بما تقدم من حديث قبيصة بن ذؤيب في أن القتل قد رفع، قال النووي: (هذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخ، دلَّ الإجماع على نسخه) (١). والمقصود أن الجمهور لا يرون القتل، ويقولون إن حديث الباب إما منسوخ بحديث ابن مسعود ﵁ أو حديث قبيصة، وإما أن الإجماع منعقد على خلافه كما قال الترمذي، وكذا قال الشافعي: (لا نعلم أحدًا من أهل الفتيا يخالف في أن من أقيم عليه حد في شيء أربع مرات ثم أُتي به خامسة أو سادسة أقيم ذلك الحد عليه ولم يقتل، وفي هذا دليل على أن ما روي عن النبي ﷺ إن كان ثابتًا فهو منسوخ) (٢)، وقال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن السكران في المرة الرابعة لا يجب عليه القتل، إلا من لم يُعَدَّ خلافه خلافًا) (٣). والقول الثالث: أنه يجوز قتله في الرابعة تعزيرًا لا حدًّا إذا رأى الإمام ذلك، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٤)، ووجهة نظرهم الجمع بين الأدلة، فقد ورد أدلة مفادها القتل في المرة الرابعة، وهي قد وردت من طرق متعددة بأسانيد قوية، كما يقول الحافظ ابن حجز (٥)، كما جاءت أحاديث وآثار مفادها عدم القتل، كما تقدم في حديث قبيصة بن ذؤيب، وهذا القول هو الراجح؛ لأن الجمع بين الأدلة وإعمالها أولى من إعمال بعضها وإهمال الآخر.

стр. 3865

وقد رد أصحاب القول الأول على أصحاب القول الثاني قولهم: إن القتل منسوخ؛ بأن أحاديث النسخ ليست صريحة، وبعضها لا يقوى على معارضة الأحاديث التي فيها الأمر بالقتل. فحديث ابن مسعود ﵁ حديث عام، وأحاديث قتل الشارب أحاديث خاصة، ثم إنه ليس هناك دليل على تأخر حديث ابن مسعود ﵁ حتى يقال بالنسخ، ومعرفة التاريخ شرط في العمل بالنسخ. وأما حديث قبيصة فأجيب عنه بما يلي: ١ - أنه مرسل؛ لأن قبيصة ولد يوم الفتح. ٢ - أنه لو كان متصلًا لكانت أحاديث الأمر بالقتل مقدمة عليه؛ لأنها أصح وأكثر. ٣ - أن هذا فعل، والقول مقدم عليه؛ لأن القول تشريع، والفعل قد يكون خاصًّا، إذ قد يكون ترك قتله لعذر. لكن يؤيد النسخ ما ورد في قصة ابن النعيمان وهو عبد الله بن حمار ﵁ أن رسول الله ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ : "لا تلعنوه، فوالله ما علمت؛ إنه يحب الله ورسوله" (١). قال الحافظ ابن حجر: (وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة) (٢). وأما دعوى الإجماع على ترك القتل فقد وافق ابن القيم ابن حزم على نقضها؛ لأن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، وأضاف ابن القيم أنه قول بعض السلف (٣)، ومثل هذا لا يكفي، فإن قول عبد الله بن عمرو بن العاص جاء من طريق منقطع لا تقوم به حجة؛ لأنه من رواية الحسن

стр. 3866

البصري عنه، وهو لم يسمع منه على الصحيح، وقول عبد الله بن عمر ذكره ابن حزم وابن القيم بدون إسناد، ومثل ذلك لا يتم به نقض الإجماع، وما ذكره عن بعض السلف لم يتم تعيينه إلا ما روي عن الحسن، وقد ذكره الحافظ ابن حجر بدون إسناد (١). والذي يظهر أن الأحاديث بقتل الشارب حدًّا في الرابعة منسوخة؛ لأن أحاديث النسخ يشد بعضها بعضًا، ثم إن قتل الشارب من الأمور التي لا تخفى، لا سيما وأن شاربها لا يشربها مرة واحدة وإنما يكون مدمنًا عليها في الغالب، والقول بقتله تعزيرًا فيه وجاهة. والله تعالى أعلم.

