← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

أبي حاتم (١). ونقل ابن عبد الهادي كلام ابن القطان وأقره (٢). * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للإمام أن يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الأنعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب، ويترك الباقي في جملة المغنم يُقسم بين المجاهدين، وهذا موافق لمذهب الجمهور القائلين بجواز أخذ الغانمين ما يحتاجونه من القوت وكل طعام يُعتاد أكله، سواء أكان حيوانًا أم غيره، قال الخطابي: (الأصل أن الغنيمة مخموسة، ثم الباقي بعد ذلك مقسوم، إلا أن الضرورة لما دعت إلى إباحة الطعام للجيش والعلف لدوابهم صار قدر الكفاية منها مستثنى ببيان النبي ﷺ ، وما زاد على ذلك مردود إلى المغنم، لا يجوز بيعه لآخذه والاستئثار بثمنه) (٣)، وتقدم الكلام على ذلك، ولو أن المصنف ضم هذا الحديث إلى الأحاديث الماضية في هذه المسألة لكان أولى. وقد حمل بعض الشراح كالمغربي هذا الحديث على التنفيل من أصل الغنيمة قبل التخميس، وتبعه على هذا الصنعاني، وما ذُكر هو قول الخطابي في معنى الحديث، وتبعه الشوكاني (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4027

الأمر بالوفاء بالعهد والنهي عن حبس الرسل ١٣١٣/ ٤٨ - عَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في الإمام يُستجن به في العهود) (١) (٢٧٥٨)، والنسائي في "الكبرى" (٨/ ٥٢)، وابن حبان (١١/ ٢٣٣) من طريق عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ أُلْقِيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع"، قال: فذهبت، ثم أتيت رسول الله ﷺ فأسلمت، قال بكير: وأخبرني الحسن: أن أبا رافع كان قبطيًّا. وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير الحسن بن علي بن أبي رافع، وهو ثقة كما قال النسائي (٢)، وقد صرح الحسن بأن جده أبا رافع أخبره بهذا الحديث.

стр. 4028

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا أخيس) أي: لا أنقض العهد ولا أفسده، يقال: خاس يخيس ويخوس: إذا غدر ونقض العهد، من قولهم: خاس الشيء في الوعاء: إذا فسد (١). قوله: (ولا أحبس الرسل) هكذا في "البلوغ"، وفي المصادر المذكورة: (البرد) وهو بالضم، وقيل: بسكون الراء، جمع بريد وهو الرسول. قال الخطابي: (يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المُرْسِلِ إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عَقَدَ له العقد مدة مجيئه ورجوعه) (٢)، فكان ذلك بمنزلة عقد العهد. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب حفظ العهد والوفاء به ولو لشخص كافر، وهذه سنة النبي ﷺ . * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يجوز حبس الرسل والسفراء بل يجب تأمينهم حتى يرجعوا إلى ديارهم وإلى من أرسلهم سالمين؛ لأن في حبسهم تعطيلًا لمهمتهم وقطعًا للاتصالات الدولية. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على سمو تعاليم الإسلام وشمولها لكل ما يحتاجه الناس، ومن ذلك ما يتعلق بحفظ العهود واحترام الرسل وتأمينهم حتى يرجعوا. والله تعالى أعلم.

стр. 4029

حكم الأرض يغنمها المسلمون ١٣١٤/ ٤٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الجهاد والسير"، باب (حكم الفيء) (١٧٥٦) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ … فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله ﷺ : … فذكر الحديث. * الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار بدون قتال فإنه يكون فيئًا مصرفه مصرف الفيء، وأما ما يحصل بالقتال فإنه يكون غنيمة خمسها لله ولرسوله، وأربعة أخماسها للغانمين. هكذا فسر الحديث القاضي عياض، وتبعه من جاء بعده من الشراح (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4030

باب الجزية والهدنة الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء والمجازاة؛ لأنها جزاء تأمين الكفار وعصمة دمائهم وعيالهم وأموالهم، أو تمكينهم من سكنى دار الإسلام (١). والمراد هنا: ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم، أو إسكانهم دار الإسلام. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]؛ ومعنى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: ذليلون عند إعطائها، فلا يرسلون بها رسولًا، ولا يتعاظمون، ولا يعظَّمون عند تسليمها. وأما السنة فمنها: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند (٢): (أمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية) (٣)، وكذا أحاديث الباب. وقد أجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة. وأما المعقول فهو أن الذمي يتمتع بحماية الدولة من أي عدوان خارجي أو داخلي، ويعفى من الخدمة العسكرية، فلا بد من دفع ضريبة مقابل تلك الحماية، ومقابل استقراره في دار الإسلام وحقن دمه والكف عن قتاله. وقد شرعت الجزية سنة ثمان من الهجرة، وقيل: سنة تسع (٤).

стр. 4031

والهدنة: بضم الهاء وسكون الدال مشتقة من هَدَنْتُ الصبيَّ: إذا سكنته، والمراد هنا: الاتفاق على وقف القتال بين المتحاربين مدة معلومة، بعوض أو غيره، مع استمرار حالة الحرب. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ومن السنة الأحاديث الآتية، وقد أجمع المسلمون على جوازها في الجملة، والقياس يقتضيها؛ لأنه قد يكون بالمسلمين ضعف وفي عدوهم قوة، فيعقدونها حتى يقووا ويستعدوا.

стр. 4032

ما جاء في أخذ الجزية من المجوس ١٣١٥/ ١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا -يَعْني الْجِزْيَةَ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ولَهُ طَريقٌ في "المُوَطَّإِ" فِيهَا انْقِطَاعٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الجزية والموادعة"، باب (الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) (٣١٥٦ - ٣١٥٧) من طريق سفيان قال: سمعت عمْرًا قال: كنت جالسًا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بَجَالةُ سنة سبعين -عام حجَّ مصعبُ بن الزبير بأهل البصرة - عند درج زمزم قال: كنت كاتبًا لِجَزْءِ بن معاوية عمِّ الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. ورواه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٧٨) عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أشهد لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وهذا الحديث رجاله ثقات، لكنه منقطع، كما قال الحافظ (١)، وذلك

