← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حكم نوم الجنب قبل أن يتوضأ ١١٨/ ١١ - وَلِلأرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلُولٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب في «الجنب يؤخر الغسل» (٢٢٨)، والترمذي (١١٨، ١١٩)، والنسائي في «الكبرى» (٨/ ٢١٢)، وابن ماجه (٥٨٣) من طريق أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٣٠٥) من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة). ورواه من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة بنحوه. وليس في هذا السياق قولها: (قبل أن يمس ماء)، ولهذا طعن الحفاظ - ومنهم الإمام مسلم (١) ـ في هذه الجملة من الحديث، وقالوا: إن أبا إسحاق السبيعي أخطأ فيها. وقال أبو داود (١/ ١٠٨) سمعت يزيد بن هارون يقول: (هذا الحديث وهم)، وقال الترمذي (١/ ١٣٦): (يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق). ونقل ابن عبد الهادي عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا الحديث ليس صحيحاً) (٢).

стр. 457

ووجه ذلك أن الثابت عنه ﷺ أنه كان لا ينام حتى يغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، كما في رواية مسلم. قال بعضهم: ويمكن حمله على أن الماء في قولها: «من غير أن يمس ماء» هو ماء الغسل، أما الوضوء فهو ثابت. أو يحمل الوضوء على الاستحباب، وتركه ﷺ له على الجواز (١)، والأول ذكره البيهقي، ونسبه لأبي العباس ابن سُريج، ثم قال: (وبه نأخذ) (٢)، والثاني قاله ابن قتيبة (٣). ويؤيد ذلك حديث ابن عمر ﵄ (أن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم إذا توضأ»)، وفي رواية: «نعم ليتوضأ، ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء» (٤). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للجنب أن ينام دون أن يتوضأ، لكن تبين أن الحديث معلول، وعلى هذا فالصواب أن يتوضأ، وعلى فرض صحته فهو محمول على أن المراد الغسل جمعاً بين الأدلة، فيكون الوضوء ثابتاً لدلالة السنة عليه قولاً وفعلاً، فالقول كما تقدم في حديث عمر ﵁، والفعل كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة (٥). الوجه الثالث: أخذت الظاهرية وابن حبيب من المالكية بحديث ابن عمر ﵄ المتقدم، وقالوا: يجب على الجنب أن يتوضأ قبل أن ينام، وهو

стр. 458

ظاهر كلام الإمام مالك في «المدونة» (١)؛ لأن الحديث جاء بصيغة الأمر وبصيغة الشرط. وذهبت الشافعية إلى كراهة ترك الوضوء وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة، واختاره ابن تيمية (٢)، وقالت: الحنفية: إن الوضوء أفضل (٣)، وقالت المالكية وابن حزم: يندب (٤). والقول باستحباب الوضوء هو الأظهر، بل هو سنة مؤكدة، لثبوت السنة القولية والفعلية، كما تقدم، والقول بوجوبه فيه وجاهة. أما الغسل فيجوز تأخيره إلى ما بعد الاستيقاظ، لحديث عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة ﵂ عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث، قلت: كيف كان يصنع في الجنابة أكان يغتسل قبل أن ينام، أم كان ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 459

صفة الغسل من الجنابة ١١٩/ ١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثمّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِل فَرْجَهُ، ثُمّ يَتَوَضَّأُ، ثمّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أُصُولِ الشَّعَرِ، ثمّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثمّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثمّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لمُسْلِمٍ. ١٢٠/ ١٣ - وَلَهمَا في حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: (ثُمّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ، فَغَسَلهُ بِشِمالِهِ، ثُمّ ضَرَبَ بهَا الأرْضَ، وَفِي رِوَايَةٍ: (فَمَسَحَهَا بِالتّرابِ)، وَفِي آخِرِهِ: (ثُمّ أَتَيْتُهُ بِالمِنْدِيل) فَرَدّهُ، وَفِيهِ: (وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ). الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الغسل» وأولها باب «الوضوء قبل الغسل» (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. واللفظ لمسلم، إلا أن في سياقه (فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حَفَنَ على رأسه … ) الحديث. لكن غسل الرجلين تفرد به أبو معاوية عن هشام، عن سائر الرواة، وقد أشار إلى هذا مسلم في «صحيحه» وأعلها أبو الفضل الشهيد (١)، وله شاهد من

стр. 460

طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂. رواه أحمد (٤١/ ١٩٢)، وأبو داود الطيالسي (٣/ ٨١) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٧٤). والأكثرون على أن سماع حماد من عطاء كان قبل اختلاطه. أما حديث ميمونة، فقد أخرجه البخاري في «الغسل» في مواضع كثيرة وأولها الباب المذكور في حديث عائشة ﵂ (٢٤٩)، وأخرجه مسلم (٣١٧) من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني خالتي ميمونة .. ثم ساقه بتمامه. وقد أورده الحافظ من أجل الزيادات التي لم ترد في حديث عائشة ﵂، لكن الظاهر أن قولها: (ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله) مذكور في الحديث الأول، وهو حديث عائشة ﵂. وقوله: (وفي رواية: فمسحها بالتراب) أي: للبخاري، وعند مسلم: (ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً شديداً) والظاهر أنه ذكرها تفسيراً لرواية: (ثم ضرب بها الأرض). وقوله: (وفي آخره) أي: آخر حديث ميمونة، ولم يسق لفظه اكتفاء بحديث عائشة، وإنما انتقى منه بعض ما لم يرد في الحديث الأول، فقد جاء في آخره عند مسلم بلفظ: (ثم أتيته بالمنديل فرده)، وعند البخاري: (ثم أُتي بمنديل فلم ينفُض بها)، وفي لفظ: (فناولته ثوباً فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه). وقوله: (وفيه: وجعل ينفض بيده) هذا لفظ البخاري، وعند مسلم (وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه). الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قولها: (إذا اغتسل) أي: أراد الاغتسال، وهو من التعبير بالفعل عن إرادته، من باب المجاز المرسل، حيث أطلق المسبب وهو الاغتسال، وأراد السبب وهو الإرادة.