стр. 3867

النهي عن الضرب في الوجه ١٢٥١/ ٤ - عَنْ أَبي هُرَيرَة ﵁ قَال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُم فَلْيَتَّقِ الْوَجْه"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "العتق"، باب "إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه" (٢٥٥٩) من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه". ورواه مسلم (٢٦١٢) من طريق المغيرة الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه". ورواه من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، بلفظ: "إذا ضرب أحدكم". ورواه -أيضًا- من طريق أبي عوانة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه". وبهذا يتبين أن لفظ "البلوغ" هو لفظ مسلم؛ لكنه ملفق من هذه الرواية وما قبلها، وسيذكر الحافظ هذا الحديث مرة أخرى بلفظ البخاري في باب "الرَّهبِ من مساوئ الأخلاق" من كتاب "الجامع". * الوجه الثاني: في الحديث دليل على النهي عن الضرب في الوجه، وهذا نهي عام يعم الحدود والتعزيرات، والإنسان والحيوان، وذلك لأن الوجه

стр. 3868

مجمع المحاسن، وهو لطيف، فيظهر فيه أثر الضرب، وربما شانه، والشين فيه لا يمكن ستره، بخلاف ما يخفى من الأعضاء؛ ولأن الوجه مجمع الحواس كالعين والأذن، وربما آذاها الضرب، وقد مضى في "عشرة النساء" حديث معاوية القشيري في نهي الزوج عن ضرب زوجته. ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في باب "حد الشارب" لكون الحدِّ يقام بالضرب بالجريد والنعال ونحوه، ولما كان بعض الناس قد تأخذه الغيرة أو الحماس في تنفيذ الحد، نُهي أن يتجاوز في ضربه إلى الوجه. والله تعالى أعلم.

стр. 3869

النهي عن إقامة الحدود في المساجد (١) ١٢٥٢/ ٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تُقَامُ الْحُدُودُ في الْمَسَاجِد"، رَواهُ التِّرمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "الديات"، باب "ما جاء في الرجل يقتل ابنه فيقاد منه أم لا؟ " (١٤٠١) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد". قال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعًا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم، وإسماعيل بن مسلم المكي قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه). وقد تابعه سعيد بن بشير، عن عمرو بن دينار، به، رواه الحاكم (٤/ ٣٦٩)، وعبيد الله بن الحسن العنبري، عن عمرو. رواه الدارقطني (٣/ ١٤٢)، والبيهقي (٨/ ٣٩) وفي أسانيدها مقال، ويحتمل أن يكون هؤلاء قد أخذوه عن إسماعيل بن مسلم، فيكون كلام الترمذي في محله.

стр. 3870

والحديث له شواهد منها حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها"، وقد مضى الكلام عليه في باب "المساجد" من كتاب "الصلاة" (١). * الوحه الثاني: في الحديث دليل على أن الحدود لا تقام في المساجد، وظاهر النهي أنه للتحريم، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم إلا أن معناه صحيح، فإن إقامة الحد في المسجد وإن كان عبادة؛ لأنه إجراء لحكم الله تعالى إلا أنه يؤدي إلى تلويث المسجد، فإنه إذا ضرب الجاني أو قطعت يده لوث المسجد، مع ما في ذلك من اللغط ورفع الأصوات فيه، ومثل ذلك غير لائق بالمسجد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وهذا الرفع يشمل الرفع الحسي بالبناء والتطهير من الأذى والقذر وكل ما لا يليق بالمسجد، والرفع المعنوي بإقامة ذكر الله تعالى وطاعته من الذكر والتلاوة والصلاة والابتعاد عن معصيته من اللغو وقول الزور وكل فعل يخل بتشريفها. ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم أقاموا الحدود في المسجد، وقد تقدم أن ماعزًا لما جاء إلى الرسول ﷺ هو في المسجد وأقرّ عنده بالزنى، قال: "اذهبوا به فارجموه"، والله تعالى أعلم.

стр. 3871

حقيقة الخمر ١٢٥٣/ ٦ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَال: لَقَدْ أنْزَلَ اللهُ تَحْريمَ الْخَمْرِ وَمَا بالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ١٢٥٤/ ٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ١٢٥٥/ ٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ١٢٥٦/ ٩ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليها من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أنس ﵁ فقد رواه مسلم في كتاب "الأشربة"، باب "تحريم الخمر وأنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر" (١٩٨٢) من طريق عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي، أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر. وأما حديث عمر ﵁ فقد رواه البخاري في كتاب "الأشربة"، بابٌ "الخمرُ من العنب وغيره" (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢) من طريق أبي حيان

стр. 3872

حدثنا عامر، عن ابن عمر ﵄ قال: قام عمر ﵁ على المنبر فقال: أما بعد، نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب … الحديث. وأما حديث ابن عمر ﵄ فقد راه مسلم في "الأشربة"، باب "بيان أن كل مسكر خمر" (٢٠٠٣) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة". وفي رواية له من طريق عبيد الله، أخبرنا نافع بلفظ: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". وأما حديث جابر ﵁ فقد رواه أحمد (٢٣/ ٥١)، وأبو داود في "الأشربة"، باب "النهي عن المسكر" (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣) من طريق داود بن بكر بن أبي الفرات، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ مرفوعًا. وهذا سند حسن، داود بن بكر قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق) فهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن حبان (١٢/ ٢٠٢) من طريق موسى بن عقبة، عن ابن المنكدر، به. وموسى بن عقبة ثقة من رجال الجماعة، وهذه متابعة قوية لداود بن بكر، كما تابعه سلمة بن صالح الأحمر عند ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١) وفيه ضعف. والحديث له شواهد، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" رواه النسائي (٨/ ٣٠١) وسنده حسن، ولما أشار المنذري إلى أحاديث الباب قال: (وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادًا) (١).

