٣ - أن الصحابة ﵃ لم يسألوا عن صفة ذكاته ليكون قوله: "ذكاته كذكاة أمه" جوابًا لهم، وإنما قالوا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه" هذا لفظ أبي داود، فهم سألوا عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، لا عن صفة ذكاته. والله تعالى أعلم.
стр. 4167
ما جاء في ترك التسمية
١٣٥٣/ ١٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ"، أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ، وَفي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ.
وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَي ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا عَلَيهِ.
١٣٥٤/ ١٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي "مَرَاسِيلِهِ" بِلَفْظِ: "ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكرَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ أَوْ لَمْ يَذْكرْ"، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ.
* الكلام مع عليهما من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه الدارقطني (٤/ ٢٩٦) من طريق محمد بن يزيد، حدثنا معقل، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف، علته -كما قال الحافظ- محمد يزيد بن سنان، وهو ضعيف، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: (ليس بالمتين، هو أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلًا صالحًا، لم يكن من أحلاس الحديث، صدوق، وكان يرجع إلى ستر وصلاح، وكان النفيلي يرضاه) (١).
وضعفه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني (٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣).
стр. 4168
وفي الحديث علة أخرى وهي أن شيخ محمد بن سنان، وهو معقل بن عبيد الله الجزري قد أخطأ في رفع هذا الحديث، وقد قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ).
ومما يدل علي خطئه مخالفة سفيان بن عيينة له، فقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤/ ٤٨١) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء قال: حدثنا عَينٌ -يعني عكرمة- عن ابن عباس ﵄ قال: (إن في المسلم اسم الله، فإن ذبح ونسي اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسي وذكر اسم الله فلا تأكله)، قال البيهقي: (الأصح وقفه على ابن عباس) (١)، وقال ابن عبد الهادي: (والصحيح أن هذا الحديث موقوف علي ابن عباس) (٢)، وقد صححه الحافظ هنا، وكذا في "فتح الباري" (٣)، وقال في "الدراية": (صوب الحفاظ وقفه" (٤).
وأما الحديث الثاني فقد رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٦٩)، - ومن طريقه البيهقي (٩/ ٤٠) - عن ثور بن يزيد، عن الصلت قال: قال رسول الله ﷺ : "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله".
وهذا سند مرسل، ومع إرساله فمرسله لين الحديث، بل قال ابن حزم: (مجهول) وقال الحافظ في "التقريب": (تابعي، لين الحديث، أرسل حديثًا).
* الوجه الثاني: تقدم أن هذه الأحاديث استدل بها من قال: إن التسمية عند الذبح غير واجبة، وأن الذبيحة تحل إذا لم يسمِّ ولا سيما إذا كان ناسيًا، وقد علل لذلك بأن المسلم يكفيه اسمه، ومعناه أنه في حكم المسمي، لما كان اسمه مشتملًا على اسم الله تعالى.
والتحقيق أن هذه الأحاديث لا حجة فيها علي جواز ترك التسمية ولا إباحة ذبيحة من تركها ناسيًا؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة مع ظاهر القرآن تدل على وجوبها مطلقًا، كما تقدم، أما هذه الأحاديث الثلاثة فالمرفوع ضعيف، والموقوف لا حجة فيه مع مخالفة السنة، والمرسل ضعيف، وما كان هذا شأنه فإنه لا يقف في مقابلة الأدلة الدالة علي الوجوب. والله تعالى أعلم.
стр. 4169
باب الأضاحي
الأضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة، ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة فتفتح الضاد، فيقال: ضَحية كعطية.
وشرعًا: ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام النحر تقربًا إلى الله تعالى.
سميت بذلك: لأنها تذبح ضُحىً بعد صلاة العيد.
وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] والمنسك هنا: الذبح الذي يُتقرب به إلى الله تعالى، قال ابن كثير: (يخبر الله تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء علي اسم الله مشروعًا في جميع الملل) (١).
وأما السنة فستأتي الأحاديث مع شرحها في هذا الباب، وقد أجمع المسلمون علي مشروعية الأضحية، واختلفوا في وجوبها، كما سيأتي.
والحكمة من مشروعيتها تعظيم الله تعالى بذبح الأضاحي تقربًا إليه، وإظهار شعائر دينه، وفيها التوسعة علي الأهل وعلي الفقراء يوم العيد، والإهداء لذوي القربي والجيران.
وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يأتي:
١ - أن الذبح وإراقة الدم عبادة مشتملة علي تعظيم الله تعالى وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك.
стр. 4170
٢ - أن الأضحية سنة الرسول ﷺ وعمل المسلمين، ولم ينقل أن أحدًا منهم أخرج القيمة ولو مرة، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها (١).
стр. 4171
مشروعية الأضحية وشيء من صفاتها
١٣٥٥/ ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَينِ، أقْرَنَينِ، ويسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَي صِفَاحِهِمَا. وَفي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفي لَفْظ: سَمِينَينِ. وَلأَبي عَوَانَةَ في صَحِيحِهِ: ثَمِينَينِ -بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ- وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيقُولُ: "بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ".
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من كتاب "الأضاحي"، ومنها باب (التكبير عند الذبح) (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦)(١٧) من طريق قتادة، عن أنس ﵁.
وقوله: (وفي لفظ: "سمينين") هذا ليس في "الصحيحين"، وقد علقه البخاري بقوله: (باب أضحية النبي ﷺ بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين)، وقد وصله أبو عوانة في "صحيحه" (٥/ ١٥) من طريق حجاج قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يضحي بكبشين أملحين أقرنين سمينين … الحديث.
والحديث ورد في "الصحيحين" من عدة طرق عن شعبة، عن قتادة، وليس فيه: (سمينين)، قال الحافظ: (وهو المحفوظ عن شعبة).
وقد رواه ابن ماجه (٢/ ١٠٤٣)، وعبد الرزاق (٤/ ٣٧٩) من حديث عائشة وأبي هريرة ﵄.
وقوله: (ولأبي عَوانة … إلخ) الموجود في طبعة "صحيح أبي عوانة"
стр. 4172
بالسين، كما تقدم، وليس بالثاء المثلثة، كما ذكر الحافظ، بل إن الحافظ نفسه نقل في "الفتح" أنه بالسين عن "صحيح أبي عوانة" (١).
والحديث رواه مسلم (١٩٦٦) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ بمثل لفظه الأول غير أنه قال: ويقول: بسم الله، والله أكبر.
ولعل الحافظ أورد هذه الرواية مع أنها مفهومة مما تقدم؛ لأنها بينت صيغة التسمية والتكبير.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان يضحي) المضارع بعد (كان) يفيد التكرار والمداومة علي الفعل إلا إذا وجدت قرينة.
