قوله: (وإنما يستخرج به من البخيل) أي: لأن البخيل لا يؤدي طاعة من صدقة أو صيام إلا في عوضٍ ومقابلٍ يُستوفى أولًا، فإن لم يحصل له غرضه لم يفعل، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه تلك الطاعة، أما غير البخيل فهو يفعل الطاعة ابتداءً دون أن يعلقها على شيء.
وهذا عام في النذر المعلق وهو نذر المجازاة، كان شفى الله مريضي … ، والنذر المطلق مثل: لله علي صدقة؛ لأن بعض الناس قد لا ينشط لعمل القربة، فيلزم نفسه بفعلها بواسطة النذر لأجل أن تلزمه.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النذر منهي عنه وأنه لا ينبغي، وأن فعله ابتداء ليس من الطاعات المرغب فيها، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به في الجملة.
قال الخطابي: (هذا باب غريب من العلم وهو أن ينهى عن الشيء أن يُفعل حتى إذا فعل وقع واجبًا) (١) وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (إن النذر من غرائب العلم حيث كان عقده منهيًا عنه ووفاؤه محمودًا مأمورًا به، والقاعدة في جميع الأمور أن الوسائل لها أحكام المقاصد إلا هذه المسألة) (٢).
ومن أهل العلم من حمل النهي في الحديث على نذر المجازاة، وهو النذر المعلق على وجود نعمة أو دفع نقمة، كما لو قال: إن شفى الله مريضي أو سكنت منزلًا لي فلله علي أن أصوم شهرًا.
أما النذر المطلق وهو التزام العبادة والنذر بها مطلقًا فهذا غير داخل في النهي.
* الوجه الرابع: اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر، والظاهر أن سبب الخلاف ما ورد من الأدلة في الثناء على الذين يوفون بالنذر وأنه سبب من أسباب دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وما ورد من الأدلة على وجوب الوفاء بالنذر، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
стр. 4272
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وما سيأتي من قوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (١). مع الأدلة التي تنهى عن النذر، وفي المسألة أربعة أقوال:
الأول: أن النذر مكروه، وعزاه الترمذي إلى ابن المبارك، وهو قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الحنابلة في الصحيح من المذهب، وأكثر الشافعية، والمالكية، وابن حزم، إلا أن المالكية خصوا الكراهة بما يتكرر دائمًا كصوم يوم من كل أسبوع، وما لم يتكرر فهو مندوب (٢).
واستدلوا بما تقدم من الأدلة في النهي عن النذر؛ لأن فيها التصريح بالنهي عنه، وأنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، قالوا: والنهي يقتضي التحريم في الأصل، لكن صُرف إلى الكراهة بنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الوفاء بالنذر، ومدحت الموفين به، قال ابن قدامة: (وهذا نهي كراهة لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مَدَحَ الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرَّم أشد من طاعتهم في وفائه … ) (٣).
والقول الثاني: أن النذر محرَّم، ونُسب هذا إلى طائفة من أهل الحديث، ورجحه الصنعاني (٤)، وقال ابن مفلح: (وتوقف شيخنا -يعني: ابن تيمية- في تحريمه) (٥)، وقال الشيخ محمد بن عثيمين: (القول بتحريمه قوي) (٦) مع أنه يقول بكراهته، والذين حرَّموه أخذوا بظاهر النهي عنه، قالوا: ولأن الناذر قد يقع في قلبه شيء من سوء الظن بالله تعالى وأن الله تعالى لا يجلب له هذه النعمة ولا يدفع عنه هذه النقمة إلا بالنذر، ثم إن النبي ﷺ بين أنه لا يأتي بخير.
стр. 4273
فإن قيل: كيف أثنى الله على الموفين بالنذر وقد ارتكبوا ما نهى الله عنه؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أن الله لم يثن على الناذرين وإنما أثنى على الموفين، وفرق بين الأمرين، وعلى هذا فعقد النذر ليس عبادة، لكن الوفاء به عبادة.
الجواب الثاني: أن العلماء قد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ على قولين:
الأول: قول قتادة ومن وافقه أن المراد يوفون بما افترض الله عليهم من الطاعات كالصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ونحو ذلك، ويقوي قول قتادة قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أي: أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم بإحرامهم بالحج، ذكر ذلك القرطبي (١).
الثاني: قول مجاهد وعكرمة وغيرهما أن الآية على ظاهرها، وأن المراد النذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه، وأن هذا مدح لهم بالوفاء به.
وقد جمع ابن كثير بين القولين فقال: (أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر) (٢).
والقول الثالث: أن النهي ورد في نذر المجازاة، وهو ما عُلِّق على حصول نفع للناذر، مثل: إن شفى الله مريضي فعليَّ كذا، وذلك لأنه لم يقع طاعة خالصة، ولأن الأحاديث الواردة في ذلك جاء فيها أن النذر لا يرد شيئًا من القدر، وبهذا جزم القرطبي (٣)، وأما النذر المطلق فهو الذي ورد فيه الترغيب والثناء على الموفين به، وهذا قول جماعة من أهل العلم من الشافعية وغيرهم، واختاره الشنقيطي (٤).
والقول الرابع: أن النهي محمول على من علم من حاله عدم القيام بما
стр. 4274
التزمه من النذر، لضعف ونحوه، ويكون معنى قوله: (إنه لا يأتي بخير) أن عقباه لا تُحمد، فإن الناذر قد لا يفي، وقد يتعذر الوفاء به، وقد يأتي به كارهًا مستثقلًا -كما تقدم - (١)، أما من قوي على الوفاء بالنذر فإنه يكون في حقه عبادة مشروعة، وهذا القول فيه جمع بين الأدلة، فإن الله قد أمر بالوفاء بالنذر -كما تقدم- والأمر بالوفاء به يدل على أنه عبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، وأثنى الله على الموفين به فقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة (٢)، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] على مشروعية النذر والوفاء به ما لم يكن معصية (٣).
قال الشوكاني: (فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك) (٤)، ومما يؤيد هذا الجمع أنه لو كان منهيًا عن النذر على الإطلاق لكان النذر معصية، فكيف يؤمر الناذر بالوفاء بالمعصية؟! وكيف يكون النذر بعد الوفاء عبادة، ويكون صرفه لغير الله تعالى شركًا في العبادة؟ (٥).
وهذا الجمع قال به جماعة من أهل العلم، وعزاه ابن العراقي إلى القائلين بالاستحباب، وقد جزم به جماعة من الشافعية (٦)، وهو قول الحنفية (٧)، وهو أقرب الأقوال. والله تعالى أعلم.
