← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن اليمين المطلوبة من الحالف يجب أن تكون على نية طالب اليمين، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى غير ما أظهر ولا ينفعه تأويله ولا توريته (١)، وإلا لبطلت الفائدة المرجوة من اليمين، فإن الغرض منها تخويف الحالف ليرتدع عن الإنكار والجحود خوفًا من عاقبة اليمين الكاذبة، ولو ساغ له التأويل انتفى ذلك، ولا فرق في ذلك بين أن يكون طالب اليمين هو القاضي أو من له الحق. فإذا قال عند القاضي: والله ما له عندي وديعة، وعنى بـ (ما) الذي، لم ينفعه تأويله؛ لأن صاحبه لا يفهم هذا منه، وإنما يفهم النفي. ° الوجه الثالث: الحالف له ثلاث حالات: الأولى: أن يكون ظالمًا، كالذي يستحلفه القاضي على حق عنده، فهذا تنصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف، ولا ينفع الحالف تأويله، بدليل حديث الباب، قال النووي: (فإذا ادعى رجل على رجل حقًّا، فحلَّفه القاضي، ووَرَّى فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه) (٢). لكن نقل الإجماع فيه تامل؛ لأن في بعض المذاهب بعض الشروط لكي تنفع التورية (٣). الثانية: أن يكون الحالف مظلومًا، مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صَدَقَه لظلمه في بدنه أو ماله أو عرضه، أو ظلم غيره أو نال مسلمًا منه ضرر، فهذا له أن يؤول كلامه تأويلًا غير المعنى الذي فهمه المستحلف الظالم. وقد ورد في "صحيح البخاري" في قصة إبراهيم ﵇ مع زوجته أنه قال للجبار الذي سأله من هذه؟ قال: أختي (٤). قصد بذلك أختي في الدين.

стр. 4237

وفيه -أيضًا- في قصة الهجرة أن أبا بكر ﵁ قال عن النبي ﷺ : هذا الرجل يهديني السبيل (١)، فظن المخاطب أنه يعني الطريق، وإنما أراد سبيل الخير. الثالثة: ألا يكون الحالف ظالمًا ولا مظلومًا، فالأكثرون على جواز التورية في اليمين في هذه الحال، لحديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (٢). كما استدلوا بأدلة أخرى كلها في غير اليمين. والقول الثاني: أنه لا يجوز التورية في اليمين في هذه الحال، وهذا رواية عن أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، واستدلوا بحديث الباب. أما التورية في غير اليمين فله أن يتأول وينفعه التأويل، لئلا يقع في الكذب، وقد فعله السلف، قال ابن سيرين: (الكلام أوسع من أن يكذب ظريف) (٤)، والمعنى أن الظريف وهو الكَيِّسُ الفَطِنُ لا يحتاج للكذب لكثرة المعاريض، كان يطرق الباب طارق فيقول أهله: ليس فلان ها هنا، يريدون مكانًا بعينه؛ لأن ذلك لا يبطل حقًّا ولا يحق باطلًا، أو يقال: أين فلان؟ فيقال: اطلبه في المسجد. والله تعالى أعلم.

стр. 4238

حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه ١٣٧٢/ ٤ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وفي لَفْظٍ للْبُخَارِيِّ: "فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ: "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ". وَإِسْنَادُها صَحِيحٌ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: كان اسمه عبد كُلَال فغيره النبي ﷺ ، أسلم يوم الفتح، وكان أحد الأشراف، وشهد غزوة تبوك مع النبي ﷺ ثم شهد فتوح العراق، وتَمَّ فتح سجستان (١) على يديه، وفتح غيرها، روى عنه ابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب وابن سيرين والحسن وآخرون، توفي سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين (٢) ﵁.

стр. 4239

° الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (٦٦٢٢)، عن محمد بن الفضل، ومسلم (١٦٥٢) عن شيبان بن فروخ، كلاهما عن جرير بن حازم، حدثنا الحسن البصري، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين … " الحديث. وقد ساق الحافظ القدر اللازم وترك أول الحديث، على أنه ورد في بعض الروايات عدم ذكر الإمارة، كما ذكر الإمام مسلم في "صحيحه". ورواه البخاري (٦٧٢٢) من طريق ابن عون، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك"، ولعل الحافظ ذكرها؛ لأن فيها تقديم الفعل وتأخير الكفارة، بخلاف الرواية المتقدمة في "الصحيحين" ففيها تقديم الكفارة وتأخير الفعل. ورواه أبو داود (٣٢٧٨) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن به مرفوعًا باللفظ المذكور. وهذه الرواية إسنادها صحيح، كما قال الحافظ، وكذا قال ابن عبد الهادي في "المحرر" (١). وقد روى هذا الحديث عن الحسن جماعة كلهم يروونه بالواو لا بـ (ثم)، وقد رواه عن الحسن قتادة وجرير بن حازم، فأما قتادة فلم يختلف عليه اختلافا ظاهرًا، وأما جرير فقد اختلف عليه. فرواه أسود بن عامر، وعفان بن مسلم عند أحمد (٣٤/ ٢٣٠) فذكرا (ثم) وخالفهم شيبان بن فروخ، عند مسلم، وحجاج بن المنهال عند البخاري

стр. 4240

(٧١٤٦)، ومحمد بن الفضل عند البخاري -أيضًا، كما تقدم- فلم يذكروا هذا الحرف، وهذا هو الأقرب لأمرين: ١ - أنه موافق لرواية أكثر الرواة عن الحسن. ٢ - أن البخاري رجح الطرق التي ليس فيها هذا الحرف حيث أخرجه عن محمد بن الفضل. ولعل الحافظ ذكر رواية أبي داود؛ لأنها صريحة في الترتيب حيث جيء بالحرف (ثم) لكن الحديث مداره على الحسن البصري، وقد رواه عنه جماعة كثيرون كلهم يروونه بالواو كما تقدم لا بـ (ثم). ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (وإذا حلفت) الواو عاطفة، والمعطوف عليه أول الحديث كما تقدم، ومناسبة هذه الجملة لما قبلها هو احتمال أن تعرض الإمارة على عبد الرحمن بن سمرة وتتعين عليه؛ لكونه لا يوجد غيره يصلح لها، فيحلف ألا يتولاها، فالحكم أنه يتولاها ويكفر عن يمينه. قوله: (على يمين) الحلف هو اليمين، تقول: حلف يحلف حلفًا، قال القرطبي: (اليمين هنا: يعني المحلوف عليه، ويجوز أن يقال: إن (على) صلة، وينتصب يمين على أنه مصدر ملاقٍ في المعنى لا في اللفظ) (١) وهذا اللفظ نكرة في سياق الشرط، فيعم كل حلف على يمين كائنًا ما كان الحلف. قوله: (غيرها) أي: غير المحلوف عليه، وتأنيث الضمير باعتبار لفظ اليمين المقصود منها المحلوف عليه. قوله: (فكفر عن يمينك) أمر من الفعل كفر بالتشديد، ومعناه: غطَّى، سميت كفارة اليمين بذلك؛ لأنها تغطي الإثم الذي وقع فيه الحالف حيث إنه حنث في يمينه فلم يف بها، والحنث معناه: أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله.

