← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

قوله: (إلا في خف) هذا كناية عن الإبل؛ لأنها هي ذات الخف. قوله: (أو نصل) بفتح النون وإسكان الصاد، هي حديدة السهم والرمح، والسيف ما لم يكن له مقبض. قوله: (أو حافر) هذا كناية عن الخيل؛ لأنها هي ذات الحافر، والبغل والحمار له حافر لكنه غير مراد هنا. * الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز السباق على جوائز للمتسابقين، والسباق على الجوائز مقصور على السباق بالإبل والرمي بالسهام ونحوها، والسباق بالخيل؛ لأن هذه الثلاثة هي التي يحتاج إليها في الجهاد ويعتمد عليها، وإنما جعل لها جوائز لينشط الناس في المسابقة عليها واختيار الخيل والإبل، واعتياد الرمي الذي يَحتاج إلى بذل المال لشراء ما يرمى به لإحسان الرمي، وعلى هذا فيكون أخذ المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المسابقات، وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة في هذه الثلاثة بعوض، وإن اختلفوا في صفة الجواز، كما أجمعوا على جوازها بدون عوض، ومستند الإجماع على جوازها بعوض هو هذا الحديث (١). أما أخذ العوض في المسابقة على غير هذه الثلاثة فمن أهل العلم من منعه، وهو قول المالكية، وقول للشافعية، ومذهب الحنابلة، وابن حزم، وكثير من السلف والخلف (٢)، وعليه فلا يدخل في الحديث المسابقة على البغال والحمير والرمي بالرماح؛ لأن غير الثلاثة لا يساويها فيما تضمنته من الفروسية وتعلم أسباب الجهاد؛ ولأن الخيل هي التي عهدت المسابقة عليها بين الصحابة ﵃ في عهد النبي ﷺ ولم يسابق على بغل ولا حمار قط مع وجودها عندهم؛ ولأن هذه الحيوانات لا يسهم لها في الغنيمة، والرماح لا يرمى بها.

стр. 4062

والقول الثاني: الجواز في كل ما كان موافقًا للمنصوص عليه في المعنى، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم على خلاف بينهم فيما يلحق بالمنصوص عليه، أخذًا بعموم اللفظ؛ ولأن ما كان موافقًا لها في العلة والمعنى فإنه يلحق بها في الحكم (١)، وأوسع المذاهب -كما يقول ابن القيم- مذهب الحنفية. والقول الأول أظهر، وهو أن بذل العوض خاص بما ذكر من الإبل والخيل والنصل؛ لأن الحديث جاء بصيغة النفي والاستثناء وهو من أساليب الحصر، ثم إن غير الثلاثة المذكورة لا يشبهها لا صورة ولا معنى، ولا يحصِّل مقصودها (٢)؛ ولأن إباحة بذل العوض في غير ما نَصَّ عليه الحديث أو ما في معناه يؤدي إلى اشتغال النفوس به واتخاذه مكسبًا، لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس، فتشتد رغبتها فيه، فأبيح في نفسه، لأنه إعانة وإجمام للنفس وراحة لها، وحرم أكل المال به، لئلا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا (٣). مع ملاحظة أنه إذا كان ما نصَّ عليه الحديث هو آلات الحرب في ذلك الزمن فإنه يدخل في معناه آلات الحرب الحديثة، كالدبابات والمدرعات والطائرات العسكرية ونحو ذلك (٤)؛ لوجود المعنى المراد. أما المسابقة في المسائل العلمية فسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- في شرح الحديث الآتي. والله تعالى أعلم.

стр. 4063

ما جاء في اشتراط مُحَلِّلِ السِّبَاقِ ١٣٢٦/ ٤ - وَعَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ -وَهُوَ لَا يَأمَنُ أنْ يُسْبَقَ- فَلَا بَأسَ بِهِ، وإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٦/ ٣٢٧)، وأبو داود في "الجهاد"، بابٌ (في المحلل) (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦) من طرق، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف كما قال الحافظ؛ لأن سفيان بن حسين ضعيف في الزهري، قال النسائي: (ليس بالقوي في الزهري خاصة، وفي غيره لا بأس به) (١). وقال الحافظ في "التقريب": (ثقة في غير الزهري باتفاقهم)، وقال أبو حاتم: (هذا خطأ، لم يعمل سفيان بن حسين بشيء، لا يشبه أن يكون عن النبي ﷺ ، وأحسن أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيب قوله، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد قوله) (٢). وقال ابن أبي خيثمة: (سألت ابن معين فقال: هذا باطل، وضرب على أبي هريرة)، وما ذكره أبو حاتم رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (ليس بِرِهَانِ الخيل بأس إذا دخل فيها محلل، فإن سبق أخذ السَّبَق، وإن سبق لم يكن عليه

стр. 4064

شيء) (١)، وقال أبو داود عقب الحديث: (رواه معمر، وشعيب، وعُقيل عن الزهري، عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا)، ووجه ذلك أن معمرًا وشعيبًا وعقيلًا من أثبت الناس في الزهري، وعلى هذا فالحديث لا يثبت رفعه، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب، أو من كلام رجال من أهل العلم، وقد أطال ابن القيم الكلام في تضعيف هذا الحديث في كتابه "الفروسية" (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أدخل فرسًا بين فرسين) أي: من أجرى فرسًا في السباق مع فرسين، وهذا الفرس الثالث يسمى المحلِّل، ومعناه أنه يحلل للسابق ما يأخذه من السَّبَق، فيخرج بذلك عن صورة القمار (٣). قوله: (وهو لا يأمن أن يُسبق) بضم الياء مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: وهو لا يأمن أن يتخلف فرسه وشمبقه غيره، بمعنى: أنه غير متيقن أن فرسه سيسبق غيره، بل قد يَسبق وقد يُسبق. قوله: (فلا بأس) أي: فلا مانع من هذا السباق لما سيأتي. قوله: (وإن أمن فهو قمار) لفظ أبي داود: (وقد أمن أن يُسبق … ) والمحلل له ثلاث صور: ١ - أن يكون أضعف منهما، فهذا قمار. ٢ - أن يكون أقوى منهما فهذا حيلة وخدع؛ لأنه سيغنم ماليهما. ٣ - أن يكون مثلهما فلا يعتبر حيلة؛ لإمكان سبقه أو عدم سبقه. فإن أمن من تخلف فرسه وسَبْق فرس غيره، بأن كان متيقنًا أن فرسه يسبق فرس غيره، فإن هذا يكون قمارًا، وهو بكسر القاف، وهو الخطر، وأصله في كلام العرب: المغابنة، وفي الاصطلاح: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب، أو هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن

стр. 4065

يكون غانمًا إن أخذ أو غارمًا إن أعطى (١). وليس دخوله هو الذي جعل العقد قمارًا، بل إخراجهما الرهان هو الذي جعل العقد قمارًا، وصار دخوله على غير الوجه الذي دخلا عليه من الخوف والرجاء لا عبرة به، فكأنه لم يدخل، فكان العقد قمارًا. ° الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على اشتراط المحلل في السباق، وهو صاحب الفرس الثالث الذي لم يدفع شيئًا، وذلك ليخرج لعقد من صورة القمار. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر بأن المتسابقين متى أدخلا بينهما فرسًا تيقن صاحبه أنه يَسبق غيره فإن العقد يكون قمارًا؛ لأنه لا يخلو واحد منهما من أن يغنم أو يغرم، بخلاف ما إذا لم يتيقن بل صار يرجو ويخاف، فإنه لا يكون قمارًا. وصورة ذلك أن يضع المتسابقان سَبَقين؛ أي: جائزتين بينهما، ثم يأتي متسابق ثالث فيرسل معهما فرسه ولا يضع من عنده شيئًا، وشرط المحلل أن يكون فرسه مكافئًا لفرسيهما، بحيث يحتمل أن يَسبق أو يُسبق، فإن سبق أخذ سبقيهما؛ لأنه جعل لمن سبق، وقد سبق، وإن لم يسبق أحرزا سبقيهما؛ لأن المحلل لم يسبقهما وليس عليه شيء؛ لأنه لم يُشرط عليه لمن سبقه شيء، فإن كان هناك يقين من عجز فرسه عن السبق كان يكون هزيلًا لم يجز؛ لأن دخوله حينئذٍ يكون صوريًّا في السباق، فيبقى كأنه سباق بين طرفين أخرجا الجعل، وكل منهما إما غانم أو غارم، وهذا هو القمار، وكذا إن كان هناك يقين من تفوقه لم يجز؛ لأن دخوله مجرد صورة أو حيلة منه؛ لأنه سيغنم ماليهما وكأنهما يتسابقان بلا مال يغنمانه، بل على مال يغرمانه (٢). ولا خلاف بين العلماء في جواز العوض من أحد المتسابقين أو من غير المتسابقين كالإمام أو أحد الرعية، أما إذا كان العوض من المتسابقين فإنه لا

стр. 4066

يجوز إلا إن دخل بينهما محلِّل، خشية الوقوع في القمار، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، ورواية عن مالك (١)، واستدلوا بحديث الباب وما في معناه، كما استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن أبي عمر الشيباني، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ قال: (الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، وعاريته وعلفه أجر، وفرس يُغالق عليه الرجل ويراهن عليه، فثمنه وزر، وعلفه وركوبه وزر، وفرس لِلْبِطْنَةِ، فعسى أن يكون سدادًا من فقر -إن شاء الله-) (٢). ووجه الاستدلال: أن المغالقة هي المراهنة، وقد كرهها النبي ﷺ إذا كانت على رسم الجاهلية، وذلك بأن يضعا بينهما جُعلًا يستحقه السابق منهما، وهذا من القمار (٣)، قال البيهقي: (وهذا -إن ثبت- فإنما أراد به -والله أعلم- أن يخرجا سَبَقَين من عندهما، ولم يدخلا بينهما محللًا، فيكون قمارًا، فلا يجوز) (٤). ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنه يجوز بذل الجعل من المتسابقين ولو بدون محلل، وقد نص ابن تيمية على أنهما إن أخرجا العوض وكان معهما آخر محللًا يكافئهما كان ذلك جائزًا (٥)، وظاهر هذا أن ابن تيمية لا يرى وجوب المحلِّل، بل يراه جائزًا، ودليلهما:

стр. 4067

١ - عدم ثبوت الأحاديث الواردة باشتراط المحلل، ومنها حديث الباب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (محلل السباق لا أصل له في الشريعة، ولم يأمر النبي ﷺ أمته بمحلل السباق) (١). وقال ابن القيم: (القول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة ﵃ فلا يحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل، ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم)، ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل) (٢). ٢ - لو كان المحلل شرطًا لكان التصريح به في الحديث الصحيح -المتقدم- أولى من التصريح بمحال السَّبق، وهي الخف والحافر والنصل (٣). ٣ - أن إدخال المحلل حيلة؛ لأنه إن جاز أخذ العوض بلا محلِّل فلا حاجة إلى المحلل، وإن كان حرامًا لكونه قمارًا صار إدخال المحلل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعًا (٤). وعلى هذا القول فإخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه المسألة ليس قمارًا محرمًا، بل هو مستثنى منه؛ لأن فيه مصلحة، وهي التمرن على آلات القتال، وهي مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر (٥). وهذا القول تبدو وجاهته، لكن قد يشكل عليه الحديث المتقدم عن رجل من الأنصار، فإنه يدل على كراهة الرهان إذا كان على مذهب أهل الجاهلية، وهو أن يكون العوض من المتسابقين، فإن بذل أحدهما أو غيرهما لم يكن كذلك، وقد ذكر يعض الباحثين أنه لم ير شيخ الإسلام ولا ابن القيم ذكرا هذا الحديث فيما كتباه عن محلِّل السباق (٦).

стр. 4068

° الوجه الرابع: اعلم أن المسابقات والمغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض ثلاثة أقسام: ١ - قسم يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل، وهو الأغلب، ويدخل في هذا المسابقة على الأقدام والمصارعة وحمل الأثقال، فهذا يحرم أكل المال فيه حتى لا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا، وأبيح بدون مال لما فيه من إجمام للنفس وترويح لها، وتقوية للبدن. ٢ - لا يجوز مطلقًا لا بعوض ولا بغير عوض، ويدخل في ذلك كل مسابقة فيها مفسدة راجحة على المنفعة، كالنَّرْد، والشطرنج (١)، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو أدخلت في محرم، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الاتفاق على تحريم ذلك (٢). ٣ - يجوز مطلقًا بعوض وبلا عوض، وهو ما فيه مصلحة راجحة، كالرمي، والسباق بالخيل، والإبل؛ لما تقدم من قوله ﷺ : "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" (٣). أما المسابقة في المسائل العلمية وحفظ المتون وغيرها، فلا تخلو: (أ) إما أن تكون من باب الجعالة، فهذه جائزة، وذلك مثل أن يقول: من بحث هذه المسألة أو حفظ كذا فله كذا. (ب) وإما أن تكون من باب الرهان، فهذه موضع خلاف بين العلماء، فالجمهور على المنع للحصر المستفاد من الحديث المتقدم، وعند أصحاب أبي حنيفة تجوز، لقيام الدين بالجهاد والعلم، وهو وجه عند الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم، وفاقًا

стр. 4069

للحنفية، لقيام الدين بالجهاد والعلم، والله أعلم) وقال ابن القيم: (فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز، وهذا القول هو الراجح) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4070

ما جاء في فضل الرمي والحث عليه ١٣٢٧/ ٥ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْرَأُ: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية، "ألا إنَّ الْقُوّةَ الرّمْيُ، ألا إنَّ الْقُوَّةَ الرّمْيُ، ألا إن الْقُوّةَ الرّمْيُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإمارة"، باب (فضل الرمي والحث عليه) (١٩١٧) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي عليِّ ثُمامةَ بن شُفَيٍّ أنه سمع عقبة بن عامر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر- يقول: .. وذكر الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ أمر من الإعداد، وهو تهيئة الشيء للمستقبل؛ أي: هيئوا للكفار، واللام للتعليل. قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما يتقوى به على قمعهم وقتالهم، وهذا يشمل القوة المعنوية كالرأي والتنظيم، والمادية كالمعدات القاذفة والحاملة والمركوبة. قوله: (ألا إن القوة الرمي) ألا: أداة استفتاح وتنبيه للتوكيد، والرمي لغة: مصدر رميت بالسهم رميًا ورماية، وهو بمعنى القذف والإلقاء. وفي الاصطلاح: محاولة إصابة هدف معين باستخدام اليد مباشرة أو الآلة (١).

