← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

• الوجه الخامس عشر: في الحديث دليل على جواز الصيد بالسهام وما أشبهها كالبنادق الهوائية؛ لأنها تنهر الدم بحدها ونفوذها. • الوجه السادس عشر: الحديث دليل على أنه إذا رمى الصيد فغاب عنه ثم وجده بعد يوم ميتًا ولم يجد فيه إلا أثر سهمه -كأن يكون رماه مع جنبه الأيمن- فإنه يجوز له أن يأكله إن اشتهاه. وفي رواية: (فوجدته بعد يوم أو يومين … )، وهذا يدل على أنه لا عبرة بالزمن، وإنما العبرة بوجود سهمه فيه. ومفهومه أنه إن وجد فيه أثر غير سهمه فإنه لا يأكله، وهذا الأثر أعم من أن يكون أثر سهم رامٍ آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة كان يموت جوعًا أو متأثرًا بجرحه، فلا يحل أكله مع التردد؛ لاحتمال أنه مات بغير السهم، والأصل في ذلك أن الرخص تراعى شرائطها التي وقعت بها الإباحة، فإذا اختل شيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة. • الوجه السابع عشر: في الحديث دليل على أنه إذا وجد الصيد غريقًا في الماء فإنه يحرم أكله، لرواية: (فإنك لا تدري الماءُ قتله أو سهمك)، والمعنى: أن يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء، ومفهوم التعليل أنه إن علم أن سهمه هو الذي قتله، كما لو قطع حلقومه أو أطار رأسه فإنه يحل. فهنا ثلاثة أمور: ١ - أن يعلم أن الذي قتله هو السهم، فهذا حلال. ٢ - أن يعلم أن الذي قتله هو الماء، فهذا حرام. ٣ - أن يحصل له التردد، فيحرم لما ذكر. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن الأولى ليس فيها إلا سبب واحد وهو السهم، والثانية فيها سببان: الماء والسهم، ولا يدري أيهما قتله. • الوجه الثامن عشر: في الحديث دليل على اشتراط التسمية حال إرسال السهم، لقوله: (وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله)، وسيأتي الخلاف في حكم التسمية إن شاء الله تعالى.

стр. 4132

• الوجه التاسع عشر: حسن تعليم النبي ﷺ حيث قرن الحكم بعلته كما في قوله: (فإنك لا تدري إيّهما قتله)، وذلك ليعرف المؤمن وجه الحكمة في هذا النهي، ويزداد طمأنينة واقتناعًا. • الوجه العشرون: في هذا الحديث أربع مسائل غُلِّبَ فيها جانب الحظر: ١ - إذا وجد مع كلبه كلبًا آخر. ٢ - إذا وجد الصيد غريقًا. ٣ - إذا غاب الصيد ووجد فيه أثر غير سهمه. ٤ - إذا أكل الكلب من الصيد. وهذا من فروع القاعدة الفقهية: إذا اجتمع الحلال والحرام غَلَبَ الحرامُ الحلال، أو: ما اجتمع محرِّم ومبيح إلا غُلِّب المحرِّم (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4133

ما جاء في صيد المعراض ١٣٤٣/ ٣ - عَنْ عَدِيٍّ ﵁ قَال: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَيدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَال: "إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّه فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (صيد المعراض) (٥٤٧٦) من طريق شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشعبي قال: سمعت عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المعراض، فقال: … وذكر الحديث، وفي تمامه سؤاله -أيضًا- عن صيد الكلب. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن صيد المعراض) لفظ البخاري في هذا الموضع: (عن المعراض)، وفي رواية أخرى: (عن صيد المعراض)، والمعراض: بكسر الميم وسكون المهملة، اختلف في تفسيره على أقوال، أقربها أنه عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد، فما أصاب بحده فهو حلال، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ، وقد قوَّى هذا التعريف القاضي عياض (١)، وتبعه النووي (٢)، وقال القرطبي: (إنه الأشهر) (٣).

стр. 4134

قوله: (إذا أصبت بحده) أي: إذا قتلت الصيد بحد المعراض المحدد الذي ينهر الدم فكله؛ لأنه ذُكِّيَ ذكاة شرعية. قوله: (وإذا أصبت بعرضه) أي: إذا قتلت الصيد بغير طرف المعراض المحدد. قوله: (فإنه وقيذ) بوزن عظيم، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي: موقوذ، والموقوذ: ما قُتل بعصا أو حجر وكُلِّ ما لا حد فيه، قال في "المصباح المنير": (وقذه وقذًا من باب وعد: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، فهو وقيذ وموقوذ، وشاة موقوذة: قتلت بالخشب أو بغيره فماتت من غير ذكاة) (١). • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المعراض وغيره من السلاح إن قتل الصيد بحده ونفوذه فهو مباح، لحصول المقصود وهو إنهار الدم، أما إن قتله بصدمه وثقله فلا يباح؛ لأنه وقيذ محرم، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]. والموقوذة: هي التي تضرب بشيء ثقيل كالخشب أو الحجر غير المحدد حتى تموت، كما قال هذا ابن عباس ﵁ وغير واحد من السلف (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4135

حكم الأكل من الصيد إذا غاب ١٣٤٤/ ٤ - عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "إِذَا رَمَيتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكتَهُ، فَكلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وحوه: • الوجه الأول في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (إذا غاب عن الصيد ثم وجده) (١٩٣١) من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة ﵁ عن النبي ﷺ مرفوعًا. • الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه يحل أكل الصيد ولو غاب عن صاحبه ما لم يفسد لحمه وتتغير رائحته، وليس في هذا الحديث تقييده بزمن، وقد تقدم في حديث عدي ﵁: "وإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت"، وفي رواية: "وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل"، وفي رواية: "اليومين والثلاثة" وظاهر هذا أنه لا عبرة بالزمن وإنما الشرط أن يجد به أثر سهمه. وأما حديث أبي ثعلبة فإنه جعل الغاية أن ينتن الصيد، وأنه لا عبرة بالزمن؛ لأنه يدل بظاهره على أنه لو وجده بعد يوم أو أكثر ولم ينتن أنه يحل أكله، وإن وجده وقد أنتن لم يحل. والظاهر -والله أعلم- أن المعتبر هو عدم تغير رائحته؛ لأنه ﷺ جعل غاية حله إلى أن ينتن، وأما التقييد بيوم الوارد في بعض الروايات فلا مفهوم له، بل إنه يحل أكله ولو غاب أكثر من يوم ما لم يتغير، مما يفيد أن المدة