стр. 4033

لأن رواية محمد بن علي بن الحسين عن عمر ﵁ مرسلة (١)، قال ابن عبد البر: (هذا حديث منقطع؛ لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف) ثم قال: (لكن معناه متصل من وجوه حسان) (٢). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من مجوس) واحدهم مجوسي، وهذا مما يفرق بينه وبين مفرده بالياء، كروم ورومي، وهو نسبة إلى المجوسية، والمجوس قوم يعبدون النور والنار والظلمة، والشمس والقمر، ويزعمون أن للكون إلهين، وهم في بلاد فارس وما حولها، وقد قضى الإسلام على هذه النحلة ظاهرًا بعد فتح بلاد فارس، لكن بقيت لها آثار في بعض الطوائف كالشيعة وإخوان الصفا والبهائية والنصيرية الباطنية والقدرية وغيرها، وهم يستبيحون نكاح أخواتهم وسائر محارمهم (٣). قوله: (هَجَر) بفتحتين، وهي اسم لجميع أرض البحرين، ومنها الأحساء. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الجزية. * الوجه الرابع: في الحديث دليل لمن قال: إن الجزية تؤخذ من المجوس كما تؤخذ من اليهود والنصارى، ويشهد لهذا الحديث حديث عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها (٤). وكان غالب أهل البحرين إذ ذاك من المجوس (٥)، قال ابن عبد البر (في قول الرسول ﷺ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" يعني في الجزية، دليل على أنهم ليسوا أهل الكتاب، وعلى ذلك

стр. 4034

جمهور الفقهاء) (١). ومثل هذا قال ابن القيم (٢). وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة. * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن العالم الحبر قد يخفى عليه ما يوجد عند من دونه في العلم، وأن العالم إذا جهل شيئًا أو أشكل عليه لزمه الاعتراف بالتقصير، ثم سؤال من هو أعلم منه، أو البحث في المسألة حتى يقف على الصواب فيما أشكل عليه (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4035

ما جاء في أخذ الجزية من العرب ١٣١٦/ ٢ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيمَانَ أَنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: الأول: هو أبو عمرو أو أبو عمر عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، روى عن أبيه وعن جابر بن عبد الله وأنس وغيرهم ﵃، وروى عنه ابنه الفضل، وبكير بن عبد الله بن الأشج، ومحمد بن إسحاق وغيرهم، وهو ثقة كثير الحديث، أمره عمر بن عبد العزيز ﵀ أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة، ففعل، مات سنة تسع عشرة ومائة على أحد الأقوال. وقد وهم المغربي حيث ظنه عاصم بن عمر بن الخطاب، وتبعه على هذا الوهم الصنعاني، وقد نص المزي على أنه عاصم بن عمر بن قتادة (١). والثاني: هو قاضي مكة عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي المكي، روى عن عمه نافع بن جبير وابن عمه سعيد بن محمد بن جبير وآخرين، وروى عنه إسماعيل بن أمية وابن جريج وابن إسحاق وغيرهم، وقد وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وأبو حاتم وآخرون، علق له

стр. 4036

البخاري، وروى له مسلم (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الخراج" بابٌ (في أخذ الجزية) (٣٠٣٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك، وعن عثمان بن أبي سليمان أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد … الحديث. وهذا الحديث مداره على محمد بن إسحاق، وقد رواه عن شيخيه عاصم بن عمر، وعثمان بن أبي سليمان، إلا أن عاصمًا أسنده، وعثمان أرسله، فالحديث رواه أبو داود متصلًا من طريق عاصم بن عمر، عن أنس، ومرسلًا من طريق عاصم، عن عثمان، وقد ساقه الحافظ في "البلوغ" على سياق أبي داود. ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، ومع هذا فقد حسنه الألباني (٢)، ولعله حسنه لكون ابن إسحاق قد صرح بالتحديث كما في "السيرة" لابن هشام و"السنن الكبرى" للبيهقي (٣)، وفيه نظر. ثم إن الظاهر أن هذا الاختلاف من ابن إسحاق، وهو لا يُحتمل منه مثل هذا، فالظاهر أنه لم يضبط الحديث. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (بعث خالد بن الوليد) أي: أرسله في سرية أيام غزوة تبوك، وكان عددهم أربعمائة وعشرين فارسًا (٤). قوله: (إلى أُكَيْدِرِ دومة) هو أُكيدر -بضم الهمزة، وفتح الكاف- ابن عبد الملك الكندي، ملك دومة الجندل في الجاهلية، كان شجاعًا مولعًا باقتناص الوحش، وكان نصرانيًّا، قال الخطابي: (هو رجل من العرب يقال: هو من غسان) (٥). واختلف في إسلامه، فقيل: إنه أسلم، وقد ورد أنه أهدى

стр. 4037

للنبي ﷺ جبة سندس، كما ثبت هذا في "الصحيحين"، قال ابن الأثير: (أما سرية خالد فصحيح، وإنما أهدى إلى الرسول ﷺ وصالحه ولم يسلم، وهذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، ومن قال: إنه أسلم فقد أخطأ ظاهرًا) (١). ودومة: بضم الدال وسكون الواو، هي دومة الجندل، وهي الآن مدينة عامرة بها نخل وزرع، وكانت عاصمة مقاطعة الجوف، ثم انتقلت العاصمة إلى سكاكا التي تقع جنوب شرق دومة الجندل بحوالي أربعين كيلًا، وقد جاء في بعض نسخ "البلوغ": (دومة الجندل)، وهذا خطأ؛ فإن لفظة (الجندل) ليست في "سنن أبي داود". قوله: (فأخذوه) لفظ أبي داود: (فأُخذ، فأتوه به). قوله: (فحقن دمه) أي: لم يسفكه بل أعطاه عهدًا بحفظه، تقول: (حقنت دمه: خلاف هدرته، كأنك جمعته في صاحبه فلم ترقه) (٢). * الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: إن الجزية تؤخذ من جميع الكفار ومنهم من بقي على كفره من العرب، وهذا يتم على القول بأن أكيدر من عرب كندة، كما تقدم، قال الحافظ: (إن ثبت أن أكيدر كان كنديًّا، ففيه دليل على أن الجزية لا تختص بالعجم من أهل الكتاب … ) (٣)، وقال ابن القيم: (لم يفرق رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم بل أخذها رسول الله ﷺ من نصارى العرب وأخذها من مجوس هجر وكانوا عربًا … ) (٤)، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (قد تواتر عن المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، أو أداء الجزية، أو السيف، من غير فرق بين كتابي وغيره) (٥) وقد مضى البحث في هذا عند شرح حديث بريدة ﵁. والله تعالى أعلم.