стр. 461

قولها: (من الجنابة) من: للسببية، والجنابة في الأصل: إنزال المني، ثم ألحق به الجماع على وجه شرعي، لا على وجه لغوي. قولها: (فيغسل يديه) أي: كفيه؛ لأنهما المراد عند الإطلاق، والمراد قبل إدخالهما في الإناء. قولها: (ثم يتوضأ) لفظ مسلم بالسياق المذكور: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وعند البخاري في رواية: (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة). قولها: (فيدخل أصابعه في أصول الشعر) أي: يدخل أصابعه مفرقة في أصول شعره، وهي: أسافله مما يلي بشرة الرأس، وإنما فعل ذلك ليُليِّن الشعر ويرطبه، فيسهل مرور الماء عليه. قولها: (حتى إذا رأى أن قد استبرأ)، أي: أوصل البلل إلى جميع الرأس. قولها: (ثم حَفَنَ على رأسه)، أي: أخذ الماء بيديه جميعاً، وهو فعل من باب (ضرب)، والحفنة: ملء الكفين، والجمع: حفنات. قولها: (ثم أفاض على سائر جسده)، أي: صب الماء على باقي جسده، قال الأزهري: (اتفق أهل اللغة أن (سائر) الشيء: باقيه قليلاً أو كثيراً) (١). قولها: (ثم أفرغ على فرجه) أي: صَبَّ، تقول: أفرغت الشيء: صببته إذا كان يسيل. قولها: (ثم ضرب بها الأرض) تفسره الرواية الأخرى التي ذكرها بعدها، وهي قوله: (فمسحها بالتراب)، أي: مسح بيده الأرض ودلكها ليزيل ما عَلِقَ بعد غسل الفرج. قولها: (ثم أتيته بالمنديل) نسيج من قطن أو حرير أو نحوهما، ولفظه مذكر، قاله ابن الأنباري وجماعة، تقول: تمندلت بالمنديل وتندلت: تمسَّحت به، وحذف الميم أكثر، حتى إن الكسائي أنكر: تمندلت، بالميم (٢).

стр. 462

قولها: (فردَّه) أي: لم يأخذه، وفي رواية: (فناولته خرقة فلم يُرِدْهَا) وهي بضم الياء وكسر الراء المخففة، أي: لم يأخذها، كما في رواية أخرى. قولها: (وجعل ينفض الماء بيده) أي: يسلته من على جسده، وقولها: (بيده) يحتمل بيد واحدة أو باليدين الثنتين. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الغسل من الجنابة على هذه الكيفية، اقتداءً بالنبي ﷺ ، فيبدأ بغسل كفيه ثلاثاً - كما في بعض الروايات - لأنهما أداة غرف الماء من الإناء، ثم يغسل فرجه فينظفه؛ لأنه محل التلوث في الجنابة، ثم يدلك يده اليسرى على الأرض لإزالة ما علق بها من غسل الفرج، ثم يتوضأ وضوءاً كاملاً، ثم يخلل بيده شعر رأسه بالماء إن كان شعره كثيفاً، فإذا ظن أنه أرواه صب عليه الماء ثلاث مرات، ثم يغسل باقي جسده بعد ذلك، ثم يغسل رجليه؛ لأن كل ما تحدر من جسده من أوساخ وفضلات أصابت رجليه، فكان حقهما أن يُطهرا بعد ذلك، وقد جاء في بعض الروايات من حديث ميمونة ﵂: (ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه) وهذا أبلغ في تطهيرهما. واعلم أن صفة غسل النبي ﷺ جاء من حديث عائشة وميمونة ﵄، وبينهما بعض الفروق في الصفة، وهذا كثير في العبادات؛ يفعلها النبي ﷺ على وجوه متنوعة، فيكون في ذلك توسعة على الأمة، فعلى أي وجه فعلوها مما ورد أدركوا السنة، وتمام السنة أن يفعلوها على الوجوه كلها، أحياناً على وجه، وأحياناً على الوجه الآخر. وقد ذكر العلماء أنه إذا عمّ بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق أجزأ ذلك ولو لم يتوضأ قبله، لكنه ترك السنة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ومن عَمَّ بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه تطهر، ولأن الله تعالى لم يفصِّل في الغسل، كما فصّل في الوضوء، فدل على أنه لا يجب الغسل على صفة معينة، ويؤيد ذلك قوله ﷺ للرجل الذي كان جنباً ولم يصل: «خذ هذا وأفرغه عليك» (١).

стр. 463

الوجه الرابع: ظاهر حديث عائشة ﵂ في قولها: (ثم يتوضأ)، وفي رواية للبخاري: (ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة)، وعند البخاري ومسلم: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وهكذا جاء في حديث ميمونة في رواية عند البخاري ومسلم، ظاهر ذلك أنه غسل رجليه، وظاهر حديث ميمونة عند البخاري في رواية: (توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه) أنه لم يغسل رجليه مع وضوئه، وإنما أخرهما إلى نهاية الغسل، لقولها في رواية: (ثم تنحى فغسل رجليه)، وفي رواية للبخاري من حديث عائشة: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة)، وفي آخره قالت: (ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه)، وقد تقدم تفرد أبو معاوية بذكر غسل الرجلين بعد الوضوء ونهاية الغسل، فإما أن تكون هذه الرواية معلولة، أو تحمل على حديث ميمونة، ويكون المراد بقولها: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة) غير رجليه (١)، أو يحمل على جواز الأمرين: غسلهما مع الوضوء، أو تأخير غسلهما. الوجه الخامس: لم يرد في هذا السياق ذكر المضمضة والاستنشاق، وورد ذكرهما في حديث ميمونة عند البخاري بلفظ: (ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه) (٢)، والظاهر أنهما داخلان في عموم قولها: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب، والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقطت توابعه (٣)، لكن تعقبه الحافظ بأن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى وجوبه، منهم أبو ثور، وداود الظاهري (٤). وقد ذهبت الحنفية - كما ذكر الحافظ - إلى وجوب المضمضة والاستنشاق، لفعله ﷺ ، ويكون هذا من باب بيان الغسل المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، واختار هذا الشيخ عبد العزيز بن باز (٥).