стр. 4241

قوله: (وائت الذي هو خير) سواء في أمور الدين أو الدنيا. قوله: (وكفر عن يمينك) هذه الرواية معناها تأخير الكفارة إلى بعد الحنث، لكن الواو لا تفيد الترتيب بل هي لمطلق الجمع. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من حلف على فعل شيء أو حلف على ترك شيء وكان الحنث وعدم البر باليمين خيرًا من التمادي على اليمين فإنه يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، وهذا التشريع كما هو أمر النبي ﷺ فهو -أيضًا- فعله، فقد قال ﷺ : "إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" (١). وقد دل على معنى الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] قال ابن كثير: (أي: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، فالاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير) ثم ساق الأحاديث (٢). وهذا من محاسن هذا الدين ويسره ورفع الحرج عن المكلفين، فإن الإنسان قد يغضب فيحلف على فعل شيء أو تركه، ثم يندم ويتمنى أنه لم يحلف. وهذا يختلف باختلاف المحلوف عليه، فقد يكون الحنث واجبًا كان يترتب على اليمين ضرر في النفس أو الأهل أو الغير، وفي هذه الحال يكون الاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لأن يَلَجَّ (٣) أحدكم بيمينه في أهله آَثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه" (٤). قال

стр. 4242

النووي: (ومعنى الحديث: أنه إذا حلف يمينًا تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه ويكون الحنث ليس معصية، فينبغي له أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه، فإن قال: لا أحنث بل أتورع عن ارتكاب الحنث وأخاف الإثم فيه، فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره في عدم الحنث وإدامة الضرر على أهله أكثر إثمًا من الحنث) (١). وقد يكون مستحبًا كأن يحلف ألا يتصدق على هذا الفقير، وقد يكون الحنث حرامًا كأن يحلف على ترك معصية، وقد يكون مباحًا فيخير بين البقاء على يمينه أو الحنث مع التكفير، كان يحلف على ترك مباح، كأكل فاكهة أو رغيف ونحو ذلك، لكن حفظ يمينه في المباح أولى لعموم قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ° الوجه الخامس: اعلم أن الكفارة لها ثلاث حالات: ١ - أن تكون قبل الحلف فهذه لا تجزئ اتفاقًا. ٢ - أن تكون بعد الحلف والحنث فهذه تجزئ اتفاقًا. ٣ - أن تكون بعد الحلف وقبل الحنث، فهذه فيها خلاف على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يجوز تقديمها قبل الحنث، وهذا قال به أربعة عشر صحابيًّا (٢)، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك وأحمد (٣)، لكن قالوا: يستحب تأخيرها عن الحنث، وكأنهم أرادوا الخروج من الخلاف (٤)، واستدلوا بأن الأحاديث جاءت بألفاظ مختلفة -كما تقدم- ومفاد ذلك جواز إخراجها قبل الحنث وبعده. كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] والكفارة قبل الحنث تحلة وبعد الحنث كفارة؛ لأنه إذا أخرج الكفارة قبل

стр. 4243

الحنث انحلت اليمين، فإذا بقيت اليمين وحنث فيها احتاج لمحو الإثم بالكفارة. القول الثاني: أنه إن كفَّر بالصيام لم يجز إخراج الكفارة قبل الحنث؛ لأن الصوم عبادة بدنية، فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها لغير حاجة كصيام رمضان، وإن كفر بغيره كالإطعام جاز إخراج الكفارة قبل الحنث قياسًا على تعجيل الزكاة، وهذا قول الشافعي، وحكي رواية عن أحمد، كما ذكر الحافظ ابن رجب (١). وهذا قول مرجوح؛ لأن فيه تفريقًا بين ما جمعه النص؛ ولأن الصيام نوع تكفير فجاز قبل الحنث كالتكفير بالمال. القول الثالث: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولو فعل فعليه أن يكفر مرة أخرى، وهذا قول الحنفية، ورواية عن مالك (٢). واستدلوا بقوله: (فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) قالوا: ففيه تقديم الحنث قبل الكفارة، وهذه صيغة أمر، والأمر يقتضي الوجوب. وأجيب عن ذلك بأن الحديث لا يمنع من تقديم الكفارة على الحنث بدليل الروايات الأخرى. والراجح هو القول الأول، وهو جواز تقديم الكفارة قبل الحنث. والله تعالى أعلم.

стр. 4244

حكم الاستثناء في اليمين ١٣٧٣/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَال: إنْ شَاء اللهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٨/ ١٠٣، ١٨٧)، وأبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (الاستثناء في اليمين) (٣٢٦١) (٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي (٧/ ١٢، ٢٥)، وابن ماجه (٢١٠٥)، وابن حبان (١٠/ ١٨٢) كلهم من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: … فذكره. وهذا لفظ الترمذي. قال الترمذي: (حديث ابن عمر حديث حسن، وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وهكذا روي عن سالم، عن ابن عمر ﵄ موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه). والمستفاد من كلام أهل العلم أن آخر الأمرين من أيوب وَقْفُهُ، وقد جاء هذا صريحًا في رواية حماد بن زيد، عن أيوب، كما عند البيهقي (١٠/ ٤٢) قال حماد: (كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه)، قال البيهقي: (لعله إنما تركه لشك اعتراه في رفعه) وقال: (لا يكاد يصح رفعه إلا من جهة أيوب السختياني، وأيوب يشك فيه أيضًا).

стр. 4245

وهذا الحديث مروي عن ابن عمر ﵄ من طريق نافعٍ مولاه، ومن طريق سالمٍ ابنه، فأما سالم فرواه عن أبيه موقوفًا، كما ذكر الترمذي في "جامعه" وليس فيه اختلاف، وهذا الموقوف رواه الطحاوي في "شرح المشكل" (٥/ ١٨١)، والدارقطني (٤/ ١٦٢)، والبيهقي (١٠/ ٤٧) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن سالم، عن أبيه قال: (كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإن كان غير موصول فهو حنث) وهذا لفظ البيهقي. وعبد الرحمن بن أبي الزناد متكلم فيه، فوثقه الترمذي ومالك والعجلي، وقال يعقوب بن شيبة: (ثقة صدوق وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدثه بالعراق فهو مضطرب)، وضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد). وأما نافع فقد اختلف عليه في رفعه ووقفه، فرواه الإمام مالك وأسامة بن زيد عنه موقوفًا، ورواه كثير بن فرقد وأيوب بن موسى عنه مرفوعًا، ورواه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وحسان بن عطية وعبد الله بن عمر وموسى بن عقبة مرفوعًا وموقوفًا. والراجح رواية الوقف لأمرين: الأول: أن الأثبات من أصحاب نافع وقفوه، ومنهم عبيد الله بن عمر الذي هو من أثبت الناس في نافع، رواه عبد الرزاق (٨/ ٥١٢) عن ابن جريج، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: (من حلف فقال: والله إن شاء الله، فليس عليه كفارة)، ثم سمعه عبد الرزاق عن عبيد الله، وقد نص الترمذي على رواية عبيد الله هذه كما تقدم، وقد روي رفعه عن عبيد الله لكنه غير محفوظ، فقد روى أبو معاوية محمد بن خازم وأبو خالد الأحمر رفعه عن عبيد الله ولكن روايتهما معلولة؛ لأن العلماء تكلموا في رواية أبي معاوية عن عبيد الله،

стр. 4246

وأبو خالد متكلم فيه من جهة حفظه، ولذا قال ابن معين: (صدوق وليس بحجة)، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ). ورواه مالك (٢/ ٣٨٠) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٤٦) عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وليس هناك اختلاف على مالك في وقفه، كما رواه أسامة بن زيد، عن نافع موقوفًا، وليس عليه اختلاف في وقفه، قال البيهقي: (رواية الجماعة من أوجه صحيحة عن نافع، عن ابن عمر ﵄ من قوله غير مرفوع، والله أعلم) (١). الثاني: أن رواية الوقف موافقة لرواية سالم عن أبيه التي لم يختلف فيها. ومع ترجيح وقفه فقد يقال: إنه مما ليس للرأي فيه مجال، فيعطى حكم الرفع (٢)؛ ولأن له شاهدًا في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة سليمان ﵇ وفيه: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ : لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته" (٣). قال الترمذي عن حديث الباب: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين فلا حنث عليه). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من حلف علي يمين) أي: أمر محلوف عليه، فهو من تسمية اسم المفعول باسم المصدر، كما تقدم. قوله: (فقال: إن شاء الله) هذا استثناء بالمعنى اللغوي، وهو تعليق اليمين ونحوها بقوله: إن شاء الله، ووجه كونه استثناء بالمعنى اللغوي أن

стр. 4247

الاستثناء في اللغة معناه الكف والرد، والحالف إذا قال: والله لا أفعل كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره (١). وأما الاستثناء الاصطلاحي عند النحاة بأحد أحرف الاستثناء مثل إلا وأخواتها فليس مرادًا هنا. قوله: (فلا حنث عليه) بكسر الحاء مصدر حَنِثَ بكسر النون من باب عَلِمَ يَحْنَثُ حِنْثًا، والحنث يطلق على التجبد، وعلى الإثم، والمعصية، وعلى الخُلف في اليمين بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من حلف على أمر وقال: إن شاء الله، متصلًا باليمين أنه يصح استثناؤه ولا يلزم الوفاء بها، فإذا فعل ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة؛ لأن اليمين لا تنعقد مع وجود الاستثناء، وهذا حكم مجمع عليه، نقل الإجماع الخطابي وابن عبد البر وابن رشد وآخرون، قال ابن عبد البر: (أجمع العلماء على أن الحالف إذا وصل يمينه بالله بالاستثناء وقال: إن شاء الله، فقد ارتفع الحنث عنه، ولا كفارة عليه إن حنث) (٢). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه يشترط النطق بالاستثناء بأن يقول: إن شاء الله، فإن لم ينطق واستثنى بقلبه لم ينفع، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، لقوله في الحديث: (فقال: إن شاء الله) فخصه بالقول؛ ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، فكذا الاستثناء، ولعموم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تكلم) (٣). وروي عن الإمام أحمد أن من كان مظلومًا فاستثنى في نفسه، قال أحمد: رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه. قال الموفق ابن قدامة: (فهذا في حق الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأول، وأما في حق غيره فلا) (٤)، وعزا ابن حزم

стр. 4248

جواز الاستثناء في النفس بدون نطق إلى قوم، ولم يسمهم (١)، ويمكن حمل كلامه على ما جاء عن الإمام أحمد. ° الوجه الخامس: الجمهور من أهل العلم على اشتراط اتصال الاستثناء باليمين حقيقة أو حكمًا، والاتصال الحقيقي: أن يذكر الاستثناء عقب اليمين بلا فاصل، والاتصال الحكمي: أن يفصل بينهما فاصل اضطراري كسعال وعطاس ونحوهما، واستدلوا بحديث الباب؛ فإن قوله: (فقال) يقتضي كون الاستثناء بعد اليمين مباشرة؛ لأن الفاء للترتيب باتصال؛ ولأن الاستثناء من تمام الكلام، فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوابه وخبر المبتدأ ونحو ذلك. وقد جاء ذكر الاتصال في بعض روايات الحديث كما تقدم، والمشهور من الروايات خلوها من هذا القيد. والقول الثاني: أنه لا يشترط الاتصال، بل له أن يستثني إذا لم يطل الفصل، وهذا قول طاووس والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، قال أحمد في رواية أبي طالب: (إذا حلف بالله، وسكت قليلًا، ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه؛ لأنه يكفر) (٢). واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "والله لأغزون قريشًا"، وفي بعض الروايات: ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله" (٣). كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات … لا يختلى خلاه … "، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لقيننا وبيوتنا، فقال النبي ﷺ : "إلا الإذخر" (٤). فلم يتصل الاستثناء لوجود الفاصل بكلام العباس ﵁.

стр. 4249

والقول الثالث: أن له أن يستثني ولو بعد مدة، وعلى هذا يجوز الانفصال، ولا يشترط الاتصال، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير، فقد روى الطحاوي من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس في حديث أصحاب الكهف ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قال ابن عباس: إذا قلت شيئًا فلم تقل: إن شاء الله، فقل: إذا ذكرت إن شاء الله (١). وفي المسألة أقوال أخرى وتقديرات لا دليل عليها؛ لأن التقدير بابه التوقيف، فلا يصار إليه بالتحكم (٢). والأظهر -والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو أنه لا بد من الاتصال، لكن إن حصل فاصل يسير من سكوت أو كلام فإنه لا يؤثر في صحة الاستثناء ما دام الكلام واحدًا، لما تقدم في حديث ابن عباس ﵄ (٣). وأما ما روي عن ابن عباس من جوازه إلى مدة فعنه جوابان: الأول: أنه ورد بأسانيد فيها مقال؛ لأنه لو ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ لم يحنث أحد في يمينه ولم تلزمه كفارة، فكل من حلف وأراد الحنث استثنى. الثاني: على فرض ثبوته عنه فإن مراده أن المتكلم إذا نسي أن يقول عند كلامه أو مع يمينه: إن شاء الله وذكر بعد مدة، أنه يقول ذلك تبركًا؛ ليكون آتيًا بسنة الاستثناء الوارد في الآية، لا أنه يرفع الحنث ويسقط الكفارة، ذكر ذلك ابن جرير وغيره، قال ابن كثير: (وما قاله ابن جرير هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم) (٤).

стр. 4250

وعلى هذا فلا يكون كلام ابن عباس ﵄ فيما نحن فيه؛ لأن الاستثناء صار للتبرك، وليس لرفع الحنث، وإنما كان قصد التبرك لا يفيد الاستثناء؛ لأنه يزيد اليمين قوة وتأكيدًا. ويستفاد مما تقدم أن شروط صحة الاستثناء اثنان: ١ - أن يكون الاستثناء كلامًا. ٢ - أن يكون متصلًا مع ملاحظة ما تقدم. ° الوجه السادس: لا خلاف بين العلماء في أن الاستثناء جائز في اليمين بالله تعالى (١)، كان يقول: والله لأزورنك هذا اليوم إن شاء الله، فلو لم تحصل الزيارة لم يلزمه شيء. وأما الاستثناء في الظهار فالجمهور على صحة الاستثناء فيه، قال الإمام أحمد: إذا قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه إن شاء الله، فليس عليه شيء هي يمين، ودليل هؤلاء أن الظهار يمين مكفرة، فصح الاستثناء فيها كاليمين بالله تعالى (٢). وقال الإمام مالك وأصحابه: لا يؤثر الاستثناء إلا في اليمين المكفرة، وهي عندهم اليمين بالله تعالى أو النذر المطلق، وعلى هذا فلا يصح عندهم الاستثناء في الظهار ولا ينفع، وهو قول الأوزاعي أيضًا (٣). واختلف العلماء في صحة الاستثناء في الطلاق والعتاق على قولين: فالقول الأول: أنه يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، أو قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، لم يقع شيء من ذلك، وكذا لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو قال لعبده: إن ذهبت إلى زيد فأنت حر إن شاء الله، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد ما يدل عليه، وهو قول

стр. 4251

إسحاق بن راهويه، وابن المنذر والظاهرية وجماعة من السلف كطاوس وابنه وعطاء ومجاهد والزهري وآخرين (١)، ودليل هؤلاء إجراء الطلاق والعتاق مجرى اليمين، فعمدتهم الأحاديث الدالة على صحة الاستثناء في اليمين، وقد استدلوا بأحاديث فيها النص على الطلاق والعتاق، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة (٢). والقول الثاني: أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق، وهذا قول مالك، ونص عليه الإمام أحمد في رواية جماعة، وقال به جماعة من السلف كالحسن وسعيد بن المسيب والليث وغيرهم (٣)، ودليلهم منع إجراء الطلاق والعتاق مجرى اليمين في مسألة الاستثناء؛ لأن الحديث إنما تناول الأيمان وما ذكر ليس بيمين، وإنما هو تعليق على شرط. قالوا: ولأنه أوقع الطلاق والعتاق في محل قابل فوقع، كما لو لم يستثنِ. وقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على هذا ففي "مسائل ابنه صالح": (سئل أبي وأنا شاهد عن رجل طلق امرأته واستثنى؟ فقال: سل غيري، فقيل له: لم لا تقول فيها؟ قال: إن الطلاق لا كفارة له، وليس هو بمنزلة اليمين؛ لأن اليمين يكفر، والطلاق لا كفارة له) (٤). وفي "مسائل الكوسج": (قلت له: الاستثناء في الطلاق؟ قال: أقف عنده، والغالب على أنها تطلق، وكذلك العتاق، وذلك أن الطلاق ليس هو يمين يكون فيه استثناء … ) (٥). قال الموفق عن الاستثناء في الطلاق والعتاق: (توقف أحمد في الجواب، لاختلاف الناس فيها، وتعارض الأدلة، وفي موضع آخر قطع أنه لا ينفعه الاستثناء فيهما) (٦). والخلاف في هذه المسألة مبني على مسألة قبلها، وهي هل يجوز

стр. 4252

الحلف بالظهار والطلاق والعتاق أو لا؟ والحلف بالطلاق والعتاق هو تعليقهما على شيء، وأُطلق عليه الحلف؛ لمشابهته اليمين في اقتضاء الحث والمنع. والخلاف كما ترى قوي، حتى إن الإمام أحمد ورد عنه التوقف، ويظهر لي وجاهة القول الثاني لما تقدم، هذا من الناحية العلمية، أما من الناحية التطبيقية فمرجع إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه إلى القاضي فله أن يجتهد ويختار أحد القولين. والله تعالى أعلم.

стр. 4253

ما جاء في يمين النبي ﷺ - ١٣٧٤/ ٦ - وَعَنْهُ ﵄ قَال: كَانَتْ يَمِينُ النَّبيِّ ﷺ : "لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (كيف كانت يمين النبي ﷺ ؟) (٦٦٢٨) من طريق سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر ﵄. ورواه في كتاب "القدر" (٦٦١٧) من طريق عبد الله بن الفضل، أخبرنا موسى بن عقبة به، ولفظه: (كثيرًا ما كان النبي ﷺ يحلف: لا ومقلب القلوب). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا) فيه حذف نحو: لا أفعل أو لا أترك ونحو ذلك. قوله: (ومقلب القلوب) الواو حرف قسم وجر، ومقلب القلوب اسم مقسم به مجرور، وهو بصيغة اسم الفاعل، والمراد بتقليب القلوب: تقليب أحوالها وصرفها من رأي إلى رأي آخر، وخص القلب بذلك؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد، كما ثبت في "الصحيحين" (١). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن اليمين لا تتعين بلفظ معين مثل:

стр. 4254

والله، بل تجوز في كل اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، قال الحافظ ابن حجر: (فيه جواز تسمية الله تعالى بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق) (١). وقد ساق البخاري تحت الترجمة المذكورة عدة أحاديث، وجملة ما ورد فيها أربعة ألفاظ: ١ - والذي نفسي بيده، أو نفس محمد بيده. ٢ - لا ومقلب القلوب. ٣ - والله. ٤ - ورب الكعبة. واعلم أن أسماء الله تعالى باعتبار الحلف بها ثلاثة أقسام: ١ - ما كان مختصًّا بالله تعالى لا يسمى به غيره، مثل: الله، والرحمن، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، فهذا قَسَمٌ صريح تنعقد به اليمين، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٢). ٢ - ما يطلق على الله تعالى وعلى غيره، ويغلب إطلاقه على الله ، مثل: الجبار، والرزاق، والمالك ونحو ذلك، فهذا تنعقد به اليمين؛ لأن هذا الاسم إذا أطلق ينصرف إلى الله تعالى، فإن قصد به غير الله تعالى لم يكن يمينًا؛ لأنه يطلق على غيره، وهذا على القول الراجح. ٣ - ما يطلق على الله تعالى وعلى غيره، ولا يغلب إطلاقه على الله تعالى، مثل: الحي، والعزيز، والكريم، والمؤمن ونحو ذلك، فإن نوى غير الله تعالى فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى أو أطلق انعقد على القول الراجح؛ لأن الأصل أن المسلم لا يحلف إلا بالله ، قال ابن حزم: (اليمين محمولة على لغة الحالف وعلى نيته) (٣)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأحكام

стр. 4255

تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ (١). وأما القسم بصفات الله تعالى فالجمهور على جواز الإقسام بصفات الله تعالى، سواء أكانت صفة ذاتية -وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة، ومنها الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين- أم كانت صفة فعلية، وهي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا. ومن الأدلة على ذلك حديث الباب، ويرى الشيخ محمد بن عثيمين أنه لا يقسم بالصفات الخبرية كاليد والأصبع، إلا الوجه فيقسم به؛ لأنه يعبر به عن الذات (٢). ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن الله تعالى هو الذي يتولى قلوب العباد فيصرفها كيف شاء، وهذا من كمال قدرته وتمام ملكه وتدبيره، وبهذا يُعلم مدى حاجة العبد إلى ربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين، إذ لا بد له من هدايته إلى الصراط المستقيم وتوفيقه لما ينفعه في معاشه ومعاده، وإلا ضل وخسر، وهذا لا ينافي أن العباد مكلفون بأعمال يترتب عليها الجزاء يوم المعاد. فينبغي للعبد أن يسأل ربه دائمًا أن يثبته وأن يُصَرِّفَ قلبه على طاعته، قال القرطبي: (إن أحوال القلوب منتقلة غير ثابتة ولا دائمة، فحق العاقل أن يحذر على قَلْبِهِ من قَلْبِهِ، ويفزع إلى ربه في حفظه) (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك" (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4256

ما جاء في اليمين الغموس ١٣٧٥/ ٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَال: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، مَا الْكَبَائِرُ؟ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "الْيَمِينُ الْغَمُوسُ". قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَال: "الَّذي يَقْتَطِعُ بها مَال امْرِيءٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ"، أَخْرَجَهُ البخاري. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "استتابة المرتدين"، باب (إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة) (٦٩٢٠) من طريق عبيد الله بن موسى، أخبرنا شيبان، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس … " الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ما الكبائر؟) هذا يشعر بأنه كان معلومًا عند السائل أن في المعاصي كبائر وغيرها، والكبائر: جمع كبيرة، وفي تعريفها عدة أقوال، ومن أحسنها تعريف القرطبي: (أن كل ذنب أَطلق الشرع عليه أنه كبير، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدة العقاب عليه، أو علق عليه حدًّا، أو شدد النكير عليه وغلَّظه وشهد بذلك كتاب أو سنة أو إجماع فهو كبيرة) (١).

стр. 4257

قوله: (اليمين الغموس) بفتح الغين على وزن صيغة المبالغة (فعول) بمعنى فاعل، وهي اليمين التي يتعمد صاحبها فيها الكذب بأن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب فيه، وقد جاء تفسيرها في الحديث بأنها اليمين التي يحلفها كاذبًا عامدًا؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، فظاهر ذلك أنها لا تكون غموسًا إلا إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم، لا أن كل محلوف عليه كذبًا يكون غموسًا، وإنما هي يمين فاجرة، على أن من أهل العلم -كابن عبد البر- من يرى أن اليمين الغموس على المعنى الأول (١). سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في نار جهنم والعياذ بالله، واليمين الغموس فيها عدة مفاسد: ١ - الكذب. ٢ - اقتطاع مال المسلم. ٣ - الاستهانة باليمين. ٤ - التعود على المكر والخديعة وتضليل القاضي. قوله: (قلت: وما اليمين الغموس) القائل: هو فراس بن يحيى المُكْتِبِ الراوي عن الشعبي، بدليل رواية ابن حبان: (قلت لعامر: ما اليمين الغموس) (٢)، وعامر هو الشعبي، فيكون التفسير من كلام الشعبي (٣). قوله: (يقتطع) أي: يأخذ، وهو يفتعل من القطع، كأنه قطع هذا الجزء من المال من صاحبه، وهو أبلغ من الأخذ. قوله: (هو فيها كاذب) أي: كاذب في يمينه، وهذا قيد يخرج الجاهل؛ لأن الإثم والجزاء لا يستحقهما إلا العامد. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة التي يقتطع بها حق غيره، وأنها من الكبائر التي يفسق بها صاحبها

стр. 4258

وتعرضه لغضب الله تعالى وعقابه؛ لما فيها من المفاسد العظيمة. وقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] " (١). ° الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن اليمين الغموس لا كفارة فيها، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه (٢)؛ لأنها من الكبائر، فهي أعظم من أن تكفر، ولكن تمحى بالتوبة الصحيحة، ولا يقال: إن الكبائر فيها كفارة كالجماع في نهار رمضان؛ لأن كفارة الجماع مغلظة، ولو أثبتنا الكفارة في اليمين الغموس لكنا حططناها عن رتبة الكبائر؛ لأن كفارتها مخففة؛ ولأن الوطء في رمضان محرم لعارض، وإلا فالأصل الإباحة، بخلاف اليمين الغموس فهي غير مباحة بحال. كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة، وهي التي قصد عقدها على أمر مستقبل ممكن بحيث يمكن فيها البر أو الحنث، واليمين الغموس غير منعقدة؛ لأنه لا يمكن فيها البر أو الحنث. والقول الثاني: أن اليمين الغموس فيها كفارة، وهذا قول الشافعي ورواية عن أحمد، وهو قول الأوزاعي وابن حزم وعطاء والحكم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ قالوا: واليمين الغموس يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى؛ ولأنه كلما عظم الذنب كان صاحبه أحوج إلى الكفارة (٣).

стр. 4259

وقول الجمهور أرجح لقوة أدلتهم؛ لأن اليمين الغموس صاحبها آثم باتفاق المسلمين، ولا سيما إذا كان مقصوده أن يظلم غيره كما قال النبي ﷺ : "من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان"، ثم إن القول بالكفارة يفضي إلى تساهل الناس بها لخفة كفارتها. يقول ابن القيم: (وما كان من المعاصي محرم الجنس كالظلم والفواحش، فإن الشارع لم يشرع له كفارة، ولهذا لا كفارة في الزنا ولا شرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة، وطرد هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس … وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبها، بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي، وإنما عملها فيما كان مباحًا في الأصل وحرم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4260

ما جاء في لغو اليمين ١٣٧٦/ ٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قَالتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا. * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾) (٦٦٦٣) من طريق يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قال: قالت: أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله. ورواه أبو داود (٣٢٥٤) من طريق حسان بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء في اللغو في اليمين قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: "هو كلام الرجل في بيته، كلا والله، وبلى والله". وهذا الإسناد تكلم العلماء في بعض رجاله، فحسان بن إبراهيم وثقه أحمد، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وفي رواية عنه: (ثقة)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن عدي: (قد حدث بأفراد كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق، إلا أنه يغلط في الشيء ولا يتعمد) (١).

стр. 4261

وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ). وأما إبراهيم بن ميمون الصائغ فقد قال عنه أحمد: (ما أقرب حديثه!) وقال ابن معين: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق). ثم إن هذا الحديث أُعِلَّ بالوقف، قال أبو داود: (روى هذا الحديث داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة، وكذلك رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول، وكلهم عن عطاء عن عائشة موقوفًا). وصحح الدارقطني وقفه (٢). ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على تفسير لغو اليمين وأنها اليمين التي تجري على لسان المتكلم بلا قصد، وإنما تترد على ألسنة الناس أثناء المحادثة، كقول الرجل في عرض كلامه: لا والله، وبلى والله، فيسبق إلى لسانه لفظ اليمين بلا قصد، وهذا تفسير عائشة ﵂ وهو أحد القولين عن ابن عباس ﵄، وهو قول الشافعية، وجزم به المجد ابن تيمية (٣)، وقال ابن كثير: (والصحيح أنه اليمين من غير قصد) (٤). وذكر ابن عبد البر أنه قول أكثر العلماء (٥). ورجحه الشوكاني (٦). واللغو: في الأصل ما لا يعتد به من الكلام، والمراد به في الأيمان ما يورد من غير روية، فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير (٧). والقول الثاني: أن لغو اليمين ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، وكذا اليمين التي يحلفها على الشيء يظن صدق نفسه فينكشف خلافه، وقد عزا ابن عبد البر المعنى الثاني إلى جماعة من السلف، وقد روي ذلك عن أبي هريرة ﵁، وهو أحد قولي ابن عباس ﵄.

стр. 4262

والقول بالجمع بينهما هو مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (١). والظاهر -والله أعلم- أن لغو اليمين كما فسرته عائشة ﵂؛ لأنها شاهدت التنزيل، وهي عارفة بلغة العرب، فتفسيرها مقدم على تفسير غيرها، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: بما صمَّمتم عليه من الأيمان وقصدتموها (٢). فهذا يدل على أن اللغو هي اليمين من غير قصد. وأما الصورة الثانية ففيها نظر، والصحيح أنها ليست بلغو؛ لأن الحالف قد قصد اليمين، لكن لا حنث فيها ولا كفارة؛ لأن الحالف بارٌّ بيمينه؛ لأنه حلف على شيء يعتقد صدقه فيه، ويمكن أن تسمى: يمين لغو باعتبار عدم الكفارة (٣). وقد دل القرآن -كما تقدم- على أن لغو اليمين لا مؤاخذة فيه ولا كفارة، وهذا من رحمة الله تعالى بالعباد ولطفه بهم حيث لم يؤاخذهم إلا بما انعقدت عليه قلوبهم، ولا خلاف بين أهل العلم في أن لغو اليمين لا كفارة فيها (٤)، وإنما الخلاف في المراد من لغو اليمين، وفي تفسيرها أقوال أخرى لبعض السلف (٥). والله تعالى أعلم.

стр. 4263

ما جاء في أسماء الله الحسنى ١٣٧٧/ ٩ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَسَاقَ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَن سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشروط"، باب (ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيا في الإقرار … وإذا قال: مائة إلا واحدة أو ثنتين) (٢٧٣٦) وفي "التوحيد" (٧٣٩٢) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، ورواه مسلم (٢٦٧٧) (٦) عن أبي اليمان، عن أيوب، عن ابن سيرين، كلاهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائةً إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة". ورواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧) (٥) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد بلفظ: "لله تسعة وتسعون اسمًا -مائة إلا واحدة- لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "لله تسعة وتسعون اسمًا من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر". ورواه الترمذي (٣٥٠٧)، وابن حبان (٣/ ٨٨) من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا

стр. 4264

مائة غير واحدة من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم … " الحديث. قال الترمذي: (هذا حديث غريب … وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث). فهذا الحديث بسرد الأسماء ضعفه الأئمة؛ لتفرد من لا يقبل تفرده، واضطرابه، واحتمال الإدراج، فإن روايات ذكر الأسماء مخالفة لرواية الأثبات عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ بدون ذكرها، ومما يؤيد ذلك اختلاف الروايات في الأسماء وفي ترتيبها، فإنها لم تتفق على نسق واحد مما يؤكد أن ذكر الأسماء ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من الموصول المدرج في الحديث (١)، وكان بعض الرواة جمعها من الآيات والأحاديث، وأنت إذا تتبعت القرآن والسنة وجدت أسماء زائدة على هذا العدد. ولعل الحكمة -والله أعلم- في عدم تعيينها أن يعني بها المؤمن وأن يتتبعها ويتدبرها ويعقل معانيها، بخلاف ما لو ذكرت محصورة فقد يقتصر عليها، وبهذا يعلم الجواب عن سؤال قد يرد، وهو كيف يتم حفظها ولم يأت بعددها حديث صحيح؟ قال البيهقي: (يحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا ترك البخاري إخراج حديث الوليد في الصحيح) (٢). وقال ابن كثير: (الذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم،

стр. 4265

وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير وأحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك؛ أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما ورفى عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي) (١). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) هذا لا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسمًا … أو نحو ذلك، وإنما معنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فجملة (من أحصاها دخل الجنة) صفة مكملة لما قبلها وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة (٢). ومما يؤيد ذلك حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أصاب عبدًا هَمٌّ ولا حُزْنٌ فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وفيه: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك … " الحديث (٣). وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحد حصره ولا الإحاطة به. قوله: (من أحصاها) اختلف العلماء في تفسير ذلك على أقوال كثيرة، فقيل معناها: من حَفِظَها، وقد جاء هذا المعنى في بعض الروايات: (لا

стр. 4266

يحفظها أحد إلا دخل الجنة)، قال النووي: (هكذا فسره البخاري، والأكثرون) (١)، وقيل: المراد معرفة معانيها والإيمان بها، وقيل: المراد من أطاقها بحسن الرعاية لها وتخلق بما يمكنه العمل بمعانيها، فإذا قال: (الرزاق) وثق بالرزق ونحو ذلك. والأقرب -والله أعلم- أن المراد بإحصائها: حفظها لفظًا وفهمها وتدبرها معنى، وتمام ذلك أن يتعبد لله تعالى بمقتضاها، وَيتِمُّ بأمرين: الأول: أن يدعو الله تعالى ويثني عليه بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيختار منها الاسم المناسب لمطلوبه. والثاني: أن يتعرض في عبادته وأحواله لما تقتضيه هذه الأسماء، فما فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد يقف فيه عند الخشية والرهبة، وما كان يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم يدرب العبد نفسه على الاتصاف بها، وما كان يختص به كالجبار والعظيم فعلى العبد الإقرار (٢). * الوجه الثالث: وجه إيراد هذا الحديث في كتاب "الأيمان" لبيان أن الحلف إنما يكون بأسماء الله تعالى الحسنى وكذا صفاته العلى، كما تقدم، والحلف بها داخل في معنى إحصائها، كما تقدم. والله تعالى أعلم.

стр. 4267

ما جاء في الدعاء لصاحب المعروف ١٣٧٨/ ١٠ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيهِ مَعْرُوفٌ فَقَال لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا فَقدْ أَبْلَغَ في الثَّنَاءِ"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. * الكلام عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء في النفقة بالمعروف) (٢٠٣٥)، وابن حبان (٨/ ٢٠٢) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا الأحوص بن جوَّاب، عن سُعير بن الخِمْس قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد ﵄ مرفوعًا. قال الترمذي: (هذا حديث حسن جيد (١) غريب)، وفي "تحفة الأشراف": (حسن صحيح غريب)، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" (٢). وقال أبو حاتم: (هذا حديث عندي موضوع بهذا الإسناد) (٣) وفي موضع آخر قال: (هذا حديث منكر بهذا الإسناد) (٤)، وقال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هذا منكر، وسُعير بن الخِمْسِ كان قليل الحديث، ويروون عنه المناكير) (٥)، وقال البزار: (هذا الحديث لا نعلم رواه

стр. 4268

عن سليمان التيمي إلا سُعير، ولا عن سُعير إلا الأحوص بن جَوَّاب) (١). * الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث على استحباب مكافاة من أسدى إليك معروفًا وأن من كافأ صانع المعروف بالدعاء له أن يجزيه الله خيرًا فإنه لا يعتبر مقصرًا في مكافأته، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى. ولم تتضح لي مناسبة هذا الحديث لكتاب (الأيمان) وإنما محله كتاب "الجامع"، والله أعلم.

стр. 4269

ما جاء في النهي عن الندر ١٣٧٩/ ١١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهى عَنِ النَّذْرِ وَقَال: "إِنَّهُ لَا يَأتِي بِخَيرٍ، وَإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (إلقاء العبدِ النذرَ إلى القدر) (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩) (٤) من طريق منصور بن عبد الله، عن عبد الله بن مرة، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: … فذكره، وهذا لفظ مسلم. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (نهى) النهي: طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء. قوله: (عن النذر) تقدم أن النذر التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا، فالمنجز نحو: لله علي أن أتصدق بكذا، والمعلق: إن شفى الله مريضي فللَّه علي أن أتصدق بكذا. وليس للنذر صيغة معينة، بل كل ما دل على الالتزام فهو نذر، مثل: لله عليَّ كذا، أو: إن قدم غائبي فللَّه عليَّ كذا، والغالب استعمال لفظة: (عليَّ) الدالة على الإيجاب. وهذا النهي معناه: الزجر عن النذر حتى لا يفعل، بدليل حديث أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر

стр. 4270

شيئًا … " الحديث (١)، وبدليل قول ابن عمر ﵄ -وهو الراوي للحديث-: أَوَ لَمْ يُنهوا عن النذر، إن رسول الله ﷺ قال: "إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر … " الحديث (٢). وذكر ابن الأثير وجماعة أنه ليس نهيًا وإنما هو تأكيد لأمر النذر وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر لم يؤمر بالوفاء به؛ لأنه بالنهي يصير معصية، فكيف يؤمر بالوفاء بالمعصية؟! قالوا: وإنما جاء الحديث بصيغة النهي خشية أن يظن بعض الجهلة أن النذر يغير القدر، فكأنه قال: إذا اعتقدتم ذلك فلا تنذروا (٣). وهذا قول ضعيف لا يساعد عليه لفظ الحديث، وحديث أبي هريرة ﵁ صريح في المعنى الأول، إضافة إلى فهم ابن عمر ﵄ (٤). قوله: (إنه لا يأتي بخير) جملة تعليلية، ولها معنيان: الأول: أن النذر لا يأتي بخير إن لم يكن قدره الله تعالى، ويؤيد هذا المعنى رواية في حديث أبي هريرة ﵁: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له"، فالناذر قد يظن أنه إذا قال: إن شفى الله مريضي فللَّه علي كذا، يظن أن النذر له أثر في حصول غرضه إن حصل، مع أن ذلك بقدر الله وقضائه نذر أو لم ينذر. المعنى الثاني: أن معناها أن عقبى النذر لا تحمد فلا يأتي بخير: ١ - لأن الناذر إذا نذر قربة صارت لازمة بالنذر، فيؤديها وهو مستثقل لها، وقد يعجز عنها، مع أنه كان في عافية وسعة قبل أن ينذر. ٢ - أن فيه إرادة المعاوضة مع الله وأن حصول مطلوبه لأجل النذر؛ لأن الناذر لم يمحض نيته للتقرب إلى الله تعالى. ولا مانع من اعتبار المعنيين لوجودهما في النذر.

стр. 4271

قوله: (وإنما يستخرج به من البخيل) أي: لأن البخيل لا يؤدي طاعة من صدقة أو صيام إلا في عوضٍ ومقابلٍ يُستوفى أولًا، فإن لم يحصل له غرضه لم يفعل، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة، أما غير البخيل فهو يفعل الطاعة ابتداءً دون أن يعلقها على شيء. وهذا عام في النذر المعلق وهو نذر المجازاة، كان شفى الله مريضي … ، والنذر المطلق مثل: لله علي صدقة؛ لأن بعض الناس قد لا ينشط لعمل القربة، فيلزم نفسه بفعلها بواسطة النذر لأجل أن تلزمه. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النذر منهي عنه وأنه لا ينبغي، وأن فعله ابتداء ليس من الطاعات المرغب فيها، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به في الجملة. قال الخطابي: (هذا باب غريب من العلم وهو أن ينهى عن الشيء أن يُفعل حتى إذا فعل وقع واجبًا) (١) وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (إن النذر من غرائب العلم حيث كان عقده منهيًا عنه ووفاؤه محمودًا مأمورًا به، والقاعدة في جميع الأمور أن الوسائل لها أحكام المقاصد إلا هذه المسألة) (٢). ومن أهل العلم من حمل النهي في الحديث على نذر المجازاة، وهو النذر المعلق على وجود نعمة أو دفع نقمة، كما لو قال: إن شفى الله مريضي أو سكنت منزلًا لي فلله علي أن أصوم شهرًا. أما النذر المطلق وهو التزام العبادة والنذر بها مطلقًا فهذا غير داخل في النهي. * الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر، والظاهر أن سبب الخلاف ما ورد من الأدلة في الثناء على الذين يوفون بالنذر وأنه سبب من أسباب دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وما ورد من الأدلة على وجوب الوفاء بالنذر، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ

стр. 4272

وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وما سيأتي من قوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (١). مع الأدلة التي تنهى عن النذر، وفي المسألة أربعة أقوال: الأول: أن النذر مكروه، وعزاه الترمذي إلى ابن المبارك، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الحنابلة في الصحيح من المذهب، وأكثر الشافعية، والمالكية، وابن حزم، إلا أن المالكية خصوا الكراهة بما يتكرر دائمًا كصوم يوم من كل أسبوع، وما لم يتكرر فهو مندوب (٢). واستدلوا بما تقدم من الأدلة في النهي عن النذر؛ لأن فيها التصريح بالنهي عنه، وأنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، قالوا: والنهي يقتضي التحريم في الأصل، لكن صُرف إلى الكراهة بنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الوفاء بالنذر، ومدحت الموفين به، قال ابن قدامة: (وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مَدَحَ الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرَّم أشد من طاعتهم في وفائه … ) (٣). والقول الثاني: أن النذر محرَّم، ونُسب هذا إلى طائفة من أهل الحديث، ورجحه الصنعاني (٤)، وقال ابن مفلح: (وتوقف شيخنا -يعني: ابن تيمية- في تحريمه) (٥)، وقال الشيخ محمد بن عثيمين: (القول بتحريمه قوي) (٦) مع أنه يقول بكراهته، والذين حرَّموه أخذوا بظاهر النهي عنه، قالوا: ولأن الناذر قد يقع في قلبه شيء من سوء الظن بالله تعالى وأن الله تعالى لا يجلب له هذه النعمة ولا يدفع عنه هذه النقمة إلا بالنذر، ثم إن النبي ﷺ بين أنه لا يأتي بخير.

стр. 4273

فإن قيل: كيف أثنى الله على الموفين بالنذر وقد ارتكبوا ما نهى الله عنه؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن الله لم يثن على الناذرين وإنما أثنى على الموفين، وفرق بين الأمرين، وعلى هذا فعقد النذر ليس عبادة، لكن الوفاء به عبادة. الجواب الثاني: أن العلماء قد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ على قولين: الأول: قول قتادة ومن وافقه أن المراد يوفون بما افترض الله عليهم من الطاعات كالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحو ذلك، ويقوي قول قتادة قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أي: أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج، ذكر ذلك القرطبي (١). الثاني: قول مجاهد وعكرمة وغيرهما أن الآية على ظاهرها، وأن المراد النذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه، وأن هذا مدح لهم بالوفاء به. وقد جمع ابن كثير بين القولين فقال: (أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر) (٢). والقول الثالث: أن النهي ورد في نذر المجازاة، وهو ما عُلِّق على حصول نفع للناذر، مثل: إن شفى الله مريضي فعليَّ كذا، وذلك لأنه لم يقع طاعة خالصة، ولأن الأحاديث الواردة في ذلك جاء فيها أن النذر لا يرد شيئًا من القدر، وبهذا جزم القرطبي (٣)، وأما النذر المطلق فهو الذي ورد فيه الترغيب والثناء على الموفين به، وهذا قول جماعة من أهل العلم من الشافعية وغيرهم، واختاره الشنقيطي (٤). والقول الرابع: أن النهي محمول على من علم من حاله عدم القيام بما

стр. 4274

التزمه من النذر، لضعف ونحوه، ويكون معنى قوله: (إنه لا يأتي بخير) أن عقباه لا تُحمد، فإن الناذر قد لا يفي، وقد يتعذر الوفاء به، وقد يأتي به كارهًا مستثقلًا -كما تقدم - (١)، أما من قوي على الوفاء بالنذر فإنه يكون في حقه عبادة مشروعة، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، فإن الله قد أمر بالوفاء بالنذر -كما تقدم- والأمر بالوفاء به يدل على أنه عبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، وأثنى الله على الموفين به فقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة (٢)، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] على مشروعية النذر والوفاء به ما لم يكن معصية (٣). قال الشوكاني: (فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك) (٤)، ومما يؤيد هذا الجمع أنه لو كان منهيًا عن النذر على الإطلاق لكان النذر معصية، فكيف يؤمر الناذر بالوفاء بالمعصية؟! وكيف يكون النذر بعد الوفاء عبادة، ويكون صرفه لغير الله تعالى شركًا في العبادة؟ (٥). وهذا الجمع قال به جماعة من أهل العلم، وعزاه ابن العراقي إلى القائلين بالاستحباب، وقد جزم به جماعة من الشافعية (٦)، وهو قول الحنفية (٧)، وهو أقرب الأقوال. والله تعالى أعلم.

стр. 4275

ما جاء في أن النذر تدخله الكفارة ١٣٨٠/ ١٢ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمينٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ التِّرْمِذيُّ فِيهِ: "إِذَا لَمْ يُسَمَّ" وَصَحَّحَهُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "النذر"، بابٌ (في كفارة النذر) (١٦٤٥) من طريق عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شِمَاسة (١)، عن أبي الخير (٢)، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا. ورواه الترمذي (١٥٢٨) من طريق أبي بكر بن عياش، حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة، حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفارة يمين" وليس في هذا الإسناد عبد الرحمن بن شماسة. قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وفي إسناده محمد بن يزيد بن أبي زياد الفلسطيني مولى المغيرة بن شعبة، قال عنه أبو حاتم والدارقطني: (مجهول) (٣). ولعل الحافظ ذكر زيادة الترمذي -على ما فيها- لأن فيها تقييدًا لإطلاق رواية مسلم، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس ﵄ الآتي: "من نذر ندرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين".
следующие страницы →