قوله: (بكبشين) تثنية كبش، وهو فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثني، وقيل: إذا أربع، والجمع أَكبُشٌ وأكْبَاش.
قوله: (أملحين) تثنية أملح، وهو الذي فيه سواد وبياض أكثر، وقيل: الأملح: الأبيض الخالص.
قوله: (أقرنين) تثنية أقرن، وهو الكبير القرن، والمراد أن لكل واحد منهما قرنين كبيرين معتدلين.
قوله: (صفاحهما) أي: صفاح كل واحد منهما عند ذبحه، والصفاح الجوانب، والمراد الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثني إشارة إلي أنه فعل ذلك في كل منهما، فهو من إضافة الجمع إلي المثني بإرادة التوزيع. وقد فعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن، لئلا تضطرب فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل علي مشروعية الأضحية والترغيب فيها والحث علي فعلها؛ لأن النبي ﷺ إذا فعل شيئًا علي وجه الطاعة والقربة
стр. 4173
ولم يكن مختصًا به فهو مستحب في حق أمته، ولا خلاف بين العلماء أن الأضحية من شعائر الدين، وإنما الخلاف في وجوبها، كما سيأتي.
* الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث الإمام مالك على أن الضأن أفضل أنواع بهيمة الأنعام في الأضحية؛ لأن النبي ﷺ ضحى به، ولا يفعل إلا الأفضل (١).
وذهب الأئمة الثلاثة إلي أن الأفضل البدنة ثم البقرة ثم الشاة (٢)، لحديث أبي هريرة ﵁ في فضل التقدم إلى الجمعة: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة … ) (٣)؛ ولأنه ذبح يتقرب به إلي الله تعالى فكانت البدنة أفضل كالهدي؛ ولأنها أغلى ثمنًا وأكثر لحمًا وأنفع.
وأجابوا عن حديث أنس بأن التضحية بالكبش لأنه أفضل أجناس الغنم (٤).
* الوجه الخامس: أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثي؛ لأنه ﷺ ضحى بكبشين؛ ولأن لحمه أطيب، مع جواز التضحية بالأنثي بالإجماع.
* الوجه السادس: استحباب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأجم، مع جواز التضحية بالأجم اتفاقًا، وهو ما لا قرن له.
* الوجه السابع: مشروعية استحسان الأضحية صفة ولونًا، وذلك بأن تكون سمينة حسنة، وأحسنها الأملح، والمراد به: الأبيض الخالص البياض، أو ما بياضه أكثر من سواده، كما تقدم، وهذا من تعظيم شعائر الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، فتعظيم البدن من تعظيم شعائر الله، قال ابن عباس ﵄: (الاستسمان، والاستحسان، والاستعظام) (٥).
стр. 4174
* الوجه الثامن: استحباب أن يتولي الإنسان ذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح؛ لأن الذبح قربة، قال البخاري: (أمر أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن) (١)، فإن لم يحسن استناب مسلمًا عالمًا بشروط الذبح؛ لأن النبي ﷺ استناب عليًّا في ذبح ما بقي من بُدْنِهِ في حجة الوداع (٢).
* الوجه التاسع: فيه استحباب العدد في الأضحية ما لم يقصد المباهاة، وأن من أراد أن يضحي بعدد فالأفضل ذبحها في يوم العيد، والتفريق في أيام النحر جائز، وفيه نفع للمساكين، ويستمر الذبح إلي غروب شمس اليوم الثالث عشر على الراجح من قولي أهل العلم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
* الوجه العاشر: مشروعية التسمية والتكبير عند ذبح الأضحية، فيقول: (بسم الله، والله أكبر)، أما التسمية فواجبة، وأما التكبير فمستحب على قول جمهور أهل العلم، والظاهر أن التسمية واجبة على كل ذبح، وأما التكبير فكأنه خاص بالأضحية والهدي، لقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَي مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
ولا بد أن تكون التسمية عند الذبح فلو وقع فاصل طويل أعادها، إلا إذا كان الفصل لتهيئة الذبيحة وأخذ السكين، والمعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه، فلو سمي على شاة ثم تركها إلي غيرها أعاد التسمية، وأما تغيير الآلة فلا يؤثر على التسمية.
* الوجه الحادي عشر: في الحديث دليل على أن الأضحية إذا كانت من الغنم فإنها تذبح مضجعة؛ لأنه أرفق بها، ويضع الذابح رجله على صفحة عنقها الأيمن بعد إضجاعها على الجانب الأيسر؛ لأنه أسهل للذابح في أخذ السكين باليد اليمنى وإمساك رأسها باليسري، إلا إذا كان الذابح أعسر -وهو من يعمل بيده اليسري عمل اليمنى- فله أن يضجعها على الجانب الأيمن؛ لأن الغرض إراحة الذبيحة وتمكن الذابح منها. والله تعالى أعلم.
стр. 4175
استحباب الدعاء عند ذبح الأضحية
١٣٥٦/ ٢ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵄: أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ في سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ في سَوَادٍ، وَينْظُرُ فيِ سَوَادٍ؛ ليُضَحِّيَ بِهِ، فَقَال: "اشْحَذِي الْمُدْيَةَ"، ثُمَّ أَخَذَهَا، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذبَحَهُ، وقَال: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمّ تَقَبّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وآل مُحَمّدٍ، وَمِنْ أُمّةِ مُحَمّدٍ".
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في "الأضاحي" (١٩٦٧) من طريق أبي صخر، عن يزيد بن قُسيط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأُتيَ به ليضحي به، فقال لها: "يا عائشة هَلُمِّي المُدْيَةَ" ثم قال: "اشحذيها بحجر" ففعلت، ثم أخذها وأخد الكبش فاضجعه ثم ذبحه، ثم قال: "بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد"، ثم ضحى به.
هذا لفظ الحديث عند مسلم، وبهذا يتبين أن الحافظ قد حذف بعض ألفاظه.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يطأ في سواد … ) أي: إن أظلافه وقوائمه ومواضع البروك منه وما حول عينيه أسود.
قوله: (هلمي) هَلُمَّ: فعل أمر على لغة تميم، لاتصال ياء المخاطبة به وهي فاعل، ومعناه: أحضري، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أي: أحضروا شهداءكم، وأما على لغة أهل الحجاز فهو اسم فعل أمر يدل
стр. 4176
على الطلب، ولا يقبل الضمائر، وبلغتهم جاء القرآن، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا﴾ [الأحزاب: ١٨].
قوله: (اشحَذِي المُدية) أمر من شَحَذْتُ السكين بالمِسَنِّ، أشْحَذُها: حَدَدْتُها، وتقول: سَنَنْتُ السكين بالمِسَنِّ سنًّا من باب قتل: أحددته، و (المدية) مثلثة الميم، وهي السكين.