стр. 464

الوجه السادس: الحديث دليل على أنه يكتفى بغسل الجسد مرة واحدة ولا يكرر، لقولها: (ثم أفاض على سائر جسده) فلم تقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى، وهو المرة الواحدة؛ لأن الأصل عدم الزيادة، وقد بوَّب البخاري على حديث ميمونة «باب الغسل مرة واحدة» وفيه: (ثم أفاض على جسده) (١). والمشهور من مذهب الحنابلة أنه يغسل جسده ثلاث مرات، قياساً على أعضاء الوضوء؛ لأنه يشرع فيها التثليث. والصحيح الأول، وهو أنه لا يشرع تثليث غسل الجسد، بل يغسل مرة واحدة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (من نقل غُسْلَ النبي ﷺ كعائشة وميمونة ﵄ لم ينقل أنه غسل بدنه كله ثلاثاً، بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثا حثية على شق رأسه، وأنه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه) (٢). والذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه قياساً على الوضوء، والسنة قد فرقت بينهما، قال الزركشي: (وهو ظاهر الأحاديث) (٣). الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من قال باستحباب ترك التنشف بالمنديل بعد الغسل أو الوضوء، لقولها: (ثم أتيته بالمنديل فرده)، وفي رواية: (فناولته ثوباً فلم يأخذه، وانطلق وهو ينفض الماء) (٤)، ولأن ما على البدن أو على أعضاء الوضوء هو من أثر العبادة، فينبغي بقاؤها، ويدل لذلك - أيضاً - حديث أبي هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا رسول الله ﷺ فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا: «مكانكم»، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (٥).

стр. 465

فقوله: (ثم خرج ورأسه يقطر) دليل على أنه لم يتمسح بشيء، وهذا قول الشافعية في الصحيح عندهم من أوجه خمسة هذا أحدها (١). وذهب الجمهور إلى أن التنشف مباح يستوي فعله وتركه؛ لأنه ﷺ جعل ينفض الماء بيده ولم يَنْهَ عنه، وأما رده المنديل في حديث ميمونة فهو كما قال الحافظ واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، إما لسبب في المنديل، كعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، أو لكونه كان مستعجلاً أو غير ذلك (٢)، وعندي أن الاحتمال الأول فيه نظر. وقال بعض العلماء: إن هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل، وقال ابن دقيق العيد: (نفضه الماء بيده دليل على أنه لا كراهة في التنشيف؛ لأن كلًّا منهما إزالة) (٣). وقد جاء عند أبي داود في حديث ميمونة ﵂ من طريق الأعمش، عن سالم، عن كريب به. وفي آخره قول الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم - يعني النخعي - فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأساً، ولكن كانوا يكرهون العادة (٤)، والمعنى أن السلف لا يرون بالمنديل بأساً، ولكنهم يكرهونه مخافة أن يصير عادة بعد الوضوء (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 466

حكم نقض المرأة شعرها في الغسل ١٢١/ ١٤ - وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ فقال: «لَا، إنّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه مسلم (٣٣٠) في كتاب «الحيض» باب «حكم ضفائر المغتسلة» من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين». وفي رواية لمسلم - أشار إليها الحافظ - من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أيوب .. ولفظه: (أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: لا .. ). وقد حكم ابن القيم على هذه الرواية، وهي رواية عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، بأنها غير محفوظة (١)، وتبعه على هذا الألباني (٢)، وذلك لتفرد عبد الرزاق بها عن الثوري، وقد رواه عن الثوري يزيد بن هارون، ورواه سفيان بن عيينة، وروح بن القاسم، عن أيوب بن موسى، ولم يذكروا لفظة

стр. 467

(الحيضة) قال ابن القيم: (والصحيح في حديث أم سلمة الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض، وليست لفظة: «الحيض» بمحفوظة)، ثم ساق الروايات في هذا، ثم قال: (فقد اتفق ابن عيينة وروح بن القاسم عن أيوب، فاقتصر على الجنابة، واختلف فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه: «أفأنقضه للحيضة والجنابة؟»، ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟ ومن أعطى النظر حقه علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث) (١). وروى مسلم - أيضاً - (٣٣١) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة ﵂ أن عبد الله بن عمرو ﵄ يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا!! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قولها: (أشد شعر رأسي) لفظ مسلم (ضَفْر رأسي) كما تقدم، وكأن المصنف رواه بالمعنى، والمشهور في (ضَفْر) فتح الضاد وإسكان الفاء، ومعناه هنا: أُحْكِمُ فتل شعري، مصدر ضفر الشَّعْرَ وغيره: نسج بعضه على بعض أو جعله ضفائر بثلاث طاقات، وهو من باب التسمية بالمصدر، كالصيد ونحوه، ويجوز ضمهما معاً، جمع ضفيرة كسفينة وسفن، وهي كل خصلة من الشعر مفتولة أو مجدولة على حدة. قولها: (أفأنقضه) هذا يقوي المعنى الأول، وعند النسائي وغيره: (أفأنقضها) وهذا يقوي المعنى الثاني، وهو أنه جمع ضفيرة. قوله: (أن تحثي .. حثيات) بالثاء المثلثة، يقال: حثا الرجل التراب

стр. 468

يحثوه حثواً، ويحثيه حثياً، إذا أهاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه، والمراد بالحثيات هنا: جمع حثية، وهي الحفنة التي هي ملء الكفين من الماء، وهذا على التشبيه، لما تقدم. قوله: (ثم تُفيضين) بضم التاء، من أفاض الماء: صبه - وقد تقدم قبل هذا - أي: تصبين الماء على جسدك حتى يسيل. الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض شعرها للغسل من الجنابة أو الحيض، لما في ذلك من المشقة، ولا سيما في غسل الجنابة، بل تكتفي في ذلك بثلاث غرفات، تحثوها على رأسها. وهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق (١)، والمجد، والشارح عبد الرحمن بن قدامة (٢)، وهو أنه لا يجب نقضه لا في غسل الجنابة ولا في غسل الحيض. قال في الشرح الكبير: (ولا يجب على المرأة نقض شعرها لغسلها من الجنابة رواية واحدة، إذا رَوّتْ أصوله، ولا نعلم في هذا خلافاً، إلا أنه روي عن ابن عمرو .. وهو قول النخعي، ولا نعلم أحداً وافقهما على ذلك .. ) (٣). أما نقضه في غسل الحيض ففيه قولان: الأول: أنه لا يجب نقضه في غسل الحيض، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في قول، واستدلوا بحديث أم سلمة المذكور (٤). الثاني: أنه يجب نقضه، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقول الظاهرية (٥)، وبعض المالكية، واختاره ابن القيم (٦).

