قوله: (في جِزارتها) بكسر الجيم اسم للفعل الذي هو عمل الجزار، وقيل: إنه بالضم، ومعناه: ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته (١).
* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية الهدي؛ لأن هذه البدن كانت هدي النبي ﷺ في حجة الوداع، وكان مائة بدنة، قال النووي: (يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي إليها شيئًا من الغنم، وهي سنة أعرض عنها أكثر الناس أو كلهم في هذا الزمان) (٢).
* الوجه الرابع: مشروعية التصدق بلحم الهدي وجلده وجلاله إلا ما يسن أكله من لحمه؛ لأن الجلود تجري مجري اللحم في التصدق.
* الوجه الخامس: جواز التوكيل في قسم لحم الهدي والتصدق به.
* الوجه الساس: جواز الإجارة على ذبح الهدي وتكون الأجرة من غيره، فلا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وقد جاء في بعض الروايات في الصحيح: (نحن نعطيه من عندنا) مؤكدًا هذا الحكم، وعلي هذا فلا يجوز بيع شيء من الهدي، والأضحيةُ كالهدي، فلا يُعطي الجزار أجرته منها، لما تقدم.
لكن إن دفع إلى جازرها شيئًا لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولي؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها، وإن أعطاه أجرته كاملة أولًا، ثم أعطاه منها فهو أولي؛ لئلا تقع مسامحة في الأجر؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة.
* الوجه السابع: الأضحية مقيسة على الهدي، فلا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا شحمها ولا جلدها؛ لأنها مال أُخْرِج لله تعالي فلم يجز الرجوع فيه، وحكى ابن المنذر عن أحمد وإسحاق جواز بيع الجلد والتصدق بثمنه، قال ابن رجب: (لو أبدل جلود الأضاحي بما يُنتفع به في
стр. 4202
البيت من الآنية جاز، نص عليه؛ لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت) (١) والله تعالى أعلم.
стр. 4203
ما جاء أن البدنة والبقرة عن سبعة
١٣٦٣/ ٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَال: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الحج"، باب (الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة) (١٣١٨) من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: … فذكره.
وللحديث عند مسلم طرق أخرى، جاء في بعضها تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر ﵁.
* الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة أشخاص، وهذا الحديث نص في الهدي؛ لأنه كان عام الحديبية -كما تقدم في آخر الحج (١) -، والأضحية مقيسة على الهدي، وفيه دليل على أن سُبْعَ البقرة أو البدنة قائم مقام الشاة الواحدة، ومجزئ عما تجزئ عنه؛ لأن الواجب في الإحصار -على قول الجمهور (١) - والتمتعِ هَدْيٌ على كل واحد، وقد جعل النبي ﷺ البدنة عن سبعة، فدل على أن سبعها يحل محل الواحدة من الغنم ويكون بدلًا عنها.
أما ما ورد في حديث رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﷺ قسم فَعَدَلَ
стр. 4204
عشرة من الغنم ببعير (١). فهذه واقعة عين، ولعل التعديل محمول على قلة الإبل أو نفاستها، وكثرة الغنم أو هزالها بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، وأما حديث الباب فهو حديث صريح، فيكون هو القاعدة في هذا الباب ما لم يحصل عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم لذلك (٢).
* الوجه الثالث: نقل ابن رشد وغيره الإجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد (٣)، والمراد بذلك الاشتراك في الملك بأن يشترك شخصان فأكثر في شراء شاة ويضحيا بها، فهذا لا يجوز؛ لأن الأضحية عبادة وقربة إلى الله تعالى، فلا يجوز إيقاعها ولا التعبد بها إلا على الوجه المشروع زمنًا وعددًا وكيفية؛ ولأن التشريك في الملك لو كان جائزًا في غير الإبل والبقر لفعله الصحابة ﵃ لقوة المقتضي لفعله؛ لأنهم أحرص الناس على الخير، ومنهم فقراء كثيرون قد لا يستطيعون ثمن الأضحية كاملة، ولو فعلوه لنقل عنهم؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله لحاجة الأمة إليه.
أما الاشتراك في الثواب بأن يكون مالك الأضحية واحدًا ويشرك معه غيره من زوجته وأولاده أو غيرهم من الأحياء، أو يشرك معه من شاء من الأموات، فهذا جائز مهما كثر الأشخاص؛ لأن فضل الله تعالى واسع، وقد تقدم حديث عائشة ﵂ في قصة أضحيته ﷺ بالكبش وقوله عند ذبحه: "بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمدًا. والله تعالى أعلم.
стр. 4205
باب العقيقة
العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح للمولود.
وأصل العقيقة والعقيق والعِقَّة: شعر رأس المولود، ثم سميت الشاة التي تذبح عند حلقه عقيقة (١)؛ لأن هذا الشعر يحلق عند الذبح، والعرب قد تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه، وهذا المعنى نقله أبو عبيد عن الأصمعي وغيره (٢). وقد صار لفظ العقيقة حقيقة عرفية، إذا أُطلق لا يُفهم منه إلا إرادة ذبيحة المولود، وقيل: إن العقيقة مشتقة من العق وهو القطع، ومنه: عق والديه: إذا قطعهما ولم يبرهما، فسميت الشاة عقيقة؛ لأنه يقطع حلقها، وقد يشكل على هذا أن القطع عام؛ لأن كل ذبيحة يقطع حلقها، ومع هذا فقد نقل ابن عبد البر عن الإمام أحمد أنه أنكر تفسير أبي عبيد وما نقله عن الأصمعي وغيره، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، قال: ولا حجة لما قال أبو عبيد (٣).
ويقال للعقيقة: نسيكة لحديث عمرو بن شعيب الآتي: (من وُلدَ له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان … ).
قال ابن عبد البر: (وكان الواجب -بظاهر هذا الحديث- أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكة ولا يقال: عقيقة، لكن لا أعلم أحدًا من العلماء مال إلي ذلك ولا قال به، وأظنهم -والله أعلم- تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث لما صح عندهم في غيره من لفظ العقيقة … ) (٤).
стр. 4206
ولعل مراد ابن عبد البر: من المجتهدين، وإلا فقد سماها بعض الفقهاء نسيكة، وتسمي عند العامة في البلاد النجدية: تميمة. ولا أعلم لهذا الاسم أصلًا في الشرع، وقد يكون قصدهم تمام ما يتعلق بالمولود. والله أعلم.
وأما حكمتها فهي مظهر من مظاهر شكر الله تعالى على نعمه، ومن ذلك تجدد نعمة الله على الوالدين بهذا المولود الذي يؤمل نفعه وبره وطاعته.