قوله: (ثم ذبحه وقال: "بسم الله") هكذا في بعض نسخ "البلوغ" والمثبت في "صحيح مسلم": (ثم قال:) -كما تقدم- وظاهره أن التسمية وقعت بعد الذبح، وهذا غير مراد؛ لأن (ثم) ليست على بابها وهو إفادة الترتيب والتراخي، وإنما الفعل الذي بعدها مؤول، وتقديره: فأضجعه ثم شرع في ذبحه قائلًا: بسم الله، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] أي: فإذا أردت.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب الدعاء بقبول الأضحية، فيقول: (اللهم تقبل مني … ) ونحو ذلك، واستحسن بعض العلماء أن يقول نص الآية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وهذا قول الجمهور من أهل العلم.
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أنه يجوز للرجل أن يضحي عن نفسه وعن أهل بيته بأضحية واحدة، فيشركهم معه في ثوابها، كما أن له أن يشرك من شاء من الأموات، وفضل الله واسع.
وهذا يدل على أن الأصل في الأضحية أنها مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه، وله أن يشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات، وأما ما يظنه بعض العامة أن الأضحية للأموات فقط فهذا خطأ؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يضحون عن أنفسهم وأهليهم.
وأما الأضحية عن الميت منفردًا فمن أهل العلم من رخص فيها؛ لأنها نوع من الصدقة، والصدقة تصح عنه، كما دلت عليه النصوص، وتنفعه إن شاء الله.
стр. 4177
ومن أهل العلم من قال: إن الميت لا يُضَحَّى عنه؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء (١)، وقد ماتت زوجته خديجة ﵄ وعمه حمزة ﵁ في حياته ﷺ ، ولم ينقل أنه ضحي عن واحد منهما، وخديجة أحبُّ النساء إليه، وعمه أحب أعمامه إليه (٢).
فإن أوصى الميت بأضحية في ثلث ماله أو جعلها في غَلَّةِ وقف له، فإنه يجب على القائم على الوقف أو الوصية تنفيذ ذلك، ولا يجوز له التصدق بثمن الأضحية؛ لأنه خلاف السنة، وتغيير للوصية، وإذا كان في الوصية أو الوقف عدة ضحايا والرَّيْعُ لا يكفي إلا واحدة، فلا بأس من جمع الأضاحي
стр. 4178
في أضحية واحدة إذا كان الموصي واحدًا، وإن تبرع القائم بتكميل الثمن من عنده فحسن، وإن لم يَكْفِ المُغَلُّ أبقى المبلغ عنده للعام المقبل ولو أعوامًا؛ لأن هذا هو العرف.
والمطلوب من القائم تحري الدقة والحرص على ما فيه نفع الميت؛ لعظيم حاجته إلى البر والخير، والله أعلم (١).
стр. 4179
حكم الأضحية
١٣٥٧/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ، لكنْ رَجَّحَ الأَئِمَّةُ غَيرُهُ وَقْفَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٢٤)، وابن ماجه (٢/ ١٠٤٤)، والحاكم (٢/ ٣٨٩) (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) من طريق عبد الله بن عياش، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وفي سنده عبد الله بن عياش، وهو متكلم فيه، قال أبو حاتم: (ليس بالمتين، صدوق، يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة) (١)، وقال ابن يونس: (منكر الحديث) (٢)، وقال الذهبي: (وإن كان قد احتج به مسلم فقد ضعفه أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم: هو قريب من ابن لهيعة) (٣)، وحديثه في "صحيح مسلم" في الشواهد لا في الأصول، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يَغْلَطُ)، وبهذا يتبين أن قول الحافظ في "الفتح": (رجاله ثقات) (٤) فيه نظر.
وهذا الحديث روي مرفوعًا، وروي موقوفًا، فقد رواه عن عبد الله بن عياش مرفوعًا: عبد الله بن يزيد المقرئ، كما عند الحاكم، وزيد بن الحباب،
стр. 4180
كما عند ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي (٩/ ٢٦٠)، وحيوة بن شريح عند البيهقي في "الشعب" (٧٣٣٤).
ورواه موقوفًا عن ابن عياش عبد الله بن وهب، كما عند الحاكم (٤/ ٢٣٢)، وقد رجح الحاكم المرفوع، فقال بعد سياقه مرفوعًا من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: (أوقفه عبد الله بن وهب، إلا أن الزيادة من الثقة مقبولة، وأبو عبد الرحمن المقرئ فوق الثقة).
ورجح الترمذي والدارقطني والبيهقي وابن عبد الهادي رواية الوقف، وقال الحافظ في "الفتح": (الموقوف أشبه بالصواب) (١)، وعبد الله بن وهب قال عنه الحافظ في "التقريب": (ثقة حافظ عابد)، وقال عن عبد الله بن يزيد المقرئ: (ثقة فاضل).
* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن الأضحية واجبة، وهذا قول أبي حنيفة (٢)، وأحد القولين في مذهب مالك (٣)، وهو قول الليث والأوزاعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، بل نصر الشيخ هذا القول (٤).
ووجه الاستدلال: أنه لما نهاه عن قربان المصلى دل على أنه ترك واجبًا.
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] فأمر الله تعالى بالنحر، والأصل في الأمر الوجوب.
كما استدلوا بحديث جندب بن سفيان الآتي: "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها" وهذا أمر، والأمر للوجوب.
стр. 4181
وذهب الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة في المشهور عنهم إلي أن الأضحية سنة مؤكدة، بل صرح كثير من أرباب هذا القول بأنه يكره للقادر تركها (١)، وهذا القول هو ظاهر اختيار البخاري (٢)، ونصره ابن حزم وقال: (لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة) (٣)، واختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز.
واستدلوا بحديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي" (٤).
ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ علق الأضحية على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة.
كما استدلوا بالتمسك بالأصل، وهو براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب السالم من المعارض.
وقد أجاب كل فريق عن أدلة الآخر، فالقائلون بالوجوب أجابوا عن حديث أم سلمة ﵁ بأن تفويض الفعل إلى إرادة الشخص لا ينافي الوجوب ولا يدل على أن الشخص مخير على الإطلاق إذا ثبت الوجوب بطريق آخر، مثل: يجب الوضوء على من أراد الصلاة.
وأما التمسك بالأصل فهو دليل قوي، لكن قد قام دليل الوجوب السالم من المعارض، فثبت الحكم، وذلك بالأدلة السابقة.
وأجاب الجمهور القائلون بأن الأضحية سنة عن أدلة الوجوب بأن حديث الباب متكلم فيه، والحفاظ على ترجيح وقفه -كما تقدم- ومع ترجيح وقفه فلا ينتهض دليلًا على الوجوب؛ لحال عبد الله بن عياش.
