← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

لأن مظهرهما مختلف، والظاهر أن المراد بالحديث النوع الأول (١). قوله: (صيد هي) على حذف همزة الاستفهام بدليل الجواب. قوله: (قال: نعم) هي من حروف الجواب، وهي لتصديق مخبر كقوله: قام زيد، فتقول: نعم، أو إعلام مستخبر، كقوله: هل جاء زيد؟ فتقول: نعم، أو وعد طالب، كقوله: خذ الكتاب، فتقول: نعم آخذه (٢). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل لحم الضبع، وهذا قول الشافعي وأحمد (٣)، ونسبه القرطبي إلى مالك وأصحابه (٤). والقول الثاني: تحريم أكله، وهذا مذهب أبي حنيفة (٥)، وجماعة، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة في تحريم كل ذي ناب من السباع، قالوا: والضبع لها ناب تصيد به، فتدخل تحت الحديث، وأجابوا عن حديث الباب بأنه غير مشهور، فيكون العمل بالمشهور أولى. والراجح القول الأول، لقوة دليله وصراحته في حلها، قال الحافظ ابن حجر: (وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها) (٦). قال الشافعي: الحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة … وفي هذا الحديث دليل على أن الصيد الذي نهى الله تعالى المحرم عن قتله ما كان يَحِلُّ أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه، لا عبثًا بقتله … ) (٧). وأما قول أصحاب الرأي الثاني إنها داخلة في عموم النهي عن أكل ما له ناب، فأجيب عنه بجوابين: الأول: على فرض أنها سبع فإنه لا تعارض بين حديث النهي عن أكل كل ذي ناب وبين حديث الباب الدال على الإباحة؛ لأن هذا حديث خاص فيقدم على العام.

стр. 4097

الثماني: أن الضبع ليست بسبع، فلا تدخل في عموم النهي عن السباع؛ لأنها وإن كانت ذات ناب فليست مما يعدو بنابه، والمعتبر في المُحرَّم من السباع ما اجتمع فيه وصفان: الناب، والعدو على الناس، كما تقدم (١)، قال ابن القيم: (وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات نابٍ، وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تُعَدُّ الضبع من السباع لغة ولا عرفًا) (٢)، وقال الدميري: (الضبع لا يغتذي بالعدو، وقد يعيش بغير أنيابه) (٣). وأما قولهم: إن حديث الباب غير مشهور، فهذا فيه نظر، فقد صححه جمع من الأئمة، ومنهم البخاري والترمذي، كما تقدم، وكفى بذلك شهرة. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجوز للمستفتي إذا سأل المفتي عن حكم شرعي أن يطلب منه الدليل؛ لقوله: (قاله رسول الله ﷺ ؟) وهذا يفيد أنه إذا قاله النبي ﷺ كفى. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على أن (نعم) صريحة في الجواب، ومن القواعد الأصولية: السؤال كالمعاد في الجواب، ومعناها: أنه إذا ورد الجواب بـ (نعم) -مثلًا- بعد سؤال مُفَصَّلٍ، اعتبر الجواب مشتملًا على مضمون السؤال؛ لأن مدلول هذه الأداة يعتمد على ما قبلها من تفصيل، ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: وجدنا ما وعد ربنا حقًّا. ولهذا تثبت الحقوق بها ويقع الطلاق، فإذا قال رجل لآخر: لي عليك

стр. 4098

ألف درهم، فقال: نعم، كان إقرارًا منه بالألف، لأن السؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: نعم لك عليَّ ألف درهم. ولو قيل لرجل: أطلَّقت امرأتك؟ فقاله: نعم، كان طلاقًا، لأن الجواب: نعم طلقت امرأتي. والله تعالى أعلم (١).

стр. 4099

حكم أكل القنفذ ١٣٣٥/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنفذِ فَقَال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيةَ، فَقَال شَيخٌ عِنْدَه: سَمِعْتُ أبا هرَيرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النبي ﷺ فَقَال: "إنَّها خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ". أَخْرَجَة أَحْمَدُ وَأبُو دَاوُدَ، وإسناده ضَعِيفٌ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٥١٥)، وأبو داود في كتاب "الأطعمة"، بابٌ (في أكل حشرات الأرض) (٣٧٩٩) من طريق عيسى بن نُميلة، عن أبيه قال: كنت عند ابن ضمر فسئل عن أكل القنفذ … وذكر الحديث، وتمامه: فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال، ما لم نَدْرِ. وقد أثبت هذا في بعض نسخ "البلوغ" عدا الجملة الأخيرة. وهذا سند ضعيف، فيه مجهولان، عيسى بن نميلة -بالنون- وأبوه، وفيه رجل مبهم، وهو الشيخ الذي روى عن أبي هريرة ﵁ فإنه لم يُسَمَّ، قال البيهقي: (هذا حديث لم يُرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف) (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن القنفذ) هو بضم القاف وسكون النون، وضم الفاء أو فتحها، واحد القنافذ، والأنثى قنفذة (٢)، وهو حيوان ثديي صغير، مغطى

стр. 4100

بالأشواك، إذا واجهه خطر كَوَّرَ نفسه فلا يظهر منه إلا أشواكه الحادة في كل اتجاه، وبذلك يقي نفسه، يتغذى بالفاكهة وجذور النبات والحشرات، لا يظهر إلا ليلًا، وهو مولع بأكل الأفاعي، ولا يتألم بها (١). قوله: (فقال) أي: فقرأ، فأطلق القول على القراءة. قوله: (خبيثة) هكذا لفظ "البلوغ"، وهو لفظ أبي داود وبعض طبعات "المسند"، وفي بعضها (خبيث) بدون تاء. ° الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بتحريم أكل القنفذ، وأنها خبيثة من الخبائث، وهذا قول أحمد وأبي حنيفة (٢). والقول الثاني: أن القنفذ حلال، وهذا قول الشافعي ومالك (٣)، واستدلوا بأن ابن عمر ﵄ لما سئل عنه تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهذا ليس منها؛ ولأنه مستطاب ولا يتقوى بنابه، فحل أكله كالأرنب. قالوا: وحديث الباب غير ناهض على القول بتحريمه، لما تقدم في سنده، وأيدوا هذا بأن الأصل في الأطعمة الحل، كما تقدم أول كتاب "الأطعمة"، لكن من كرهه في نفسه فله أن يمتنع منه، كما امتنع النبي ﷺ من أكل الضب، كما سيأتي، إن شاء الله. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الصواب القول بالإباحة؛ لأنه الأصل، وقد سألنا أهل الخبرة عن هذه الدابة فأخبرونا أنها لا تأكل الجيف، وإنما تأكل الزرع والنبات … ). والله تعالى أعلم.

