وبذلك لا يكون الكحول كأحد مكونات الدواء.
ثالثًا: المرهم والكريمات:
يستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة أو مكسبات الرائحة، لكي يتم توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى.
وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.
رابعًا: الحُقَن:
يستعمل كمذيب لبعض المواد الفعالة، لكي يتم توزيعها بشكل متجانس مع المواد المضافة الأخرى، وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.
خامسًا: المطهرات:
١ - مادة مذيبة لبعض المواد الفعالة في الدواء التي لا تذوب في الماء بصورة أساسية.
٢ - سائل مذيب لمكسبات الطعم والرائحة.
وهنا يبقى الكحول كأحد مكونات الدواء بنسبة متدنية.
ويستخدم الكحول -أيضًا- لتعقيم وتطهير الآلات والأجهزة، وهنا لا يكون الكحول كأحد مكونات الدواء ويتطاير.
هذا وقد قرر مجلس المجمع الفقهي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في المدة من ٢١ - ٢٦/ ١٠ / ١٤٢٢ هـ جواز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة، تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية. والله تعالى أعلم.
стр. 3887
باب التعزير وحكم الصائل
التعزير لغة: مصدر عزره يعزره تعزيرًا: إذا منعه ورده وأدبه، أو أعانه وقواه ونصره، فهو من ألفاظ الأضداد.
وشرعًا: التأديب على معصية لا حد فيها ولا كفارة.
وذلك كالخلوة بالمرأة الأجنبية، أو التخلف عن صلاة الجماعة، أو الفطر في رمضان لغير عذر، أو سرقة ما لا قطع فيه، أو شهادة الزور، أو الرشوة، وغير ذلك من الأفعال المخالفة للشريعة الإسلامية التي لم يرد فيها حد ولا كفارة.
وقولنا: (لا حد فيه) يخرج ما فيه حَدٌّ كالزنا والسرقة ونحوهما.
وقولنا: (ولا كفارة) كالجماع في رمضان، أو في حال الإحرام.
وقد وقع بعض علماء اللغة كصاحب "القاموس" (١) في وهم في هذا الموضع، حيث ذكروا أن التعزير يطلق على الضرب بما دون الحد المقدر، ولا ريب أن هذا وضع شرعي لا لغوي، يجمعهما حقيقة التأديب لغة كما تقدم، ويفترقان في القيد الشرعي وهو قوله: (بما دون الحد المقدر) لأنه قبل ورود الشرع ليس فيه حدود مقدرة.
وقد يعتذر عنه بأنه لم يلتزم الألفاظ اللغوية، بل يذكر المنقولات الشرعية تكثيرًا للفوائد (٢).
وسلم من هذا الوهم الجوهري حيث قال: (التعزير: التأديب، ومنه
стр. 3888
سمي الضرب دون الحد تعزيرًا) (١). فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن اللغوية بزيادة قيد.
والحد يخالف التعزير في عشرة أمور، ذكرها القرافي وابن عابدين، ومنها:
١ - أن الحد مقدر، والتعزير غير مقدر.
٢ - أن الحد لا تجوز فيه الشفاعة، والتعزير تجوز فيه الشفاعة.
٣ - أن الناس أمام الحدود سواء، بخلاف التعزير، فتعزير ذوي الهيئات أخف، كما سيأتي.
٤ - أن الحد لا بد أن يكون في معصية، بخلاف التعزير، فقد لا يكون في معصية كتأديب الأولاد والطلاب ونحو ذلك (٢).
وهل هناك فرق بين التعزير والتأديب، قيل: بالفرق، وهو أن التعزير بسبب المعصية، والتأديب أعم منه، كما تقدم في تأديب الولد والطالب، قال البخاري: بابٌ (كم التعزير والأدب؟).
وقيل: لا فرق، وهو ما جرى عليه الجوهري في "صحاحه" وغيره حيث قال: (التعزير: التأديب).
والصائل: اسم فاعل من صال يصول صولًا: إذا سطا ووثب، فالصائل على شيء: القاصد الوثوب عليه، والمراد هنا: من سطا عاديًا على غيره، يريد نفسه أو عرضه أو ماله، سواء كان الصائل آدميًّا أو بهيمة.
стр. 3889
مشروعية التعزير ومقداره
١٢٦٠/ ١ - عَنْ أَبي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو بُردة بن نيار -بكسر النون بعدها تحتانية مخففة- واسمه هانئ بن نيار بن عمرو البلوي الأنصاري، شهد بيعة العقبة الثانية، وحضر بدرًا وما بعدها، وكانت معه راية بني حارثة يوم الفتح، وشهد مع علي حروبه كلها، مات سنة خمس وأربعين ﵁ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، بابٌ "كم التعزير والأدب؟ " (٦٨٤٨)، من طريق الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله". ورواه البخاري -أيضًا- (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدثه قال: بينما أنا جالس عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر، فحدث سليمان بن يسار، ثم أقبل علينا سليمان بن يسار فقال: حدثني عبد الرحمن بن جابر، أن أباه حدثه أنه سمع أبا بردة الأنصاري قال: … وذكر الحديث.
стр. 3890
وقد ذكر الدارقطني هذا الاختلاف في "العلل" (٦/ ٢٠٢) ورجح رواية الليث ومن تابعه في عدم ذكر لفظة (أباه)، وفي "التتبع" رجح رواية عمرو بن الحارث بزيادة هذه اللفظة، فقال: (وقول عمرو صحيح) (١).
وقد ذكر الحافظ أن هذا الاختلاف لا يقدح في صحة الحديث، فيحتمل أن عبد الرحمن سمع أبا بردة لما حدث به أباه، وثبته فيه أبوه، فحدث به تارة بواسطة أبيه، وتارة بغير واسطة (٢).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يجلد) روي بفتح الياء مبنيًّا للمعلوم، وبضمها مبنيًّا لما لم يسم فاعله؛ أي: لا يجلد أحد، وروي مجزومًا على النهي، ومرفوعًا على النفي، وهو أبلغ من النهي، ويؤيد الأول رواية عند البخاري: "لا تجلدوا" (٣).
قوله: (فوق عشرة أسواط) في رواية البخاري: "فوق عشر ضربات"، وفي رواية: "فوق عشر جلدات". والسوط: ما يضرب به من جلد، سواء أكان مظفورًا أم لم يكن (٤).