стр. 4038

ما جاء في مقدار الجزية وصفة دافعها ١٣١٧/ ٣ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَال: بَعَثَنِي النَّبيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ .. وَأَمَرَنِي "أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِريًّا". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في كتاب "الزكاة"، رقم (٦٠١)، وقد رواه أصحاب السنن من طرق، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ﵁ مرفوعًا، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الترمذي والدارقطني رواية الإرسال، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن … * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (بعثني إلى اليمن) تقدم أن ذلك في ربيع الأول سنة عشر، وعاد في خلافة أبي بكر ﵁. قوله: (من كل حالم) اسم فاعل من حَلَمَ الصبي فهو حالم، ويقال: احتلم فهم محتلم؛ أي: أدرك وبلغ مبلغ الرجال. قوله: (دينارًا) تقدم أنه يساوي ثلاث جرامات ونصف الجرام أو ثلاث وثلاثة أرباع الجرام من الذهب. قوله: (أو عدله معافريًّا) العدل: بفتح العين وسكون الدال ما يساوي قيمة الشيء ومقداره، نقل الخطابي هذا عن الفراء، ويرى ابن الأثير جواز فتح

стр. 4039

العين وكسرها (١). والمعافري: نسبة إلى مَعافر -بالفتح على وزن مساجد- وهم حي من همدان في اليمن، والمراد بها ثياب تنسج في اليمن نسبت إليهم. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن بلغ الحلم؛ لأن الجزية إنما تجب على من يجب قتله مقابل الكف عنه. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكر دون الأنثى؛ لأن الحالم عبارة عن الرجل، فالرجل هو الذي تؤخذ منه الجزية. أما من لا يجوز قتله من صبي أو امرأة أو زائل العقل أو شيخ فانٍ أو أعمى ونحوهم فلا جزية عليه؛ لأن الجزية تؤخذ لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها (٢). وقد أخرج عبد الرزاق وأبو عبيد بسنديهما عن نافع، عن أسلم مولى عمر، أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: (أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسي) (٣)؛ يعني: من أنبت، قال أبو عبيد: (وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على الذكور المدركين، دون الإناث والأطفال؟ وذلك أن الحكم كان عليهم القتل لو لم يؤدوها، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية) (٤). * الوجه الخامس: في الحديث دليل على نوع من التسامح الإسلامي في الجزية حيث أُخذت قيمتها من صنائع أهل الذمة وأموالهم كالثياب ونحوها،

стр. 4040

وهذا يدل على أن الجزية غير مقدرة الجنس، بل يجوز أن تكون ثيابًا وذهبًا وغير ذلك. * الوجه السادس: يستدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على مقدار الجزية، وأن أقلها دينار، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن أحمد (١)، وقال أبو حنيفة: إنها في حق الموسر ثمانية وأربعون درهمًا، ونصفها في حق المتوسط، وربعها في حق الفقير، وهذا رواية عن الإمام أحمد، لفعل عمر ﵁، وهؤلاء هم القائلون بأن الجزية مقدرة. وذهب الثوري، والإمام أحمد -في رواية ثالثة- وأبو عبيد إلى أن الجزية غير مقدرة، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام (٢)، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (٣). وذلك لتغير الأحوال بتغير الأزمان، وعملًا بجميع الأدلة في هذا الباب، وهذا هو أرجح الأقوال. والله تعالى أعلم.

стр. 4041

ما جاء في أن الإسلام يعلو ولا يعلى ١٣١٨/ ٤ - عَن عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزنيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو هبيرة عائذ بن عمرو بن هلال المزني البصري، كان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، قال ابن عبد البر: (كان من صالحي الصحابة)، سكن البصرة، وابتنى بها دارًا، روى عنه الحسن ومعاوية بن قرة، وعامر الأحول، وغيرهم، روى البغوي من طريق أسماء بن عبيد قال: كان عائذ بن عمرو لا يخرج ماءً من داره، ويقول: (لأن أصبَّ طستي في حَجَلَتِي (١)، أحب إلي من أن أصب في طريق المسلمين)، مات في إمارة ابن زياد أيام يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين ﵁ (٢). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه الدارقطني (٣/ ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٠٥) من طريق حشرج بن عبد الله بن حشرج، حدثني أبي، عن جدي، عن عائذ بن عمرو المزني مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، عبد الله بن حشرج مجهول، وكذا والده حشرج بن عائذ، ذكر ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه (٣)، ونقل الزيلعي عن الدارقطني مثل

стр. 4042

ذلك (١)، وأما حشرج بن عبد الله فقال عنه أبو حاتم: (شيخ). وقد علقه البخاري موقوفًا على ابن عباس ﵄ (٢)، وذكره ابن حزم في "المحلى" من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس في اليهودية أو النصرانية تسلم تحت اليهودي أو النصراني، قال: "يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (٣). قال الحافظ: (هذا إسناد صحيح، لكن لم أعرف إلى الآن من أخرجه) (٤). * الوجه الثالث: الحديث دليل على علو أهل الإسلام على أهل الأديان، والمسلمون ما اكتسبوا هذه الصفة العظيمة إلا بهذا الدين، فمتى تمسكوا به فهم الأعلون، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والحديث عام في جميع الأحوال، وهو قاعدة عظيمة مؤيدة بنصوص الكتاب والسنة، والفقهاء يستدلون به في فروع الفقه على مسائل كثيرة، ومنها: المنع من بيع العبد المسلم للكافر، ومنها: أن المرأة المسلمة لا تزوج لكافر، وأن الولد يتبع خير أبويه دينًا، وأن أهل الذمة يُمنعون من تعلية بيوتهم على المسلمين، ويؤيد معناه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن يعملوا على ما فيه علو الإسلام ورفعته وظهوره على الأعداء في أمور الحرب وأمور المصالحة، والسياسة الاقتصادية، وفي كل شيء، وألا يجعلوا للأعداء أي فرصة في العلو عليهم والهيمنة على ديارهم وفرض أفكارهم ومناهج حياتهم، وهم الذين يملكون بعقيدتهم قيادة البشرية وهدايتها إذا استقاموا على أمر الله، مع ما في أرضهم من كنوز وخيرات، والله المستعان!.

стр. 4043

النهي عن السلام على أهل الكتاب وتوسعة الطريق ١٣١٩/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَبْدَأُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "السلام"، باب (النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم؟) (٢١٦٧) من طريق عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. * الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ أحدًا من اليهود أو النصارى بالسلام، وذلك لأن ابتداء السلام عليهم فيه مفاسد منها: ١ - الوقوع في النهي الثابت في السنة، والأصل في النهي التحريم، وحمله على الكراهة -كما قيل- خلاف الأصل. ٢ - أن السلام فيه نوع من الإكرام والذُّلِّ لهم، وهم ليسوا أهلًا للإكرام. ٣ - إذهاب وهج الحسد من قلوبهم، وهم قد حسدونا على السلام، كما في حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين" (١)، فمن سلم عليهم أدخل السرور على أفئدتهم لتشريكهم في هذه التحية.

стр. 4044

وإذا نهي المسلم عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وهم أهل كتاب، فغيرهم من المشركين كالهندوس والبوذيين أولى. ومما يؤسف عليه أن من المسلمين من لم يُقِمْ لهذا النهي وما اشتمل عليه من الحكم والأسرار أي اعتبار، فتراه لا يفرق بين مسلم وكافر في التحية، فيسلم على الكافر كما يسلم على المسلم، ويظن ذلك من المحامد والآداب المطلوبة، وسبب هذا كثرة وفود الكفار إلى ديار المسلمين واختلاطهم بهم وكثرة سفر المسلمين إلى ديارهم مما أذهب الغيرة وأضعف واجب البراءة والعداوة للكافرين في قلوب كثير من الناس. * الوجه الثالث: مفهوم النهي عن ابتدائهم بالسلام أنه لا نَهْيَ عن رد السلام عليهم، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك" (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" (٢). وقد نقل النووي اتفاق العلماء على مشروعية الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال: وعليكم السلام، بل يقال: عليكم أو وعليكم. وإذا كان للمسلم حاجة عند أحد من أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار فلا بأس أن يبتدئهم بنحو قوله: السلام على من اتبع الهدى، أما ابتداؤهم بنحو: كيف أصبحت أو كيف أمسيت، أو كيف حالك؟ أو غير ذلك من ألفاظ التحية سوى تحية الإسلام فقد كرهه الإمام أحمد، وقال: هذا عندي أكثر من السلام (٣).

стр. 4045

* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه لا يجوز توسعة الطريق لليهود والنصارى بل نضطرهم إلى أضيقها، لأن فسح الطريق لهم نوع إكرام لهم، وهم لا يستحقونه، والمراد بالحديث حال المشي على الأقدام، وأما في السيارة ونحوها فالظاهر أنه غير مراد لما يترتب عليه من الخطر. * الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق فإن المسلم لا يفسح له، لأن هذا من إكرامه، بل يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم، إذلالًا للكتابي وإشعارًا بعزة الإسلام، وهذا مقيد عند العلماء بقيدين: الأول: أن هذا عند الزحام، فيركب المسلمون صدر الطريق، ويكون الذمي في أضيقه، فإن خلت الطريق من الزحمة فلا بأس. الثاني: أن هذا التضييق مقيد بحيث لا يقع الذمي في ضرر، كأن يقع في حفرة أو يصدمه جدار ونحوه (١). وهذا الحديث سيعيده المؤلف مرة أخرى في كتاب "الجامع". ولعله يأتي هناك زيادة عما في هذا الموضع. والله تعالى أعلم.

стр. 4046

جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين ١٣٢٠/ ٦ - عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عامَ الْحُدَيبِيَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: "هَذَا مَا صَالحَ عَلَيهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ. ١٣٢١/ ٧ - وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَفِيهِ: "أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَينَا"، فَقَالوا: أَنَكْتُبُ هذَا يَا رسُولَ اللهِ؟ قَال: "نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". * الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: المسور بن مخرمة ﵁ تقدمت ترجمته في "صفة الحج" عند الحديث (٧٦٦)، وأما مروان فهو أبو عبد الملك، مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، ولد في السنة الثانية أو الرابعة من الهجرة، قال البخاري: (لم ير النبي ﷺ )، وقال الحافظ: (لم أر من جزم بصحبته)، وقد نفى النبي ﷺ أباه الحكم إلى الطائف وهو معه، وبقي فيها حتى ولي عثمان ﵁ فردَّه. أرسل عن النبي ﷺ ، وروى عن غير واحد من الصحابة ﵃ منهم عمر وعثمان وعلي وبسرة بنت صفوان، وقرنه البخاري بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزهري، عن عروة، عنهما، كما سيأتي، روى عنه سهل بن سعد، وهو أكبر منه سنًّا وقدرًا؛ لأنه صحابي، وروى عنه من

стр. 4047

التابعين ابنه عبد الملك، وعلي بن الحسين، وعروة، وغيرهم، وقال الحافظ: (كان يعد من الفقهاء). ولي إمرة المدينة أيام معاوية، ثم أخرجه منها عبد الله بن الزبير، فسكن الشام، ثم عاد إلى المدينة، وحدثت فتن كان من أنصارها، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية (١) سنة أربع وستين، وغلب على الشام ومصر، ومات بعد تسعة أشهر من بدء خلافته في رمضان سنة خمس وستين (٢). * الوجه الثاني: في تخريجهما: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في صلح العدو) (٢٧٦٦) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عَيبَةً (٣) مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وهذا لفظ الحديث كما في "سنن أبي داود"، ورواه -أيضًا- (٢٧٦٥) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة قال: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية … وساق الحديث بطوله، وليس فيه محل الشاهد الذي ذكر الحافظ هنا، ثم إنه من رواية المسور وحده كما في سياق إسناده، ويبدو أن الحافظ روى الحديث بالمعنى، فصار مؤلفًا من حديثين، ثم إن رواية المسور ومروان مرسلة، أما مروان فلأنه لا صحبة له كما تقدم، وأما المسور فلأنه لم يحضر هذه القصة، وإنما سمعها من بعض الصحابة ﵃، فهو مرسل صحابي، وتحديد المدة تفرد به ابن إسحاق عن أصحاب الزهري.

стр. 4048

والحديث أصله في "صحيح البخاري" في كتاب "الشروط"، باب (الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط) (٢٧٣١) (٢٧٣٢) من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان -يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية … وساق الحديث بطوله. وأما حديث أنس ﵁ فقد رواه مسلم في كتاب "الجهاد"، باب (صلح الحديبية) (١٧٨٤) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو … وفيه: فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم … وذكر تمام الحديث. ولعل الحافظ اقتصر على هذا القدر من حديث أنس ﵁؛ لأن هذه المسألة مختلف فيها (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (خرج عام الحديبية) أي: سافر النبي ﷺ من المدينة قاصدًا العمرة زمن الحديبية، وكان ذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة -على الصحيح- ومعه ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة (٢). والحديبية: بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مشددة أو مخففة، اسم موضع، سميت ببئر في ذلك الموضع، وقيل: بشجرة حدباء، وهي اليوم قرية بعضها في الحل وبعضها في الحرم على أشهر الأقوال، وتبعد عن مكة اثنين وعشرين كيلًا من جهة الشمال الغربي، وتعرف اليوم باسم الشميسي، وفيها حدائق تعرف باسم حدائق الحديبية (٣). قوله: (سهيل بن عمرو) هو أبو زيد سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري، خطيب قريش، وهو الذي تولى أمر الصلح في الحديبية،