стр. 4101

تحريم الجلالة وألبانها ١٣٣٦/ ٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْجَلَّالةِ وَألبَانِهَا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائيَّ، وَحَسّنَهُ الترْمِذِيُّ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الأطعمة"، باب (النهي عن أكل الجلالة وألبانها) (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. قال الترمذي: (حديث حسن غريب)، والحديث رجاله ثقات إلا ابن إسحاق فهو مدلس وقد عنعنه، ثم إنه قد خولف في إسناده، فقد قال الترمذي: إنه رواه سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلًا (١). ورواه أبو داود (٣٧٨٧)، والبيهقي (٩/ ٣٣٢) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل: أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها. حسنه الألباني (٢)، وهذا فيه نظر؛ لتفرد عمرو بن أبي قيس عن بقية أصحاب أيوب.

стр. 4102

وروى أبو داود (٣٧٨٠)، والنسائي في "الكبرى" (٤/ ١٩٤)، وأحمد (٣/ ٤٤٧) من طريق هشام قال: حدثني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن الشاة الجلالة. قال ابن عبد الهادي: (إسناده صحيح) (١). وروى ابن أبي شيبة (٨/ ١٤٦ - ١٤٧) عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمها أو يشرب لبنها. قال الحافظ: (سنده حسن) (٢). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن الجلالة) لفظ أبي داود والترمذي: (عن أكل الجلالة) وعند ابن ماجه: (عن لحوم الجلالة) والجلالة: بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة، هي التي أكثر أكلها الجلة -مثلثة الجيم- وهي البعر، وتكون الجلالة بعيرًا أو بقرة أو شاة أو دجاجة وغيرها. فالجلالة هي التي تأكل النجاسات من الطير والدواب، وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم (٣). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل الجلالة وشرب لبنها؛ لأن النهي يحمل عند الإطلاق على التحريم، كما قال النبي ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (٤)، وهذا قول فريق من الشافعية، ورواية عن أحمد، وهي المذهب (٥)، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء (٦). ولأن النجاسة قد أثرت في لحم الحيوان بدليل ظهور نتنها في عرقه ولحمه.

стр. 4103

والقول الثاني: أنه يكره أكل لحم الجلالة، وهذا قول أبي حنيفة والمالكية، وقول لأصحاب الشافعي، صححه النووي (١)، وهو رواية عن أحمد، وعند الحنفية إذا كان جميع أكلها النجاسة فلا تحل، وإنما الجواز إذا كانت تُخَلِّطُ، قالوا: لأن النهي لا يرجع إلى ذاتها بل لعارض وهو تغير اللحم، وهو لا يوجب التحريم كما لو نَتَنَ اللحم المذكى وتَرَوَّحَ، فإنه يكره أكله على الصحيح، ولا يحرم (٢). والراجح هو القول الأول؛ لدلالة الحديث وما في معناه من الأحاديث الأخرى التي لا صارف لها، ثم إن نفور الطبع السليم والنفس السوية من الطعام الذي تشم فيه رائحة النتن يؤيد قوة القول بالترك، والله أعلم. أما تعليل أصحاب القول الثاني فهو تعليل في مقابلة نص، وقولهم: إن النهي لا يرجع لذاتها غير سديد، فإنه يرجع إلى ذات الجلالة؛ لأن هذا اللفظ من صيغ المبالغة، وهو يدل على كثرة أكلها النجاسات، وقد نهى النبي ﷺ عن أكلها، فيكون النهي عائدًا إلى ذاتها. ° الوجه الرابع: اختلف العلماء في المقدار الذي إذا أكلته الدابة صارت جلالة، على قولين: الأول: أن يكون أكثر أكلها النجاسة، فإن كان أقل من ذلك فلا تأثير له؛ لأنه إذا غلب عليها النجاسة تغير لحمها ولبنها، وهذا قول في مذهب الحنابلة والشافعية والحنفية (٣). القول الثاني: أنه لا عبرة بالكثرة ولا بالقلة، وإنما بالرائحة والنتن ولو لم يكثر أكلها النجاسة، فإذا وجد في عرقها أو لحمها رائحة فهي جلالة وإلا فلا، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعية، قال النووي: (الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة، بل بالرائحة والنتن … ) (٤).

стр. 4104

والقول الأول أرجح؛ أخذًا من لفظ الجلالة؛ إذ هو يفيد المبالغة المفهمة للأكثرية. ° الوجه الخامس: الصحيح في المدة التي تحبس فيها الجلالة حتى يحل أكلها أنها لا تتقدر بزمن معين، بل متى غلب على الظن زوال النجاسة حَلَّ أكلها؛ لأن التحديد لا دليل عليه، والحيوانات تختلف، والمقصود زوال المحذور، وما ورد في بعض الأحاديث من حبسها أربعين يومًا فهو ضعيف، وما ورد من بعض السلف فهو مختلف، وقد روى ابن أبي شيبة أن ابن عمر كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا (١). قال الحافظ ابن حجر: (والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن تعلف بالشيء الطاهر، على الصحيح) (٢). ° الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم شرب لبن الجلالة؛ لأنه إذا تغير اللحم تغير اللبن، وقد ثبت النهي عنه كالنهي عن الأكل. والله تعالى أعلم.

стр. 4105

إباحة لحم الحمار الوحشي ١٣٣٧/ ١٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ -في قِصةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ- فَأكلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في كتاب "الحج" برقم (٧٣٤). وقد رواه البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦) (٦٠) من طريق أبي عوانة، حدثنا عثمان -وهو ابن وهب- قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة: أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا، فخرجوا معه … وساق الحديث. ° الوجه الثاني: الحديث دليل على إباحة لحم الحمار الوحشي، وهذا غرض الحافظ من إعادة هذا الحديث في كتاب "الأطعمة"، وإلا فقد سبق الكلام على ما يتعلق بأحكامه هناك. والحمار الوحشي نوع من الصيد يشبه الحمار الأهلي، ولحمه من الطيبات، وقد أجمع العلماء على إباحته، وقد روى مسلم حديث جابر ﵁ قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا رسول الله ﷺ عن الحمار الأهلي (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4106

إباحة لحم الفرس ١٣٣٨/ ١١ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵄ قَالتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأكلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب "الذبائح والصيد"، باب (النحر والذبح) (٥٥١٠) من طريق جرير بن حازم، ومسلم (١٩٤٢) من طريق عبد الله بن نمير وحفص بن غياث ووكيع، أربعتهم عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: … فذكرت الحديث. قال البخاري: (تابعه -أي جريرًا- وكيع وابن عيينة عن هشام في النحر). وقد ذكر الدارقطني الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ثم رجح رواية الحفاظ من أصحاب هشام عنه، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء (١). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نحرنا) النحر بفتح فسكون هو ذكاة الإبل، وهو طعنها في أسفل العنق عند الصدر؛ لأنه أسهل على الذابح. وفي رواية للبخاري (٢) من طريق عبدة، عن هشام: (ذبحنا) والذبح ذكاة البقر والغنم، وهو إمرار السكين لقطع الحلقوم والودجين، وهذا الاختلاف عن الراوي هشام بن عروة، ولعل هذا مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى، والقصة واحدة، هذا قول الحافظ ابن حجر، ومنهم من حمل ذلك

стр. 4107

على التعدد، فمرة نحروها ومرة ذبحوها، وهذا اختيار النووي (١)، والعيني (٢)، وتبعهما الشوكاني (٣)؛ لأن الأصل الحقيقة، ولا يعدل إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل اللفظ على حقيقته، والحقيقة هنا غير متعذرة، وقد نقل الحافظ كلام النووي ولم يرتضه، والأقرب رجحان رواية (نحرنا) فإن عامة أصحاب هشام الحفاظ رووه بهذا اللفظ (٤). قوله: (على عهد) وفي رواية للبخاري (٥): (على عهد رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة)، وقد ذكر العلماء أن الصحابي إذا أضاف شيئًا إلى عهد النبي ﷺ ولم يذكر أنه علم به فهو من المرفوع حكمًا، وإذا كان هذا في مطلق الصحابة فكيف بآل أبي بكر ﵁، وفائدة قوله: (ونحن بالمدينة) بيان أنهم أكلوها بعد فرض الجهاد، فيكون فيه رد على من زعم أن حل الخيل كان قبل فرض الجهاد؛ لأن الجهاد ما فرض إلا بعد الهجرة. قوله: (فرسًا) الفرس واحد الخيل، والجمع أفراس، الذكر والأنثى سواء، وحكى الفراء، وابن جني: فرسة، وقال الجوهري: (هو اسم يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة) (٦)، ولفظها مشتق من الافتراس؛ لأنها تفترس الأرض بسرعة مشيها. ° الوجه الثالث: الحديث من أدلة القائلين بجواز أكل لحم الخيل؛ لأنه أُكل على عهد النبي ﷺ ، والظاهر أنه ﷺ علم ذلك وأقرَّهم عليه، وقد جاء في رواية للدارقطني (٧): (فأكلناه نحن وأهل بيته) (٨)، وهي زيادة ضعيفة، لكن

стр. 4108

الأقرب أنه لا يُظن بآل أبي بكر ﵁ أنهم يقدمون على فعل شيء في زمن النبي ﷺ إلا وعندهم علم بجوازه؛ لشدة اختلاطهم بالنبي ﷺ . وبهذا يعلم الرد على من قال بتحريم لحوم الخيل، وزعم أن حديث أسماء لا دلالة فيه على الإباحة؛ إذ ليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك. ° الوجه الرابع: لا خلاف بين أهل العلم أن التذكية نوعان: ذبح ونحر، وتقدم تعريفهما، لكن اختلفوا فيما إذا خالف المذكي هذه الصفة، فنحر ما يذكى كالبقر، أو ذبح ما ينحر كالإبل، على قولين: الأول: جواز التذكية وأن الذبيحة تحل، وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (١)، لوجود فري الأوداج وانهار الدم المطلوب في الذكاة، وقد استدل بعض الشراح -كما قال الحافظ- بحديث الباب وهو مبني على أن الأمر في ذلك وقع مرتين، والأصل عدم التعدد مع اتحاد المخرج (٢). الثاني: أن التذكية بهذه الصفة لا تحل إلا في حالة الضرورة أو حالة الجهل، وهو قول المالكية (٣)، لمخالفة الصفة المشروعة في التذكية، وهي أن الإبل تنحر وغيرها يذبح. والراجح الأول، لما تقدم من حصول المقصود بهذه التذكية، وما ورد من تخصيص الإبل بالنحر وغيرها بالذبح غاية ما يفيد الاستحباب، وهذا لا يدل على تحريم ما لم تقع ذكاته على هذه الصفة (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4109

إباحة لحم الضَّبِّ ١٣٣٩/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ ﵄ قَال: أُكِلَ الضبُّ عَلَى مَائِدةِ رَسُول الله ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب (الأحكام التي تعرف بالدلائل) (٧٣٥٨)، ومسلم (١٩٤٧) من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: أهدت خالتي أم حُفَيدٍ إلى رسول الله ﷺ سمنًا وأَقِطًا وَأَضُبًّا، فأكل من السمن والأقط، وترك الضب تقذرًا، وأكل على مائدة رسول الله ﷺ ، ولو كان حرامًا ما أُكل على مائدة رسول الله ﷺ . هذا لفظ مسلم. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الضب) بفتح الضاد، اسم للذكر، والأنثى ضبة، وجمعه ضِباب وضُبان وأضُبٌّ، مثل كَفٍّ وأَكُفٍّ، وهو حيوان من جنس الزواحف غليظ الجسم خشنه، وله ذَنَبٌ عريض حَرَشٌ أعقد، يكثر في صحاري الأقطار العربية، قيل: إنه لا يشرب الماء، ولا يخرج من جحره في فصل الشتاء، وأسنانه قطعة واحدة ليست مفرقة، ولذا لا يسقط له سن، وللضب ذكران، وللأنثى فرجان، وبين الضب والعقرب مودة، فهو يؤويها في جحره لتلسع من يتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، وفي طبعه النسيان، ويضرب به المثل في الحيرة، ولهذا لا يحفر جحره إلا عند أكمة أو صخرة؛ لئلا يضل عنه إذا غاب أو تباعد، وقد ضرب العرب في الضب أمثالًا كثيرة، فقالوا: أَضَلُّ من

стр. 4110

ضب، وأَجْبَنُ من ضب، وأَعَقُّ من ضب، وأَحْيا من ضب (١). قوله: (على مائدة) المائدة: هي الطعام نفسه، وهي مشقة من الميد وهو العطاء، يقال: ماده ميدًا أعطاه، أو من الميد وهو التحرك، يقال: ماد يميد إذا تحرك، فهي على هذا اسم فاعل من الثلاثي، وقيل: المائدة هي الخِوَان -بالكسر والتخفيف- وهي سفرة الأكل، قال الفارسي: لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام وإلا فهي خِوان (٢). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على إباحة أكل لحم الضب، وهذا قول الشافعية والحنابلة (٣)؛ لأن الضب أكل على مائدة النبي ﷺ ولو لم يكن حلالًا ما أُكل على مائدته، وقد أقر خالد بن الوليد على أكله كما في بعض الروايات: (قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي ﷺ ينظر إليَّ). وكونه ﷺ تركه لا يدل على تحريمه، وإنما تركه؛ لأنه لم يعتد أكله، كما في حديث خالد بن الوليد: (ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (٤). والقول الثاني: تحريم أكل لحم الضب، وهذا مذهب الحنفية كما نص عليه الكاساني بعد أن ساق الأدلة في النهي عنه (٥)، وذكر "صاحب الهداية" منهم القول بالكراهة (٦)، والظاهر ما قاله الحافظ من أن أكثرهم قال بالكراهة (٧)، وجنح بعضهم إلى التحريم، والطحاوي خالف الحنفية حيث ساق الأحاديث الدالة على إباحته، ثم قال: (فثبت بتصحيح هذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب، وهو القول عندنا) (٨). قال النووي: (أجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام، وما أظنه يصح

стр. 4111

عن أحد، وإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله) (١). وقد تعقبه الحافظ بأن ابن المنذر نقل عن علي ﵁ النهي عن لحم الضب، فأي إجماع يكون مع مخالفته؟ (٢) وهذا النقل عن علي ذكره ابن المنذر في "الإشراف" (٣)، ومن بعده الخطابي (٤)، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم (٥). وقد استدل القائلون بالنهي عن أكله بثلاثة أمور: الأول: حديث عبد الرحمن بن شِبْل أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحم الضب (٦). الثاني: حديث جابر ﵁ قال: أُتي النبي ﷺ بضب فأبى أن يأكل منه، وقال: (لا أدري لعله من القرون التي مُسخت) (٧). وعن عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلنا أرضًا كثيرة الضباب، قال: فأصبنا منها وذبحنا، قال: فبينا القدور تغلي بها إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "إن أمة من بني إسرائيل فُقِدَتْ واني أخاف أن تكون هي فأكفئوها"، فَأكْفَأنَاهَا (٨).

стр. 4112

الثالث: أن الضب من الحشرات وهوام الأرض وأنه من الخبائث، والله قد حرم الخبائث. والراجح القول الأول، وهو أن الضب يباح أكله؛ لأن الأحاديث الدالة على حله صحيحة صريحة، وإذا لم يحرمه النبي ﷺ فهو حلال؛ لأن الأصل في الأطعمة الحل. وأما أدلة القائلين بتحريمه فيجاب عنها بما يلي: ١ - أما حديث عبد الرحمن بن شبل فقد ضعفه الأئمة، وعلى القول بصحته فإن النهي وإن كان أصله التحريم لكنه معارض بما هو أصح منه، وهو حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "كلوا؛ فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي" (١). فيكون النهي محمولًا على الكراهة أو في حق من يتقذره، كما قال الطبري (٢)؛ لأن النفس إذا كرهت الشيء فإنه لا ينبغي إكراهها عليه؛ لأنها لا تستمريه ولا تنتفع به، بل يضرها، يقول ابن القيم: (وكان ﷺ إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله، ولم يُحَمْلِّهَا إياه على كره، وهذا أصل عظيم في حفظ

стр. 4113

الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا يشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه) (١). ٢ - وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة الدال على أن الضب من جملة الممسوخ، والممسوخ محرم، فيجاب عنه بأن هذا محمول على أن النبي ﷺ خشي أن يكون الضب مما مسخ قبل أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا يُنْسِلُ، وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ ذكرت عنده القردة والخنازير مما مسخ فقال: "إن الله لم يجعل لمسخ نَسْلًا ولا عَقِبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك" (٢). والمعنى: أنها كانت قبل مسخ بني إسرائيل، فدل على أنها ليست مما مسخ، إذ الممسوخ لا يكون له نسل، وعلى هذا فتحمل أحاديث النهي على أول الحال عند تجويز أن تكون الضباب مما مسخ، وحينئذٍ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال، لما علم أن الممسوخ لا نسل له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه، وأكل على مائدته بإذنه فدل على الإباحة (٣). وأما قولهم: إنه من هوام الأرض، فهذا لا يقتضي تحريمه ما دام أنه ثبت الدليل بحله، وقولهم: من الخبائث غير صحيح بل هو من الطيبات؛ لأنه طاهر يأكل الأعشاب (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4114

النهي عن قتل الضِّفْدِع ١٣٤٠/ ١٣ - عَنْ عبد الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَان الْقُرَشِيِّ ﵁، أَن طَبيبًا سَأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الضفْدِع يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهى عَنْ قَتْلِهَا. أخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ٣٦، ٤٧)، وأبو داود في كتاب "الأطعمة"، بابٌ (في الأدوية المكروهة) (٣٨٧١)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، والحاكم (٤/ ٤١١) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبًا سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها. هذا لفظ أبي داود. وهذا الحديث إسناده صحيح، رجاله ثقات، غير سعيد بن خالد وهو القارظي، فقد اختلف فيه، فقد ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الدارقطني: (مدني يحتج به)، وذكره ابن حبان في "الثقات" ونُقل عن النسائي أنه قال: (ضعيف)، وتعقب هذا ابن حجر فقال: (إن النسائي قال في "الجرح والتعديل": ثقة، فينظر أين قال: إنه ضعيف)، وذكر مُغَلْطاي أنه بحث في تصانيف النسائي فلم يجد تضعيفه فيها، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق) (١).

стр. 4115

وقال البيهقي: (إن هذا الحديث أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع) (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن الضفدع) بكسر الضاد وسكون الفاء بوزن الخِنْصِر، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة، وهو حيوان برمائي، أنواعه كثيرة، ينشأ في المياه الضعيفة الجري ومن العفونات، وما يبقى عقب الأمطار الغزيرة، وهو من الحيوانات التي لا عظم لها، ومنها ما يَنِقُّ، ومنها ما لا ينق، وتوصف بحدة السمع (٢). • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم أكل الضفدع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتلها، وتقدم أن ما نهي عن قتله من الحيوان حرم أكله. وروى البيهقي بسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4116

باب الصيد والذبائح الصيد في الأصل يطلق على المصدر الذي هو الفعل، يقال: صاد يصيد صيدًا فهو صائد، ثم أطلق على الحيوان المُصَاد من باب تسمية المفعول باسم المصدر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. والصيد: هو المتوحش بطبعه من الحيوان المأكول الذي لا مالك له. والصيد بالمعنى المصدري: هو اقتناص المتوحش … إلخ. والذبائح: جمع ذبيحة، والذبح: هو قطع الحلقوم والمريء بمحدد ممَّن هو أهل لذلك. والمراد بهذا الباب الصيد بمعنى الفعل، وهو هيئته وصفته الشرعية، وأما جنس ما يصاد فهذا يستفاد من كتاب "الأطعمة"، وكذا الذبائح فليس المراد جنس ما يذبح، وإنما المراد الفعل، وهو هيئة الذبح وصفته الشرعية. ولما كان الصيد مصدرًا أفرده المصنف؛ لأن المصادر لا تجمع، وجمع الذبائح؛ لأنها تكون بالسكين أو بالحجر أو بالزجاج أو غيرها. والأصل في هذا الباب: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] والمذكى من الطيبات. وأما السنة فأحاديث الباب، وأما الإجماع فقد أجمع العلماء على إباحة الاصطياد والأكل من الصيد، وكذا ما ذبح على الصفة الشرعية. والصيد من الهوايات المحببة، وكان العرب مولعين به، وذلك للعيش

стр. 4117

والاستفادة من لحوم الصيد، وهذا هو الغالب، فإذا كان القصد منه دفع الحاجة والانتفاع به فهو مباح، لكن لا ينبغي إضاعة الوقت والجهد في طلبه، لما في ذلك من إضاعة العمر وتفريط الإنسان فيمن تحت يده ممن هو بحاجة إلى رعاية وتربية وتهذيب، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل … " (١).

стр. 4118

إباحة اتخاذ كلب الصيد ١٣٤١/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحرث والمزارعة"، باب "اقتناء الكلب للحرث) (٢٣٢٢)، ومسلم (٥٨) (١٥٧٥) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم. وقد رواه البخاري ومسلم -أيضًا- بألفاظ متعددة من عدة طرق، وقد ورد من حديث عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مغفل ﵄. كما سيأتي إن شاء الله. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من اتخذ) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (من أمسك) وهو عند مسلم -أيضًا-، وفي لفظ لهما: (من اقتنى) وهي مفسرة لرواية: (من أمسك)، والاقتناء: اتخاذ الشيء للادخار. قوله: (أو صيد) للتنويع؛ لأن المقصود إباحة الثلاثة. قوله: (انتقص) بسكون النون وفتح التاء والقاف، هكذا جاء مضبوطًا في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (١)، قال في "المصباح المنير": (نقص

стр. 4119

وانتقص: ذهب منه شيء بعد تمامه .. ) (١)، وقد جاء في بعض طبعات "البلوغ" بضم التاء، ولم يتضح لي هذا. قوله: (قيراط) بكسر فسكون معيار في الوزن والمساحة، تختلف مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو في عرف الأكثرين نصف عشر الدينار، وعند أهل الشام جزء من أربعة وعشرين (٢). وفي مثل هذا النص مجهول المقدار، والمعنى: أن ما يحصل لمقتني الكلاب في يومه وليلته من أجور صلاة وصيام وصدقة وذكر وغير ذلك فإنه ينقص من أجور هذه الطاعات كل يوم قيراط. والاقتصار على قيراط هو رواية البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، وفي رواية لمسلم: (فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم)، وكذا جاء في "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵁ (٣)، وسيأتي ذكر الجمع بينهما إن شاء الله. • الوجه الثالث: الحديث دليل على المنع من اتخاذ الكلاب واقتنائها إلا ما استثناه الشرع من الثلاثة: وهي الكلب الذي يحرس الماشية من السباع، والكلب الذي يحرس الزرع، وكلب الصيد. • الوجه الرابع: ذهبت الشافعية والحنابلة (٤)، إلى أن المنع من اتخاذ الكلاب مراد به التحريم، ولهم دليلان: الأول: النص. الثاني: ما في اتخاذها من المفاسد والأضرار، ومنها: ١ - أن بقاءها في البيوت فيه ترويع الناس ولا سيما النساء والأطفال وإيذاؤهم. ٢ - امتناع دخول الملائكة؛ لأن دخول الملائكة للبيوت سبب للخير وللطاعة، وبعدهم سبب للشر والمعصية.

стр. 4120

٣ - أنها تنجس الأواني. ٤ - أنها سبب في نقصان الأجر، والواجب على المسلم أن يحذر ما يكون سببًا في نقصان ثواب أعماله. والقول الثاني: أن المنع مراد به الكراهة لا التحريم، ذكر هذا القاضي عياض، ولم ينسبه لأحد (١). واستدلوا بأن نقص الثواب جاء على التدريج، ولو كان اتخاذها حرامًا لذهب الثواب مرة واحدة. والراجح القول الأول، لقوة دليله، وأما الثاني فهو مرجوح؛ لأنه لو كان اتخاذها مكروهًا ما نقص شيء من أجر متخذها؛ لأن المكروه لا يقتضي نقص شيء من الثواب. • الوجه الخامس: اختلف العلماء في الجمع بين رواية: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) ورواية: (ينقص من أجره كل يوم قيراط) على أقوال، فقيل: إن القيراطين باعتبار كثرة الأضرار، كما في المدن، والقيراط باعتبار قلتها، كما في البوادي، وقيل: الأول باعتبار المدينة النبوية، والثاني باعتبار غيرها، وقيل: إن الله أخبر نبيه ﷺ بقيراط ثم بقيراطين تنفيرًا عن اتخاذ الكلاب، وهذا هو أحسنها وأظهوها، كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز (٢). • الوجه السادس: في الحديث دليل على أن اتخاذ الكلب المأذون فيه لا يكون سببًا في نقص الأجر؛ لأنه من رحمة الله تعالى بعباده وتيسيره عليهم. • الوجه السابع: ظاهر الحديث أن جواز الاقتناء مقصور على الأنواع الثلاثة، وعليه فلا يجوز اقتناؤه لحفظ المنازل في المدن وحراستها، وهذا مذهب الحنابلة، وظاهر المنقول عن الإمام مالك، وهو أحد الوجهين عن

стр. 4121

الشافعية (١)؛ لأن الحديث ظاهر في الحصر، وما جاء بصيغة الحصر لا يخرج منه شيء إلا بنص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة؛ ولأن اقتناء الكلاب في البيوت يؤذي المارة ويؤذي الجيران بخلاف الصحراء. والقول الثاني: جواز اقتناء الكلاب لحراسة المنازل؛ قياسًا على الأمور الثلاثة المأذون فيها، وهذا القول ذكره الموفق ابن قدامة احتمالًا، وهو أصح الوجهين عند الشافعية (٢)، وهو رأي ابن عبد البر، فإنه قال: (وفي معنى هذا الحديث تدخل عندي إباحة اقتناء الكلاب للمنافع كلها ودفع المضار إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، إلا أنه مكروه اقتناؤها في غير الوجوه المذكورة في هذه الأحاديث) (٣)، واختار هذا الشيخ محمد بن عثيمين، وظاهر كلامه وكلام غيره من أهل العلم أن إباحتها لحراسة المنازل مقيد بما كان بعيدًا عن العمران (٤). والقول الأول هو الراجح لما تقدم، فإن الرسول ﷺ أُعطي جوامع الكلم، ولو كان المراد مطلق الحراسة لأتى بلفظ شامل، ولم يخص الزرع والماشية، فلما خصهما دل على انتفاء الحكم عما عداهما؛ ولأن البيوت يمكن حفظها بالأبواب والأغلاق، والقول بالجواز يفضي إلى تساهل الناس في اتخاذ الكلاب كما حصل من بعض المتشبهين بالكفار في زماننا هذا، لكن ما كان بعيدًا عن العمران فالقول بالجواز فيه لا يخلو من وجاهة، والله المستعان. وأما استعمال الكلاب في المصالح العامة للمسلمين مثل الكشف عن أماكن المخدرات فقد يقال بجوازه إذا غلبت الاستفادة منها؛ لشبهها بكلب

стр. 4122

الحراسة؛ لأن مثل هذه الكلاب لا تكون قريبة من الناس ككلب حراسة الدار لو قيل بجوازه، بل هي في أماكن خاصة بعيدة عن الناس، ولا ينال الناس منها أي ضرر. • الوجه الثامن: في الحديث دليل على يسر هذه الشريعة حيث أباح الله تعالى لعباده ما يُحتاج إليه في تحصيل المعاش وحفظ أموالهم ومواشيهم، وهذا من رحمة الله تعالى وتيسيره. • الوجه التاسع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يسعى إلى تكثير الأعمال الصالحة، وأن يحذر مما ينقص ثوابها أو يذهب بأجرها، وفيه التنبيه على أسباب الزيادة والنقص لتفعل أو تجتنب. والله تعالى أعلم.

стр. 4123

الصيد بالجارح والمحدد ١٣٤٢/ ٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَال: قَال رَسول اللهِ ﷺ : "إِذَا أرْسَلْتَ كَلْبَك فَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، فَإنْ أَمْسَكَ عَلَيكَ فَأَدْرَكتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيرَهُ وَقدْ قَتَلَ فَلَا تَأكُلْ، فَإنَكَ لَا تَدْرِي أَيهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلا أثرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا في الْمَاءِ فَلَا تَأكُلْ". مُتَّفَق عَلَيهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو طريف عدي بن حاتِم بن عبد الله الطائي، ابن الجواد المشهور الذي يضرب بجوده المثل، قدم على النبي ﷺ في شعبان سنة تسع، على ما ذكره ابن عبد البر والذهبي وابن كثير وغيرهم، وقيل: في سنة عشر، وقد ساق ابن كثير قصة قدومه. ثبت على إسلامه في الردة، ونفع الله تعالى به قومه حين ارتد بعض الناس فثبتهم الله به، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر ﵁، وروى البخاري بسنده عن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلًا رجلًا ويسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا

стр. 4124

أبالي إذًا (١). شهد فتوح العراق، كان سيدًا شريفًا في قومه، خطيبًا حاضر الجواب، فاضلًا كريمًا، قال ابن عيينة: حُدِّثْتُ عن الشعبي، عن عدي ﵁ قال: ما دخل وقت الصلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها. روى عنه الشعبي ومُحِلُّ بن خليفة وسعيد بن جبير وآخرون، سكن الكوفة، وشهد صفين مع علي ﵁، ومات بعد الستين وقد أسَنَّ، فقيل: مات عن مائة وعشرين، وقيل: أكثر (٢). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، ومنها في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (الصيد إذا غاب عنه يومًا أو يومين) (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩) (٦) من طريق عاصم، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم ﵁ مرفوعًا. ورواه مسلم من طرق بألفاظ متعددة، ويعد هذا الحديث من الأحاديث الأصول في أحكام الصيد؛ لاشتماله على مسائل وقواعد في هذا الباب، ولو جمعت ألفاظه من كتب السنة ودرست أسانيدها وأحكامها لكانت جديرة بذلك. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (قال رسول الله ﷺ ) في بعض نسخ "البلوغ" (قال لي رسول الله ﷺ ) وهي ثابتة في "صحيح مسلم". قوله: (إذا أرسلت كلبك) أي: للصيد، بدلالة السياق، وذكر الإرسال؛ لأنه بمنزلة الذبح. والمراد بالكلب: المعلم، لما جاء في رواية: (إذا أرسلت كلبك

стр. 4125

المعلم) وهذا من باب حمل المطلق على المقيد، وسيأتي ضابط المعلم. قوله: (فاذكر اسم الله) هذا أمر يراد به الوجوب، وظاهره أن التسمية بعد الإرسال، وليس مرادًا، وإنما المراد التسمية عند الإرسال. قوله: (فإن أمسك عليك) أي: صاد لك ولم يَصِدْ لنفسه. قوله: (وإن رميت سهمك) هذا فيه إشارة إلى آلة الصيد الثانية، وهو المحدد، وهو ما ينهر الدم بحده كالسهم، والسهم: بفتح أوله وسكون ثانيه، عود يُسَوَّى في طرفه نصل ترميه القوس (١). ويدخل في ذلك البنادق الهوائية؛ فإنها محدد تصيب الصيد بحدها وقوة نفوذها، بل هي أشد نفوذًا من السهم. • الوجه الرابع: في الحديث دليل على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، وهذا الوصف مأخوذ من الرواية الأخرى، كما تقدم. والمعلم على ما ذكره الفقهاء: هو ما ينبعث بالإغراء، وينزجر بالانزجار ابتداءً لا بعد عدوه، ولا يأكل من الصيد، ودليل التعليم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤،]، والأخير مختلف فيه كما سيأتي. والحق أنه يرجع في التعليم إلى العرف؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ فما عده الناس معلمًا عارفًا بآداب الصيد فهو المعلم، وصيده حلال، وما لا فلا؛ لأن الشارع أطلق التعليم، فيرجع فيه إلى العرف، والله أعلم. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد؛ لأن الرسول ﷺ رتب عليه أحكامًا، ولو لم يجز اقتناؤه ما رتب عليه ذلك، وهذا مجمع عليه، كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁. • الوجه السادس: اسْتُدِلَّ بعموم قوله: (كلبك) على أنه لا فرق في إباحة الصيد بين الكلب الأسود وغيره، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة. وقال أحمد وإسحاق وبعض السلف: لا يحل الصيد بالكلب الأسود

стр. 4126

البهيم، وهو الذي لا بياض فيه (١)، إلا إن أُدرك وهو حي وذُكِّي؛ لأنه كلب يحرم اقتناؤه؛ لأن الشارع أمر بقتله؛ لأنه شيطان، وما حرم اقتناؤه حرم تعليمه الصيد، والأحاديث العامة مخصصة بمثل حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها، وقال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان" (٢). • الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه لا يحل صيد الكلب إلا إذا أرسله صاحبه؛ لأن النبي ﷺ رتب الحل على أوصاف مصدرة بإذا الشرطية، وأولها: "إذا أرسلت كلبك … "؛ ولأن الإرسال بمنزلة الذبح، بدليل أنها اعتبرت معه التسمية، فلو استرسل الكلب بنفسه لم يحل صيده عند الجمهور. وقال آخرون: يحل صيد الكلب وإن لم يرسله صاحبه ما دام أنه أخرجه للصيد وكان معلمًا، وحملوا قوله: (إذا أرسلت) على أنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. والقول الأول أظهر، لأن قوله: (إذا أرسلت) يدل على أنه لا بد من إرساله، وهو أمر زائد على إخراجه للصيد. لكن إن استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسَمَّى فزاد في عدوه وقتل الصيد، فإنه يحل في أظهر قولي أهل العلم، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد القولين للمالكية، وهو وجه في مذهب الشافعي (٣)، وذلك لوجود النية والتسمية، وحصول الإغراء الذي صار له أثر في عدو الكلب، فكان كما لو أرسله ابتداء. • الوجه الثامن: الحديث دليل على اشتراط التسمية عند إرسال الكلب؛ لأن الرسول ﷺ وقف الأذن في الأكل على التسمية، والمعلق بالوصف ينتفي بانتفائه.

стр. 4127

• الوجه التاسع: في الحديث دليل على جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة في الحديث ولو لم يُذكَّى ما دام أن الكلب قد قتله، لقوله: (وإن أدركته قد قتل ولم ياكل منه فكله)، وفي رواية أخرى: (فإنَّ أَخْذَ الكلب ذكاته)؛ أي: إن أخذ الكلب وقتله للصيد ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان، وهذا إجماع (١). • الوجه العاشر: ظاهر قوله: (وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله) أنه لا يشترط إنهار الدم فيما صاده الكلب، فلو قتله بخنقه أو بصدمته أبيح، وهذا أحد القولين في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة، وهو الأصح في مذهب الشافعية. قالوا: ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ولأنه لا يمكن تعليم الكلب الجرح وإنهار الدم. القول الثاني: أنه لا يحل ما صاده الكلب إلا إذا جرحه في أي موضع من بدنه بنابه بحيث ينهر الدم، وهذا ظاهر الرواية في مذهب الحنفية والمفتى به عندهم، وهو قول المالكية، والحنابلة، وأحدُ القولين في مذهب الشافعية وهو ظاهر اختيار الشيخ محمد بن عثيمين (٢)؛ لعموم حديث أبي رافع ﵁ الآتي: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)، ولأن النبي ﷺ منع من أكل الصيد الذي قتله المعراض بعرضه -كما سيأتي- لأنه وقيذ، وهذا مثله. وهذا القول هو الأظهر، لقوة دليله، ويؤيده أن موت الحيوان ودمه فيه مضرٌّ بصحة الإنسان، والشارع ينهى عن كل ما فيه ضرر، وما استدل به أصحاب القول الأول من العمومات فإنه يُخصَّصُ بأدلة تحريم الموقوذة. • الوجه الحادي عشر: أن شرط إباحة الأكل منه ألا يجده حيًّا حياة

стр. 4128

مستقرة، فإن وجده كذلك وأدرك ذكاته لم يحل إلا بالتذكية؛ لقوله: (فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه) فلو لم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذبح اختيارًا أو اضطرارًا، كعدم حضور آلة الذبح. • الوجه الثاني عشر: في الحديث دليل على أن الكلب إذا أكل من الصيد فإنه لا يحل، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية في الجديد، والحنابلة في أرجح الروايتين (١)، وهؤلاءهم الذين يشترطون في أوصاف الكلب المعلم ألا يأكل من الصيد، لقوله: (وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكل)، وفي رواية: قلت: فإن أكل؟ قال: (فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه)، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه. والقول الثاني: أن الكلب إذا أكل من الصيد حلَّ الصيد، وهذا قول المالكية، والشافعية في القديم، وقول للحنابلة (٢)، وهؤلاء لا يشترطون ترك الأكل في أوصاف الكلب المعلم، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله إن لي كلابًا مكلَّبة فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ : "إن كان لك كلابٌ مكلبة فكل مما أمسكن عليك … "، قال: فإن أكل منه، قال: "وإن أكل منه … " الحديث (٣). وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إنه محمول على التنزيه جمعًا بينه وبين حديث أبي ثعلبة الدال على جواز الأكل مما أكل منه الكلب، وهذا جواب ضعيف؛ لأنه لا يناسب الحمل على التنزيه مع التصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه، فقد جعل الشارع أكل الكلب من الصيد علامة على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه، فلا يعدل عن ذلك.

стр. 4129

والراجح هو القول الأول، وهو تحريم الأكل من الصيد الذي أكل منه الجارح، لقوة دليله؛ لأن حديث عدي مخرج في "الصحيحين" وحديث أبي ثعلبة في "السنن"، وهو معلول، كما تقدم. ثم إن حديث عدي مقرون بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الإمساك على نفسه، ومتأيد بأن الأصل في الذبائح التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، كما أنه يتأيد بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ ولو كان مجرد الإمساك كافيًا لما احتيج إلى قوله: ﴿عَلَيكُمْ﴾. • الوجه الثالث عشر: في الحديث دليل على أنه لا يحل أكل صيد الكلب المعلم إذا شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، لقوله: (فإنك لا تدري أيهما قتله) ومحل ذلك ما إذا كان الكلب الآخر قد استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما، وإلا فهو للأول. • الوجه الرابع عشر: اختلف العلماء فيما يُعَلَّمُ من الجوارح الأخرى كالفهد والنمر، ومن الطيور كالصقر والبازي وغيرهما، هل يصح صيدها أو لا؟ على قولين: الأول: أنه يباح الصيد بكل جارح معلم من الحيوانات والطيور، وهذا مذهب الجمهور من الصحابة، كابن عباس ﵄، والتابعين، كمجاهد والحسن وطاوس، والأئمة الأربعة، مستدلين بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] قال ابن كثير: (أي: أُحِلَّ لكم الذبائح التي ذُكِرَ اسم الله عليها، والطيباتُ من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك) (١). والجوارح في الآية لفظ عام يشمل كل جارحة معلمة، ولم يخص منها شيئًا، وهي بمعنى الكواسب، يقال: جرح فلان لأهله خيرًا: إذا أكسبهم

стр. 4130

خيرًا، وفلان جارح أهله؛ أي: كاسبهم (١). فمعنى الجوارح: المحصلات للصيد المدركات له، وهذا وصف عام. وقوله: (﴿مُكَلِّبِينَ﴾) مشتق من الكَلَبِ -بفتح اللام- وهو مصدر بمعنى التكليب، وهو تعليم الجارح الصيد، قال في "المصباح المنير": (كَلَّبته تكليبًا: علمته الصيد، والفاعل مكلِّب، وكلَّاب أيضًا) (٢). و (مكلبين) صفة للقانص، وهي حال؛ أي: حال كونكم أصحاب كلاب، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه، أو حال من المفعول وهي الجوارح؛ أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك بأن تقتنصه بمخلبها أو أظفارها. والقول الثاني: أنه لا يباح الأكل من صيد الجوارح غير الكلاب، فما صاده غير الكلب لا يحل إلا ما ذُكي، وهذا مروي عن مجاهد، وهو قول جماعة من السلف كالضحاك والسدي (٣). واستدلوا بظاهر الآية، فإن قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حال، والمكلِّب معلم الكلاب صفة الاصطياد، ففي ذلك دلالة على أن المراد الكلاب دون غيرها من الجوارح. والراجح القول الأول، وهو إباحة الصيد بكل معلم من الجوارح والطيور، لقوة دلالة الآية على العموم لكل جارح، ثم إن الآية نزلت والعرب تصيد بالكلاب والطيور وغيرهما (٤). وأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ فلا يستفاد منه قصر الحكم على الكلاب؛ لأن المراد بالمكلبين: المعلمون، وإن كان أصل المادة يطلق على الكلاب فليس كونه كلبًا شرطًا، فيصح الصيد بغير الكلاب من أنواع الجوارح، وخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله؛ لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب (٥).

стр. 4131

• الوجه الخامس عشر: في الحديث دليل على جواز الصيد بالسهام وما أشبهها كالبنادق الهوائية؛ لأنها تنهر الدم بحدها ونفوذها. • الوجه السادس عشر: الحديث دليل على أنه إذا رمى الصيد فغاب عنه ثم وجده بعد يوم ميتًا ولم يجد فيه إلا أثر سهمه -كأن يكون رماه مع جنبه الأيمن- فإنه يجوز له أن يأكله إن اشتهاه. وفي رواية: (فوجدته بعد يوم أو يومين … )، وهذا يدل على أنه لا عبرة بالزمن، وإنما العبرة بوجود سهمه فيه. ومفهومه أنه إن وجد فيه أثر غير سهمه فإنه لا يأكله، وهذا الأثر أعم من أن يكون أثر سهم رامٍ آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة كان يموت جوعًا أو متأثرًا بجرحه، فلا يحل أكله مع التردد؛ لاحتمال أنه مات بغير السهم، والأصل في ذلك أن الرخص تراعى شرائطها التي وقعت بها الإباحة، فإذا اختل شيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة. • الوجه السابع عشر: في الحديث دليل على أنه إذا وجد الصيد غريقًا في الماء فإنه يحرم أكله، لرواية: (فإنك لا تدري الماءُ قتله أو سهمك)، والمعنى: أن يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء، ومفهوم التعليل أنه إن علم أن سهمه هو الذي قتله، كما لو قطع حلقومه أو أطار رأسه فإنه يحل. فهنا ثلاثة أمور: ١ - أن يعلم أن الذي قتله هو السهم، فهذا حلال. ٢ - أن يعلم أن الذي قتله هو الماء، فهذا حرام. ٣ - أن يحصل له التردد، فيحرم لما ذكر. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن الأولى ليس فيها إلا سبب واحد وهو السهم، والثانية فيها سببان: الماء والسهم، ولا يدري أيهما قتله. • الوجه الثامن عشر: في الحديث دليل على اشتراط التسمية حال إرسال السهم، لقوله: (وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله)، وسيأتي الخلاف في حكم التسمية إن شاء الله تعالى.

стр. 4132

• الوجه التاسع عشر: حسن تعليم النبي ﷺ حيث قرن الحكم بعلته كما في قوله: (فإنك لا تدري إيّهما قتله)، وذلك ليعرف المؤمن وجه الحكمة في هذا النهي، ويزداد طمأنينة واقتناعًا. • الوجه العشرون: في هذا الحديث أربع مسائل غُلِّبَ فيها جانب الحظر: ١ - إذا وجد مع كلبه كلبًا آخر. ٢ - إذا وجد الصيد غريقًا. ٣ - إذا غاب الصيد ووجد فيه أثر غير سهمه. ٤ - إذا أكل الكلب من الصيد. وهذا من فروع القاعدة الفقهية: إذا اجتمع الحلال والحرام غَلَبَ الحرامُ الحلال، أو: ما اجتمع محرِّم ومبيح إلا غُلِّب المحرِّم (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4133

ما جاء في صيد المعراض ١٣٤٣/ ٣ - عَنْ عَدِيٍّ ﵁ قَال: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَيدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَال: "إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّه فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (صيد المعراض) (٥٤٧٦) من طريق شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشعبي قال: سمعت عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض، فقال: … وذكر الحديث، وفي تمامه سؤاله -أيضًا- عن صيد الكلب. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن صيد المعراض) لفظ البخاري في هذا الموضع: (عن المعراض)، وفي رواية أخرى: (عن صيد المعراض)، والمعراض: بكسر الميم وسكون المهملة، اختلف في تفسيره على أقوال، أقربها أنه عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد، فما أصاب بحده فهو حلال، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ، وقد قوَّى هذا التعريف القاضي عياض (١)، وتبعه النووي (٢)، وقال القرطبي: (إنه الأشهر) (٣).

стр. 4134

قوله: (إذا أصبت بحده) أي: إذا قتلت الصيد بحد المعراض المحدد الذي ينهر الدم فكله؛ لأنه ذُكِّيَ ذكاة شرعية. قوله: (وإذا أصبت بعرضه) أي: إذا قتلت الصيد بغير طرف المعراض المحدد. قوله: (فإنه وقيذ) بوزن عظيم، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي: موقوذ، والموقوذ: ما قُتل بعصا أو حجر وكُلِّ ما لا حد فيه، قال في "المصباح المنير": (وقذه وقذًا من باب وعد: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، فهو وقيذ وموقوذ، وشاة موقوذة: قتلت بالخشب أو بغيره فماتت من غير ذكاة) (١). • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المعراض وغيره من السلاح إن قتل الصيد بحده ونفوذه فهو مباح، لحصول المقصود وهو إنهار الدم، أما إن قتله بصدمه وثقله فلا يباح؛ لأنه وقيذ محرم، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]. والموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل كالخشب أو الحجر غير المحدد حتى تموت، كما قال هذا ابن عباس ﵁ وغير واحد من السلف (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4135

حكم الأكل من الصيد إذا غاب ١٣٤٤/ ٤ - عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "إِذَا رَمَيتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكتَهُ، فَكلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وحوه: • الوجه الأول في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (إذا غاب عن الصيد ثم وجده) (١٩٣١) من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة ﵁ عن النبي ﷺ مرفوعًا. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يحل أكل الصيد ولو غاب عن صاحبه ما لم يفسد لحمه وتتغير رائحته، وليس في هذا الحديث تقييده بزمن، وقد تقدم في حديث عدي ﵁: "وإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت"، وفي رواية: "وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل"، وفي رواية: "اليومين والثلاثة" وظاهر هذا أنه لا عبرة بالزمن وإنما الشرط أن يجد به أثر سهمه. وأما حديث أبي ثعلبة فإنه جعل الغاية أن ينتن الصيد، وأنه لا عبرة بالزمن؛ لأنه يدل بظاهره على أنه لو وجده بعد يوم أو أكثر ولم ينتن أنه يحل أكله، وإن وجده وقد أنتن لم يحل. والظاهر -والله أعلم- أن المعتبر هو عدم تغير رائحته؛ لأنه ﷺ جعل غاية حله إلى أن ينتن، وأما التقييد بيوم الوارد في بعض الروايات فلا مفهوم له، بل إنه يحل أكله ولو غاب أكثر من يوم ما لم يتغير، مما يفيد أن المدة
следующие страницы →