قوله: (إلا في حد من حدود الله) اختلف في معناه على قولين:
الأول: أن المراد بحدود الله: محارمه من ترك واجب أو فعل محرم، وهذا تفسير ابن تيمية، ونسبه لطائفة من أهل العلم، وبه قال ابن القيم، وقالوا: إن الحديث في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه، والمعلم صبيه، والمعنى: لا يجلد أحد أكثر من عشرة أسواط إلا أن يكون الجلد في محارم الله تعالى، وإطلاق الحد على محارم الله وارد في القرآن، قال تعالى في الواجباب: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى في المحرمات: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
стр. 3891
الثاني: أن المراد بحدود الله تعالى ما ورد عن الشارع فيه حد مقدر بعدد مخصوص، كحد الزنا والقذف وغيرهما، أخذًا بظاهر اللفظ، واستدل هذا القائل بأنه ورد إطلاق الحدود على العقوبات المقدرة، كقول عبد الرحمن بن عوف ﵁: (أخف الحدود ثمانون).
* الوجه الرابع: ظاهر الحديث دليل على أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط؛ لأن الحديث ورد بصيغة القصر التي طريقها النفي والاستثناء، وهذا من أبلغ طرق القصر، وقد أخذ بهذا الحديث بعض أهل العلم بناءً على التفسير الثاني، كما تقدم.
* الوجه الخامس: ليس لأقل التعزير حد مقدر، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، ذكر ذلك ابن القيم، ولم يذكر فيه خلافًا (١). فقد يكتفى فيه بالضربة وباللوم والتوبيخ ونحو ذلك، كالهجر وترك السلام عليه؛ لأنه لو تقدر لكان حدًّا، والتقدير لا يكون إلا بنص من الشارع، يجب المصير إليه، ولا نص على أقل التعزير، فيكون مفوضًا إلى رأي الحاكم حسب المصلحة، لكن خالف في هذا القُدُوري من الحنفية (٢)، فقدر أدنى التعزير بثلاث جلدات؛ لأن ما دونها لا يقع به الزجر (٣).
وأما أكثر التعزير ففيه أربعة أقوال:
القول الأول: أنه لا حد لأكثر التعزير، بل هو مفوض إلى رأي ولي الأمر بحسب ما يراه رادعًا وزاجرًا، هذا هو المعتمد في مذهب مالك، والوجه المقدم في مذهب الشافعي، واختاره أبو يوسف من الحنفية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز (٤).
стр. 3892
وهذا القول مؤيد بأمور ثلاثة:
١ - أن هذا القول يتمشى مع ظاهر الحديث، ولا يحتاج معه إلى تأويل ولا إلى مخالفة ظاهره، أو ادعاء أن الإجماع منعقد على خلافه.
٢ - أن هذا مؤيد بسنة الرسول ﷺ وعمل الخلفاء من بعده، كما يقول ابن تيمية ومن بعده ابن القيم، فقد شرع تعزير الشارب المدمن للخمر بالقتل في المرة الرابعة كما تقدم، وعزم ﷺ على تحريق البيوت على المتخلفين عن حضور الجماعة، وعزر بتضعيف الغرم على السارق لما لا قطع فيه كما تقدم، وجلد عمر ﵁ في الخمر ثمانين، إلى غير ذلك.
٣ - أن هذا القول مناسب لنوعية الجريمة واختلاف الأشخاص والأزمان، فإن التعزير يختلف باختلاف هذه الأمور.
والقول الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد المقدر بها، فلا يبلغ بالتعزير على النظرة والخلوة والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف، وهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد، حكاها ابن هبيرة وابن قدامة، واستحسن هذا القول ابن القيم في "الطرق الحكمية" وخالفه في موضع آخر منه (١)، وفي بقية كتبه، كما تقدم.
واستدلوا بحديث النعمان بن بشير ﵁ في الرجل الذي رُفع إليه وقد وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ ، إن كانت أحلَّتها لك (٢) جلدتُك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه قد أحلتها له، فجلده مائة (٣).
стр. 3893
فهذا تعزير جاء في حق محصن، وحدُّه الرجم.
والقول الثالث: أنه لا يبلغ التعزير أدنى الحدود إما أربعين أو ثمانين، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي، وأحمد وأبي حنيفة على خلاف بينهم هل الاعتبار بأدنى الحدود في حق الأحرار أو العبيد؟ (١).
واستدلوا بحديث النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من بلغ حدًّا في غير حد فهو من المعتدين" (٢).
والقول الثاني والثالث يتفقان في جواز الزيادة ويختلفان في النهاية.
والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهذا هو المختار لدى جماعة من الشافعية، ورواية عن أحمد، حكاها الموفق، وابن القيم، واختاره الصنعاني، والشوكاني (٣)، ودليلهم حديث الباب، وتقدم وجه دلالته.
ويبدو أن سبب هذا الخلاف اختلاف العلماء في دلالة هذا الحديث والمراد بحدود الله تعالى فيه.
والأظهر -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن التعزير لا يقدر بحد معين، لكن إن كان فيما فيه مقدر لم يُبلغ به ذلك المقدر، قال ابن تيمية: (وهذا أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين) (٤).
стр. 3894
ويحمل حديث الباب على التأديب المصادر من غير الولاة في غير معصية؛ كتأديب الزوجة والولد والتلميذ ونحو ذلك، ويكون المراد بحدود الله: محارم الله. والله تعالى أعلم.
стр. 3895
التجاوز عن ذوي الهيئات بما دون الحد
١٢٦١/ ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَن النَّبيَّ ﷺ قَال: "أَقِيلُوا ذَوي الْهَيئَاتِ عَثَرَاتِهمْ، إلا الْحُدُودَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَالْبَيهَقيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الحدود"، بابٌ "في الحد يشفع فيه" (٤٣٧٥)، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٦٨)، وأحمد (٤٢/ ٣٠٠) والبيهقي (٨/ ٢٦٧) من طريق عبد الملك بن زيد المدني، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، به مرفوعًا.
وهذا الحديث رجاله ثقات، غير عبد الملك بن زيد فهو متكلم فيه، قال النسائي: (لا بأس به)، ووثقه ابن حبان، ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الجنيد أنه قال: (ضعيف الحديث)، وترجمه البخاري في "تاريخه" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (١).
وقال ابن عدي: (هذا الحديث منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك بن زيد) (٢)، وقال العقيلي: (قد روي بغير هذا الإسناد، وفيه -أيضًا- لين، وليس فيه شيء يثبت) (٣).
وقد تابعه أبو بكر بن نافع العمري، عن محمد، به، وليس فيه عن أبيه. رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٦٥)، وابن حبان (١/ ٢٩٦) والعمري هذا ضعيف.