стр. 4207
ما جاء في مشروعية العقيقة
١٣٦٤/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَينِ كبْشًا كَبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَعَبْدُ الْحَقِّ، لكِنْ رَجّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالهُ.
١٣٦٥/ ٢ - وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث ابن عباس ﵄ رواه أبو داود في كتاب "الأضاحي"، بابٌ (في العقيقة) (٢٨٤١) من طريق عبد الوارث، وابن الجارود (٩١١) من طريق محمد بن عمر العَقَدِي، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق (١)، وكذا ابن دقيق العيد، حيث أورده في "الإلمام" (٢).
لكن أُعل بالإرسال، فقد رواه ابن عيينة والثوري وحماد بن زيد وابن علية وآخرون عن أيوب، عن عكرمه، عن النبي ﷺ مرسلًا (٣).
قال أبو حاتم: وهذا مرسلًا أصح، ووصف رواية الوصل بأنها وهم (٤). وبنحو ما قال أبو حاتم قال ابن الجارود، فإنه لما رواه موصولًا قال: (رواه الثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وغيرهم عن أيوب لم يجاوزوا به عكرمة).
стр. 4208
وقد رواه عبد الرزاق (٧٨٦٢) عن معمر وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.
وأما حديث أنس ﵁ فقد رواه ابن حبان (١٢/ ١٢٥)، والبزار (١٢٣٥)، والطحاوي في "شرح المشكل" (١/ ٤٥٦) من طريق ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: عق رسول الله ﷺ عن حسن وحسين بكبشين.
وهذا الحديث رجاله ثقات، رجال الشيخين، إلا أن رواية جرير بن حازم، عن قتادة فيها كلام، فقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سألت ابن معين عن جرير فقال: ليس به باس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير، فقال: (ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف) (١).
وقال ابن عدي: (هو مستقيم الحديث صالح إلا في روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء لا يرويها غيره، وجرير عندي من ثقات المسلمين، حدث عنه الأئمة) (٢). وقال أبو حاتم: (أخطأ جرير في هذا الحديث، إنما هو قتادة، عن عكرمة قال: عق رسول الله ﷺ ، مرسلًا) (٣). وقال البزار بعد أحاديث من رواية جرير عن قتادة: (وهذه الأحاديث لا نعلم أحدًا تابع جرير بن حازم عليها) (٤).
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على مشروعية العقيقة، وهي سنة في قول عامة أهل العلم، وإنما الخلاف في وجوبها.
فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى أن العقيقة سنة مؤكدة، قال الإمام مالك: (ليست العقيقة واجبة؛ ولكنها يستحب العمل بها، وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا) (٥).
стр. 4209
وقال ابن عبد البر: (الآثار كثيرة مرفوعة عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين في استحباب العمل بها وتأكد سنيتها) (١).
واستدل الجمهور على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "لا يحب الله العقوق"، وكأنه كره الاسم، قال -أي: السائل لرسول الله ﷺ : إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ فقال: "من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه … " (٢).
فقوله: (من أحب) تفويض إلي اختيار الفاعل، فيدل على أن العقيقة ليست بواجبة؛ لأن الواجب لا يقال فيه: من أحب فليفعل.
وذهب الحسن البصري (٣)، والظاهرية (٤)، إلي وجوب العقيقة، وهو رواية عن أحمد (٥)، وهو قول الليث بن سعد مقيدًا وجوبها في اليوم السابع، وبعده غير واجبة (٦).
واستدلوا بحديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذي" (٧)، قالوا: فهذا أمر، والأمر للوجوب.
كما استدلوا بحديث سمرة ﵁ الآتي: "كل غلام مرتهن بعقيقته … " وبحديث عائشة ﵂ الآتي -أيضًا-: "أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان … ).
والقول الثالث: أن العقيقة تباح ولا تستحب، وهذا قول الحنفية؛ لأن
стр. 4210
تشريع الأضحية نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة وغيرها، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل (١).
وهذا قول ضعيف، قال ابن عبد البر: (ليس ذبح الأضحي بناسخ للعقيقة عند جمهور العلماء، ولا جاء في الآثار المرفوعة ولا عن السلف ما يدل على ما قال محمد بن الحسن ولا أصل لقولهم في ذلك) (٢).
والظاهر -والله أعلم- أن العقيقة سنة مؤكدة، لا ينبغي للقادر تركها؛ لأنها سنة، وإحياء السنة مطلوب، قال أحمد: (إذا لم يكن عنده ما يعق واستقرض رجوت أن يُخْلِفَ الله عليه، أحيا سنة) (٣)، قال ابن المنذر: (صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل) (٤)، ومراد أحمد بذلك: تأكيد سُنِّية العقيقة، ولعل المراد بقوله: (فاستقرض) من يرجو وفاء في المستقبل، أما الذي لا يرجو الوفاء في المستقبل ولا ينتظر مالًا من مُرَتَّبٍ أو غيره فلا ينبغي أن يقترض ليعق.
وأما أحاديث القول الثاني فهي مؤكِّدة لفعلها، وليست نصًّا صريحًا في الوجوب، وعلي فرض دلالتها على الوجوب فهي مصروفة إلي الندب بحديث عمرو بن شعيب المتقدم، ولو كانت العقيقة واجبة، لكان وجوبها معلومًا من الدين؛ لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه، وتعم به البلوي، ولَبيَّن الرسول ﷺ وجوبها للأمة بيانًا عامًّا كافيًا تقوم به الحجة، وقد علق النبي ﷺ أمر العقيقة بمحبة فاعلها، كما تقدم (٥).
* الوجه الثالث: استدل الإمام مالك بحديث ابن عباس ﵄ هذا على أن الذكر والأنثى سواء، فيعق عن كل واحد منهما بشاة، لقوله: (عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا). قال في "الموطأ": (الأمر عندنا في العقيقة أن
стр. 4211
من عق فإنما يعق عن ولده بشاة شاة الله الذكور والإناث … ) (١).
وذهب الجمهور من أهل العلم إلي تفضيل الذكر على الأنثى في العقيقة، فعن الغلام شاتان من الغنم -ولو من المعز- ذكورها وإناثها، وعن الجارية شاة، لحديث عائشة ﵂ الآتي وغيره من الأحاديث، قال ابن القيم: (التفضيل تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة على الوالد أتم، والسرور والفرحة به أكمل، كان الشكران عليه أكثر؛ فإنه كلما كثرت النعمة، كان شكرها أكثر، والله أعلم) (٢). وقد رجح ابن القيم القول بالتفريق على القول بالمساواة من ثمانية أوجه، قال الشيخ محمد بن إبراهيم: (ولا يزيد على اثنتين، إلا إن كان من يريد دعوتهم كثيرين، والثنتان لا تكفيهم فلا بأس) (٣).
وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد تقدم إعلاله، وقد ورد عند النسائي (٤)، من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: (عق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵄ بكبشين كبشين)، ولو صحت هذه الرواية لكانت موافقة للأحاديث الأخرى القولية الدالة على التفضيل (٥)، لكنها معلولة، وعلي تقدير ثبوت رواية: (كبشًا كبشًا) فليس فيها ما يرد الأحاديث الدالة على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار على شاة واحدة، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا بل هو مستحب، فلو عق عن الذكر بشاة واحدة أجزأ (٦). والله تعالى أعلم.
стр. 4212
مقدار العقيقة
١٣٦٦/ ٣ - عَن عَائشَةَ ﵂ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ : "أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ"، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
١٣٦٧/ ٤ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيّةِ نَحْوَهُ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أم كرز -بضم الكاف واسكان الراء آخره زاي- الخزاعية ثم الكعبية المكية، قال ابن سعد: أسلمت يوم الحديبية والنبي ﷺ يقسم لحوم بُدْنه، روت عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة، منها حديث العقيقة، روي عنها عطاء ومجاهد وسباع بن ثابت وحبيبة بنت ميسرة (١).
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث عائشة ﵂ فقد رواه الترمذي في أبواب "الأضاحي"، باب (ما جاء في العقيقة) (١٥١٣)، وابن ماجه (٣١٦٣)، وأحمد (٤٠/ ٣٠) من طريق عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهَك (٢)، أنهم دخلوا على حفصة بنت عبد الله فسألوها عن العقيقة فأجابتهم أن عائشة أخبرتها أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة.
هذا لفظ الترمذي وأحد ألفاظ أحمد، وليس فيه لفظة: (أن يُعق) وإنما هي عند ابن ماجه، وأحمد في رواية أخرى.
стр. 4213
قال الترمذي: (حديث عائشة حديث حسن صحيح)، والحديث فيه عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ المكي، وهو متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: (ما به بأس، صالح الحديث)، وقال النسائي: (ثقة)، وقال مرة أخرى: (ليس بالقوي) (١)، وقال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق)، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح.
وأما حديث أم كرز الكعبية ﵂ فقد رواه أبو داود (٢٨٣٥)، وابن ماجه (٣١٦٢)، وأحمد (٤٥/ ١١٣) من طرق عن سفيان، حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أقروا الطير على مَكِنَاتها" (٢)، قالت: وسمعته يقول: "عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، لا بضركم أذكرانًا كن أم إناثًا" هذا لفظ أبي داود.
ورواه النسائي (٧/ ١٦٥) عن قتيبة، عن سفيان، وأبو داود (٢٨٣٦)، وأحمد (٤٥/ ١١٩) عن حماد بن زيد، والترمذي (١٥١٦)، والنسائي (٧/ ١٦٥)، وأحمد (٤٥/ ٣٧١) عن ابن جريج، ثلاثتهم عن عبيد الله، عن سباع، عن أم كرز، ولم يذكروا: عن أبيه.
فيظهر من ذلك أن الراجح عن سفيان إثباب: عن أبيه، لكنه وهم في ذلك، قال الإمام أحمد في "مسنده": (سفيان يهم في هذه الأحاديث، عبيد الله سمعها من سباع بن ثابت)، ولما ذكر أبو داود حديث حماد قال عقبه: (هذا هو الحديث، وحديث سفيان وهم)، والحديث له طرق أخرى، وفي أسانيده اختلاف (٣).
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (عن الغلام شاتان) الشاة لفظ يطلق في الشرع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز.
стр. 4214
قوله: (مكافئتان) بكسر الفاء بعدها همزة، من كافأه إذا ساواه، قال أبو داود في "سننه": سمعت أحمد قال: (مكافئتان: مستويتان أو متقاربتان)، فيكون المراد التكافؤ في السن والسمن فلا تكون إحداهما أكبر من الأخرى أو أسمن (١). وقد وقع عند أبي داود في حديث أم كرز: (شاتان مثلان).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن العقيقة مشروعة في حق الذكر والأنثى، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وقال الحسن وقتادة: يعق عن الذكر، ولا يعق عن الأنثى (٢)، لحديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة، فأهريفوا عنه دمًا … الحديث) (٣)، ومفهومه أن الجارية لا يعق عنها.
والصحيح القول الأول؛ لأن هذا المفهوم معارض بالمنطوق، وهو حديث عائشة ﵂ وغيره من الأحاديث الدالة صراحة على أن العقيقة مشروعة في حق الذكر والأنثى.
° الوجه الخامس: في الحديث دليل على تفضيل الغلام على الجارية في العقيقة، وقد تقدم الكلام على ذلك.
° الوجه السادس: استدل بعض العلماء بإطلاق لفظ الشاة والشاتين عن الشروط والأوصاف على أنه لا يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، ورجح الشركاني هذا القول (٤).
ومن اشترط ذلك فهو بالقياس على الأضحية لا بالنص، فيشترط أن تبلغ السن المعتبرة، فلا يجزئ من الغنم ضأنها ومعزها إلا ما تم له سنة، ويجزئ الجذع من الضأن، وهو ما تم له ستة أشهر، ولا بد من خلوها من العيوب
стр. 4215
المانعة من الإجزاء وهي: العور البين، والمرض البين، والعرج البين، والكبر المتناهي، وهذا قول الحنابلة وأحد الوجهين عند الشافعية، وعزاه ابن عبد البر إلى جمهور العلماء (١).
وذلك لأن العقيقة ذبح مسنون إما وجوبًا أو استحبابًا؛ ولأنه شرع بوصف التمام والكمال، فشُرع في حق الغلام شاتان مكافئتان، قال الإمام مالك: (العقيقة بمنزلة النسك والضحايا، لا يجوز فيها عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء أو جلودها، ويكسر عظمها، ويأكل أهلها من لحمها، ويتصدقون منها، ولا يمس الصبي بشيء من دمها) (٢).
° الوجه السابع: استدل العلماء بذكر الشاة والكبش في أحاديث العقيقة على أنها لا تكون إلا من الغنم، وقد روى عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا يوصف بن مَاهِك قال: دخلت أنا وابن أبي مليكة على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر وولدت للمنذر بن الزبير غلامًا، فقلت: هَلَّا عققتِ جزورًا على ابنك، فقالت: معاذ الله، كانت عمتي عائشة تقول: على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة (٣).
ورجح هذا القول ابن حزم والحافظ ابن حجر (٤).
والقول الثاني: أنها تجزئ من الإبل والبقر؛ لعموم؛ (فأهريقوا عنه دمًا) كما استدلوا بالقياس فقالوا: إن العقيقة نسك، فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل، قياسًا على الهدي، وعزا ابن حجر القول بإجزاء البقر والإبل إلى الجمهور، وقد جاء في هذا عن أنس ﵁ أنه كان يعق عن بنيه جزورًا (٥).