стр. 4136

الزمانية لا أثر لها في الحكم، ومن المعلوم أن تسرب الفساد إلى اللحم يختلف باختلاف برودة الجو وحرارته. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن المسلم ينهى عن أكل ما تعفن من الطعام وتغيرت رائحته، وقد حمل جماعة من أهل العلم ومنهم القاضي عياض، والنووي (١) النهي على التنزيه وأنه يكره أكل ما تعفن؛ لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع، إلا أن يخاف منه الضرر فيحرم، وقد ثبت في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ أكل إِهَالةً سَنِخَةً، والسنخة بفتح السين المشددة وكسر النون: هي المتغيرة، وهذا محمول على أنها لم تستقذر ولا تضر (٢). والقول الثاني: أنه يحرم أكل المنتن من اللحم وغيره مطلقًا، وعزاه النووي لبعض الشافعية، وقال: إنه قول ضعيف (٣)، وهو قول المالكية، ورجحه الحافظ (٤)، وتبعه الشوكاني (٥). • الوجه الرابع: الحديث دليل على عناية الإسلام بصحة الإنسان وحفظها مما قد يؤثر عليها؛ لقوله: (ما لم ينتن) لأن أكل ما أنتن قد يضر ببدن الإنسان، وهذا دليل من أدلة كثيرة جاءت بالأمر بالأكل من الطيبات، وحرمت الأكل من الخبائث وما فيه مضرة. والله تعالى أعلم.

стр. 4137

حكم التسمية ١٣٤٥/ ٥ - عَن عَائِشَةَ ﵂ أَن قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَروا اسْمَ اللهِ عَلَيهِ أَمْ لَا؟ فَقَال: "سَمُّوا اللهَ عَلَيهِ أنتُمْ وَكُلُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من"صحيحه" ومنها في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (ذبيحة الأعراب ونحوهم) (٥٥٠٧) من طريق أسامة بن حفص المدني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ … وذكرت الحديث، وتمامه: قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر، وزاد مالك في آخره: وذلك في أول الإسلام. وقد جاء في الموضع المذكور بلفظ: (لا ندري أَذُكِرَ اسم الله عليه) بضم الذال على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله، واللفظ المثبت جاء عند البخاري في "البيوع" (٢٠٥٧). وهذا الحديث قد رواه عن هشام موصولًا جماعة، منهم محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، وآخرون. ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٤٨٨) عن هشام، عن أبيه مرسلًا ليس فيه عائشة ﵂، وكذا رواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة ويحيى بن سعيد والمفضل بن فضالة. قال الدارقطني بعد ذكر هذا الاختلاف: (والمرسل

стр. 4138

أشبه بالصواب) (١). لكن ظاهر صنيع البخاري ترجيح الموصول، لزيادة عدد من وصله على من أرسله؛ ولأن في الحديث قرينة تؤيد الوصل، وهي أن عروة معروف بكثرة الرواية عن عائشة ﵂ والأخذ عنها (٢). • الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن التسمية عند الذبح سنة، فتحل الذبيحة إذا ترك التسمية مطلقًا، سواء أتركها عمدًا أم نسيانًا، وهذا مذهب الشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، وقول بعض المالكية (٥). ووجه الاستدلال: أن التسمية لو كانت شرطًا في حل الذبيحة لما أذن الرسول ﷺ لهؤلاء في أكلها إلا بعد تحقق وجودها (٦). كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ [المائدة: ٣] قالوا: فأباح التذكية من غير اشتراط التسمية، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فأباح لنا طعام أهل الكتاب وهم لا يسمون، وطعامهم: ذبائحهم، كما قال ابن عباس وغير واحد من السلف (٧). والقول الثاني: أن التسمية واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين (٨)، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه (٩)، فيحل عندهم ما تركت التسمية عليه سهوًا، ولا يحل عندهم ما تركت التسمية عليه جهلًا. واستدلوا بما يلي:

стр. 4139

١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فنهى الله تعالى عن الأكل مما تركت عليه التسمية، وهو محمول على حال العمد، كما سيأتي. ٢ - الأحاديث التي فيها الأمر بالتسمية، كما في حديث عدي ﵁ المتقدم، وحديث رافع بن خديج ﵁ الآتي. ٣ - عموم الآيات والأحاديث في رفع الحرج عن الأمة حال النسيان، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وكحديث ابن عباس ﵄: "إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وتقدم في "الطلاق"، وحديث ابن عباس الآتي آخر الباب: "المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسمِّ ثم ليأكل". لكن تفريق أصحاب هذا القول بين الجهل والنسيان وأن الناسي يعذر والجاهل لا يعذر مشكل جدًّا؛ لأن بابهما واحد كما يذكر الأصوليون في موانع التكليف، والجهل مقرون بالنسيان في الكتاب والسنة، بل قد يكون صاحب الجهل أحق بالعذر، كحديث عهدٍ بالإسلام. وقد فرقت الحنابلة بين الصيد والذبح، فقالوا: لا تسقط التسمية في الصيد بحال، بخلاف الذكاة فتسقط سهوًا، والحنفية والمالكية لا يفرقون، والفرق بينهما كثرة الوقوع وتكراره بخلاف الصيد، والحنفية يقولون: إن الصيد أولى بالسقوط نظرًا لحال الصاند عند رؤية الصيد (١). والقول الثالث: أن التسمية فرض على الإطلاق، ولا يحل متروك التسمية عمدًا ولا سهوًا، وهذا مروي عن ابن عمر ﵄ ونافع مولاه، والشعبي وابن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك (٢)، وهو قول الظاهرية، وإحدى الروايتين عن أحمد، قدمها في "الفروع"، واختارها أبو الخطاب، وشيخ

стр. 4140

الإسلام ابن تيمية، وقال: (إنه قول غير واحد من السلف، وهو أظهر الأقوال) (١). واستدلوا بأن الله تعالى قد علق الحل بذكر اسم الله تعالى في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيه﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وهذه الآية تدل على النهي عن الأكل من الذي لم يذكر اسم الله عليه، والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يعود على مصدر الفعل المنهي عنه؛ أي: وإن أكله لفسق، وهذا عام فيندرج المنسي في النهي كما تندرج الميتة، وليس هنا ما يمنع من إطلاق الفسق على تارك ما فرضه الله، فيدخل في ذلك تارك التسمية عمدًا. والقول بأن المراد بهذه الآيات ما ذبح للأصنام، كقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، هو قول صحيح، لكن الآية عامة فيدخل في عمومها متروك التسمية؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الذي اختاره ابن جرير الطبري وبنى تفسير الآية عليه (٢). كما استدلوا بحديث رافع بن خديج ﵁ الآتي: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل" فعلق الحل بمجموع الأمرين: إنهار الدم والتسمية، فكما أنه لو لم ينهر الدم ناسيًا أو جاهلًا لم تحل الذبيحة، فكذلك إذا لم يسم، ومن فرق بينهما فعليه الدليل. وهذا أرجح الأقوال، لقوة مأخذه، وكثرة أدلته، فإن القرآن والسنة علَّقا الحِل بذكر اسم الله تعالى على الذبيحة في غير موضع، ولم يصح ما يخصصها بحال دون حال، ثم إن التسمية شرط وجودي، والشرط الوجودي