стр. 4071

وهو لفظ مطلق يشمل كل ما يُرمى به من سَهْمٍ، أو قذيفة منجنيق، أو بندقية، أو طائرة، أو غير ذلك مما يشمله اللفظ، وتفسير الرسول ﷺ القوة بالرمي؛ لأنه من أهم مظاهر القوة. ° الوجه الثالث: في الحديث دليل على وجوب إعداد القوة لقمع الكفار وقتالهم بقدر المستطاع، ووجوب ما يحصل به هذا الإعداد من بذل مال ودواسة تنظيم وتعلم صناعة. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على فضل تعلم الرمي والمناضلة، وأن الرمي هو أبرز ما يعد لجهاد أعداء الله من قوة، قال القرطبي: (فضل الرمي عظيم، ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين، قال ﷺ : "يا بني إسماعيل ارموا؛ فإن أباكم كان راميًا"، وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية، وقد يتعين) (١). وقد ورد التشديد العظيم في نسيان الرمي بعد علمه، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من علم الرمي، ثم تركه فليس منا أو قد عصى" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (مضت السنَّة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج، يعني أن ما حفظه من علم الدين وعلم الجهاد ليس له إضاعته) (٣). ° الوجه الخامس: استدل أكثر العلماء بحديث الباب مع الآية الكريمة على أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وتعلُّمه أفضل من تعلمه، والسباق به أفضل. ووجه الاستدلال: أن الله تعالى قدَّم الرمي في الذكر على الركوب. وقد فسَّر النبي ﷺ القوة بالرمي، والعرب إنما تبدأ في كلامها بالأهم والأَوْلى. وقد أفاض ابن القيم في ذكر الأوجه الدالة على هذا القول، فأبلغها

стр. 4072

عشرين وجهًا (١). وذهبت طائفة من أهل العلم، ومنهم الإمام مالك (٢) إلى أن ركوب الخيل أفضل من الرمي، لأن الركوب أصل الفروسية وقاعدتها، ولأن الركوب يعلم الفارس والفرس معًا. وذكر ابن القيم أوجهًا أخرى، ثم قال: (وفصل النزاع بين الطائفتين أن كل واحد منهما يحتاج في كماله إلى الآخر، والرمي أنفع في البعد، فإذا اختلط الفريقان بطل الرمي حينئذٍ وقامت سيوف الفروسية من الضرب والطعن والكرِّ والفرِّ، وأما إذا تواجه الخصمان من البعد، فالرمي أنفع وأنجع، ولا تتم الفروسية إلا بمجموع الأمرين، والأفضل منهما ما كان أنكى في العدو، وأنفع للجيش، وهذا يختلف باختلاف الجيش ومقتضى الحال) (٣). والذي يظهر من الحديث تفضيل الرمي مطلقًا، فإنه نص مؤكد بـ (ألا) و (إنّ) واسمية الجملة، وقد قال ابن كثير: (وقول الجمهور أقوى للحديث) (٤)، وقد دلَّ واقع الحروب في هذه الأزمنة على هذا الحديث دلالة واضحة، فإن مجالات الرمي الجوية والبحرية والبرية وما تحققه من نتائج لا تقارن بالغزو البري، ولهذا إذا فشلت الوسائل البرية يُلجأ إلى الرمي بواسطة المقاتلات الجوية. والله تعالى أعلم.

стр. 4073

كتاب الأطعمة الأطعمة: جمع طعام، وهو اسم لكل ما يؤكل ويتخذ من القوت، وقيل: الطعام يقع على كل ما يُطعم حتى الماء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال النبي ﷺ في زمزم "طعام طُعمٍ" (١)، وعلى هذا فالطعام يطلق غالبًا على ما يؤكل، وقد يطلق على ما يشرب (٢). والأصل في الأطعمة الحل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى امتن على خلقه بما في الأرض جميعًا، ولا يمتن إلا بمباح، إذ لا مِنَّةَ في محرم، وخُصَّ من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث لما فيها من الضرر، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن أَعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لَم يُحَرَّم فَحُرِّم من أجل مسألته) (٣)، فدل الحديث على أن الأشياء لا تحرم إلا بتحريم خاص؛ لقوله: (لَم يُحَرَّم) فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه من المطاعم والمشارب فهو حلال على الأصل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأصل في الأطعمة الحل لمسلم يعمل

стр. 4074

صالحًا؛ لأن الله تعالى إنما جعل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا معصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]) (١).

стр. 4075

تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ١٣٢٨/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأكلُهُ حَرَامٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ١٣٢٩/ ٢ - وأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ: نَهَى. وَزَادَ: "وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيرِ". • الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أبي هريرة ﵁، فقد رواه مسلم في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) (١٩٣٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عَبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: … وذكره. وأما حديث ابن عباس ﵄، فقد رواه مسلم -أيضًا- في الباب المذكور (١٩٣٤) من طريق شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس ﵄ قال: … وذكر الحديث. ولعل الحافظ أورد حديث ابن عباس ﵄؛ لأنه بلفظ نهى؛ ولأن فيه ذكر الطير، ومع أنه واف بالمراد إلا أنه أورد حديث أبي هريرة ﵁؛ لأن فيه لفظ حرام؛ ولأنه من كلام النبي ﷺ . ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (كل ذي ناب) هذه صيغة عموم، ولذا دخلت الفاء في الخبر، وقوله في حديث ابن عباس ﵄: (نهى عن كل ذي ناب .. ) هو على حذف