стр. 4216
ويمكن أن يكون قوله: (دمًا) من المجمل. وقد فسر بقوله: (شاتان … ).
ومن قال يجوز العق بالبقر أو الإبل قال بإخراجه كاملًا. والله تعالى أعلم.
стр. 4217
من أحكام المولود
١٣٦٨/ ٥ - عَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٢٧١)، وأبو داود في كتاب "الأضاحي"، بابُ (في العقيقة) (٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٧/ ١٦٦)، وابن ماجه (٣١٦٥)، من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ مرفوعًا.
وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ورواه الطحاوي في "شرح المشكل" (٣/ ٥٨) من طريق أشعث بن عبد الملك، وعبد الرزاق (٤/ ٣٣١) عن معمر، عن رجل، كلاهما عن الحسن مرسلًا، والصواب الوصل؛ لأن من وصله أوثق وأكثر ممن أرسله.
وقد اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة على أقوال ثلاثة: وهي أنه سمع منه مطلقًا، وأنه لم يسمع منه مطلقًا وإنما هو كتاب، وأنه سمع منه حديث العقيقة فقط، وقد مضى ذكر ذلك في (باب الغسل) من كتاب "الطهارة" عند الحديث (١١٥).
والذي يظهر أن حديث العقيقة هذا سمعه الحسن من سمرة لثبوت التصريح بذلك، وأما غيره فهو محل نظر، وقد ذكر البخاري في "صحيحه" عن حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع
стр. 4218
حديث العقيقة فسألته، قال: من سمرة بن جندب (١).
قال الحافظ: (وأعل بعضهم الحديث بأنه من رواية الحسن عن سمرة وهو مدلس، لكن روى البخاري في "صحيحه" من طريق الحسن أنه سمع حديث العقيقة من سمرة، كأنه عنى هذا) (٢).
وقد روى الحديث عن قتادة جماعة منهم سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وحماد بن سلمة، وآخرون، وكلهم قالوا: (ويحلق ويسَمَّى) إلا همام بن يحيى فإنه تفرد من بين أصحاب قتادة فقال: (ويحلق رأسه ويدمَّى) وكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به، قال: (إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق)، وقد حكم أبو داود عليه بالوهم وأنه لا يؤخذ بقوله في ذلك؛ لأنه خالف جماعة من الثقات فلم يذكروا ذلك، وقد تكلم العلماء في حفظ همام (٣)، لكن يشكل على هذا -كما قال الحافظ (٤) - ما ذكره قتادة عن صفة التدمية، فيبعد أن يكون همام وهم على قتادة، إلا أن يقال إن أصل الحديث: (ويسَمَّى) وأن قتادة ذكر الدم لحكاية فعل أهل الجاهلية، قال ابن عبد البر: (لا يُحتمل همام في هذا الذي انفرد به، فإن كان حفظه فهو منسوخ) (٥).
والنبي ﷺ قد أمر بإماطة الأذى عن رأس الصبي، والدم أذى (٦).
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كل غلام) أريد به مطلق المولود ذكرًا كان أم أنثى، كذا قال السندي (٧)، ويحتمل إبقاء اللفظ على ظاهره، لقوله: (ويحلق رأسه)، إلا أن يقال: إن الحلق عام للذكر والأنثى، كما سيأتي.
стр. 4219
قوله: (مرتهن بعقيقته) اختلف في معنى هذا على أقوال:
١ - أن نشأة المولود الصحيحة وكمال الانتفاع به رهينة بالعقيقة، كما أن الرهن لا يُنتفع به كمال الانتفاع إلا بعد فكه.
٢ - أنه مرهون ومحبوس عن الشفاعة لوالديه إن مات ولم يعق، وهذا قول عطاء الخرساني ومحمد بن مطرف، وهو مروي عن الإمام أحمد.
وقد ضعف هذا ابن القيم بما خلاصته أن الشفاعة معلقة بإذن الله للشافع أن يشفع ورضاه عن المشفوع له، لا بقرابة ولا بنوة ولا أبوة (١). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: فيه نظر.
٣ - أن العقيقة لازمة لزوم الرهن في يد المرتهن.
٤ - أن العقيقة سبب لفكِّ رهان المولود وتخليصه من الشيطان الذي يَعْلَقُ به من حين خروجه إلى الدنيا، فهي سبب لحسن نشأة الولد ودوام سلامته وطول حياته في حفظه من ضرر الشيطان، وسعيه في مصالح آخرته (٢).
وقال آخرون: بالإمساك عن تفسيره؛ لأن الرسول ﷺ لم يفسره ولا يجوز القول على الله بغير علم، فهو مرتهن، والله أعلم بهذا الارتهان، والمقصود الحث على العقيقة (٣).
° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن وقت ذبح العقيقة هو اليوم السابع، وقد ورد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعقّ (٤).
стр. 4220
والظاهر أن التقييد باليوم السابع ليس من باب الإلزام، وإنما هو على وجه الاستحباب، قال ابن القيم: (والظاهر أن التقييد بذلك استحباب، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت) (١).
وقال ابن حزم: (يذبح كل ذلك في اليوم السابع من الولادة ولا تجزئ قبل اليوم السابع أصلًا، فإن لم يذبح في اليوم السابع ذبح بعد ذلك متى أمكن فرضًا) (٢).
فإن فات اليوم السابع ففي أي يوم ذبح فيه أجزأ، وقد ورد حديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين" ولا حجة فيه؛ لأنه ضعيف (٣).
° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن تسمية المولود تكون في اليوم السابع، وقد ورد أدلة أخرى مفادها أن التسمية غداة يولد، ومن ذلك حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة فلام فسميته باسم أبي إبراهيم" (٤)، وعنه -أيضًا- ﵁ قال: انطلقت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ حين ولد … إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ : "أبت الأنصار إلا حب التمر" وسماه عبد الله (٥).
وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث وما في معناها بقوله: (باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه) فأفاد بذلك عن طريق المفهوم أن من كان له عقيقة فإن التسمية تؤخر لليوم السابع، كما في حديث سمرة وغيره، ومن لا عقيقة له فلا بأس بتسميته غداة يولد كما في هذه الأحاديث.
стр. 4221
قال الحافظ ابن حجر على الترجمة المذكورة: (وهو جمع لطيف لم أره لغير البخاري) (١).