стр. 4141

لا يسقط بالنسيان، كما لو صلى بغير وضوء ناسيًا، فإن صلاته لا تصح. وأما حديث الباب وهو حديث عائشة ﵂ فليس فيه دليل؛ لأن الاستدلال به خارج عن محل النزاع؛ لأنه سيق لبيان إباحة الأكل من ذبيحة المسلم، والتسمية التي أمر بها رسول الله ﷺ السائلين هي التسمية المطلوبة شرعًا عند الأكل، إذ لا تكليف عليهم في موضوع التسمية عند الذبح، فإن المكلف هو الذابح نفسه، وإذا لم نعلم هل سمى أو لا؟ فالذبيحة حلال؛ لأن الذابح مسلم حتى يتبين خلاف ذلك، أما إذا تيقن أنه لم يسم فإنه لا يأكل. ثم إنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم تركوا التسمية وأن النبي ﷺ أحل لهم اللحم، وإنما فيه أنهم لا يدرون أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ بل قد يقال: إن الحديث دليل على شرطية التسمية؛ لأن الصحابة ﵃ فهموا أن التسمية لا بد منها، فخافوا ألا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فهم خافوا ثم سألوا (١). وأما قوله تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ فلا دلالة فيه؛ لأن المراد ما ذكيتم وذكرتم اسم الله عليه، لما ثبت في الأدلة الأخرى. وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وأنهم لا يسمون فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن كثير أن أهل الكتاب يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس (٢). وأما أدلة أصحاب القول الثاني فهي أدلة أصحاب القول الثالث إلا ما ذكروه من أدلة إباحة الأكل من متروك التسمية نسيانًا، والجواب عنها: إما عمومات فلا دليل فيها، لاتفاق الفريقين على أن المراد نفي الحرج ورفع المؤاخذة، لكن المستدل يرى أن يلزم من ذلك حل الذبيحة، والمخالف يرى

стр. 4142

أنه لا يلزم من انتفاء الإثم حل الذبيحة؛ لأن حلها أثر حكم وضعي، حيث إنه مرتب على شرط يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه، وأما المؤاخذة والجناح فهما أثر حكم تكليفي من شرطه الذكر والعلم، فلذلك انتفيا بانتفائهما (١). يوضح ذلك أنه لو ترك واجبًا نسيانًا كالوضوء -مثلًا- فصلى بغير وضوء ناسيًا، فإنه لا إثم عليه، ويلزمه أداؤه. وأما ما استدلوا به من حديث ابن عباس ﵄ في متروك التسمية نسيانًا فلا حجة فيه؛ لأن الأحاديث الصحيحة مع ظاهر القرآن تدل على وجوبها، وما عارض ذلك فالمرفوع منه ضعيف، والموقوف لا حجة فيه مع مخالفة السنة، والمرسل ضعيف لا يحتج به. • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يُسأل عن وصفه، لأن الأصل السلامة، وإذا كان الأصل السلامة كان السؤال عنه تشددًا (٢)، وعلى هذا فما ذبح في بلاد المسلمين فهو في الأصل محمول على الصحة، ما لم توجد قرينة على خلاف ذلك، قال ابن عبد البر: (في هذا الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سَمَّى الله عليه أم لا، أنه لا بأس بأكله، وهو محمول على أنه قد سمى، والمؤمن لا يُظن به إلا الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه) (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا وجد الإنسان لحمًا قد ذبحه غيره (أي: مسلم) جاز له أن يأكل منه ويذكر اسم الله عليه؛ لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة) (٤). أما الذبائح التي ترد إلى بلاد المسلمين فسيأتي الكلام على حكمها -إن شاء الله- عند شرح الحديث (١٣٤٩). والله تعالى أعلم.

стр. 4143

النهي عن الخذف وتحريم ما صيد به ١٣٤٦/ ٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَال: "إِنَّهَا لَا تَصيدُ صَيدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (الخذف والبندقة (١)) (٥٤٧٩)، ومسلم (٥٤) (١٩٥٤) من طريق كَهْمَسِ بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه رأى رجلًا يخذف فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف … الحديث. ورواه مسلم -أيضًا- (٥٦) من طريق سعيد بن جبير أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خذف، وساق الحديث بمثل لفظ "البلوغ"، وتمامه: قال فعاد فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبدًا. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (عن الخذف) هو بالخاء والذال المعجمتين، الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، وهو رمي الإنسان بحصاة أو نواة ونحوهما يجعلهما بين

стр. 4144

أصبعيه السبابتين أو الإبهام والسبابة. قال القرطبي: (إن الخذف بالخاء المعجمة من فوقها: الرمي بالحجر، وبالحاء المهملة: الضرب بالعصا) (١). قوله: (إنها لا تصيد صيدًا) جملة تعليلية، والضمير يعود على الحصاة المفهومة من لفظ الخذف، وأنث الضمير نظرًا إلى المخذوف به وهو الحصاة، ويؤيد هذا قوله: (ولكنها تكسر السن … ). والمعنى: أن الحصاة ليست بآلة صيد مشروعة؛ لأنها ليست بمحدد ينهر الدم، بل المضروب بها إن مات فهو وقيذ. قوله: (ولا تنكأ) بفتح التاء، وآخره همزة، من باب فتح؛ أي: لا تجرح ولا تثخن. قوله: (وتفقأ) بفتح التاء، وآخره همزة؛ أي: تقلع العين أو تجعلها عوراء. • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الخذف؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه، والنهي للتحريم؛ لأنه لا مصلحة فيه، ويخاف مفسدته؛ لأنه يكسر السن، ويفقأ العين، ولا يحصل به الاصطياد؛ لأن الصيد إنما يحل بنهر الدم، وأما الخذف فإنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده، فالمقتول به يكون وقيذًا، وقد تقدم تحريم الموقوذة. • الوجه الرابع: في قول عبد الله بن مغفل ﵁: (لا أكلمك أبدًا) دليل على مشروعية هجر من خالف الشرع عن علم تأديبًا له وزجرًا حتى يرجع عن ذلك (٢)، وسيأتي الكلام على الهجر في كتاب "الجامع" -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم.

стр. 4145

النهي عن اتخاذ الحيوان هدفًا للرمي ١٣٤٧/ ٧ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَن النَّبي ﷺ قَال: "لَا تَتَّخِذُوا شيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا"، رَوَاهُ مُسْلِم. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (النهي عن صبر البهائم) (١٩٥٧) من طريق شعبة، عن عدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فيه الروح) المراد به الحيوان الحي. قوله: (غرضًا) بالفتح هو الهدف الذي يرمى إليه. • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم اتخاذ الحيوان هدفًا يرمى إليه؛ لأن هذا من تعذيب الحيوان، وفيه إتلاف له، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته الشرعية إن كان مما يذكى، ولمنفعته إن لم يكن كذلك، وقد ورد في رواية عند مسلم: (أن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا) (١). • الوجه الرابع: في الحديث دليل على سمو هذه الشريعة وشمولها حيث أوجبت الشفقة على الناس وعلى البهائم، وحرمت كل ما فيه إيذاء أو تعذيب. والله تعالى أعلم.