стр. 4076

مضاف؛ أي: عن أكل كل ذي ناب، كما في حديث أبي ثعلبة ﵁: (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع) (١)، والناب: ما بين الأضراس والأسنان، فهو السن الذي خلف الرَّباعية. قوله: (من السباع) من: للتبعيض أو للجنس، جمع سَبُعٍ، وهو ما يفترس الحيوان ويأكله قسرًا. والمراد بالحديث: كل ذي ناب من السباع يعدو به على غيره ويفترس، فلا بد من الوصفين، الأول: وجود الناب، الثاني: أن يفترس به، مثل الأسد والذئب والنمر والثعلب والهرة وغيرها، قال الإمام أحمد: كل شيء ينهش بنابه فهو من السباع (٢). وهذه فائدة ذكر الناب، وهو أن المراد: ناب يعدو به، وإلا فالسباع كلها ذات أنياب، ولم يقل: كل سبع تنبيهًا على الافتراس والتعدي (٣). فإن كان له ناب لكنه ليس من السباع حلَّ أكله كالإبل، والضبع، وهذا فيه خلاف سيأتي. قوله: (وكل ذي مخلب من الطير) أصل المخلب هو المِنْجَلُ، ويطلق على ظفر كل سبع من الماشي والطير، أو المخلب لما يصيد من الطير، والظفر لما لا يصيد (٤)، والمراد: ما له ظفر يصيد به كالصقر والعقاب والحدأة ونحوها، فإن كان له ظفر لا يصيد به، فهو حلال كالدجاج والحمام والعصافير والحبارى ونحو ذلك. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٥)، وإحدى الروايتين عن مالك، وهي التي اقتصر عليها في

стр. 4077

"الموطأ" (١)، وجزم ابن رشد بأن هذا هو الصحيح من مذهبه (٢). والقول الثاني: أن أكلها مكروه، وهذا مروي عن مالك، وهو المشهور عند أهل مذهبه، قال ابن العربي: (المشهور عنه الكراهة) (٣). واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: إنه مصروف عن التحريم إلى الكراهة بآية الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهي صريحة في أنه لم يحرم من المطعومات إلا هذه الأربعة المذكورة فيها، وما عداها فهو حلال. ويبدو أن سبب الخلاف هو معارضة مفهوم آية الأنعام للأحاديث التي جاءت بتحريم أشياء لم تذكر فيها، فأصحاب القول الأول أخذوا بمدلول الأحاديث، وأصحاب القول الثاني تمسكوا بظاهر الآية؛ لأن الحصر فيها ظاهر، فالأخذ بها أولى على رأيهم. والقول الأول هو الصواب؛ لأن الحديث صريح في التحريم، والنهي لا يصرف عن التحريم إلا بصارف، وآية الأنعام لا دليل فيها لمن يقول بالكراهة؛ لأنها مكية نزلت قبل الهجرة، والمراد منها الرد على أهل الجاهلية في تحريم أشياء من الأزواج الثمانية، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. والأحاديث الدالة على التحريم مدنية فهي متأخرة عنها قطعًا، والآية محكمة حصرت المحرمات بالأربعة المذكورة وقت نزولها، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرَّمات كالمنخنقة والموقوذة والخمر، وجاءت السنة بمحرمات أخرى، كما في حديث الباب، وكل ما ثبت تحريمه بطريق صحيح من كتاب أو سنة فهو حرام، فيزاد على الأربعة المذكورة. وليست الآية من باب نسخ القرآن بالسنة، وإنما هي من باب تحريم شيء بعد شيء زيادة من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ .

стр. 4078

ثم إن المستدل بالآية يلزمه أن يُحِلَّ أكل لحم الحمر الأهلية؛ لأنها غير مذكورة في الآية، وهو لا يقول بذلك، وهذه مناقضة. ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على تحريم أكل كل ذي مخلب من الطير يصيد به، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وجماعة من المالكية (١). وذهب فريق من المالكية إلى جواز أكل كل ذي مخلب من الطير، كالنسر والحدأة والغربان وجميع سباع الطير وغير سباعها، هذا هو المشهور عندهم (٢)، واستدلوا بعموم آية الأنعام المتقدمة. والصواب الأول؛ لأن الحديث نص صريح في التحريم، والجواب عن الآية قد تقدم. ° الوجه الخامس: ذكر ابن القيم حكمة النهي عن أكل السباع وهي ما فيها من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهًا، فيحصل عنده ميل للاعتداء على الناس وحب الانتقام، فإذا تولد اللحم منها صار في الإنسان خلق البغي والعدوان، وصارت أخلاقه هي أخلاق السباع، أضف إلى ذلك قوة لحومها وقبح رائحتها، فهي غير صالحة لأن يتغذى بها الإنسان (٣). وقد ذكر ابن تيمية أن أسباب تحريم الحيوانات ثلاثة: ١ - إما القوة السبعية، كما تقدم. ٢ - إما خبث مطعمها كالذي يأكل الجيف من الطير. ٣ - أو لأنها في نفسها مستخبثة كالحشرات (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4079

تحريم الحمر الأهلية وإباحة الخيل ١٣٣٠/ ٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيبَرَ عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيةِ، وأَذِنَ في لُحُومِ الْخَيلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَفي لَفظِ البخاري: وَرَخَّصَ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: فقد رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (غزوة خيبر) (٤٢١٩)، وفي كتاب "الذبائح والصيد"، باب (لحوم الخيل) (٥٥٢٠)، وباب: "لحوم الحمر الأهلية" (٥٥٢٤)، ومسلم (١٩٤١) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى … وذكره، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري في المواضع الثلاثة: (ورَخَّصَ). وقد جاء في بعض نسخ "البلوغ" المطبوعة (وفي لفظٍ للبخاري) -بالتنوين- وهذا خطأ؛ لأنه يشعر بأن البخاري عنده لفظ (أذن) -أيضًا- وليس كذلك، ولعل الحافظ أورد لفظ البخاري تنبيهًا على أن اللفظ الأول لمسلم. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نهى) النهي قول يتضمن طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء. قوله: (يوم خيبر) المراد غزوة خيبر، وكانت في آخر المحرم سنة

стр. 4080

سبع، كما نقله الحافظ عن ابن إسحاق، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (١). قوله: (الحمر الأهلية) بضم الحاء المهملة والميم، وهو جمع، مفرده حمار أهلي، وهو يطلق على الذكر، والأنثى أتان، وربما قالوا للأتان حمارة، والحمار حيوان داجن من الفصيلة الخيلية يستخدم للركوب والحمل. والأهلية وصف لإخراج الوحشية، وقد جاء في بعض الأحاديث: (الحمر الإنسية) نسبة إلى الإنس. قوله: (وأذن) أي: أطلق لهم الفعل، ولفظ البخاري -كما تقدم-: "ورَخَّصَ" أي: يسر وسهل، وهذا في مقابل قوله: (نهى)، وليس المراد بذلك الرخصة في تعريف الأصوليين، فإن هذا اصطلاح حادث بعد زمن الصحابة ﵃، ثم إنه لم يسبق تحريم للخيل وإنما المراد مطلق الإذن، كما في الرواية الأخرى. قوله: (الخيل) هي جماعة الأفراس، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم ورهط ونفر، بل من معناه، وهو فرس، وجمعه خيول وأخيال، وسميت خيلًا لاختيالها في مشيتها. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية؛ لأن النهي للتحريم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع، وأنه لا خلاف في تحريمها إلا ما روي عن ابن عباس (٢) وعائشة ﵄، والصحيح ما عليه الناس، وما ورد عن ابن عباس ففيه اختلاف، وعلى فرض ثبوته فلا وجه لقوله ولا قول من تابعه (٣)، وذكر ابن القيم أنه رواه عن النبي ﷺ عشرون صحابيًّا، وأحاديثهم في "الصحيحين" وغيرها، ثم ساقها وذكر من أخرجها (٤)، وقال الشنقيطي: (وتحريمها لا ينبغي أن يشك فيه منصف، لكثرة الأحاديث