стр. 3873

وعزو الحديث للأربعة وَهْمٌ من الحافظ؛ فإن النسائي ما رواه من حديث جابر ﵁، وإنما رواه بهذا اللفظ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١). * الوجه الثاني: اتفق فقهاء المسلمين على إطلاق اسم الخمر على المعتصر من العنب، واختلفوا في تعدية اسم الخمر وحكمها إلى غير العنب على قولين: الأول: أن اسم الخمر يطلق على كل ما أسكر العقل، سواء أكان مشروبًا أم مأكولًا أم مشمومًا، وسواء أكان من العنب أم من التمر أم من غيرهما، وهذا قول جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية (٢). فالمدار عندهم على الإسكار وغيبوبة العقل من أي مادة صنع؛ لأن المقصود حفظ العقل، وإبعاد الأمة عن أضرارها ومفاسدها. واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أنس ﵁ فإنه نص صريح في أن المتخذ من التمر يسمى خمرًا، وأن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب. ٢ - قول عمر ﵁ نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة … فبيَّن ﵁ على ملأ من الصحابة دخول الأشربة المأخوذة من العنب والتمر … إلخ في مسمى الخمر، ثم أخبر أن الخمر ليس مقصورًا على هذه الأصناف الخمسة، بل هي اسم لكل ما خامر العقل، وعمر ﵁ من أهل اللغة. ٣ - حديث ابن عمر ﵄ فإنه نص صريح في أن الخمر لفظ عام يشمل كل ما أسكر، وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها النبي ﷺ ؛ لأن لفظة (كل) من صيغ العموم، فتشمل كل ما أسكر من مشروب أو مطعوم أو مشموم؛ لأنه

стр. 3874

علق التحريم على وجود الإسكار، ولم يفرق بين نوع ونوع (١). ٤ - حديث جابر ﵁ فإنه دل على تحريم القليل مما أسكر كثيره، فما عرف أنه مسكر وجب اجتنابه بالكلية، وإن كان قليله لا يسكر؛ لأن قليله قد يجر إلى كثيره، وجاء ذلك بلفظ عام؛ لأن. (ما) من ألفاظ العموم، فتشمل كل ما أسكر من أي مادة كان. والقول الثاني: أن الخمر اسم خاص بالمتخذ من عصير العنب خاصة إذا غلى واشتد، وبه قالت الحنفية، وهل يشترط أن يقذف بالزَّبَدِ؟ ذهب أبو حنيفة إلى أنه يشترط؛ لأن الغليان بداية الشدة والإسكار، واكتمالها إنما يكون بالقذف بالزبد، فلا يسمى خمرًا قبل ذلك؛ لأن أحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية، كالحدِّ، وكفر مستحلها، وتحريم بيعها، ونجاستها. وذهب صاحباه أبو يوسف ومحمد إلى عدم اشتراط قذفه بالزبد؛ لأن الإسكار يتحقق بدونه، وهذا هو الراجح عند الحنفية سدًّا للذريعة (٢). واستدل الحنفية على أن الخمر هي عصير العنب من اللغة بما جاء في "المحكم" لابن سيده فإنه جزم بأن الخمر ما أسكر من عصير العنب دون سائر الأشياء (٣)، قال صاحب "الهداية" من الحنفية: (الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم) (٤). كما احتجوا بقوله تعالى حكاية عن صاحب يوسف ﵇: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قالوا: فدل على أن الخمر هو ما يعصر ويبقى نيئًا لا ما ينبذ أو يطبخ. كما احتجوا بحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب (٥). قالوا: فخص الخمر بحكم، ثم عطف عليها المسكر، والعطف يقتضي المغايرة.