стр. 3896
كما تابعه عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، به، دون قوله: (إلا الحدود) رواه النسائي في "الكبرى" (٦/ ٤٦٨) وعبد الرحمن هذا مقبول، كما قال الحافظ.
وللحديث متابعات أخرى لا تخلو من مقال: وقد ذكر الدارقطني في "العلل" (١٤/ ٤١٧) الاختلاف في حديث الباب.
وله شاهد من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا بلفظ: "أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم" رواه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ٢٧٦)، والخطيب في "تاريخه" (١٠/ ٨٥ - ٨٦)، من طريق عبد الله بن محمد الحنفي (١)، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله ﵁ مرفوعًا. قال الدارقطني: (غريب من حديث عاصم عن زِرٍّ، تفرد به عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، ولم نكتبه إلا عن ابن مخلد) (٢).
وله شاهد -أيضًا- من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من أقال مسلمًا أقال الله عثرته" وتقدم في "البيوع" إلا أنه حديث عام في جميع المسلمين وحديث الباب خاص.
فمن نظر إلى هذه الاعتبارات حَسَّنَ الحديث، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث "مشكاة المصابيح" (٣)، وهنا سكت عنه، وقد يفهم منه تحسينه.
وممن حسن الحديث -أيضًا- العلائي (٤) والسهارنفوري (٥) وتبعهم الألباني (٦) ومن اعتمد على كلام الأئمة الكبار من المتقدمين أمثال ابن عدي والعقيلي وغيرهما حكم بضعفه، ولعل هذا هو المتعين.
стр. 3897
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أقيلوا) فعل أمر من الإقالة، المراد بها هنا: التجاوز وعدم المؤاخذة، وهذا أمر استحباب (١).
والخطاب للأئمة الذين إليهم إقامة العقوبات على ذوي الجنايات، ويحتمل أن يكون المأمور هو المجني عليه أو أولياءه؛ لأن الجناية لما صدرت ممن ليست له عادة كان الأحسن بهم الصفح وترك حقوقهم فيها (٢).
قوله: (ذوي الهيئات) جمع هيئة، والهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته، ويراد به: ذوو الهيئات الحسنة الذين يلزمون هيئة واحدة وسمتًا واحدًا، ولا تختلف هيئاتهم بالتنقل من هيئة إلى هيئة.
والمراد بهم: أهل المروءة والصلاح الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة، وهذا قول الشافعي، وقيل المراد بهم: ذوو الوجوه من الناس الذين لهم قيمة وقدر في المجتمع، وهذا قول ابن القيم (٣)، ولا مانع من اعتبار المعنيين.
قوله: (عثراتهم) جمع عشرة، وهي الزلة، والمراد بالعثرات: ما يتوجه فيه التعزير لإضاعة حق من حقوق الله تعالى، ومنها ما يطالب به من جهة العبد، والمراد هنا: إما الصغائر أو أول معصية يزل فيها مطيع، وهذا أقرب إلى المعنى اللغوي.
قوله: (إلا الحدود) أي: ما يوجب الحد فلا إقالة فيه، وهذا استثناء منقطع.
* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه ينبغي لولاة الأمر من المسلمين ومن يقوم مقامهم من القضاة أن يتسامحوا مع ذوي الهيئات
стр. 3898
الكريمة والنفوس الطيبة، والأخلاق المرضية الذين يندر أن يقع منهم الشر، فلا يؤاخذونهم، أو يخففوا عنهم بالنسبة إلى غيرهم.
* الوجه الرابع: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن هذه المسامحة إنما هي في التعزيرات التي مرجعها إلى اجتهاد الحاكم، أما في حدود الله تعالى فلا بد من إقامتها على من صدرت منه مهما كانت حالته ومنزلته، كما مضى في "الحدود".
* الوجه الخامس: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن التعزير ليس بواجب كالحد؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالعفو عن ذوي الهيئات، ولو كانت العقوبة واجبة كالحد لكان ذو الهيئة وغيره سواء (١). لكن ذكر أهل العلم أن صاحب الحق إذا طلب حقه من الإمام لزم إجابته ولم يجز العفو، كسائر حقوق الآدميين. والله تعالى أعلم.
стр. 3899
حكم من مات بالتعزير
١٢٦٢/ ٣ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَأَجِدَ في نَفْسِي، إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَينُهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحدود"، باب "الضرب بالجريد والنعال" (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧) من طريق عمير بن سعد النخعي، قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه) وهذا لفظ البخاري.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لأقيم) بنصب المضارع على تقدير أن الناصبة بعد اللام المكسورة، وهي لام الجحود، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
قوله: (فأجد في نفسي) بنصب المضارع -أيضًا-؛ لأنه في جواب النفي، والفعل أجد ماضيه وجد بمعنى حزن، والمعنى: فأتأسف وأحزن.
قوله: (وديته) أي: أعطيت ديته.
قوله: (لم يسنه) أي: لم يسن ولم يشرع فيه عددًا معينًا يكون حدًّا.
* الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال إن الخمر ليس فيه حد مقدر من رسول الله ﷺ وإنما هو عقوبة تعزيرية مرجعها إلى اجتهاد الإمام؛
стр. 3900
لأن الرسول ﷺ أمران يضرب بالجريد والنعال وأطراف الثياب -كما تقدم- والضرب بمثل ذلك لا ينضبط بعدد معين، ولهذا قال علي ﵁: (فإنه لو مات وديته)؛ لأنه إذا مات يخشى أن ضاربه قد زاد عليه في التعزير.
* الوجه الرابع: نقل النووي الاتفاق على أن التالف بإقامة الحد عليه غير مضمون، فإذا وجب عليه الحد فجلده الإمام الحد الشرعي فلا ضمان عليه (١)؛ لأن الحد عقوبة مأذون فيها شرعًا، وما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون، ولهذا قال الفقهاء: (من مات في حد فالحقُّ قَتَلَهُ) (٢).
وأما التالف بسبب التعزير ففيه قولان:
الأول: أنه يضمنه الإمام، وهذا قول الشافعي، واستدلوا بحديث الباب.
الثاني: أن التالف بالتعزير غير مضمون، وهو قول الجمهور؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم يضمن من تلف بها كالحد.
وأجابوا عن قول علي ﵁ بأنه من باب الاحتياط، أو أنه خالفه غيره من الصحابة ﵃ فلم يوجبوا فيه شيئًا (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3901
ما جاء فيمن قتل دون ماله
١٢٦٣/ ٤ - عَنْ سَعِيدِ بن زيدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "السنة" بابٌ "في قتال اللصوص" (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٧/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٥٨٠) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد".