стр. 4081

الصحيحة الواردة بتحريمها) (١)، ثم ذكر أن البخاري ومسلمًا رويا تحريمها عن ثمانية من الصحابة بلفظ: (حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية) و (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس)، وبلفظ: (فإنها رجس من عمل الشيطان)، وفي رواية: (فإنها رِجْسٌ أو نَجَسٌ). وقد أفادت هذه الأحاديث أن علة تحريم الحمر الأهلية هي النجاسة، وهذا يفيد أن تحريم أكلها لعينها لا لمعنى خارج، كما قيل من حاجة الناس إليه وخشية قلة الظهر، فإن هذا معارض بالخيل، بل الخيل أقل وأغلى ومع هذا أبيحت، كما سيأتي (٢). وقد روى أبو داود بسنده حديث غالب بن أبجر المزني ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلى إلا سمانُ حمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جَوَالَّ القرية" (٣). والجَوَالُّ: بفتح الجيم والواو وتشديد اللام جمع جالَّة كدابة ودواب، وهامَّة وهوامّ، وهي التي تأكل الجَلَّةَ (٤)، وهي في الأصل البعر، والمراد هنا أكل النجاسات، كما سيأتي. وهذا لا دلالة فيه على الإباحة؛ لأنه حديث ضعيف اتفق الحفاظ على تضعيفه، قال البيهقي: (هذا حديث مختلف في إسناده … ومثل هذا لا يعارض به الأحاديث الصحيحة)، وقال في "المعرفة" (إسناده مضطرب) (٥)، وقال المنذري: (اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا) (٦)، وقال

стр. 4082

الحافظ: (إسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها) (١). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل لحوم الخيل، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين كأنس بن مالك وابن الزبير وفضالة بن عبيد وعلقمة والأسود وعطاء والحسن، وهو قول محمد بن الحسن وأبي يوسف من الحنفية، وقول في مذهب المالكية (٢)، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر، فقد قال جابر ﵁: إنه ﷺ أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكمهما. والقول الثاني: تحريم أكل لحوم الخيل، وهذا أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ومالك، وروي عنهما الكراهة، فقد ذكر ابن عبد البر الكراهة عن مالك (٣)، وذكر الشنقيطي القولين في مذهب مالك، قال: (والتحريم أشهر عندهم)، وصحح صاحب "الهداية" وغيره من الحنفية القول بالتحريم (٤). واستدل القائلون بالتحريم بدليلين: الأول: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، فقال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ولم يذكر سبحانه منفعة الأكل وهي من المنافع العظيمة، فلو كانت الخيل ينتفع بها في الأكل لذكر ذلك؛ ليكون الامتنان به أعظم، وقد ذكر سبحانه الأكل في المذكورات قبلها: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾. الثاني: حديث خالد بن الوليد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا

стр. 4083

يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير" وفي رواية: (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر … الحديث، وفيه: وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها) (١). والراجح هو القول الأول، وهو إباحة لحوم الخيل؛ لأن الأحاديث الواردة في حلها ظاهرة الدلالة، وسيأتي -إن شاء الله- حديث أسماء ﵄ -المتفق عليه-: (نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه). وقد روى ابن أبي شيبة عن عطاء قال: قلت لابن جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت الصحابة؟ قال: نعم (٢). وأما استدلال أصحاب القول الثاني بآية النحل فهو ليس في محله لأمرين: الأول: أن سورة النحل مكية إجماعًا، والأحاديث الواردة في حل لحوم الخيل كانت يوم خيبر وهو بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنوات، فلو فهم النبي ﷺ المنع من الآية لما أذن في الأكل، فيكون الإذن بحلها بعد نزول السورة بزمن. الثاني: أن الآية ليست صريحة في منع أكل لحوم الخيل، بل هذا مفهوم من التعليل، وحديث جابر وأسماء ﵄ صريحان في جواز الأكل، والمنطوق مقدم على المفهوم، كما هو مقرر في الأصول. وأما حديث خالد بن الوليد فهو حديث ضعيف، وفي إسناده اضطراب، وفي متنه نكارة، وهو مخالف لرواية الثقات أنه ﷺ رخص في لحوم الخيل. والله تعالى أعلم.

стр. 4084

إباحة أكل الجراد ١٣٣١/ ٤ - عَنِ ابْنِ أبِي أَوْفَى ﵁ قَال: غَزَوْنَا مَعَ رَسول اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (أكل الجراد) (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢) من طريق أبي يعفور قال: سمعت ابن أبي أوفى ﵄ قال: … فذكره. وجاء في بعض الروايات: (سبع غزوات أو ستًّا) كذا للأكثر، وفي لفظ (أو ستَّ) بلا تنوين. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (غزونا) تقدم تعريف الغزو أول "الجهاد". قوله: (سبع) بالنصب مفعول مطلق نائب عن المصدر، والتقدير: غزونا غزواتٍ سبعًا. قوله: (نأكل الجراد) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (نأكل معه الجراد) وهذه المعية إما أن يراد بها معية الغزو فقط، فيكون تأكيدًا لما قبله، أو معية أكل الجراد، فيكون تأسيسًا، وهذا أولى؛ لأن التأسيس أبلغ من التأكيد. قوله: (الجراد) بفتح الجيم وتخفيف الراء، واحده جرادة، تطلق على الذكر والأنثى كالحمامة، يقال: إنه مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء

стр. 4085

إلا جرده، والجراد يتبع فصيلة الحشرات، وهو أصناف، بعضه أحمر، وبعضه أصفر، وبعضه أبيض (١)، والجراد منه ما يهاجر من مكانه الأصلي إلى أمكنة أخرى، وهو لا يتغذى أثناء هجرته، ولكنه إذا وصل إلى أرض مزروعة أكل كل الزرع. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة أكل الجراد، وقد نقل النووي وغيره الإجماع على ذلك (٢)، سواء مات باصطياد أم بذكاة أم مات حتف أنفه، لعموم قوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد … " الحديث (٣). قال ابن حزم: (الجراد حلال إذا أخذ ميتًا أو حيًّا، سواء بعد ذلك مات في الظروف أو لم يمت، وقالت طائفة: لا يحل وإن أخذ حيًّا إلا حين يقتل، وهو قول مالك، ولا نعلم له حجة؛ لأن الذكاة لا تمكن فيه، وذهب قوم إلى أنه لا يحل إن وجد ميتًا، فإن أخذ حيًّا حل كيف مات بعد ذلك) (٤). ويستثنى من ذلك ما مات من الجراد بسبب المبيدات السامة، فهذا يحرم أكله لما فيه من السم القاتل المحرم. والله تعالى أعلم.

