قوله: (المطعم بن عدي) هو المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، رئيس بني نوفل في الجاهلية وقائدهم في حرب الفجار -بكسر الفاء وتخفيف الجيم- التي وقعت سنة ثلاث وثلاثين قبل الهجرة، وهو أحد المشركين الذين كانوا يدافعون عن رسول الله ﷺ في مكة، وهو الذي أجار رسول الله ﷺ لما انصرف عن أهل الطائف وعاد متوجهًا إلى مكة، وكان أحد الذين مزقوا صحيفة المقاطعة التي كتبتها قريش ضد رسول الله ﷺ ومن كان معه، مات المطعم كافرًا قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة (١).
قوله: (النتنى) جمع تكسير على وزن فَعْلَى، ومفرده نَتِنٌ مثل زَمِن وزمنى، أو نتين كجريح وجرحى، والمعنى: أنهم خبيثو النفوس بسبب شركهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
قوله: (لتركتهم له) أي: لأطلقت هؤلاء الأسارى بدون فداء من أجله مكافأة له على حسن صنيعه مع النبي ﷺ حيث ذب عنه المشركين، ودخل مكة في جواره لما رجع من الطائف (٢).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز المنّ على الأسير وإطلاقه بدون فداء لشفاعة رجل عظيم، والمنُّ على الأسير وإطلاقه هو أحد الأمور الأربعة التي يخير فيها الإِمام في موضوع الأسارى حسب المصلحة، كما تقدم.
والأسير الذي يخير فيه الإِمام بين هذه الأمور الأربعة هو الرجل من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية، أما عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقرون بالجزية، فيخير الإِمام فيهم بين القتل أو السنن أو المفاداة وأما استرقاقهم فهو موضع خلاف.
стр. 3992
وأما النساء والصبيان فيصيرون أرقاء للمسلمين بنفس السبي، ولا يجوز قتلهم لنهيه ﷺ عن قتل النساء والصبيان، كما تقدم.
* الوجه الرابع: استحباب الاعتراف بالفضل، ومكافأة من أسدى إليك معروفًا وإن كان كافرًا؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن المطعم بن عدي لو كان حيًّا وطلب من النبي ﷺ ترك الأسارى وإطلاقهم بغير فداء لَفَعَلَ مكافأة له على إحسانه.
والاعتراف بالفضل من أخلاق النبوة، وهو خلق جميل، وصفة عالية، لأنه اعتراف بالنعمة، وشكر للمنعم، وتشجيع لذوي الفضل أن يستمروا في فضلهم الذي يلقى الاعتراف من الآخرين، وهو دليل على حسن الخلق، وكمال الإيمان، وشرف النفس، وكرم الطبع، وهو من أسباب بقاء النعم وزيادتها.
وقد أمر الله تعالى بألا ننسى الفضل فيما بيننا، وأن ننسب الفضل إلى أهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ [االبقرة: ٢٣٧] قال ابن حبان: (الحر لا يكفر النعمة، ولا يتسخط المصيبة، بل عند النعم يشكر، وعند المصائب يصبر، ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع، أوشك ألا يشكر الكثير منه، والنعم لا تستجلب زيادتها، ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا، ولمن أسداها إليه) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 3993
جواز وطء المرأة المسبية
١٢٩٦/ ٣١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرّجُوا، فَأنزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ الآية. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الرضاع"، باب (جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي) (١٤٥٦) من طريق صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوًا، فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا … الحديث. وتمامه: أي: فهنَّ لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سبايا) هذا جمع مفرده سبية كعطية وعطايا، قال ابن الأثير: (السَّبِيَّةُ: المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة) (١).
قوله: (يوم أوطاس) تقدم في آخر باب "العدة" أن غزوة أوطاس كانت بعد حنين سنة ثمان.
стр. 3994
قوله: (فتحرجوا) أي: ظنوا أن في وطئهن إثمًا وحرجًا؛ لكونهن متزوجات، فاجتنبوا وطأهن.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ذوات الأزواج، يقال: امرأة محصنة؛ أي: متزوجة، والإحصان له عدة معان، وهو بالرفع عطفًا على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: وحرمت عليكم المحصناتُ.
وقوله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: إلا ما ملكتم بالسبي من أرض الحرب فهن حلال لكم ولو كنَّ ذوات أزواج، كما تقدم.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أزواج الكفار إذا سباهن المسلمون وأزواجهن في دار الحرب فإنهن حلال للمسلمين، وينفسخ نكاحها من زوجها الكافر بمجرد سبيها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، قال القرطبي عن حديث الباب: (هذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت لسبب تحرج أصحاب رسول الله ﷺ عن وطء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله في جوابهم: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (١).
لكن لا يجوز وطؤها إلا بعد استبرائها، كما تقدم في آخر "العدة"، إما بوضع الحمل إن كانت حاملًا أو بحيضة واحدة.
* الوجه الرابع: ظاهر الحديث يدل على جواز وطء المسبية ولو قبل إسلامها، سواء أكانت كتابية أم وثنية، والآية المتقدمة عامة، وسبايا أوطاس كن وثنيات، ولم يرد أن النبي ﷺ عرض على سبايا أوطاس الإِسلام، ولا أخبر أصحابه بأنه لا توطأ مسبية حتى تسلم، ولو كان هذا شرطًا لبينه النبي ﷺ ؛ لأن هذا هو وقت البيان ولا سيما وفي المسلمين يوم حنين وغيره مَنْ هو حديث عهد بالإِسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإِسلام من جميع السبايا وهن في غاية الكثرة بعيد جدًّا.
стр. 3995
ويؤيد ذلك أنه ثبت بالسنة -كما تقدم في آخر "العدة"- أنه ﷺ باستبراء المسبية ولم يذكر الإِسلام، فدل على جواز وطء المسبية على أي دين كانت (١).
* الوجه الخامس: أخذ بعموم هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ جماعة من السلف فقالوا: إن بيع الأمة يكون طلاقًا لها من زوجها؛ لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع المسلمين، وقد رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبي بن كعب ﵁، وابن المسيب وآخرين.
وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واستدلوا بقصة بريرة المتقدمة في كتاب "النكاح" فإن عائشة ﵂ اشترتها ونجّزت عتقها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين البقاء وبين الفسخ فاختارت الفسخ، وتقدم هذا في "النكاح"، ولو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرها النبي ﷺ ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح وأن المراد من الآية الكريمة: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ المسبيات فقط، والله أعلم (٢).
стр. 3996
ما جاء في تنفيل السرية
١٢٩٧/ ٣٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سريةً وَأنا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُم اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "فرض الخُمس"، باب (ومن الدليل على أن الخُمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي ﷺ … ) (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سرية) تقدم معناها في حديث بريدة ﵁ -أول "الجهاد"، والمشهور عند أهل المغازي أن بعث هذه السرية كان قبل التوجه إلى فتح مكة، أما البخاري فقد ذكرها بعد غزوة الطائف، ومعلوم أن غزوة الطائف في شوال سنة ثمان (١).
قوله: (وأنا فيهم) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (وكنت فيهم).
قوله: (قِبَلَ نجد) بكسر القاف؛ أي: جهة نجد، وهذا لفظ "الصحيحين"، وفي رواية لمسلم: (إلى نجد)، ونجد: هي قلب جزيرة العرب، قال الجوهري: (كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد) (٢).
стр. 3997
قوله: (سُهمانُهم) بالضم جمع سهم، وهو النصيب؛ أي: أنصباؤهم، والمراد أن نصيب كل واحد منهم بلغ هذا العدد، بدليل رواية أبي داود من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ وفيه: (وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرًا ثني عشر بعيرًا … الحديث) (١).
قوله: (ونُفلوا) بضم أوله مبني لما لم يسم فاعله، من التنفيل، والنفل: أن يعطى المغازي شيئًا زائدًا على نصيبه من الغنيمة، وقد جاء في رواية عند مسلم: (ونفلوا سوى ذلك بعيرًا، فلم يغيره رسول الله ﷺ )، وفي رواية أبي داود من طريق ابن إسحاق: (فنفلنا أميرنا) (٢). وفي رواية عند مسلم -أيضًا- من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع بلفظ: (ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا) ويجمع بينهما بأن أمير السرية نفلهم فأجازه رسول الله ﷺ وأمضاه، فجازت نسبته إلى كل منهما. وقد زعم النووي أن المُنَفَّلِينَ في هذه السرية هم بعض المجاهدين لا كلهم (٣)، ورد هذا ابن العراقي بأن هذا خلاف ظاهر الحديث؛ لأن ظاهره أن كل واحد من السرية نُفِّلَ، وسببه زيادة عنائه ونفعه بانفراده عن بقية الجيش بتلك السفرة والمشقة (٤).
قوله: (بعيرًا بعيرًا) الأول مفعولٌ ثانٍ، والثاني للتقسيم؛ أي: كل واحد نُفِّلَ بعيرًا، ويجوز إعرابهما حالًا جامدة مؤولة بالمشتق أي: متساوين، مثل: ادخلوا رجلًا رجلًا أي: مترتبين. وقد جاء في رواية مسلم: "ونفلوا سوى ذلك بعيرًا" وفي رواية: "ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا".
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية بعث السرايا في الجهاد لإضعاف العدو واستنزاف قوته وعدته وإرهابه.
* الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذه السرية لم تكن قطعة من جيش كبير، بل هم جماعة خرجوا لهذه المهمة منفردين، وبهذا قال
стр. 3998
ابن العراقي (١)، لكن ظاهر رواية أبي داود المتقدمة أن تلك السرية كانت قطعة من الجيش، ورواية مالك أرجح من رواية شعيب بن أبي حمزة؛ لأن شعيبًا دونه في الحفظ. وهذا يدل على أن السرية التي لم ترتبط بجيش تنفرد بجميع ما غنمته، لقوله: "فبلغت سهماننا لني عشر بعيرًا"، أما إذا انفردت السرية من الجيش لمصلحة واتجهت إلى جهة ما، ثم غنمت، فإن سائر الجيش يشاركونها، فيما غنمت؛ لأن كل واحد منهما ردء لصاحبه.
وقد جزم القرطبي مستندًا لرواية أبي داود المتقدمة بأن هذه السرية خرجت من الجيش وأن الغنائم قسمت بين الجيش والسرية، ثم زيد أهل السرية بعيرًا بعيرًا (٢).
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على مشروعية التنفيل، وذلك بتخصيص من له أثر في الحرب بشيء من المال زيادة على نصيبه من الغنيمة بالقدر الذي رآه الإِمام؛ تقديرًا لجهادهم وإخلاصهم وتشجيعًا لهم ولغيرهم على الجهاد، وإثبات النفل أمر مجمع عليه، وإنما اختلف في محله هل هو من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس؟ سيأتي هذا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم.
стр. 3999
صفة قسم الغنيمة
١٢٩٨/ ٣٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَينِ وَلِلرّاجِلِ سَهْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. ولِأَبِي دَاودَ: أسْهمَ لِرَجُلٍ ولِفَرَسِهِ بثَلَاثةِ أَسْهُمٍ: سَهْمَينِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (غزوة خيبر) (٤٢٢٨)، ومسلم (١٧٦٢) من طريق عبيد الله بن عمر، حدثنا نافع، عن ابن عمر ﵄.
وهذا لفظ البخاري وزاد: قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم.
ورواه أبو داود (٢٧٣٣) بهذا الإسناد، ولفظه: "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه". ولعل الحافظ ذكر رواية أبي داود؛ لأنها مفسرة لما قبلها ومبينة للمراد.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (للفرس سهمين) أي: إن النبي ﷺ قسم للفرس سهمين زيادة على سهم صاحبه، فيكون للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، بدليل تفسير نافع ورواية أبي داود.
قوله: (وللراجل سهمًا) الراجل: هو الماشي على رجليه، ويطلق على خلاف الفارس، وجمعه رجال، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] ويجمع على رجَّالة بالتشديد.
стр. 4000
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الفارس المقاتل على فرسه يستحق ثلاثة أسهم: سهمان من أجل فرسه، وسهم من أجله، وهذه صفة قسمة الغنيمة بعد إخراج الخمس.
وأما المقاتل من المشاة فليس له إلا سهم واحد، والحكمة في إعطاء الفرس سهمين الترغيب في اتخاذ الخيل للغزو والعناية بها؛ لما في ذلك من إعظام الشوكة وإعلاء كلمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فأمر الله تعالى بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها، ثم خص رباط الخيل وهي التي تربط في سبيل الله؛ لأنها الوسيلة البارزة وقت نزول القرآن، وعطفها على القوة من عطف الخاص على العام لبيان فضلها، والتعبير برباط الخيل يراد به كل ما يرابط في الثغور وحدود البلاد حسب حاجة كل عصر.
* الوجه الرابع: يفهم من الحديث ومن تاريخ الغزوات أنه لا شيء لغير الخيل من البهائم، كفيلٍ، وبغل، وبعير ونحوها، ولو عظم غناؤها وقامت مقام الخيل؛ لأنه ﷺ لم يسهم لها، وكذا أصحابه ﵃، ولا خلاف في ذلك، مع أنه لم تخل غزوة منها، وذلك لأن صاحبها لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة؛ ولأن غير الخيل لا يلحق بها في التأثير في الحرب، ولا يصلح للكر والفر، لكن ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أن قياس الأصول أن يُرضخ لها، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان (١).
ثم إن الاعتبار في الإسهام أو الرضخ بحال الحرب ونشوب المعركة، فلو دخل الحرب فارسًا، ثم حضر الوقعة راجلًا حتى فرغت الحرب لموت فرسه أو شروده أو مرضه فله سهم راجل ولو صار فارسًا بعد الوقعة، اعتبارًا بحال شهودها، ولو دخل دار الحرب راجلًا ثم ملك فرسًا أو استعاره وشهد به الوقعة فله سهم فارس ولو صار بعد الوقعة راجلًا؛ لأن الفرس حيوان يُسهم له، فاعتبر وجوده حالة القتال، فيسهم له مع الوجود، ولا يسهم مع العدم، كالآدمي. والله تعالى أعلم.
стр. 4001
ما جاء في أنه لا نَفَلَ إلا بعد الخُمُسِ
١٢٩٩/ ٣٤ - عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا نَفَلَ إلا بَعْدَ الْخُمُسِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الطَّحَاويُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو يزيد معن بن يزيد بن الأخنس السلمي المدني الكوفي ثم المصري، ثم الشامي، له ولأبيه ولجده صحبة، وقد روى البخاري بسنده عن معن بن يزيد ﵄ قال: بايعت رسول الله عمرو أنا وأبي وجدي، وخطب عليَّ فأنكحني، وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيت بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن" (١). روى عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه أبو الجويرية -حِطَّان بن خُفاف الجرمي- وسهيل بن ذراع، وعتبة بن رافع، شهد فتح دمشق، وكان له مكان عند عمر ﵁، قتل في وقعة مَرْج راهط (٢) مع الضحاك بن قيس الفهري، وذلك سنة أربع وستين (٣) ﵁.
стр. 4002
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ١٩٤)، وأبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم) (٢٧٥٤)، والطحاوي في في شرح معاني الآثار" (٣/ ٢٤٢) من طريق أبي عوانة قال: حدثنا عاصم بن كليب قال: حدثني أبو الجويرية قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمارة معاوية في أرض الروم قال: وعلينا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من بني سلمة يقال له: معن بن يزيد، قال: فأتيته بها لقسمها بين المسلمين، فأعطاني مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ ورأيته يفعله -سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخُمُس"- إذًا لأعطيتك، قال: ثم أخذ فعرض عليَّ نصيبه، فأبيت عليه، قلت: ما أنا بأحق به منك، وهذا السياق لأحمد.
وأما تصحيح الطحاوي -الذي ذكر الحافظ هنا- فلم أجده في "شرح المعاني" إلا إن كان الحافظ استفاده من سياق الطحاوي للحديث مستدلًا به، فالله أعلم.
ورواه أبو داود (٢٧٥٣) من طريق أبي إسحاق الفزاري، والخطيب في في تاريخه" (٥/ ١٥٠) من طريق أبي حمزة كلاهما، عن عاصم بن كليب به، وهذا الحديث سنده صحيح، صححه ابن عبد الهادي (١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا نفل) بفتح النون وسكون الفاء، ويجوز فتحها، تقدم معناه.
قوله: (إلا بعد الخمس) أي: خمس الغنيمة، والمعنى: أنه لا يزاد المغازي على سهمه من الغنيمة إلا بعد إخراج الخمس من الغنيمة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فيخرج خمس الغنيمة، ويقسم خمسه أسهم: لله ورسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والباقي أربعة أخماس تقسم بين الغانمين، للراجل
стр. 4003
سهم، وللفارس ثلاثة، كما تقدم، والتنفيل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا قول الجمهور (١).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النفل إنما يكون من الغنيمة التي يقاتل عليها؛ لأنه من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين بعد إخراج الخمس، وهذا المال الذي وجده أبو الجويرية ليس بغنيمة أخذ بعنوة وقتال، وإنما هو فيء أُخِذَ من مال الكفار بغير حرب، والفيء ليس فيه الخمس، وما لا خمس فيه فلا نفل فيه، ثم إن النفل إنما يكون بعد القتال، فيكون المانع من التنفيل عدم ثبوت الخمس في هذا المال.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن ما وجد في أرض الكفار من الركاز يكون غنيمة إذا كان آخِذُهُ إنما قدر عليه بجماعة المسلمين، فيقسم عليهم كأموال الكفار الظاهرة؛ ولأنه مال مشرك مظهور عليه بقوة جيش المسلمين فكان غنيمة. أما لو وجده في موضع يقدر عليه بنفسه فهو كما لو وجده في دار الإِسلام، فيه الخمس، وباقيه له (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4004
بيان المقدار الذي يجوز التنفيل إليه
١٣٠٠/ ٣٥ - عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ قَال: شَهدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ في الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبّانَ وَالْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الرحمن حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري، نزل الشام، قال البخاري: (له صحبة) روى له أبو داود وغيره، قال الذهبي: (له رواية يسيرة)، وجاء له ذكر في "صحيح البخاري" في قصة الحكمين.
جاهد في خلافة أبي بكر ﵁، وشهد اليرموك أميرًا، وسكن دمشق، وكان يقال له: حبيب الروم؛ لكثرة جهاده فيهم، قال ابن سعد: (لم يزل مع معاوية في حروبه، ووجهه إلى إرمينية (١) واليًا عليها، فمات بها سنة اثنتين وأربعين، ولم يبلغ الخمسين) (٢) ﵁.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (فيمن قال: الخمس قبل النفل) (٢٧٥٠)، وابن الجارود (١٠٧٩)، وابن حبان (١١ /
стр. 4005
١٦٥)، والحاكم (٢/ ١٣٣) من طريق مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة ﵁.
والحديث جاء عند أبي داود والحاكم مطولًا وفيه قصة، وجاء عند ابن الجارود وابن حبان مختصرًا بمثل لفظ: "البلوغ".
قال الحاكم: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وسكت عنه الذهبي، وهذا الحديث رجاله ثقات إلا زياد بن جارية فهو مختلف فيه، قال عنه أبو حاتم: (شيخ مجهول) (١)، وقال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: زياد بن جارية مشهور، وقد أخطأ من قال: يزيد بن جارية) (٢). وقال النسائي: (ثقة)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، بل ذكره ابن أبي عاصم وأبو نعيم في الصحابة (٤)، فالظاهر تحسين حديثه، لا سيما وأنه من الطبقة المتقدمة جدًّا، فهذا شُكَّ في صحبته فلن يشك في أنه من كبار التابعين الذين تتلمذوا للصحابة ﵃ (٥).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (نفل الربع) بتشديد الفاء؛ أي: أعطى ربع الغنيمة نفلًا بعد الخمس، فأخذ الخمس أولًا عن تمام الغنيمة، كما تقدم، ثم أعطى الربع مما بقي من الأخماس الأربعة، ثم قسم البقية بين الغانمين.
قوله: (في البدأة) بفتح الباء وسكون الدال؛ أي: في ابتداء السفر للغزو حين يكون العسكر مقبلًا إلى أرض العدو، فيعطيهم الربع على ما تقدم.
قوله: (والثلث في الرجعة) أي: وأعطى ثلث الغنيمة للغزاة حين رجوعهم من أرض المعركة وعودتهم إلى أوطانهم، فيكون المراد بالبدأة السفر
стр. 4006
للجهاد، والرجعة القفول، وهذا تفسير ابن المنذر، ونقله عنه الخطابي ثم قال: (كلام ابن المنذر في هذا ليس بالبين؛ لأن فحواه يوهم أن معنى الرجعة هو القفول إلى أوطانهم، وليس هو معنى الحديث).
ثم بين معنى الحديث وأن المراد بالبدأة نهوض السرية من جملة العسكر إلى جهةٍ ما، فتوقع بالعدو وتغنم، فما غنموا كان لهم منه الربع بعد الخمس، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغَزاة ثم رجعوا فأوقعوا في العدو ثانية كان لهم الثلث. قال الصنعاني: (وما قاله الخطابي هو الأقرب) (١)، وهو قول أبي عبيد (٢)، وعليه مشى الشيخ عبد العزيز بن باز في تفسير الحديث.
ولعل سر هذا التفريق -والله أعلم- أنهم في البدأة ظهورهم محمية بالجيش؛ لأنه وراءهم، فهم يغيرون على العدو بقوة الجيش، فصار تعبهم أهون، والخطر عليهم أقل، بخلاف الرجعة فإن نهوضهم أشق، والخطر فيه أعظم؛ لكون الجيش منصرفًا عنهم. وهذا أحد أقسام النفل في الغزو (٣).
وتفسير ابن المنذر له حظ من النظر؛ لأنه أَخْذٌ بظاهر اللفظ، ولأنهم قد يقاتلون وهم راجعون إلى ديارهم، فأُعطوا الثلث في القفول لضعفهم وضعف دوابهم، ورغبتهم في الرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم، لطول عهدهم بهم.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز التنفيل من الغنيمة، وقد تقدم أن التنفيل يكون بعد إخراج الخمس، والتنفيل في هذا الحديث هو تنفيل السرايا، فهذا دخل الجيش أرض العدو وأرسل الإِمام سرية إلى جهةٍ ما فغنموا، بدأ فعزل الخمس، ثم جعل لهم الربع مما بقي نفلًا خاصًّا بهم، ثم يشاركون الجيش فيما فضل بعد الربع، ثم يفعل بهم بعد القفول مثل ذلك، إلا أنه يزيد في الانصراف فيعطيهم الثلث بعد الخمس.
стр. 4007
* الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن الإِمام لا ينفل أكثر من الثلث؛ لأن تنفيل الرسول ﷺ انتهى إلى الثلث، وليس للإمام أن يتجاوز ذلك، وهو قول الجمهور من العلماء، وهو قول مكحول، والأوزاعي، ونص عليه أحمد.
وذهب الشافعي إلى أنه لا حدَّ للنفل، وإنما هو موكول إلى رأي الإِمام حسب المصلحة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ففوض أمرها إليه (١).
واختار هذا القول الصنعاني (٢) والشوكاني (٣)، قال الصنعاني: (إن حديث الباب هذا لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من الثلث). والله تعالى أعلم.
стр. 4008
جواز تخصيص بعض السرايا بالتنفيل
١٣٠١/ ٣٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيشِ. مُتفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "فرض الخمس"، باب (ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) (٣١٣٥)، ومسلم (١٧٥٠)(٤٠) من طريق الليث، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ﵄. وتمامه عند مسلم: والخمس واجب في ذلك كله.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه ﷺ لم يكن ينفل كل من يبعثه من السرايا، وإنما كان يخص بعضًا دون بعض؛ تبعًا للمصلحة التي يراها، فيعطيهم زيادة على ما يحصل لهم من قسم عامة الجيش.
* الوجه الثالث: في قوله: (والخمس واجب في ذلك كله) دليل على أنه يجب تخميس النفل، وأن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، وقد تقدم هذا. والله تعالى أعلم.
стр. 4009
حكم الأكل مما يصيبه المجاهدون
١٣٠٢/ ٣٧ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: كُنا نُصِيبُ في مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأكلُهُ ولَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلأَبي دَاودَ: فَلَمْ يُؤخَذْ مِنْهمُ الْخُمُسُ. وَصححَهُ ابْنُ حِبّانَ.
١٣٠٣/ ٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵄ قَال: أصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأخُذُ مِنْهُ مِقدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمّ يَنْصَرِفُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه البخاري في كتاب "فرض الخمس"، باب (ما يصيب من الطعام في أرض الحرب) (٣١٥٤) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
ورواه أبو داود (٢٧٠١)، وابن حبان (١١/ ١٥٦ - ١٥٧) من طريق أبي ضمرة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس.
ورواه البيهقي (٩/ ٥٩) من طريق عثمان بن الحكم الجذامي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أن جيشًا غنموا .. هكذا مرسلًا.
ولما ذكر الدارقطني هذا الاختلاف قال: (والمرسل أشبه) (١).
стр. 4010
وقد ذكر الحافظ رواية أبي داود؛ لأن فيها التنصيص على أن ما يؤكل لا يحتسب من أنصباء المجاهدين ولا يخمس عليهم.
وأما حديث ابن أبي أوفى ﵄ فقد رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في النهي عن النُّهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو) (٢٧٠٤) من طريق أبي معاوية، وأحمد (٣١/ ٤٦٩)، وابن الجارود (١٠٧٢)، والحاكم (٢/ ١٣٣ - ١٣٤) من طريق هُشيم، كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمَّد بن أبي المجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄.
وهذا الحديث إسناده صحيح على شرط البخاري، فإن محمَّد بن أبي المجالد من رجاله، وقد اختلف في اسمه فقيل: محمَّد كما عند البخاري وأبي داود وأحمد، وقيل: عبد الله (١).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في مغازينا) جمع مَغزاة، بفتح الميم فيهما، والغزوة والمغزاة المرة من الغزو.
قوله: (ولا نرفعه) أي: لا نحمله على سبيل الادخار، أو لا نرفعه إلى أمر من يتولى أمر الغنيمة (٢).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الأكل من الفاكهة والطعام الذي يصيبه المجاهدون في أرض الحرب وأن ذلك لا حرج فيه، ولا يحتاج إلى إذن الإِمام، وهذا أمر مجمع عليه إلا من شذ؛ لأن المجاهد بحاجة إلى الطعام الذي يقيم أوده ويغذي بدنه، فالحاجة داعية إليه، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم؛ لأنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإِسلام (٣).
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: أصبت جرابًا
стр. 4011
من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مبتسمًا (١).
وإنما الحرج في الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة بحيث ينفرد به عن إخوانه المجاهدين، أما ما يشاركه فيه غيره من الطعام والفاكهة فلا حرج فيه. والله تعالى أعلم.
стр. 4012
حكم ركوب الدابة من المغنم ولبس الثوب منه
١٣٠٤/ ٣٩ - عَنْ رُويفِعِ بن ثَابِتٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيءِ الْمُسْلِمِينَ حَتى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتى إِذَا أخلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في الرجل ينتفع من الغنيمة بالشيء) (٢٧٠٨)، والدارمي (٢/ ١٤٨) من طريق محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، عن أبي مرزوق -مولى تُجِيب، وتجيب بطن من كندة- عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.
وهذا سند حسن، حسنه الحافظ في "فتح الباري" (١)، فيه محمَّد بن إسحاق رواه بالعنعنة، وقد صرح بالتحديث في رواية عند أحمد (٢٨/ ٢٠٧) وأبو مرزوق مختلف في اسمه، فقيل: حبيب بن الشهيد، وبه جزم الحافظ في "التقريب"، وقال عنه: (ثقة) وقيل: ربيعة بن سليم، وقيل: هما اثنان، فإن كان هو ربيعة بن سليم فقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، وقال الحافظ: (مقبول)، وإن كانا اثنين فقد تابع أحدهما الآخر؛ لأنه جاء الحديث عند الترمذي (١١٣١) مختصرًا من طريق
стр. 4013
يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبد الله، عن رويفع به.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من فيء المسلمين) المراد هنا: الغنيمة المشتركة.
قوله: (أعجفها) أي: أتعبها وصيرها هزيلة، قال أهل اللغة: عَجِفَ الفرس عجفًا من باب تعب: ضَعُفَ، فهو أعجف (١).
قوله: (أخلقه) أي: أبلاه وأتلفه، قال أهل اللغة: خَلُقَ الثوب -بالضم- إذا بَلِيَ فهو خَلَقٌ -بفتحتين- وأخلق الثوب بالألف لغة (٢).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز لأحد من المجاهدين أن يلبس ثوبًا من الثياب المغنومة حتى إذا أبلاه رده، أو يركب دابة منها حتى إذا أهزلها ردها، لما في ذلك من الإضرار بسائر الغانمين والانفراد عنهم.
أما لو ركب دابة من غير إعجاف، أو لبس ثوبًا من غير إتلاف أو إخلاق، كأن يركب دابة توصله إلى سكنه، أو تبعده عن العدو، ثم يردها، أو يلبس ثوبًا يستر عورته أو يستدفئ به ثم يرده، فلا حرج في ذلك، قال الحافظ ابن حجر: (اتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب) (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4014
ما جاء في الأمان
١٣٠٥/ ٤٠ - عَنْ أَبي عُبَيدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
١٣٠٦/ ٤١ - وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁: "يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ".
١٣٠٧/ ٤٢ - وَفي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ".
١٣٠٨/ ٤٣ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: "وَيُجِيرُ عَلَيهِمْ أَقْصَاهُمْ".
١٣٠٩/ ٤٤ - وَفي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ ﵂: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ".
* الكلام عليها من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابنة عم رسول الله ﷺ ، والأخت الشقيقة لعلي بن أبي طالب ﵁، اسمها فاختة على الأشهر، وكانت تحت هبيرة بن عمرو المخزومي فولدت له عمرًا وهانئًا ويوسف وجعدة، وقد أسلمت أم هانئ يوم الفتح، ولما بلغ زوجها إسلامها فرَّ إلى نجران، وقال هناك شعرًا يعتذر فيه عن فراره، كما قال شعرًا يخاطب امرأته، ومات مشركًا، ثم خطبها النبي ﷺ فاعتذرت إليه بأنها امرأة ذات
стр. 4015
أطفال صغار وأيتام، وقالت: إني أكره أن يؤذوك، ماتت في خلافة معاوية ﵂ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي عبيدة ﵁ فقد رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٤٥١) من طريق حجاج، عن الوليد بن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن سلمة … ورواه أحمد (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤) من طريق حجاج، عن الوليد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: أجار رجل من المسلمين رجلًا، وعلى الجيش أبو عبيدة بن الجراح فقال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص: لا تجيروه، فقال أبو عبيدة: نجيره، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجير على المسلمين أحدهم"، ولفظ ابن أبي شيبة: "يجير على المسلمين بعضهم".
وهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعنه، ثم إن رواية القاسم -وهو ابن عبد الرحمن الشامي- عن أبي أمامة متكلم فيها (٢).
وأما حديث عمرو بن العاص ﵁ فقد رواه أبو داود الطيالسي (٢/ ٣١٧)، وأحمد (٢٩/ ٣٠٠) من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل من أهل مصر، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجير على المسلمين أدناهم".
وهذا سند ضعيف -أيضًا- لأن الرجل المصري لم يُسمَّ، وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣).
وأما حديث علي ﵁ فقد رواه البخاري في كتاب "الفرائض"، باب (إثم من تبرأ من مواليه) (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب … وساق الحديث بطوله، وفيه هذه الجملة.
стр. 4016
وأما رواية ابن ماجه (٢٦٨٥) وكذا أبي داود (٢٧٥١)، وأحمد (١١/ ٢٨٨) فهي من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم … " الحديث. وهذا السياق لأبي داود، ولفظ ابن ماجه: "ويجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم" ونحوه لأحمد، وهذا سند حسن.
وأما حديث أم هانئ ﵂ فقد رواه البخاري في كتاب "الجزية والموادعة"، باب (أمان النساء وجوارهن) (٣١٧١)، ومسلم (١/ ٤٩٨) رقم (٨٢) من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة -مولى أم هانئ ابنة أبي طالب- أخبره أنه سمع أم هانئ ابنة أبي طالب ﵂ تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح … وذكرت الحديث إلى أن قالت: فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليٌّ أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرته، فلان ابن هبيرة (١)، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ … ".
ولعل الحافظ جمع بين هذه الأحاديث لتعدد ألفاظها، فإن كل حديث أفاد ما لم يفده اللفظ الآخر.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (يجير) بضم الياء مضارع أجار، من الإجارة: وهي إعطاء الأمان، ويقال: استجاره: طلب منه أن يحفظه فأجاره.
قوله: (على المسلمين) "على" تفيد الوجوب والنفوذ؛ أي: ينفذ عليهم أمان الواحد منهم، فيجب عليه مراعاته وعدم نقضه.
قوله: (أدناهم) الأدنى يفسر بالكمية والكيفية؛ أي: أقلهم عددًا وهو الواحد، وأضعفهم وأحقرهم منزلة، كالعبد والمرأة والأجير.
قوله: (ذمة المسلمين واحدة) الذمة هي العهد والأمان، سمي العهد
стр. 4017
ذمة؛ لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها؛ والمعنى: أمان المسلمين وعهدهم واحد، فلا يجوز لأحد نقض ما عاهد عليه بعضهم أي بعض كان.
قوله: (يسعى بها أدناهم) أي: يتولاها أدناهم وأقلهم منزلة فتتحقق وتثبت.
قوله: (أقصاهم) أي: أبعدهم دارًا، فإذا أَمَّنَ من هو في غاية البعد عن المعركة شخصًا كافرًا وجب على المسلمين حفظ أمانه ورعايته ولا يحل لهم نقضه، وفسِّر قوله: (وَيرُدُّ على المسلمين أقصاهم) بأن السرية إذا غنمت بقوة الجيش كانت الغنيمة لهم وللقاصي من الجيش؛ إذ بقوته غنموها، وأن ما صار في بيت المال من الفيء فهو لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم (١).
قوله: (قد أجرنا من أَجَرْتِ) بكسر التاء خطاب لأم هانئ ﵂ حين أخبرته أنها أجارت رجلًا فلم يجز إجارتها أخوها علي ﵁ وأراد قتله، كما تقدم. والمعنى: أجزنا جوارك وأمضيناه ونفذناه فأمنَّا من أمَّنْتِ.
* الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على صحة أمان الكافر إذا صدر من مسلم أي مسلم كان ذكرًا أم أنثى حرًّا أم عبدًا، لقوله: "أدناهم" فإنه شامل لكل وضيع، ويؤخذ منه صحة أمان الشريف بالأولى.
فإذا قال المسلم لكافر: أجرتك، أو أمنتك، أو أنت آمن ونحو ذلك، ثبت حكم الأمان والتزم به جميع المسلمين، فيحرم قتل هذا الكافر، ويحرم ماله والتعرض له.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وخالف أبو حنيفة في أمان العبد فلم يجزه إلا أن يكون مأذونًا له في القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانه كالصبي (٢)، والصواب قول الجمهور؛ لدخول العبد في عموم لفظ: "المسلمين".
стр. 4018
وخالف بعض المالكية في أمان المرأة، وقالوا: إنه موقوف على إجازة الإمام له، فإن أمضاه. جاز وإلا فلا، وحملوا قوله ﷺ لأم هانئ: (قد أجرنا من أجرت) على أنه إجارة منه وليس تنفيذًا.
والصواب قول الجمهور، وقد وصف ابن عبد البر ومن قبله ابن المنذر قول بعض المالكية بأنه قول شاذ لا يعلم أحدًا من الأئمة قال به (١).
وقوله ﷺ لأم هانئ هو إمضاء لما وقع منها وأنه قد صح أمانها وانعقد؛ لأنه ﷺ سمى جوارها جوارًا حقيقيًّا، ثم إن قوله: (قد أجرنا) ليس هو إنشاء جوار، وإنما هو موافقة لها على من أجارت وعمل بمقتضى ما عقدت (٢). ولأن المرأة داخلة في عموم لفظ: "المسلمين" على القول الراجح عند الأصوليين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهذه جموع صحيحة مذكرة دخلت فيها النساء قطعًا (٣).
* الوجه الخامس: ما جاء في هذه الأحاديث هو في الأمان الصادر من واحد من المسلمين، فيجوز أمانه لشخص واحد من الكفار ولعدد قليل، أما الأمان لجميع المشركين فهذا لا يصح إلا من الإمام؛ لأن له الولاية على جميع المسلمين، فجاز أن يكون تأمينه عامًّا.
ويصح الأمان من الأمير لأهل بلدة جُعل بحذائهم؛ لأن له الولاية على من بإزائه دون غيره. والله تعالى أعلم.
стр. 4019
ما جاء في إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب
١٣١٠/ ٤٥ - عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إلا مُسْلِمًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجهاد والسير"، باب (إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (١٧٦٧) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: أخبرني عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
ورواه أحمد (١/ ٣٤٣) بهذا الإسناد بلفظ: "لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب. ".
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لأخرجن) الجملة مؤكدة بالقسم المقدر، وباللام ونون التوكيد، وقد جاء الأمر بذلك في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب … " الحديث (١).
قوله: (اليهود والنصارى) تقدم التعريف بهم في باب "المساجد" من كتاب "الصلاة" عند الحديث (٢٥٢).
قوله: (من جزيرة العرب) وحَدُّهَا من الغرب بحر القُلْزُم وهو المعروف
стр. 4020
الآن باسم البحر الأحمر، وعلى هذا فالحجاز داخل في مسمى جزيرة العرب، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الشرق خليج البصرة وهو الخليج العربي، ومن الشمال ساحل البحر الأحمر الشرقي الشمالي وما على مُسامَتَتِهِ شرقًا من مشارف الشام وريف العراق، والحد غير داخل في المحدود هنا، ونسبت هذه الجزيرة إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها (١).
قوله: (حتى لا أدع إلا مسلمًا) حتى غائية؛ والمعنى: لأخرجن اليهود والنصارى من هذه الجزيرة إلى أن لا يبقى فيها إلا مسلم.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجوز أن يمكن أحد من الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم من دخول جزيرة العرب للاستيطان بها، بل يجب إخراجهم وصيانة هذه الأرض المباركة من كل دين يخالف دين الإسلام، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على الأمر بإخراج اليهود والنصارى وأن هذا من آخر ما عهد النبي ﷺ إلى أمته. وذلك لأن جزيرة العرب هي دار الإسلام الأولى، منها فاضت أنواره، وانتشرت آثاره، فهي أصل ديار الإسلام، وأهلها أصل المسلمين، وهي دار طيبة لا يقطنها إلا طيب، والمشرك خبيث بشركه؛ فلذا حرمت عليه هذه الجزيرة.
وقد رتب الفقهاء ﵏ على هذا الأصل العظيم أحكامًا شرعية، منها:
١ - منع أي كافر من التملك في جزيرة العرب؛ لأنه إذا حُرِّمت الإقامة والاستيطان حَرُمَتِ الأسباب المؤدية إليها.
٢ - أنه ليس للكافر المرور بجزيرة العرب والإقامة المؤقتة فيها إلا لعدة ليال لمصلحة كصاحب سفارة أو بيع بضاعة ونحو ذلك، أو عمل كما حصل لأهل خيبر، ثم أجلاهم عمر ﵁.
٣ - تحريم إقامة الكنائس وغيرها من معابد الكفار ووجوب هدم ما
стр. 4021
أحدث منها؛ لأن الكنيسة معبد كفري تقام فيه شعائر الكفار، وكل معبد يعد للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال.
٤ - لا تدفن جيفة كافر بهذه الجزيرة، فإن مات فيها نقل عنها إلا لضرورة، فتغيب جيفته في الفلاة لا في مقبرة تعد لهم (١).
وبهذا يعلم عِظَمُ ما وقع فيه كثير من المسلمين اليوم من إدخال غير المسلمين إلى هذه الجزيرة من عَمَالةٍ وخدم وسائقين، ومعظم هؤلاء يخالطون المسلمين في بيوتهم غير مبالين بما ثبت في النصوص الشرعية الدالة على أنه لا يجتمع في هذه الجزيرة دينان. والله المستعان!
стр. 4022
الحث على إعداد آلات الجهاد في سبيل الله
١٣١١/ ٤٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَال: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ خَاصّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً في سَبِيلِ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الجهاد"، باب (المِجَنِّ ومن يتَّرِسُ بترس صاحبه) (١)(٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧)(٤٨) من طريق سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس الحدَثان، عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير … وذكر الحديث.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كانت أموال بني النضير) بنو النضير: إحدى طوائف اليهود الذين سكنوا قرب المدينة، وكانت منازلهم جنوب مسجد قباء، كما تقدم، فوادعهم النبي ﷺ بعد قدومه على ألا يحاربوه ولا يعينوا عليه، فنكثوا العهد كما هي عادة اليهود، فحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء وأن لهم ما حملت إبلهم غير السلاح، وكان هذا بعد بدر بستة أشهر على ما حكاه البخاري عن الزهري، عن عروة (٢).
стр. 4023
والمراد بأموالهم: الأرض والنخيل وكل شيء من الحلقة والسلاح والكراع.
قوله: (مما أفاء الله على رسوله) الجار والمجرور خبر (كان) ومعنى أفاء: أعطى وردَّ، والفيء: ما أخذ بغير قتال.
قوله: (لم يوجف) أي: لم يسرع، والإيجاف: الإسراع، يقال: وجف الفرس والبعير: أسرع، وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير السريع.
قوله: (ولا ركاب) بكسر الراء هي الإبل لا واحد له من لفظه وإنما من معناه، وهو راحلة.
وإيجاف الخيل والركاب كناية عن القتال؛ والمعنى: أن أموال بني النضير حصلت للمسلمين من غير حرب ولا قتال، بل بما أنزل الله في قلوبهم من الرعب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في هذه الآية هم بنو النضير، وأول الحشر: إجلاؤهم من المدينة، وآخر الحشر: إجلاء عمر ﵁ لهم من خيبر.
قوله: (فكانت للنبي ﷺ خاصة) أي: يضعها حيث شاء، فلا تقسم قسم الغنائم التي قوتل عليها.
قوله: (في الكراع) بضم الكاف، هي الخيل.
قوله: (والسلاح) اسم شامل لآلات الحرب من السيوف والرماح والدروع وغيرها.
قوله: (عدة في سبيل الله) بضم العين وتشديد الدال المهملتين؛ أي: استعدادًا؛ والمعنى: يعده عدة في سبيل الله.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن أموال بني النضير كانت لرسول الله ﷺ خاصة؛ لأنها من الفيء الذي يصرف في مصالح المسلمين (١)،
стр. 4024
وليست من الغنيمة التي تقسم على المجاهدين بعد أخذ الخمس؛ لأن أموال بني النضير لم تحصل بقتال، قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحشر: ٦].
* الوجه الرابع: الحث على إعداد آلات القتال ووسائله، وتقديم مصلحة ذلك على غيره.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يدخر لأهله قوت سنة، وأن هذا لا ينافي التوكل على الله تعالى، وأما حديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يدخر شيئًا لِغَدٍ) (١). فهو -على القول بصحته- محمول على أنه لا يدخر لنفسه، وحمله ابن كثير على ادخار ما يسرع إليه الفساد (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4025
ما جاء في قسمة الغَنَمِ إذا احتاجها المجاهدون
١٣١٢/ ٤٧ - عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا في الْمَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في بيع الطعام إذا فَضَلَ عن الناس في أرض العدو) (٢٧٠٧) من طريق يحيى بن حمزة قال: حدثنا أبو عبد العزيز شيخ من أهل الأُرْدُنِّ (١)، عن عبادة بن نُسَيّ، عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: رابطنا مدينة قِنَّسْرِين (٢) مع شُرحْبيل بن السِّمْط، فلما فتحها أصاب فيها غنمًا وبقرًا، فقسم فينا طائفة منها، وجعل بقيتها في المغنم، فلقيت معاذ بن جبل فحدثته، فقال معاذ: غزونا مع رسول الله ﷺ … الحديث.
وهذا الحديث سنده حسن، ورجاله لا بأس بهم كما قال الحافظ، وأبو عبد العزيز الأُرْدنيُّ قال عنه ابن معين: (لا أعرفه)، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس) (٣) وقال ابن القطان: (كل رجاله ثقات)، ثم نقل كلام
стр. 4026
أبي حاتم (١). ونقل ابن عبد الهادي كلام ابن القطان وأقره (٢).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للإمام أن يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب، ويترك الباقي في جملة المغنم يُقسم بين المجاهدين، وهذا موافق لمذهب الجمهور القائلين بجواز أخذ الغانمين ما يحتاجونه من القوت وكل طعام يُعتاد أكله، سواء أكان حيوانًا أم غيره، قال الخطابي: (الأصل أن الغنيمة مخموسة، ثم الباقي بعد ذلك مقسوم، إلا أن الضرورة لما دعت إلى إباحة الطعام للجيش والعلف لدوابهم صار قدر الكفاية منها مستثنى ببيان النبي ﷺ ، وما زاد على ذلك مردود إلى المغنم، لا يجوز بيعه لآخذه والاستئثار بثمنه) (٣)، وتقدم الكلام على ذلك، ولو أن المصنف ضم هذا الحديث إلى الأحاديث الماضية في هذه المسألة لكان أولى.
وقد حمل بعض الشراح كالمغربي هذا الحديث على التنفيل من أصل الغنيمة قبل التخميس، وتبعه على هذا الصنعاني، وما ذُكر هو قول الخطابي في معنى الحديث، وتبعه الشوكاني (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 4027
الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن حبس الرسل
١٣١٣/ ٤٨ - عَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في الإمام يُستجن به في العهود) (١)(٢٧٥٨)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٥٢)، وابن حبان (١١/ ٢٣٣) من طريق عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ أُلْقِيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع"، قال: فذهبت، ثم أتيت رسول الله ﷺ فأسلمت، قال بكير: وأخبرني الحسن: أن أبا رافع كان قبطيًّا.
وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير الحسن بن علي بن أبي رافع، وهو ثقة كما قال النسائي (٢)، وقد صرح الحسن بأن جده أبا رافع أخبره بهذا الحديث.
стр. 4028
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا أخيس) أي: لا أنقض العهد ولا أفسده، يقال: خاس يخيس ويخوس: إذا غدر ونقض العهد، من قولهم: خاس الشيء في الوعاء: إذا فسد (١).
قوله: (ولا أحبس الرسل) هكذا في "البلوغ"، وفي المصادر المذكورة: (البرد) وهو بالضم، وقيل: بسكون الراء، جمع بريد وهو الرسول.
قال الخطابي: (يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المُرْسِلِ إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عَقَدَ له العقد مدة مجيئه ورجوعه) (٢)، فكان ذلك بمنزلة عقد العهد.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب حفظ العهد والوفاء به ولو لشخص كافر، وهذه سنة النبي ﷺ .
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يجوز حبس الرسل والسفراء بل يجب تأمينهم حتى يرجعوا إلى ديارهم وإلى من أرسلهم سالمين؛ لأن في حبسهم تعطيلًا لمهمتهم وقطعًا للاتصالات الدولية.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على سمو تعاليم الإسلام وشمولها لكل ما يحتاجه الناس، ومن ذلك ما يتعلق بحفظ العهود واحترام الرسل وتأمينهم حتى يرجعوا. والله تعالى أعلم.
стр. 4029
حكم الأرض يغنمها المسلمون
١٣١٤/ ٤٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجهاد والسير"، باب (حكم الفيء) (١٧٥٦) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ … فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله ﷺ : … فذكر الحديث.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار بدون قتال فإنه يكون فيئًا مصرفه مصرف الفيء، وأما ما يحصل بالقتال فإنه يكون غنيمة خمسها لله ولرسوله، وأربعة أخماسها للغانمين.
هكذا فسر الحديث القاضي عياض، وتبعه من جاء بعده من الشراح (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4030
باب الجزية والهدنة
الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء والمجازاة؛ لأنها جزاء تأمين الكفار وعصمة دمائهم وعيالهم وأموالهم، أو تمكينهم من سكنى دار الإسلام (١).
والمراد هنا: ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم، أو إسكانهم دار الإسلام.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]؛ ومعنى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: ذليلون عند إعطائها، فلا يرسلون بها رسولًا، ولا يتعاظمون، ولا يعظَّمون عند تسليمها.
وأما السنة فمنها: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند (٢): (أمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية) (٣)، وكذا أحاديث الباب.
وقد أجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة.
وأما المعقول فهو أن الذمي يتمتع بحماية الدولة من أي عدوان خارجي أو داخلي، ويعفى من الخدمة العسكرية، فلا بد من دفع ضريبة مقابل تلك الحماية، ومقابل استقراره في دار الإسلام وحقن دمه والكف عن قتاله.
وقد شرعت الجزية سنة ثمان من الهجرة، وقيل: سنة تسع (٤).