هذا لفظ الترمذي، ومثله النسائي بتقديم وتأخير، وبنحوه لأبي داود، أما ابن ماجه فعنده الجملة التي اقتصر عليها الحافظ في "البلوغ".
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
وهذا الحديث فيه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثقه ابن معين وعبد الله بن أحمد، وقال أبو حاتم: (منكر الحديث) (١)، وقال ابن القطان: (لا تعرف حاله) (٢). وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول).
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3902
"من قتل دون ماله فهو شهيد" رواه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١). وتقدم في باب "قتال الجاني"، ولعل الحافظ ذكر حديث سعيد بن زيد -هنا- لتقدم حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هناك.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على مشروعية دفاع الإنسان عن ماله، وجواز مقاتلة من أراد التعدي على المال، وأن من دافع عن ماله، وقُتل في هذه المدافعة فهو شهيد عند الله تعالى. وقد مضى تفصيل القول في هذه المسألة في الباب المذكور. والله تعالى أعلم.
стр. 3903
موقف المسلم من الفتن
١٢٦٤/ ٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ أَبي ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ الْقَاتِلَ" أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنيُّ.
١٢٦٥/ ٦ - وأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطةَ ﵁.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن خباب بن الأرتِّ حليف بني زهرة، قيل: ولد على عهد النبي ﷺ ، قال أبو نعيم: (أدرك النبي ﷺ ، مختلف في صحبته، له رؤية، ولأبيه صحبة) (١)، وقال العجلي: (ثقة من كبار التابعين)، روى عن أبيه، وعن أُبي بن كعب، قتل سنة سبع وثلاثين.
وأما أبوه فهو خباب بن الأرت بن جندلة التميمي نسبًا، الخزاعي ولاءً، الزهري حِلْفًا، من نجباء السابقين إلى الإسلام، قال ابن عبد البر: (كان فاضلًا من المهاجرين الأولين)، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من المستضعفين، وعذب عذابًا شديدًا لإسلامه، فصبر على دينه، كان يعمل السيوف في الجاهلية، ثبت ذلك في "الصحيحين"، روى عنه أبو أمامة وابنه عبد الله وآخرون، نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين (٢) ﵁.
стр. 3904
وأما خالد بن عرفطة -فهو بضم المهملة والفاء، بينهما راء ساكنة- بن أبرهة بن سنان الليثي، ويقال: العُذري، وهو الصحيح، ولاه سعد بن أبي وقاص القتال يوم القادسية، واستخلفه على الكوفة، وهو معدود من أهلها، روى عنه أبو عثمان النهدي، وعبد الله بن يسار، ومسلم مولاه وغيرهم، وعاش إلى سنة ستين، وقيل: إحدى وستين (١) ﵁.
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث خباب ﵁ فقد رواه ابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (٢/ ٢ / ٩٥٢) من طريق عبد الله بن خباب أبي هلال، قال: نا حميد بن هلال قال: لما عبر الحرورية النهر انطلقوا إلى عبد الله بن خباب فقالوا: ما حدثك أبوك عن رسول الله ﷺ في الفتن؟ قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول ولا تكن القاتل".
ورواه الدارقطني (٣/ ١٣٢) من طريق أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي الأحوص، عنه، به، وفيه قصة الخوارج بالنهروان، ولفظه: "تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الساعي … ".
ورواه أحمد (٣٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، وأبو يعلى (٧٢١٥) من طريق أيوب، والطبراني في "الكبير" (٤/ ٦٠ - ٦١) من طريق صالح بن رستم، كلاهما عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قرية، فخرج عبد الله بن خباب ذَعِرًا يجر رداءه، فقالوا: لم تُرَعْ؟ قال: والله لقد رُعْتُموني، قالوا: أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثًا يحدثه عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال: نعم، سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنة القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: "فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول" قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن عبد الله القاتل" قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله ﷺ ؟
стр. 3905
قال: نعم، قال: فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك فعل ما ابْذَقَرَّ (١)، وبقروا أم ولده عما في بطنها.
إسناد أحمد رجاله ثقات، وفيه من لم يسمَّ، وهو شيخ حميد بن هلال، ورواه عبد الرزاق (١٠/ ١١٨) عن معمر، أخبرني غير واحد من عبد القيس، عن حميد بن هلال، عن أبيه … فذكره.
وأما حديث خالد بن عرفطة ﵁ فقد رواه أحمد (٣٧/ ١٧٧) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، عن خالد بن عرفطة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل".
وهذا سند ضعيف، لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، ورواه الطبراني في "الكبير" (٢/ ١٧٧) من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، حدثني جندب بن سفيان. وذكر الحديث وفيه هذه الجملة.
وعبد الحميد بن بهرام وشهر بن حوشب متكلم فيهما.
ومما ورد فيه هذا الباب حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماضي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعُذ به" رواه البخاري (٧٨٠١).
* الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على وجوب ترك القتال عند ظهور الفتن، والتحذير من الدخول فيها، وعلى هذا جماعة من الصحابة ﵃ كعبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وأسامة بن زيد وأبي مسعود الأنصاري وأبي موسى وغيرهم، وتمسكوا بالأحاديث الصحيحة التي فيها الحث على اعتزال الفتن.
ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة بلزوم البيوت بحيث يعتزل الفتنة وأهلها وإن كان مقيمًا بين ظهراني الناس.
стр. 3906
وقالت طائفة بل التحول عن بلد الفتنة أصلًا، لتحصل له العزلة الكلية التامة عن الناس.
والقول الثاني: أنه إذا اتضح الأمر وتبين الظالم من المظلوم والمبطل من المحق وجب الوقوف مع الحق ومع المظلوم ضد من ظلمه، بدليل أن أكثر الصحابة ﵃ قاتلوا مع علي ﵁ ضد أهل الشام؛ لأنهم عرفوا الحق، وأن عليًّا ﵁ مظلوم ومبغي عليه، وأن معاوية ﵁ ومن معه بغوا عليه بشبهة المطالبة بقتلة عثمان ﵁، فمعاوية وأصحابه بغاة، لكنهم مجتهدون، فلهم أجر الاجتهاد، وفاتهم أجر الصواب، وعلي ﵁ له أجر الاجتهاد وأجر الصواب (١)، وقد تقدم شيء من ذلك في باب (قتال البغاة).