وأما قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ فليس نصًّا في الموضوع فقد
стр. 4182
قيل: إن المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليدين تحت النحر عند القيام في الصلاة، وهذا القول وإن كان ضعيفًا لكن مع الاحتمال قد يمتنع الاستدلال، وعلى المعنى المشهور فلا يتبين أن يكون المراد فعل النحر، فقد قيل: إن المراد تخصيصه لله تعالي وإخلاصه له، وعلي أن المراد فعل النحر لا يتعين أن يكون ذلك كل عام، بل يتحقق الامتثال ولو مرة واحدة (١).
وقول الجمهور قوي في نظري، ومع هذا فالأحوط للمسلم ألا يترك الأضحية مع قدرته عليها؛ لأن أداءها هو الذي يتعين به براءة ذمته، والخروجُ من عهدة الطلب أحوطُ، وأما غير القادر الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله فإن الأضحية لا تلزمه، ومن كان عليه دين فإنه يقدمه على الأضحية؛ لوجوب إبراء الذمة عند الاستطاعة.
وأما الاقتراض لشراء الأضحية، فإن كان الإنسان يرجو وفاءً، كمن له مرتب أو نحوه فإنه يقترض ويضحي، وإن كان لا يرجو وفاءً، فإنه لا يقترض؛ لئلا يشغل ذمته بشيء لا يلزمه في مثل حاله. والله تعالى أعلم.
стр. 4183
وقت ذبح الأضحية
١٣٥٨/ ٤ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَال: شَهِدْتُ الأَضْحى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إلى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَال: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، ومَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله، جُندُب -بضم الجيم والدال ويجوز فتحها- ابن عبد الله بن سفيان البَجَلي ثم العَلَقي -والعَلَقُ بطن من بَجِيلَةَ- وقد ينسب إلى جده فيقال: جندب بن سفيان، قال ابن عبد البر: (له صحبة ليست بالقديمة)، سكن الكوفة، ثم البصرة، وروي عنه أهل المصرين، كما روي عنه من أهل الشام شهر بن حوشب، عاش إلي حدود ستة سبعين ﵁ (١).
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأضاحي"، باب (من ذبح قبل الصلاة أعاد) (٥٥٦٢)، ومسلم (١٩٦٠)(٢) من طريق الأسود بن قيس، سمعت جندب بن سفيان البجلي قال: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم.
стр. 4184
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (شهدت الأضحي) أي: صلاة عيد الأضحي، ومعني شهدت: حضرت.
قوله: (فلما قضي الصلاة) أي: فرغ منها، فالقضاء في عرف الشرع يطلق على الفراغ من العبادة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠].
قوله: (نظر إلي غنم قد ذبحت) الظاهر أنهم ذبحوها عند المصلي لا في نفس المصلي، وهذا على رأي من يقول: إن مصلي العيد مسجد، والمسجد لا يلوث بالدم والفرث.
وقوله: (قد ذبحت) أي: قبل الصلاة بدليل السياق.
قوله: (فليذبح شاة مكانها) أي: بدلها، لعدم إجزاء ما تَمَّ ذبحه قبل الصلاة.
قوله: (فليذبح على اسم الله) هذا أمر بكون الذبح على اسم الله تعالى لا أمر بمطلق الذبح، فكأنه قال: إن أراد أن يذبح فليذبح على اسم الله. وفي رواية لمسلم: (فليذبح باسم) وقد ذكر النووي أنهما بمعني واحد، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في قوله: (فليذبح) أي: فليذبح قائلًا: باسم الله، أو فليذبح مسميًا (١).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن وقت ذبح الأضحية يبدأ بعد صلاة العيد، ولو قبل الخطبة، وأن من ذبح قبل الصلاة لم تجزئه، بل شاته شاة لحم، وعليه أن يذبح بدلها؛ لأن الأضحية عبادة مؤقتة لا تصح قبل دخول وقتها الذي شرعت فيه، وإنما وجب عليه أن يذبح بدلها؛ لأنه لما عينها قبل الذبح وجبت عليه، وذبحها قبل الوقت غير مجزئ، فوجب عليه بدلها، وهكذا كل من أوجب أضحية ثم فرط فيها فتلفت أو ذبحها على وجه لا يجزئ وجب عليه ذبح بدلها.
فإن كان المضحي في مكان لا صلاة فيه كأهل البوادي والمسافرين فإنه يعتبر قدر وقت الصلاة.
стр. 4185
والأفضل تأخير الذبح إلي انتهاء الخطبة تأسيًا بالنبي ﷺ .
* الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ مطلقًا، سواء أكان الذابح عامدًا أم جاهلًا أم ناسيًا، كمن صلى قبل دخول الوقت.
* الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية الخطبة في العيدين، وأنها بعد الصلاة، وأن المشروع فيها أن تكون مناسبة للوقت والحال، وفي خطبة الأضحي يناسب بيان ما يتعلق بالأضاحي.
* الوجه السابع: في نهاية وقت ذبح الأضحية، وفيه قولان مشهوران:
الأول: أن نهاية وقت الذبح غروب الشمس ثاني أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وأحمد ومالك (١)، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضحي منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء … " (٢)، ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ نهاهم عن الأكل بعد ثلاثة أيام، ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز فيه الأكل، ونسخ تحريم الأكل لا يستلزم نسخ وقت الذبح.
القول الثاني: أن آخر وقت الذبح غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، فتكون أيام الذبح أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وهذا هو القول الراجح -إن شاء الله- وذلك لما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] قال ابن عباس ﵄: (الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده) (٣)، قال ابن كثير: (ويروي هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه يذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه) (٤).
стр. 4186
٢ - قوله ﷺ : "كل أيام التشريق ذبح" (١).
٣ - حديث نبيشة الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله" (٢).
٤ - أن هذه الأيام أيام منى وأيام رمي الجمرات وأيام يحرم صومها، فكيف يُخْرَجُ منها الذبح ويُخَصُّ باليومين الأولين؟! (٣).
٥ - عملُ الصحابة ﵃ بمقتضي الوارد عن الرسول ﷺ ، فقد قال بذلك: علي بن أبي طالب، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وقال به من السلف: إمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، وعطاء، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، ومكحول، وداود وغيرهم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ظاهر ترجيح ابن القيم (٤).
وأما حديث سلمة فلا يفيد أن أيام الذبح ثلاثة فقط؛ لأنه دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئًا فوق ثلاثة من يوم ذبحه، وهو لو أخر الذبح إلي اليوم الثالث من أيام التشريق لجاز له الادخار بعده ثلاثة أيام.
فإن فات وقت الذبح بغروب شمس اليوم الثالث عشر فإنه يذبح الأضحية الواجبة، وهي ما وجب قبل التعيين كالمنذورة، ومثل ذلك الأضحية الموصي بها إذا اشتريت قبل أيام النحر، وكذا لو عيَّن إنسان أضحية،
стр. 4187
وضاعت منه، ثم وجدها بعد مضي أيام النحر، لزمه ذبحها؛ لوجوبها بالتعيين، ويفعل بهذا الواجب المقضي كما يفعل بالمذبوح في وقته، وأما أضحية التطوع فلا يذبحها؛ لأنها سنة فات محلها، ولو ذبحها وتصدق بها كانت لحمًا تصدق به، لا أضحية، والله أعلم (١).
стр. 4188
ما لا يجوز من الأضاحي
١٣٥٩/ ٥ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵃ قَال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتي لَا تُنْقِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَححَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "لأضاحي"، باب (ما يكره من الضحايا) (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن ماجه (٣١٤٤)، وأحمد (٣٠/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، وابن حبان (١٣/ ٢٤٠) والحاكم (١/ ٤٦٨) من طريق شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب ﵁ ما لا يجوز في الأضاحي، فقال: قام فينا رسول الله ﷺ وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: (أربع لا تجوز في الأضاحي … الحديث)، وهذا لفظ أبي داود.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز، عن البراء، والعمل على هذا عند أهل العلم)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، لقلة روايات سليمان بن عبد الرحمن، وقد أظهر على بن المديني فضائله وإتقانه)، وسكت عنه الذهبي.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قام فينا) في رواية مالك عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن
стр. 4189
فيروز: (سئل رسول الله ﷺ ماذا يُتَّقى من الضحايا؟) (١)، وقوله: (وأصابعي … إلخ) قال هذا من باب الأدب.
قوله: (أربع) هذا العدد يفيد الحصر، لوجود القرينة وهي الإشارة، فإن قول الصحابي: (وأصابعي أقصر من أصابعه .. ) يفيد أن رسول الله ﷺ قد أشار بأصابعه.
قوله: (العوراء البيِّن عورها) العوراء: بالمد تأنيث أعور، والعوراء: هي التي انخسفت عينها أو برزت، ومعني: (البين) الظاهر.
قوله: (والمريضة البيِّن مرضها) وهي التي ظهرت عليها آثار المرض الذي يقعدها عن المرعي، ويسبب لها الهزال.
قوله: (والعرجاء البيِّن ظلعها) الظلع: بفتح الظاء المُشَالة، وإسكان اللام، هكذا ضبطه أهل اللغة، وأهل الحديث يفتحون اللام، قال السندي: وكأنهم رأوا مشاكلة العور والمرض (٢). والظلع هو الغمز، والظالع هو الغامز في مشيته، فالعرجاء هي التي تغمز في يدها أو رجلها خلقة أو لعلَّة طارئة.
والبيِّن ظَلَعُها: هي التي تتخلف عن القطيع وتسبقها الماشية إلى الكلأ الطيب فيرعينه ولا تدركهن فينقص لحمها.
قوله: (والكسيرة التي لا تنقي) هذا لفظ النسائي وابن ماجه، ولفظ أبي داود وأحمد: (والكسير) بدون هاء، وقد جاء هذا في بعض النسخ. وعند النسائي -أيضًا- وعند الترمذي وأحمد (٣٠/ ٦١٥): (والعجفاء) وهي بالمد مؤنث أعجف، والعَجَفُ: بالتحريك: الهزال والضعف.
والمراد بالكسيرة: التي لا تقوم ولا تنهض من الضعف والهزال، فهي بمعنى العجفاء.
стр. 4190
ومنهم من فسر الكسيرة بالمنكسرة الرجل التي لا تستطيع المشي، فهي فعيل بمعنى مفعول، والأظهر هو المعنى الأول، لرواية: (العجفاء).
قوله: (لا تنقي) بضم التاء وإسكان النون وكسر القاف؛ أي: لا نِقْيَ لها، والنِّقْيُ: بكسر النون هو المخ من أنقت الإبل: إذا سمنت وصار فيها نقي، فالتي لا تنقي هي التي لا مخ في عظامها لضعفها.
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن هذه العيوب الأربعة مانعة من صحة الأضحية، وهي عيوب مجمع عليها، كما قال الموفق وغيره (١).
فالأولى: العوراء البين عورها، وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كان على عينها بياض ولم تذهب أجزأت؛ لأن عورها ليس بينًا فلا يؤثر في نقصان لحمها، والعمياء أشد؛ لأن العمى يمنع مشيها مع رفيقتها ويمنع مشاركتها في العلف.
الثانية: المريضة البين مرضها، وهي التي ظهرت عليها آثار المرض الذي يُقْعِدُها عن الرعي مما يسبب لها الهزال وفساد اللحم، ومنه الجَرَبُ فهو يمنع الإجزاء قليله وكثيره؛ لأنه يفسد الشحم واللحم، ويلحق بالمريضة المبشومة حتى تَثْلِط؛ لأن البَشَمَ -وهو التُّخْمة من كثرة الأكل (٢) - عارض خطير كالمرض البين، فإذا زال خطرها أجزأت إن لم يحدث لها مرض بين، والثَّلْط: هو الرقيق من الرجيع (٣).
الثالثة: العرجاء البين ظَلَعُهَا -أي: عَرَجُهَا- وذلك بكونه فاحشًا، ويلحق بالعرجاء مقطوعة إحدي اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولي بعدم الإجزاء من العرجاء البين ظلعها؛ ولأنها ناقصة عضو مقصود، كما يلحق بالعرجاء العاجزة عن المشي لعاهة من كسر ونحوه، بل هي أولي بعدم الإجزاء.
الرابعة: الكسيرة التي لا تنقي، وهي الهزيلة التي لا مخ في عظمها،
стр. 4191
فهذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة كريهة المنظر، أما الهزيلة التي لم يصل الهزال إلي داخل عظمها فهي تجزئ.
فهذا الحديث دليل على أن هذه العيوب الأربعة مانعة من صحة الأضحية، وسكت عن غيرها من العيوب، ولكن يري الجمهور أنه يقاس عليها غيرها مما هو أشدُّ منها أو مساوٍ لها.
قال النووي: (وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمي وقطع الرجل وشبهه) (١).
وقال الخطابي: (في الحديث دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: "البين عورها، والبين مرضها، والبين ظلعها" فالقليل منه غير بين، فكان معفوًا عنه" (٢).
* الوجه الرابع: دل الحديث بمفهومه على أن ما عدا هذه العيوب الأربعة وما في معناها لا يمنع الإجزاء، وذلك لأن هذا الحديث خرج مخرج البيان والحصر؛ لأنه جواب سؤال كما تقدم في رواية مالك، والظاهر أن الحديث كان وقت خطبة وإعلان؛ لرواية: (قام فينا) ولو كان غير هذه العيوب مانعًا من الإجزاء للزم ذكره جوابًا للسؤال؛ لأن ذلك موضع بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. والله تعالى أعلم.