стр. 4146

حكم ذبيحة المرأة ١٣٤٨/ ٨ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ امْرَأةً ذَبَحتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَأمرَ بِأَكلِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري بعدة ألفاظ في مواضع من "صحيحه"، ومنها: في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (ذبيحة المرأة والأمة) (٥٥٠٤) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابنٍ لكعب بن مالك، عن أبيه أن امرأة … وذكر الحديث، وفي آخره: قال عبيد الله: فيعجبني أنها أمة وأنها ذَبَحَتْ. وعبيد الله هو ابن عمر العمري، راوي الحديث، وهذه الزيادة جاءت عند البخاري في "الوكالة" (٢٣٠٤). وفي رواية (٥٥٠٥) أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بِسَلْعٍ، فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل النبي ﷺ فقال: "كلوها". وهذا الحديث وقع في إسناده اختلاف، ذكره الدارقطني، ونقله عنه الحافظ في "المقدمة" ثم قال: (وهو كما قال، وعلته ظاهرة، والجواب عنه فيه تكلف وتعسف) (١). وقد استظهر الحافظ أن ابن كعب المبهم هو عبد الرحمن بن كعب (٢)، لما رواه ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن

стр. 4147

كعب بن مالك، عن أبيه طرفًا من هذا الحديث، وجزم المزي بأنه عبد الله (١). • الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز تذكية المرأة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، سواء كانت حرة أم أمة، وسواء أكانت طاهرًا أم حائضًا أم نفساء، فليس من شرط الذابح أن يكون ذكرًا، ولا أن يكون طاهرًا؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأكل مما ذبحته هذه المرأة ولم يستفصل، والمرأة قد تذبح مثل ما يذبح الرجل إذا عُلِّمت صفة الذبح، قال ابن المنذر: (أجمع عوام أهل العلم الذين حفظنا عنهم على إباحة أكل ذبيحة الصبي والمرأة إذا أطاقا الذبح وأتيا على ما يجب أن يؤتى عليه) (٢). • الوجه الثالث: جواز ذبح الحيوان بالمحدد من الحجر؛ لأن المقصود إنهار الدم، وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد) (٣). • الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الأصل في تصرفات من يصح تصرفه الحِلُّ والصحة، لأن النبي ﷺ لم يسأل هذه المرأة أذكرت اسم الله عليها أم لا؟ • الوجه الخامس: في الحديث دليل على إباحة ذبح ما خيف عليه الموت، وأن ما أصابه سبب الموت فأدرك فهو حلال، لأن هذه الشاة عدا عليها الذئب -كما في بعض الروايات- فأدركتها هذه الجارية حية فذبحتها (٤). • الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الراعي إذا أبصر شاة من الغنم التي يرعاها تموت فذبحها بغير إذن مالكها أنه لا حرج عليه ويحل أكلها، سواء أكان الراعي مملوكًا لصاحب الغنم أو كان وكيلًا؛ لأن يد كل من الراعي والوكيل يد أمانة، فلا يعملان إلا بما فيه مصلحة ظاهرة. وقد بوب البخاري على هذا في كتاب "الوكالة" بقوله: (باب إذا أبصر الراعي أو

стр. 4148

الوكيل شاة تموت أو شيئًا يفسد ذبح أو أصلح ما يخاف عليه الفساد) (١)، والنبي ﷺ أمر بأكل الشاة ولم ينكر على من ذبحها. قال ابن التين: (في الحديث خمس فوائد: جواز ذكاة النساء، والإماء، والذكاة بالحجر، وذكاة ما أشرف على الموت، وذكاة غير المالك بغير وكالة) (٢). • الوجه السابع: في الحديث دليل على تصديق الأجير الأمين فيما أؤتمن عليه حتى يتبين عليه دليل الخيانة. • الوجه الثامن: في الحديث دليل على ورع الصحابة ﵃ وحرصهم على ما يتعلق بالأكل، لأنهم لم يأكلوا هذه الشاة حتى سألوا النبي ﷺ فأمرهم بأكلها. • الوجه التاسع: في الحديث دليل على أن الأمر يأتي بمعنى الإذن، لأن قوله: (فأمر بأكلها) ليس المراد به الإلزام وإنما المراد به الإذن، ولهذا قال علماء الأصول: إن الأمر بعد الاستئذان يكون للإباحة ما لم يقم دليل خلاف ذلك (٣).

стр. 4149

آلة الذكاة المشروعة والممنوعة ١٣٤٩/ ٩ - عَنْ رَافِعِ بْنِ خديجٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "مَا أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ علَيهِ فَكُلْ، ليسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ". مُتَّفقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الذبائح والصيد"، باب (التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا) (٥٤٩٨)، ومسلم (١٩٦٨) من طريق سعيد بن مسروق (١)، عن عَبَايةَ بن رِفَاعَةَ بن رافع، عن جده رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع … وساق الحديث بطوله، وهي رواية البخاري، وهو عند مسلم أخصر. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ما أنهر الدم) ما: موصولة أو شرطية، وهو أقرب، وأنهر الدم؛ أي: أساله وصبه بكثرة، شبهه بجري الماء في النهر، والذي يُنهر الدم: كل ما له نفوذ في البدن، وهو المحدد كالسهم والحديد والخشب الذي له حد والزجاج ونحو ذلك، ويدخل فيه ما يخرق بحده مثل رصاص البندقية. قوله: (ليس السنَّ) بالنصب على الاستثناء بـ (ليس) وهو خبرها، و (ليس) هنا فعل دال على الاستثناء بمعنى (إلا)، ويجوز الرفع على أنه اسم (ليس)، والخبر محذوف؛ أي: ليس السن والظفر مباحًا. وفي رواية: (إلا سنًّا وظفرًا).