وأما إذا خفي الأمر ولم يتضح الحق فإنه لا يقاتل، بل يعتزل ويبتعد عن الفتنة، وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في هذا الباب، وتنزل على هذا التفصيل.
ويعجبني في هذا المقام قول الحافظ ابن حجر ﵀: (والحقُّ حَمْلُ عَمَلِ كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد، فمن لابس القتال اتضح له الدليل؛ لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية، وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أيّ الفئتين هي الباغية، وإذا لم يكن له قدرة على القتال) (٢). والله تعالى أعلم.
انتهى الجزء الثامن، ويليه -بعون الله وتوفيقه- الجزء التاسع، وأوله: "كتاب الجهاد"
стр. 3907
كتاب الجهاد
الجهاد في اللغة: مصدر جاهد يجاهد جهادًا ومجاهدة؛ أي: بالغ في قتل عدوه وغيره، وعلى كل تصاريفه فهو لغة: بذل الطاقة والوسع.
وشرعًا: بذل الوسع في قتال الكفار (١).
وهو فرض كفاية إذا كان لدى المسلمين قدرة وقوة على القتال، فإذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل؛ لأنه واجب في الجملة، وليس واجبًا على الأعيان، أما كونه واجبًا في الجملة فلقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقوله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يُحدث نفسه بالغزو، مات على شُعبَةٍ من نفاقٍ" (٢)، وقد أجمع المسلمون على وجوبه في الجملة.
وأما كونه ليس واجبًا على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فأثبت للمجاهدين والقاعدين الأجر، ولو كان فرض عين لكان القاعد آثمًا؛ ولأن النبي ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه، فإذا لم يجب في الجملة ولم يجب على الأعيان لزم كونه فرض كفاية.
وأما قوله تعالى: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] فقد قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافة﴾
стр. 3908
[التوبة: ١٢٢]، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ (١). ويحتمل أنه أراد حينما استنفرهم النبي ﷺ إلى غزوة تبوك، ولذا هجر النبي ﷺ كعب بن مالك ﵁ ومن تخلف معه حتى تاب الله عليهم، وهذا مروي -أيضًا- عن ابن عباس ﵄، ورجحه ابن جرير وابن كثير (٢).
والجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، وقد جاءت أدلة كثيرة من الكتاب والسنة في الأمر بالجهاد والحث عليه، وبيان فضله وعلو مرتبته في العبادات، وما أعَدَّ الله تعالى للمجاهدين في سبيله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١].
وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : دُلَّني على عملٍ يعدل الجهاد، قال: "لا أجده"، قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ "، قال: ومن يستطيع ذلك؟ (٣).
وعنه -أيضًا- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض … " الحديث (٤).
وإنما كان الجهاد في سبيل الله بهذه الفضيلة والمرتبة؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله، وحماية حوزة الإسلام، وإرهاب أعدائه، وبذل النفس والنفيس ابتغاء رضوان الله تعالى وثوابه، والقائم به بين إحدى الحُسنيين: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، ومتى تحققت شروط الجهاد حصل به إعزازُ الدين، وتقوية شوكة المسلمين، وحِفْظُ ديارهم وأنفسهم وثرواتهم
стр. 3909
ومناهجهم وأوضاعهم، وهو من أسباب تأليف القلوب، واجتماع الكلمة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (من ترك الجهاد عذبه الله عذابًا أليمًا بالذل وغيره، ونزع الأمر منه فأعطاه لغيره، فإن هذا الدين لمن ذبَّ عنه، ومتى جاهدت الأمة عدوها ألَّف الله بين قلوبها، وإنْ تركت الجهاد شَغَلَ بعضَها ببعض) (١).
وقال -أيضًا-: (إذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألَّف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذَّبهم الله بأن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض) (٢).
لذا يجب على أهل الإسلام أن تَعلُوَ همتهم، وأن يشمِّروا إلى الجهاد في سبيل الله، متى كانوا قادرين عليه، وما ضعف المسلمون وتسلط عليهم الأعداء إلا بتركهم الجهاد، وإخلادهم إلى الراحة، وحبهم للدنيا، وطاعة أعدائهم في تغيير الأفكار، وعدم التسلح، والله المستعان.
стр. 3910
وجوب الجهاد في سبيل الله والعزم عليه
١٢٦٦/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن مَاتَ وَلَم يغْزُ وَلَم يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بهِ مَاتَ عَلَى شُعبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ"، رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإمارة"، باب (ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو) (١٩١٠) من طريق عبد الله بن المبارك، عن وهيب المكي، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ولم يغز) أي: لم يباشر القتال في سبيل الله، وهو مضارع غزا يغزو غزوًا، واسم الفاعل: غازِ، وجمعه غُزاة وغُزَّى كقضاة ورُكَّع، وأصل الغزو: القصد والطلب. والغزو: قصد جهاد العدو ومقاتلته (١).
قوله: (ولم يحدث نفسه به) أي: ولم ينو الغزو بأن يعزم عليه ويستعدَّ له.
قوله: (مات على شُعبة من نفاق) بضم الشين المعجمة؛ أي: خصلة من خصال النفاق.
الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب الجهاد في سبيل الله
стр. 3911
تعالى، وأن الواجب على المؤمن أن يُعِدَّ نفسه وألا يرهب الجهاد في سبيل الله، وأن يستشعره دائمًا في قرارة نفسه، ولا يغفل عنه، وقد ذكر علماء الأصول أن الواجب المطلق كالجهاد يجب العزم على فعله عند إمكانه، وأن الواجب المؤقت يجب العزم على فعله عند دخول وقته، مثل الصلوات الخمس، وصيام رمضان، وغير ذلك (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الجهاد وإن كان فرضًا على الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداءً، فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله إذا تعيّن، ولهذا قال النبي ﷺ : "من مات ولم يغز … "، فأخبر أنه من لم يَهُمَّ به كان على شعبة نفاق، وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنوع متعددة، ولا بد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه) (٢).
الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن ترك الجهاد والغفلة عنه نوع من النفاق، وقد ذكر الإمام مسلم إثر رواية الحديث عن عبد الله بن المبارك أنه قال: (فنُرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ )، قال القاضي عياض: (حيث كان الجهاد واجبًا) وحَمَلَهُ على النفاق الحقيقي، ثم قال: (وقد يحتمل أنه على العموم، ويكون معنى هذا: أنه تَشَبَّه باخلاق المنافقين التي منها التخلف عن الجهاد، وهو أحد شعب النفاق وأخلاق المنافقين)، ونقله عنه النووي، وأقره (٣).