стр. 4049

وكلامه ومراجعته للنبي ﷺ ثابت في "الصحيحين" وغيرهما، قال الشافعي: (كان سهيل محمود الإسلام من حين أسلم)، مات سنة ثماني عشرة ﵁ (١). * الوجه الرابع: في الحديث دليل على جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين مدة مقدرة معلومة لمصلحة يراها الإمام، واشترط كون المدة معلومة؛ لأنها لو أطلقت ولم تقدر اقتضى ذلك التأبيد، وهذا يفضي إلى ترك الجهاد. ومذهب الإمام أحمد والشافعي أن المدة لا تجوز بأكثر من عشر سنين؛ لفعل النبي ﷺ (٢)، لكن تحديد المدة تفرد به ابن إسحاق عن بقية أصحاب الزهري. والقول الثاني: أنه يجوز عقد الهدنة أكثر من عشر سنين، لكن تحدد المدة لما تقدم، وهذا رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة (٣). والقول الثالث: أنه يجوز عقد الهدنة مطلقًا بدون تحديد مدة، لكنه عقد جائز يعمل فيه الإمام بالمصلحة، فإن رأى القوة فله نبذ العهد، وهذا اختيار ابن تيمية (٤). * الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الذي يعقد الهدنة هو الإمام أو نائبه؛ لأنه ﷺ هو الذي صالح قريشًا، أما غير الإمام أو نائبه فلا يصح منه العقد؛ لأن هذا أمر يتعلق بنظر واجتهاد ومصلحة للمسلمين، وليس غير الإمام ونائبه محلًّا لذلك لعدم ولايته عليهم. * الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب المحافظة على نصوص المعاهدة التي تعقد بين المسلمين والمشركين، ولو اشتملت على شروط فيها غضاضة على المسلمين فلا بأس، إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، فإن صلح الحديبية قد اشتمل على بعض الشروط التي فيها شيء من الذل على المسلمين، ومن ذلك اشتراط المشركين أثناء كتابة الصلح ألا يكتب محمد

стр. 4050

رسول الله، وإنما يكتب محمد بن عبد الله، وألا يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنما يكتب باسمك اللهم، كما اشترطوا أن من جاء إلى النبي ﷺ منهم بغير إذن وليه أنه يرده عليهم، ومن جاء من المسلمين فإنه لا يرد عليهم. وهدف قريش من هذه الشروط وغيرها الحفاظ على سمعتها وعدم الاعتراف بالمسلمين كندٍّ لها يقف معها جنبًا إلى جنب، وقد تخلَّفت قريش عن بعض الشروط، ثم نقضوا العهد. أما هدف الرسول ﷺ فهو تحقيق مصالح الدعوة، وما يترتب على هذا الصلح من أمن الناس والكف عن القتال حتى يظهر الإسلام، وينتشر الناس ويتصلوا بالمدينة، ويحصل سماع القرآن والسنة. ولهذا اتضح من خلال عقد الصلح تسامح الرسول ﷺ مع قريش، وهو تسامح محكوم بقوله ﷺ : "لا يسألونني خُطة يعظِّمون فيها حُرُمَاتِ الله إلا أعطيتهم إياها" (١). ومع هذا فقد تألم عمر وبعض الصحابة ﵃ من شروط قريش، ورأوا أن الرضا والالتزام بها يعبر عن الضعف والاستكانة أمام الكفار، حتى قال عمر ﵁: (فَعَلامَ نعطي الدنيَّة في ديننا؟)، لكن رسول الله ﷺ قد رضي تلك الشروط ووقَّع مع قريش العقد عليها، وقال لعمر: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري"، والله تعالى هو العليم بما سيكون كيف يكون، وهذا يدل على أن الرسول ﷺ واثق بالله تعالى كل الثقة أن العاقبة له وللمسلمين وأن كفته هي الراجحة وإن ظهر للناس ما ظهر. وقد صارت العاقبة حميدة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١] فجعل الله تعالى ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، قال ابن كثير عند هذه الآية: (والمراد به صلح الحديبية؛ فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان) (٢). والحمد لله رب العالمين.

стр. 4051

إثم من قتل معاهدًا ١٣٢٢/ ٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الجزية والموادعة"، باب (إثم من قتل معاهدًا بغير جرم) (٣١٦٦)، وفي "الديات" (٦٩١٤) من طريق عبد الواحد، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عَمْرٍو (١) ﵄ مرفوعًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من قتل معاهدًا) بفتح الهاء اسم مفعول، وبكسرها (٢) اسم فاعل، من عاهد فلانًا أعطاه عهدًا، والمعَاهَدُ: إما ذمي أعطي عقدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الإسلام، أو مستأمِن: وهو من أعطي عقدًا مؤقتًا لغرض شرعي كسماع كلام الله أو تجارة أو سفارة، كما يطلق المعاهد على من أُبرم مع دولته عقد هدنة على ما تقدم بيانه، قال الحافظ: (والمراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم) (٣). قوله: (لم يرح رائحة الجنة) بفتح الياء والراء، من راح يراح، كخاف

стр. 4052

يخاف، وهذا اختيار أبي عبيد والخطابي وابن الجوزي وابن التين وغيرهم. ويجوز ضم الياء وكسر الراء، من أراح يُريح، تقول: أرحتُ الشيء فأنا أُريحه، ويجوز فتح الياء وكسر الراء، وقد حكى الزمخشري اللغات الثلاث في "الفائق" (١). قوله: (ليوجد) هذه رواية البخاري في "الديات"، وأما لفظه في الباب المذكور فهو: (وإن ريحها توجد). قوله: (مسيرة أربعين عامًا) أي: إن ريح الجنة وطيبها ونسيمها يجده المؤمن يوم القيامة من مسافة أربعين عامًا (٢). * الوجه الثالث: في الحديث دليل على إثم من قتل معاهدًا بغير حق، وأن هذا من كبائر الذنوب لثبوت الوعيد فيه، وهذا يفيد وجوب صيانة دماء أهل الذمة والمعاهدين، وأن المعاهد له حق الأمن على نفسه وماله وعرضه، حتى تتم المدة أو ينبذ إليهم العهد إذا خيف خيانتهم، وإذا كان هذا الوعيد في قتل المعاهد فكيف بقتل المسلم؟!. وتقييد قتله بغير حق ليس في الحديث، وقد قيده البخاري كما في الترجمة المذكورة، وهذا القيد مستفاد من قواعد الشرع، وثبت في روايات خارج الصحيح (٣). وقد تقدم الكلام في الاقتصاص من قاتل المعاهد في "الجنايات". والله تعالى أعلم.

стр. 4053

باب السَّبْق والرمي السبْق: بتسكين الباء، مصدر سبق؛ أي: تقدم، وهو بلوغ الغاية قبل غيره. والسبَق: بفتح الباء هو العوض والجُعْلُ، والمراد به: ما يجعل للسابق على سبقه من جعل أو نوال، وهذا هو المعروف الآن بالجائزة، ومعناها في اللغة: العطية، وجمعها: جوائز (١). والمسابقة جائزة بالسنة والإجماع، أما السنة فما ذكره الحافظ من الأحاديث، وأما الإجماع فقد قال الموفق: (أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة) (٢). ومن جهة المعنى فإن المسابقة إذا خلت من العبث، فهي من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد والمصالح والانتفاع بها عند الحاجة إليها. وأما الرمي: فهو مصدر رميت الشيء وبالشيء: إذا قذفته، ورمى بالشيء أيضًا: ألقاه (٣). والرمي يقال في الأعيان كالسهم والحجر، وهو المراد هنا، ويقال في المقال كناية عن الشتم والقذف، وتقدم في (الحدود). والمسابقة في الرمي بالسهام تسمى مناضلة، يقال: ناضله مناضلة ونضالًا: باراه في الرمي (٤).

стр. 4054

مشروعية سباق الخيل وتنويع المسافة حسب قوتها وضعفها ١٣٢٣/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: سَابَقَ النَّبيُّ ﷺ بِالْخَيلِ الَّتي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيّةَ الْوداعِ، وَسَابَقَ بَينَ الْخَيلِ الَّتي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَني زُرَيقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ، قَال سُفْيَانُ: مِنَ الحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتةٌ، وَمِنَ الثنِيَّة إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيقٍ مِيلٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الصلاة"، باب (هل يقال مسجد بني فلان؟) (٤٢٠)، ومسلم (١٨٧٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. ورواه البخاري -أيضًا- في "الجهاد" (٢٨٦٨) من طريق سفيان، عن عبيد الله، عن نافع به، وزاد: قال سفيان: (بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، وبين ثنيةَ إلى مسجد بني زريق ميل). ولعل الحافظ أورد هذه الزيادة؛ لأنها بينت المسافة التي لم تذكر في الرواية الأولى. ورواه البخاري -أيضًا- (٢٨٧٠) من طريق أبي إسحاق، عن موسى بن

стр. 4055

عقبة عن نافع به، وفيه: فقلت لموسى: فكم بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قد أضمرت) الإضمار: ضد التسمين، ومعناه: إعلاف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتًا وتغشى بالجلال حتى تحمى وتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري (١). قوله: (من الحفياء) بفتح الحاء مع المد أو القصر، موضع خارج المدينة وراء أُحد من جهة الشمال. قوله: (وكان أمدها) بفتح الهمزة والميم؛ أي: غايتها. قوله: (إلى ثنية الوداع) بفتح الواو، وأصل الثنية: الطريق في الجبل، وهي ثنية مشرفة على المدينة، يطؤها من يريد مكة، وقيل: مريد الشام، سميت بذلك؛ لأنها موضع توديع المسافرين إلى مكة (٢). قوله: (إلى مسجد بني زريق) بضم الزاي المعجمة، بطن من الخزرج من الأنصار، وهذا المسجد يقع قرب مسجد المصلى المعروف بمسجد الغمامة الواقع في الجنوب الغربي من المسجد النبوي، قرب النهاية الجنوبية لشارع المناخة. قوله: (خمسة أميال أو ستة) تقدم في "الصلاة" أن الميل: (١٨٤٨ م)، فتكون مسافة السباق على الأول: (٢٤٠، ٩) تسعة أكيالٍ ومائتين وأربعين مترًا، وقال موسى بن عقبة: ستة أميال أو سبعة. قال الحافظ: (وهو اختلاف قريب) (٣). * الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية السباق بالخيل، وأن هذا من الرياضة المحمودة الموصلة إلى مقاصد شرعية مطلوبة، وهي الإعداد

стр. 4056

للجهاد في سبيل الله تعالى قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وهذا من حرص الإسلام على إعداد أسباب القوة، التي منها المسابقة والعدو لأجل أن يدرك المجاهدون مرادهم من عدوهم، أو يهربوا منه عند الحاجة، وتخصيص ذلك بالخيل؛ لأنها هي العدة التي يقاتل عليها في ذلك الزمن، ويقاس عليها ما ظهر في هذا الزمن مما شاركها في العلة. * الوجه الرابع: جواز إضمار الخيل بالصفة المتقدمة، وهذا مستحب في الخيل المعدة للغزو، وليس هذا من باب تعذيبها، بل من باب تدريبها للحرب وإعدادها لحاجتها والكر والفر. * الوجه الخامس: مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة، ووضع علامات يعرفها المتسابقان؛ لأن الغرض من السباق معرفة الأسبق، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة الغاية التي يتسابقان إليها، ونقطة الانطلاق التي يبدآن منها. * الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية تنويع مسافة السباق إلى مسافات طويلة ومسافات قصيرة على حسب درجات الخيل، فالخيل المضمرة تتسابق وحدها، والخيل التي لم تضمر تتسابق وحدها؛ لأن المضمرة أخف وأسرع في الجري بخلاف غير المضمرة فهي أقل منها. * الوجه السابع: في الحديث دليل على جواز تسمية المسجد باسم شخص أو قبيلة، قال الحافظ: (والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي) (١)، وقد روى ابن أبي شيبة أن إبراهيم النخعي لا يرى بأسًا أن يقول: مصلى بني فلان (٢) وهذا معارض لقول ابن حجر، ولعله رواية أخرى عنه، أو أنه يرى الجواز في المصلى دون المسجد. ومن أدلة الجواز قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (٣).

