← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وجوب الغسل من الجماع ١٠٩/ ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمّ جَهَدَها، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ: (وَإنْ لَمْ يُنزِلْ). الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري (٢٩١) في كتاب «الغسل» باب «إذا التقى الختانان»، ومسلم (٣٤٨) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي رافع (١)، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً. وأخرجه مسلم - أيضاً - من طريق مطر الوراق، عن الحسن به، وفيه: «وإن لم ينزل». الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا جلس) أي: الرجل، وهو مفهوم من السياق، والمراد بالجلوس: كونه بذلك المحل. قوله: (بين شعبها الأربع) أي: شعب المرأة الأربع، والضمير لم يتقدم له مرجع، لكنه معلوم من السياق، والشُّعب - بضم الشين ـ: جمع شُعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد بها هنا: يداها ورجلاها على الأظهر، وهو كناية عن مكان الرجل من المرأة في حال الجماع، وهي حال يستقبح ذكرها،

стр. 422

فَكَنّى عنها بلفظ الشُّعَبِ التي هي بمعنى الأطراف، ليفهم بذلك المراد من حالة اتصال محلَّي الجماع. قوله: (ثم جَهَدها) بفتح الجيم والهاء، يقال: جهد وأجهد، أي: بلغ المشقة، والمعنى: بلغ جهده فيها، وذلك بإيلاج ذكره في فرجها، ثم كَدِّها بحركته؛ لأن المرأة وإن كانت تتلذذ بذلك لكن يحصل منها جهد ومشقة. وهذا من محاسن اللغة، حيث إنه يُكنَّى عما يُستحيا من ذكره بما يدل عليه، فإن المقصود من ذلك الكناية عن الجماع ومعالجة الإنزال، وأن ذلك إذا حصل فقد وجب الغسل وإن لم ينزل، وفي رواية: «وألزق الختان الختان» بدل «ثم جهدها»، وهذا يدل على أن الجهد كناية عن معالجة الإيلاج، وفي رواية عند مسلم: «إذا مسّ الختان الختان». والمراد من التقاء الختانين: تغييب الحشفة في الفرج، وهو المراد بالمسّ، وليس المراد حقيقته؛ لأن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمس الذكر في الجماع. قوله: (فقد وجب الغسل) أي: عليهما جميعاً. الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من الجماع على الرجل والمرأة، سواء أحصل إنزالٌ أم لا، لقوله في رواية مسلم: «وإن لم ينزل». وقد أخرج مسلم من طريق هشام، عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة ﵂، فأذنت لي، فقلت لها: يا أماه، أو يا أم المؤمنين: إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أُمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟

стр. 423

قالت: على الخبير سقطت! قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (١). الوجه الرابع: هذا الحديث ناسخ لمفهوم حديث: «إنما الماء من الماء»، ودليل النسخ حديث أبي بن كعب قال: (إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نُهي عنها) (٢)، وهو صريح في النسخ، على أن حديث إيجاب الغسل ولو لم ينزل أرجح ولو لم يثبت النسخ؛ لأنه منطوق، وذلك مفهوم، والمنطوق مقدم في العمل على المفهوم، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِلُ، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» (٣)، وتقدم معنى الإكسال قريباً. ونقل ابن رجب عن الدارقطني أنه قال: (لم يختلف عن أبي الزبير في رفع الحديث) (٤). وأم كلثوم: هي أخت عائشة ﵄؛ ذكره ابن رجب، والنووي (٥) وقال: (هذا من رواية الأكابر عن الأصاغر). وقد حكى النووي وغيره انعقاد الإجماع على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة ﵃ لا يرون الغسل إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين (٦). وقد ساق الإمام مسلم في صحيحه في هذا الموضع عن أبي العلاء ابن الشّخير أنه قال: (كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه

стр. 424

بعضاً، كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً) (١)، وغرضه بذلك - والله أعلم - الإشارة إلى أن حديث «الماء من الماء» منسوخ، والله تعالى أعلم.

стр. 425

وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها ١١٠/ ٣ - وعَنْ أُمّ سَلَمةَ ﵂ أَنّ أُمَّ سُلَيمٍ وَهي امرأةُ أَبي طَلْحَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ الغُسْلُ إذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعمْ، إذا رَأَتِ المَاءَ» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١١١/ ٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيمٍ: وَهَلْ يَكُونُ هذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول: فقد أخرجه البخاري (٢٨٢) في كتاب «الغسل» باب «إذا احتلمت المرأة»، ومسلم (٣١٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: جاءت أم سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أوَ تحتلم المرأة؟! فقال: «تربت يداك فبم يشبهها ولدها»، هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية أخرى: (قالت: فضحتِ النساء). وأما الثاني: فقد أخرجه مسلم (٣١١) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 426

«إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل»، فقالت أم سليم - واستحييت من ذلك - قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ : «نعم فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه». وقد وهم الحافظ في عزوه للبخاري، فإنه من أفراد مسلم، وقد ذكره المزي ولم يعزه للبخاري (١)، والله أعلم. وظاهر هذا الحديث وما قبله أن المراجعة وقعت بين أم سليم وأم سلمة ﵄؛ وهو الثابت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة عن أبيه. وأخرجه مسلم من رواية الزهري عن عروة لكن قال: عن عائشة، بدل (أم سلمة) وفيه أن المراجعة وقعت بين أم سليم وعائشة ﵄. والأحسن في الجمع بين هذه الروايات ما قاله النووي، وهو أنه يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعاً أنكرتا على أم سُليم، فإنه لا يمتنع حضور أنس وعائشة وأم سلمة هذه القصة، وقد يكون أنس رواه عن أمه أم سُليم، والله أعلم (٢). الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (أم سُليم) هي: سهلة بنت ملحان - بكسر الميم على الأشهر - الأنصارية، أم أنس بن مالك، لها صحبة ورواية، كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنساً؛ فلما جاء الإسلام أسلمت مع قومها من الأنصار، فغضب لذلك زوجها؛ فخرج إلى الشام فهلك، ثم خطبها أبو طلحة فقالت: إن أسلمت تزوجتك، ولا أريد منك صداقاً غيره، فأسلم، فزوجها به ابنها أنس بن مالك ﵁، كانت من أعقل النساء، وأثبتهن قلباً، وأفضلهن أدباً وديناً ﵂، وقصتها مع زوجها أبي طلحة لما مات ولده فلم تخبره حتى تغشاها، وأصاب منها؛ مشهورة، وهي في الصحيحين (٣)، قال ابن الملقن:

стр. 427

(لم أر من أرّخ وفاتها، ولم يذكرها أيضاً المزي في تهذيبه ولا من تبعه) (١). قوله: (وهي امرأة أبي طلحة) هو زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي مشهور بكنيته، من فضلاء الصحابة، شهد غزوة بدر وأحد، وتصدق بأحب ماله إليه حين نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، توفي سنة خمسين أو إحدى وخمسين، ﵁ (٢). قولها: (إن الله لا يستحي من الحق) أي: لا يمتنع من ذكره حياءً، والحياء لغة: التغير والانكسار والانقباض يعتري النفس الإنسانية من خوف ما يعاب به، وشرعاً: خُلُق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. والحق: كل خبر خلا من الكذب، وكل حكم خلا من الجور، وهذه الجملة ابتدائية الغرض منها تقديم الاعتذار عما ستسأل عنه، لكونه مما يستحيا منه بحضرة الرجال. قولها: (فهل على المرأة الغسل)، هذا لفظ البخاري في كتاب «أحاديث الأنبياء» باب «خلق آدم وذريته» (٣)، ولفظ الصحيحين في «الطهارة» «من غُسلٍ» وعند البخاري في كتاب «الأدب»: «غُسلٌ» (٤). قولها: (إذا احتلمت) أي: إذا رأت في المنام أنها تُجَامَعُ، والاحتلام: افتعال من الحُلْم بضم المهملة وسكون اللام، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال: حَلَمَ يَحْلُم من باب (قتل)، واحتلم فهو حالم ومحتلم، وأما (حَلُمَ) بالضم (حِلْماً) بالكسر فمعناه: صفح وستر، فهو حليم. والمراد بالحُلْم - هنا ـ: أمر خاص منه، وهو الجماع، فالأول استعمال وضعي، وهذا استعمال عرفي. قوله: (نعم إذا رأت الماء) أي: نعم عليها الغسل إذا أبصرت الماء وهو المني، والمراد من ذلك: تحقق وقوعه.

стр. 428

قوله: (الحديث .. ) إشارة إلى أن له بقية، ولعله تركها اختصاراً واقتصاراً على موضع الاستدلال، واكتفاءً بما ورد في آخر حديث أنس ﵁، وتقدم سياق الحديث بتمامه. الوجه الثالث: الحديثان دليل على فضيلة أم سلمة ﵂ بحرصها على الفقه في الدين، وحسن أدبها، حيث قدمت بين سؤالها كلاماً يمهد لعذرها. الوجه الرابع: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عما يحتاج إليه حتى في الأمور التي يستحيا منها، ولا ينبغي أن يمنعه الحياء من معرفة الحق والسؤال عنه، لكن يقدم ما يمهد لعذره أو يوكِّل غيره، وأما الامتناع من السؤال عما ينبغي، أو ترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو الإخلال ببعض الحقوق فهذا ضعف وعجز وخَوَرٌ ومهانة، ولا يسمى حياءً، وإنما يطلق عليه بعض أهل العرف الحياء من باب المجاز، لمشابهته الحياء الحقيقي. وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: (نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقَّهن في الدين) (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على نفي صفة الحياء من الحق عن الله تعالى، وذلك لكمال عدله ورحمته. والحياء ثابت لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولا يشابه فيه خلقه، كسائر صفاته، وقد ورد في حديث يعلى بن أمية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله حييّ سِتّير، يحب الحياء والستر» (٢). الوجه السادس: الحديث دليل على أن المرأة كالرجل إذا رأت في منامها أنها تُجَامَعُ فإنها تغتسل، كما يغتسل الرجل، لكن بشرط وجود الماء، وهو المني لقوله: «إذا رأت الماء». والمحتلم له ثلاث حالات:

стр. 429

الأولى: أن يذكر الاحتلام ويرى المني، فهذا يجب عليه الغسل، كما يدل عليه الحديث الأول. الثانية: أن يرى الفعل ولم يَرَ الماء (يعني أنه يجامع ولا يرى الماء) فهذا لا غسل عليه، لمفهوم قوله: «نعم إذا رأت الماء». الثالثة: أن يرى الماء ولا يذكر احتلاماً، فيجب عليه الغسل، لعموم «إنما الماء من الماء»، ولأن الإنسان قد يرى الشيء في منامه ثم ينساه. أما إذا استيقظ بالغ أو من يمكن بلوغه فوجد في ثوبه بللاً وجَهِلَ كونه منياً، فإن سبق نومه تفكير في الجماع جعله منياً، وإن لم يسبق نومه تفكير فقيل: يغتسل احتياطاً، وقيل: لا غسل عليه، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (١)، وهو الراجح لقوله: «إذا رأت الماء» يعني بذلك المني، وهنا لم يتيقن المنتبه أن البلل منيّ، فلا يجب الغسل مع الشك؛ لأن الأصل براءة الذمة. هذا بالنسبة للنائم. أما اليقظان فظاهر قوله: «إنما الماء من الماء» أن خروج المني يوجب الغسل مطلقاً حتى ولو بدون شهوة وبأي سبب خرج، وهذا مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن أحمد، والمشهور خلافها، وقالت الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يجب الغسل إلا إذا خرج بدفق ولذة (٣)، والظاهر أنه إن كان بلذة فلا بد أن يكون دفقاً، ولهذا اقتصر صاحب «المنتهى» (٤) على اللذة ولم يذكر الدفق. ودليل ذلك حديث علي ﵁ قال: كنت رجلاً مذَّاءً فسألت النبي ﷺ فقال: «إذا خذفت الماء فاغتسل من الجنابة، وإن لم تكن خاذفاً فلا تغتسل»، وفي لفظ: «إذا فضخت الماء فاغتسل» (٥) والخذف والفضخ: خروجه بالغلبة،

стр. 430

وهو الدفق، وعلى هذا فوصفه بالدفق أقرب وأوفق، لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. وعليه فلو خرج بدون لذة لم يجب الغسل، بل يكون نجساً وليس منياً، ويحمل حديث: «إنما الماء من الماء» على الماء المعهود المعروف، وهو الذي يخرج بلذة ويوجب ضعف البدن وفتوره. الوجه السابع: الحديث دليل على أن المرأة تحتلم وتنزل المني، كما ينزل الرجل، والجنين يخلق من نطفتي الرجل والمرأة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، قال ابن عباس ﵄: يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة (١). الوجه الثامن: الحديث دليل على أن شَبَهَ الولد - ذكراً كان أو أنثى - بأبيه أو أمه مبني على سبق أحد المائين، فإذا سبق ماء أحدهما كان الشبه له، وهذا ما يسمى عند الأطباء بالوراثة (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 431

حكم الغسل من تغسيل الميت ١١٢/ ٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجمعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ المَيّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٣٤٨) في كتاب «الطهارة» باب «الغسل يوم الجمعة»، وفي كتاب «الجنائز» (٣١٦٠) بابٌ «في الغُسل من غَسْلِ الميت»، وابن خزيمة (٢٥٦) من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العَنَزِي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع … وهو عند أبي داود من فعله ﷺ ، كما ساقه الحافظ، وأما عند ابن خزيمة فهو من قوله، ولَفْظُهُ، قال: (يُغتسل من أربع: … ). وأخرجه الحاكم (١/ ٢٦٨) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وتعقب بأن البخاري لم يخرج لمصعب بن شيبة، ولذا قال ابن عبد الهادي: (على شرط مسلم) (١)، ومع أنه على شرط مسلم إلا أن مصعب بن شيبة متكلم فيه، فالجمهور على تضعيفه، وقد ذكره الذهبي في كتابه (من تُكُلِّم فيه وهو موثق) (٢)، ونقل عن الدارقطني قوله: (ليس بالقوي)، وقد وثقه ابن معين، كما في رواية إسحاق بن منصور (٣)، ووثقه العجلي (٤).

стр. 432

قال أبو داود عقبه في الموضع الثاني: (وحديث مصعب ضعيف؛ فيه خصال؛ ليس العمل عليه)، ونقله عنه المزي (١). وقال الدارقطني بعد سياقه الحديث: (مصعب بن شيبة ليس بالقوي ولا بالحافظ) (٢)، وقال الترمذي: قال البخاري: (حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك) (٣)، ونقل ابن أبي حاتم عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (مصعب بن شيبة روى أحاديث مناكير) (٤)، وقال سألت أبي عن مصعب بن شيبة فقال: (لا يحمدونه، وليس بالقوي) (٥)، ولما نقل الذهبي ذلك ساق هذا الحديث من مناكيره (٦)، ومن قبله العقيلي في «الضعفاء» (٧). وقال البيهقي: (أخرج مسلم في الصحيح حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ : عشر من الفطرة (٨)، وترك هذا الحديث فلم يخرجه؛ ولا أراه تركه إلا لطعن بعض الحفاظ فيه) (٩)، والظاهر أن الإمام مسلماً لم يلتفت إلى ما قيل في مصعب بن شيبة فهو ثقة عنده، فلذا أخرج له في الصحيح، وقد نقل العقيلي عن الإمام أحمد أنه عدَّ حديث «عشر من الفطرة» من مناكير مصعب هذا (١٠). ونقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة قوله في هذا الحديث: (لا يصح هذا، رواه مصعب بن شيبة، وليس بالقوي)، قلت لأبي زرعة: لم يُرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: (لا) (١١). ونقله ابن حجر في «النكت الظراف» ولم يتعقبه، مما يدل على إقراره به (١٢).

стр. 433

والحاصل من ذلك أن الحديث ضعيف، ضعفه من ذُكر، وضعفه - أيضاً - الإمام أحمد، وعلي بن المديني وقالا: (لا يصح في هذا الباب شيء)، وضعفه محمد بن يحيى الذهلي - كما نقله المنذري (١) ـ وابن عبد البر (٢)، وقد ذكره ابن دقيق العيد في (الإلمام) ونقل تصحيحه عن الحاكم، ونقل قول البيهقي أنه قال: (رواة هذا الحديث كلهم ثقات)، ثم قال: (قلت: وقد عُلّل، ومصعب بن شيبة راويه قد مُسّ أيضاً، وقد احتج به مسلم) (٣). ومما يؤيد ضعفه أنه قد ورد عن عائشة ﵂ خلافه، فقد ورد أنها سُئِلت: هل على الذي يغسل المتوفى غُسل؟ قالت: لا (٤). قال ابن عبد البر بعد سياقه أثر عائشة السابق: (فدل على بطلان حديث مصعب بن شيبة؛ لأنه لو صحّ عنها ما خالفته، ومن جهة النظر والاعتبار لا تجب طهارة على من لم يوجبها الله عليه في كتابه، ولا أوجبها رسوله من وجه يشهد به عليه، ولا اتفق العلماء على إيجابها … ) (٥). وقال ابن التركماني: (وقد صح عن عائشة ﵂ إنكار الغُسل من غَسْلِ الميت، فكيف ترويه عن النبي ﷺ وتنكره؟) (٦) ثم إن النبي ﷺ لم يثبت أنه غسّل ميتاً قط، فهذا يدل على ضعفه. الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الاغتسال من هذه الأمور الأربعة: الأول: الجنابة، والاغتسال منها واجب بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. الثاني: يوم الجمعة، والغسل فيه مستحب على قول الجمهور، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله ـ.

стр. 434

الثالث: الحجامة، والغسل من الحجامة سنة عند بعض العلماء، وقال به الشيخ عبد العزيز بن باز، والجمهور على عدم استحبابه، لعدم الدليل، وقد جاء عن الإمام أحمد أنه قال: (لا يغتسل من الحجامة، وليس يثبت عن النبي ﷺ (١)، وذلك لأنه دم خارج يشبه الرعاف. والحكمة من الغسل منها - والله أعلم، عند القائلين به - أن الحجامة تضعف البدن بخروج الدم الذي هو قوة الإنسان، فيكسل ويتعب وتضعف قوته، فإذا اغتسل عاد إليه نشاطه. الرابع: تغسيل الميت، والغسل من تغسيل الميت تقدم الكلام فيه في باب «نواقض الوضوء» عند حديث أبي هريرة ﵁، وهو الحديث العاشر، وذُكر هناك ترجيح القول بالاستحباب (٢)، والله أعلم.

стр. 435

حكم الغسل بعد الإسلام ١١٣/ ٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في قِصّة ثُمَامَة بْنِ أُثال، عِنْدَما أسلمَ وَأمَرَهُ النّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرّزَّاق، وَأَصْلهُ مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٩) ومن طريقه ابن خزيمة (١/ ١٢٥)، وابن حبان (٤/ ٤١)، وابن الجارود (١٥)، والبيهقي (١/ ١٧١)، قال: أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن ثُمامة الحنفي أُسر، فكان النبي ﷺ يغدو إليه، فيقول: ما عندك يا ثمامة، فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنَّ تَمُنَّ على شاكر، وإن ترد المال نُعْطِ منه ما شئت، وكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمرّ عليه النبي ﷺ يوماً، فأسلم، فحلّه، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ : «لقد حَسُنَ إسلام أخيكم». قال الألباني: (هذا سند صحيح على شرط الشيخين، وعبد الله بن عمر وإن كان ضعيفاً فقد تابعه عبيد الله بن عمر، وهو ثقة، روى له الشيخان) (١). وأصل الحديث عند البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤) من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: وذكر الحديث إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخل

стр. 436

قريب من المسجد فاغتسل .. الحديث، وسيأتي سياقه بتمامه إن شاء الله، وليس فيه الأمر بالغسل، وإنما الأمر بالغسل في لفظ عبد الرزاق، ولهذا ذكره الحافظ، وأشار إلى رواية الصحيحين. ولحديث الباب شاهد من حديث قيس بن عاصم ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ثمامة بن أُثال) بضم المثلثة وتخفيف الميم، وأثال: بضم الهمزة وتخفيف المثلثة وباللام، وهو ثمامة بن أُثال بن النعمان الحنفي، سيد أهل اليمامة، يقول أبو هريرة ﵁: بعث النبي ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد (٢)، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «ماذا عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي خير، يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم (٣) وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فَتُرِكَ حتى الغد، ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: «أطلقوا ثمامة» (٤)، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغضُ إلي من وجهك؛ فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إلي، والله ما

стр. 437

كان من دين أبغض إليَّ من دينك؛ فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغضُ إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ (١). وقد ذكر ابن إسحاق أن ثمامة ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمن، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة لكبيرهم، فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة فظنوه أنه هو الذي قتل كبيرهم وسلبه، فقتلوه ﵁، وذلك في سنة ثنتي عشرة من الهجرة (٢). الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم؛ لقوله في رواية عبد الرزاق: (فأمره أن يغتسل فاغتسل) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، أما في رواية الصحيحين فثبوت الغسل عن طريق الإقرار، وظاهر ذلك أنه سواء وجد من الكافر في كفره ما يوجب الغسل من حيض أو جنابة أم لا، وهذا قول في مذهب المالكية (٣)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤)، واختاره ابن المنذر، والخطابي، ورجحه الشوكاني (٥)، وعللوا أيضاً بأن الكافر لا يسلم غالباً من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم. والقول الثاني: أنه لا يجب عليه الغسل، إلا أن يكون وجد منه في حال كفره ما يوجب الغسل، فإن لم يوجد ذلك فالمستحب له أن يغتسل، وهذا

стр. 438

مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (١). القول الثالث: أنه لا يجب الغسل على الكافر بحال، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). ودليل القولين: ١ - أنه قد أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، ولو أمرهم لكان هذا مما تتوفر الهمم على نقله، ولو كان واجباً لما خُصّ بالأمر به بعضٌ دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب. ٢ - أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله … ) الحديث (٣)، ولو كان الغسل واجباً لأمرهم به؛ لأنه أول واجبات الإسلام. والأظهر - والله أعلم - أن الغسل من الإسلام ليس واجباً، وإنما هو مستحب، جمعاً بين الأدلة؛ والأحوط لمن أسلم أن يغتسل، والغسل ليس فيه مشقة، بل فيه فوائد كثيرة، والله تعالى أعلم.

стр. 439

حكم الغسل لصلاة الجمعة ١١٤/ ٧ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ الجُمعَةِ وَاجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلمٍ». أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ. ١١٥/ ٨ - وعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسّنُه الترْمِذِيّ. ساق الحافظ هنا حديثين: الأول ظاهره الوجوب، والثاني ظاهره الاستحباب، وفي الباب أحاديث أخرى في هذين الحكمين، لكن قصد الحافظ بذكرهما - والله أعلم - الإشارة إلى أن الغسل فيه قولان لأهل العلم، كما سيأتي إن شاء الله. والكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو سمرة بن جندب - بفتح الدال وضمها - بن هلال الفزاري؛ حليف الأنصار ﵁، قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، وكان غلاماً، فاستعرض النبي ﷺ ذات يوم غلمان الأنصار، فأجاز غلاماً في البعث، وردّ سمرة، فقال: يا رسول الله لقد أجزت هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته، فقال النبي ﷺ : «فصارعه»، قال: فصارعته فصرعته، فأجازني رسول الله ﷺ . له أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، روى عنه ابنه سليمان، وعمران بن حصين، والحسن البصري، والشعبي، وغيرهم، وكان يستخلفه زياد على الكوفة ستة أشهر، وعلى البصرة ستة أشهر، ولما مات زياد أمَّره معاوية على

стр. 440

البصرة، ثم عزله وبقي فيها إلى أن مات، سنة ثمان وخمسين ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث أبي سعيد، فقد أخرجه البخاري (٨٧٩) في كتاب «الجمعة» باب «فضل الغسل يوم الجمعة»، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٩)، وأحمد (١٨/ ١٢٥) كلهم من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعاً. وعزوه للترمذي وهمٌ من الحافظ، فإنه لم يخرجه الترمذي في جامعه. وأما حديث سمرة ﵁، فقد أخرجه أبو داود (٣٥٤) في كتاب «الطهارة» بابٌ «في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة»، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤)، وأحمد (٣٣/ ٣٠٨) كلهم من طريق قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة ﵁، به مرفوعاً. وهذا الطريق أحسن طرق الحديث، وله طرق أخرى ضعَّفها الحفاظ، وقد رواه عبد الرزاق (٥٣١١)، والبيهقي (١/ ٢٩٦) من طريق قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً. أما عزوه لابن ماجه فهو وهم من الحافظ، فإن الحديث عنده من رواية أنس ﵁ (٢) لا من رواية سمرة، وكذا عزاه في «التلخيص» لأصحاب السنن (٣)، أما في «فتح الباري» فقد عزاه لأصحاب السنن الثلاثة (٤)، والله أعلم. وهذا الحديث من رواية الحسن البصري عن سمرة وفي سماعه من سمرة خلاف على ثلاثة أقوال: الأول: أنه سمع منه مطلقاً، فحديثه محمول على الاتصال، وهذا مذهب علي بن المديني، والبخاري، والترمذي (٥)، فقد نقل الترمذي عن البخاري أنه

стр. 441

قال: (سماع الحسن من سمرة بن جندب صحيح)، وحكى عن علي بن عبد الله أنه قال مثل ذلك (١)، ورجح هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: (والقول بأنه سمع منه قول قوي؛ لأن سمرة مقيم في البصرة، ومات سنة ثمان وخمسين أو تسع وخمسين، والحسن مقيم في البصرة فيبعد جداً ألا يلقاه وألا يأخذ عنه إلا حديث العقيقة، مع حرص التابعين على لقاء الصحابة والأخذ عنهم … فهذا مما يؤيد قول من قال: إنه سمع منه مطلقاً). القول الثاني: أن الحسن لم يسمع من سمرة مطلقاً، وقالوا: هي كتاب لا سماع، وهو مذهب يحيى القطان وابن معين وابن حبان، قال الحافظ: وذلك لا يقتضي الانقطاع (٢)، وقَوَّى ذلك ابن القيم (٣). القول الثالث: أنه لم يسمع منه إلا حديثاً واحداً، وهو حديث العقيقة، وقد ذكر ذلك البخاري في «صحيحه» عن حبيب بن الشهيد قال: (أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة، فسألته: فقال: من سمرة بن جندب) (٤). وهذا قول النسائي والدارقطني والبزار، واختاره ابن عساكر، وادعى عبد الحق أنه هو الصحيح (٥). الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (غسل الجمعة واجب) إضافة الغسل ليوم الجمعة يحتمل أنه من إضافة الشيء إلى سببه أي: إن الصلاة سبب لوجوب الغسل .. ، أو أنه من إضافة الشيء إلى زمانه، أي: الغسل الذي يكون في يوم الجمعة، وبينهما فرق، فعلى الأول لا تحصل فضيلة الغسل إلا إذا اغتسل وقت الرواح للجمعة، وعلى الثاني يكون الغسل مراداً به يوم الجمعة، سواء كان قبلها أو بعدها، والأول أقرب، كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 442

قوله: (على كل محتلم) بضم الميم وسكون المهملة ثم تاء ولام وميم أي: بلغ سن الحُلُم - بضم الحاء واللام - والمراد به: البالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب. قوله: (فبها ونعمت) الضمير يعود على مقدر يفهم من السياق، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: من توضأ فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة؛ لأن فيها تيسيراً على الناس، فالوضوء رخصة، والسنة الغسل، وقال الزمخشري: (الباء متعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة أو الفعلة - يعني الوضوء - ينال الفضل، ونعمت: أي: نعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص بالمدح) (١). وسئل عنه الأصمعي فقال: (أظنه يريد: فبالسنة أخذ، وأضمر ذلك إن شاء الله)، وحكى ذلك الخطابي وقال: (وإنما ظهرت التاء في قوله: «ونعمت» التي هي علامة التأنيث، لإضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة) (٢). الوجه الرابع: حديث أبي سعيد ﵁ دليل ظاهر لمن قال بوجوب الغسل يوم الجمعة، وهم جماعة من الصحابة ﵃ كعمر وأبي هريرة وأبي سعيد وعمار وغيرهم، حكاه ابن المنذر، وهو قول الظاهرية، ورواية عن مالك، حكاها الخطابي (٣)، ورواية عن الإمام أحمد فيمن تلزمه الجمعة (٤). ومن أدلة القائلين بالوجوب: ١ - حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل» (٥).

стр. 443

٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن طاووساً قال لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: «اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنباً، وأصيبوا من الطيب»، قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري (١). ووجه الدلالة: أن قوله: «اغتسلوا» صيغة أمر، وهي تقتضي الوجوب. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده .. » الحديث (٢). ٤ - حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين - من أصحاب النبي ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضاً (٣)؟. ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ ترك الخطبة واشتغل بمعاتبة الداخل، وأنكر عليه ترك الغسل، ولو كان مباحاً لما فعل، وقد أقرّه الحاضرون على ذلك، وهم جمهور الصحابة، وهذا من أوضح الأدلة القاضية بأن الوجوب كان معلوماً عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على غير الوجوب لما حصلت المعاتبة، ولما عَوَّلَ الصحابي على الاعتذار. وأما الاستدلال بالحديث على استحباب الغسل - لأن عمر ﵁ لم يأمر الداخل بالخروج للغسل، كما قاله النووي وجماعة - فليس بناهض، إلا لو كان الغسل شرطاً في صحة الصلاة، ولأن مثل ذلك لا يجب على من رأى من شخص الإخلال بواجب من واجبات الشريعة، بل غاية ما كلفنا به الإنكار أ

стр. 444

على من ترك واجباً؛ وهذا ما فعله عمر ﵁، على أنه يحتمل أن يكون عثمان ﵁ قد اغتسل أول النهار، لما ثبت عن حمران مولاه أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء (١)، وإنما لم يعتذر لعمر بذلك كما اعتذر عن التأخير؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة. الوجه الخامس: حديث سمرة ﵁ دليل لمن قال: بأن الغسل يوم الجمعة مستحب، وليس بواجب، وهو قول جمهور الفقهاء من السلف والخلف، وهو القول الثاني في حكم الغسل يوم الجمعة. ووجه الدلالة: أن الحديث دلّ على اشتراك الغسل والوضوء في أصل الفضل، وعلى عدم تحتم الغسل. ومن الأدلة أيضاً حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم»، وفي رواية أخرى من طريق عروة عن عائشة قالت: كان الناس ينتابون إلى الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العِباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم - وهو عندي - فقال رسول الله ﷺ : «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» (٢). ووجه الدلالة: أن قوله: «لو اغتسلتم .. » يقتضي أن الغسل ليس بواجب؛ لأن تقديره: لكان أفضل وأكمل، ونحو هذا من العبارات. ومن الأدلة أيضاً حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصا فقد لغا» (٣). ووجه الدلالة: أن ذكر الوضوء وما معه من الأوصاف مرتباً عليه الثواب المقتضي للصحة دليل على أن الوضوء كافٍ، قال الحافظ: (إنه من أقوى ما

стр. 445

استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة) (١). هذان القولان في حكم الغسل يوم الجمعة: الأول: أنه واجب مطلقاً. والثاني: أنه مستحب، وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن القيم، وهو التفصيل بين من له رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه فيستحب له، ثم ذكر أن الأقوال الثلاثة لأصحاب أحمد (٢)، وقد أشار الحافظ إلى هذا القول (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). والقول بالوجوب قوي - فيما يظهر لي - لما يلي: أولاً: أن أدلة الوجوب أقوى إسناداً، وأصرح دلالة، فقد وردت تارة بصيغة الأمر، وتارة بأنه واجب، وتارة بأنه حق، والوجوب يثبت بأقل من ذلك، والرسول ﷺ أفصح الناس وأبينهم وأنصحهم، فلا يتكلم بلفظ يراد به غير ظاهره، وإن كان قد ينازع في الاستدلال بلفظ: (غُسل الجمعة واجب … ) على الوجوب، بناءً على أنه لم يرد استعمال لفظ (واجب) في نصوص الكتاب والسنة بالمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين، لكن نقول: إن تعدد الصيغ - كما تقدم - يقوي ذلك. ثانياً: أنه لا يعدل عن هذا الوجوب إلا بصارف قوي؛ لأن صرف اللفظ عن ظاهره إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحاً في الدلالة على هذا الظاهر، فحينئذ يُترك الظاهر، ويُعوّل على هذا المعارض الراجح. وأقوى ما عارضوا به أدلة الوجوب حديث سمرة، وعنه جوابان: الأول: أنه مختلف في صحته، فلا يقاوم سنده سند الأحاديث الدالة على الوجوب، وهي في الصحيحين.

стр. 446

الثاني: على فرض صحته على قول من يقول: إن الحسن سمع من سمرة فليس فيه ما يدل على أن الغسل ليس بواجب، وإنما فيه أن الوضوء نعم العمل، وأن الغسل أفضل، وهذا لا شك فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فهل يدل على أن الإيمان ليس فرضاً؟ (١). وأما حديث أبي هريرة ﵁: «من توضأ فأحسن الوضوء … »، فعنه جوابان: الأول: أنه ليس فيه نفي الغسل، بل يحتمل أن يكون ذِكْرُ الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء، فيكون مقيداً بأحاديث الغسل. الثاني: أنه ورد عند مسلم بلفظ: «من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم صلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» (٢). ثالثاً: ومما يؤيد الوجوب أن الأحاديث التي صرحت بوجوب غسل الجمعة فيها حكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، والواجب الأخذ بما تضمن الزيادة منها. والأحوط للمسلم ألا يدع الغسل يوم الجمعة متى تهيأت أسبابه، فإن الأحاديث اتفقت على فضله والترغيب فيه، وينبغي أن يؤخذ بالاعتبار الأدلة التي ورد وجوب الغسل فيها لعلة، وهي وجود رائحة كريهة مؤذية للحاضرين بل وللملائكة المكرمين. وعلى القول بوجوب الغسل فليس شرطاً في صحة الصلاة، قال الخطابي: (لم تختلف الأمة في أن صلاة من لم يغتسل مجزئة) (٣).

стр. 447

وقد ورد في كتاب «الرسالة» للشافعي قول بوجوب الغسل، وأنه لا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجنب غير الغسل (١). الوجه السادس: ظاهر قوله: (غسل يوم الجمعة) أن الغسل لليوم؛ للإضافة إليه، وهو قول الظاهرية، وبنوا على ذلك أن وقت الغسل يمتد عندهم من طلوع الفجر إلى أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله قبل غروب آخره، فمن اغتسل في هذا الوقت فقد أدرك الفضيلة وأدى الواجب (٢). وقال الجمهور من أهل العلم: إن الغسل للصلاة لا لليوم، لورود أدلة صريحة تؤيد ذلك، ومنها: حديث ابن عمر - المتقدم ـ: «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل»، وعند ابن خزيمة: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء»، فهذا نص صريح في أن الغسل للصلاة لا لليوم؛ لأنه إنما شرع للنظافة وإزالة الروائح الكريهة، وهذا يناسب الصلاة، ولأن الجمعة اختصَّت بشرائع ليست لغيرها من الصلوات. وأما حديث الباب الذي تمسكت به الظاهرية فلا يعني مطلق اليوم، وإنما المراد منه الصلاة؛ لأنها أعظم شعيرة تقام في هذا اليوم في جماعة في أكبر مساجد البلد، ومن مقتضاها النظافة؛ لكي لا يتأذى بعض المصلين ببعض، وهذا لا يتأتى بعد الصلاة لو قلنا بأنه يجزئ بعدها. ومن هنا شرطت المالكية اتصال الغسل بالرواح إلى الصلاة، لتتحقق الحكمة من مشروعيته، بحيث لو طال الأمد بينه وبين الصلاة فعليه الإعادة، إلا أنه لا يضر الفصل اليسير (٣)، وأما الجمهور فلم يشترطوا الاتصال بالرواح، لكنهم استحبوا تأخيره إلى الذهاب، لكي يتأتى المقصود منه على أحسن الوجوه، والله تعالى أعلم

стр. 448

حكم قراءة القرآن للجنب ١١٦/ ٩ - وعَنْ عَليّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكنْ جُنُباً. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهَذا لَفْظُ الترْمِذيّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٢٩) في كتاب «الطهارة» باب «في الجنب يقرأ القرآن»، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (١/ ١٤٤)، وابن ماجه (٥٩٤)، وأحمد (٢/ ٦١)، وابن حبان (٧٩٩) (٨٠٠) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمَة المرادي، قال: دخلت على عليّ ﵁ أنا ورجلان: رجل منا ورجل من بني أسد، أحْسِبُ (١)، فبعثهما علي ﵁ وجهاً، وقال: إنكما علجان (٢) فعالجا عن دينكما (٣)، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء، فأخذ منه حفنة فتمسح بها (٤) ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة، هذا لفظ أبي داود.

стр. 449

وهذا الحديث مداره على عبد الله بن سلِمة - بكسر اللام - المرادي الكوفي، وهو متكلم فيه، فقد وثقه ابن حبان (١)، والعجلي (٢)، ويعقوب بن شيبة (٣)، وضعفه الأكثرون، فقد ذكر الخطابي عن الإمام أحمد أنه كان يوهن حديث عليّ هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة (٤)، وأسنده عنه ابن عدي في «الكامل» من طريق أبي طالب قال: (قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد «لا يقرأ الجنب» غير شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي) (٥)، وقال الشافعي: (وأحبُّ للجنب والحائض أن يدعا القرآن احتياطاً، لما روي فيه، وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه) (٦) ووهَّنَه ابن المنذر (٧). وقال شعبة عن عمرو بن مرة: (سمعت عبد الله بن سلمة يحدثنا، وإنا لنعرف وننكر، وكان قد كبر)، نقله الذهبي (٨)، وهذا يدل على أن ابن سلمة وإن قيل: إنه ثقة فقد تغير حفظه في آخر عمره، وأن عمرو بن مرة إنما روى عنه في هذه الحالة، فهذا مما يوهن الحديث ويضعفه (٩). وقد مال الشيخ عبد العزيز بن باز إلى تأييد كلام الحافظ المتقدم، وقال: إنه حديث حسن تقوم به الحجة، وعبد الله بن سلمة صدوق وإن كان قد تغير بأخرة، لكن سياقه للحديث يدل على حفظه له، فإنه ساقه وذكر قصة عليّ مع الرجلين. وحكم الترمذي بصحته فقال: (حديث عليّ هذا حديث حسن صحيح) (١٠)، وكذا ابن السكن، وعبد الحق، والبغوي (١١).

стр. 450

وقال شعبة: (هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال: لا أدري أحسن منه عن عمرو بن مرة)، وقال الحافظ: (والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة) (١). وقد توبع عبد الله بن سلمة على معنى هذا الحديث، فقد ورد من طريق عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السِّمْط، عن أبي الغَريف، قال: أُتي علي ﵁ بوضوء فمضمض … ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية) (٢). وورد في الباب حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن» (٣). الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن الجنب لا يقرأ شيئاً من القرآن حتى يغتسل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، قالوا: وما ذكر في الباب وإن كان في بعضه مقال لكنه يقوي بعضه بعضاً، واستثنت المالكية

стр. 451

اليسير لنحو تَحَصُّنٍ، كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، وقالت الشافعية: يجوز ما كان بقصد الذكر لا بقصد القرآن، وقال أحمد: (يرخص للجنب أن يقرأ آية ونحوها) (١). والقول الثاني: أنه يجوز للجنب قراءة القرآن، وهو قول ابن حزم (٢)، وروى هذا عن ابن عباس ﵄، فقد ذكر البخاري أنه لا يرى بالقراءة للجنب بأساً (٣)، وهو قول سعيد بن المسيب، واختاره ابن المنذر (٤)، واستدلوا بدليلين: الأول: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه (٥)، قالوا: والقرآن ذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾، قال الحافظ ابن حجر: (الذكر أعمُّ من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فُرق بين الذكر والتلاوة بالعرف) (٦) وقد نازع بعض أهل العلم في هذا الاستدلال، لكن يرد عليه أن لفظ الذكر جاء على لسان الشرع، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية كما في الأصول (٧). الثاني: أن الأصل عدم التحريم حتى يرد الدليل الصحيح الناقل عن البراءة الأصلية، وأجابوا عن أحاديث الباب بأنها معلولة - كما تقدم - وعلى فرض تسليم الاستدلال بها فليس فيها نهي، وإنما هي حكاية فعل (٨). والقول بالجواز فيه وجاهة، لما علمت من كلام الأئمة على أحاديث المنع، ومعلوم تشدد الأئمة في الأحاديث التي يستدل بها في الحلال

стр. 452

والحرام، فأحاديث الباب غير ناهضة على المنع، فيكون الحكم باقياً على الأصل، ويؤيده ما تقدم عن ابن عباس ﵄، لكن الاحتياط الذي أبداه الإمام الشافعي وجيه جداً، لا سيما وأن الجنب يمكنه رفع الحدث غالباً. وأما الحائض فيجوز لها قراءة القرآن، لأن الأصل هو الجواز حتى يثبت الدليل الناقل، ولم يثبت في حكم قراءتها نص، وقياسها على الجنب لا يصح، لوجود الفارق، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (١)، ومن أهل العلم من قيد الجواز بالحاجة، كالأوراد، أو كونها معلمة أو نحو ذلك (٢) والأظهر الجواز مطلقاً، والله تعالى أعلم.

стр. 453

مشروعية الوضوء لمن عاود الجماع ١١٧/ ١٠ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَتى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثمّ أَرَادَ أَن يَعُودَ فَلْيَتَوَضّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً». رَوَاهُ مُسْلم. زَادَ الْحَاكِمُ: «فَإِنّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٣٠٨) في كتاب «الحيض» باب «جواز نوم الجنب، واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع» من طريق عاصم الأحول، قال: سمعت أبا المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ … فذكره. وأخرجه الحاكم (١/ ٢٥٤) بزيادة: «فإنه أنشط للعود»، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجاه إلى قوله: «فليتوضأ» فقط، ولم يذكرا فيه «فإنه أنشط للعود». وهذه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما)، وهذا فيه نظر، فقد ذكر ابن حبان أن المتفرد بهذه الزيادة مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، وليس شعبة، وقد رواه غيره عن شعبة بدونها (١)، وبهذا يتبين أن مسلماً أعرض عنها لهذه العلة. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا أتى أحدكم أهله)، أي: إذا جامع أهله.

стр. 454

قوله: (ثم أراد أن يعود)، أي: للجماع مرة أخرى. قوله: (فليتوضأ بينهما وضوءاً) مصدر مؤكد لعامله، وفائدته تأكيد أن المراد الوضوء الشرعي، وهو غسل الأعضاء الأربعة، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وقال الفقهاء وأكثر أهل العلم: إن المراد به غسل الفرج فقط، مبالغة في النظافة واجتناباً لاستدخال النجاسة (١). والأظهر - والله أعلم - أن المراد بذلك غسل الفرج، ثم الوضوء بغسل أعضائه الأربعة؛ لأن ذلك أكمل في الطهارة والنظافة، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : «توضأ واغسل ذكرك، ثم نَمْ» (٢). قوله: (فإنه أنشط للعود) جملة تعليلية، فيها بيان الحكمة من الأمر بالوضوء، وهي أن الوضوء يعطي الجسم قوةً، عوضاً عما حصل له من الضعف في الجماع الأول. الوجه الثالث: الحديث دليل على شرعية الوضوء لمن جامع أهله ثم أراد أن يعود إلى الجماع مرة أخرى، وظاهر الأمر الوجوب، وحكاه القرطبي عن بعض أهل الظاهر (٣)، وحكاه ابن حجر عن ابن حبيب المالكي أيضاً (٤). وحمله الجمهور على الاستحباب (٥)، ويدل لذلك حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ (٦). لكن ينبغي له ألا يعود إلا بعد الوضوء، وقد علل لذلك بأنه أنشط للعود، مع ما في ذلك من النظافة، أما الغسل فلا يلزم، كما سيأتي.

стр. 455

وعموم الحديث يفيد أنه سواء أكانت التي يريد العود إليها هي الموطوءة أو الزوجة الأخرى؛ ممن عنده أكثر من واحدة. أما الغسل فقد ثبت أنه ﷺ غشي نساءه ولم يحدث غسلاً بين الفعلين، وروي أنه اغتسل بعد غشيانه، عند كل واحدة، فالكل جائز، والأول أثبت. أما الأول: فقد ورد في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال - أي قتادة - قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، وقال سعيد عن قتادة إن أنساً حدثهم: تسع نسوة (١). أما الثاني: فقد ورد في حديث أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله ألا تجعله غسلاً واحداً؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر» (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 456

حكم نوم الجنب قبل أن يتوضأ ١١٨/ ١١ - وَلِلأرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلُولٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب في «الجنب يؤخر الغسل» (٢٢٨)، والترمذي (١١٨، ١١٩)، والنسائي في «الكبرى» (٨/ ٢١٢)، وابن ماجه (٥٨٣) من طريق أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٣٠٥) من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة). ورواه من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة بنحوه. وليس في هذا السياق قولها: (قبل أن يمس ماء)، ولهذا طعن الحفاظ - ومنهم الإمام مسلم (١) ـ في هذه الجملة من الحديث، وقالوا: إن أبا إسحاق السبيعي أخطأ فيها. وقال أبو داود (١/ ١٠٨) سمعت يزيد بن هارون يقول: (هذا الحديث وهم)، وقال الترمذي (١/ ١٣٦): (يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق). ونقل ابن عبد الهادي عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا الحديث ليس صحيحاً) (٢).

стр. 457

ووجه ذلك أن الثابت عنه ﷺ أنه كان لا ينام حتى يغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، كما في رواية مسلم. قال بعضهم: ويمكن حمله على أن الماء في قولها: «من غير أن يمس ماء» هو ماء الغسل، أما الوضوء فهو ثابت. أو يحمل الوضوء على الاستحباب، وتركه ﷺ له على الجواز (١)، والأول ذكره البيهقي، ونسبه لأبي العباس ابن سُريج، ثم قال: (وبه نأخذ) (٢)، والثاني قاله ابن قتيبة (٣). ويؤيد ذلك حديث ابن عمر ﵄ (أن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم إذا توضأ»)، وفي رواية: «نعم ليتوضأ، ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء» (٤). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للجنب أن ينام دون أن يتوضأ، لكن تبين أن الحديث معلول، وعلى هذا فالصواب أن يتوضأ، وعلى فرض صحته فهو محمول على أن المراد الغسل جمعاً بين الأدلة، فيكون الوضوء ثابتاً لدلالة السنة عليه قولاً وفعلاً، فالقول كما تقدم في حديث عمر ﵁، والفعل كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة (٥). الوجه الثالث: أخذت الظاهرية وابن حبيب من المالكية بحديث ابن عمر ﵄ المتقدم، وقالوا: يجب على الجنب أن يتوضأ قبل أن ينام، وهو

стр. 458

ظاهر كلام الإمام مالك في «المدونة» (١)؛ لأن الحديث جاء بصيغة الأمر وبصيغة الشرط. وذهبت الشافعية إلى كراهة ترك الوضوء وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة، واختاره ابن تيمية (٢)، وقالت: الحنفية: إن الوضوء أفضل (٣)، وقالت المالكية وابن حزم: يندب (٤). والقول باستحباب الوضوء هو الأظهر، بل هو سنة مؤكدة، لثبوت السنة القولية والفعلية، كما تقدم، والقول بوجوبه فيه وجاهة. أما الغسل فيجوز تأخيره إلى ما بعد الاستيقاظ، لحديث عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة ﵂ عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث، قلت: كيف كان يصنع في الجنابة أكان يغتسل قبل أن ينام، أم كان ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 459

صفة الغسل من الجنابة ١١٩/ ١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثمّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِل فَرْجَهُ، ثُمّ يَتَوَضَّأُ، ثمّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أُصُولِ الشَّعَرِ، ثمّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثمّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثمّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لمُسْلِمٍ. ١٢٠/ ١٣ - وَلَهمَا في حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: (ثُمّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ، فَغَسَلهُ بِشِمالِهِ، ثُمّ ضَرَبَ بهَا الأرْضَ، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَمَسَحَهَا بِالتّرابِ)، وَفِي آخِرِهِ: (ثُمّ أَتَيْتُهُ بِالمِنْدِيل) فَرَدّهُ، وَفِيهِ: (وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ). الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الغسل» وأولها باب «الوضوء قبل الغسل» (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. واللفظ لمسلم، إلا أن في سياقه (فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حَفَنَ على رأسه … ) الحديث. لكن غسل الرجلين تفرد به أبو معاوية عن هشام، عن سائر الرواة، وقد أشار إلى هذا مسلم في «صحيحه» وأعلها أبو الفضل الشهيد (١)، وله شاهد من

стр. 460

طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂. رواه أحمد (٤١/ ١٩٢)، وأبو داود الطيالسي (٣/ ٨١) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٧٤). والأكثرون على أن سماع حماد من عطاء كان قبل اختلاطه. أما حديث ميمونة، فقد أخرجه البخاري في «الغسل» في مواضع كثيرة وأولها الباب المذكور في حديث عائشة ﵂ (٢٤٩)، وأخرجه مسلم (٣١٧) من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني خالتي ميمونة .. ثم ساقه بتمامه. وقد أورده الحافظ من أجل الزيادات التي لم ترد في حديث عائشة ﵂، لكن الظاهر أن قولها: (ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله) مذكور في الحديث الأول، وهو حديث عائشة ﵂. وقوله: (وفي رواية: فمسحها بالتراب) أي: للبخاري، وعند مسلم: (ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً شديداً) والظاهر أنه ذكرها تفسيراً لرواية: (ثم ضرب بها الأرض). وقوله: (وفي آخره) أي: آخر حديث ميمونة، ولم يسق لفظه اكتفاء بحديث عائشة، وإنما انتقى منه بعض ما لم يرد في الحديث الأول، فقد جاء في آخره عند مسلم بلفظ: (ثم أتيته بالمنديل فرده)، وعند البخاري: (ثم أُتي بمنديل فلم ينفُض بها)، وفي لفظ: (فناولته ثوباً فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه). وقوله: (وفيه: وجعل ينفض بيده) هذا لفظ البخاري، وعند مسلم (وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه). الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قولها: (إذا اغتسل) أي: أراد الاغتسال، وهو من التعبير بالفعل عن إرادته، من باب المجاز المرسل، حيث أطلق المسبب وهو الاغتسال، وأراد السبب وهو الإرادة.
следующие страницы →