لكن قد يشكل على هذا أنه لا دليل على أن المذكورين في هذه الأحاديث لم يعق عنهم؛ لأن عدم العلم بالشيء لا يلزم منه عدم الشيء، ويكون هذا من باب التعارض بين القول والفعل، فيقدم القول، ولا يقال بالنسخ كما ذهب إليه الطحاوي (٢)؛ لأن الفعل يطرقه احتمالات عديدة، كما في الأصول، ولهذا قال ابن القيم: (تجوز التسمية قبل السابع وبعده، والأمر فيه واسع) (٣)، وبهذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز، ولو قيل: إن كان الاسم قد هُيِّئ قبل الولادة سمي بعدها، أما إذا لم يُهيأ فلا بأس بتأخيره إلى السابع، لكان ذلك وجيهًا (٤).
وينبغي أن يعلم أن اختيار الاسم له ثلاث دلالات:
الأولى: الارتباط بالسنة في تحسين الاسم.
الثانية: سلامة التفكير من أي مؤثر.
الثالثة: الإحسان إلى المولود في:
١ - اختيار أحسن الأسماء.
٢ - قلة الحروف.
٣ - خفة النطق.
٤ - مراعاة الملاءمة لأهل ملته وطبقته ومرتبته (٥).
° الوجه الخامس: ظاهر الأحاديث أن العقيقة مشروعة في حق الصغير وأن المخاطب بها هو الأب شكرًا لله تعالى الذي رزقه الولد، فإن ذبحها غيره
стр. 4222
أجزأ، وقد تقدم أنه ﷺ عق عن الحسن والحسين (١).
وإذا بلغ الطفل ولم يعق عنه فلا عقيقة له، وقد وصف ابن عبد البر قول من قال: إن الكبير يعق عن نفسه بأنه قول شاذ (٢)، وجاء في "الدرر السنية" أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب سئل هل يُعَقُّ عن الكبير، فأجاب: العقيقة عن الكبير ما علمت لها أصلًا، وهذا يوافق سؤال عبد الملك الميموني لأحمد هل يعق عنه كبيرًا؟ قال: لم أسمع في الكبير شيئًا، وقد ورد عنه في موضع آخر: قلت لأبي عبد الله: إذا لم يعق عنه هل يعق عن نفسه كبيرًا؛ فذكر شيئًا يروى عن الكبير، ضعفه، ورأيته يستحسن إن لم يعق عنه صغيرًا أن يعق عنه كبيرًا، وقال: إن فعله إنسان لم أكرهه (٣).
والظاهر أن مراده حديث أنس ﵁ قال: عق النبي ﷺ عن نفسه بعد ما بعث بالنبوة (٤).
° الوجه السادس: في الحديث دليل على مشروعية حلق رأس المولود في اليوم السابع، قال ابن عبد البر: (أما حلق رأس الصبي عند العقيقة فإن العلماء كانوا يستحبون ذلك) (٥).
واستحب الفقهاء إذا حلقه أن يتصدق بوزن شعره من الفضة، لحديث أبي رافع ﵁ قال: لما ولدت فاطمة حسنًا، قالت: يا رسول الله، ألا أَعُقُّ عن ابني بدم، قال: لا، ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين أو الأوفاض. وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ محتاجين في المسجد أو في الصُّفَّةِ، ففعلت ذلك، فلما ولدت حسينًا فعلت مثل ذلك (٦).
стр. 4223
قال الحافظ في "التلخيص": (الروايات كلها متفقة على ذكر التصدق بالفضة، وليس في شيء منها ذكر الذهب) (١).
والظاهر أن مراده أنه لم يثبت، وإلا فقد ورد ذكر الذهب في حديث ابن عباس ﵄ لكن فيه رواد بن الجراح، وهو ضعيف جدًّا (٢).
والحكمة من هذا الحلق:
١ - حكمة صحية: لأن في إزالة شعر المولود تقوية له وفتحًا لمسام الرأس، وتقوية كذلك لحاسة البصر والشم والسمع (٣).
٢ - حكمة اجتماعية: وهي أن التصدق بوزن شعره من الفضة مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي بالصدقة على الفقراء والمستحقين.
ولا ينبغي للأب أن يغفل عن هذه السنة أو يُغْفِلَهَا متذرعًا بخشية الإضرار بالمولود أو أنه لا يحسن الحلاقة، فبالإمكان أن يقوم بذلك غيره ممن لديه خبرة بالحلاقة ليحصل له بذلك بركة اتباع السنة، وأجر الصدقة على الفقراء، فإن لم يمكن الحلق تحرى زنة الشعر وتصدق به. كما قال بعض أهل العلم (٤).
ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب حلق رأس الذكر، أما الأنثى ففيها قولان:
الأول: أن يحلق رأسها كما يحلق رأس الذكر، وهو قول الجمهور من
стр. 4224
المالكية والشافعية وبعض الحنابلة (١)، واستدلوا بحديث أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم السابع للمولود فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى، وسموه" (٢)؛ ولأن في حلقه فوائد كما في حلق رأس الذكر.
والقول الثاني: أن الحلق خاص بالذكر دون الأنثى، وهو قول الحنابلة؛ لأن الحديث ورد بلفظ: (الغلام) فلا يشمل الأنثى (٣).
ومن رجح القول الأول قال: لأن لفظ: (غلام) في حديث سمرة لم يقصد به التخصيص بالذكر؛ لأن الذكر والأنثى يشتركان في التسمية والعقيقة، فكذا الحلق إذ لم يرد له تخصيص، ومال إلى هذا الصنعاني، فإنه قال عن حديث سمرة: (وظاهره عام لحلق رأس الغلام والجارية) (٤)، ومما يؤيد ذلك أن الرسول ﷺ أمر بإماطة الأذى عن المولود، كما تقدم، وقد فسر أهل العلم الأذى بشعر الرأس وما يعلق به من أثر الولادة، ولا يفهم من ذلك إزالة الأذى عن الذكر دون الأنثى. والله تعالى أعلم.
стр. 4225
كتاب الأيمان والنذور
الأيمان: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين: اليد اليمنى، وأطلقت على الحلف والقسم؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيمين صاحبه.
وشرعًا: توكيد الشيء بذكر اسم الله أو صفة من صفاته على وجه مخصوص.
وهذا تعريف اليمين المشروعة التي يُحلف بها، ومعنى (على وجه مخصوص) أي: على وجه القسم، بخلاف ما لو قال: الله أكبر قدم زيد، فقد ذكر اسم الله لكنه ليس بالصيغة المخصوصة.
والأصل في اليمين الإباحة على قول الجمهور من أهل العلم، وقد كان النبي ﷺ يحلف، ولو لم يكن الحلف جائزًا لكان أبعد الناس عنه، قال ابن القيم: (حلف النبي ﷺ في أكثر من ثمانين موضعًا) (١).
وذهبت الشافعية إلى أن الأصل في اليمين الكراهة إلا إذا كانت على طاعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]؛ ولأنه ربما عجز عن الوفاء بها (٢). والأول أرجح.