стр. 4057

وإضافة المسجد إلى الشخص لا تفيد التمليك، وإنما هي للتمييز بين المساجد، لكن لا ينبغي التوسع في ذلك بكتابة اسم واقف المسجد في لوحات على أبوابه، بل يكتفي بشهرة اسمه بين الناس خشية احتمال وقوع الرياء، وقد لا يدري واقف المسجد عن ذلك شيئًا، وإنما هو تصرف ممن أشرف على عمارته. وقد نقل الحافظ عن ابن الجوزي أنه قال: (من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4058

مشروعية تنويع المسافة بحسب قوة الخيل وجلادتها ١٣٢٤/ ٢ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَبَّقَ بَينَ الْخَيلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ في الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٠/ ٤٩٨)، وأبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في السبق) (٢٥٧٧)، وابن حبان (١٠/ ٥٤٣) من طريق عقبة بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ … فذكره. وهذا سند صحيح كما قال ابن عبد الهادي (١)، لكن ذكر الدارقطني أن عقبة بن خالد زاد في الحديث لفظًا لم يأت به غيره، وهو قوله: (وفضَّل القُرَّحَ في الغاية) (٢). وعقبة هذا قال عنه العقيلي: (لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به) (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق صاحب حديث)، وهذا الحديث والذي قبله مدارهما على نافع، فيخشى أن هذا الحديث أحدُ ألفاظ الحديث السابق، فرواه عقبة بالمعنى، فزاد وانفرد. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (سَبَّقَ) بفتح السين وتشديد الباء؛ أي: التزم السَّبَق -بفتح الباء- وهو ما يعطى من الجوائز للسابق على سبقه، وهو من الأضداد، يقال: سبَّق: أعطى السبق للسابق، وسبَّق: أخذ السبق من المسبوق، ولعل السبب أن السبق يقتضي الأخذ من المسبوق والإعطاء للسابق.

стр. 4059

قوله: (وفضل القرح في الغاية) أي: جعل مسافة سباقها أبعد وأطول من مسافة ما دونها، والقرح: بضم القاف وتشديد الراء جمع قارح، وهو من الخيل ما دخل في السنة الخامسة، وإنما فضله في الغاية؛ لأنه يكون أقوى وأجلد من غيره ممن هو أصغر منه سنًّا. والغاية: هي مدى الشيء وأقصاه، وتقدم معناها، وجمعها غَايٌ وغايات. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية سباق الخيل، وتنويع مسافات السباق بحسب درجات الخيل في قوتها وجلادتها؛ لأن من الخيل ما هو أمتع وأصبر على الجري والسباق، فيعطى المسافة التي تناسب قوته. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على مشروعية إعطاء الجوائز في سبق الخيل، لقوله: (سبَّق). والجائزة إذا كانت مجرد جائزة معنوية فهي لا تعدو أن تكون حافزًا معنويًّا يقوي روح المنافسة والمسابقة، إذ تعتبر ذكرى محفوظة، وشهادة على غلبة الغالب وتفوق المتفوق. أما إذا كانت الجائزة مالًا فإن الحافز يقوى عند أكثر الناس؛ لأن المال محبوب للنفوس، تسعى لجمعه وتحصيله، فيضاف إلى المعنى، فتترك المسابقة أثرًا ماديًّا ملموسًا. ولا يمكن إنكار مثل هذه الحوافز في رفع الكفاءات والمهارات التي يراد رفعها في المجتمع. قال ابن القيم: "القادر على أن يغلب غيره قد يريد ذلك لمجرد محبة النفس لإظهار القدر والغلبة، وقد يريد ذلك لأخذ المال، فإذا اجتمع الأمران كانت إرادته أبلغ" (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4060

ما تجوز المسابقة عليه بعوض ١٣٢٥/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا سَبَقَ إلا في خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ والثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٦/ ١٢٩)، وأبو داود في كتاب "الجهاد"، بابٌ (في السبق) (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٦)، وابن حبان (١٠/ ٥٤٤) من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وقال ابن القطان: (إسناده عندي صحيح، ورواته كلهم ثقات) (١). وساقه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢)، والحديث له طرق، أعل الدارقطني بعضها بالوقف (٣). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا سبق) بفتح السين والباء، هو ما يجعل من الجوائز للسابق على سبقه، والقول بفتح السين نص عليه الخطابي (٤)، وحكى ابن دريد جواز الفتح والإسكان (٥). ولا: نافية؛ أي: لا أخذ عوض إلا في الثلاثة المذكورة.

стр. 4061

قوله: (إلا في خف) هذا كناية عن الإبل؛ لأنها هي ذات الخف. قوله: (أو نصل) بفتح النون وإسكان الصاد، هي حديدة السهم والرمح، والسيف ما لم يكن له مقبض. قوله: (أو حافر) هذا كناية عن الخيل؛ لأنها هي ذات الحافر، والبغل والحمار له حافر لكنه غير مراد هنا. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز السباق على جوائز للمتسابقين، والسباق على الجوائز مقصور على السباق بالإبل والرمي بالسهام ونحوها، والسباق بالخيل؛ لأن هذه الثلاثة هي التي يحتاج إليها في الجهاد ويعتمد عليها، وإنما جعل لها جوائز لينشط الناس في المسابقة عليها واختيار الخيل والإبل، واعتياد الرمي الذي يَحتاج إلى بذل المال لشراء ما يرمى به لإحسان الرمي، وعلى هذا فيكون أخذ المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المسابقات، وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة في هذه الثلاثة بعوض، وإن اختلفوا في صفة الجواز، كما أجمعوا على جوازها بدون عوض، ومستند الإجماع على جوازها بعوض هو هذا الحديث (١). أما أخذ العوض في المسابقة على غير هذه الثلاثة فمن أهل العلم من منعه، وهو قول المالكية، وقول للشافعية، ومذهب الحنابلة، وابن حزم، وكثير من السلف والخلف (٢)، وعليه فلا يدخل في الحديث المسابقة على البغال والحمير والرمي بالرماح؛ لأن غير الثلاثة لا يساويها فيما تضمنته من الفروسية وتعلم أسباب الجهاد؛ ولأن الخيل هي التي عهدت المسابقة عليها بين الصحابة ﵃ في عهد النبي ﷺ ولم يسابق على بغل ولا حمار قط مع وجودها عندهم؛ ولأن هذه الحيوانات لا يسهم لها في الغنيمة، والرماح لا يرمى بها.

стр. 4062

والقول الثاني: الجواز في كل ما كان موافقًا للمنصوص عليه في المعنى، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم على خلاف بينهم فيما يلحق بالمنصوص عليه، أخذًا بعموم اللفظ؛ ولأن ما كان موافقًا لها في العلة والمعنى فإنه يلحق بها في الحكم (١)، وأوسع المذاهب -كما يقول ابن القيم- مذهب الحنفية. والقول الأول أظهر، وهو أن بذل العوض خاص بما ذكر من الإبل والخيل والنصل؛ لأن الحديث جاء بصيغة النفي والاستثناء وهو من أساليب الحصر، ثم إن غير الثلاثة المذكورة لا يشبهها لا صورة ولا معنى، ولا يحصِّل مقصودها (٢)؛ ولأن إباحة بذل العوض في غير ما نَصَّ عليه الحديث أو ما في معناه يؤدي إلى اشتغال النفوس به واتخاذه مكسبًا، لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس، فتشتد رغبتها فيه، فأبيح في نفسه، لأنه إعانة وإجمام للنفس وراحة لها، وحرم أكل المال به، لئلا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا (٣). مع ملاحظة أنه إذا كان ما نصَّ عليه الحديث هو آلات الحرب في ذلك الزمن فإنه يدخل في معناه آلات الحرب الحديثة، كالدبابات والمدرعات والطائرات العسكرية ونحو ذلك (٤)؛ لوجود المعنى المراد. أما المسابقة في المسائل العلمية فسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- في شرح الحديث الآتي. والله تعالى أعلم.

стр. 4063

ما جاء في اشتراط مُحَلِّلِ السِّبَاقِ ١٣٢٦/ ٤ - وَعَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ -وَهُوَ لَا يَأمَنُ أنْ يُسْبَقَ- فَلَا بَأسَ بِهِ، وإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٦/ ٣٢٧)، وأبو داود في "الجهاد"، بابٌ (في المحلل) (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦) من طرق، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف كما قال الحافظ؛ لأن سفيان بن حسين ضعيف في الزهري، قال النسائي: (ليس بالقوي في الزهري خاصة، وفي غيره لا بأس به) (١). وقال الحافظ في "التقريب": (ثقة في غير الزهري باتفاقهم)، وقال أبو حاتم: (هذا خطأ، لم يعمل سفيان بن حسين بشيء، لا يشبه أن يكون عن النبي ﷺ ، وأحسن أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيب قوله، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد قوله) (٢). وقال ابن أبي خيثمة: (سألت ابن معين فقال: هذا باطل، وضرب على أبي هريرة)، وما ذكره أبو حاتم رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (ليس بِرِهَانِ الخيل بأس إذا دخل فيها محلل، فإن سبق أخذ السَّبَق، وإن سبق لم يكن عليه

стр. 4064

شيء) (١)، وقال أبو داود عقب الحديث: (رواه معمر، وشعيب، وعُقيل عن الزهري، عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا)، ووجه ذلك أن معمرًا وشعيبًا وعقيلًا من أثبت الناس في الزهري، وعلى هذا فالحديث لا يثبت رفعه، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب، أو من كلام رجال من أهل العلم، وقد أطال ابن القيم الكلام في تضعيف هذا الحديث في كتابه "الفروسية" (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أدخل فرسًا بين فرسين) أي: من أجرى فرسًا في السباق مع فرسين، وهذا الفرس الثالث يسمى المحلِّل، ومعناه أنه يحلل للسابق ما يأخذه من السَّبَق، فيخرج بذلك عن صورة القمار (٣). قوله: (وهو لا يأمن أن يُسبق) بضم الياء مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: وهو لا يأمن أن يتخلف فرسه وشمبقه غيره، بمعنى: أنه غير متيقن أن فرسه سيسبق غيره، بل قد يَسبق وقد يُسبق. قوله: (فلا بأس) أي: فلا مانع من هذا السباق لما سيأتي. قوله: (وإن أمن فهو قمار) لفظ أبي داود: (وقد أمن أن يُسبق … ) والمحلل له ثلاث صور: ١ - أن يكون أضعف منهما، فهذا قمار. ٢ - أن يكون أقوى منهما فهذا حيلة وخدع؛ لأنه سيغنم ماليهما. ٣ - أن يكون مثلهما فلا يعتبر حيلة؛ لإمكان سبقه أو عدم سبقه. فإن أمن من تخلف فرسه وسَبْق فرس غيره، بأن كان متيقنًا أن فرسه يسبق فرس غيره، فإن هذا يكون قمارًا، وهو بكسر القاف، وهو الخطر، وأصله في كلام العرب: المغابنة، وفي الاصطلاح: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب، أو هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن

стр. 4065

يكون غانمًا إن أخذ أو غارمًا إن أعطى (١). وليس دخوله هو الذي جعل العقد قمارًا، بل إخراجهما الرهان هو الذي جعل العقد قمارًا، وصار دخوله على غير الوجه الذي دخلا عليه من الخوف والرجاء لا عبرة به، فكأنه لم يدخل، فكان العقد قمارًا. ° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على اشتراط المحلل في السباق، وهو صاحب الفرس الثالث الذي لم يدفع شيئًا، وذلك ليخرج لعقد من صورة القمار. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر بأن المتسابقين متى أدخلا بينهما فرسًا تيقن صاحبه أنه يَسبق غيره فإن العقد يكون قمارًا؛ لأنه لا يخلو واحد منهما من أن يغنم أو يغرم، بخلاف ما إذا لم يتيقن بل صار يرجو ويخاف، فإنه لا يكون قمارًا. وصورة ذلك أن يضع المتسابقان سَبَقين؛ أي: جائزتين بينهما، ثم يأتي متسابق ثالث فيرسل معهما فرسه ولا يضع من عنده شيئًا، وشرط المحلل أن يكون فرسه مكافئًا لفرسيهما، بحيث يحتمل أن يَسبق أو يُسبق، فإن سبق أخذ سبقيهما؛ لأنه جعل لمن سبق، وقد سبق، وإن لم يسبق أحرزا سبقيهما؛ لأن المحلل لم يسبقهما وليس عليه شيء؛ لأنه لم يُشرط عليه لمن سبقه شيء، فإن كان هناك يقين من عجز فرسه عن السبق كان يكون هزيلًا لم يجز؛ لأن دخوله حينئذٍ يكون صوريًّا في السباق، فيبقى كأنه سباق بين طرفين أخرجا الجعل، وكل منهما إما غانم أو غارم، وهذا هو القمار، وكذا إن كان هناك يقين من تفوقه لم يجز؛ لأن دخوله مجرد صورة أو حيلة منه؛ لأنه سيغنم ماليهما وكأنهما يتسابقان بلا مال يغنمانه، بل على مال يغرمانه (٢). ولا خلاف بين العلماء في جواز العوض من أحد المتسابقين أو من غير المتسابقين كالإمام أو أحد الرعية، أما إذا كان العوض من المتسابقين فإنه لا
следующие страницы →