стр. 469

واستدلوا بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «انقُضي رأسك وامتشطي» (١). وعند ابن ماجه: «انقضي رأسك واغتسلي» (٢)، وقد شك الألباني في لفظة: (واغتسلي)، لكون الحديث في الصحيحين بدونها (٣)، وهذا الحديث وإن كان في غسل الإحرام؛ فإن أمره بالنقض في هذا الغسل وهو غير رافع لحدث الحيض تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعاً لحدثه من باب أولى. والقول الأول أرجح، وهو أنه لا يجب نقض الرأس عند الغسل من الحيض لقوة أدلته، ومما يقويه إنكار عائشة ﵂ على عبد الله بن عمرو، كما تقدم، فهذا يدل على أنه ليس بواجب، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الشعر ملبداً لا يصل الماء إلى أصوله بالصب، فيجب نقضه عند ذلك. أما أدلة القول الثاني: فإن حديث عائشة ليس فيه أمر بالغسل في رواية الصحيحين، ولو سلم بالأمر بالغسل لم يكن فيه حجة؛ لأن ذلك ليس هو غسل الطهارة من الحيض، وإنما أمرت بالغسل في حال الحيض للإحرام بالحج (٤)، لقولها: (أدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: «دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي»)، ولو ثبت الأمر به حمل على الاستحباب، جمعاً بينه وبين حديثها المذكور في الباب. والحكمة من التفريق بين الجنابة والحيض - عند القائل به - هو أن الأصل وجوب نقض الشعر، ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض فالغالب أنه في الشهر مرة، فلا مشقة في نقضه، فيبقى على مقتضى الأصل، وهو الوجوب، والله تعالى أعلم.

стр. 470

تحريم المسجد على الحائض والجنب ١٢٢/ ١٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إني لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٣٢) في «الطهارة» بابٌ في «الجنب يدخل المسجد»، وابن خزيمة (١٣٢٧)، من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة (١)، قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد»، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئاً، رجاءَ أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». وقد اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث والاحتجاج به. فقد صحَّحه ابن خزيمة، كما ذكر الحافظ، وحسَّنه ابن القطان والزيلعي، كما صححه الشوكاني (٢)، وقد نقل الحافظ - هنا - تصحيح ابن خزيمة، فكأنه يميل إلى تصحيحه، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (لا بأس بإسناده).

стр. 471

وضعفه آخرون منهم البيهقي، فقال: (ليس بالقوي)، وقال عبد الحق: (لا يثبت)، وبالغ ابن حزم فقال: (إنه باطل) (١). وذلك لأن مداره على جسرة بنت دجاجة، ولم يوثقها من يعتمد على توثيقه، فقد وثقها ابن حبان والعجلي (٢)، وقال عنها البخاري: (عند جسرة عجائب) (٣) وهذا يفيد تضعيفها. وقال الدارقطني: (يعتبر بحديثها إلا أن يحدث عنها من يترك) (٤). ثم إنها قد اضطربت في رواية الحديث، فمرة قالت: عن عائشة، كما في هذا السياق، ومرة قالت: عن أم سلمة، كما عند ابن ماجه (٦٤٥)، وهذا مما يوهن الحديث؛ لأنه يدل على عدم ضبط الراوي وحفظه. وبالإضافة إلى ذلك، ففي حديثها هذا مخالفة لأحاديث الثقات فيما يتعلق بسد الأبواب إلى المسجد، فقد قال عروة وعباد بن عبد الله، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر»، قال البخاري: (وهذا أصح). وعلى ما تقدم فهي علة ضعف هذا الحديث، أما تضعيفه بأفلت بن خليفة - كما قال ابن حزم وغيره - وأنه مجهول الحال، فليس بصحيح؛ فإنه روى عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد، وقال أحمد: (ما أرى به بأساً) (٥)، وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: (شيخ) (٦)، وحكى البخاري أنه سمع من جسرة بنت دجاجة. وقال ابن القطان: (إن قول البخاري في جسرة: عندها عجائب، لا يكفي لمن يسقط ما روت) (٧)، وهذا فيه نظر، فإن اضطرابها في الرواية،

стр. 472

وتفردها بهذا الحديث عن عائشة دون أصحاب عائشة الكبار، ومخالفة حديثها هذا لما ذكره البخاري كلها قرائن تطعن في الحديث، والله أعلم. الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بتحريم لبث الجنب والحائض في المسجد، ومثل الحائض النفساء، وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وكذا الحنابلة في الحائض (١)، ومن أدلتهم - أيضاً - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، قالوا: إن المراد بالصلاة: أماكنها، وهي المساجد، والمعنى: لا تقربوا المُصَلّى للصلاة وأنتم سكارى … ولا تقربوه جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، أي: مجتازين للخروج منه، فكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها، وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ بأسانيد فيها مقال، وثبت هذا التفسير عن جماعة من التابعين، كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وذهب إلى هذا التفسير الشافعي (٢). ورجحه ابن جرير (٣)، وابن كثير (٤)؛ وقال: (هو الظاهر من الآية)، ومال إليه القرطبي (٥)؛ والشوكاني (٦)، قالوا: ولا يراد بالآية: الصلاة، وبقوله: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ المسافر؛ لأن التيمم لا يخص المسافر، ولأنه بين حكم المسافر في آخر الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، لكن صحَّ هذا التفسير عن ابن عباس ﵄، وبه قال جماعة من التابعين (٧)، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن النهي في الآية عن قربان الصلاة وعن قربان مواضعها (٨).