стр. 4150

قوله: (أما السن فعظم) هذه الجملة فيها معنى التعليل؛ أي: نُهي عن التذكية بالسن؛ لأنه عظم، وقد تقرر عند العرب ألا يُذبح بعظم (١). قوله: (فمدى الحبشة) بضم الميم اسم مقصور، وهو جمع مفرده مدية، وهي السكين، سميت مدية؛ لأنها تقطع مدى الحيوان؛ أي: عمره وحياته. والحبشة والحَبَشُ جنس من السودان (٢)، وبلادهم تقع في الشمال الشرقي من أفريقيا، وتسمى الآن أثيوبيا، والحبشة كفار آنذاك، وقد نهينا عن التشبه بهم. والمعنى: أنهم كانوا يذبحون بأظفارهم. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على أنه يشترط لحل الحيوان بالذكاة إنهار الدم وإسالته، وذلك بأن تكون الذكاة بمحدد يقطع أو يخرق بحده لا بثقله، كما تقدم، فإن كان الحيوان مقدورًا عليه فلا بد أن يكون الإنهار في موضع معين، وهو الرقبة، قال ابن عباس ﵄: (الذكاة في الحلق واللبة) (٣). واللبة: هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. وإن كان غير مقدور عليه كبعير ندَّ أو شاة شردت، فذكاته بجرحه وإنهار الدم في أي موضع من بدنه حتى يموت؛ لأنه صار حكمه حكم الوحشي النافر، والأولى أن يتحرى أسرع شيء في موته، قال ابن عباس ﵄: (ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد) (٤). ومفهوم الحديث أنه لا يحل الذبح بما لا ينهر الدم، وهو ما يقتل بثقله أو صدمه، ومن ذلك الذبح بالخنق أو الصعق بالكهرباء، أو بضرب الرأس، أو تغطيس الطيور بالماء، وفتل أعناقها، ونحو ذلك، فكل هذا ليس بذكاة شرعية؛ لعدم إنهار الدم المشروط في الحديث.

стр. 4151

والذبح بما لا ينهر الدم مضر بالصحة؛ لأن الحيوان بالتدويخ والصعق يصاب قبل زهاق روحه بالشلل واحتقان الدم في اللحم والعروق حيث لا يجد منفذًا، وهذا مضر بصحة الإنسان، ولذا حرم الإسلام الميتة لبقاء دمها فيها، وفي هذا الحديث تنبيه على هذا المعنى (١). • الوجه الرابع: اختلف العلماء فيما يُقطع في الذكاة على قولين: الأول: وجوب قطع الحلقوم والمريء والحلقوم: مجرى النفس، والمريء: مجرى الطعام والشراب، واشتراط قطعهما هو الصحيح المنصوص عليه في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٢)، وذلك لحصول المقصود بقطعهما، وهو أن الحياة تُفقد بفقدهما، وعليه فلا يشترط قطع الودجين -وهما عرقان محيطان بالحلقوم- بل قطعهما سنة. والقول الثاني: أنه لا بد من قطع ثلاثة بدون تعيين، وهي إما الحلقوم والودجان، وإما المريء والودجان، وإما الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد (٣)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم) (٤)، وهذا هو الأظهر -إن شاء الله- لأن قطع الودجين فيه إنهار الدم وإراحة الذبيحة بسرعة زهوق النفس، وهذا هو المقصود من الذكاة. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على منع التذكية بالسن والظفر، ويبقى ما عداهما مما ينهر الدم على العموم، فتجوز التذكية به؛ لأن الاستثناء معيار العموم، كلما يقول الأصوليون. وظاهر الحديث أنه لا فرق في السن والظفر بين أن يكونا متصلين أو منفصلين، ومن آدمي أو حيوان، وهذا مذهب الجمهور.

стр. 4152

وخص الحنفية المنع بالسن والظفر المتصلين، قائلين إن المتصل يصير في معنى الخنق، والمنفصل في معنى الحجر، وجزم ابن دقيق العيد بحمل الحديث على المتصلين (١). وظاهر الحديث يرد عليهم، فإن الذي لا تجوز الذكاة به متصلًا لا تجوز به منفصلًا، فيعمل بمقتضى ذلك العموم إلا إذا خُصِّصَ، ولا مخصص، وما عللوا به مخالف للتعليل الوارد في الحديث فلا يلتفت إليه. • الوجه السادس: علل النبي ﷺ منع الذكاة بالسن بأنه عظم، وقد اختلف العلماء هل الحكم خاص في محله وهو السن أو عام في جميع العظام، على قولين: الأول: أنه خاص في محله وهو السن، وأما ما عداه من العظام فتحل الذكاة به، وهذا قول أبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد (٢). واستدلوا بأمرين: ١ - أن قوله: (أما السن فعظم) مشعر بخصوص السن، إذ لو أراد العموم لقال: غير العظم والظفر، لكونه أخصر وأبين. ٢ - أننا لا نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم، فكيف نعدي الحكم من الأصل إلى غيره مع الجهل. القول الثاني: أن المنع عام في جميع العظام، لقوله: (أما السن فعظم) فهي علة منصوصة لا مستنبطة، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد (٣). وهذا القول هو الراجح، لقوة دلالة الحديث عليه، فإن قوله: (أما السن فعظم) نص على العلة فيدل على أنها مناط الحكم، متى وجدت وجد الحكم، فهو قياس حذفت مقدمته الثانية لشهرتها عندهم، والتقدير: أما السن فعظم، وكل عظم لا يحل الذبح به، قال ابن القيم: (وهذا تنبيه على عدم

стр. 4153

التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن) (١). وأما ما قاله الأولون فالجواب عنه ما يلي: ١ - قولهم: إن الحديث مشعر بخصوص السن دون غيره من العظام، فنقول: إن هذا لا يفيد التخصيص، بل الظاهر أن ذكر السن من أجل أنها عادة يرتكبها بعض الناس بالتذكية به، ثم أشار الشارع إلى عموم الحكم بذكر العلة، أو يقال: إن تعليل السن بكونه عظمًا أنه كان معهودًا عند العرب أنه لا يجوز الذبح بالعظام، وعلى أي حال فهو ذَكَرَ السنَّ ثم ذكر العلة التي تشمله وغيره. ٢ - وأما كوننا لا فعلم الحكمة في تأثير العظام فلا نعديه عن السن إلى غيره، فهذا لا يمنع من التعدية إلى كل ما يصدق عليه اسم العظم؛ لأن العظم معلوم، على أنه يمكن أن يلتمس حكمة، وهي أن العظم إن كان من ميتة أو من حيوان نجس فذلك لنجاسته، والذكاة تطهير، وإن كان من طاهر فهو طعام إخواننا من الجن، كما ثبت في "الصحيح" (٢)، والذبح به تلويث له بالنجاسة. • الوجه السابع: علل النبي ﷺ النهي عن الذبح بالظفر بأنه مدى الحبشة، والظاهر أن المراد بذلك أن الحبشة يذبحون بأظافرهم، لا أن المراد النهي عن كل مدية تستعملها الحبشة، فنهى الشارع عن ذلك؛ لأن الذبح بالظفر يقتضي مخالفة الفطرة من وجهين: الأول: أن يستلزم توفير الأظافر وإطالتها؛ لأن الظفر لا يمكن الذبح به إلا إذا طال، وهذا مخالف للفطرة التي هي تقليم الأظفار. الثاني: أن في ذلك مشابهة للسباع التي تفرس الصيد بأظفارها، وجوارح الطير التي تفرس بمخالبها (٣). • الوجه الثامن: يعلم مما تقدم حكم المستورد من اللحوم والدجاج

стр. 4154

والطيور وما يُشتق من بعضها، فما كان ذابحه مسلمًا فلا شك في إباحته؛ لأن الأصل فيما يذبحه المسلم الحِل، وما كان ذابحه كتابيًّا وقد ذبحه بالطريقة الشرعية فهو حلال كذلك بنص القرآن، وأما إذا جُهل الأمر بحيث لا يُدرى هل الذي ذبحه ممن تباح ذبيحته أو لا؟ -كما هو الغالب في الأسواق من المستورد- فلعلماء هذا العصر فيه قولان: الأول: أنه يباح، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وطعامهم: ذبائحهم، كما تقدم (١). الثاني: أنه محرم؛ لأن الأصل في الحيوانات التحريم، فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة، تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وهذه الذكاة مشكوك فيها بالنسبة لهذه اللحوم، بل يغلب على الظن عدم وجودها، فتبقى على الأصل، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فدلت الآية على أنه إذا لم يُتحقق في هذه اللحوم الذكاة الشرعية فهي محرمة، بناة على الأصل، سواء كانت ذبيحة مسلم أو كتابي (٢). وهذا القول قوي، ويؤيده ما يلي: ١ - أن القاعدة الشرعية في باب الأطعمة: أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح غُلِّبَ جانب الحظر، وهذه القاعدة دلَّ عليها حديث عدي بن حاتم ﵁ (٣) وغيره من الأحاديث الصحيحة، وهذه اللحوم ترددت بين كونها مذكاة ذكاة شرعية مبيحةً فَتَحِلُّ، وكونها غير مذكاة فلا تحل، تغليبًا لجانب التحريم. ٢ - أن طرق الذبح قد تنوعت، وأصبح معظمها لا يوافق الطريقة الشرعية، لا سيما مع هذه الكميات الهائلة التي تمتلئ بها الأسواق العالمية،

стр. 4155

وقد ذكر بعض الباحثين أن المسالخ الصغيرة تنتج ألفي دجاجة في الساعة، وهذا يُستبعد معه حصول الذكاة الشرعية بأوصافها المعلومة، ومنها التسمية، وإنهار الدم، وهذا مما يطيب المذكاة، وتركه يكسبها خبثًا، يوجب التحريم. ٣ - أنه لم يبق الأمر محلَّ شك وتردد؛ لأن كثيرًا من الباحثين المهتمين اطلعوا على كيفية الذبح في المجازر الموجودة خارج البلاد الإسلامية، إما بالمشاهدة، وإما بإخبار أصحاب هذه المجازر أنفسهم، مما يفيد عدم الثقة ببقية مُصَدِّري هذه اللحوم، لما يغلب على الظن من أن طريقتهم واحدة. ٤ - أن الأمانة قد ضعفت في هذا الزمان، وقَلَّ الصدق، بحيث لا يُعتمد على أقوال المصَدِّرِينَ لهذه اللحوم، ولا على كتاباتهم على ظهر أغلفتها بأنها ذبحت على الطريقة الإسلامية، لا سيما وقد وجد بعض الدجاج برأسه لم يقطع شيء من رقبته، كما وجدت هذه العبارة مكتوبة على أغلفة ما لا يحتاج إلى ذكاة كالسمك. ٥ - أن المطلوب من المسلم أن يسلك سبيل الاحتياط، ويجتنب ما يشك في حله، لقول الرسول ﷺ : "دع مما يريبك إلى مما لا يريبك" (١)، وقوله ﷺ : "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" (٢)، وقال ﷺ كما في حديث عدي ﵁: "إِذا أرسلت كلبك المُعلَّم فاذكر اسم الله، فإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله"، ولا ريب أن المطاعم الخبيثة لها تأثير كبير على الأبدان والعقول والأخلاق، ولهذا حرمها الله تعالى على عباده، ثم إن في الموجود في بلاد المسلمين من اللحوم والدجاج الذي يذبح محليًّا ما يغني عن المستورد وما فيه من الشبهة. وأما تَمَسُّكُ من أحَلَّ هذه اللحوم بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

стр. 4156

حِلٌّ لَكُمْ﴾ ففيه نظر؛ لأن هذا العموم قد خُصَّ بنصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ وطعام الذين أوتوا الكتاب -وهي ذبائحهم- يُشترط له الذكاة المبيحة، والمسلم لو ذكى ذكاة غير شرعية ما أبيحت ذبيحته، فكذلك الكتابي (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4157

النهي عن قتل الحيوان صبرًا ١٣٥٠/ ١٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْ يُقْتَلَ شَيءٌ مِنَ الدَّوابِّ صَبرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (النهي عن صبر البهائم) (١٩٥٩) من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: … وذكر الحديث. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (صبرًا) بفتح الصاد وسكون الباء، أصله: الحبس، والصبر: أن يُمْسَكَ شيء من ذوات الأرواح حيًّا ثم يرمى بشيء حتى يموت، والنهي عن صبر البهائم مفسَّر في حديث ابن عباس ﵄ المتقدم: "ولا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا". • الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم قتل الحيوان صبرًا؛ لأن هذا من تعذيب الحيوان وإتلافه وتضييع ماليته، وتفويت ذكاته الشرعية إن كان مما يذكى أو منفعته إن لم يكن مذكى. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الحيوان المأكول المقدور على ذبحه أنه لا يحل رميه، بل لا بد من تذكيته، وهذا مجمع عليه، ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في "الصيد والذبائح" من أجل هذه الفائدة، أما ما لا يقدر

стр. 4158

على تذكيته فإنه يصح رميه في أي موضع من بدنه، وتقدم هذا في شرح الحديث السابق. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على سمو الشريعة الإسلامية وشمول تعاليمها وآدابها، حيث أوجبت الشفقة على الناس وعلى البهائم والطيور. والله تعالى أعلم.

стр. 4159

من آداب الذَّبح ١٣٥١/ ١١ - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبيحَتَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الصيد والذبائح"، باب (الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة) (١٩٥٥) من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس ﵁ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله قال: "إن الله كتب الإحسان … " الحديث. وقد ذكر الحافظ ابن رجب أن البخاري ترك هذا الحديث؛ لأنه لم يخرِّج في "صحيحه" لأبي الأشعث شيئًا، قال: وهو شامي ثقة (١). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن الله كتب) أي: شرع، وأما تفسيره بأوجب ونحوه ففيه نظر؛ لأن من الإحسان ما هو واجب ومنه ما هو مستحب، كما سيأتي. قوله: (الإحسان) يطلق على إتقان العمل، وعلى التفضل والإنعام. قوله: (على كل شيء) صيغة عموم، وهي من أقوى صيغ العموم؛ لأنها تدل على العموم باللفظ والمعنى (٢).

стр. 4160

قوله: (فأحسنوا القتلة) بكسر القاف اسم هيئة؛ والمعنى: إذا قتلتم من يستحق القتل لموجب من حد أو قصاص فأحسنوا هيئة القتل وصفته بضرب عنقه وإزهاق روحه دون تعزير ولا تمثيل. قوله: (فأحسنوا الذَّبْحَ) بفتح الذال المعجمة؛ أي: هيئة الذبح وصفته، وهذا لفظ مسلم، وقد ذكر النووي أن كثيرًا من نسخ "صحيح مسلم" أو أكثرها بهذا اللفظ، وفي بعضها: الذِّبْحَة، وقد جاء هذا في بعض نسخ "البلوغ". قوله: (وليحد أحدكم شفرته) اللام لام الأمر، وحركتها الكسر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقد تسكن بَعْدَ ثُمَّ، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج: ١٥]. ويُحد: بضم الياء مِن أَحَدَّ السكين؛ أي: جعلها حادة تقطع بسرعة. والشفرة: بفتح المعجمة وسكون الفاء، هي السكين العريض، وجمعها: شِفَارٌ وشَفَراتٌ، مثل: قَصْعَة وقِصَاع وسجدة وسجَدات (١). قوله: (وليرح ذبيحته) هكذا في نسخ "البلوغ" بالواو، والمثبت في "صحيح مسلم": (فليرح) بالفاء. والمعنى: ليوصل إلى ذبيحته الراحة بكل وسيلة، ومن ذلك أن يعجل إمرار الشفرة، ولا يجرها إلى موضع الذبح، ولا يسلخ قبل أن تبرد. • الوجه الثالث: في الحديث دليل على رحمة الله تعالى الشاملة بخلقه حيث كتب الإحسان على كل شيء، والإحسان نوعان: ١ - إحسان في عبادة الخالق بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وهو الجد في القيام بحقوق الله تعالى على الوجه المطلوب. ٢ - إحسان في حقوق الخلق، وهو نوعان: أ- إحسان واجب، وهو القيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجه

стр. 4161

عليك من الحقوق من بر الوالدين وصلة الأرحام، والقيام بالحقوق الزوجية، وتربية الأولاد، والإنصاف في جميع المعاملات، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فأمر الله تعالى بالإحسان إلى جميع هؤلاء، ويدخل في الإحسان الواجب ما ذكر في هذا الحديث. ب- إحسان مستحب، وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني أو مالي أو علمي أو توجيه لخير ديني أو مصلحة دنيوية، وكل ما نَفَعَ الخلق أو أدخل السرور عليهم، أو أزال عنهم ما يكرهون فهو إحسان. ومن أفضل أنواع الإحسان وأجلها الإحسان إلى من أساء إليك بقول أو فعل، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]. وقد ذكر الله تعالى أن من كانت طريقته الإحسان أحسن الله جزاءه، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠] (١). • الوجه الرابع: في الحديث دليل على وجوب إحسان القتل، وذلك بأن يجتهد في إزهاق الروح ولا يقصد التعذيب، سواء أكان القتل قصاصًا أو حدًّا. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على وجوب الإحسان إلى الذبيحة، فيعمل كل ما يريحها عند الذبح، ومن ذلك أن يكون الذبح بآلة حادة، وأن يُمرها على محل الذبح بسرعة وقوة؛ لأن المطلوب وجوب الإسراع في إزهاق النفس على أسرع الوجوه وأكملها من غير تعذيب، ولا يجوز أن يكسر عنق المذبوح، أو يبدأ في سلخه أو نتف ريشه حتى تخرج روحه من جميع أجزائه.

стр. 4162

وكره الفقهاء أن يُحِدَّ السكين والبهيمة تنظر إليه، لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: أمر النبي ﷺ بحدِّ الشِّفَار وأن توارى عن البهائم، وقال: "إذا ذبح أحدكم فليُجهز" (١)؛ ولأن حَدَّ السكين وهي تبصر يؤدي إلى إزعاجها، وهو ينافي الإحسان المطلوب، ولا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها لما ذكرنا. • الوجه السادس: استدل بهذا الحديث أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه على أن عقوبة القصاص لا تكون إلا بالسيف سواء وقعت الجناية به أو بغيره، وأجيب عنه بأنه مُخَصَّصٌ بآية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فتبقى دلالة الحديث في غير الاعتداء، وأما في الاعتداء فيكون القود بمثل ما قَتَلَ به، وقد تقدم بحث هذه المسألة في "الجنايات". والله تعالى أعلم.

стр. 4163

ما جاء في ذكاة الجنين ١٣٥٢/ ١٢ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٧/ ٤٤٢)، وابن حبان (١٣/ ٢٠٦) عن طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره. وهذا سند حسن، كما قال المنذري (١)، ولعل تحسينه من أجل يونس بن أبي إسحاق وهو السبيعي، فقد قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق يهم قليلًا)، وبقية رجاله ثقات، وأبو الوداك هو جبر بن نوف البكالي، وهذا الحديث صححه ابن دقيق العيد حيث أورده في "الإلمام" (٢). والحديث رواه أبو داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن ماجه (٣١٩٩)، وأحمد (١٧/ ٣٦٢) من طريق مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، من أجل مجالد، وهو ابن سعيد الهمداني -بسكون الميم- قال عنه في "التقريب": (ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره)، ولعل الحافظ عزا الحديث لأحمد وابن حبان؛ لأنه جاء عندهما بإسناد حسن، ولم يعزه لأصحاب السنن الثلاثة لضعف إسناده.

стр. 4164

ولعل الحديث يقوي للاحتجاج به بما له من الطرق عن أبي سعيد، وما يشهد له من أحاديث أخرى، ومنها حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" رواه أبو داود (٢٨٢٨)، وله طرق فيها ضعف. قال الحافظ: (والحق أن في أسانيدها ما تنتهض به الحجة، وهو مجموع طرق حديث أبي سعيد وطرق حديث جابر … ) (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) جملة خبرية، جعل الخبر فيها هو المبتدأ، مثل: غذاء الجنين غذاء أمه، والأصل: ذكاة الجنين هي ذكاة أمه، فحذف المبتدأ الثاني إيجازًا لفهم المعنى، وهو علي قلب المبتدأ والخبر، والتقدير: ذكاة أم الجنين ذكاة له، بمعني أنه لا يحتاج إلي ذكاة مستقلة، بل تكفي ذكاة أمه، فلما قُدِّمَ حول الضمير ظاهرًا لوقوعه أول الكلام، وحول الظاهر ضميرًا اختصارًا (٢). * الوجه الثالث: في الحديث دليل علي أن الجنين إذا خرج من بطن أمه ميتًا بعد ذكاتها أنه حلال، وأن ذكاة أمه كافية عن ذكاته، وهذا مذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، ولا فرق عندهم بين أن يكون الجنين قد أشعر أم لم يشعر (٣). وذهبت المالكية إلي أن ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره؛ لأن التذكية لا تؤثر إلا فيما وجدت فيه الحياة، والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم خلقه (٤). والقول الثالث: أن الجنين إذا خرج ميتًا من الذكاة فإنه ميتة؛ لعموم الأدلة في تحريم الميتة، وكذا لو خرج حيًّا ثم مات، وهذا مذهب الحنفية،

стр. 4165

وابن حزم، قالوا: لأن له حياة مستقلة يتصور بقاؤها بعد موت أمه، فيجب أن يفرد بالذكاة (١). وأجابوا عن الحديث بأنه من باب التشبيه الذي حذفت أداته، وأن معناه: ذكاة الجنين إذا خرج حيًّا كذكاة أمه، ووصف ابن حزم أدلة هذه المسألة بأنها أخبار واهية، ثم شرع في تضعيفها. والصواب هو القول الأول؛ لقوة دلالة الحديث عليه، ويؤيده من جهة المعنى أمران: الأول: أن الجنين متصل بامه اتصال خِلْقَؤ، فهو يتغذي بغذائها، فتكون ذكاتُه ذكاتَها كاعضائها. الثاني: أن الذكاة في الحيوان تختلف بحسب القدرة عليه وعدم القدرة، والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فيكون ذكاة له (٢)، وقد استحب الإمام أحمد أن يذبح ليخرج الدم الذي في جوفه (٣). وأما اشتراط المالكية الإشعار فلا دليل عليه، قال ابن عبد البر: (ليس في هذا الحديث اشتراط إشعاره ولا غيره) (٤)، وقال ابن رشد: (وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره) (٥). وأما تأويل الحنفية بأن المراد به التشبيه، فهو تأويل ضعيف لأمور ثلاثة: ١ - أن هذا التأويل إلغاء للحديث عن الإفادة؛ لأنه معلوم أن ذكاة الحي من الأنعام ذكاة واحدة من جنين وغيره. ٢ - أن الحديث جاء في بعض الروايات: "ذكاة الجنين في ذكاة أمه" (٦) و (في) للظرفية؛ أي: كائنة أو حاصلة في ذكاة أمه.

стр. 4166

٣ - أن الصحابة ﵃ لم يسألوا عن صفة ذكاته ليكون قوله: "ذكاته كذكاة أمه" جوابًا لهم، وإنما قالوا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه" هذا لفظ أبي داود، فهم سألوا عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، لا عن صفة ذكاته. والله تعالى أعلم.

стр. 4167

ما جاء في ترك التسمية ١٣٥٣/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ"، أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ، وَفي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَي ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا عَلَيهِ. ١٣٥٤/ ١٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي "مَرَاسِيلِهِ" بِلَفْظِ: "ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكرَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ أَوْ لَمْ يَذْكرْ"، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. * الكلام مع عليهما من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه الدارقطني (٤/ ٢٩٦) من طريق محمد بن يزيد، حدثنا معقل، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، علته -كما قال الحافظ- محمد يزيد بن سنان، وهو ضعيف، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: (ليس بالمتين، هو أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلًا صالحًا، لم يكن من أحلاس الحديث، صدوق، وكان يرجع إلى ستر وصلاح، وكان النفيلي يرضاه) (١). وضعفه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني (٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣).

стр. 4168

وفي الحديث علة أخرى وهي أن شيخ محمد بن سنان، وهو معقل بن عبيد الله الجزري قد أخطأ في رفع هذا الحديث، وقد قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ). ومما يدل علي خطئه مخالفة سفيان بن عيينة له، فقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤/ ٤٨١) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء قال: حدثنا عَينٌ -يعني عكرمة- عن ابن عباس ﵄ قال: (إن في المسلم اسم الله، فإن ذبح ونسي اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسي وذكر اسم الله فلا تأكله)، قال البيهقي: (الأصح وقفه على ابن عباس) (١)، وقال ابن عبد الهادي: (والصحيح أن هذا الحديث موقوف علي ابن عباس) (٢)، وقد صححه الحافظ هنا، وكذا في "فتح الباري" (٣)، وقال في "الدراية": (صوب الحفاظ وقفه" (٤). وأما الحديث الثاني فقد رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٦٩)، - ومن طريقه البيهقي (٩/ ٤٠) - عن ثور بن يزيد، عن الصلت قال: قال رسول الله ﷺ : "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله". وهذا سند مرسل، ومع إرساله فمرسله لين الحديث، بل قال ابن حزم: (مجهول) وقال الحافظ في "التقريب": (تابعي، لين الحديث، أرسل حديثًا). * الوجه الثاني: تقدم أن هذه الأحاديث استدل بها من قال: إن التسمية عند الذبح غير واجبة، وأن الذبيحة تحل إذا لم يسمِّ ولا سيما إذا كان ناسيًا، وقد علل لذلك بأن المسلم يكفيه اسمه، ومعناه أنه في حكم المسمي، لما كان اسمه مشتملًا على اسم الله تعالى. والتحقيق أن هذه الأحاديث لا حجة فيها علي جواز ترك التسمية ولا إباحة ذبيحة من تركها ناسيًا؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة مع ظاهر القرآن تدل على وجوبها مطلقًا، كما تقدم، أما هذه الأحاديث الثلاثة فالمرفوع ضعيف، والموقوف لا حجة فيه مع مخالفة السنة، والمرسل ضعيف، وما كان هذا شأنه فإنه لا يقف في مقابلة الأدلة الدالة علي الوجوب. والله تعالى أعلم.

стр. 4169

باب الأضاحي الأضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة، ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة فتفتح الضاد، فيقال: ضَحية كعطية. وشرعًا: ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام النحر تقربًا إلى الله تعالى. سميت بذلك: لأنها تذبح ضُحىً بعد صلاة العيد. وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] والمنسك هنا: الذبح الذي يُتقرب به إلى الله تعالى، قال ابن كثير: (يخبر الله تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء علي اسم الله مشروعًا في جميع الملل) (١). وأما السنة فستأتي الأحاديث مع شرحها في هذا الباب، وقد أجمع المسلمون علي مشروعية الأضحية، واختلفوا في وجوبها، كما سيأتي. والحكمة من مشروعيتها تعظيم الله تعالى بذبح الأضاحي تقربًا إليه، وإظهار شعائر دينه، وفيها التوسعة علي الأهل وعلي الفقراء يوم العيد، والإهداء لذوي القربي والجيران. وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يأتي: ١ - أن الذبح وإراقة الدم عبادة مشتملة علي تعظيم الله تعالى وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك.

стр. 4170

٢ - أن الأضحية سنة الرسول ﷺ وعمل المسلمين، ولم ينقل أن أحدًا منهم أخرج القيمة ولو مرة، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها (١).
следующие страницы →