стр. 4275
ما جاء في أن النذر تدخله الكفارة
١٣٨٠/ ١٢ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمينٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ التِّرْمِذيُّ فِيهِ: "إِذَا لَمْ يُسَمَّ" وَصَحَّحَهُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "النذر"، بابٌ (في كفارة النذر) (١٦٤٥) من طريق عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شِمَاسة (١)، عن أبي الخير (٢)، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا.
ورواه الترمذي (١٥٢٨) من طريق أبي بكر بن عياش، حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة، حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفارة يمين" وليس في هذا الإسناد عبد الرحمن بن شماسة.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وفي إسناده محمد بن يزيد بن أبي زياد الفلسطيني مولى المغيرة بن شعبة، قال عنه أبو حاتم والدارقطني: (مجهول) (٣).
ولعل الحافظ ذكر زيادة الترمذي -على ما فيها- لأن فيها تقييدًا لإطلاق رواية مسلم، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس ﵄ الآتي: "من نذر ندرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين".
стр. 4276
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للنذر كفارة مثل كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
* الوجه الثالث: ظاهر الحديث أن الكفارة تدخل في كل نذر، وأن من نذر طاعة من صلاة أو صيام أو صدقة فكفارته كفارة يمين ولا يلزمه الوفاء به.
ووجه الاستدلال: أن الشرع شبه النذر باليمين، فإذا كانت اليمين لا يلزم الوفاء بها بل له أن يكفر فكذا النذر.
والقول بالعموم هو قول جماعة من فقهاء الحديث -كما يقول النووي (١) -، وذلك لأن الحديث مطلق لم يقيد بنذر دون نذر.
ومن العلماء من حمله على النذر المبهم، ويسمى -أيضًا- النذر المطلق، وهو الذي لم يحدد فيه جنس النذر ولا مقداره، فمن نذر نذرًا لم يسمه كأن يقول: لله علي نذر، أو إن شفى الله مريضي فللَّه علي نذر، فهذا هو الذي فيه كفارة اليمين، وقد رجح هذا الشوكاني (٢)، والشنقيطي (٣)، ومن قال بهذا أخذ بزيادة الترمذي وما يؤيدها من حديث ابن عباس ﵄.
أما النذور المسماة فإما أن تكون فعلًا، وإما أن تكون مالًا، فإن كانت فعلًا فهي ثلاثة أقسام: نذر الطاعة، ونذر المباح، ونذر المعصية.
فأما نذر الطاعة: فإما أن يكون جنسها واجبًا بأصل الشرع كالصلاة والصوم، والحج، فهذا يلزم الوفاء به إذا كان معلقًا على شيء، قال الموفق ابن قدامة: (بإجماع أهل العلم)، وقال ابن الملقن: (قام الإجماع على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة) (٤) فإن كان منجزًا، وهو غير المعلَّق، لزم الوفاء به، وهذا قول الجمهور، ومنهم الحنابلة والمالكية والحنفية.
стр. 4277
ودليلهم حديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"؛ ولأن النبي ﷺ أمر عمر ﵁ أن يوفي بنذر نذره في الجاهلية وهو أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، كما سيأتي، وعلى هذا فنذر الطاعة لا تدخله الكفارة، وإنما يجب الوفاء به، ومن الأدلة أن الله تعالى ذم من لم يف بنذره قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
فإن كان جنس الطاعة غير واجب بأصل الشرع كالاعتكاف وعيادة المريض فالأكثرون أنه يلزم الوفاء به، وعند أبي حنيفة لا يلزم الوفاء به؛ لأن النذر فرع عن المشروع، فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع (١).
وإن كان مباحًا كلبس الثوب وركوب السيارة ونحو ذلك فهذا ينعقد ويخير الناذر بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وهذا مذهب الحنابلة، ورجحه النووي في "المنهاج" (٢).
واستدلوا بعموم حديث الباب؛ ولأنه لو حلف على فعل مباح برَّ بفعله، فكذلك إذا نذر؛ لأن النذر كاليمين.
والقول الثاني: أن نذر المباح لا ينعقد، وليس عليه كفارة، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وهو رواية مخرَّجة في مذهب أحمد (٣).
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: بينا رسول الله ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسال عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مره فليتكلم وليستظل وليتم صومه" (٤).
стр. 4278
فدل هذا الحديث على أن نذره لم ينعقد؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بالوفاء به ولم يوجب عليه كفارة، بل أمره ألا يفي به، إلا الصوم لأنه طاعة (١).
والأقرب -والله أعلم- أن نذر المباح ينعقد ويخير بين الوفاء وبين كفارة اليمين، ويؤيد هذا مفهوم قوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، فإن مفهومه أنه لا يجب الوفاء إلا بنذر الطاعة.
وأما القسم الثالث -وهو نذر المعصية- فسيأتي إن شاء الله في الحديث الآتي.
أما إن كان المنذور مالًا كان يقول: لله عليَّ أن أتصدق بمالي، فقد اختلف العلماء فيما يلزم إخراجه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يكفيه إخراج الثلث، لقوله ﷺ لأبي لبابة ﵁ حين قال: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال: "يجزئك الثلث" (٢)، ومثله قال لكعب بن مالك ﵁ (٣)، وقد فهم أبو داود هذا الحكم وبوَّب عليه (باب: فيمن نذر أن يتصدق بماله) (٤)، وهذا قول مالك، وهو المذهب عند الحنابلة (٥)، واختاره الشنقيطي (٦).
والقول الثاني: أنه يتصدق بجميع ماله، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد (٧)، لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه"؛ ولأن اسم المال يقع على الجميع.
стр. 4279
والقول الثالث: أنه يتصدق بجميع ماله، ويُبقي لنفسه ولمن يعول ما يغنيهم عن سؤال الناس، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر، مع قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والعفو في أصح التفسيرين هو: ما لا يضر إنفاقه بالمنفق ولا يجحف به، لإمساكه ما يسدُّ خلته الضرورية (١)؛ ولأن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته فإخراجه والصدقة به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره (٢)، وهو قول ابن حزم (٣)، وبعض المالكية، وهو اختيار ابن القيم (٤)، وقد ذكر ذلك الشافعي ولم ينسبه لأحد بعينه (٥).
وأما قصة أبي لبابة وكعب بن مالك ﵄ فليس فيها ما يدل على النذر (٦)، وإنما هي صدقة من باب شكر النعمة، وهي توبة الله تعالى عليهما؛ لأن كلًّا منهما قال: (إن من توبتي)، أي: من شكر توبتي (٧)، وفرق بين من يلتزم إخراج ماله بالنذر، وبين من يريد أن يتصدق (٨)، على أن قصة كعب بن مالك ﵁ ليس فيها ذكر الثلث، وإنما قال له النبي ﷺ ، "أمسك عليك بعض مالك".