واليمين تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة حسب ما يقتضيه الحال على تفاصيل مدونة في كتب الفقه (٣).
стр. 4226
والحكمة من مشروعيتها قصد توكيد الخبر ثبوتًا أو نفيًا، وذلك إما بحمل المخاطب على التصديق بالخبر، أو القيام بما يتضمنه، أو تقوية عزم الحالف نفسه على فعل أو ترك (١).
وينبغي للمكلف حفظ يمينه وعدم الإكثار منها بحيث كلما ذكر شيئًا حلف عليه، ما لم توجد مصلحة شرعية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وحفظ اليمين له ثلاثة معان:
١ - حفظها ابتداء، وذلك بعدم كثرة الحلف.
٢ - حفظها وسطًا، وذلك بعدم الحنث فيها إلا إذا كان الحنث مشروعًا، كما سيأتي في أحاديث الأيمان.
٣ - حفظها انتهاء في إخراج الكفارة بعد الحنث، وكل هذه المعاني ذكرها المفسرون (٢).
ولا ريب أن الحذر من كثرة الأيمان أسلم للإنسان وأبرأ لذمته؛ لأن كثرة الحلف تؤدي إلى الاستخفاف باليمين وعدم تعظيم الله تعالى، ومن اعتاد كثرة الحلف كَذَبَ في يمينه وتهاون في الكفارة (٣).
وأما النذور فهي جمع نذر، وهو مصدر نذرت أنْذُر -بكسر الذال وضمها- نذرًا، ومعناه: الإيجاب، فيقال: نذر دم فلان أي: أوجب قتله.
وشرعًا: التزام المكلف شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع منجزًا أو معلقًا. فالمنجز نحو: لله علي صيام ثلاثة أيام، والمعلق نحو: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا.
стр. 4227
وسيأتي -إن شاء الله- حكم النذر.
وقد جمع الحافظ -كما فعل بعض المحدثين والفقهاء- بين الأيمان والنذور لأمرين:
١ - تشابههما في المعنى؛ لأن كلًّا منهما يفيد التأكيد والعزم.
٢ - اشتراكهما في بعض الأحكام، ومنها الكفارة (١)، وقد جاء في الحديث: "كفارة النذر كفارة يمين" وسيأتي.
وقد ذكر الحافظ عشرة أحاديث في أحكام الأيمان ثم ساق بعدها ثلاثة عشر حديثًا في أحكام النذر.
стр. 4228
وجوب الحلف بالله والنهي عن الحلف بغيره
١٣٦٩/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ في رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله، أَوْ لِيَصْمُتْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
١٣٧٠/ ٢ - وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إلا بالله، ولا تَحْلِفُوا بِاللهِ إلا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ".
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، بابٌ (لا تحلفوا بآبائكم) (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦)(٣) من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، بابٌ (في كراهية الحلف بالآباء) (٣٢٤٨)، والنسائي (٧/ ٥) من طريق عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، قال: حدثنا عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … وذكر الحديث.
والحديث رجاله ثقات، لكنه أُعل بالإرسال، فقد ذكر الدارقطني أنه رواه عوف الأعرابي، عن ابن سيرين -كما تقدم- وأن غيره يرويه عن
стр. 4229
ابن سيرين مرسلًا، ثم قال: (وهو الصحيح) (١).
ولعل الحافظ ذكر حديث أبي هريرة ﵁ بعد حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه أعم مما قبله.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (في ركب) هم ركاب الإبل، وهو اسم جمع لا مفرد له من لفظه، أو جَمْعٌ مفرده راكب، ويطلق على العشرة فصاعدًا، وقد يطلق على ركاب الخيل.
قوله: (وعمر يحلف بأبيه) أي: يقول: وأبي وأبي على وجه القسم به، والظاهر أن هذا جارٍ على عادة قريش؛ لأنها كانت تحلف بآبائها، كما ثبت في "صحيح مسلم" (٢)، ولذا قال عمر ﵁: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكرًا ولا آثرًا) (٣)؛ أي: حاكيًا عن غيري.
قوله: (ألا إن الله ينهاكم) هذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات وهي: ألا؛ لأنها أداة تنبيه، وإن، واسمية الجملة.
قوله: (أن تحلفوا بآبائكم) جمع أب ويشمل الأب والجد وإن علا، وتخصيص الآباء؛ لأنه سبب الحديث، أو لكونه غالبًا على ألسنتهم لما تقدم من أن قريشًا كانت تحلف بآبائها، فلا يفهم منه جواز الحلف بغير الآباء، لقوله: (فمن كان حالفًا فليحلف بالله).
قوله: (فليحلف بالله) أي: بهذا الاسم أو بغيره من أسماء الله وصفاته، نحو: لا ومقلب القلوب، كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: (أو ليصمت) أي: لا يحلف، لا أنه يلزمه الصمت، وهو بضم الميم -على المشهور- ماضيه صَمَتَ من باب قتل، والقياس الصرفي كسرها؛ لأن قياس فَعَلَ بفتح العين يَفْعِلُ بكسرها، كضرب يضرب.
стр. 4230
قوله: (ولا بالأنداد) جمع ند بكسر النون وهو الشبيه والمثيل، والمراد هنا: الأصنام والأوثان التي جعلوها لله تعالى أمثالًا؛ لأنهم يعبدونها ويحلفون بها.
قوله: (ولا تحلفوا إلا بالله) هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، وفيها معنى التعميم بعد التخصيص.
° الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن الحلف بالآباء، ولا مفهوم له؛ لأن قوله: (فمن كان حالفًا فليحلف بالله) دليل على النهي عن الحلف بغير الله مطلقًا، وفي حديث أبي هريرة ﵁: (ولا تحلفوا إلا بالله).
° الوجه الرابع: الحديث دليل على عناية الإسلام بحماية جانب التوحيد وسَدِّ كل طريق يوصل إلى الشرك، فجاء النهي عن الحلف بغير الله تعالى؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والعظمة إنما هي لله وحده لا شريك له فيها، فإنها إزاره، والكبرياء رداؤه، فلا يُضَاهى بها غيره، ومن حلف بغير الله فقد أشرك الشرك الأصغر، وقد يكون من الأكبر إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في العظمة.
° الوجه الخامس: نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الحلف بغير الله لا يجوز، وقد حكى الإجماع مع ثبوت الخلاف، وكأنه لم يعتبر المخالف؛ لأنه قول شاذ.
وقد ذهبت الحنفية والظاهرية والحنابلة إلى تحريم الحلف بغير الله تعالى لثبوت النهي (١)، وهو للتحريم عند الإطلاق، قال ابن تيمية: (والصحيح أنه نهي تحريم) (٢)، وقد ورد حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر"، وفي رواية: "أشرك"، وفي رواية: "فقد كفر أو أشرك" (٣)، فجعل النبي ﷺ الحلف بغير الله شركًا، فتكون رتبته فوق رتبة الكبائر.