стр. 3875

وهذا الحديث مختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وقد بين النسائي ذلك، ونقل الزيلعي عن ابن معين والعقيلي تضعيف الحديث (١). وقد حسن المعلق على "جامع الأصول" هذا الحديث موقوفًا (٢). وأجابوا عن أدلة الجمهور بأنها محمولة على القليل من القدر المسكر. والصواب في هذا ما ذهب إليه الجمهور من أن الخمر يطلق على كل ما أسكر من آية مادة كان إطلاقًا حقيقيًّا وأنه لا يختص بالمسكر من ماء العنب، لقوة أدلتهم وصراحتها في الدلالة على المراد. وأما مذهب الحنفية فهو قول ضعيف مخالف للغة العرب، والسنة الصحيحة، وفهم الصحابة ﵃. وما حكاه صاحب "الهداية" مردود، فالمعروف في اللغة ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول الجوهري، وأبي حنيفة الدِّينَوَرِي وغيرهما من متقدمي أهل اللغة (٣)، قال صاحب "القاموس": (الخمر ما أسكر من عصير العنب أو هو عام، والعموم أصح؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب) (٤). وتقدم هذا، وأما ما نقل عن ابن سيده فهو معارض بما قرره غيره من أهل اللغة من أن المتخذ من غير العنب يسمى: خمرًا، ثم إن ابن سيده متأخر؛ لأنه في منتصف القرن الخامس. ويكفي في ذلك أفصح العرب لسانًا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي قال: "كل مسكر خمر" فإن هذا نص في تعريف الخمر يغني عن النزاع. وأما فهم الصحابة ﵃ فقد قال أنس ﵁ كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأُبي بن كعب من فضيخ زَهْو تَمْرٍ، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد

стр. 3876

حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها (١). ففي الحديث دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة ﵃ أهل اللسان وقد فهموا أن شرابهم ذلك خمر، بل لم يكن لهم شراب ذلك الوقت في المدينة غيره، ولو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم، لما تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما بادروا بالإراقة دل على أنهم فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر دون تفريق بين ما اتخذ من العنب أو غيره. وأما استدلال الحنفية بآية: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فلا حجة لهم فيها؛ لأنها جاءت إخبارًا عن قضية رؤيا حصل فيها العصر، وقد تكون الخمر في وقتهم تعصر من العنب ولا يعرفون إلا هذا، وجاء في شرعنا المطهر من الأدلة الصحيحة الصريحة ما يثبت أنها تؤخذ من غير العنب، فيكون عليها المعول. وأما حديث ابن عباس فهو ضعيف كما تقدم، وعلى فرض صحته فلا حجة فيه؛ لأن المراد بالخمر ما كان معروفًا عندهم كما مضى. والخلاصة أن الخمر من ماء العنب إذا اشتد حقيقة لغوية شرعية بالاتفاق، وأما غيره فيطلق عليه اسم الخمر حقيقة لغوية شرعية على الأصح، كما هو مذهب الجمهور من علماء اللغة والشريعة. وثمرة الخلاف: أن من شرب من أي مسكر من العنب أو غيره أقيم عليه الحد، سواء سكر منه أم لا، وهذا مذهب الجمهور، وأما عند الحنفية فمن شرب من ماء عصير العنب حُدَّ، سواء سكر منه أم لا؛ لأنه الخمر حقيقة، ومن شرب من غيره فلا يحد إلا إذا سكر، وعلى هذا فالحنفية يفرقون بين الخمر والمسكر. ولا ريب أن مذهب الجمهور مع قوة أدلته تؤيده قاعدة سد الذرائع، وهي من مقاصد الشريعة، ومذهب الحنفية يفتح باب شرب المسكرات وتعاطيها تحت مسميات جديدة.

стр. 3877

الوجه الثالث: حرم الله تعالى الخمر لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة، التي كشف الطب الحديث عن كثير منها بما لديه من وسائل وأجهزة علمية دقيقة، وهي كما قال المصطفى ﷺ لمن سأله عن الخمر يصنعها للدواء: "أنها ليست بدواء، ولكنها داء" (١). والخمر تحتوي على مواد كيماوية كثيرة، أهمها: مادة "الغَول الإيثيلي" وتسمى "الكحول" وهي تنتج عن تخمر مادة السُّكَّر، وهي السبب في جميع الأضرار الناتجة عن تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في السوائل الأخرى بنسب قليلة، وترتفع في المقَطَّرة منها، وتحديد الخمر وما يتبعها من السوائل المسكرة لا يتوقف على تساوي النِّسَبِ، ولا على ارتفاع وجودها، بل يتوقف على مجرد الوجود وإن كانت نسبتها قليلة، كالبيرة مثلًا. "والغول" سريع الذوبان في الماء، ويصل إلى الدم، ويتوزع على جميع أخلاط البدن وأنسجته بسرعة فائقة، ولا سيما إذا أُخذ على معدة فارغة، ولعل هذا هو السر في أن الغول يؤثر على جميع أجزاء البدن، لا يستثني منها شيء، وأكثر الأجهزة تأثرًا في حالة السُّكْر هو الدماغ، ثم جهاز الدوران الدموي، والجهاز العصبي، والعقل، ثم الجهاز الهضمي بجميع أجزائه، ثم الجهاز التنفسي والبولي، وما ينشأ عن ذلك من الأمراض النفسية والعقلية، والشيخوخة المبكرة، والموت المفاجئ، وضعف مقاومة الجسم للأمراض، ثم الأضرار الاجتماعية، والاقتصادية، حتى نَسْلُ الإنسان لم يسلم من أذى المسكرات، بل وصل إلى الأجنة في بطون أمهاتها. وبالجملة فهي أم الخبائث، وجماع الإثم، ومجمع الأمراض، ولهذا تجد السكارى غالبًا هم أفقر الناس، وأتعس الناس، وأشقى الناس (٢). نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 3878