قال القرطبي: (فيه ما يدل على أن من لم يتمكن من عمل الخير فينبغي له أن يعزم على فعله إذا تمكن منه وأن ينويه، فيكون ذلك بدلًا من فعله في تلك الحال، فأما إذا أخلى نفسه عن ذلك العمل ظاهرًا وباطنًا عن نيته، فذلك حال المنافق الذي لا يعمل الخير، ولا ينويه، وخصوصًا الجهاد … ) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3912
وجوب الجهاد بالمال والنفس واللسان
١٢٦٧/ ٢ - عَنْ أنس ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قَال: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بأموَالِكُم وَأنفُسِكم وَألسِنَتِكم"، رَواهُ أَحمَدُ وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (١٩/ ٢٧٢)، وأبو داود في كتاب "الجهاد"، باب (كراهية ترك الغزو) (٢٥٠٤)، والنسائي (٦/ ٧)، والحاكم (٢/ ٨١) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس ﵁ به مرفوعًا.
ولفظه عند النسائي: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم".
والحديث رجاله ثقات، أخرج لهم الشيخان، إلا حماد بن سلمة فهو من رجال مسلم، ولذا قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وقال ابن عبد الهادي: (إسناده على رسم مسلم) (١).
الوجه الثاني: في الحديث دليل على تنوع الجهاد وأن الفرصة متاحة أمام جميع المؤمنين للمشاركة في الجهاد والظفر بفضله وما أعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله.
* الوجه الثالث: أن الجهاد يكون بالمال، وذلك ببذله في سبيل الله تعالى من شراء السلاح وتجهيز الغزاة، ونحو ذلك، وقد حكى شيخ الإسلام
стр. 3913
ابن تيمية وابن القيم قولين في وجوب الجهاد بالمال، وهما روايتان عن الإِمام أحمد، قال ابن القيم: (الصحيح وجوبه، لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء) (١).
وقد جاء في القرآن تقديم الأموال على الأنفس في جميع الآيات التي جاء فيها الأمر بالجهاد والترغيب فيه، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [التوبة: ٢٠] إلا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]-كما سيأتي- وسر تقديم الأموال على الأنفس -والله أعلم- أن المال محبوب للنفس تبذل طاقتها في تحصيله وجمعه، فإذا بذلته في سبيل الله دلَّ ذلك على قوة الإيمان، وكمال الإخلاص (٢)، ثم إن المال له نفع عظيم في الجملة، لكونه يستعان به في أمور كثيرة، ولهذا فإن شيخ الإِسلام ابن تيمية لما فاضل بين عثمان وعلي ﵄ ذكر من مرجحات تفضيل عثمان ﵁ أنه أفضل جهادًا بماله (٣).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الجهاد يكون بالنفس، وذلك ببذلها في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾، وفي هذه الآية جاء تقديم الأنفس على الأموال؛ وذلك -والله أعلم- لأنها هي المشتراة في الحقيقة، وهي مورد العقد، وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه، وجعل الجنة ثمنًا لها، بحيث إذا بذلها المؤمنون فيه استحقوا الثمن، فكانت هي المقصودة بعقد الشراء، والأموال تبع لها، وفي هذا دليل بيَّن على عظم شأن الجهاد بالنفس في سبيل الله (٤).
стр. 3914
° الوجه الخامس: أن الجهاد يكون باللسان وذلك بالدعوة إلى الله تعالى وبيان حقيقة هذا الدين، والذب عنه، والدعوة إليه، وذم الكفار وما هم عليه، وإقامة الحجة على ضلالهم وبطلان أعمالهم، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المواقع وتعددت القنوات التي تبث الشبه ضد الإِسلام وأهله، والواجب على من قدر على منازلة هؤلاء أن يبادر، وأن يجاهدهم، خصوصًا وأن المتمكنين من هذا النوع من الجهاد قلائل.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: (فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١، ٥٢] فأمر الله أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادًا كبيرًا، وهذه السورة مكية نزلت بمكة قبل أن يهاجر النبي ﷺ ، وقبل أن يؤمر بالقتال، ولم يؤذن له، وإنما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب والبيان والدعوة لا بالقتال) (١).
ويقول ابن القيم: (إن الدعوة إلى الله ورسوله جهاد بالقلب وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد) (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (ومن أعظم الجهاد سلوك طريق التعلم والتعليم، فإن الاشتغال بذلك لمن صحَّت نيته لا يوازيه عمل من الأعمال، لما فيه من إحياء العلم والدين، وإرشاد الجاهلين، والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، والخير الكثير الذي لا يستغني العباد عنه) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3915
ما جاء في أن الجهاد لا يجب على المرأة
١٢٦٨/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَاد؟ قَال: "نَعَمْ، جِهَاد لَا قِتَال فِيهِ، الْحَجُّ والْعُمْرَةُ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ.
° الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم في كتاب "الحج" برقم (٧٠٩)، وقد عزاه هناك إلى أحمد وابن ماجه، واقتصر في عزوه هنا على ابن ماجه، وهو من طريق محمَّد بن فضيل، قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة ابنة طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂. والحديث إسناده صحيح، وقد تقدم هناك أن الراجح في لفظة (العمرة) أنها شاذة؛ لتفرد محمَّد بن فضيل بها. والحديث أصله في البخاري (١٥٢٠) من طريق خالد الواسطي، أخبرنا حبيب به. لكن لفظ البخاري ليس فيه ذكر (العمرة)، فليرجع إلى تخريجه.
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن الجهاد غير واجب على المرأة، وأن الثواب المرتب على الجهاد يحصل للمرأة بالحج والعمرة، وذلك لأن المرأة فتنة، وهي مأمورة بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ فيه الكر والفر ومخالطة الأقران والمبارزة ورفع الصوت، والرجال أقدر من النساء على ذلك كله.
أما جواز الجهاد لهن فليس في حديث الباب ما يدل على عدم جوازه، والبخاري بَوَّبَ في كتاب "الجهاد" من "صحيحه" بقوله: (باب غزو النساء
стр. 3916
وقتالهن مع الرجال) (١).