стр. 4231
والحلف بغير الله تعالى قد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم، وقد يكون شركًا أصغر إذا تجرد عن ذلك وجرى على اللسان بلا قصد، وعليه فالحلف بغير الله شرك، ويغلظ الحكم حسب القصد.
وذهب جمهور الشافعية، وهو المشهور عند المالكية إلى أن الحلف بغير الله مكروه (١)، واستدلوا بدليلين:
الأول: ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في قصة الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن شرائع الإسلام، ثم قال: والله لا أزيد ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" (٢).
الثاني: أن الله تعالى قد أقسم في كتابه بالمخلوقات من الليل والنهار والشمس والقمر وغيرها.
وأجاب القائلون بالتحريم عن هذين الدليلين بما يلي:
أما حديث طلحة بن عبيد الله فقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة، أشهرها ثلاثة:
الأول: أن لفظة: (وأبيه) غير محفوظة، وذلك أن الإمام مسلمًا روى هذا الحديث من طريق مالك عن أبي سهيل عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: وذكر الحديث بلفظ: "أفلح إن صدق"، ثم أخرجه من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل به، بلفظ: "أفلح وأبيه إن صدق"، وقد جعل الإمام مسلم الرواية الأولى هي الأصل، وذكر الثانية تحت القِسْمِ الذي
стр. 4232
قال عن رواته: إنهم ليسوا من الموصوفين بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم.
ورواية: "أفلح إن صدق، أرجح لأمور:
١ - أن الإمام مالكًا رأس المتقنين وكبير المتثبتين، ثم هو قد روى الحديث عن عمه أبي سهيل -نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي- وهذا فيه مزيد ضبط ليس في رواية إسماعيل بن جعفر.
٢ - أن إسماعيل بن جعفر مضطرب في روايته، فمرة يقول: "أفلح أن صدق"، ومرة: "أفلح وأبيه إن صدق"، ومرة: "دخل الجنة إن صدق".
٣ - أن الحديث رواه عن مالك عشرة أنفس لم يذكر واحد منهم لفظة: (وأبيه).
٤ - أن البخاري روى الحديث من طريق إسماعيل بن جعفر بمثل لفظ مالك.
٥ - أن رواية مالك لها شواهد عن أنس وابن عباس وعمر ﵃ (١).
الجواب الثاني: أن الحديث منسوخ وأن هذا كان جائزًا في أول الأمر، ثم استقر النهي عن ذلك بحديث ابن عمر ﵄، ويستفاد من السياق أن حديث النهي متأخر؛ لأمور ثلاثة:
الأول: ما ثبت في "صحيح مسلم" (وكانت قريش تحلف بآبائها) فهذا مشعر بأن الحلف بالآباء كان معروفًا عندهم، فدل على أن قوله: (وأبيه) من هذا الباب.
الثاني: قوله: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) فهذا يشعر بحكم متجدد.
الثالث: قول عمر ﵁: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها).
стр. 4233
ورجح هذا الجواب الشيخ عبد العزيز بن باز في "شرحه على البلوغ".
الجواب الثالث: أنها لم تخرج مخرج القسم، بل هي من الكلام الذي يجري على الألسنة بدون قصد، مثل تربت يداه ونحوه، ورجحه النووي (١).
وأما الدليل الثاني للقائلين بالكراهة وهو أن الله أقسم بالمخلوقات فعنه جوابان:
الأول: أن هذا من خصائص الله تعالى، وليس للعبد الاقتداء بالله تعالى؛ فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولو كان ذلك جائزًا ما نهى عنه النبي ﷺ ، قال ميمون بن مهران: (إن الله يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله) (٢).
والقسم بهذه المخلوقات إشارة إلى فضلها ومنفعتها ليعتبر الناس بها.
الثاني: أن ما ورد في القرآن مؤول على حذف مضاف، والتقدير: ورَبِّ الليل ورَبِّ النهار ورَبِّ الشمس، وهذا جواب ضعيف لأمرين:
١ - أن الأصل عدم التقدير.
٢ - أنه إذا حصل تقدير فات المراد من القسم بها والإشارة إلى منفعتها.
° الوجه السادس: الحديث دليل على وجوب الصدق في اليمين وتحريم الكذب فيها؛ لأن الصدق مما أوجبه الله على العباد مطلقًا ولو لم يحلفوا بالله، فكيف إذا حلفوا به؟ والكذب حرام وتتأكد حرمته إذا أقسم عليه، قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤].
° الوجه السابع: تحريم الحلف بالأنداد من الأصنام والأوثان؛ لأن هذا كان موجودًا في الجاهلية فأبطله الإسلام، قال ابن الملقن: (إن قصد بهذا القسم تعظيمًا كفر، وإلا أثم) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال
стр. 4234
رسول الله ﷺ : "من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله … " (١). وإنما أمر أن يقول: لا إله إلا الله؛ لأنه تعاطى صورة تعظيم الصنم، فضاهى الكفار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد. والله تعالى أعلم.
стр. 4235
ما جاء في أن اليمين على نية الطالب لها
١٣٧١/ ٣ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ".
وَفي رِوَايَةٍ: "الْيَمِينُ عَلَى نِيّةِ الْمُسْتَحْلِفِ"، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الأيمان"، باب (يمين الحالف على نية المستحلف) (١٦٥٣) من طريق هُشيم بن بَشير، عن عبد الله بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
ورواه -أيضًا- من طريق هُشيم، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ باللفظ الثاني.
وقد ذكر أبو داود في "سننه" (٣/ ٢٢٤) أنهما شخص واحد، عباد بن أبي صالح، وعبد الله بن أبي صالح، وسبقه إلى هذا ابن معين، ويرى ابن المديني أنهما اثنان (١). وقال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث هشيم ولا أعرف أحدًا رواه غيره) (٢)، ولعل الحافظ ذكر هذه الرواية؛ لأن فيها تفسيرًا للصاحب بأنه المُستحلِف، وهو طالب اليمين، سواء طلبها خصمه أو القاضي.
стр. 4236
° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن اليمين المطلوبة من الحالف يجب أن تكون على نية طالب اليمين، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى غير ما أظهر ولا ينفعه تأويله ولا توريته (١)، وإلا لبطلت الفائدة المرجوة من اليمين، فإن الغرض منها تخويف الحالف ليرتدع عن الإنكار والجحود خوفًا من عاقبة اليمين الكاذبة، ولو ساغ له التأويل انتفى ذلك، ولا فرق في ذلك بين أن يكون طالب اليمين هو القاضي أو من له الحق.