стр. 473

قال الجمهور: ويقاس على الجنب الحائض، فإذا نُهي عن قربان مواضع الصلاة، فهي أولى بالنهي، لأن حدثها أغلظ، فهو يمنع الصيام، ويسقط الصلاة، والجنب مأمور بالصيام، ومأمور بالصلاة إذا تطهر (١). والقول الثاني: أنه يجوز للجنب والحائض والنفساء أن يدخلوا المسجد ويمكثوا فيه، وبه قال ابن حزم، وذكره قولاً لداود (٢)، وهو قول ابن المنذر، والمزني (٣)، واستدلوا بما يلي: ١ - أن الأصل في الأشياء الإباحة وعدم التحريم، وليس مع من حرم المسجد على من ذُكِرَ دليل صحيح (٤). ٢ - ما ورد عن عائشة ﵂ أن وليدةً سوداءَ كانت لحي من العرب فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد أو حِفْش (٥) قال ابن حزم: (فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ ، والمعهود من النساء الحيض، فما منعها ﷺ من ذلك ولا نهى عنه، وكل ما لم ينه ﵊ عنه ويأمر به فمباح) (٦). ٣ - أن أهل الصُّفَّة كانوا يبيتون في المسجد (٧). وقد بوب البخاري على ذلك بقوله: (باب نوم الرجال في المسجد)، ومن ينام في المسجد لا سيما إذا كان ملازماً له فإنه لا يسلم من الاحتلام. والقول الثالث: أنه يجوز للجنب فقط أن يمكث في المسجد إن كان متوضئاً، وبه قال الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٨) لما روى سعيد بن منصور عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالاً من أصحاب النبي ﷺ

стр. 474

يجلسون في المسجد، وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة (١). وروى حنبل بن إسحاق عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ ثم يدخل المسجد فيتحدث (٢). ولأن الوضوء يخفف حدثه فيزول بعض ما يمنعه، كما تقدم في الجنب إذا أراد أن ينام أنه يتوضأ، لكن هذا الأثر عن الصحابة ﵃ حكاية فعل، والفعل المجرد من الرسول ﷺ لا يدل على الوجوب، فكيف من غيره (٣)؟ كما علم من الأصول. وسبب الخلاف في هذه المسألة أمران: الأول: الاختلاف في تفسير الآية المتقدمة، وهل النهي فيها عن الصلاة؛ والمراد بعابر السبيل: المسافر، أو أن المراد: مواضعها، والمراد بعابر السبيل: المجتاز المار في المسجد للخروج منه؟ الأمر الثاني: الاختلاف في تصحيح الحديث وتضعيفه.

стр. 475

وقد ذهب الجمهور إلى أن الجنب لا يلبث في المسجد، استدلالاً بالآية الكريمة، على أن المراد بالصلاة: موضعها، وهو المسجد، كما رجحه ابن جرير وابن كثير، وأخذاً بالحديث على رأي من صححه، وأما على التفسير الأول، وهو أن الصلاة باقية على حقيقتها، والمعنى: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا أنتم جنب إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا (١)، فلا يكون في الآية دليل على منع الجنب من دخول المسجد واللبث فيه، ولا يبقى في المسألة إلا حديث الباب وقد علمت ما فيه. وأما الحائض فليس في منعها من المسجد إلا حديث الباب، وأما القياس على الجنب ففيه نظر، للفارق بينهما، وهو قدرته على التطهر دونها، وعلى هذا فيجوز لبثها في المسجد، وعليها أن تحترز من إصابة المسجد بالأذى؛ لما سيأتي - إن شاء الله - من الأدلة في الحث على نظافة المساجد، ومن أهل العلم من خصَّ لبثها بالضرورة، وهو قول المالكية، وشيخ الإسلام ابن تيمية - كما لو خافت من يقتلها إذا لم تدخل المسجد أو كان البرد شديداً أو فيه مطر، أو نحو ذلك (٢). أما عبورها في المسجد أو أخذها شيئاً منه مثل سجادة أو كتاب فهذا يجوز، لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ناوليني الخُمرة (٣) من المسجد»، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 476

حكم غسل الرجل مع امرأته من إناء واحد ١٢٣/ ١٦ - وَعَنْهَا قَالتْ: كُنْتُ أَغْتَسلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ ابْنُ حِبّانَ: وَتَلْتَقِي. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في «الغسل» باب «غسل الرجل مع امرأته»، وباب «هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها» (٢٦١)، ومسلم (٣٢١) (٤٥) من طريق عبد الله بن مسلمة، حدّثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، واللفظ لمسلم، لأن البخاري ليس عنده لفظة: (من الجنابة). وأخرجه ابن حبان (٣/ ٣٩٥) من طريق ابن وهب قال: حدثني أفلح بهذا الإسناد، ولفظه: (سمعت عائشة تقول: إن كنت لأغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه وتلتقي) وسنده صحيح. قال الحافظ: (وللإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان، عن أفلح: (تختلف فيه أيدينا، يعني: حتى تلتقي)، وللبيهقي من طريقه: (تختلف أيدينا فيه، يعني وتلتقي)، وهذا يشعر بأن قوله: (وتلتقي) مدرج، وسيأتي في باب (تخليل الشعر) من وجه آخر عنها: (كنا نغتسل من إناء واحد نغترف منه جميعاً) فلعل الراوي قال: وتلتقي بالمعنى) (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قولها: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ ، يجوز في (رسول الله)

стр. 477

النصب على أنه مفعول معه، والرفع عطفاً على الضمير المستتر في (أغتسل) وهو أحسن من النصب، لأن العطف على الضمير المستتر مع الفصل بالضمير المنفصل قوي، وفيه تغليب المتكلم على الغائب إيذاناً بأن النساء محل الشهوات وحاملات للاغتسال، فكنّ أصلاً فيه. قولها: (تختلف أيدينا فيه) الاختلاف ضد الاتفاق، والمراد بذلك أن يدخل كل واحد منهما يده ويغرف من الإناء بعد يد الآخر، فيكون كل واحد منهما اغتسل بفضلة الآخر. وقد جاء في بعض الروايات عند البخاري ومسلم: (من إناء واحد من قدح يقال له الفَرَق) قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع. قولها: (من الجنابة) متعلق بالفعل (أغتسل) و (من) للسببية. قولها: (وتلتقي) أي: تجتمعان أثناء الأخذ والغرف من الإناء. الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وأن ذلك لا يؤثر في طهارة الماء، وجواز رؤية كل واحد منهما عورة الآخر، ويدل لذلك - أيضاً - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠]. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن وضع الجنب يده في الإناء الذي فيه ماءُ غُسْلِهِ لا يسلبه الطهورية، وذلك أن اليد إذا كانت نظيفة ليس عليها قذر جاز إدخالها في الإناء؛ لأنه ليس شيء من أعضاء الجنب نجساً بسبب كونه جنباً، ولو كانت الجنابة تتصل بالماء حكماً لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء حتى يكمل طهارته، ويزول حدث الجنابة عنه، فلما جاز إدخالها في أثناء الغسل علم أن الجنابة ليست مؤثرة في مباشرة الماء باليد، فلا مانع من إدخالها أولاً كإدخالها وسطاً (١).

стр. 478

وعن عامر الشعبي قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب، والنساء وهن حُيَّضٌ، لا يرون بذلك بأساً، يعني قبل أن يغسلوها) (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 479

وجوب العناية بغسل الجنابة ١٢٤/ ١٧ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنّ تَحْتَ كلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلوا الشَّعَرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَر». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتّرْمِذِيّ وَضَعّفَاهُ. ١٢٥/ ١٨ - وَلأحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول: فقد أخرجه أبو داود في «الطهارة»، باب «الغسل من الجنابة» (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧) كلهم من طريق نصر بن علي، حدثنا الحارث بن وجيه، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعاً. قال أبو داود: (الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف). وقوله: (منكر) أي: لتفرد الحارث به، وهو ضعيف، فلا يعتمد على روايته، وقال الترمذي: (حديث الحارث بن وجيه حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار). وقد ضعف العلماء هذا الحديث لضعف راويه وهو الحارث بن وجيه الراسبي، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، وعن ابن معين أنه قال فيه: (ليس بشيء)، وقال البخاري: (في حديثه بعض المناكير)، وقال النسائي: (ضعيف) (١)، ونقل العقيلي عن نصر بن علي الجهضمي أنه يضعف

стр. 480

الحارث بن وجيه، وقال: (وله عنه - أي عن مالك بن دينار - حديث منكر لا يتابع عليه)، ثم ساق هذا الحديث (١). وقال ابن أبي حاتم: (قال أبي: هذا حديث منكر، والحارث ضعيف الحديث) (٢). وقال البيهقي: (أنكره أهل العلم بالحديث: البخاري وأبو داود وغيرهما، وإنما يروى عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً، وعن الحسن عن أبي هريرة موقوفاً) (٣). أما الحديث الثاني وهو حديث عائشة ﵂: فقد أخرجه أحمد (٤١/ ٣٠٦) (٤٣/ ٢٤٨) من طريق شريك، عن خُصيف، قال: حدثني رجل منذ ثلاثين سنة عن عائشة قالت: أجمرت شعري إجماراً شديداً (٤) فقال لي رسول الله ﷺ : «يا عائشة، أما علمت أن على كل شعرة جنابة». وهذا إسناد ضعيف، قال الهيثمي: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه رجلاً لم يُسمّ) (٥). وخصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري، صدوق سيئ الحفظ، خلط بِأَخَرَةَ. وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي، صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن تحت كل شعرة جنابة) هذا كناية عن شمول الجنابة كل ظاهر البدن الذي هو محل الشعر عادة.

стр. 481

قوله: (فاغسلوا الشعر) الفاء للترتيب، والمعنى: ترتيب الحكم الذي هو وجوب الغسل على الوصف الذي هو عموم الجنابة للبدن، للدلالة على أن الشعر قد يمنع وصول الماء إلى البشرة، فيجب استقصاء الشعر بالغسل، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. قوله: (أنقوا) بهمزة القطع، يقال: نَقِيَ الشيءُ ينقى، من باب (تعب) نقاء ونقاوة: نَظُفَ، فهو نقي. قوله: (البشر) بفتح الباء الموحدة والشين المعجمة: ظاهر الجلد، مفرده: بشرة. الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من الجنابة، وتعميم الجسم كله بالماء، وإزالة كل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة وأن الطهارة لا تكمل بترك الشيء من الجسد ولو كان قليلاً، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً في سنده - كما تقدم - فهو صحيح في معناه، دل القرآن على مقتضاه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فأوجب الله التطهير لجميع البدن. إلا إن كان عليه جبيرة فإنه يكفي غسل ظاهرها إن أمكن غسله، وإن لم يمكن مسحه، فإن كان الجرح ليس عليه شيء ويضره الماء، فعليه أن يتيمم، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وسيأتي ذلك في «التيمم». الوجه الرابع: فيه دليل على تعليق الأحكام بعللها، وأنه لما كانت الجنابة شاملة لجميع البدن، كان التطهير شاملاً لجميع البدن، وذلك أن اللذة أثناء الجماع قد عمَّت جميع البدن واهتز لها فصار التطهير شاملاً لجميع البدن، كما أن جَلْدَ الزاني يعم بدنه، لحصول اللذة في جميع البدن، والله تعالى أعلم.

стр. 482

باب التيمم لما ذكر المصنف ﵀ ما يتعلق بالطهارة المائية الصغرى والكبرى، شرع في ذكر الأحاديث المتعلقة بالطهارة الترابية وهي التيمم، وأَخّره عنهما اقتداء بالقرآن، ولأنه بدل عنهما، ولذا لا يصار إليه إلا عند العجز عنهما، وترجم له بالباب دون الكتاب؛ لأنه نوع من الطهارة، فيشمله كتاب «الطهارة». والتيمم في اللغة: القصد، يقال: تيمم الشيء ويمَّمه: أي: قصده، قال ابن السِّكِّيت: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، أي: اقصدوا الصعيد الطيب (١). وشرعاً: مسح الوجه واليدين من الصعيد الطيب، بدلاً عن طهارة الماء، عند تعذر استعماله. وهو يشرع عند تعذر استعمال الماء لمرض أو سفر، أو عَدَمٍ في حضر أو سفر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. وشُرع في السَنَة السادسة في غزوة بني المصطلق، لما ضاع عقد عائشة ﵂، ومكثوا في طلبه على غير ماء، فنزلت آية التيمم، وهذا ثابت في الصحيحين (٢). والتيمم من خصائص هذه الأمة، شرعه الله تعالى لها تكميلاً لدينها؛ ورحمة بها وإحساناً إليها، وكان الإنسان في الأمم السابقة إذا لم يجد ماء

стр. 483

يبقى حتى يجده فيتطهر به، وفي هذا مشقة عليه وحرمان للإنسان من الصلة بربه، أما في هذه الشريعة العظيمة فقد تجلى حرص الإسلام على الصلاة وعلى إقامتها، وصلة العبد بربه، بحيث لا ينقطع عن الصلاة لسبب من الأسباب، فإذا تعذر الماء أو تضرر باستعماله وجب عليه أن يتيمم ويصلي، فلله الحمد على فضله ونعمائه.

стр. 484

بعض خصائص النبي ﷺ وأمته ومنها التيمم ١٢٦/ ١ - عَنْ جَابِرِ بن عبد الله ﵄ أَنّ النبيّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْساً لمْ يُعْطَهُنّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجداً وَطَهُوراً، فَأيّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصلاةُ فَلْيُصَلِّ … » وَذَكَرَ الحديثَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» (٣٣٥) ومسلم (٥٢١) من طريق هُشيم بن بشير قال: أخبرنا سيّار أبو الحكم قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير (١) ـ قال: أخبرنا جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تُحلَّ لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة»، وهذا لفظ البخاري. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أعطيت خمساً) أي: أعطاني الله تعالى خمس خصال، فَحُذِفَ الفاعل للعلم به، وهذا ليس على سبيل الحصر، كما سيأتي إن شاء الله. قوله: (لم يعطهن أحد قبلي)، وفي رواية للبخاري ومسلم: «أحد من الأنبياء».

стр. 485

قوله: (نصرت بالرعب) الباء: للسببية، والرعب: الخوف والذعر لتوقع نزول محذور، والمراد هنا: حصول الخوف والوجل في قلوب الأعداء. قوله: (مسيرة شهر) أي: مسافة شهر، والمعنى: أن عدوه مرعوب منه ولو كان بينه وبينه مسافة شهر. قوله: (وجعلت لي الأرض مسجداً) أي: صيَّر الله لي جميع الأرض مكاناً للسجود، أي: للصلاة، بخلاف الأمم السابقة فإنهم لا يصلون إلا في أماكن معينة كالكنائس، وفي حديث عمرو بن شعيب: «وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم» (١)، وهذا من العام الذي دخله التخصيص، كما سيأتي إن شاء الله. قوله: (وطهوراً) بفتح الطاء، أي: شيئاً أتطهر به، والمراد: المطهر لغيره لا الطاهر فقط، وقد ورد في حديث أنس ﵁ مرفوعاً: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً» (٢). قوله: (فأيما رجل) أيُّ: اسم شرط زيدت فيه (ما) للتأكيد، وذكر الرجل لشرفه، والمرأة مثله. قوله: (أدركته الصلاة فليصلِّ) أي: دخل عليه وقتها وهو من أهلها، فليتطهر بالأرض وليصل عليها، ولا ينتظر وجود الماء. قوله: (وأحلت لي الغنائم) أي: جعلها الله لي حلالاً، والمراد بها: ما يؤخذ من أموال الكفار في الجهاد، وكانت في الأمم السابقة تجمع في مكان، ثم تنزل عليها نار من السماء فتحرقها. قوله: (وأعطيت الشفاعة) المراد بها: الشفاعة العظمى، وهي شفاعته ﷺ إلى الله تعالى في أهل الموقف أن يُقضى بينهم.

стр. 486

الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية التحدث بنعم الله تعالى لا على سبيل الافتخار؛ ولكن إظهاراً لنعمة الله تعالى واستجلاباً لشكره عليها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وفي حديث ابن عباس ﵄: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، ولا أقول فخراً .. » (١)، وفي حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر» (٢)، قال بعض السلف: (من كتم النعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها). الوجه الرابع: الحديث دليل على فضيلة النبي ﷺ وأمته حيث إن الله تعالى منّ عليه وعلى أمته بخصائص وفضائل، لم تكن لأحد من الأنبياء ولا لأممهم، ومفهومه أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة، لكن ذِكْرُ العدد لا يدل على الحصر؛ لأن هناك خصائص غير ما ذكر في هذا الحديث، ففي حديث حذيفة: «فُضّلنا على الناس بثلاث» وسيأتي - إن شاء الله ـ، وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فُضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (٣)، وحديث علي ﵁: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء»، وسيأتي - أيضاً إن شاء الله تعالى ـ، وحديث ابن مسعود ﵁، وفيه ( … فأُعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيمَ سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المُقْحِمَاتُ) (٤). فمن يقول بمفهوم العدد يقول: لعله أُطْلع أولاً على ما اختص به، ثم أُطلع على الباقي، وقد ذكر الحافظ سبع عشرة خصلة، استنبطها من

стр. 487

الأحاديث، وقال: (يمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع) (١). وقد عني العلماء بموضوع الخصائص، وأفردت لها مؤلفات مستقلة؛ ومنها: كتاب «غاية السول في خصائص الرسول ﷺ »، لابن الملقن وهو مطبوع في مجلد، وكتاب: «الخصائص الكبرى» للسيوطي، وقد تحدث عنه في حاشيته على النسائي، وهو - أيضاً - مطبوع (٢). الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من وسائل النصر على الأعداء إلقاء الرعب في قلوبهم ولو كان بينهما مسافة شهر، وهذا النصر ثابت للنبي ﷺ وهو من تأييد الله له، وهذه الخصلة ترجى لمن أخذ بسنته وتابعها واستقام عليها واهتدى بهديه ظاهراً وباطناً من ولاة الأمور (٣). الوجه السادس: الحديث دليل على جواز التيمم على كل أرض طاهرة لقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فسمى الأرض طهوراً كالوضوء، فدل على أن التراب طهور كالماء، و (أل) في الأرض للاستغراق، فيشمل كل أرض، سواء أكانت ترابية أم رملية أم صخرية، وسواء كانت يابسة أم نديَّة، فالإنسان يتيمم في الأرض التي هو فيها، مهما كان نوعها. وقد ثبت في حديث أبي الجهم أن الرسول ﷺ تيمم على الجدار (٤)؛ لأنه متصل بالأرض، وهو من جنسها، فإن كان الجدار مكسوّاً بالأخشاب أو الدهان وكان عليه غبار جاز التيمم به، ولا حرج إذا لم يجد صعيداً ويكون كالذي يتيمم على الأرض؛ لأن التراب أو الغبار من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب فإنه ليس من الصعيد فلا يتيمم عليه، وكذا يقال في الفُرُشِ. الوجه السابع: الحديث دليل على جواز الصلاة على كل مكان من الأرض، لما تقدم من الاستغراق في قوله: «الأرض»، لكن هذا من العام المخَصَّص، فيخرج من هذا العموم ما استثناه الشرع، كالمكان النجس