ما جاء في إباحة شرب النبيذ وشرطه ١٢٥٧/ ١٠ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبيبُ في السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإنْ فَضَلَ شَيءٌ أَهْرَاقَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في "الأشربة"، باب "إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرًا" (٢٠٠٤) من طريق أبي عمر يحيى بن عبيد البهراني، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له الزبيب … الحديث. وهذا الحديث له ألفاظ كثيرة عند مسلم، كلها قريبة من هذا المعنى. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ينبذ له الزبيب) بضم الياء مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: يتخذ له النبيذ من الزبيب، وهو العنب المجفف بأن يطرح في الماء وينقع. يقال: نبذ التمر أو العنب ونحوهما، اتخذ منه النبيذ، وأصل النبذ الطرح، ومنه قيل للماء يطرح فيه ما يحليه: نبيذ (١). قوله: (في السقاء) بكسر السين على وزن كساء، جلد السخلة إذا أجذع يكون للماء واللبن. قوله: (شربه وسقاه) مفعول سقاه الثاني محذوف، وقد جاء في رواية

стр. 3879

عند مسلم (سقاه الخادم أو أمر به فَصُبَّ) والمعنى: أنه إن بدا في طعمه بعض تغير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر به فأهريق، فتكون (أو) للتنويع حسب حال النبيذ (١)، وأما القول بجواز شربه إذا اشتد، بدليل سقيه الخادم فهو مردود، إذ لا دليل على أنه بلغ حد الإسكار، وإنما بدا فيه بعض التغير؛ لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم كما لا يجوز شربه. قوله: (فإن فَضَلَ) بفتح الضاد من باب (قتل) بمعنى بقي، وفي لغة بكسر الضاد من باب (تعب). * الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز شرب النبيذ وهو الماء يلقى فيه التمر أو الزبيب ليحلو به الماء وتذهب ملوحته، بشرط ألا يصل إلى درجة الإسكار وإلا حرم. قال ابن القيم: (وهو يدخل في الغذاء والشراب، وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة … ) (٢). وقد حدد فقهاء الحنابلة جواز شرب النبيذ ما لم يغل أو يمر عليه ثلاثة أيام، فإذا مضى عليه ثلاثة أيام حرم شربه، وصار بحكم الخمر (٣)، مستدلين بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ كان يشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء اليوم الثالث شربه، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم؛ ولأن الحكم يثبت بغلبة الظن، والنبيذ بعد ثلاث مظنة التغير. والقول الثاني: أنه لا يحرم شرب العصير ما لم يغلِ ولو زاد على ثلاثة أيام، وهذا قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب (٤)، وحمل كلام الإمام أحمد على عصير يتخمر في ثلاث غالبًا، لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اشربوا في كل وعاءٍ غير أن لا تشربوا مسكرًا" (٥)؛ ولأن علة تحريمه الشدة المطربة، وهذا في المسكر خاصة، وهذا القول فيه

стр. 3880

وجاهة؛ لأن الأشربة يسرع إليها التخمر في بعض البلاد قبل غيرها، وكذا الأواني، فالبلاد الحارة ليست كالباردة، والآنية المفرَّغة من الهواء ليست كغيرها، وكذا ما يوضع في ثلاجة لا يفسد ولو مضى عليه مدة، ولعل هذا هو سبب اختلاف الأحاديث واختلاف الفقهاء، والضابط لذلك أن ما لم يصل إلى حد الإسكار باشتداده وغليانه فهو حلال، وما وصل فهو حرام؛ لأن علة التحريم: الشدة الحادثة، وهي توجد بوجود الغليان، قال النووي: (في هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ، وجواز شرب النبيذ ما دام حلوًا لم يتغير ولم يغل، وهذا جائز بإجماع الأمة) (١). وهذا يدل على عناية الشريعة بهذا الجانب، حيث وضعت هذه الضوابط لضمان عدم تحول النبيذ أو العصير إلى مسكر، حسمًا لمادة قرب المسكر، سدًّا لذريعة الوصول إليه. والله تعالى أعلم.

стр. 3881

تحريم التداوي بالخمر ١٢٥٨/ ١١ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَن النَّبيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ"، أَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ١٢٥٩/ ١٢ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَميِّ أن طَارقَ بْنَ سُوَيدٍ ﵁ سَأَل النَّبيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَال: "إِنَّهَا لَيسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُمَا. * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجهما: حديث أم سلمة ﵂ رواه ابن حبان (٤/ ٢٣٣)، والبيهقي (١٠/ ٥) من طريق جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن مخارق، قال: قالت أم سلمة ﵂: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي ﷺ وهو يغلي، فقال: "ما هذا؟! فقالت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال النبي ﷺ : "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم". هذا لفظ ابن حبان، ولفظ البيهقي: "فيما حرم عليكم" وهو لفظ "البلوغ". وهذا الحديث رجاله ثقات معروفون، خلا حسان بن مخارق، فقد ترجمه البخاري في "تاريخه"، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (١).

стр. 3882

وعليه فالرجل مجهول الحال. وله شاهد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). ذكره البخاري تعليقًا (١)، ووصله ابن أبي شيبة (٧/ ٣٨١) من طريق جرير، والطبراني في "الكبير" (٩/ ٤٠٣) من طريق الثوري كلاهما عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. قال الحافظ: (إسناده صحيح على شرط الشيخين) (٢). وفي الباب ما رواه أبو داود (٣٨٧٤) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داءٍ دواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام" وهذا سند ضعيف، وصفه الذهبي بأنه خبر منكر، وقال الحافظ عن ثعلبة: (مستور). وأما حديث وائل بن حجر فقد رواه مسلم في "الأشربة"، باب "تحريم التداوي بالخمر" (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٧)، وابن ماجه (٣٥٠٠)، وأحمد (٣١/ ٨٣) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر … الحديث. وهذا لفظ مسلم إلا أنه عنده بتذكير الضميرين (إنه … ولكنه). ولم يتضح لي غرض الحافظ من ذكر أبي داود مع مسلم، إلا إن كان غرضه بيان الاختلاف في السائل، فقد جاء عند أبي داود والترمذي طارق بن سويد أو سويد بن طارق، وقد ذكر ابن عبد البر (٣)، وابن حجر (٤) الاختلاف في اسمه، ونقل ابن حجر عن الترمذي وأبي زرعة وابن حبان وابن منده والبغوي أنه طارق بن سويد.

стр. 3883

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (إن الله لم يجعل شفاءكم … ) هذه الجملة تعليل لما تقدم من كون أم سلمة ﵂ عملت لابنتها نبيذًا وصل إلى درجة الغليان. قوله: (أن طارق بن سويد) مختلف في اسمه -كما تقدم- فقيل طارق بن سويد الحضرمي، كما جزم به أبو زرعة والترمذي وابن حبان والبغوي وآخرون، وقيل: سويد بن طارق، كما جزم به أبو حاتم وغيره، ويقال: الجعفي، له صحبة، حديثه عند أهل الكوفة. قوله: (يصفها للدواء) أي: للعلاج بها، ولفظ الترمذي (إنا لنتداوى بها). قوله: (لكنها داء) أي: ولكنها مرض. قال الخطابي: (إنما سماها داء لما في شربها من الإثم، وقد تستعمل لفظة "الداء" في الآفات والعيوب، ومساوئ الأخلاق) (١). * الوجه الثالث: استدل بما ورد من الأحاديث جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة والصحيح عند الشافعية على أن التداوي بالخمر محرم (٢)؛ لأن النبي ﷺ قد صرح بأن الخمر ليست بدواء، وهذا يدل على تحريم التداوي بها، بل بين ﷺ أنها داء، وإذا كانت داء لم يعقل أن يزال الداء بالداء. كما استدلوا بقوله تعالى؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠]. ووجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن الله تعالى بين أن الخمر رجس، وغير المحرم لا يوصف بذلك، فدل على تحريمها.

стр. 3884

الثاني: أنه أمر باجتنابها، وهذا أمر بالاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه لا بشرب ولا تداوٍ ولا تخليل ولا بيع. وفي اتخاذ الخمر دواء حض على الترغيب فيها وملابستها، وهذا ضد مقصود الشارع. والقول الثاني: أنه يجوز التداوي بالخمر إذا تعينت علاجًا ولم يوجد غيرها، بشروط معتبرة (١)، وهذا قول بعض الحنفية (٢)، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، ونسبه ابن العربي إلى ابن شهاب، وبه قال ابن حزم (٣). واستدلوا على ذلك بأمر الرسول ﷺ العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل، كما في حديث أنس ﵁ الثابت في "الصحيحين" (٤) قالوا: وأبوال الإبل نجسة، وهذا دليل على جواز التداوي بالنجس، ومنه الخمر. كما استدلوا بالقياس على إباحة المحرمات كالميتة للمضطر. وحملوا الأحاديث الناهية عن التداوي بالخمر على حالة التداوي بها من غير ضرورة ملجئة، كمن يظن نفعها ولو بإخبار طبيب، وعلى حالة الاختيار، كما إذا وجد غيرها من الحلال يقوم مقامها. والصواب قول الجمهور؛ لوجود النص الدال على تحريم التداوي بالخمر؛ ولأن الإنسان يجد مندوحة عن التداوي بها ولا يقطع بنفعها، ثم إن في اتخاذها دواء مناقضة لمقصود الشارع كما تقدم. وأما الاستدلال بحديث العرنيين فهو مردود بعدم التسليم بنجاسة أبوال الإبل حتى يقال: إن الرسول ﷺ أمر بالتداوي بها، بل أبوال الإبل وأرواثها وكل ما يؤكل لحمه طاهرة، ولو سلمنا القول بنجاستها فالواجب الجمع بين العام وهو تحريم التداوي بالحرام وبين الخاص وهو الإذن بالتداوي بأبوال

стр. 3885

الإبل، فيقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل (١). وأما الاستدلال بالقياس فهو قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته النص الصريح في تحريم التداوي بالخمر، ثم إن المحرمات التي أباحها الشارع للضرورة يعلم قطعًا أثرها في إنقاذ حياة الإنسان كالميتة للمضطر، بخلاف التداوي بالخمر فإنه لا يقطع بزوال المرض بها. * الوجه الرابع: طلبت من بعض المتخصصين في صناعة وتحليل الأدوية في إحدى الشركات الدوائية الإفادة عن موضوع الكحول المستعمل في صناعة الأدوية، فأفادَ -جزاه الله خيرًا- بما يلي: تطلق لفظة الكحول على الكحول (الإيثيلي) وهي مادة سائلة عديمة اللون، لها رائحة مميزة، وتتطاير بسرعة. وللكحول استعمالات كثيرة وبتركيزات مختلفة في صناعة الدواء، نذكر منها: أولًا: الأشربة: ١ - مادة مذيبة للمواد الفعالة الداخلة في تركيب بعض الأدوية والتي لا تذوب في الماء بصورة أساسية. ٢ - سائل مذيب لمكسبات الطعم والرائحة المضافة إلى الأدوية. وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية. ثانيًا: صناعة الأقراص: يستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة، لكي يسهل توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى لتكوين دواء فعال. ويتم التخلص من الكحول بتبخيره عن طريق التسخين لفترات محددة،

стр. 3886

وبذلك لا يكون الكحول كأحد مكونات الدواء. ثالثًا: المرهم والكريمات: يستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة أو مكسبات الرائحة، لكي يتم توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى. وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية. رابعًا: الحُقَن: يستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة، لكي يتم توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى، وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية. خامسًا: المطهرات: ١ - مادة مذيبة لبعض المواد الفعالة في الدواء التي لا تذوب في الماء بصورة أساسية. ٢ - سائل مذيب لمكسبات الطعم والرائحة. وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية. ويستخدم الكحول -أيضًا- لتعقيم وتطهير الآلات والأجهزة، وهنا لا يكون الكحول كأحد مكونات الدواء ويتطاير. هذا وقد قرر مجلس المجمع الفقهي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في المدة من ٢١ - ٢٦/ ١٠ / ١٤٢٢ هـ جواز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة، تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية. والله تعالى أعلم.

стр. 3887

باب التعزير وحكم الصائل التعزير لغة: مصدر عزره يعزره تعزيرًا: إذا منعه ورده وأدبه، أو أعانه وقواه ونصره، فهو من ألفاظ الأضداد. وشرعًا: التأديب على معصية لا حد فيها ولا كفارة. وذلك كالخلوة بالمرأة الأجنبية، أو التخلف عن صلاة الجماعة، أو الفطر في رمضان لغير عذر، أو سرقة ما لا قطع فيه، أو شهادة الزور، أو الرشوة، وغير ذلك من الأفعال المخالفة للشريعة الإسلامية التي لم يرد فيها حد ولا كفارة. وقولنا: (لا حد فيه) يخرج ما فيه حَدٌّ كالزنا والسرقة ونحوهما. وقولنا: (ولا كفارة) كالجماع في رمضان، أو في حال الإحرام. وقد وقع بعض علماء اللغة كصاحب "القاموس" (١) في وهم في هذا الموضع، حيث ذكروا أن التعزير يطلق على الضرب بما دون الحد المقدر، ولا ريب أن هذا وضع شرعي لا لغوي، يجمعهما حقيقة التأديب لغة كما تقدم، ويفترقان في القيد الشرعي وهو قوله: (بما دون الحد المقدر) لأنه قبل ورود الشرع ليس فيه حدود مقدرة. وقد يعتذر عنه بأنه لم يلتزم الألفاظ اللغوية، بل يذكر المنقولات الشرعية تكثيرًا للفوائد (٢). وسلم من هذا الوهم الجوهري حيث قال: (التعزير: التأديب، ومنه

стр. 3888

سمي الضرب دون الحد تعزيرًا) (١). فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن اللغوية بزيادة قيد. والحد يخالف التعزير في عشرة أمور، ذكرها القرافي وابن عابدين، ومنها: ١ - أن الحد مقدر، والتعزير غير مقدر. ٢ - أن الحد لا تجوز فيه الشفاعة، والتعزير تجوز فيه الشفاعة. ٣ - أن الناس أمام الحدود سواء، بخلاف التعزير، فتعزير ذوي الهيئات أخف، كما سيأتي. ٤ - أن الحد لا بد أن يكون في معصية، بخلاف التعزير، فقد لا يكون في معصية كتأديب الأولاد والطلاب ونحو ذلك (٢). وهل هناك فرق بين التعزير والتأديب، قيل: بالفرق، وهو أن التعزير بسبب المعصية، والتأديب أعم منه، كما تقدم في تأديب الولد والطالب، قال البخاري: بابٌ (كم التعزير والأدب؟). وقيل: لا فرق، وهو ما جرى عليه الجوهري في "صحاحه" وغيره حيث قال: (التعزير: التأديب). والصائل: اسم فاعل من صال يصول صولًا: إذا سطا ووثب، فالصائل على شيء: القاصد الوثوب عليه، والمراد هنا: من سطا عاديًا على غيره، يريد نفسه أو عرضه أو ماله، سواء كان الصائل آدميًّا أو بهيمة.

стр. 3889

مشروعية التعزير ومقداره ١٢٦٠/ ١ - عَنْ أَبي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو بُردة بن نيار -بكسر النون بعدها تحتانية مخففة- واسمه هانئ بن نيار بن عمرو البلوي الأنصاري، شهد بيعة العقبة الثانية، وحضر بدرًا وما بعدها، وكانت معه راية بني حارثة يوم الفتح، وشهد مع علي حروبه كلها، مات سنة خمس وأربعين ﵁ (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، بابٌ "كم التعزير والأدب؟ " (٦٨٤٨)، من طريق الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله". ورواه البخاري -أيضًا- (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدثه قال: بينما أنا جالس عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر، فحدث سليمان بن يسار، ثم أقبل علينا سليمان بن يسار فقال: حدثني عبد الرحمن بن جابر، أن أباه حدثه أنه سمع أبا بردة الأنصاري قال: … وذكر الحديث.

стр. 3890

وقد ذكر الدارقطني هذا الاختلاف في "العلل" (٦/ ٢٠٢) ورجح رواية الليث ومن تابعه في عدم ذكر لفظة (أباه)، وفي "التتبع" رجح رواية عمرو بن الحارث بزيادة هذه اللفظة، فقال: (وقول عمرو صحيح) (١). وقد ذكر الحافظ أن هذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث، فيحتمل أن عبد الرحمن سمع أبا بردة لما حدث به أباه، وثبته فيه أبوه، فحدث به تارة بواسطة أبيه، وتارة بغير واسطة (٢). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يجلد) روي بفتح الياء مبنيًّا للمعلوم، وبضمها مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: لا يجلد أحد، وروي مجزومًا على النهي، ومرفوعًا على النفي، وهو أبلغ من النهي، ويؤيد الأول رواية عند البخاري: "لا تجلدوا" (٣). قوله: (فوق عشرة أسواط) في رواية البخاري: "فوق عشر ضربات"، وفي رواية: "فوق عشر جلدات". والسوط: ما يضرب به من جلد، سواء أكان مظفورًا أم لم يكن (٤). قوله: (إلا في حد من حدود الله) اختلف في معناه على قولين: الأول: أن المراد بحدود الله: محارمه من ترك واجب أو فعل محرم، وهذا تفسير ابن تيمية، ونسبه لطائفة من أهل العلم، وبه قال ابن القيم، وقالوا: إن الحديث في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه، والمعلم صبيه، والمعنى: لا يجلد أحد أكثر من عشرة أسواط إلا أن يكون الجلد في محارم الله تعالى، وإطلاق الحد على محارم الله وارد في القرآن، قال تعالى في الواجباب: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى في المحرمات: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
следующие страницы →