стр. 4192
السِّنُّ المعتبر في الأضحية
١٣٦٠/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَذْبَحُوا إلا مُسِنَّةً، إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الأضاحي"، باب (سن الأضحية) (١٩٦٣) من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث.
وهذا الحديث ضعفه الألباني، وقال: (كان الأحري به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة) (١)، وتبعه على هذا مقلدوه، ولا سيما من عَلَّقَ على "بلوغ المرام"، ولم أقف على كلام لأحد من المتقدمين اجترأ فيه على تضعيف هذا الحديث صراحة، والحافظ المزي لما سئل عما وقع في "الصحيحين" من حديث المدلس معنعنًا هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها؟ فقال: (كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما .. ) (٢)، والذهبي لما ترجم لأبي الزبير ذكر أن في "صحيح مسلم" عدة أحاديث لم يصرح فيها أبو الزبير بالسماع من جابر ﵁ وهي من غير طريق الليث عنه، قال: (وفي القلب منها شيء) (٣) ولم يصرح بتضعيفها، ولعل المانع هيبة "الصحيح" ثم إنه إذا ثبت عن كبار الأئمة كالشيخين أنه لا يقبل المدلَّس بعن، وأن التدليس عنده حرام، ثم
стр. 4193
روى في كتابه أحاديث على هذه الصفة دلَّ على أنه رضيها وعرف اتصالها من وجه آخر، ولا يبعد أن ينقدح في ذهن الإمام قرائن يطمئن من خلالها على ثبوت الخبر عنده. والله أعلم.
وقد جاء في "صحيح أبي عوانة" (٥/ ٧٤) بعد سياق هذا الحديث سند مُعَلَّقٌ، فيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر ﵁.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تذبحوا) أي: في الأضاحي، وليس نهيًا عامًّا.
قوله: (إلا مسنة) بضم الميم وكسر السين وفتح النون المشددة، هي التي قد صارت ثنية (١)، والذكر: ثني، والثني من الغنم -ضأنها ومعزها- ما مضي من عمره سنة ودخل في السنة الثانية، ومن البقر ما دخل في الثالثة، ومن الإبل ما دخل في السادسة، وهذا هو المشهور عند الفقهاء وأهل اللغة في تحديد سنِّ الثني (٢)، سمي بذلك، لأنه ألقي ثنيته، وهي أسنان مقدم الفم.
قوله: (إلا أن يَعْسُرَ عليكم) بضم السين مضارع عَسُر من باب قَرُبَ: يَعْسُر، وبفتح السين في المضارع من باب تَعِبَ، والمعنى: إلا أن يصعب عليكم ذبحها بأن لا توجد أو لا يوجد ثمنها.
قوله: (جذعة) بفتحتين أنثي الجذع، وهي من الضأن ما بلغ ستة أشهر إلى سنة، هذا هو المشهور عند الفقهاء، ونقل الأزهري عن ابن الأعرابي أن الإجذاع وَقْتٌ وليس بِسِنٍّ، ومرجعه إلي خصب السنة وكثرة اللبن والعشب، فقد يجذع الضأن لستة أشهر، وقد لا يجذع إلا بعد ثمانية أو عشرة (٣).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا تجوز التضحية بالجذع من الضأن إلا إذا عَسُرَ على المضحي وجود المسنة، ولكن الجمهور حملوا هذا
стр. 4194
الحديث على الاستحباب والأفضلية، وتقديره: يستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن، وأما الجذع من غير الضأن فلا يجزئ، وعلي هذا فتجزئ الجذعة من الضأن ولو مع وجود الثنية وتيسرها.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قسم النبي ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة، قال: (ضح بها) (١).
وعن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجذع يوفِّي مما يوفِّي منه الثني" (٢).
* الوجه الرابع: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن من شروط الأضحية بلوغ السن المعتبرة شرعًا، وهو من الإبل ما تم له خمس سنين؛ لأن الإبل لا تُثْنِي إلا إذا تم لها خمس، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الغنم ضأنها ومعزها ما تم له سنة، إلا الضأن فيجزئ الجذع، وهو ما تم له ستة أشهر -على القول بأن الجذع ما له ستة أشهر- وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (٣).
ومما يدل على عدم إجزاء الجذع من المعز حديث أبي بردة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : عندي جذعة من المعز هي أحب إلي من شاتين فهل تجزئ عني؟ قال: "نعم، ولا تجزئ عن أحد بعدك" (٤).
واشتراط السن في الأضحية دليل على أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم، وإلا لأجزأت بالصغير والكبير. والله تعالى أعلم.
стр. 4195
ما يكره في الأضاحي
١٣٦١/ ٧ - عَنْ عَليٍّ ﵁ قَال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ: "أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَينَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ". أَخرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٢/ ٤٥)، وأبو داود في كتاب "الأضاحي"، باب (ما يكره من الضحايا) (٢٨٠٤)، والترمذي (١٤٩٨)، والنسائي (٧/ ٢١٦ - ٢١٧)، وابن ماجه (٣١٤٢)، والحاكم (٤/ ٢٢٤) من طرق، عن أبي إسحاق، عن شريح بن النعمان الهمداني، عن علي قال: … فذكره.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي. وفيه شريح بن النعمان الصائدي متكلم قيه، فقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه شبيه بالمجهول، وقال أبو إسحاق: (كان رجل صِدْقٍ) وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). وقال الذهبي: (وُثِّقَ) وفي موضع آخر: (جيد الأمر، صالح) وقال الحافظ: (صدوق).
وهذا الإسناد فيه انقطاع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي مدلس، ولم يسمع الحديث من شريح بن النعمان، بينهما سعيد بن أشوع (٢)، فقد رواه الحاكم
стр. 4196
من طريق قيس بن الربيع، ثنا أبو إسحاق، عن شريح، عن علي، فذكره بنحوه، قال قيس: قلت لأبي إسحاق: سمعته من شريح، قال: حدثني ابن أشوع عنه.
وابن أشوع ثقة (١)، وهو شيخ أبي إسحاق، وهنا زالت شبهة التدليس، وقيس بن الربيع تكلم الأئمة فيه، ولا سيما من قبل حفظه (٢).
وروي الحديث الجراح بن الضحاك الكندي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أشوع، عن شريح بن النعمان، عن علي ﵁.
ثم إن الحديث أعل بالوقف فقد أورده البخاري في "تاريخه" من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن شريح مرفوعًا، وقال: (لم يثبت رفعه) (٣).
ورواه الثوري، عن ابن أشوع، عن علي موقوفًا، ورجح الدارقطني الوقف، فقال: (يشبه أن يكون القول قول الثوري، والله أعلم) (٤).
