ومن شواهد الحديث ما رواه سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من طريق سليمان بن موسى، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة به.
وسليمان بن سمرة قال عنه الحافظ: (مقبول). وابنه خبيب: مجهول، وجعفر بن سعد ليس بالقوي، وسليمان بن موسى فيه لين.
ورواه الطبراني في "الكبير" (٧/ ٢٦٣)، والحاكم (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، والبيهقي (٩/ ١٤٢) من طريق إسحاق بن إدريس، ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه) وفيه إسحاق بن إدريس الأسواري، متروك بالاتفاق، وقال ابن معين: (كذاب يضع الحديث) (١).
وأخرجه النسائي (٥/ ٨٢)، وابن ماجه (٢٥٣٦)، وأحمد (٣٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: " … كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارقَ المشركين إلى المسلمين" وهذا سند حسن، لما تقدم في "الزكاة" من أن بهز بن حكيم وأباه صدوقان.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنا بريء) أي: خالص من عهدته، فقد انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيني وبينه عُلقة.
قوله: (لا تراءى ناراهما) أي: لا ترى نارُ المسلم نارَ المشرك ولا نارُ المشرك نارَ المسلم، وهذا كناية عن القرب، والعرب تستعمل مثل هذا الأسلوب، تقول: داري تنظر إلى داره، وداره تنظر إلى داري، إذا أرادوا شدة القرب.
стр. 3922
° الوجه الثالث: يستدل العلماء بهذا الحديث على تحريم الإقامة في بلاد الشرك ومساكنة المشركين، وهذا يشمل من ذهب إلى ديارهم وأقام معهم، أو أسلم في ديار الشرك وبقي فيها ولم يهاجر إلى ديار المسلمين مع القدرة؛ لأن الله تعالى أوجب على العبد العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك فإنه لا يجوز، والمطلوب من المسلم أن ينضم إلى جماعة المسلمين، فهم إخوته وأولياؤه من دون الناس.
وقد نقل ابن كثير الإجماع على أن كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين أنه ظالم لنفسه مرتكب حرامًا (١)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧] وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بتركهم الهجرة، والإقامة مع الكفار وتكثير سوادهم، وهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين مع القدرة على الهجرة وعدم التمكن من إقامة الدين.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل وجوب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإِسلام بشرط القدرة على الهجرة وعدم التمكن من إظهار الدين، وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾.
فإن كان عاجزًا عن الهجرة لمرض أو ضعف أو إكراه على الإقامة أو مانع من الأمور السياسية والقوانين الدولية فهو معذور، وعليه أن يعتزل الكفار ما استطاع، ويظهر دينه، ويصبر على أذاهم، قال تعالى: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْولْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨، ٩٩].
стр. 3923
أما من قدر على الهجرة لكنه متمكن من إظهار دينه فهذا تستحب له الهجرة؛ لأجل تكثير المسلمين والتخلص من الكفار ومخالطتهم والتمكن من جهادهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة (١).
والمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم بين ظهراني المشركين؛ لأن هذا فيه مخالفة للنصوص الشرعية الدالة على وجوب الهجرة، وفيه تكثير للمشركين، كما أنه يؤدي إلى فقد الغيرة عند المسلم؛ لأن من يقيم فبي بلد يظهر فيه الكفر وتكثر فيه المعاصي؛ فإن غيرته تضعف أو تموت بالكلية، ويصبح مجاريًا لهم فيما هم عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 3924
ما جاء في انقطاع الهجرة وبقاء الجهاد والنية
١٢٧٢/ ٧ - عَنِ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَال رسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنيَّة"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب "الجهاد" وغيره، ومنها: باب "وجوب النفير" (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣) من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا هجرة) لا نافية للجنس، والهجرة لغة: الترك والخروج من بلد أو أرض إلى بلد أخرى.
وشرعًا: الانتقال من بلد الشرك والكفر إلى بلد الإِسلام، وبلد الإِسلام: هو البلد الذي تظهر فيه الشعائر والأحكام على وجه عام، وأهم الشعائر: هي الصلاة، فإذا كانت الصلاة مظهرًا من مظاهر البلد فهو بلد إسلام، أما إذا كانت الصلاة يقيمها أفراد أو جماعات وهي ليست من مظاهر البلد فلا يحكم على البلد بأنه بلد إسلامي، مثل البلاد التي فيها أقليات مسلمة يقيمون الصلاة ولكن على نطاق ضيق في حدود مجتمعهم الذي يعيشون فيه أو في حدود بيئتهم، ولكن البلد الذي يقيمون فيه أو هم من أهله لا تقام فيه الصلاة بوجه عام بحيث لا توجد عندهم المآذن ولا يسمع الأذان في جميع الأنحاء فمثل هذا لا يعتبر بلدًا إسلاميًا؛ لأنه لا بد أن تكون الإقامة على وجه عام، فمثلًا:
стр. 3925
فرنسا فيها أقليات مسلمة وفيها إقامة للصلاة من قبل هؤلاء، ولكن لا تعتبر مظهرًا من مظاهر البلد بحيث تنتشر المآذن ويُسمع الأذان هنا وهناك ويهرع الناس إلى المساجد، فهذا هو معنى قولنا: إن بلد الإِسلام هو الذي تنتشر فيه الشعائر والأحكام بوجه عام، أما لو كان عن طريق أفراد أو أناس قليلين فهذا لا يطلق عليه أنه بلد إسلامي بهذا الاعتبار (١).
قوله: (بعد الفتح) أي: فتح مكة، فلا هجرة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلد إسلام، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون (٢).
قوله: (ولكن جهاد ونية) أي: ولكن الباقي جهاد ونية، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك معتبرة.
قوله: (وإذا استنفرتم) بضم التاء؛ أي: طلب منكم الخروج في الجهاد من الإِمام أو نائبه في ذلك.
قوله: (فانفِروا) بكسر الفاء على الأفصح، وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] ويجوز ضمها؛ أي: اخرجوا.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على انتفاء الهجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلاد إسلام، ويقاس عليها كل بلدِ كفرٍ صار بلد إسلام، وهذا فيه إشارة إلى أن مكة لن تعود بلد كفر تجب الهجرة منه.
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الجهاد بأن لإعلاء كلمة الله
стр. 3926
تعالى، ونشر دينه، وإن فتحت عواصم الكفر، حتى يكون الدين كله لله.