стр. 4086

إباحة أكل الأرنب ١٣٣٢/ ٥ - عَنْ أنسٍ ﵁ -في قصَّةِ الأَرْنَبِ- قَال: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكهَا إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الهبة"، باب (قبول هدية الصيد) (٢٥٧٢)، وفي "الصيد" (٥٤٨٩) (٥٥٣٥)، ومسلم (١٩٥٣) من طريق هشام بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: مررنا فاستنفجنا أرنبًا بمر الظهران، فسعوا عليه فَلَغَبُوا، قال: فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركها وفخذها إلى رسول الله ﷺ ، فأتيت بها رسول الله ﷺ فقبله. هذا لفظ مسلم. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (في قصة الأرنب) إشارة إلى أن الحافظ ما ساق الحديث بلفظه، وإنما أراد القدر المقصود. والأرنب: حيوان ثديي يؤكل لحمه، منه البري ومنه الداجن، كثير التوالد، سريع الجري، يداه أقصر من رجليه، يطلق على الذكر والأنثى، ويقال للذكر -أيضًا-: الخُزَزُ -بمعجمات- على وزن عُمَرَ، وللأنثى: عِكْرشة، وقال الجاحظ: لا يقال: أرنبة للأنثى (١). والأرنب شديدة الجبن، كثيرة الشَّبَقِ (٢).

стр. 4087

قوله: (فذبحها) ضمير الرفع يعود إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم والدة أنس ﵁، تقدم ذكره في "الطهارة" عند الحديث (٢٥). قوله: (فبعث بوركها) بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز كسر الواو وسكون الراء، هو ما فوق الفخذ، وقد جاء في "الصحيحين": (بوركها أو فخذها). قوله: (فقبله) هذا هو المجزوم به في جميع الروايات، وهو قبول الهدية، بخلاف الأكل منها فهو غير مجزوم به، فقد جاء عند البخاري في "الهبة" قال الراوي -وهو هشام بن زيد- قلت لأنس: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد: فقبله، فهو قد شك في الأكل، ثم استيقن القبول فجزم به آخرًا (١). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة أكل الأرنب وأنها من الطيبات، وهو قول العلماء كافة، إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء (٢). ونقل ابن هبيرة اتفاق الأئمة على إباحتها، فقال: (واتفقوا على أن الأرنب مباح أكله) (٣). ودليل من كرهها ما رواه محمد بن خالد، قال: سمعت أبي خالدَ بنَ الحويرث قال: إن عبد الله بن عمرو كان بالصِّفَاح -قال محمد: مكان بمكة- وأن رجلًا جاء بأرنب قد صادها، فقال: يا عبد الله بن عمرو ما تقول؟ قال: قد جيء بها إلى رسول الله ﷺ وأنا جالس فلم يأكلها، ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض (٤).

стр. 4088

ولو ثبت هذا الحديث لم يكن فيه دليل على تحريمها، وإنما هو مثل قوله ﷺ في الضب: "إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" وسيأتي. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز استثارة الصيد أو إنفاجه من جُحْره، من أجل صيده؛ لأنه مما أبيح لنا، فكل وسيلة للحصول عليه فهي جائزة ما لم يكن فيها تعذيب للحيوان. ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز إهداء الشيء اليسير إلى الكبير القدر إذا عَلِمَ من حاله الرضا. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على استحباب قبول الهدية ولو كانت يسيرة. وقد مضى في باب "الهبة" الكلام على هاتين المسألتين. والله تعالى أعلم.

стр. 4089

ما نُهي عن قتله حَرُمَ أكله ١٣٣٣/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رواه أَحمَدُ وَأبو دَاوُدَ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٥/ ١٩٢)، وأبو داود في كتاب "الأدب"، بابٌ (في قتل الذر) (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤) من طريق معمر، وابن حبان (١٢/ ٤٦٢) من طريق ابن جريج (١) وعُقيل بن خالد، والبيهقي (٩/ ٣١٧) من طريق إبراهيم بن سعد، أربعتهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ قال: … فذكره. وهذا إسناد صحيح، قال ابن دقيق العيد: (أخرجه أبو داود عن رجال الصحيح) (٢)، وقال ابن الملقن: (إسناده صحيح) (٣). وهذا الحديث مداره على الزهري، وقد اختلف عليه في إسناده، فقد روي عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ رواه الخطيب في "تاريخه" (٩/ ١١٩) وهذه الرواية غير محفوظة. وعلَّتها سهل بن يحيى الحداد، وقد نسب الدارقطني الوهم إليه (٤). وروي عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن

стр. 4090

ابن عباس ﵄، وقد رواه عن الزهري معمر موصولًا -كما تقدم- وروايته أخرجها عبد الرزاق (٤/ ٤٥١) عنه، ورواه عن عبد الرزاق الإمام أحمد، وعنه أبو داود، ورواها من طريق عبد الرزاق ابن ماجه والبيهقي وغيرهم. قال أبو زرعة: (أخطا فيه عبد الرزاق، والصحيح من حديث معمر عن الزهري أن النبي ﷺ مرسلًا، وقد ذكر أن رباح بن زيد الصنعاني رواه عن معمر هكذا مرسلًا) (١). وقد توبع معمر على روايته الموصولة، فقد روى الحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي لبيد عن الزهري به، وعبد الله بن أبي لبيد متكلم فيه (٢)، قال أبو زرعة: (وأما نفس الحديث، فالصحيح عندنا على ما روي في كتاب ابن جريج عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ )، وهذه الرواية توافق رواية عبد الرزاق. ورواه عن الزهري عُقيل بن خالد، وروايته معلولة، لا مِنْ جهته؛ فإنه ثقة ثبت، ومن أوثق أصحاب الزهري، لكن من جهة الراوي عنه -كما عند ابن حبان- وهو حِبَّان بن علي العَنَزِي، فإنه ضعيف كما في "التقريب" ورواه -أيضًا- إبراهيم بن سعد عن الزهري، وقد ضعف أبو زرعة رواية إبراهيم هذه بالراوي عنه، وهو الحارث بن عبد الله الهمذاني، مع أنه تابعه محمد بن عبيد الله المدني -عند البيهقي- وهو ثقة. فهؤلاء الثلاثة قد تابعوا معمرًا على روايته الموصولة، وأما روايته المرسلة فقد تابعه عليها عبد الرحمن بن إسحاق (٣)، وهو متكلم فيه، والأقرب أنه صدوق، وفي بعض حديثه ما ينكر (٤). وروى الحديث ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي عمير بن النحاس الرملي، عن أيوب بن سويد، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن

стр. 4091

عبد الله عن ابن عباس قال: (أربع لا يقتلن .. )، قال أبو حاتم: (هذا حديث مضطرب) (١). وللحديث شاهد من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي قال: سمعت أبي يذكر عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن قتل الخمسة: عن النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد (٢). قال البيهقي: (تفرد به عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف، وحديث ابن عباس ﵄ أقوى ما ورد في هذا الباب)، وله شواهد أخرى كلها ضعيفة (٣). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نهى) الأصل أنه للتحريم، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بدليل. قوله: (عن قتل أربع) هذا لا يفيد الحصر؛ لأنه مفهوم عدد. قوله: (النملة) مفرد النمل، والجمع نِمال، سُميت بذلك لتنمُّلها، وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها، وهي حشرة ضئيلة الجسم، تتخذ مساكنها تحت الأرض، والنمل عظيم الحيل في طلب الرزق، ومن طبعه أن يحتكر قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء، وله في الاحتكار أمور عجيبة (٤). قوله: (والنحلة) هي واحدة النحل كنخل ونخلة، قال الزجاج: سُميت نحلًا؛ لأن الله نَحَلَ الناسَ العسلَ الذي يخرج منها؛ إذ النِّحْلَةُ العطية، وهي ترعى الزهر فيستحيل في جوفها عسلًا، ويختلف لون عسلها باختلاف النحل والمرعى، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى أيضًا. قوله: (والهدهد) هو بضم الهائين وإسكان الدال المهملة بينهما، وهو طائر ذو خطوط وألوان كثيرة، رقيق المنقار، له قنزعة على رأسه، وهو من فصيلة الجواثم، وهو منتن الرائحة طبعًا؛ لأنه يبني أفحوصه بالزبل (٥).

стр. 4092

قوله: (والصُّرَدِ) بضم الصاد وفتح الراء، طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس والمنقار، له برثن عظيم، وهو شرس النفس، شديد النفرة، غذاؤه من اللحم، وله صفير مختلف لكل طائر يريد صيده، ومأواه الأشجار ورؤوس القلاع وأعالي الحصون (١). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل النملة والنحلة والهدهد والصرد؛ لأنه لو حلَّ أكلها لما نهي عن قتلها، وهذه قاعدة من قواعد كتاب الأطعمة، وهي أن كل حيوان نهى النبي ﷺ عن قتله فإنه يحرم أكله؛ لما تقدم. قال الخطابي: (فكلُّ منهي عن قتله من الحيوان فإنما هو لأحد أمرين: إما لحرمته في نفسه كالآدمي، وإما لتحريم لحمه كالصرد والهدهد ونحوهما) (٢). ونُهي عن قتل النملة لأنها قليلة الأذى والضرر، وقيل: احترامًا لها وذلك لقصتها مع سليمان ﵇، وأما النحلة فلما فيها من منفعة العسل الذي فيه شفاء للناس، وأما الهدهد فنهي عن قتله احترامًا له، وذلك لقصته مع سليمان ﵇، أو لأنه منتن الريح ويقتات الدود، وأما الصرد فقد ذكر ابن العربي أنه نهي عن قتله لأن العرب كانت تتشاءم به، فنهي عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما ثبت بها من اعتقادهم الشؤم فيه (٣). وكذا كل ما أمر النبي ﷺ بقتله من الحيوانات فإنه يحرم أكله، كالحية والغراب والفأرة والكلب والحدأة وغيرها؛ لأنه إذا أُذن في قتله بغير الذكاة الشرعية دل على تحريم أكله، إذ لو كان الانتفاع بأكله جائزًا لما أذن في إتلافه؛ ولأن الأمر بقتلها إسقاط لحرمتها ومَنْعٌ من اقتنائها، ولو أُكلت لجاز اقتناؤها.

стр. 4093

ولا ينتقض هذا بقتل البهيمة التي وطئها آدمي، ومع هذا لا يحرم أكلها؛ لأنها غير محرمة لذاتها بل لأمر عارض، وسيأتي ذلك -إن شاء الله-. ° الوجه الرابع: ما نهي عن قتله من الحيوان والحشرات مقيد بما إذا لم يكن منه أذى، فإن حصل منه أذى أو اعتداء حلّ قتله كالنمل -مثلًا- فيقتل بما يبيده لكن بغير النار، فإن أمكن دفع أذاه بغير القتل تَعَيَّن. والدليل على جواز قتله إلحاقه بالخمس المذكورة في حديث عائشة ﵄: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم … ) (١)؛ لأن علة قتلها اتصافها بالفسق والعدوان، فيلحق بها ما اتصف بهذه الصفة وإن لم تكن من طبيعته (٢)، ولأن المؤذي من بني آدم إذا لم يندفع أذاه إلا بالقتل جاز قتله، فالنمل من باب أولى (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4094

حكم أكل الضَّبُع ١٣٣٤/ ٧ - عَنِ ابْنِ أبِي عَمّارٍ قَال: قُلْتُ لِجَابِرٍ ﵁: الضَّبُعُ صيدٌ هِيَ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: قالهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَال: نَعَمْ. روَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَصَحّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشي المكي، روى عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن عمر وابن الزبير وغيرهم ﵃، وروى عنه عبد الله بن عبيد بن عمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، وغيرهم، قال ابن سعد وأبو زرعة والنسائي: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (صالح الحديث)، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له جماعة سوى البخاري، كان يلقب بالقِسِّ؛ لكثرة عبادته (١)، قال الحافظ في "التقريب": (ثقة عابد) رحمه الله تعالى. ° الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٢٢/ ٧٢)، وأبو داود في كتاب "الأطعمة"، بابٌ (في أكل الضبع) (٣٧٠١)، والترمذي (٨٥١)، والنسائي (٥/ ١٩١)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، وابن حبان (٩/ ٢٧٧) من طرق عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، قال: قلت لجابر ﵁ … وذكره. وهذا لفظ أبي داود.

стр. 4095

ولفظ الترمذي: قلت لجابر: الضبع، أصيد هي؟ قال: نعم. قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم .. لحديث. وهذا الحديث إسناده صحيح، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال في "العلل الكبير": (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث صحيح) (١)، ونقل الحافظ في "التلخيص" تصحيحه -أيضًا- عن ابن خزيمة والبيهقي (٢). ونقل الترمذي في "جامعه" عن يحيى بن سعيد القطان قوله: (وروى جرير بن حازم هذا الحديث عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن عمر قوله، وحديث ابن جريج -يعني المرفوع- أصح) (٣). ونقل الطحاوي عن يحيى القطان أنه أنكر هذا الحديث، وأنه قال: (كان يحدث به عن جابر، عن عمر، ثم صيَّره عن النبي ﷺ )، قال الطحاوي: (إنكارًا منه إياه على ابن أبي عمار) (٤). ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (الضَّبُع) هي بفتح الضاد وضم الباء أو سكونها اسم للأنثى، ولا يقال: ضَبُعَة؛ لأن الذكر ضِبْعان، والجمع ضَباعين مثل سِرحان وسراحين، وذكر الجوهري وتبعه صاحب "القاموس" أنه يقال للأنثى ضِبْعانة، والجمع ضِبْعانات، ورد عليه ابن بري فقال: (هذا لا يعرف)، وأما ضباع فهو جمع للذكر والأنثى، مثل: سَبُعٍ وسِبَاع (٥). والضبع حيوان كبير الرأس، قوي الفكين، توصف بالعَرَج وليست بعرجاء، ولكن بسبب لدونةٍ في مفاصلها وزيادة رطوبة في الجانب الأَيمن على الأيسر، والضبع نوعان: نوع يأكل الزرع والنبات، ويغلب وجوده في الجبال، ونوع يعيش على الجيف، وأهل البادية يعرفون الفرق بينهما بمجرد رؤيتهما؛

стр. 4096

لأن مظهرهما مختلف، والظاهر أن المراد بالحديث النوع الأول (١). قوله: (صيد هي) على حذف همزة الاستفهام بدليل الجواب. قوله: (قال: نعم) هي من حروف الجواب، وهي لتصديق مخبر كقوله: قام زيد، فتقول: نعم، أو إعلام مستخبر، كقوله: هل جاء زيد؟ فتقول: نعم، أو وعد طالب، كقوله: خذ الكتاب، فتقول: نعم آخذه (٢). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل لحم الضبع، وهذا قول الشافعي وأحمد (٣)، ونسبه القرطبي إلى مالك وأصحابه (٤). والقول الثاني: تحريم أكله، وهذا مذهب أبي حنيفة (٥)، وجماعة، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة في تحريم كل ذي ناب من السباع، قالوا: والضبع لها ناب تصيد به، فتدخل تحت الحديث، وأجابوا عن حديث الباب بأنه غير مشهور، فيكون العمل بالمشهور أولى. والراجح القول الأول، لقوة دليله وصراحته في حلها، قال الحافظ ابن حجر: (وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها) (٦). قال الشافعي: الحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة … وفي هذا الحديث دليل على أن الصيد الذي نهى الله تعالى المحرم عن قتله ما كان يَحِلُّ أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه، لا عبثًا بقتله … ) (٧). وأما قول أصحاب الرأي الثاني إنها داخلة في عموم النهي عن أكل ما له ناب، فأجيب عنه بجوابين: الأول: على فرض أنها سبع فإنه لا تعارض بين حديث النهي عن أكل كل ذي ناب وبين حديث الباب الدال على الإباحة؛ لأن هذا حديث خاص فيقدم على العام.

стр. 4097

الثماني: أن الضبع ليست بسبع، فلا تدخل في عموم النهي عن السباع؛ لأنها وإن كانت ذات ناب فليست مما يعدو بنابه، والمعتبر في المُحرَّم من السباع ما اجتمع فيه وصفان: الناب، والعدو على الناس، كما تقدم (١)، قال ابن القيم: (وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات نابٍ، وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تُعَدُّ الضبع من السباع لغة ولا عرفًا) (٢)، وقال الدميري: (الضبع لا يغتذي بالعدو، وقد يعيش بغير أنيابه) (٣). وأما قولهم: إن حديث الباب غير مشهور، فهذا فيه نظر، فقد صححه جمع من الأئمة، ومنهم البخاري والترمذي، كما تقدم، وكفى بذلك شهرة. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجوز للمستفتي إذا سأل المفتي عن حكم شرعي أن يطلب منه الدليل؛ لقوله: (قاله رسول الله ﷺ ؟) وهذا يفيد أنه إذا قاله النبي ﷺ كفى. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن (نعم) صريحة في الجواب، ومن القواعد الأصولية: السؤال كالمعاد في الجواب، ومعناها: أنه إذا ورد الجواب بـ (نعم) -مثلًا- بعد سؤال مُفَصَّلٍ، اعتبر الجواب مشتملًا على مضمون السؤال؛ لأن مدلول هذه الأداة يعتمد على ما قبلها من تفصيل، ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: وجدنا ما وعد ربنا حقًّا. ولهذا تثبت الحقوق بها ويقع الطلاق، فإذا قال رجل لآخر: لي عليك

стр. 4098

ألف درهم، فقال: نعم، كان إقرارًا منه بالألف، لأن السؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: نعم لك عليَّ ألف درهم. ولو قيل لرجل: أطلَّقت امرأتك؟ فقاله: نعم، كان طلاقًا، لأن الجواب: نعم طلقت امرأتي. والله تعالى أعلم (١).

стр. 4099

حكم أكل القنفذ ١٣٣٥/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنفذِ فَقَال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ، فَقَال شَيخٌ عِنْدَه: سَمِعْتُ أبا هرَيرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النبي ﷺ فَقَال: "إنَّها خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ". أَخْرَجَة أَحْمَدُ وَأبُو دَاوُدَ، وإسناده ضَعِيفٌ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٥١٥)، وأبو داود في كتاب "الأطعمة"، بابٌ (في أكل حشرات الأرض) (٣٧٩٩) من طريق عيسى بن نُميلة، عن أبيه قال: كنت عند ابن ضمر فسئل عن أكل القنفذ … وذكر الحديث، وتمامه: فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال، ما لم نَدْرِ. وقد أثبت هذا في بعض نسخ "البلوغ" عدا الجملة الأخيرة. وهذا سند ضعيف، فيه مجهولان، عيسى بن نميلة -بالنون- وأبوه، وفيه رجل مبهم، وهو الشيخ الذي روى عن أبي هريرة ﵁ فإنه لم يُسَمَّ، قال البيهقي: (هذا حديث لم يُرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف) (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن القنفذ) هو بضم القاف وسكون النون، وضم الفاء أو فتحها، واحد القنافذ، والأنثى قنفذة (٢)، وهو حيوان ثديي صغير، مغطى

стр. 4100

بالأشواك، إذا واجهه خطر كَوَّرَ نفسه فلا يظهر منه إلا أشواكه الحادة في كل اتجاه، وبذلك يقي نفسه، يتغذى بالفاكهة وجذور النبات والحشرات، لا يظهر إلا ليلًا، وهو مولع بأكل الأفاعي، ولا يتألم بها (١). قوله: (فقال) أي: فقرأ، فأطلق القول على القراءة. قوله: (خبيثة) هكذا لفظ "البلوغ"، وهو لفظ أبي داود وبعض طبعات "المسند"، وفي بعضها (خبيث) بدون تاء. ° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بتحريم أكل القنفذ، وأنها خبيثة من الخبائث، وهذا قول أحمد وأبي حنيفة (٢). والقول الثاني: أن القنفذ حلال، وهذا قول الشافعي ومالك (٣)، واستدلوا بأن ابن عمر ﵄ لما سئل عنه تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهذا ليس منها؛ ولأنه مستطاب ولا يتقوى بنابه، فحل أكله كالأرنب. قالوا: وحديث الباب غير ناهض على القول بتحريمه، لما تقدم في سنده، وأيدوا هذا بأن الأصل في الأطعمة الحل، كما تقدم أول كتاب "الأطعمة"، لكن من كرهه في نفسه فله أن يمتنع منه، كما امتنع النبي ﷺ من أكل الضب، كما سيأتي، إن شاء الله. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الصواب القول بالإباحة؛ لأنه الأصل، وقد سألنا أهل الخبرة عن هذه الدابة فأخبرونا أنها لا تأكل الجيف، وإنما تأكل الزرع والنبات … ). والله تعالى أعلم.
следующие страницы →