وروي الترمذي (١٥٠٣)، وابن ماجه (٣١٤٣)، والنسائي (٧/ ٢١٧)، وأحمد (٢/ ١٩٥)، وابن حبان (١٣/ ٢٤٢) من طريق سلمة بن كهيل، عن حُجَيَّةَ بن عدي قال: سمعت عليًّا يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن.
قال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) وفيه حجية بن عدي قال عنه أبو حاتم: (شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول، شبيهًا بشريح بن النعمان الصائدي وهبيرة بن يحيىيم)، وقال عنه الذهبي: (صدوق إن شاء الله)، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥).
стр. 4197
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أن نستشرف) الاستشراف: إما بمعنى الصحة والعِظَم، وذلك بأن تكون شريفة ليس فيها عيب (١). أو بمعنى رفع البصر إلي الشيء للنظر إليه (٢)، والظاهر أن المعنى الأول راجع للثاني.
والمعنى: أمرنا أن نتأمل العين والأذن وننظر إليهما بإمعان.
قوله: (ولا مقابلة) بفتح الباء هي الشاة التي قطعت أذنها من الإمام عرضًا وتركت معلقة.
قوله: (ولا مدابرة) بفتح الباء، وهي التي قطعت أذنها من خلف عرضًا وتركت معلقة من مؤخرها.
قوله: (ولا خرقاء) هي التي في أذنها ثقب مستدير، والخرق: الثقب، وفي بعض النسخ: (ولا خرماء) بالميم، وهي بالمعنى نفسه.
قوله: (ولا شرقاء) هي التي شقت أذنها طولًا، وقيل: الشرقاء: ما قطعت أذنها طولًا، والخرقاء: ما قطعت أذنها عرضًا. وفي بعض النسخ: "ولا ثرماء" وهي التي سقطت ثنيتها.
واعلم أن مصادر الحديث المذكورة قد اختلفت في هذه الألفاظ، تبعًا لاختلاف رواتها، فعند أبي داود والترمذي وابن ماجه وأحمد (٢/ ٢١٠)، والحاكم: (ولا شرقاء ولا خرقاء)، وعند النسائي: (ولا بتراء ولا خرقاء)، وليس فيها: (ولا ثرماء)، وقد اختلفت -أيضًا- نسخ "البلوغ".
* الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على العيوب المكروهة في الأضحية، وهي التي لا تمنع الإجزاء، وإنما قيل: إنها مكروهة لورود النهي أو الأمر بعدم التضحية بما عاب بها، وليست مانعة من الإجزاء؛ لأن حديث البراء المتقدم خرج مخرج البيان والحصر؛ لأنه جواب سؤال، ولو كان غير العيوب المذكورة فيه مانعًا من الإجزاء للزم ذكره، وقد تقدم هذا.
стр. 4198
فيكون الجمع بين حديث البراء وحديث علي ﵄ أن ما في حديث البراء مانع من الإجزاء، وما في حديث على موجب للكراهة غير مانع من الإجزاء، ولهذا فإن الترمذي ترجم على حديث البراء بقوله: (باب ما لا يجوز من الأضاحي) وعلى حديث علي: (باب ما يكره من الأضاحي).
وقد أُلحق بهذه العيوب أنواع أخرى منها ما يلي:
١ - العضباء: وهي مقطوعة الأذن أو مكسورة القرن، فهذه تجزئ؛ لأن ذلك لا يُنْقِصُ لحمها؛ ولأنه يكثر وجوده، والكمال أولى، أما ما لا قرن له خِلْقة أو لا أذن له خلقة فتجوز التضحية به بلا كراهة، وإنما فارق العَضَبَ لورود النهي عنه، كما في حديث علي ﵁: (نهي أن يضحي بأعضب القرن أو الأذن)، وهو عيب؛ لأنه ربما دَمِيَ وآلم الشاة فيكون كالمرض، بخلاف الأجم فإنه حُسْنٌ في الخلقة ليس بعيب ولا مرض، والكمال أولى.
٢ - البتراء من الإبل والبقر والغنم: وهي التي قطع ذنبها أو بعضه، فتكره التضحية بها، أما مقطوعة الألية من الضأن فهذه لا تجزئ في الأضحية؛ لأن ذلك نقص بيّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوعٍ لا ألية له بأصل الخلقة فإنها تجزئ إذ لا نقص فيها عن جنسها.
٣ - ما قطع ذكره قياسًا على العضباء، أما قطع الخصيتين فقط فليس بعيب، فتجوز التضحية به، وهو الخصي؛ لأن الخِصَا يُطَيّبُ اللحم ويزيد في السمن.
٤ - ما سقطت ثناياها أو غيرها من أسنانها، وهي الهتماء.
وتجزئ الأضحية بالجَدّاء، وهي التي توقف ضرعها عن الدَرِّ فنشف لبنها؛ لأنه لا نقص في لحمها ولا خلقتها، واللبن غير مقصود في الأضحية، بل توقف اللبن يزيد في السمن، ولو بقي فيها ضَرْعٌ ونشف آخر أجزأت من باب أولى بلا كراهة، وكذا تجزئ مقطوعة بعض حلمات ضرعها، كما تجزئ الأضحية بما لا ضرع لها، أو كان مقطوعًا.
فينبغي للمسلم أن يُعني باختيار الأضحية، فيحرص على أكمل الأضاحي
стр. 4199
في جميع الصفات؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر الله تعالى الدال على التقوي، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، وهذا عام في جميع شعائر الله تعالى. ودلت الآية الثانية وهي وقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم، فيكون تعظيم البدن من تعظيم شعائر الله، وقد تقدم قول ابن عباس ﵄: (الاستسمان والاستحسان والاستعظام).
وقد كان المسلمون في عهد رسول الله ﷺ يغالون في الهدي والأضاحي، يختارونه سمينًا حسنًا يعلنون بذلك عن تعظيم شعائر الله، مدفوعين بتقوى الله، جاء في "صحيح البخاري" قول أبي أمامة بن سهل: (كنا نُسَمِّنُ الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسَمِّنُون) (١).
وليحرص المسملم على تأمُّل الأضحية حال الشراء والتأكد من خلوها من العيوب المانعة من الإجزاء، وينتبه لتمام سنها، ويحرص على السلامة من قطع الأذن، وكسر القرن، فكلما كانت أغلي وأكمل فهي أحب إلي الله تعالى وأعظم لأجر صاحبها وأدلّ على تقواه، قال في "الاختيارات": (والأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقًا) (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4200
التوكيل في ذبح الهدي وتفريقه
١٣٦٢/ ٨ - عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَال: أَمَرَني رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَن أُقَسِّمَ لُحُومَها وَجُلُودَهَا وَجِلَالهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطيَ في جِزَارَيهَا مِنْهَا شَيئًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الحج"، باب (الجِلَال للبدن) (١٧٠٧)، ومسلم (١٣١٧) من طريق مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن علي ﵁.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أمرني) أي: طلب مني طلب ذي سلطة، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر.