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي الاهتمام بالنية في الجهاد وغيره من سبل الخير.
° الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب الجهاد إذا استنفره ولي الأمر، إما بطلب النفير العام أو بتعيين من يتم تعيينه، فمن عينه الإِمام خرج، وهذه هي إحدى الصور التي يكون فيه الجهاد فرض عين، بدليل هذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، والثانية: إذا حضر الإنسان القتال؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَار﴾ [الأنفال: ١٥] والصورة الثالثة: إذا حضر العدو البلد، فيجب عليه القتال دفاعًا عن البلد؛ لأن هذا يشبه من حضر صَفَّ القتال.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: (إذا دخل العدو بلاد الإِسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإِسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة) (١).
والصورة الرابعة: إذا احتيج إلى هذا الشخص (٢) في القتال، فإنه يتعين عليه إذا لم يكن عذر؛ لدعاء الحاجة إليه، ولأنه صار في حقه فرض عين. والله تعالى أعلم.
стр. 3927
وجوب الإخلاص في الجهاد
١٢٧٣/ ٨ - عَنْ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله"، مُتفَّق عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الجهاد"، باب (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكْرِ، والرجل يقاتل ليُرى مكانُه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
° الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الإخلاص في الجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك بأن يكون غرض المجاهد إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه، فمن جاهد بهذه النية فهو مجاهد في سبيل الله، ومفهوم الحديث أن من قاتل بغير هذا القصد فليس في سبيل الله، وإنما هو في سبيل الغاية التي جاهد من أجلها.
° الوجه الثالث: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه إذا كان القصد من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى فإنه لا يضر ما ينضم إلى ذلك من قصد المغنم، ويكون المعول في هذا على القصد والباعث على الفعل.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيلًا إلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فقد فُسِّرَ النيل بمثل الظفر بجيش أو سرية
стр. 3928
أو غنيمة مال (١).
ومن الأدلة قوله ﷺ قبل القتال: "من قتل قتيلًا فله سلبه" (٢)، وهذا يدل على أن قصد المغنم لا ينافي نية القتال، بل إن النبي ﷺ ما قال ذلك إلا ليجتهد السامع في قتال المشركين.
ويؤيد هذا حديث ابن عباس ﵄ قال: كانت عُكاظ ومَجَنَّةُ وذو المَجَاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" (٤).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرهم"، وفي رواية: " .. وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم" (٥).
وظاهر هذا أن المجاهد له الأجر تامًّا إذا لم يغنم، أو ثُلثُ الأجر إن غنم، وقد أخذ بهذا الحديث أكثر المحدثين، واعتبروه مع حديث أبي هريرة ﵁ الدال على أنه له الأجر إذا لم يغنم، أو له الغنيمة بدون أجر -من باب المطلق والمقيد، فيكون موافقًا ومفسرًا له، فإن غنم المجاهد بقي له ثُلثُ الأجر، وإن فاتته الغنيمة فله الأجر تامًّا، وهو مأجور في كلتا الحالتين، لكنه مع الغنيمة أنقص، وممن قال بهذا ابن بطال وابن دقيق العيد والنووي وابن حجر وغيرهم (٦). والله أعلم.
стр. 3929
ما جاء في بقاء الهجرة ما قوتل العدو
١٢٧٤/ ٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِي ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتلَ الْعَدُوُّ" رَوَاهُ النَّسَائيُ، وَصحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو محمَّد عبد الله بن السعدي، وفي اسم السعدي أقوال، قيل: وقدان، وقيل: قدامة، وقيل: عمرو، وقيل له السعدي؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر، له صحبة ورواية، سكن المدينة، ثم نزل الأردن، مات ﵀ سنة سبع وخمسين على قول (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه النسائي في كتاب "البيعة"، باب (ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة) (٧/ ١٤٦ - ١٤٧)، وابن حبان (١١/ ٢٠٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زَبْرٍ، عن بسر بن عبيد الله، عن إدريس الخولاني، عن عبد الله بن واقد (٢) السعدي ﵁، قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ في وفد كلنا يطلب حاجة، وكنت آخرهم دخولًا على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إني تركت مَنْ خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، قال: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار"، وهذا لفظ النسائي وابن حبان، وأما لفظ "البلوغ" فهو لفظ أحمد (٣٧/ ١٠)، ولهذا قال
стр. 3930
ابن عبد الهادي بعد سياقه بمثل لفظ "البلوغ": (رواه أحمد واللفظ له، والنسائي وابن حبان) (١).
وهذا الحديث رجاله ثقات، وقد صرَّح الوليد بالتحديث عند ابن حبان، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، ونقل الحافظ في "الإصابة" عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال: (هذا الحديث عن عبد الله بن السعدي حديث صحيح متقن، رواه الإثبات عنه) (٢).
والحديث في إسناده اختلاف، وله طرق أخرى عند النسائي والطبراني في "مسند الشاميين" (١/ ٤٤٧)، (٢/ ٤٣٥)، (٣/ ٣٤٥)، وأبي نُعيم في "معرفة الصحابة" (٣/ ١٦٧٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣١/ ٣٠١ - ٣٠٧).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الهجرة باقية إلى يوم القيامة؛ لأنها باقية ما دام القتال مستمرًا بين أهل الإِسلام وأهل الشرك، وقد تقدم الكلام في ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 3931
ما جاء في الإغارة على العدو بلا إنذار
١٢٧٥/ ١٠ - عَنْ نَافِعٍ قَال: أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَني الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَهم، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄. مُتَّفقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر ﵄، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، وكان ثقة كثير الحديث، قال الخليلي: (نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم، متفق عليه، صحيح الرواية، ومنهم من يقدمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يعرف له خطأ في جميع ما رواه). وقال الذهبي: (الإِمام المثبت عالم المدينة). روى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه خلق كثير، اختلف في سنة وفاته ﵀ على أقوال، منها: سنة سبع عشرة ومائة، وهذا صححه الذهبي في "السير"، وقيل: سنة تسع عشرة ومائة، وهذا قول أحمد وابن عيينة، وقيل: عشرين ومائة، واعتبره الذهبي قولًا شاذًّا (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "العتق"، باب (من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية) (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠) من طريق ابن عون قال: (كتبت إلى نافع، فكتب إلى: أن النبي ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى
стр. 3932
ذرارَيهم، وأصاب يومئذ جويرية، حدثني ابن عمر، وكان في ذلك الجيش) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلى: إنما كان ذلك في أول الإِسلام … وذكر بقية الحديث.