فإذا قال عند القاضي: والله ما له عندي وديعة، وعنى بـ (ما) الذي، لم ينفعه تأويله؛ لأن صاحبه لا يفهم هذا منه، وإنما يفهم النفي.
° الوجه الثالث: الحالف له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون ظالمًا، كالذي يستحلفه القاضي على حق عنده، فهذا تنصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف، ولا ينفع الحالف تأويله، بدليل حديث الباب، قال النووي: (فإذا ادعى رجل على رجل حقًّا، فحلَّفه القاضي، ووَرَّى فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه) (٢). لكن نقل الإجماع فيه تامل؛ لأن في بعض المذاهب بعض الشروط لكي تنفع التورية (٣).
الثانية: أن يكون الحالف مظلومًا، مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صَدَقَه لظلمه في بدنه أو ماله أو عرضه، أو ظلم غيره أو نال مسلمًا منه ضرر، فهذا له أن يؤول كلامه تأويلًا غير المعنى الذي فهمه المستحلف الظالم.
وقد ورد في "صحيح البخاري" في قصة إبراهيم ﵇ مع زوجته أنه قال للجبار الذي سأله من هذه؟ قال: أختي (٤). قصد بذلك أختي في الدين.
стр. 4237
وفيه -أيضًا- في قصة الهجرة أن أبا بكر ﵁ قال عن النبي ﷺ : هذا الرجل يهديني السبيل (١)، فظن المخاطب أنه يعني الطريق، وإنما أراد سبيل الخير.
الثالثة: ألا يكون الحالف ظالمًا ولا مظلومًا، فالأكثرون على جواز التورية في اليمين في هذه الحال، لحديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (٢).
كما استدلوا بأدلة أخرى كلها في غير اليمين.
والقول الثاني: أنه لا يجوز التورية في اليمين في هذه الحال، وهذا رواية عن أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، واستدلوا بحديث الباب.
أما التورية في غير اليمين فله أن يتأول وينفعه التأويل، لئلا يقع في الكذب، وقد فعله السلف، قال ابن سيرين: (الكلام أوسع من أن يكذب ظريف) (٤)، والمعنى أن الظريف وهو الكَيِّسُ الفَطِنُ لا يحتاج للكذب لكثرة المعاريض، كان يطرق الباب طارق فيقول أهله: ليس فلان ها هنا، يريدون مكانًا بعينه؛ لأن ذلك لا يبطل حقًّا ولا يحق باطلًا، أو يقال: أين فلان؟ فيقال: اطلبه في المسجد. والله تعالى أعلم.
стр. 4238
حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه
١٣٧٢/ ٤ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي لَفْظٍ للْبُخَارِيِّ: "فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ".
وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ: "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ".
وَإِسْنَادُها صَحِيحٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: كان اسمه عبد كُلَال فغيره النبي ﷺ ، أسلم يوم الفتح، وكان أحد الأشراف، وشهد غزوة تبوك مع النبي ﷺ ثم شهد فتوح العراق، وتَمَّ فتح سجستان (١) على يديه، وفتح غيرها، روى عنه ابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب وابن سيرين والحسن وآخرون، توفي سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين (٢) ﵁.
стр. 4239
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (٦٦٢٢)، عن محمد بن الفضل، ومسلم (١٦٥٢) عن شيبان بن فروخ، كلاهما عن جرير بن حازم، حدثنا الحسن البصري، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين … " الحديث.
وقد ساق الحافظ القدر اللازم وترك أول الحديث، على أنه ورد في بعض الروايات عدم ذكر الإمارة، كما ذكر الإمام مسلم في "صحيحه".
ورواه البخاري (٦٧٢٢) من طريق ابن عون، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك"، ولعل الحافظ ذكرها؛ لأن فيها تقديم الفعل وتأخير الكفارة، بخلاف الرواية المتقدمة في "الصحيحين" ففيها تقديم الكفارة وتأخير الفعل.
ورواه أبو داود (٣٢٧٨) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن به مرفوعًا باللفظ المذكور.
وهذه الرواية إسنادها صحيح، كما قال الحافظ، وكذا قال ابن عبد الهادي في "المحرر" (١).
وقد روى هذا الحديث عن الحسن جماعة كلهم يروونه بالواو لا بـ (ثم)، وقد رواه عن الحسن قتادة وجرير بن حازم، فأما قتادة فلم يختلف عليه اختلافا ظاهرًا، وأما جرير فقد اختلف عليه.
فرواه أسود بن عامر، وعفان بن مسلم عند أحمد (٣٤/ ٢٣٠) فذكرا (ثم) وخالفهم شيبان بن فروخ، عند مسلم، وحجاج بن المنهال عند البخاري
стр. 4240
(٧١٤٦)، ومحمد بن الفضل عند البخاري -أيضًا، كما تقدم- فلم يذكروا هذا الحرف، وهذا هو الأقرب لأمرين:
١ - أنه موافق لرواية أكثر الرواة عن الحسن.
٢ - أن البخاري رجح الطرق التي ليس فيها هذا الحرف حيث أخرجه عن محمد بن الفضل.
ولعل الحافظ ذكر رواية أبي داود؛ لأنها صريحة في الترتيب حيث جيء بالحرف (ثم) لكن الحديث مداره على الحسن البصري، وقد رواه عنه جماعة كثيرون كلهم يروونه بالواو كما تقدم لا بـ (ثم).
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (وإذا حلفت) الواو عاطفة، والمعطوف عليه أول الحديث كما تقدم، ومناسبة هذه الجملة لما قبلها هو احتمال أن تعرض الإمارة على عبد الرحمن بن سمرة وتتعين عليه؛ لكونه لا يوجد غيره يصلح لها، فيحلف ألا يتولاها، فالحكم أنه يتولاها ويكفر عن يمينه.
قوله: (على يمين) الحلف هو اليمين، تقول: حلف يحلف حلفًا، قال القرطبي: (اليمين هنا: يعني المحلوف عليه، ويجوز أن يقال: إن (على) صلة، وينتصب يمين على أنه مصدر ملاقٍ في المعنى لا في اللفظ) (١) وهذا اللفظ نكرة في سياق الشرط، فيعم كل حلف على يمين كائنًا ما كان الحلف.
قوله: (غيرها) أي: غير المحلوف عليه، وتأنيث الضمير باعتبار لفظ اليمين المقصود منها المحلوف عليه.
قوله: (فكفر عن يمينك) أمر من الفعل كفر بالتشديد، ومعناه: غطَّى، سميت كفارة اليمين بذلك؛ لأنها تغطي الإثم الذي وقع فيه الحالف حيث إنه حنث في يمينه فلم يف بها، والحنث معناه: أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله.