والمراد هنا: إما العموم، وإما الرجال الأقوياء المقاتلون ذوو الجَلَدِ والقوة على القتال، وليس المراد الهرمى الذين لا قوة لهم ولا رأي.
قوله: (واستبقوا شرخهم) بالشين المعجمة وسكون الراء بعدها خاء معجمة جمع شارخ، كركب وراكب، وصحب وصاحب، والمراد بهم: الصغار الذين لم يدركوا ولم يبلغوا الحلم (١)، قال البيهقي: (إذا كان المراد بالشرخ: الصغار والذرية، فالمراد بالشيوخ مقابلهم: الرجال البالغين) (٢)، وقال القاضي عياض: (شرخهم؛ أي: صبيانهم، وشرخ كل شيء أوله، فالصبيان أول الشباب) (٣).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرجال البالغين يُقتلون، وهذا أحد قولي الشافعية، واختيار ابن المنذر (٤)، كما استدلوا بعموم الأدلة في قتل المشركين، وعدم مجيء ما يخرجهم من هذا العموم، وحملوا حديث الباب على العموم في كل شيخ قاتل أو لم يقاتل.
وذهب الإِمام أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنهم لا يقتلون، وهذا روي عن أبي بكر الصديق ﵁ ومجاهد، وهو القول الثاني في مذهب الشافعية (٥)، واستدلوا بحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا … " (٦) الحديث، وحملوا حديث الباب على ما تقدم من أن المراد بهم: الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال، ومعونة عليه برأي أو تدبير، جمعًا بين
стр. 3957
الأدلة، والظاهر أن الخلاف فيمن لم يقاتل من الشيوخ، وأما من قاتل فلا خلاف في إباحة قتله كما قال ابن عبد البر وغيره.
وأما غير البالغين فإنهم لا يقتلون، ويكون هذا الحديث موافقًا لما تقدم من النهي عن قتل الصبيان، ويحتمل أن يراد بالشرخ من كان في أول الشباب، كما تقدم عن القاضي عياض، والنهي عن قتله لرجاء إسلامه، كما روي عن الإمام أحمد: أنه قال: (الشيخ لا يكاد يسلم، والشباب أقرب إلى الإِسلام) (١)، ويكون الحديث مخصوصًا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية. والله تعالى أعلم.
стр. 3958
ما جاء في المبارزة
١٢٨٣/ ١٨ - عَنْ عَليٍّ ﵁، أنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاه الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ مُطَوَّلًا.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (قتل أبي جهل) (٣٩٦٥) من طريق قيس بن عُباد، عن علي ﵁ أنه قال: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة) وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة -أو أبو عبيدة- بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
وأخرجه أبو داود (٢٦٦٥) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي ﵁ قال: تقدم -يعني: عتبة بن ربيعة- وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز؟ فانتدب له شابٌ من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة.
ورواه أحمد (٢/ ٢٥٩ - ٢٦١) بهذا الإسناد بأطول من هذا السياق.
والحديث إسناده صحيح، ورجال ثقات، قال الحافظ: (سماع إسرائيل
стр. 3959
من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده، وكان خصيصًا به) (١).
لكن اختلفت الروايات في تعيين المتحاذيين مع الاتفاق على هذه الأسماء، فقد جاء في "مغازي ابن إسحاق" أن عليًّا قتل الوليد، وحمزة قتل شيبة، وأن أبا عبيدة بارز عتبة، فالله أعلم (٢).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنهم) أي: المذكورين في سياق الحديث، وهم: علي وحمزة وعبيدة من المسلمين، وعتبة وشيبة والوليد من المشركين.
قوله: (تبارزوا) أي: برز كل قِرْنٍ إلى قرنه ليقتله، وصورة المبارزة أن يتقابل الجيشان، فيخرج منهما رجلان أو بضعة رجال قبل بدء القتال العام، فيقاتلوا، وبعد تمام قتالهم يزحف الصفان، ويبدأ القتال في عامة نقاط الجيش.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المبارزة، وأن للإمام أن يأذن لبعض جنده بمبارزة أقرانهم من المشركين، ومن أمره الإِمام بالمبارزة فليس له أن يتأخر عنها، والقول بجوازها مذهب الجمهور من أهل العلم، بل حُكي الإجماع، قال ابن قدامة: (لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ وبعده، ولم ينكره منكر، فكان ذلك إجماعًا) (٣). وهل يشترط إذن القائد للمعركة؟ قولان:
فذهب الأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد وابن قدامة إلى اشتراط إذن القائد (٤)، لحديث الباب، فإن الرسول ﷺ أذن للمذكورين؟ ولأن القائد أعلم بفرسانه وفرسان العدو.
وذهب مالك والشافعي وابن المنذر إلى أنه لا يشترط (٥)، واستدلوا
стр. 3960
بحديث أبي قتادة ﵁ أنه قال: بارزت رجلًا يوم حنين فقتلته (١). وليس فيه ما يدل على أنه استأذن النبي ﷺ .
والقول الأول أظهر؛ لقوة مأخذه؛ ولأن الخروج إلى الجهاد موكول إلى إذن الإِمام، فكذا توابعه وفروعه؛ ولأن الإنسان إذا برز إلى من لا يطيقه عرض نفسه للهلاك وكسر قلوب المسلمين؛ لتعلق قلوب الجيش به، أما ما ورد من الأدلة في هذا الباب فقد يدّعي كل فريق على الآخر أن دليله قضية عين لا عموم لها (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3961
ما جاء في حمل المؤمن الشجاع على العدو
١٢٨٤/ ١٩ - عَنْ أَبي أيوبَ ﵁ قَال: إِنما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ فِينَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، يَعْني: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، قَالهُ رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثلَاثةُ، وَصحَحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حبانَ والحاكمُ.
° الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] والترمذي (٢٩٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٢٧)، وابن حبان (٩/ ١١ - ١٠)، والحاكم (٢/ ٢٧٥) من طريق حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القُسطنطينية (١)، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل، فقال الناس: مَهْ، مَهْ، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه، وأظهر الإِسلام، قلنا: هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.
هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب)،
стр. 3962
وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، وأسلم بن يزيد أبو عمران التجيبي لم يخرج له الشيخان شيئًا، وهو ثقة.
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا بأس أن يحمل المؤمن الشجاع القوي على العدو لمقاصد حسنة من تشجيع المسلمين وإرهاب المشركين؛ ليحدث فيهم رجة نفسية واضطرابًا، أو ثغرة ينفذ منها المسلمون إلى قلب العدو، وهذا يسمى الانغماس في العدو، وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أنواعه، ثم قال: (فهذا كله جائز عنذ عامة علماء الإِسلام من أصل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ) (١). وهذا ضرب من الحماسة والشجاعة المندفعة التي يكتب الله بها للمتحمس الشهادة إذا ما قُتل، إذا خلصت نيته واستقام القصد، ومثل هذا لا يوسف بأنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، بناءً على ما قاله أبو أيوب ﵁؛ فإنه بين أن المراد بالإلقاء إلى التهلكة هو الإقامة في المال والأهل وترك الجهاد، وليس منه حمل الرجل الشجاع على العدو، فهذا ليس من التهلكة، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وغيرهما ﵄، فقد روى ابن جرير بسند صحيح عن مدرك بن عوف قال: إني لَعِنْدَ عمر فقلت: إني لي جارًا رمى بنفسه في الحرب، فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا (٢).
وروى -أيضًا- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله (٣).
وقد روى هذا ابن جرير بسنده عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁ (٤)،
стр. 3963
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا فساد الاستدلال بالآية على أن المراد حمل الرجل الشجاع على العدو (تأويل الآية على هذا غلط، ولهذا ما زال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتاول الآية على ذلك .. ثم ذكر ما تقدم عن عمر وأبي أيوب ﵄) (١).
وهذا قول الجمهور، قال ابن كثير: (والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، تدل على جواز المبارزة لمن عرف من نفسه بلاءً في الحرب وشدة وسطوة) (٢). أما إن كان إقدامه مجرد تهور فهذا ممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهن المسلمين وضعفهم (٣).
* الوجه الثالث: اختلف العلماء في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على أقوال كثيرة:
فالقول الأول: أن معناها: لا تتركوا النفقة في سبيل الله تعالى، بدلالة السياق: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وهذا قول حذيفة وابن عباس ﵄ وعكرمة وقتادة وآخرين، فقد روى البخاري بسنده عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (٤). والمراد: ترك النفقة في سبيل الله.
والقول الثاني: أن معناها لا تتركوا الجهاد في سبيل الله، وذلك بأن تقيموا في أموالكم وأهليكم، وتدعوا الجهاد، وهذا تفسير أبي أيوب ﵁، كما تقدم، وقد نصر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول في رسالة مستقلة.
وقد رجح الحافظ المعنى الأول لتصدير الآية بذكر النفقة، قال: (فهو المعتمد في نزولها) (٥).
وذهب آخرون، ومنهم الشوكاني إلى أن ما ورد في حديث أبي أيوب هو فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية؛ لأنها تتضمن النهي عن كل ما يصدق عليه
стр. 3964
أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا إنما يتم على رأي من يقول يحمل المشترك على جميع معانيه، وهي مسألة خلافية (١).
والذي يظهر -والله أعلم- أن سبب نزول الآية هو ما ذكره أبو أيوب ﵁ من كونهم همُّوا بالإقامة على الأموال وإصلاحها، وترك الجهاد مع رسول الله ﷺ ؛ لأن أبا أيوب قال: (إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار … ) فأخبر بسبب نزول الآية، ولم يتكلم فيها برأيه، وهذا من ثابت روايته عن النبي ﷺ ، وهو حجة يجب اتباعها (٢)، ولأنه بعد نزولها لم يزل أبو أيوب ﵁ شاخصًا يجاهد في سبيل الله حتى قُبض، ولو لم يفهم هذا من معنى الآية لم يبق في تلك البقاع حتى الموت (٣)، ثم إن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي آخرها قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فدلَّ ذلك على ما رواه أبو أيوب ﵁ من أن إمساك المال والبخل عن إنفاقه في سبيل الله والاشتغال به هو التهلكة (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 3965
حكم التحريق في بلاد العدو
١٢٨٥/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (حديث بني النضير) (٤٠٣١)، ومسلم (١٧٤٦) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄، وذكر الحديث، وتمامه: وفي البُويرة، فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (حرَّق رسول الله ﷺ ) أي: أمر أصحابه، وهذا من المجاز العقلي الذي علاقته السببية.
قوله: (بني النضير) هم قبيلة كبيرة من قبائل اليهود، كانوا في البويرة، تصغير بئر، وهي تقع في الجنوب من مسجد قباء، وهي التي قال فيها حسان:
وَهَانَ على سَراةِ بَني لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بالبُويرةِ مستطيرُ (١)
وكانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر على ما حكاه البخاري عن الزهري، عن عروة (٢).
стр. 3966
قوله: (وقطع) أي: وأمر أصحابه بقطع الأشجار، ولعلها الأشجار التي يصعب تحريقها لشدة خضرتها وكثرة الماء في عروقها.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز قطع النخل والأشجار وتحريقها في الحرب إذا كان في قطعها مصلحة من إضعاف اقتصاديات العدو أو كونه يتقي بها أو نحو ذلك من المقاصد. وقد روى ابن جرير عن جماعة من السلف أن بني النضير بعثوا إلى رسول الله ﷺ يقولون: إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والمعنى: أن ما قطعتم وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه، وفيه نكاية للعدو، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم (١).
واللِّينةُ: صنف من النخل، قيل: إنها غير العجوة والبرني، ونقل الفراء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كل شيء من النخل سوى العجوة هو اللين) (٢).
وقد ذكر ابن قدامة أن الشجر والزرع في بلاد العدو ثلاثة أقسام (٣):
١ - قسم تدعو الحاجة إلى إتلافه، كالذي يمنع من قتالهم أو يكون في الطريق إليهم أو يكونون هم يفعلون ذلك بنا، قال: (فهذا يجوز قطعه بغير خلاف نعلمه).
٢ - قسم يتضرر المسلمون بقطعه؛ لكونهم ينتفعون ببقائه أكلًا أو ظلًا أو علفًا لدوابهم، فهذا يحرم قطعه.
٣ - ما عداهما مما لا ضرر فيه على المسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه قولان:
стр. 3967
الأول: الجواز لحديث الباب، وهو رواية عن أحمد، وقول لمالك والشافعي وجماعة.
والقول الثاني: عدم الجواز لنهي أبي بكر ﵁ كما رواه مالك (١)، وهذا قول الأوزاعي والليث وأبي ثور (٢)، والأول أرجح؛ لقوة مأخذه، وأما نهي أبي بكر ﵁ فهو قول صحابي لا يعارض ما ثبت عن النبي ﷺ ، وحمله الطبري وآخرون على عدم المصلحة في قطعها، أو على الإرادة والقصد، بخلاف ما أصابوه حال القتال (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3968
تحريم الغلول
١٢٨٦/ ٢١ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَغُلُّوا فَإنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٧/ ٣٩١)، والنسائي في كتاب "قسم الفيء" (٧/ ١٣١)، والترمذي (١٥٦٤)، وابن ماجه (٢٨٥٢)، وابن حبان (١١/ ١٩٣ - ١٩٤) كلهم من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، عن سليمان بن موسى، عن مكحول الدمشقي، عن أبي سلَّام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: … وذكر الحديث.
بعضهم يذكره مطولًا وبعضهم يذكره مختصرًا.
وهذا الحديث حسنه الترمذي، وفيه عبد الرحمن بن الحارث، قال عنه ابن معين: (صالح)، وقال أبو حاتم: (شيخ)، وقال أحمد: (متروك)، وضعفه ابن المديني (١)، وقال الحافظ: (صدوق له أوهام)، وسليمان بن موسى وهو الأشدق، قال عنه البخاري: (عنده مناكير)، وقال أبو حاتم: (محله الصدق، في حديثه بعض الاضطراب .. )، وقال النسائي: (ليس بالقوي في الحديث) وقال ابن عدي: (هو فقيه راوٍ حدث عنه الثقات من الناس، وهو أحد علماء الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت
стр. 3969
صدوق) (١). وقال الحافظ: (صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل).
والحديث رواه أحمد (٣٧/ ٣٧١ - ٣٧٢) من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلَّام الأعرج، عن المقدام بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت … وذكر الحديث وفيه قصة، وفيه لفظ "البلوغ".
وسنده ضعيف، لضعف أبي بكر بن عبد الله، وتسمية الراوي عن عبادة بالمقدام بن معديكرب وهو الصحابي المعروف خطأ، والصواب أنه مقدام الرُّهاوي، فهو الذي يروي عن عبادة، كما في "تاريخ البخاري" (٢) و"الجرح والتعديل" (٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وهو حديث طويل، وفيه: "فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا".
رواه النسائي (٦/ ٢٦٢)، وأحمد (١١/ ٣٣٩ - ٣٤١) وسنده حسن، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند أحمد (١١/ ٦١٢) وغيره.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تغلوا) بضم الغين مضارع غل يَغُلُّ من باب قعد؛ أي: خان في المغنم وغيره (٤). سمي بذلك؛ لأن صاحبه يغسله في متاعه؛ أي: يخفيه.
قوله: (فإن الغلول ثار … ) جملة تعليلية لقصد التحذير وبيان عاقبة الغال، ومعنى (نار) أي: سبب لعذاب النار يوم القيامة.
قوله: (وعار) أي: خزي وفضيحة على صاحبه أمام المجاهدين وقائدهم، وقد يكون منه ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: "لا أُلفين أحدكم يوم القيامة
стр. 3970
على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك … " الحديث (١). فهذا فيه دليل على أن الغال يأتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بهذه الصفة الشنيعة. وأما (الشنار) في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فهو: العيب والعار، وقيل: العيب الذي فيه عار (٢).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الغلول وأنه من كبائر الذنوب، وهذا بالإجماع كما نقله النووي (٣)، والحديث له ما يؤيده من نصوص الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وعن زيد بن خالد ﵁ أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: "إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله" ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود، لا تساوي درهمين (٤).
* الوجه الرابع: نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن الغال من الغنيمة إذا تاب قبل القسمة فإنه يعيد ما غله (٥)، وأما إذا تاب بعد القسمة ففيه قولان:
الأول: أنه يدفع خمسه إلى الإِمام ويتصدق بالباقي، وهذا قول الحسن والزهري ومالك والأوزاعي والثوري والليث، ونصره ابن قدامة (٦)؛ لأن في التصدق به نفعًا لمن يصل إليه من المساكين، وما يحصل من أجر يصل إلى صاحبه، فيذهب به الإثم عن الغال.
والقول الثاني: أنه لا يتصدق به، وهذا قول الشافعي، فإنه قال: إن كان مَلَكَهُ فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال
стр. 3971
غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإِمام كالأموال الضائعة (١).
* الوجه الخامس: يلحق بالغلول من الغنيمة الغلول من بيت المال أو من الزكوات أو من أموال الدولة، فكل من أخذ منها شيئًا بطريق غير مشروع فهو غال، ويؤيد ذلك أمران:
الأول: أن علماء اللغة عمموا الغلول في المغنم وغيره كما تقدم.
الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم فإنه كان في خطاب العاملين على الصدقات، مما يدل على أن الغلول عام في كل شيء فيه حق للعباد، وهو مشترك بين الغال وغيره. والله تعالى أعلم.
стр. 3972
استحقاق القاتل سلب المقتول
١٢٨٧/ ٢٢ - عَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
١٢٨٨/ ٢٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ في -قِصَّةِ قَتْلِ أَبي جَهْلٍ- قَال: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيفَيهِما حَتى قَتَلَاهُ، ثُمّ انْصَرَفَا إلَى رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَال: "أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيفَيكُمَا؟ " قَالا: لَا، قَال: فَنَظَرَ فِيهِمَا فَقَال: "كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأولى: في تخريجهما:
أما حديث عوف بن مالك فقد رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، باب (في الإِمام يمنع القاتل السلب إن رأى) (٢٧١٩) من طريق صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مدديٌّ من أهل اليمن ليس معه إلَّا سيفه … وذكر حديثًا طويلًا، وفيه: فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخد من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى … وذكر تمام الحديث.
ورواه أبو داود (٢٧٢١) -أيضًا- بهذا الإسناد عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد، وزاد: (ولم يخمس السلب)، قال ابن عبد الهادي: (إسناده
стр. 3973
صحيح) وقال ابن الملقن: (إسناده جيد) (١).
وكان الأولى بالحافظ أن يذكر هذه الزيادة كما فعل ابن دقيق العيد في "الإلمام" وابن عبد الهادي في "المحرر"؛ لفائدتها، كما سيأتي.
ورواه مسلم (١٧٥٣)(٤٤) من طريق صفوان بن عمرو به مختصرًا.
وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فقد رواه البخاري في كتاب "فرض الخمس"، باب (من لم يخمِّس الأسلاب) (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢) من طريق يوسف بن الماجشُون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أَضْلَعَ (٢) منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عَمِّ هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده ليِّن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته … الحديث.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (بالسَّلَبِ) بالتحريك، ثياب المقتول وسلاحه ومركوبه من دابة وسيارة ودبابة وطائرة ونحو ذلك.
стр. 3974
قوله: (أبي جهل) هذه كنيته، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد سادات قريش وأبطالها في الجاهلية، يعد من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ ، وكان يقال له: أبو الحكم، فدعاه المسلمون أبا جهل، استمر على عناده وشركه وإيذاء المسلمين حتى كانت وقعة بدر فشهدها مع المشركين فكان من قتلاها (١).
قوله: (فابتدراه) أي: تسابقا إلى أبي جهل بسيفيهما، والضمير يعود على الغلامين من الأنصار المتقدم ذكرهما في قصة قتل أبي جهل وهما: معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وقد جاء هذا صريحًا عند البخاري ومسلم بعد سياق الحديث، فإن مسلمًا قال: والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وورد في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فقال: أأنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته، قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو رجل قتله قومه (٢).
وهذا يفيد أن الذي قتله معاذ ومعوِّذ ابنا عفراء، قال النووي: يحتمل أن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن الجموح، ثم جاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق فحزَّ رقبته (٣).
قوله: (لمعاذ بن عمرو بن الجموح) بفتح الجيم، صحابي جليل شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ بها، وشهد بدرًا، ولما ضرب أبا جهل بسيفه ضربة صارمة أطنت قدمه جاء عكرمة بن أبي جهل وضرب معاذًا على عاتقه، فطرح يده وبقيت معلقة بجلدة بجنبه، قال: وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها. حتى طرحتها. عاش ﵁ إلى أواخر خلافة عمر ﵁، وقيل: إلى خلافة
стр. 3975
عثمان ﵁ (١).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن سلب المقتول يكون لقاتله، سواء قاله قائد الجيش قبل القتال أو بعده، وهو قول الجمهور، وهذا من باب التشجيع على قتال الأعداء، وقد ذكر الفقهاء شروطًا لاستحقاق القاتل سلب المقتول، وهي أن يكون قَتَلَهُ حال الحرب، وأن يكون القاتل منهمكًا على القتال ومقبلًا عليه، وأن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم، وأن يكون فيه منعة وقوة (٢).
* الوجه الرابع: استدل بعض العلماء كأصحاب مالك وآخرين (٣)، بحديث عبد الرحمن بن عوف على أن للإمام أن يعطي السلب لمن شاء وأنه مفوض إلى رأيه؛ لأنه ﷺ أخبر أن ابني عفراء قتلا أبا جهل، ثم جعل سلبه لغيرهما.
وهذا الاستدل فيه نظر، والصواب أن السلب للقاتل، كما هو صريح الأدلة في هذا الباب، والرسول ﷺ أعطى السلب لمعاذ بن عمرو؛ لأنه رأى أثر ضربته بسيفه هي المؤثرة في قتله لعمقها فأعطاه السلب، وطيب قلوبهما بقوله: (كلاكما قتله) وإلا فالجناية القاتلة ضربة معاذ بن عمرو، ونسبة القتل إليهما مجازًا؛ أي: كلاكما أراد قتله، وقرينة المجاز إعطاء سلب المقتول لأحدهما، وقد يقال: هذا محل النزاع.
* الوجه الخامس: اختلف العلماء في تخميس السلب؛ بمعنى هل يقسم خمسة أقسام كالغنيمة أو أنه يدفع كله للقاتل؟ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن السلب لا يخمس مطلقًا، وهو قول أحمد، وابن المنذر، وابن جرير، وهو الأصح عند الشافعية (٤)، واستدلوا بعموم الأدلة في هذا
стр. 3976
الباب، ومنها حديث أبي قتادة: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه) فَمَلَّكَهُ إياه ولم يستثن منه شيئًا، ولفظة: (ولم يخمس السلب) نص صريح في نفي تخميسه؛ ولأنه لو اعتبر من خمس الخمس لاحتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، وعلى هذا القول تكون آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] مخصصة بهذه الأحاديث.
القول الثاني: أن السلب يخمس مطلقًا، وهذا قول مكحول، ومالك، والأوزاعي، وهو قول ضعيف للشافعي (١)، واستدلوا بعموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ … ﴾.
والقول الثالث: التفصيل، وهو إن استكثره الإِمام خَمَّسَهُ وإلا فلا، وهذا قول إسحاق (٢)، ودليله فعل عمر ﵁ مع البراء بن مالك حين بارز المرْزُبانَ فقتله فأخذ سلبه، فبلغ ثلاثين ألفًا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا كثيرًا، ولا أرانا إلا خامسيه (٣)، ومؤدى هذا القول أن تخميس السلب مرجعه إلى الإِمام، والله تعالى أعلم.
стр. 3977
حكم القتل بما يعم
١٢٨٩/ ٢٤ - عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
١٢٩٠/ ٢٥ - وَوَصَلَهُ العُقَيليّ بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَليٍّ ﵁.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو فقيه الشام أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الدمشقي، روى عن أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع وغيرهما، وروى عنه خلق كثير، منهم الزهري وربيعة الرأي وعطاء الخرساني، وكان من سبي كابل -من ثغور خراسان- وصار مولى لامرأة من قيس، وكان سِنْديًّا لا يفصح، وعتق بمصر، قال في "التقريب": (ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور)، مات سنة بضع عشرة ومائة (١).
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث مكحول فقد رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٢١)، والبيهقي (٩/ ٨٤) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن ثور، عن مكحول مرسلًا.
ورجاله ثقات، أخرج لهما الشيخان، غير ثور وهو ابن يزيد الكلاعي، فقد أخرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم شيئًا.
стр. 3978
وروى أبو داود -أيضًا- (٣٢٢) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٨٤) عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله ﷺ شهرًا. فقلت ليحيى: أفبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما نعرف هذا. وفي هذا المرسل نَفْيُ ما أثبته مكحول في المرسل قبله.
وأما الموصول من حديث علي ﵁ فقد رواه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٤٤) من طريق عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب أبي صادق، عن علي ﵁ قال: نصب رسول الله ﷺ المنجنيق على أهل الطائف.
وهذا سند ضعيف جدًّا؛ لأن عبد الله بن خراش تكلم فيه الأئمة، فقال البخاري: (منكر الحديث)، وقال أبو حاتم: (منكر الحديث ضعيف الحديث).
وقد ذكر العقيلي هذا الحديث في ترجمته مع أحاديث أخرى ثم قال: (كلها غير محفوظة، ولا يتابعه عليها إلا من هو دونه أو مثله) (١).
وحصار الطائف ثابت في "الصحيحين" وليس فيه ذكر الرمي بالمنجنيق.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (نصب المنجنيق) هو بفتح الميم والجيم وسكون النون الأولى، لفظ أعجمي عَرَّبه العرب، وهو آلة من آلات الحرب تقذف بها الحجارة إلى مسافة بعيدة.
قوله: (على أهل الطائف) أي: في حصار أهل الطائف، وذلك في شوال سنة ثمان، كما ذكر البخاري، وهذا قول جمهور أهل المغازي (٢).
والطائف مدينة معروفة، وحصار الطائف كان بعد هزيمة حنين وأوطاس؛ لأن ثقيفًا لجأت إلى حصونها بالطائف واعتصمت بها، فحاصرهم المسلمون خمس عشرة ليلة -على أحد الأقوال- ولم يتمكنوا من اقتحامها
стр. 3979
فانصرفوا عنها، وقصتهم في "الصحيحين" (١).
* الوجه الرابع: يستدل الفقهاء بما تقدم على أنه يجوز رمي الكفار بما يَعُمُّ إتلاف ذريتهم ونسائهم معهم؛ لأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ ولأن القتال به معتاد، فأشبه الرمي بالسهام، وهذا قول أحمد والشافعي وأصحاب الرأي والثوري والأوزاعي وابن المنذر (٢).
ويقاس عليه ما ظهر في هذا العصر مما هو أبلغ منه في القتل والإبادة والإتلاف من المدافع والطائرات ونحو ذلك، جعلها الله تعالى بأيدي المسلمين، والله تعالى أعلم.
стр. 3980
ما جاء في قتل الأسير بدون عرض الإِسلام عليه (١)
١٢٩١/ ٢٦ - عَنْ أنسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَال: "اقْتُلُوهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الجهاد"، باب (قتل الأسير وقتل الصَّبْر) (٣٠٤٤)، ومسلم (١٣٥٧) من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر … الحديث.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (وعلى رأسه المغفر) جملة حالية، الغرض منها بيان أنه ليس بِمُحْرِمٍ حين دخوله.
والمغفر: بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء زيادة في الدرع ليغطي الرأس كالقلنسوة، أو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة.
قوله: (جاءه رجل) مختلف في اسمه على أقوال ذكرها ابن الملقن، وجزم عدد من الشراح بأنه أبو برزة الأسلمي ﵁ (٢).
стр. 3981
قوله: (ابن خَطَلٍ) بالتحريك، واسمه عبد العزى، كما جزم بذلك ابن دقيق العيد وغيره (١)، وقيل غير ذلك، واسم خطل: عبد مناف من بني تميم، وخطل لقب له؛ لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر. أسلم ابن خطل، وتَسَمَّى عبد الله، وبعثه النبي ﷺ على الصدقة، فقتل مولى كان معه يخدمه، ثم ارتد مشركًا، واتخذ قينتين تغنيان بهجاء النبي ﷺ ، فلما فتح النبي ﷺ مكة، قال: "من دخل المسجد فهو آمن"، فانتهز ابن خطل هذه الفرصة ودخل المسجد، وتعلق بأستار الكعبة ليستجير بها، ولكن ذلك لم ينفعه؛ لشدة أذيته وطغيانه (٢).
قوله: (بأستار الكعبة) جمع ستر، وهو الثوب الذي تغطى به الكعبة، وقد ذكر المؤرخون أنها كانت تكسى من عهد إسماعيل فهو أول من كساها، وكانت كسوتها في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين من القباطي والحِبَرات، وأول من جعلها من الديباج معاوية على خلاف في ذلك كله، وكانت تكسى في الجاهلية وصدر الإِسلام يوم عاشوراء، ثم صارت تُكسى في أوقات أخرى (٣).
قوله: (فقال: اقتلوه) روى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة (٤).
والمشهور أن سبب قتله أن النبي ﷺ بعثه مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه فأمر مولاه بصنع الطعام، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه وقتله ثم ارتد، وكان له جاريتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ .
стр. 3982
قال الحافظ: وهو أصح ما ورد في تفسير قتله (١)، وقد جزم بذلك أبو داود في "سننه" (٢).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز دخول مكة بدون إحرام إذا كان الداخل غير مريدِ الحَجَّ ولا العمرة، وقد حكى ابن قدامة الإجماع على أن من جاوز الميقات وهو لا يريد دخول الحرم فإنه لا يلزمه الإحرام (٣)، كما أنه لا خلاف في أن مريد النسك يجب عليه الإحرام، وإنما الخلاف فيمن يريد دخول مكة لحاجة كتجارة أو زيارة، أو مكي قدم من سفره ونحو ذلك، والراجح أنه لا يلزمه الإحرام، وقد مضى بحث هذه المسألة في كتاب "الحج" (٤).
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز لبس المغفر ونحوه من السلاح حال الخوف من العدو وإرهابًا لهم، وهو من باب الأخذ بأسباب الوقاية وأنه لا ينافي التوكل على الله تعالى.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز رفع أخبار المجرمين إلى ولاة الأمور لينفذوا فيهم حكم الله، وأن هذا ليس من الغيبة أو النميمة؛ لما يترتب عليه من المصالح العظيمة (٥).
* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن من جاز قتله في الحرم لكونه تعاطى سبب القتل فإن تعلقه بأستار الكعبة لا يمنعه من ذلك.
* الوجه السابع: في الحديث دليل على عظم الكعبة وحرمتها في النفوس؛ لكون ابن خطل تعلق بأستارها مستجيرًا بها مع أنه كان كافرًا. والله تعالى أعلم.
стр. 3983
ما جاء في القتل صبرًا
١٢٩٢/ ٢٧ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ ﵀ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثةً صَبْرًا. أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأولى: في ترجمة الراوي:
وهو الإِمام المقرئ الفقيه أحد الأعلام الأثبات الثقات أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، الكوفي، روى عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعبد الله بن مغفل وأنس وغيرهم ﵃، وروى عنه خلق كثير، منهم عمرو بن دينار وأيوب السختياني والأعمش. روي عن حبيب بن ثابت أنه قال: قال لي سعيد بن جبير: (لأن أنشر علمي أحب إليّ من أن أذهب به إلى قبري)، قتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين ﵀ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الأثر رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٢٣) من طريق هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة وهي من قريش صبرًا: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط … قال أبو داود: قال شعبة: طعمة بن عدي مكان المطعم، وصوابه: طعيمة.
ورجاله ثقات، وإسناده صحيح إلى مرسله.
стр. 3984
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (قتل يوم بدر) أي: بعد نهاية المعركة وأخذ الأسارى.
قوله: (ثلاثة) أي: من الأسارى، تقدم ذكرهم.
قوله: (صبرًا) الصبر في الأصل معناه: الحبس، والقتل صبرًا: أن يحبس المقتول ويوثق ثم يرمى حتى يموت.
* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بجواز قتل الصبر، وقد روى الإِمام مسلم بسنده عن عبد الله بن مطيع، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة: "لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة" (١)، وذكر القاضي عياض أن هذا إعلام من النبي ﷺ بأنهم سيسلمون كلهم كما كان، وأنهم لا يرتدون كما ارتد غيرهم ممن حورب وقتل صبرا، ولم يرد أنهم لا يقتلون ظلمًا صبرًا وغير صبر، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3985
جواز فداء الأسير المسلم بالأسير الكافر
١٢٩٣/ ٢٨ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَى رَجُلَينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "السير عن رسول الله ﷺ "، باب (ما جاء في قتل الأسارى والفداء) (١٥٦٨)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٤٧)، من طريق سفيان بن عيينة، وأحمد (٣٣/ ٦١، ٩٥، ١١٣، ١٢٤) من طريق إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وسفيان، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين ﵁ قال: … فذكره.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، وعَمُّ أبي قلابة: هو أبو المهلب، واسمه: عبد الرحمن بن عمرو، ويقال: معاوية بن عمرو … ).
والحديث أصله عند مسلم (١٦٤١) من طريق إسماعيل وحماد وعبد الوهاب الثقفي ثلاثتهم عن أيوب، بهذا الإسناد عن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل .. وذكر الحديث، وفيه: ففُدي بالرجلين … وذكر تمامه.
ولعل الحافظ عدل إلى لفظ الترمذي لأنه أخصر أو لأنه أصرح.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه يجوز فداء الأسير المسلم
стр. 3986
بأسير أو أكثر من المشركين، وهذا يدل على عناية الإِسلام بالأسارى وحرصه على تخليصهم.
وقد ذكر الفقهاء أن المسلمين إذا أسروا أحدًا من أهل الحرب فإن الإِمام يخير فيهم بين أربعة أمور تخيير مصلحة واجتهاد في الأصلح لا تخيير شهوة: إما القتل، وإما استرقاقهم، وإما المنُّ عليهم بدون شيء، وإما الفداء بمال أو مسلم بأن يُطلق الأسير الكافر مقابل إطلاق رجل مسلم مأسور عند الكفار، كما في حديث عمران هذا، ولقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقال ﷺ في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم سألني هؤلاء النَّتْنَى لأطلقتهم له" (١). وقد مَنَّ النبي ﷺ على ثُمامة بن أُثَال (٢)، ومَنَّ على أبي العاص بن الرَّبيع (٣).
وأما القتل: فلأن النَّبِيّ ﷺ قتل رجال بني قريظة، كما حكم فيهم سعد بن معاذ ﵁ (٤)، وأما الرِّق، فلأنه يجوز إقرارهم بالجزية، فبالرق أولى؛ لأنه أبلغ في صَغَارِهِم، وقد تقدم استرقاق ذراري بني المصطلق.
وما تقدم من كون الإِمام مخيرًا هو الراجح في هذه المسألة، قال ابن قدامة: (لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين وبقاؤه ضرر عليهم، فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي
стр. 3987
في المسلمين، فالمنُّ عليه أصلح، ومنهم من يُنتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان، والإمام أعلم بالمصلحة، فينبغي أن يُفوض ذلك إليه) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3988
ما جاء في أن الحربي إذا أسلم قبل القدرة عليه فقد أحرز ماله
١٢٩٤/ ٢٩ - عَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةِ ﵁ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو صخر بن العيلة -بفتح العين- بن عبد الله بن ربيعة البجلي الأحمسي، كنيته أبو حازم، ذكر ابن عبد البر أن العيلة هي أمه، وقال: (العيلة في أسماء نساء قريش متكررة) ذكره ابن سعد في مسلمة الفتح، سكن الكوفة، وأخرج أبو داود حديثه، قال ابن السكن والبغوي: (ليس له غيره) (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الخراج والإمارة والفيء"، بابٌ (في إقطاع الأرضين) (٣٠٦٧) ومن طريقه البيهقي (٩/ ١١٤) من طريق الفريابي، ثنا أبان، وهو ابن عبد الله بن أبي حازم قال: حدثني عثمان بن أبي حازم، عن أبيه، عن جده صخر أن رسول الله ﷺ غزا ثقيفًا … وساق الحديث بطوله إلى أن قال: فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله، أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فأتاه فقال: "يا صحر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم، فادفع إلى القوم ماءهم … " الحديث.
وهذا الحديث رجاله موثقون؛ أي: قيل بتوثيقهم، أبان بن عبد الله بن
стр. 3989
أبي حازم مختلف فيه، فقد قال أحمد: (صدوق صالح الحديث)، ووثقه ابن معين، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن حبان: (كان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير)، وقال الذهبي: (كوفي له مناكير حسن الحديث) (١)، وقال في "التقريب": (صدوق في حفظه لين)، وقد تفرد أبان بن عبد الله بهذا الحديث، وما دام أنه مختلف فيه فمثله لا يحتمل تفرده لا سيما مع مقولة ابن حبان والذهبي.
وعثمان بن أبي حازم لم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، فقد ذكره في "الثقات" (٢)، وقد تفرد بالرواية عنه ابن أخيه أبان، وقال الحافظ: (مقبول)، ووالد عثمان مجهول الحال، فقد انفرد بالرواية عنه ابنه عثمان، وقال ابن القطان: (لا يعرف حاله، ولم يؤثر توثيقه عن أحد) (٣)، وقال الحافظ: (مستور)، ورواه أحمد (٣١/ ٧٠) عن وكيع، حدثنا أبان، حدثني عمومتي، عن جدهم صخر … الحديث، وعلى هذا فقد تكون رواية وكيع أرجح؛ لأنه أحفظ من الفريابي.
والحديث له شواهد، ومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى بشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله تعالى" (٤).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله، وظاهر قوله: (وأموالهم) أن الأموال تشمل المنقول وغير المنقول، فيكون المسلم طوعًا أحق بجميع أمواله، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم لا فرق عندهم بين أن يكون إسلامه في دار الإِسلام أو دار الكفر على ظاهر الدليل، وللفقهاء تفاصيل في ذلك (٥). والله تعالى أعلم.
стр. 3990
جواز المن على الأسير بدون فداء
١٢٩٥/ ٣٠ - عَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال في أُسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَني في هؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "فرض الخمس"، باب (ما منَّ النبي ﷺ على الأسارى من غير أن يخمِّس) (٣١٣٩) من طريق معمر، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ مرفوعًا.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في أسارى بدر) أي: من المشركين، وهو بضم الهمزة مقصور، جمع أسير، ويقال: أَسارى بفتحها، ويقال: أَسرى مثل قتلى وقتيل، والأسير مأخوذ من الأَسر والإسار وهو القِدُّ، -وهو السَّير المتخذ من جلدٍ غير مدبوغٍ-؛ لأنهم كانوا يشدون به الأسير، فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقِدِّ أسيرًا.
قوله: (لو كان المطعم حيًّا) لو هنا إما أن تكون بمعنى الخبر المحض بمعنى أن النبي ﷺ يخبر بأنه لو كان المطعم حيًّا ثم كلمه في هؤلاء النتنى لتركهم له، وقد تكون بمعنى التمني (١).
стр. 3991
قوله: (المطعم بن عدي) هو المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، رئيس بني نوفل في الجاهلية وقائدهم في حرب الفجار -بكسر الفاء وتخفيف الجيم- التي وقعت سنة ثلاث وثلاثين قبل الهجرة، وهو أحد المشركين الذين كانوا يدافعون عن رسول الله ﷺ في مكة، وهو الذي أجار رسول الله ﷺ لما انصرف عن أهل الطائف وعاد متوجهًا إلى مكة، وكان أحد الذين مزقوا صحيفة المقاطعة التي كتبتها قريش ضد رسول الله ﷺ ومن كان معه، مات المطعم كافرًا قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة (١).
قوله: (النتنى) جمع تكسير على وزن فَعْلَى، ومفرده نَتِنٌ مثل زَمِن وزمنى، أو نتين كجريح وجرحى، والمعنى: أنهم خبيثو النفوس بسبب شركهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
قوله: (لتركتهم له) أي: لأطلقت هؤلاء الأسارى بدون فداء من أجله مكافأة له على حسن صنيعه مع النبي ﷺ حيث ذب عنه المشركين، ودخل مكة في جواره لما رجع من الطائف (٢).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز المنّ على الأسير وإطلاقه بدون فداء لشفاعة رجل عظيم، والمنُّ على الأسير وإطلاقه هو أحد الأمور الأربعة التي يخير فيها الإِمام في موضوع الأسارى حسب المصلحة، كما تقدم.
والأسير الذي يخير فيه الإِمام بين هذه الأمور الأربعة هو الرجل من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية، أما عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقرون بالجزية، فيخير الإِمام فيهم بين القتل أو السنن أو المفاداة وأما استرقاقهم فهو موضع خلاف.
стр. 3992
وأما النساء والصبيان فيصيرون أرقاء للمسلمين بنفس السبي، ولا يجوز قتلهم لنهيه ﷺ عن قتل النساء والصبيان، كما تقدم.
* الوجه الرابع: استحباب الاعتراف بالفضل، ومكافأة من أسدى إليك معروفًا وإن كان كافرًا؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن المطعم بن عدي لو كان حيًّا وطلب من النبي ﷺ ترك الأسارى وإطلاقهم بغير فداء لَفَعَلَ مكافأة له على إحسانه.
والاعتراف بالفضل من أخلاق النبوة، وهو خلق جميل، وصفة عالية، لأنه اعتراف بالنعمة، وشكر للمنعم، وتشجيع لذوي الفضل أن يستمروا في فضلهم الذي يلقى الاعتراف من الآخرين، وهو دليل على حسن الخلق، وكمال الإيمان، وشرف النفس، وكرم الطبع، وهو من أسباب بقاء النعم وزيادتها.
وقد أمر الله تعالى بألا ننسى الفضل فيما بيننا، وأن ننسب الفضل إلى أهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ [االبقرة: ٢٣٧] قال ابن حبان: (الحر لا يكفر النعمة، ولا يتسخط المصيبة، بل عند النعم يشكر، وعند المصائب يصبر، ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع، أوشك ألا يشكر الكثير منه، والنعم لا تستجلب زيادتها، ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا، ولمن أسداها إليه) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3993
جواز وطء المرأة المسبية
١٢٩٦/ ٣١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرّجُوا، فَأنزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ الآية. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الرضاع"، باب (جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي) (١٤٥٦) من طريق صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوًا، فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا … الحديث. وتمامه: أي: فهنَّ لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سبايا) هذا جمع مفرده سبية كعطية وعطايا، قال ابن الأثير: (السَّبِيَّةُ: المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة) (١).
قوله: (يوم أوطاس) تقدم في آخر باب "العدة" أن غزوة أوطاس كانت بعد حنين سنة ثمان.
стр. 3994
قوله: (فتحرجوا) أي: ظنوا أن في وطئهن إثمًا وحرجًا؛ لكونهن متزوجات، فاجتنبوا وطأهن.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ذوات الأزواج، يقال: امرأة محصنة؛ أي: متزوجة، والإحصان له عدة معان، وهو بالرفع عطفًا على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: وحرمت عليكم المحصناتُ.
وقوله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: إلا ما ملكتم بالسبي من أرض الحرب فهن حلال لكم ولو كنَّ ذوات أزواج، كما تقدم.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أزواج الكفار إذا سباهن المسلمون وأزواجهن في دار الحرب فإنهن حلال للمسلمين، وينفسخ نكاحها من زوجها الكافر بمجرد سبيها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، قال القرطبي عن حديث الباب: (هذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت لسبب تحرج أصحاب رسول الله ﷺ عن وطء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله في جوابهم: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (١).
لكن لا يجوز وطؤها إلا بعد استبرائها، كما تقدم في آخر "العدة"، إما بوضع الحمل إن كانت حاملًا أو بحيضة واحدة.
* الوجه الرابع: ظاهر الحديث يدل على جواز وطء المسبية ولو قبل إسلامها، سواء أكانت كتابية أم وثنية، والآية المتقدمة عامة، وسبايا أوطاس كن وثنيات، ولم يرد أن النبي ﷺ عرض على سبايا أوطاس الإِسلام، ولا أخبر أصحابه بأنه لا توطأ مسبية حتى تسلم، ولو كان هذا شرطًا لبينه النبي ﷺ ؛ لأن هذا هو وقت البيان ولا سيما وفي المسلمين يوم حنين وغيره مَنْ هو حديث عهد بالإِسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإِسلام من جميع السبايا وهن في غاية الكثرة بعيد جدًّا.
стр. 3995
ويؤيد ذلك أنه ثبت بالسنة -كما تقدم في آخر "العدة"- أنه ﷺ باستبراء المسبية ولم يذكر الإِسلام، فدل على جواز وطء المسبية على أي دين كانت (١).
* الوجه الخامس: أخذ بعموم هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ جماعة من السلف فقالوا: إن بيع الأمة يكون طلاقًا لها من زوجها؛ لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع المسلمين، وقد رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبي بن كعب ﵁، وابن المسيب وآخرين.
وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واستدلوا بقصة بريرة المتقدمة في كتاب "النكاح" فإن عائشة ﵂ اشترتها ونجّزت عتقها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين البقاء وبين الفسخ فاختارت الفسخ، وتقدم هذا في "النكاح"، ولو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرها النبي ﷺ ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح وأن المراد من الآية الكريمة: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ المسبيات فقط، والله أعلم (٢).