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أغار) أي: هجم عليهم وأوقع بهم على غرة.
قوله: (على بني المصطلق) بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام على وزن اسم الفاعل، اسم قبيلة شهيرة بطن من خزاعة، وخزاعة قبيلة يمنية قحطانية، وديارهم هي ديار خزاعة، وهي مكة وما حولها.
قوله: (غارون) بالغين المعجمة وتشديد الراء، جمع غار؛ أي: غافلون، فأخذهم على غرة وبغتة، وذلك لأنهم قد بلغتهم الدعوة العامة، حيث ذكرت المصادر التاريخية أنهم كانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أُحد ضد المسلمين، ثم أخذوا يعدون العدة لضرب المسلمين بعد رجوعهم إلى ديارهم، وكانت هذه الغزوة سنة خمس في شعبان على الراجح، على ماء لهم يسمى المُريسيع في موضع يقال له: قُديد شمال خُليص (١) على الطريق السريع بين مكة والمدينة بحوالي اثني عشر كيلًا.
قوله: (مقاتلتهم) وهم كل من يصلح للقتال ويتهيأ له.
قوله: (وسبى ذراريهم) أي: أخذهم سبيًا وفَرَّقَهم على الغانمين بعد أن ضرب عليهم الرق، والذراري جمع ذرية، وهي هنا النساء والأولاد غير البالغين.
قوله: (وأصاب يومئذ جويرية) هذه الجملة ثابتة في بعض نسخ "البلوغ"، وجويرية هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ﵂، والحارث هو ملك بني المصطلق وقائدهم، كانت جويرية من سبايا بني
стр. 3933
المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس ﵁، فكاتبها ثابت على تسع أواق، فطلبت من النبي ﷺ أن يعينها، فقال: "أو خير من ذلك" فقالت: وما هو؟ فقال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك" فقالت: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "قد فعلت". وسيأتي هذا في كتاب "العتق" إن شاء الله تعالى.
° الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأتباعهم على أن من بلغتهم الدعوة وعلموا بها فإنه لا يجب في حقهم الإنذار، وقد دل على ذلك قوله: (أغار) وقوله: (وهم غارون). وأما من لم تبلغهم الدعوة ولا علموا بها فيجب الإنذار في حقهم، هذا إن كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من غير دعوة؛ لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم (١).
والقول الثاني: وجوب الدعوة إلى الإِسلام مطلقًا، سواء أكان عند المدعوين علم بالإِسلام أم لا، وهذا قول مالك، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ وعمر بن عبد العزيز ﵀ (٢).
واستدلوا بحديث بريدة الآتي: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال … ادعهم إلى الإِسلام. الحديث" وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب عند الإطلاق.
والقول الثالث: أنه لا يجب الإنذار مطلقًا، وهذا القول حكاه المازري، والقاضي عياض (٣)، وهذا أضعف الأقوال.
والراجح هو الأول؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة.
° الوجه الخامس: استدل الجمهور بهذا الحديث على جواز استرقاق
стр. 3934
العرب كغيرهم من سائر الكفار من الأعاجم من يهود ونصارى ونحو ذلك، وذلك لأن بني المصطلق عرب من خزاعة كما تقدم، وهذا اختيار البخاري كما تقدم في تبويبه (١)، ورجحه الشوكاني (٢).
والقول الثاني: أن الرق لا يجري على عربي بحال، فإما الأسر وإما الفداء، وهذا قول الزهريّ وسعيد بن المسيب والشعبي، ويروى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، واستدلوا بأن النبي ﷺ لما أطلق سبي هوازن قال: "لو كان تامًّا على أحد سبي لتم على هؤلاء، ولكنه أسر وفداء" (٣)، لكنه حديث ضعيف جدًّا لا يحتج بمثله كما قال البيهقي وغيره، وما ورد عن عمر ﵁ فهي رواية منقطعة.
والقول الأول هو الأظهر، لعموم الأدلة فيما يتعلق في أسارى الكفار، من جواز القتل، أو المنّ، أو الفداء، ومن ادعى أن بعض هذه الأمور يختص ببعض الكفار دون بعض فعليه أن يقيم الدليل المخصِّص، ثم إن الصحابة ﵃ لما فتحوا بلاد الشام، وهم عرب، وكذا أطراف بلاد العرب المتصلة بالعجم لم يفرقوا بين عربي وعجمي، بل كانوا يعاملون الجميع على حد سواء (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3935
ما جاء في التأمير على الجيوش ووصيتهم
١٢٧٦/ ١١ - عَنْ سُلَيمانَ بْنِ بُرَيدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَال: كَانَ رَسولُ الله ﷺ إِذَا أمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيرًا، ثُمَّ قَال: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، في سَبِيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُوا، وَلا تَغْدُرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرينَ، فَإنْ أبوْا فَأخْبِرْهُمْ أنهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ في الْغَنِيمَةِ وَالْفَيءِ شَيءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإنْ هُمْ أبوْا فَاسْألهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أبوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ تَعَالى وَقَاتِلْهُم.
وَإذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيهِ، فَلَا تَفْعَلْ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ؛ فَإنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإذا أَرَادُوكَ أَنْ تنزِلَهُم عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإنَّكَ لَا تَدْرِي أتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجهاد"، باب (تأمير الإِمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيره) (١٧٣١)(٣) من طريق
стр. 3936
سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: وذكر الحديث بطوله، وقد اختصر الحافظ بعض ألفاظه.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (على جيش) أي: جنود كثيرة، ولفظ مسلم: (على جيش أو سرية" وهي القطعة من الجيش تنفصل عنه ثم تعود إليه، وحدَّها بعضهم بأربعمائة ونحوها، وسميت سرية؛ لأنها تسري ليلًا على خفية، أو لأنها تكون من خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري، وهو النفيس (١).
قوله: (أوصاه) الوصية هي الإخبار بالشيء على وجه الاهتمام. ولفظ مسلم: طأوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه … " ومعنى "في خاصته" أي: في حق نفسه خصوصًا، وقد ثبتت هذه اللفظة في بعض النسخ.
قوله: (خيرًا) أي: أن يفعل بهم خيرًا في أمور الدنيا والآخرة.