قوله: (أن أقوم على بدنه) بضم الباء وإسكان الدال ويجوز ضمها؛ أي: إبله التي أهداها إلى البيت وكانت مائة.
قوله: (وأن أقسم لحومها) أي: أدفعه للمساكين، والمراد سوى ما أكل منه النبي ﷺ كما جاء في حديث جابر ﵁: (ثم أمر من كل بدنة بِبَضْعَةٍ فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها … ) (١).
قوله: (وجلالها) بكسر الجيم ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه وقاية له.
стр. 4201
قوله: (في جِزارتها) بكسر الجيم اسم للفعل الذي هو عمل الجزار، وقيل: إنه بالضم، ومعناه: ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته (١).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الهدي؛ لأن هذه البدن كانت هدي النبي ﷺ في حجة الوداع، وكان مائة بدنة، قال النووي: (يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي إليها شيئًا من الغنم، وهي سنة أعرض عنها أكثر الناس أو كلهم في هذا الزمان) (٢).
* الوجه الرابع: مشروعية التصدق بلحم الهدي وجلده وجلاله إلا ما يسن أكله من لحمه؛ لأن الجلود تجري مجري اللحم في التصدق.
* الوجه الخامس: جواز التوكيل في قسم لحم الهدي والتصدق به.
* الوجه الساس: جواز الإجارة على ذبح الهدي وتكون الأجرة من غيره، فلا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وقد جاء في بعض الروايات في الصحيح: (نحن نعطيه من عندنا) مؤكدًا هذا الحكم، وعلي هذا فلا يجوز بيع شيء من الهدي، والأضحيةُ كالهدي، فلا يُعطي الجزار أجرته منها، لما تقدم.
لكن إن دفع إلى جازرها شيئًا لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولي؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها، وإن أعطاه أجرته كاملة أولًا، ثم أعطاه منها فهو أولي؛ لئلا تقع مسامحة في الأجر؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة.
* الوجه السابع: الأضحية مقيسة على الهدي، فلا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا شحمها ولا جلدها؛ لأنها مال أُخْرِج لله تعالي فلم يجز الرجوع فيه، وحكى ابن المنذر عن أحمد وإسحاق جواز بيع الجلد والتصدق بثمنه، قال ابن رجب: (لو أبدل جلود الأضاحي بما يُنتفع به في
стр. 4202
البيت من الآنية جاز، نص عليه؛ لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت) (١) والله تعالى أعلم.
стр. 4203
ما جاء أن البدنة والبقرة عن سبعة
١٣٦٣/ ٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الحج"، باب (الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة) (١٣١٨) من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: … فذكره.
وللحديث عند مسلم طرق أخرى، جاء في بعضها تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر ﵁.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة أشخاص، وهذا الحديث نص في الهدي؛ لأنه كان عام الحديبية -كما تقدم في آخر الحج (١) -، والأضحية مقيسة على الهدي، وفيه دليل على أن سُبْعَ البقرة أو البدنة قائم مقام الشاة الواحدة، ومجزئ عما تجزئ عنه؛ لأن الواجب في الإحصار -على قول الجمهور (١) - والتمتعِ هَدْيٌ على كل واحد، وقد جعل النبي ﷺ البدنة عن سبعة، فدل على أن سبعها يحل محل الواحدة من الغنم ويكون بدلًا عنها.
أما ما ورد في حديث رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قسم فَعَدَلَ
стр. 4204
عشرة من الغنم ببعير (١). فهذه واقعة عين، ولعل التعديل محمول على قلة الإبل أو نفاستها، وكثرة الغنم أو هزالها بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، وأما حديث الباب فهو حديث صريح، فيكون هو القاعدة في هذا الباب ما لم يحصل عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم لذلك (٢).
* الوجه الثالث: نقل ابن رشد وغيره الإجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد (٣)، والمراد بذلك الاشتراك في الملك بأن يشترك شخصان فأكثر في شراء شاة ويضحيا بها، فهذا لا يجوز؛ لأن الأضحية عبادة وقربة إلى الله تعالى، فلا يجوز إيقاعها ولا التعبد بها إلا على الوجه المشروع زمنًا وعددًا وكيفية؛ ولأن التشريك في الملك لو كان جائزًا في غير الإبل والبقر لفعله الصحابة ﵃ لقوة المقتضي لفعله؛ لأنهم أحرص الناس على الخير، ومنهم فقراء كثيرون قد لا يستطيعون ثمن الأضحية كاملة، ولو فعلوه لنقل عنهم؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله لحاجة الأمة إليه.
أما الاشتراك في الثواب بأن يكون مالك الأضحية واحدًا ويشرك معه غيره من زوجته وأولاده أو غيرهم من الأحياء، أو يشرك معه من شاء من الأموات، فهذا جائز مهما كثر الأشخاص؛ لأن فضل الله تعالى واسع، وقد تقدم حديث عائشة ﵂ في قصة أضحيته ﷺ بالكبش وقوله عند ذبحه: "بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمدًا. والله تعالى أعلم.
стр. 4205
باب العقيقة
العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح للمولود.
وأصل العقيقة والعقيق والعِقَّة: شعر رأس المولود، ثم سميت الشاة التي تذبح عند حلقه عقيقة (١)؛ لأن هذا الشعر يحلق عند الذبح، والعرب قد تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه، وهذا المعنى نقله أبو عبيد عن الأصمعي وغيره (٢). وقد صار لفظ العقيقة حقيقة عرفية، إذا أُطلق لا يُفهم منه إلا إرادة ذبيحة المولود، وقيل: إن العقيقة مشتقة من العق وهو القطع، ومنه: عق والديه: إذا قطعهما ولم يبرهما، فسميت الشاة عقيقة؛ لأنه يقطع حلقها، وقد يشكل على هذا أن القطع عام؛ لأن كل ذبيحة يقطع حلقها، ومع هذا فقد نقل ابن عبد البر عن الإمام أحمد أنه أنكر تفسير أبي عبيد وما نقله عن الأصمعي وغيره، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، قال: ولا حجة لما قال أبو عبيد (٣).
ويقال للعقيقة: نسيكة لحديث عمرو بن شعيب الآتي: (من وُلدَ له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان … ).
قال ابن عبد البر: (وكان الواجب -بظاهر هذا الحديث- أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكة ولا يقال: عقيقة، لكن لا أعلم أحدًا من العلماء مال إلي ذلك ولا قال به، وأظنهم -والله أعلم- تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث لما صح عندهم في غيره من لفظ العقيقة … ) (٤).