وقد ورد ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف القتال سَقْيُ الماء ومداواة الجرحى ومناولة السهام، كما في حديث الربيِّع بنت معوذ ﵄ قالت: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة) (٢)، وفي رواية: (ونداوي الجرحى)، قال البغوي: (في الحديث دليل على جواز الخروج بالنساء في الغزو لنوع من الرفق والخدمة، فإن خاف عليهن لكثرة العدو وقوتهم، أو خاف فتنتهن لجمالهن، وحداثة أسنانهن، فلا يخرج بهن، وقد روي عن النبي ﷺ أن نسوة خرجن معه فأمر بردهن، فيشبه أن يكون رَدُّهُ إياهن لأحد هذين المعنيين) (٣). وروى مسلم عن أنس ﵁ أن أم سُليم اتخذت يوم حُنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر؟ "، قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك … الحديث (٤).
ومما يدل على عدم وجوب الجهاد على النساء أنه لم يكن يُسهَم لهن في الغنيمة، وإنما يُرضخ لهن بدون سهم، وقد روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء، فيُداوين الجرحى، ويُحْذَينَ من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن (٥).
وأما ما يطالب به بعض دعاة المرأة من مشاركتها في الحروب ووجودها في ميادين القتال، فهذا ليس عليه دليل، وفيه مصادمة للنصوص الشرعية، ومنابذة للآداب الإِسلامية، وفيه من التبعات الخطيرة والعواقب الوخيمة ما لا يعلمه إلا الله، وقد نادى بالتحذير منه عقلاء الكتَّاب والدعاة المخلصون، وليس في الرجال قلة تدعو إلى مشاركة المرأة في هذا المجال، ولكن القصد منه إخراج المرأة من بيتها والقضاء على عفتها ونزاهتها، وهدم المجتمع، وتقويض بنيان الفضيلة. والله تعالى أعلم.
стр. 3917
حكم الجهاد مع وجود الأبوين
١٢٦٩/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ يَسْتَأذِنُه في الْجِهَادِ. فَقَال: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ "، قَال: نَعَمْ، قال: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
١٢٧٠/ ٥ - وَلأَحْمَدَ وَأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: "ارْجع فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإنْ أَذِنَا لَكَ، وَإِلا فَبِرَّهُمَا".
° الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأولى: في تخريجهما:
أما حديث عبد الله بن عَمْرٍو ﵄، فقد رواه البخاري في كتاب "الجهاد"، باب (الجهاد بإذن الأبوين) (٣٠٠٤)، ومسلم (٥٤٩) من طريق أبي العباس الشاعر (١) -وكان لا يُتهم في حديثه- قال: سمعت عبد الله بن عمرٍو ﵄ يقول: … وذكر الحديث.
وأما حديث أبي سعيد ﵁، فقد رواه أحمد (١٨/ ٢٤٨)، وأبو داود في كتاب "الجهاد"، باب (في الرجل يغزو وأبواه كارهان) (٢٥٣٠) من طريق درَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: "هل لك أحد باليمن؟ "، قال: أبواي، قال: "أذنا لك؟ "، قال: لا، قال: "ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبِرَّهما".
стр. 3918
وهذا سند ضعيف، فيه دراج أبو السمح، وهو متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، وهو ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، وهو سليمان بن عمرو العُتْواري، حكى ابن عدي عن الإِمام أحمد أنه قال: (أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف)، ومثله قال أبو داود (١)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وتعقبه الذهبي فقال: (دراج: واهٍ)، لكن الحديث له شواهد يتقوَّى بها، منها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي قبله.
ولعل الحافظ ذكر حديث أبي سعيد بعد حديث عبد الله بن عمرو ﵄ لما فيه من الأمر بالرجوع واستئذان الوالدين، وهذا لم يدل عليه الحديث الأول.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (أحي والداك) الوصف (حتى) مبتدأ لاعتماده على الاستفهام، وما بعده فاعل سد مسد الخبر.
قوله: (ففيهما فجاهد) الجار والمجرور متعلق بالفعل بعده، وقدم لإفادة الاختصاص، والفاء الأولى واقعة في جواب شرط مقدر، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط، والتقدير: ولو كان الأمر كما قلت فاخصص المجاهدة بخدمة الوالدين، فحذف الشرط، وعَوَّضَ عنه الظرف المفيد للاختصاص.
والمراد بالجهاد: جهاد النفس في وصول البر إليهما بالتلطف بهما وحسن الصحبة والطاعة وغير ذلك.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب بر الوالدين وأنه من فروض الأعيان، وأن برهما مقدم على الجهاد في سبيل الله؛ لأن برهما فرض عين على كل حال، والجهاد فرض كفاية إلا في حالات، ولهذا قال ﷺ للرجل:
стр. 3919
"ففيهما فجاهد" أي: جاهد نفسك في طلب رضاهما والإحسان إليهما، وسمي ذلك جهادًا من باب المشاكلة لكون الرجل استأذن في الجهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
° الوجه الرابع: في حديث أبي سعيد ﵁ دليل على وجوب استئذان الوالدين في الجهاد، فإن أذنا له فذاك وإلا فعليه أن يبرهما؛ لأن النبي ﷺ جعل الجهاد فيهما قائمًا مقام الجهاد في سبيل الله، قال ابن عبد البر: (لا خلاف علمته أن الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان أو أحدهما؛ لأن الخلاف لهما في أداء الفرائض عقوق، وهو من الكبائر، ومن الغزو ما قلت) (١).
وقد حمل الجمهور هذا الاستئذان على جهاد التطوع؛ لأن برهما فرض عين، وجهاد التطوع فرض كفاية، وفرض العين يقدم، وشرط ذلك أن يكونا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا إذن لهما.
فإن كان الجهاد فرض عين كحال النفير أو حضور القتال أو هجوم العدو لم يعتبر إذنهما؛ لأنه صار فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذا كل ما وجب مثل صلاة الجماعة والحج ونحو ذلك (٢).
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: (الجهاد إذا صار فرض عين كان أوكد من مطلق بر الوالدين، فيجاهد في هذه الحال بدون إذنهما، وإن كان عليه أن يقوم بما يجب عليه من برهما المتعيِّن عليه، وإن كان لا يجاهد إذا لم يتعين إلا بإذنهما) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3920
النهي عن الإقامة في ديار المشركين
١٢٧١/ ٦ - عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِي ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أنا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَينَ الْمُشْرِكينَ". رَوَاهُ الثلَاثةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجحَ الْبُخَارِيُّ إِرْسَالهُ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، باب (النهي عن قتل من اعتصم بالسجود) (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خَثْعَم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل، وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله لِمَ؟ قال: "لا تراءى ناراهما".
هذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، لكنه أُعِلَّ بالإرسال، فقد رواه النسائي (٨/ ٣٦) من طريق أبي خالد، عن إسماعيل، عن قيس أن رسول الله ﷺ بعث … فذكره.