والأقرب -والله أعلم- لزوم الصدقة بجميع المال لمن نذر ذلك إذا حَسُنَ ظنه بربه وصَدَق اعتماده عليه، مع وجود ما يقوم بكفايته من مرتب ونحو ذلك، وهذا فيه احتياط وإبراء للذمة، قال ابن القيم بعد ذكره الأقوال في المسألة: (وأصح هذه الأقوال: ما دل عليه حديث كعب المتفق عليه أنه يتصدق به، ويمسك عليه بعضه، وهو ما يكفيه ويكفي عياله، والله أعلم) (٩).
стр. 4280
أحكام بعض أنواع النذر
١٣٨١/ ١٣ - وَلأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: "مَنْ نَذَرَ نَدْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَارَتُهُ كَفَّارَةُ يمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا في مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَدْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفارَةُ يَمِينٍ"، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إلا أن الْحفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ.
١٣٨٢/ ١٤ - وَلِلْبُخَاريِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ".
١٣٨٣/ ١٥ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ".
* الكلام عليها من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه أبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (من نذر نذرًا لا يطيقه) (٣٣٢٢) من طريق طلحة بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وتمامه: "ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به".
وهذا الحديث إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ ومنهم أبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي (١)، رجحوا وقفه على ابن عباس ﵄، وقال الحافظ ابن حجر: (رواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا وهو أشبه) (٢). وقد رواه
стр. 4281
ابن أبي شيبة (٤/ ١٧٣) من طريق وكيع بن الجراح، عن عبد الله بن سعيد به، عن ابن عباس موقوفًا، وأشار أبو داود إلى ذلك.
ووجه ترجيح الموقوف أن رافعه طلحة بن يحيى متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين وعثمان بن أبي شيبة وابن حبان، وأخرج له الشيخان، لكن قال أبو حاتم: (ليس بقوي) (١)، وأما وكيع فهو إمام حافظ.
أما حديث عائشة ﵂ فقد رواه البخاري في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (النذر فيما لا يملك وفي معصية) (٦٧٠٠) من طريق طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فديطعه، ومن ندر أن يعصي الله فلا يعصه".
والحافظ اختصر الحديث فترك أوله، ولو ساقه بتمامه كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي لكان أولى.
وأما حديث عمران بن حصين ﵁ فقد رواه مسلم في كتاب "النذر"، بابٌ (لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد) (١٦٤١) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ … وساق الحديث بطوله، وفي آخره: "لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد"، وفي رواية: "لا نذر في معصية الله"، وتقدمت الإشارة إليه في "الجهاد".
ورواه النسائي (٧/ ٢٨) من طريق محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارتها كفارة يمين".
وهذا سند ضعيف، قال النسائي عقبه: (محمد بن الزبير ضعيف لا تقوم به حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، … وقيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران ﵁).
стр. 4282
وأعله البيهقي (١٠/ ٧٥) بالانقطاع، وابن حزم (٨/ ٧) بضعف محمد وبالانقطاع، وله طرق أخرى كلها ضعيفة.
* الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن من نذر نذرًا مبهمًا لم يسمه ففيه كفارة يمين، كما تقدم، لكن لو نذر عبادة وأطلق وجب عليه أقل ما يصدق عليه الاسم، فإذا قال: لله علي أن أصلي، وجب عليه ركعتان، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لأن أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان، فوجب حمل النذر عليه، وقيل: ركعة، وهذا رواية عن أحمد، وقول للشافعي (١)، وهذا مقيس على النفل وهو الوتر، والنذر فرض، فقياسه على المفروض أولى، وإن قال: لله علي أن أصوم، وجب عليه صيام يوم بلا خلاف؛ لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نذر نذر معصية كشرب خَمْرٍ أو دخان أو نَذَرَ قطيعة رحم، فإنه لا يجوز الوفاء به بالإجماع (٢)، لقوله ﷺ : "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وقوله: "لا وفاء لنذر في معصية".
وأما وجوب الكفارة ففيه قولان:
الأول: أن عليه الكفارة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة كابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃، وبه قال الثوري، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات، واختاره الحافظ البيهقي (٣)، وابن القيم (٤)، والصنعاني (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (٦).
واستدلوا بأدلة، منها: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وكفارته
стр. 4283
كفارة يمين" (١).
ويدل لذلك -أيضًا- عموم حديث عقبة ﵁: "كفارة النذر كفارة يمين" فإنه يتناول نذر المعصية؛ لأنه لم يخص نذرًا دون نذر، وفي المسألة أحاديث أخرى لا تخلو من مقال، لكن يشد بعضها بعضًا (٢).
والقول الثاني: أن نذر المعصية ليس فيه كفارة، وهذا قول الجمهور، ومنهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة، ورواية مُخرجة عن أحمد، فإنه قال: فيمن نذر "ليهدمن دار غيره لبنة لبنة": (لا كفارة عليه).
واستدلوا بحديث عائشة ﵂: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" فنهى عن الوفاء بنذر المعصية، ولم يأمر الناذر بكفارة، فدل على أنها غير واجبة (٣)، واختار هذا القول الشوكاني (٤).
والقول الأول أرجح، لما تقدم؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك، فإن الناذر نذر معصيةٍ ارتكب إثمًا بمجرد نذره، فهو أحوج إلى الكفارة لمحو هذا الإثم وإزالته؛ ولأن الأمر مقدم على الإباحة -كما تقرر في الأصول- للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، فمن أخرج الكفارة فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع (٥).
وأما الأحاديث التي لم تذكر الكفارة فليست دليلًا على عدم وجوبها؛ لأنها لم تنفِ الكفارة، والأحاديث الأخرى نطقت بما سكتت عنه هذه الأحاديث، فتكون دلالتها مقدمة، مع أن الأحاديث التي فيها الكفارة كلها معلولة، وأصح ما فيها حديث عقبة: "كفارة النذر كفارة يمين". لكن إن فعل المعصية فهل عليه كفارة؟ الجواب: هو آثم بفعلها، وعليه التوبة، والجمهور
стр. 4284
على أنه لا تلزمه الكفارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهناك وجه تلزمه الكفارة مطلقًا (١).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من نذر نذرًا لا يطيقه فإنه يكفر كفارة يمين، كنذر طيران في الهواء بلا واسطة، أو حمل صخرة عظيمة، أو أن يمشي إلى مكة أو يختم القرآن كل يوم ونحو ذلك، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين ما كان طاعة أو مباحًا، وهذا فيه كفارة يمين، وهو المذهب عند الحنابلة (٢)، لحديث ابن عباس ﵄ هذا؛ ولأنه عجز عن الوفاء به، فكان الواجب فيه كفارة يمين كسائر النذور عند عدم الوفاء بها. والله تعالى أعلم.
стр. 4285
حكم ندر المشي إلى بيت الله
١٣٨٤/ ١٦ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيتِ الله حَافِيَةً، فَأَمَرَتْني أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيتُهُ فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.
١٣٨٥/ ١٧ - وَلِأَحْمَدَ، وَالأَرْبَعَةِ: فَقَال: "إِنَّ اللهَ تَعَالى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيئًا، مُرْهَا فلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ".
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجهما:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "جزاء الصيد"، باب (من نذر أن يمشي إلى الكعبة) (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته، فقال: "لتمش ولتركب".
وهذا -كما يقول الحافظ- لفظ مسلم، وهو لفظ البخاري -أيضًا- سوى قوله: "حافية"، وفيها فائدة؛ لأن فيها نوعًا من المشقة.
ورواه أحمد (٢٨/ ٥٢٣، ٥٤٠)، وأبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (١) (٧/ ٢٠)، وابن ماجه (٢١٣٤) من طريق عبيد الله بن
стр. 4286
زَحْر، عن أبي سعيد الرُّعَيني، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يصنع بشفاء أختك شيئًا … " الحديث.
وهذا لفظ أحمد والنسائي.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن)، وفي إسناده عبيد الله بن زَحْر متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، فقد وثقه البخاري، وقال أبو زرعة: (لا بأس به، صدوق)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وضعفه أحمد في رواية، وابن معين، وابن المديني وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن سفيان والدارقطني وآخرون (١).
وذِكْرُ الصيام في الحديث لم يأت من طريق تقوم به حجة، لا سيما وفي الطريق الآتية خلافه وهو قوله: "ولتهد بدنة".
وقد تابعه بكر بن سوادة، عن أبي سعيد به، رواه أحمد (٢٨/ ٥٦٦) وسنده ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ.
ورواه أبو داود (٣٣٠٣) -من مسند ابن عباس- من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن أخت عقبة بن عامر ﵁ نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ : "إن الله لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة".
وبهذا يتبين أن الحديث جاء فيه زيادة الصيام والهدي على ما ثبت في "الصحيحين" من أمرها بالمشي والركوب، ولفظ الإهداء شاذ لأمرين:
الأول: من حيث السند فقد نقل الترمذي ومن بعده البيهقي عن البخاري: أنه لا يصح في حديث عقبة الأمر بالهدي (٢).
стр. 4287
الثاني: من حيث المتن، فقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن ذكر الهدي مخالف للأصول في باب الأيمان والنذور؛ لأن الهدي ليس من أجزاء كفارة اليمين).
وأما لفظ الصيام فالألباني يرى أنه لم يأت من طريق تقوم به حجة، والمحفوظ هو الهدي (١)، ويرى الشيخ عبد العزيز ثبوت الصيام، ويؤيده ما في "المسند" (٥/ ٣٤) من طريق كريب، عن ابن عباس، وفيه: "ولتكفر عن يمينها" (٢)، وفي سنده شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ، والصيام من أجزاء الكفارة.
والذي يظهر -والله أعلم- أن المحفوظ في حديث عقبة ﵁ -هو ما ثبت في "الصحيحين" من الركوب والمشي، وأما ذكر الصيام والهدي فهو شاذ لا تقوم به حجة لإعراض الشيخين عنهما، وقد تقدم لنا في بعض المواضع من هذا الشرح أن الحديث إذا جاء في "الصحيحين" وجاء في غيرهما زيادات فالغالب أنها معلولة.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (أن تمشي إلى بيت الله) جاء عند أبي داود -كما تقدم- من حديث ابن عباس ﵄: (إن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية).
قوله: (حافية) أي: غير منتعلة.
قوله: (لتمش) بكسر اللام وهي لام الأمر، والمضارع بعدها مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء، والمعنى: لتمش في وقت قدرتها على المشي.
стр. 4288
قوله: (ولتركب) أي: إذا عجزت عن المشي أو لحقها مشقة ظاهرة، ويحتمل أن المراد الإذن بالركوب مطلقًا.
قوله: (إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا) بفتح الشين؛ أي: بتعبها أو مشقتها؛ والمعنى: لا حاجة لله تعالى به فهو غني عنه.
وفي حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، قال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشي، فقال: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب" (١).
قوله: (فلتختمر) أي: تغطي رأسها بالخمار.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نذر الذهاب إلى بيت الله الحرام؛ لأن الرسول ﷺ أقر المرأة على نذرها الذهاب؛ ولأن المسجد الحرام مما تشد إليه الرحال، فمن نذر ذلك لزمه، كما سيأتي، والقول بلزوم هذا النذر هو قول الجمهور، بل قال الموفق: (لا نعلم فيه خلافًا) (٢).
* الوجه الرابع: اختلف العلماء فيمن نذر المشي إلى بيت الله هل يلزمه المشي على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يلزمه المشي، وله أن يركب ولو قدر على المشي، ولا شيء عليه، وهذا قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وعن الشافعي يركب عند العجز، ولا شيء عليه (٣)، أخذًا برواية "الصحيحين" من وجهين:
١ - أن الرسول ﷺ أذن لأخت عقبة بالركوب بدون قيد.
٢ - أنه لم يأمرها بالكفارة.
قالوا: لأن المشي نفسه ليس بطاعة، وإنما الطاعة الوصول إلى ذلك
стр. 4289
المكان من غير فرق بين المشي والركوب، ولهذا سوغ النبي ﷺ الركوب للناذر بالمشي، فدل على عدم لزومه النذر بالمشي وإن كان داخلًا تحت الطاعة.
القول الثاني: أنه يلزمه المشي، فإن عجز ركب وعليه كفارة يمين، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١)، وهو قول الأوزاعي (٢). لما تقدم في حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد: "ولتكفر عن يمينها"، كما استدلوا بعموم حديث ابن عباس ﵄: "من نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين"، وعن الإمام أحمد: أنه يصوم ثلاثة أيام، وعنه: أنه يلزمه دم، قال صاحب "الإنصاف": (وجوب كفارة اليمين أو الدم من مفردات المذهب) (٣)، وهذا مروي عن علي وابن عمر ﵄، وهو قول عطاء والحسن، والدم الواجب عندهم هو شاة (٤).
ولعل القائلين بالدم أخذوا بالروايات التي نصت على الهدي.
القول الثالث: أنه إن شق عليه المشي ركب ولا شيء عليه وإن قدر على المشي وركب الطريق كله فعليه الهدي، وهذا قول ابن حزم (٥)، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: من ليس المشي في وسعه فلم يكلفه الله تعالى المشي، وكان نذره لما ليس في وسعه معصية لا يجوز له الوفاء به، كما استدل بحديث أنس ﵁ المتقدم، فإن النبي ﷺ لم يأمر من نذر المشي وهو لا يطيقه بشيء لركوبه، كما استدل برواية: "فأمرها أن تركب وتهدي هديًا".
وفي المسألة أقوال وتفاصيل ليس عليها دليل، وحديث عقبة واضح فيما
стр. 4290
دل عليه، فمن أخذ بما ثبت في "الصحيحين" من أنه لا شيء عليه، فله ذلك، وهو اختيار الشنقيطي (١)، ومن أراد الاحتياط فكفَّر عما تركه من المشي أو أهدى هديًا فله ذلك، مع ما تقدم من إعلال الروايات. والله تعالى أعلم.
стр. 4291
ما جاء في قضاء نذر الميت
١٣٨٦/ ١٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَال: "اقْضِهِ عَنْهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الوصايا"، باب (ما يستحب لمن توفي فُجاءة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذر عن الميت) (٢٧٦٠) وفي كتاب "الأيمان والنذور"، باب (من مات وعليه نذر) (٦٦٩٨)، ومسلم (١٦٣٨) من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ … وهذا لفظ مسلم.
وهذا الحديث مرسل صحابي؛ لأن أم سعد ماتت سنة خمس، وكان ابنها مع النبي ﷺ في غزوة دومة الجندل، وابن عباس كان مع أبويه في مكة، فيحتمل أنه حمله عن سعد أو عن غيره (١).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (استفتى) أي: طلب الفتيا.
قوله: (سعد بن عبادة) تقدم له ترجمة في "الحدود" عند الحديث (١٢٢٢).
قوله: (في نذر) لم يبين في هذه الرواية ما هو النذر، فقيل: كان عتقًا،
стр. 4292
كما في رواية عند النسائي (١)، وقيل: صومًا، وقيل: صدقة، وقيل: كان نذرًا مطلقًا، واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قصة أم سعد (٢)، قال القرطبي: (الكل محتمل، ولا مُعَيِّنَ، فهو مجمل) (٣).
قوله: (على أمه) هي عمرة بنت مسعود من بني النجار ﵂، كانت من المبايعات، توفيت سنة خمس ورسول الله ﷺ في غزوة دومة الجندل، كما تقدم، فلما قدم صلى على قبرها (٤).
قوله: (اقضه عنها) أي: لتبرأ ذمتها من تبعة هذا النذر، وهذا الأمر للوجوب عند الظاهرية، كما سيأتي، وعند الجمهور للندب؛ لأنه أمر بالقضاء على جهة الفتوى فيما سئل عنه، ففيه بيان أنه إن فعل ذلك عنها صح (٥).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من مات وعليه نذر طاعة فمانه يشرع لوارثه قضاؤه عنه؛ لأنه إحسان إليه وبر وصلة ولا سيما إذا كان الميت أحد الوالدين.
* الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه يجب على الوارث أن يقضي النذر عن الميت، سواء أكان بدنيًّا أم ماليًّا، وهذا قول الظاهرية (٦)، لقوله: (فاقضه عنها) والأمر للوجوب، ورجح هذا الصنعاني (٧).
والقول الثاني: أنه لا يلزم الوارث قضاء نذر الميت إلا أن يوصي (٨)، أو يكون ماليًّا ويخلف تركة، وهذا قول الجمهور، قالوا: والأمر للاستحباب؛ لأنه لو قيل: إن الأمر للوجوب للزم منه أن يأثم الولي بعدم القضاء، وهذا مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهذا هو الأظهر، ويؤيد هذا أمران:
стр. 4293
١ - أن الرسول ﷺ شبه قضاء نذر الميت بقضاء الدين، وقضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يقضى منها، ولهذا يصح قضاء نذر الميت من الوارث وغيره، كما لو قضى عنه دينه؛ ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو من باب التبرع، وغيره مثله في التبرع.
٢ - أن السائل سأل النبي ﷺ عن الإجزاء، كما هو ظاهر اللفظ، وقد جاء في رواية عند النسائي: (أفيجزئ أن أعتق عنها)، فيكون الأمر في الحديث لبيان الإجزاء لا للإيجاب، كقول السائل: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: "صلوا في مرابض الغنم". فإن كان السؤال عن الوجوب، نحو: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "توضأوا من لحوم الإبل" فهو للوجوب (١).
وخلاصة ذلك: أنه إن كان النذر ماليًّا وخلف الميت تركة فلا خلاف في وجوب قضاء نذره، وإن كان ماليًّا ولم يخلف تركة، أو غير مالي لم يجب القضاء عند الجمهور خلافًا للظاهرية.
وقد نقل القرطبي الإجماع على أن حقوق الأموال من العتق والصدقة تصح النيابة فيها وتصح توفيتها عن الميت والحي، وإنما الخلاف في الأعمال البدنية، كما تقدم (٢).
* الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الميت يلحقه ما يفعل له من الأعمال الصالحة من عتق أو صدقة أو حج أو دعاء وغير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ أذن لسعد ﵁ أن يقضى نذر أمه، ولو كان ذلك لا ينفعها لما كان في الأمر بقضائه فائدة.
* الوجه السادس: مشروعية بر الوالدين بعد وفاتهما، وأن من أعظم البر وفاءَ ما عليهما من الديون والحقوق والواجبات، سواء أكانت لله تعالى أم للآدميين.
стр. 4294
* الوجه السابع: بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من سؤال النبي ﷺ في أمور الدين.
* الوجه الثامن: في الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يبادر بما عليه من حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين، فيفي بالنذر، ويقضي الدين قبل أن يفجأه الأجل. وقد مضى الكلام في هذا في كتاب "الجنائز" (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4295
جواز تخصيص النذر بمكان معين إذا خلا من الموانع الشرعية
١٣٨٧/ ١٩ - عَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَال: "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ "، قَال: لَا، قَال: "فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ "، فَقَال: لَا، فَقَال: "أَوْفِ بِنَدْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ.
١٣٨٨/ ٢٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كرْدَمَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ.
* الكلام عليهما من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي، شهد بيعة الرضوان، كما ثبت في "صحيح مسلم" من رواية أبي قلابة أنه حدثه بذلك، مات في أيام ابن الزبير حوالي سنة أربع وستين ﵁ (١).
وأما كردم فهو بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة، وهو كردم بن سفيان الثقفي، قال البخاري وابن حبان: له صحبة، عداده في أهل مكة، روت عنه ابنته ميمونة، وهي من صغار الصحابة، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عن الجميع (٢).
стр. 4296
* الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث ثابت بن الضحاك ﵁ فقد رواه أبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (ما يؤمر به من الوفاء بالنذر) (٣٣١٣)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٧٥) من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، حدثني ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل … وذكر الحديث، وفيه: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ "، وهذا لفظ الطبراني -كما قال الحافظ- ولعله اختار لفظ الطبراني؛ لأن فيه زيادة: (ولا في قطيعة رحم).
وهذا الحديث سنده صحيح، ورجاله رجال الشيخين، وقد صححه الحافظ -أيضًا- في "التلخيص" (١)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل هذا الحديث في "الصحيحين"، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة) (٢). ولعل ابن تيمية يقصد بقول: (أصله في "الصحيحين") ما تقدم في حديث عائشة ﵂ وحديث عمران بن حصين ﵄.
وأما حديث كردم ﵁ فقد رواه أحمد (٢٤/ ١٩٥) من طريق أبي الحويرث حَفْصٍ من ولد عثمان بن أبي العاص، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي بن كعب، عن ميمونة بنت كردم، عن أبيها كردم بن سفيان أنه سأل رسول الله ﷺ عن نذر نذره في الجاهلية فقال النبي ﷺ : "أَلوثَنٍ أو لِنُصُبٍ؟ " قال: لا، ولكن لله ﵎، قال: "فأوف بنذرك لله ﵎ ما جعلت له، انحر على بُوانة، وأوف بنذرك".
وهذا سند ضعيف؛ لأن أبا الحويرث هذا مجهول، فقد انفرد بالرواية عنه عبد الصمد بن عبد الوارث، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، وقد تابعه مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن به، رواه ابن ماجه (٢١٣١)، والطبراني في "الكبير" (٢٥/ ٤٠).
стр. 4297
وفيه -أيضًا- عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي متكلم فيه، فقد قال فيه ابن معين: (صويلح)، وفي رواية أخرى: (ضعيف)، وقال أبو حاتم: اليس هو بقوي، هو لين الحديث)، وقال البخاري: (فيه نظر)، وحكي عن ابن المديني أنه وثقه، ووثقه العجلي، وقال الدارقطني: (يعتبر به) (١).
ثم إن السند فيه انقطاع، فقد قيل: إن الطائفي لم يسمع من ميمونة بنت كردم، بينهما يزيد بن مقسم، كما في رواية أخرى عند أحمد (٤٤/ ٦٢٢) ويزيد بن مقسم روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢)، وما دام أن حديث ثابت بن الضحاك صحيح فلا حاجة إلى هذا الشاهد مع ضعفه.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إبلًا) اسم جمع لا مفرد له من لفظه، وله واحد من معناه وهو بعير.
قوله: (ببوانة) الباء للظرفية بمعنى: في، وبوانة: بضم الباء وتخفيف الواو، قال ابن الأثير: هضبة من وراء ينبع قرب الساحل، وقيل: أسفل مكة دون يلملم، وقد ذكر ياقوت أن الأول هو الذي جاء ذكره في الحديث (٣).
قوله: (فسأله) هذا السؤال خشية أن يكون تخصيص هذا المكان لمعنى جاهلي.
قوله: (هل كان فيها وثن) عند أبي داود والطبراني: (من أوثان الجاهلية)، والوثن: اسم لكل ما عُبد من دون الله تعالى من قبر أو غيره.
قوله: (يُعبد) صفة لبيان الواقع؛ لأن الوثن كل ما عُبد من دون الله تعالى.
قوله: (قال: لا) رواية أبي داود: (قالوا: لا) بلفظ الجمع مع أن السائل
стр. 4298
واحد، لكنه لما كان محظورًا وعنده ناس أجابوا النبي ﷺ ، ولا مانع أن يكون المجيب غير السائل.
قوله: (عيد) اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد إما في السنة أو الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك؛ والمعنى: هل فيها اجتماع معتاد من اجتماعاتهم التي كانت عيدًا. والتعبير بالفعل (كان) يفيد المنع من الوفاء بالنذر في هذا المكان ولو بعد زوال المحذور.
قوله: (أوف بنذرك) هذا أمر إباحة؛ والمعنى: أوف بنذرك في المكان الذي خصصت له، وإنما كان للإباحة؛ لأن مكان النذر لا يتعين إلا ما تميز بفضل كأحد المساجد الثلاثة، وهو بالنسبة للنذر ذاته أمر إيجاب.
قوله: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله) مناسبة هذه الجملة لما قبلها بيان أن هذا نذر معصية لو كان في المكان بعض الموانع، وما كان من نذر المعصية فإنه لا يجوز الوفاء به، كما تقدم.
قوله: (ولا في قطيعة رحم) هذا تخصيص بعد تعميم، وهذه الجملة لم ترد عند أبي داود، وإنما هي عند الطبراني، كما تقدم.
قوله: (ولا فيما لا يملك ابن آدم) أي: يضيف النذر إلى معين لا يملكه، كشاة فلان.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الناذر إذا عيَّن مكانًا يذبح فيه ما نذره أنه يلزمه إذا خلا من الموانع الشرعية؛ لأن الرسول ﷺ أقر هذا الرجل على تحديد المكان لما خلا من الموانع الشرعية، وقد يكون قصد بنذره فقراء ذلك المكان بإيصال اللحم إليهم، وهذه قربة، فتلزمه كما لو نذر التصدق عليهم (١).
والقول الثاني: أنه لا يلزمه المكان وإنما هو على سبيل الندب، قالوا: والصارف له حديث أبي سعيد الآتي: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
стр. 4299
مساجد … "، ويؤيد هذا قول الأصوليين: إن الأمر إذا خرج مخرج الجواب عن السؤال فهو للندب.
والذي يظهر لي أنه هناك فرقًا في المسألة، وهو أن حديث الباب ليس القصد منه المكان وإنما أهله، وحديث أبي سعيد القصد منه البقعة، والله أعلم ..
وعلى هذا فالأظهر جواز صرف النذر في المكان المحدد بالشرط المذكور، وإن صرفه في مكان أفضل فله ذلك.
* الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه لو وجد في مكان النذر مانع شرعي لم يجز الوفاء بالنذر في ذلك المكان؛ لأن الرسول ﷺ سأله عن الشرك "هل كان فيه وثن يعبد؟ "، وساله عن وسائل الشرك "هل كان فيه عيد؟ " وهذا يدل على أنه لو كان في المكان شيء من ذلك لمنعه من الوفاء بنذره، وهذه فائدة الاستفصال، وهو يدل على وجوب سد الذرائع الموصلة إلى الشرك.
* الوجه السادس: في الحديث دليل على وجوب البعد عن مشابهة الكفار في عباداتهم وأعيادهم، وإن كان لا يقصد ذلك، وذلك بتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو مشاركتهم في التعييد فيها أو إحياء شعار عيدهم فيها، وإذا كان الذبح في مكان عيدهم منهيًا عنه، فكيف بموافقتهم في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم.
ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الحديث في كتاب "التوحيد" في باب (لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله).
* الوجه السابع: في الحديث دليل على أنه ينبغي للمفتي، أن يستفصل المستفتي قبل الفتوى عما له تأثير في تغيير الحكم.
* الوجه الثامن: أن من نذر أن يعصي الله تعالى بفعل محرم أو ترك واجب كقطيعة رحم فإنه لا وفاء في ذلك، وقد تقدم البحث في هذا.
* الوجه الماسع: الحديث دليل على أن من نذر شيئًا معينًا لا يملكه
стр. 4300
وإنما هو في ملك غيره فليس عليه شيء، كقوله: إن شفى الله مريضي فللَّه علي أن أذبح شاة فلان، أو أعتق عبد فلان، إلا إن نوى أنه يشتريه منه فالظاهر أنه يلزمه.
فإن التزم في ذمته شيئًا كعتق وصدقة وهو في تلك الحال لا يملك الوفاء فإنه يصح نذره ويثبت دينًا في ذمته. والله تعالى أعلم.
стр. 4301
من نذر الصلاة في المكان المفضول جاز أن يصلي في الفاضل
١٣٨٩/ ٢١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَال يَوْمَ الْفَتحِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيتِ الْمَقْدِسِ، فَقَال: "صَلِّ هَاهُنَا"، فَسَأَلَهُ فَقَال: "صَل هَاهُنَا"، فَسَألهُ فَقَال: "شَأَنَكَ إِذًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٢٣/ ١٨٥، ١٨٦)، وأبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (من نذر أن يصلي في بيت المقدس) (٣٣٠٥)، والحاكم (٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥) من طريق حماد بن سلمة، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر ﵁.
قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، ونقل الحافظ في "التلخيص" (١) تصحيحه عن ابن دقيق العيد، وهذا لفظ أحمد، لكن قال أبو عوانة: (في هذا الحديث نظر، في صحته وتوهينه!!) (٢).
وقد روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ تسلم عليها، فأخبرتها
стр. 4302
بذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد رسول الله ﷺ ؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة" (١).
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يوم الفتح) أي: فتح مكة، ودل على هذا قوله: (صَلِّ ها هنا).
قوله: (أن أصلي) ورد عند أبي داود: (أن أصلي ركعتين).
قوله: (في بيت المقدس) بفتح الميم وتخفيف الدال وكسرها، بمعنى البيت المطهر، والظاهر أن المراد: أن يصلي في المسجد الأقصى؛ لأن بيت المقدس اسم للمدينة، ويطلق على المسجد أيضًا.
قوله: (صل ها هنا) أمر إباحة، والمراد باسم الإشارة المسجد الحرام؛ لأن هذا كان يوم الفتح، كما مر.
قوله: (شأنك) بالنصب مفعول به لفعل مقدر؛ أي: الزم شأنك؛ والمعنى: أنت تعلم حالك (٢).
قوله: (إذًا) بالتنوين جواب وجزاء؛ أي: إذا أبيت أن تصلي ها هنا فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة النذر المعلق على حصول مطلوب، وأنه ينعقد؛ لأن النبي ﷺ أقر هذا الرجل على الوفاء بما نذر، ويلزم الناذر الوفاء به إذا حصل شرطه المعلق عليه، سواء أكان عبادة بدنية كالصلاة والصيام أم مالية كالصدقة والعتق، وهذا يسمى نذر المجازاة، وهو التزام طاعة الله تعالى في مقابل حصول نعمة أو دفع نقمة، وهو نوع من أنواع نذر الطاعة والتبرر.
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من نذر الصلاة في مكان مفضول جاز له أن يصلي في مكان أفضل منه؛ لأن المسجد الحرام أفضل من
стр. 4303
المسجد الأقصى، وأكثر ثوابًا للمصلي فيه، وكذا لو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصلي في المسجد الحرام، فإن نذر الصلاة في المسجد الحرام تعين، ولم تجزئه الصلاة في غيره؛ لأنه أفضل، وشَدُّ الرحل إليه مشروع.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن كثرة السؤال والإلحاح فيه والتنطع في الأمور مكروه، وأنه يفضي بصاحبه إلى إضجار المسؤول وارتكاب الخطأ، فهذا السائل لو أخذ بمشورة النبي ﷺ في قوله: "صل ها هنا" لاستفاد فائدتين:
الأولى: حصول الفضيلة في المسجد الحرام.
الثانية: السلامة من أعباء السفر إلى المسجد الأقصى. والله تعالى أعلم.
стр. 4304
جواز شد الرحل للمساجد الثلاثة وفاءً بالنذر
١٣٩٠/ ٢٢ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلَاثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم تخريجه في آخر كتاب "الصيام" ضمن أحاديث (الاعتكاف) برقم (٧٠٧)، وقد رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم في كتاب "الحج" (٨٢٧)(٤١٥) من طريق عبد الملك بن عمير، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.
والحافظ ذكره هناك بلفظ مسلم، وذكره هنا بلفظ البخاري، وقد ذكره هناك لبيان جواز شد الرحل لأحد المساجد الثلاثة لقصد الاعتكاف، وذكره هنا لبيان أن النذر إذا تعلق بأحد المساجد الثلاثة وجب الوفاء به؛ لأن الرحال تشد إليها.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) تقدم شرح هذا في الموضع المشار إليه.
قوله: (مسجد الحرام) من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: المسجد الحرام، وهذا جائز عند الكوفيين، وهو الصواب لوروده في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقوله: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾
стр. 4305
[ق: ٩]، وهو مؤول عند البصريين على تقدير موصوف محذوف؛ أي: مسجد المكان الحرام، وقد سبق ذكر هذه المسألة (١).
قوله: (ومسجد الأقصى) بالإضافة كالذي قبله، وتقدم في "الصيام" شرح هذا.
قوله: (ومسجدي) جاء في بعض نسخ "البلوغ": (ومسجدي هذا) ولفظة (هذا) ليست عند البخاري، وإنما هي عند مسلم.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه الوفاء بنذره، ولو لزم من ذلك شد الرحال؛ لأن هذه المساجد تشد إليها الرحال، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وهم يقولون -أيضًا- بمقتضى حديث جابر ﵁ المتقدم الذي يدل على أن من نذر الصلاة في المكان المفضول جاز أن يصلي في الفاضل.
والقول الثاني: أن من نذر أن يصلي في أحد المساجد الثلاثة لم يلزمه الوفاء بنذره، وجاز له أن يصلي في أي مكان شاء، وهذا مذهب أبي حنيفة، بناء على قاعدته -كما تقدم-: لا يلزم بالنذر إلا ما وجب بأصل الشرع (٢)، والصلاة غير واجبة بأصل الشرع في أحد المساجد الثلاثة، وإنما يجب عنده الوفاء بالنذر إذا كان لحج أو عمرة.
والراجح قول الجمهور لقوة دليله، ويؤيده عموم حديث عائشة المتقدم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
أما لو نذر الصلاة بمسجد غير المساجد الثلاثة، فإن كان يلزم منه شد الرحل فإنه لا يجوز، بل يصلي في أي مسجد لا يلزم منه ذلك، وإن كان لا يلزم منه شد الرحل فالأكثرون على أنه لا يلزم الوفاء به إلا على سبيل الندب (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4306
حكم الوفاء بالاعتكاف المنذور حال الشرك
١٣٩١/ ٢٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَال: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في رِوَاية: فَاعْتَكَفَ لَيلَةً.
* الكلام عليه في وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" وأولها: في كتاب "الاعتكاف"، باب (الاعتكاف ليلًا) (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله … وذكر الحديث.
ورواه البخاري (٢٠٤٣) من طريق أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ … وفيه: (فاعتكف ليلة). وسأذكر -إن شاء الله- غرض الحافظ من ذكر هذه الرواية.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قلت: يا رسول الله) لم يبين في هذه الرواية مكان السؤال، وقد كان ذلك حين رجع رسول الله ﷺ من حنين، كما ثبت في "الصحيحين" (١).
قوله: (نذرت) أي: أوجبت على نفسي.
قوله: (في الجاهلية) أي: قبل إسلام عمر ﵁، وفي رواية مسلم:
стр. 4307
(فلما أسلمت سالت) سميت الجاهلية بذلك لغلبة الجهل على أهلها، وأصل الجاهلية ما قبل بعثة الرسول ﷺ .
قوله: (أن أعتكف ليلة) في تأويل مصدر مفعول نذرت؛ أي: نذرت اعتكاف ليلة، وقد جاء في "الصحيحين" ذكر اليوم، ففي رواية البخاري: (قال: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره النبي ﷺ أن يفي به) ولا منافاة بينهما؛ لأن الليلة يدخل فيها اليوم، والعكس بالعكس.
قوله: (فاعتكف ليلة) قصد الحافظ بهذه الرواية بيان أن عمر ﵁ لم يزد على نذره شيئًا وأن الاعتكاف لا صوم فيه.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نذر العبادة من الكافر حال كفره، قال الخطابي: (فيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفق حكم الإسلام كان معمولًا به) (١).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النذر ينعقد من الكافر وأنه يجب الوفاء عليه متى أسلم إذا لم يف به حال كفره، وهذا مذهب الإمام أحمد وجماعة من الشافعية، وهو قول البخاري، وابن جرير، ونصره القرطبي، وعزاه لمذهب المالكية تخريجًا مبنيًّا على أن القول الصحيح المشهور من مذهب مالك أن الكفار مخاطبون بالأوامر والنواهي (٢)، والحديث صريح الدلالة على ذلك، فإنه ﷺ أمر عمر ﵁ بالوفاء بنذره، وهذا دليل على صحته وانعقاده.
وقال الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية: إن النذر لا ينعقد من الكافر (٣)؛ لأن نذر الطاعة قربة، والقربة لا تصح من الكافر حتى يسلم؛ لأنه ليس من أهل العبادة والطاعة.
وأجابوا عن الحديث بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إن الرسول ﷺ أراد
стр. 4308
أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فأمر عمر ﵁ بالوفاء، أو أن المراد بالحديث أمر عمر ﵁ بأن يأتي باعتكاف شبيه بما نذره؛ لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، لا أنه أُمِرَ بالوفاء، فيكون ما أمره به غير ما أوجبه على نفسه، بل أمره به الآن على أنه طاعة لله .
قال ابن دقيق العيد: (وظاهر الحديث خلافه، فإن دلَّ دليل أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح التزامُ الكافرِ الاعتكافَ احتيج إلى هذا التأويل وإلا فلا) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4309
كتاب القضاء
القضاء مصدر قضى يقضي قضاءً، فهو قاضٍ، ويطلق في اللغة على معان عدة منها: إحكام الشيء، والفراغ منه، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ [فصلت: ١٢]، وبمعنى إمضاء الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] وبمعنى الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ أي حكم، وهي أبلغ من الإيجاب في معناها.
وجميع معاني القضاء في اللغة لا تخرج عن معنى إمضاء الشيء وإتمامه واحكامه والفراغ منه قولًا أو فعلًا (١).
واصطلاحًا: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (٢).
فقولنا: (تبيين الحكم الشرعي) جنس يشمل القاضي والمفتي.
وقولنا: (والإلزام به) هذا قيد يخرج المفتي؛ لأنه لا يُلزم بالحكم الشرعي.
وقولنا: (وفصل الخصومات) فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين ببيان حكم الشرع في القضية مع الإلزام، لنشر العدل والوئام بين الناس، ولئلا تذهب الحقوق ويعتدى على الضعفاء.
والأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ
стр. 4310
النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
وأما السُّنة فحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر، متفق عليه. وسيأتي شرحه إن شاء الله.
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس.
وأما العقل، فهو أن القضاء من ضرورات الاجتماع، به ينتشر العدل، ويعم الأمن، ويُدفع القوي عن الضعيف، ويُنصف المظلوم من الظالم، ولولا القضاء لعمَّت الفوضى، واختل الأمن، وفسد النظام، وساد الاضطراب.
وهو فرض كفاية، وهذا موضع اتفاق بين الفقهاء، يرتفع الإثم عن الأمة بقيام بعضهم به، وإلا أثموا جميعًا؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبًا عليهم، كالجهاد والإمامة، قال أحمد: (لا بدَّ للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟) (١). والقضاء تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة (٢).
وعلى إمام المسلمين القائم بأمرهم أن ينصب قاضيًا يكتفى به، بأن يكون أفضل الموجودين علمًا وورعًا؛ لأن منصب القضاء من أكمل المناصب، فينبغي أن يكون متوليه أكمل من يوجد؛ ولأن الأفضل أقرب إلى حصول المقصود من القضاء، وعلى من تعين عليه القضاء لكونه يصلح، أو لم يوجد غيره أن يجيب إن طُلب للقضاء؛ لأن فرض الكفاية يكون فرض عين إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد، كغسل الميت، وتكفينه، والإمامة، والأذان، وإسعاف المريض، ونحو ذلك من فروض الكفايات. والله تعالى أعلم.