قوله: (اغزوا باسم الله) أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله تعالى، فتكون الباء للاستعانة والتوكل على الله.
قوله: (في سبيل الله) متعلق بـ (اغزوا) والغرض منه الحث على حسن النية وسلامة القصد؛ لأن الغزاة لهم أغراض ومقاصد، والغزو النافع ما كان في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، كما تقدم.
قوله: (قاتلوا من كفر بالله) فيه معنى التعليل؛ أي: قاتلوهم لأجل كفرهم، لا لعصبية ولا غيرها، وهذا عام خُصَّ منه من لا يجوز قتله من الكفار كالنساء والأطفال ومن له عهد، كما سيأتي، وقد قال متصلًا به: (ولا تقتلوا وليدًا).
قوله: (اغزوا) فيه معنى التأكيد، أو أنه تمهيد لما بعده.
قوله: (ولا تَغلُّوا) بفتح التاء وتشديد اللام مضمومة، والغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمها، وسيأتي إن شاء الله.
стр. 3937
قوله: (ولا تغدروا) بفتح التاء وضم الدال أو كسرها، والغدر هو الخيانة ونقض العهد الذي أوجب الله الوفاء به.
قوله: (ولا تمثلوا) بضم التاء وتشديد الثاء المثلثة المكسورة، والتمثيل: تشويه القتيل بقطع أعضائه كالأنف أو الأذن أو اليد وغيرها.
قوله: (ولا تقتلوا وليدًا) الوليد: الصغير دون التكليف؛ لأنه لا يقاتل وربما يسلم.
قوله: (فادعهم إلى ثلاث خصال) لفظ مسلم: "ثلاث خصال أو خلال" وهو شك من الراوي، ومعناهما واحد.
قوله: (فأيتهن أجابوك) لفظ مسلم: "فأيتهن ما أجابوك"، وأَيَّتُهُنَّ: بالرفع اسم شرط مبتدأ، و "ما" زائدة مع اسم الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
هكذا ضُبط اللفظ في طبعات "صحيح مسلم". وقد ذكر القرطبي أنه قيده عمن يوثق بعلمه وتقييده بالنصب؛ أي: على نزع الخافض، و (ما) زائدة، والتقدير: فإلى أيتهن أجابوك، فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني بحرف الجر (١).
قوله: (ادعهم إلى الإِسلام) هذه الخصلة الأولى، وقد جاء في لفظ مسلم: "ثم ادعهم إلى الإِسلام"، والصواب إسقاط "ثم" كما قال القاضي عياض؛ لأن هذا تفسير للخصال الثلاث، و"ثم" توهم الابتداء، وقد جاءت الرواية عند أبي داود (٢)، وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد (٣) بإسقاطها.
قوله: (ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) أي: ادعهم إلى الانتقال من دار التعرب إلى دار الهجرة، وهي المدينة، وكان هذا في أول الأمر وهو وقت وجوب الهجرة إلى المدينة. وعند مسلم: "وأخبرهم أنهم إن
стр. 3938
فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين" أي: من الجهاد وغيره، وهذا من تمام العدل.
قوله: (كأعراب المسلمين) أي: الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو. وقد دل الحديث أنهم إذا أسلموا فلهم ثلاث حالات:
١ - التحول إلى دار المهاجرين.
٢ - البقاء في أماكنهم مع الجهاد.
٣ - البقاء مع ترك الجهاد.
قوله: (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين) مفهومه أنهم إن جاهدوا مع المسلمين استحقوا الغنيمة، وأما الفيء فقيل: لا يستحقونه بدليل الاستثناء، وقيل: لهم حق مطلقًا (١).
قوله: (فإن هم أبوا) هم: توكيد للفاعل المحذوف مع فعله، والتقدير: فإن أبوا هم، وهذا رأي البصريين؛ لأن أدوات الشرط عندهم لا يليها إلا الفعل، وعند الكوفيين (هم) مبتدأ، خبره ما بعده، وهذا أيسر، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ".
قوله: (فاسألهم الجزية) وهي ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم أو إسكانهم دار الإِسلام، وسيأتي البحث فيها في باب مستقل -إن شاء الله-.
قوله: (وإذا حاصرت أهل حصن) المحاصرة: التضييق والإحاطة، والحصن: كل مكان محرز يُتحصن فيه.
قوله: (ذمة الله وذمة نبيه) الذمة هنا العهد، والمراد عقد الصلح والمهادنة، والمعنى: أن أهل الحصين المحاصَرين إذا قالوا نريد أن ننزل على عبد الله ورسوله فإنه لا يجوز.
قوله: (فإنكم أن تُخفِروا) هذا تعليل للنهي عن إعطاء ذمة الله وذمة
стр. 3939
رسوله للكفار، وذلك خشية عدم الوفاء بذلك، فإنَّ نَقْضَ عهد الخلق أهون من نقض عبد الله تعالى؛ لأنه قد ينقض الذمة من لا يعرف حقها، وينتهك حرمتها بعض من لا تمييز له من الجيش.
وقوله: (أن تخفروا) بفتح الهمزة على اعتبارها مصدرية، ولا يصح كسرها على أنها شرطية إذ لا جواب لها، و (أهون) مرفوع على أنه خبر (إنَّ) و (أَنْ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل اشتمال من اسم (إن) والتقدير: فإنكم إخفاركم ذممكم.
وتُخفِروا: بضم التاء وكسر الفاء من أخفر الرباعي؛ بمعنى: تنقضوا، تقول العرب: أخفرت الرجل: نقضت عهده، وخَفَرْتُهُ أَخْفِرُهُ من باب ضرب: غدرت به.
قوله: (وإن أرادوك أن تنزلهم على حكم الله) أي: وإن طلبوك أن تتفق معهم على أن يكون الحكم بينكما هو حكم الله تعالى.
قوله: (بل علي حكمك) أي: بل أنزلهم على حكمك واجتهادك أيها الأمير، ولم يذكر هنا حكم أصحابه؛ لأن الحكم في الجيش والسرية مختص بالأمير، بخلاف الذمة والعهد فهي من الجميع؛ لأنه لا يحل لأحد من الجيش أن ينقض العهد.
قوله: (فإنك لا تدري) تعليل للنهي، والمعنى: لا تنزلهم على حكم الله؛ خشية ألا تصيب حكم الله تعالى، فتنسب إلى الله تعالى ما هو خطأ، ولا سيما إذا كانت المسألة من المسائل الاجتهادية.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه ﷺ كان يعتني بأمرائه وقواد جيشه فيوصيهم بتقوى الله تعالى، ويوجههم إلى ما ينبغي فعله واتباعه من الأحكام والآداب، ويحذرهم مما ينبغي تركه من المعاصي المتعلقة بالقتال حتى يكونوا على بينة وبصيرة من أمرهم، وهكذا ينبغي لولاة الأمور إذا أَمَّروا الأمراء أو أرسلوا الجيوش أن يوجهوهم إلى الخير ويوصوهم بتقوى الله تعالى والاستقامة على أمره، والإحسان إلى الرعية (فبهذين الأصلين: تقوى الله،
стр. 3940
والإحسان إلى الرعية يُحفظ على الأمير منصبه، وتقرُّ عينه به، ويأمن فيه من النكبات والغِيَرِ، ومتى ترك هذين الأمرين أو أحدهما فلا بد أن يسلبه الله عِزهُ، ويجعله عبرة للناس، فما إن سلبت النعم إلا بترك تقوى الله، والإساءة إلى الخلق) (١).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يجب أن يكون القتال لإعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه وإزالة آثار الكفر، لا لنيل الملك وطلب الدنيا.
° الوجه الخامس: تحريم الغدر ونقض العهود، وسيأتي زيادة بحث له -إن شاء الله-.
° الوجه السادس: تحريم الغلول وسيأتي البحث فيه -إن شاء الله-.
° الوجه السابع: النهي عن التمثيل بالقتلى، ووجوب القتل قِتْلَةَ شرعية، كما في قوله ﷺ : "إذا قتلتم فاحسنوا القتلة … " (٢) فإن وقع التمثيل من غير قصد كما يقع عند المقاتلة والمسايفة فصاحبه معذور.
° الوجه الثامن: النهي عن قتل الصبيان، وسيأتي ذلك أيضًا -إن شاء الله-.
° الوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية الدعوة إلى الإِسلام قبل القتال، وظاهر الحديث العموم فيمن بلغته الدعوة ومن لم تبلغه، وبه استدل من قال بذلك كما تقدم، والظاهر أن الحديث محمول على من لم تبلغه الدعوة؛ لأن الرسول ﷺ أغار علي بني المصطلق وهم غارون؛ لأنهم بلغتهم الدعوة، كما تقدم.
° الوجه العاشر: الحديث دليل على أن من دخل في الإِسلام فهو غير بين أمرين: إما الانتقال إلى دار الهجرة، ويكون له ما للمهاجرين، وعليه ما
стр. 3941
عليهم، واما البقاء مع أعراب المسلمين الذين لم يهاجروا ولا يكون لهم حظ في الغنائم ولا الفيء على ما تقدم (١).
° الوجه الحادي عشر: استدل بهذا الحديث من قال: إن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهذا قول المالكية، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والصنعاني (٢)، لقوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين) ولفظ المشركين يعم الكفار جميعًا من اليهود، والنصارى، والمجوس، وعباد الأوثان من العرب وغيرهم؛ ولأن الرسول ﷺ أخذ الجزية من المجوس، كما سيأتي في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، كما صالح النبي ﷺ أكيدر دومة عليها كما سيأتي أيضًا، وهم ليسوا أهل كتاب. وعلى هذا القول فالقيد في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] لا مفهوم له؛ لأنه إخبار بالواقع (٣)؛ بدليل منطوق حديث بريدة ﵁، قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا قول قوي، وحجة قوية) (٤).
والقول الثاني: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا عَبَدة الأوثان من العرب فلا تؤخذ منهم، ولا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف، وهو قول الحنفية، ورواية عن أحمد (٥)، واستدلوا بأن الرسول ﷺ لم يأخذ الجزية منهم؛ ولأنهم أغلظ كفرًا من غيرهم؛ لأنهم رهط النبي ﷺ ونزل القرآن بلغتهم، فكانت المعجزة في حقهم أظهر.
والقول الثالث: أن الجزية لا تؤخذ إلا من كتابي أو مجوسي، وهذا هو
стр. 3942
المذهب عند الحنابلة، وهو قول الشافعية، وابن حزم (١). واستدلوا بآية التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيان للذين في قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
كما استدلوا بحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر. وسيأتي هذا الحديث -إن شاء الله- في باب "الجزية".
ويشهد له حديث عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها (٢). ولا تؤخذ من غيرهم، فإما الإِسلام أو القتال؛ لحديث ابن عمر ﵄: "أمرت أن أقاتل الناس … " (٣)، فدل على وجوب مقاتلة جميع الناس، وخص منهم أهل الكتاب بنص القرآن، والمجوس بالسنة، ويبقى سائر الكفار على عموم الحديث.
والقول الأول هو الراجح؛ لقوة دليله، وهو حديث بريدة ﵁ فإنه حديث عام، وهو متأخر عن آية الجزية ورودًا؛ لأنه يفهم منه أن الجزية قد شرعت لقوله: (فإن هم أبوا فاسألهم الجزية)، والآية في سورة التوبة، وهي نزلت عام تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وقد فرغ النبي ﷺ من قتال العرب، ولم يبق في الجزيرة أحد من عُبّاد الأوثان، فلما نزلت آية الجزية أخذها ممن بقي على كفره، كالنصارى والمجوس، وعلى هذا فاية الجزية لا مفهوم لها؛ بدليل هذا المنطوق، وهو حديث بريدة، ثم إن آية الجزية لم تتعرض لأخذها من غير أهل الكتاب ولا لعدم أخذها، والحديث بَيَّنَ أخذها من غيرهم، وقبول الجزية من جميع الكفار هو سلوك الصحابة ﵃ والفاتحين
стр. 3943
المسلمين، ثُم إن عَبَدَة الأوثان -كما يقول ابن القيم-: (أمة كبيرة لا تحصى، لا يمكن استئصالهم بالسيف فإذلالهم وقهرهم بالجزية أقرب إلى عز الإِسلام وقوته من إبقائهم بغير جزية، فيكونون أحسن حالًا من أهل الكتاب) (١).
° الوجه الثاني عشر: وجوب احترام ذمة الله تعالى وذمة نبيه ﷺ وأن نقضها أمر عظيم، بخلاف عهد المسلمين فإنه وإن كان النقض محرمًا مطلقًا لكنه فيما يتعلق بذمة الله وعهده أعظم.
° الوجه الثالث عشر: جواز نزول أهل الحصين على حكم أمير الجيش، وأما إنزالهم على حكم الله وحكم رسوله فلا يجوز؛ لأن قائد الجيش وإن اجتهد لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟ وقد ذكر بعض العلماء أن هذا النهي خاص بزمن النبي ﷺ ؛ لأنه يمكن نزول الوحي ببيان الصواب، وأما بعد زمانه فيجوز للقائد بعد الاجتهاد إنزالهم على حكم الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3944
ما جاء في التورية في الحرب
١٢٧٧/ ١٢ - عَنْ كَعْبِ بن مَالِكٍ ﵁ أَن النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ غزوَةً وَرَّى بِغَيرِها. مُتفَق عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الجهاد"، باب (من أراد غزوة فورَّى بغيرها) (٢٩٤٧)، ومسلم (٢٧٦٩)(٥٤) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن كعب ﵁ وكان قائدَ كعبٍ من بنيه، قال: سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول الله ﷺ ، ولمَ يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إلا وَرَّى بغيرها) بفتح الواو وتشديد الراء آخره ألف مقصورة؛ أي: سترها بغيرها كتمانًا للمقصود عن العيون والجواسيس، فهذا كان يريد الخروج إلى جهة الجنوب سأل عن طرق الشمال أو الشرق أو الغرب ومواقع المياه ونحو ذلك ليصيب العدو على غفلة، ولا يمكن أن يحصل على خبر صحيح.
والتورية تدور على معنى الستر والتغطية تقول: وَرَّيتُ الخبر أُوَرِّيه تورية: إذا سترتَه وأظهرت غيره، قال أبو عبيد: (ولا أراه إلا مأخوذًا من وراء الإنسان؛ لأنه إذا قال وريته فكأنه إنما جعله وراءه حيث لا يظهر) (١).
стр. 3945
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه ﷺ إذا أراد غزو قبيلة أظهر أنه يريد غيرها، فصار يسأل في جهة أخرى عن الطريق وموارد المياه والقبائل التي تقطنها ونحو ذلك.
وهذا من باب استعمال الرأي في الحرب، بل إن الاحتياج إلى الرأي آكد من الشجاعة.
والحكمة من هذا أن يفجأ العدو قبل أن يعلم حتى تقل الخسائر في الأرواح، بخلاف إذا علموا فإنهم يستعدون للملاقاة، وبما أن المقصود الإذعان والاستسلام فهذا يحصل بالمباغتة، ثم إن المباغتة أقرب إلى هدايتهم واستجابتهم، بخلاف ما إذا كانوا مستعدين.
ومنهج الرسول ﷺ أنه لا يفاجئ العدو إلا بعد دعوته إلى الإِسلام والإعذار إليه.
قال النووي: (اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3946
الوقت الذي يستحب فيه القتال
١٢٧٨/ ١٣ - عَنْ مَعْقِلٍ أَن النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ ﵁ قَال: شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَال حَتى تَزولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَينْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثلَاثةُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عمرو أو أبو حكيم النعمان بن مُقَرِّن -بضم الميم وكسر الراء مشددة- بن عائذ المزني، كانوا سبعة إخوة، كلهم هاجر وصحب الرسول ﷺ ، وليس ذلك لأحد من العرب سواهم، قال الواقدي وغيره: للنعمان بن مقرن ذكر كثير في فتوح العراق، وهو الذي فتح أصبهان، وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إن للإيمان بيوتًا، وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان). روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه معاوية، ومعقل بن يسار المزني ﵁، كما ذكرت في أول "الجنائز"، سكن النعمان البصرة، وتحول عنها إلى الكوفة، وقدم المدينة، واستشهد في نهاوند يوم جمعة، سنة إحدى وعشرين، ولما جاء نعيه عمر بن الخطاب ﵁ خرج فنعاه إلى الناس على المنبر، ووضع يده على رأسه يبكي رضي الله عن الجميع (١).
أما معقل وهو ابن يسار فتقدمت ترجمته في أول "الجنائز".
стр. 3947
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٩/ ١٥٣)، وأبو داود في كتاب "الجهاد"، باب (في أيِّ وقت يستحب اللقاء) (٢٦٥٥)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ١١٦) من طريق علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار أن النعمان بن مقرن ﵁ قال: … وذكر الحديث.
وهذا الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، وعلقمة بن عبد الله المزني من رجال أصحاب السنن، وبقية رجاله رجال الصحيحين.
والحديث أصله في البخاري (٣١٥٩)(٣١٦٠) من طريق بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير عن جبير بن حية قال: بعث عمر ﵁ الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين … وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: شهدت القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الرياح وتحضر الصلاة.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يختار الأوقات المناسبة للقتال، فكان يقاتل أول النهار؛ لأنه وقت النشاط حيث تكون الأبدان نشيطة بعد راحة الليل، ويكون الوقت باردًا، فإذا لم يتيسر القتال أول النهار فإنه يؤخره إلى أن تزول الشمس، ويبرد الجو، وتنكسر شدة الحر، (وتهب الرياح)؛ لأنها في الغالب تهب بعد الزوال، فيحصل بها تبريد الجو وزيادة النشاط، (وينزل النصر)؛ لأنه مظنة هبوب الرياح، (وتحضر الصلاة)؛ لأن حضور وقت الصلاة مظنة إجابة الدعاء.
وهذا على سبيل الاختيار، أما إذا فجأهم العدو فعلوا ما هو الأصلح في أي وقت كان. والله تعالى أعلم.
стр. 3948
جواز تبييت الكفار وإن أدى إلى قتل ذراريهم تبعًا
١٢٧٩/ ١٤ - عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثامَةَ ﵁ قَال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وذَرَاريهِمْ، فَقَال: "هُمْ مِنْهُم"، مُتَّفَقٌ علَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الجهاد"، باب (أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري) (٣٠١٢)(٣٠١٣)، ومسلم (١٧٤٥) من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله عتبة، عن ابن عباس ﵄، عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: مر بي النبي ﷺ بالأبواء أو بوذَان فسُئل عن أهل الدار يبيتون … لحديث.
ولفظ مسلم: (سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين … ).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سئل رسول الله ﷺ ) في رواية عند مسلم: (قلت: يا رسول الله إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين)، وظاهر هذا أن السائل هو الصعب بن جثامة، وقد جاء هذا صريحًا في رواية ابن حبان عن الصعب بن جثامة قال: (سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين) فظهر أنه هو السائل ﵁.
قوله: (عن الدار) في بعض النسخ: (عن أهل الدار) وهو الموافق لرواية البخاري، ومعناه: عن أهل المنزل، وفي بعض النسخ: (عن الذراري من
стр. 3949
المشركين) وهو الموافق لرواية مسلم، والذراري: جمع ذرية، وهم الأطفال من أولاد المشركين.
قوله: (يبيتون) بضم الياء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء مضارع مبني لما لم يسم فاعله، والبيات: بالفتح الإغارة ليلًا، يقال: بيته تبييتًا وبياتًا، قال الحافظ: (ومعنى البيات المراد في الحديث: أن يُغار على الكفار بالليل بحيث لا يميز بين أفرادهم) (١).
قوله: (هم منهم) أي: النساء والأطفال من أهلهم في الحكم، فهم سواء في تلك الحالة التي لا يميزون فيها.
° الوجه الثالث: هذا الحديث دليل على جواز قتل النساء والأطفال في حال تبييت العدو والهجوم عليه ليلًا، قال أحمد: (لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلا البيات؟ قال: ولا نعلم أحدًا كره بيات العدو) (٢).
فهذا حصل إصابة ذراريهم ونسائهم بلا قصد فلا إثم في هذه الحال، وأما النهي عن قتل النساء والصبيان -كما سيأتي- فهو محمول على التعمد وقصد قتلهم. والله تعالى أعلم.
стр. 3950
ما جاء في الاستعانة بالمشركين
١٢٨٠/ ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال لِرَجُلٍ تَبِعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: "ارجعْ فَلَنْ أستَعِينَ بِمُشرِكٍ"، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجهاد"، باب (كراهة الاستعانة في الغزو بكافر) (١٨١٧) من طريق مالك بن أنس، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن نيار الأسلمي، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قِبَلَ بدر، فلما كان بحرة الوَبَرَةِ (١) أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: لا، قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة (١) أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال له أول مرة، قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، ثم رجع فأدركه بالبيداء (١) فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلق".
° الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يجوز الاستعانة
стр. 3951
بالمشرك في قتال المشركين، وهذا قول مالك وأحمد، كما استدلوا بحديث خبيب بن إساف الأنصاري قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزوًا أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: "أو أسلمتما؟ " قلنا: لا، قال: "فلا نستعين بالمشركين على المشركين" … الحديث (١). ولأن المشركين لا يؤمن أن يخامروا وأن يكونوا مع أصحابهم وأن يكونوا جاءوا للأذى والخيانة.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى جواز الاستعانة بالكفار، واستدلوا بأن الرسول ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فاسهم لهم (٢). وبما ورد أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية في حنين، وبحديث ذي مِخْبَر (٣) رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتُنصرون، وتَغْنمون، وتَسلمُون … " (٤).
ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخبر باشتراك المسلمين مع الروم في القتال ضد العدو، ولم يذمهم على ذلك، فدل على الجواز.
وذهب الإِمام الشافعي، وأحمد في رواية عنه اختارها كثير من فقهاء الحنابلة (٥)، إلى جواز الاستعانة بالكفار إذا كان الكافر ممن يوثق به وهو حسن الرأي ودعت الحاجة إلى الاستعانة به، كان يكون في المسلمين قلة، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز، وهيئة كبار العلماء (٦).
стр. 3952
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، كما استدلوا بالأحاديث الدالة على الجواز، وحملوها على الحاجة أو الضرورة، وحملوا أحاديث المنع على عدم ذلك، وقال الإِمام الشافعي عن حديث الباب: (لعل النبي ﷺ رده رجاءَ إسلامه، وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك فيمنعه الغزو، ويأذن له) (١). وقد أيَّد هذا القول ابن القيم، فقال -وهو يتحدث عن فوائد صلح الحديبية-: (الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عينه ﷺ بُديلَ بن ورقاء الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم) (٢).
وإذا حصلت الاستعانة بهم فإنه يُرضخ لهم، ولا يُسهم لهم؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أسهم لهم (٣).
وإذا قيل بالجواز فيجب أن يُشترط على القوات التي استعين بها الخروج من بلاد المسلمين فور نهاية الظروف التي أدت إلى الاستعانة بهم، لئلا يكون ذلك سُلمًا لبقائهم في بلاد المسلمين، ومعلوم ما يترتب على هذا من المفاسد، والله المستعان.
стр. 3953
النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب
١٢٨١/ ١٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى امْرَأةً مَقْتُولةً في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأنكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في "الجهاد"، باب (قتل الصبيان في الحرب) (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤)(٢٤) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄.
وفي رواية للبخاري (٣٠١٥)، ومسلم (٢٥): فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على تحريم قتل النساء والصبيان؛ لأن المرأة ليست من أهل القتال، وكذا الصبي، قال القاضي عياض: (أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا … ) (١). وإنما حكمهم أنهم يكونون أرقاء إذا حصل سبيهم، كما فعل النبي ﷺ مع بني المصطلق، كما تقدم، بشرط ألا يكون لهم رأي في القتال أو مشاركة فيه، فإن كان أحدهم يقاتل، أو كان ذا رأي فإنه يقتل؛ لأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب، بل ربما كان أبلغ من القتال؛ ولأن المرأة إذا قاتلت فقد وجد منها المعنى المبيح لقتال الرجال؛ ولهذا قُتل دريد بن الصمة؛ لأنه كان له رأي ونكاية مع أنه نيف على المائة حينما أحضروه ليدبر لهم الحرب (٢).
стр. 3954
وأما كون من قاتل يقتل فلحديث رباح بن الربيع التميمي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا فقال: "انظر علام اجتمع هؤلاء؟ " فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل … " الحديث (١). قال الخطابي: (في الحديث دليل على أن المرأة إذا قاتلت قتلت، ألا ترى أنه جعل العلة في تحريم قتلها: أنها لا تقاتل؟ فإذا قاتلت دل على جواز قتلها) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3955
ما جاء في قتل شيوخ المشركين
١٢٨٢/ ١٧ - عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسولُ الله ﷺ : "اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْرِكِينَ وَاسْبْقُوا شَرْخَهُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصحّحَهُ التَّرْمِذِيُّ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، باب (في قتل النساء) (٢٦٧٠)، والترمذي (١٥٨٣) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، وهذا لفظ أبي داود.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، والحديث في سنده عنعنة الحسن البصري في روايته عن سمُرة، وهو مدلس، فالحديث ضعيف، ولعل تصحيح الترمذي له مبني على ثبوت سماع الحسن عن سمُرة عنده، والمسألة خلافية تقدم ذكرها في "الغسل" من كتاب "الطهارة" وأشرت إليها في مواضع أخرى فيما بعد، وذكرت أن المسألة ليست مسألة سماع الحسن من سمُرة أو عدم سماعه، وإنما هي مسألة التدليس؛ لأن الحسن معروف بالتدليس، بل إنه يدلس عن الضعفاء (١).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (شيوخ المشركين) جمع شيخ، وهو في الأصل من استبانت فيه السنن، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين (٢).
стр. 3956
والمراد هنا: إما العموم، وإما الرجال الأقوياء المقاتلون ذوو الجَلَدِ والقوة على القتال، وليس المراد الهرمى الذين لا قوة لهم ولا رأي.
قوله: (واستبقوا شرخهم) بالشين المعجمة وسكون الراء بعدها خاء معجمة جمع شارخ، كركب وراكب، وصحب وصاحب، والمراد بهم: الصغار الذين لم يدركوا ولم يبلغوا الحلم (١)، قال البيهقي: (إذا كان المراد بالشرخ: الصغار والذرية، فالمراد بالشيوخ مقابلهم: الرجال البالغين) (٢)، وقال القاضي عياض: (شرخهم؛ أي: صبيانهم، وشرخ كل شيء أوله، فالصبيان أول الشباب) (٣).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرجال البالغين يُقتلون، وهذا أحد قولي الشافعية، واختيار ابن المنذر (٤)، كما استدلوا بعموم الأدلة في قتل المشركين، وعدم مجيء ما يخرجهم من هذا العموم، وحملوا حديث الباب على العموم في كل شيخ قاتل أو لم يقاتل.
وذهب الإِمام أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنهم لا يقتلون، وهذا روي عن أبي بكر الصديق ﵁ ومجاهد، وهو القول الثاني في مذهب الشافعية (٥)، واستدلوا بحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا … " (٦) الحديث، وحملوا حديث الباب على ما تقدم من أن المراد بهم: الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال، ومعونة عليه برأي أو تدبير، جمعًا بين
стр. 3957
الأدلة، والظاهر أن الخلاف فيمن لم يقاتل من الشيوخ، وأما من قاتل فلا خلاف في إباحة قتله كما قال ابن عبد البر وغيره.
وأما غير البالغين فإنهم لا يقتلون، ويكون هذا الحديث موافقًا لما تقدم من النهي عن قتل الصبيان، ويحتمل أن يراد بالشرخ من كان في أول الشباب، كما تقدم عن القاضي عياض، والنهي عن قتله لرجاء إسلامه، كما روي عن الإمام أحمد: أنه قال: (الشيخ لا يكاد يسلم، والشباب أقرب إلى الإِسلام) (١)، ويكون الحديث مخصوصًا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية. والله تعالى أعلم.
стр. 3958
ما جاء في المبارزة
١٢٨٣/ ١٨ - عَنْ عَليٍّ ﵁، أنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاه الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ مُطَوَّلًا.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (قتل أبي جهل) (٣٩٦٥) من طريق قيس بن عُباد، عن علي ﵁ أنه قال: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة) وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة -أو أبو عبيدة- بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
وأخرجه أبو داود (٢٦٦٥) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي ﵁ قال: تقدم -يعني: عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز؟ فانتدب له شابٌ من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة.
ورواه أحمد (٢/ ٢٥٩ - ٢٦١) بهذا الإسناد بأطول من هذا السياق.
والحديث إسناده صحيح، ورجال ثقات، قال الحافظ: (سماع إسرائيل
стр. 3959
من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده، وكان خصيصًا به) (١).
لكن اختلفت الروايات في تعيين المتحاذيين مع الاتفاق على هذه الأسماء، فقد جاء في "مغازي ابن إسحاق" أن عليًّا قتل الوليد، وحمزة قتل شيبة، وأن أبا عبيدة بارز عتبة، فالله أعلم (٢).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنهم) أي: المذكورين في سياق الحديث، وهم: علي وحمزة وعبيدة من المسلمين، وعتبة وشيبة والوليد من المشركين.
قوله: (تبارزوا) أي: برز كل قِرْنٍ إلى قرنه ليقتله، وصورة المبارزة أن يتقابل الجيشان، فيخرج منهما رجلان أو بضعة رجال قبل بدء القتال العام، فيقاتلوا، وبعد تمام قتالهم يزحف الصفان، ويبدأ القتال في عامة نقاط الجيش.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المبارزة، وأن للإمام أن يأذن لبعض جنده بمبارزة أقرانهم من المشركين، ومن أمره الإِمام بالمبارزة فليس له أن يتأخر عنها، والقول بجوازها مذهب الجمهور من أهل العلم، بل حُكي الإجماع، قال ابن قدامة: (لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ وبعده، ولم ينكره منكر، فكان ذلك إجماعًا) (٣). وهل يشترط إذن القائد للمعركة؟ قولان:
فذهب الأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد وابن قدامة إلى اشتراط إذن القائد (٤)، لحديث الباب، فإن الرسول ﷺ أذن للمذكورين؟ ولأن القائد أعلم بفرسانه وفرسان العدو.
وذهب مالك والشافعي وابن المنذر إلى أنه لا يشترط (٥)، واستدلوا
стр. 3960
بحديث أبي قتادة ﵁ أنه قال: بارزت رجلًا يوم حنين فقتلته (١). وليس فيه ما يدل على أنه استأذن النبي ﷺ .
والقول الأول أظهر؛ لقوة مأخذه؛ ولأن الخروج إلى الجهاد موكول إلى إذن الإِمام، فكذا توابعه وفروعه؛ ولأن الإنسان إذا برز إلى من لا يطيقه عرض نفسه للهلاك وكسر قلوب المسلمين؛ لتعلق قلوب الجيش به، أما ما ورد من الأدلة في هذا الباب فقد يدّعي كل فريق على الآخر أن دليله قضية عين لا عموم لها (٢). والله تعالى أعلم.