وممن أعله بالإرسال البخاري قال الترمذي: (سمعت محمدًا يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي ﷺ ، مرسل)، وكذا أبو حاتم، وأبو داود إثر سياق الحديث، والترمذي، والدارقطني (١).
стр. 3921
ومن شواهد الحديث ما رواه سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من طريق سليمان بن موسى، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة به.
وسليمان بن سمرة قال عنه الحافظ: (مقبول). وابنه خبيب: مجهول، وجعفر بن سعد ليس بالقوي، وسليمان بن موسى فيه لين.
ورواه الطبراني في "الكبير" (٧/ ٢٦٣)، والحاكم (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٩/ ١٤٢) من طريق إسحاق بن إدريس، ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) وفيه إسحاق بن إدريس الأسواري، متروك بالاتفاق، وقال ابن معين: (كذاب يضع الحديث) (١).
وأخرجه النسائي (٥/ ٨٢)، وابن ماجه (٢٥٣٦)، وأحمد (٣٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: " … كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارقَ المشركين إلى المسلمين" وهذا سند حسن، لما تقدم في "الزكاة" من أن بهز بن حكيم وأباه صدوقان.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنا بريء) أي: خالص من عهدته، فقد انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيني وبينه عُلقة.
قوله: (لا تراءى ناراهما) أي: لا ترى نارُ المسلم نارَ المشرك ولا نارُ المشرك نارَ المسلم، وهذا كناية عن القرب، والعرب تستعمل مثل هذا الأسلوب، تقول: داري تنظر إلى داره، وداره تنظر إلى داري، إذا أرادوا شدة القرب.
стр. 3922
° الوجه الثالث: يستدل العلماء بهذا الحديث على تحريم الإقامة في بلاد الشرك ومساكنة المشركين، وهذا يشمل من ذهب إلى ديارهم وأقام معهم، أو أسلم في ديار الشرك وبقي فيها ولم يهاجر إلى ديار المسلمين مع القدرة؛ لأن الله تعالى أوجب على العبد العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك فإنه لا يجوز، والمطلوب من المسلم أن ينضم إلى جماعة المسلمين، فهم إخوته وأولياؤه من دون الناس.
وقد نقل ابن كثير الإجماع على أن كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين أنه ظالم لنفسه مرتكب حرامًا (١)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧] وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بتركهم الهجرة، والإقامة مع الكفار وتكثير سوادهم، وهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين مع القدرة على الهجرة وعدم التمكن من إقامة الدين.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل وجوب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإِسلام بشرط القدرة على الهجرة وعدم التمكن من إظهار الدين، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾.
فإن كان عاجزًا عن الهجرة لمرض أو ضعف أو إكراه على الإقامة أو مانع من الأمور السياسية والقوانين الدولية فهو معذور، وعليه أن يعتزل الكفار ما استطاع، ويظهر دينه، ويصبر على أذاهم، قال تعالى: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْولْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨، ٩٩].
стр. 3923
أما من قدر على الهجرة لكنه متمكن من إظهار دينه فهذا تستحب له الهجرة؛ لأجل تكثير المسلمين والتخلص من الكفار ومخالطتهم والتمكن من جهادهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة (١).
والمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم بين ظهراني المشركين؛ لأن هذا فيه مخالفة للنصوص الشرعية الدالة على وجوب الهجرة، وفيه تكثير للمشركين، كما أنه يؤدي إلى فقد الغيرة عند المسلم؛ لأن من يقيم فبي بلد يظهر فيه الكفر وتكثر فيه المعاصي؛ فإن غيرته تضعف أو تموت بالكلية، ويصبح مجاريًا لهم فيما هم عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 3924
ما جاء في انقطاع الهجرة وبقاء الجهاد والنية
١٢٧٢/ ٧ - عَنِ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَال رسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنيَّة"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب "الجهاد" وغيره، ومنها: باب "وجوب النفير" (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣) من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا هجرة) لا نافية للجنس، والهجرة لغة: الترك والخروج من بلد أو أرض إلى بلد أخرى.
وشرعًا: الانتقال من بلد الشرك والكفر إلى بلد الإِسلام، وبلد الإِسلام: هو البلد الذي تظهر فيه الشعائر والأحكام على وجه عام، وأهم الشعائر: هي الصلاة، فإذا كانت الصلاة مظهرًا من مظاهر البلد فهو بلد إسلام، أما إذا كانت الصلاة يقيمها أفراد أو جماعات وهي ليست من مظاهر البلد فلا يحكم على البلد بأنه بلد إسلامي، مثل البلاد التي فيها أقليات مسلمة يقيمون الصلاة ولكن على نطاق ضيق في حدود مجتمعهم الذي يعيشون فيه أو في حدود بيئتهم، ولكن البلد الذي يقيمون فيه أو هم من أهله لا تقام فيه الصلاة بوجه عام بحيث لا توجد عندهم المآذن ولا يسمع الأذان في جميع الأنحاء فمثل هذا لا يعتبر بلدًا إسلاميًا؛ لأنه لا بد أن تكون الإقامة على وجه عام، فمثلًا:
стр. 3925
فرنسا فيها أقليات مسلمة وفيها إقامة للصلاة من قبل هؤلاء، ولكن لا تعتبر مظهرًا من مظاهر البلد بحيث تنتشر المآذن ويُسمع الأذان هنا وهناك ويهرع الناس إلى المساجد، فهذا هو معنى قولنا: إن بلد الإِسلام هو الذي تنتشر فيه الشعائر والأحكام بوجه عام، أما لو كان عن طريق أفراد أو أناس قليلين فهذا لا يطلق عليه أنه بلد إسلامي بهذا الاعتبار (١).
قوله: (بعد الفتح) أي: فتح مكة، فلا هجرة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلد إسلام، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون (٢).
قوله: (ولكن جهاد ونية) أي: ولكن الباقي جهاد ونية، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك معتبرة.
قوله: (وإذا استنفرتم) بضم التاء؛ أي: طلب منكم الخروج في الجهاد من الإِمام أو نائبه في ذلك.
قوله: (فانفِروا) بكسر الفاء على الأفصح، وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] ويجوز ضمها؛ أي: اخرجوا.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على انتفاء الهجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلاد إسلام، ويقاس عليها كل بلدِ كفرٍ صار بلد إسلام، وهذا فيه إشارة إلى أن مكة لن تعود بلد كفر تجب الهجرة منه.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الجهاد بأن لإعلاء كلمة الله