стр. 488

والمقبرة والحمام وأعطان الإبل، وسيأتي ذلك في كتاب «الصلاة»، إن شاء الله. الوجه الثامن: الحديث دليل على وجوب أداء الصلاة في وقتها على أي حال كان، سواء أكان واجداً للماء أم عادماً له، لقوله: «فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل»، لكن إن ترجح عنده وجود الماء في آخر الوقت فإن الأفضل له أن يؤخر الصلاة، محافظةً على شرط من شروطها وهو الطهارة بالماء، والصلاة في أول وقتها فيها محافظة على فضيلة الوقت فقط. أما إذا علم أنه لن يجد الماء أو ترجح عنده عدم وجوده فتقديم الصلاة في أول وقتها أفضل. الوجه التاسع: الحديث دليل على حلّ الغنائم لهذه الأمة. الوجه العاشر: الحديث دليل على اختصاص النبي ﷺ بالشفاعة العظمى التي يتدافعها كبار الرسل عليهم الصلاة والسلام. الوجه الحادي عشر: الحديث دليل على أن رسالة النبي ﷺ عامة لجميع الناس إلى يوم القيامة، فكلهم ملزمون بشريعته بعد بعثته، والله تعالى أعلم

стр. 489

اشتراط التراب في التيمم ١٢٧/ ٢ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيفَةَ عِنْدَ مُسْلِم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً، إذَا لمْ نَجِدِ المَاءَ». ١٢٨/ ٣ - وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعلَ التُّرَابُ لِي طَهُوراً». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه مسلم (٥٢٢) في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء»، وذكر خصلة أخرى. وأخرجه - أيضاً - من طريق سعد بن طارق، حدثني ربعي بن حِرَاشٍ، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ؛ بمثله. وقوله: (وذكر خصلة أخرى) هي الثالثة؛ لأن المذكور خصلتان، لأن ما ذُكر عن الأرض من كونها مسجداً وطهوراً خصلة واحدة، كما تقدم في حديث جابر، وأما الثالثة فهي محذوفة هنا، وجاء ذكرها في رواية النسائي من طريق أبي مالك الأشجعي - الراوي هنا عند مسلم - ومنه: «وأُوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَ أحد منه قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي» (١).

стр. 490

أما حديث علي ﵁، فقد أخرجه أحمد (٢/ ١٥٦ - ٤٦٠) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي بن الحنفية، أنه سمع أباه علي بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت ما لم يُعْطَ أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسُمِّيت أحمد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم». وهذا سند فيه ضعف، فإن عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه، قال ابن عيينة: (أربعة من قريش يترك حديثهم، فذكره فيهم)، وقال الدارقطني: (ابن عقيل ليس بقوي) (١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بأَخَرة). والصواب إن شاء الله، أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن (٢)، فإن الكلام فيه إنما هو من قبل حفظه، وهو في نفسه صدوق، فيتقى من حديثه ما انفرد به، وحديثه هذا له شواهد. قال الترمذي: (سألت محمداً عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديثه، وهو مقارب الحديث) (٣). وقد اختلف في إسناده، فقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث اختلف في الرواية على عبد الله بن محمد بن عقيل، فروى سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت ما لم يعط أحد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم»، ورواه زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي أنه سمع عليّاً، فقال أبو زرعة: حديث سعيد بن سلمة عندي خطأ، وهذا عندي الصحيح) (٤).

стр. 491

الوجه الثاني: ساق الحافظ حديث حذيفة وعلي ﵄؛ لأن فيهما تقييدين للحديث السابق. أما القيد الأول فقوله: (إذا لم نجد الماء)، وهذا القيد دل عليه كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا بإجماع المسلمين، وكذا المرض. والقيد الثاني قوله: «وجعلت تربتها» و «جعل التراب لي طهوراً»، وهذا تقييد لقوله في حديث جابر المتقدم: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، فإن (أل) في الأرض لاستغراق أفراد الجنس - كما تقدم - فيشمل جميع أفراد الأرض، كالرمل والتراب والحجارة، وهنا قيَّده بالتراب، والتراب: ما كان له غبار. وهذا القيد يَستدل به من يقول: إنه لا بد في التيمم من التراب الذي له غبار يعلق باليد منه شيء، ويكون هذا مخصصاً للعموم السابق في حديث جابر ﵁؛ لأنه خَصّصَ الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، ويكون الصعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ المراد به: التراب، وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: (أطيب الصعيد تراب الحرث) (١)، وهذا قول الإمام الشافعي وأحمد وأصحابهما (٢)، ودليلهم على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، و (من) تبعيضية، ولا يمكن أخذ البعض من الصعيد إلا إذا كان تراباً له غبار. والقول الثاني: أنه لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم على كل ما تصاعد على وجه الأرض، من تراب أو رمل أو حجارة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: وجهاً من الأرض طهوراً، قال الزجاج: (لا أعلم بين أهل اللغة اختلافاً في أن الصعيد وجه الأرض) (٣)،

стр. 492

واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني (١). وقالوا: إن (مِنْ) في الآية لا يتعين أن تكون تبعيضية، بل يجوز أن تكون بيانية أو ابتدائية، أي: إن المسح يكون من هذا الصعيد، أو إن ابتداء المسح منه، بمعنى: أن تصل أيديكم إليه ثم ترفعوها، والقرينة على ذلك عموم الحديث، فإنه نص صريح في أن من أدركته الصلاة في أيِّ أرض فهي له طهور. ثم إن آية النساء ليس فيها (من)، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وآية النساء سبقت آية المائدة بسنوات. ولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيممون بما تيسر لهم من الأرض. وأما القول بتخصيص الحديث فهو مردود لأمرين: الأول: أن التربة فرد من أفراد الأرض، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصاً له عند الجمهور، فإذا قلت: أكرم الطلبة وأكرم زيداً، لم يكن تخصيصاً لزيد بالإكرام؛ لأنه ذُكِرَ بحكم العام، لكن لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: لا تكرم محمداً، كان ذلك تخصيصاً؛ لأنك ذكرته بحكم غير حكم العام. الثاني: أن الاحتجاج بلفظ (التراب) من باب مفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند الجمهور من الأصوليين، والله أعلم (٢).

стр. 493

بيان كيفية التيمم وأنه لا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر ١٢٩/ ٤ - وعَنْ عَمّارِ بْنِ يَاسرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النّبيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرّغْتُ في الصّعِيدِ كَمَا تَمَرّغُ الدّابّةُ، ثمّ أَتَيْتُ النّبيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إنّما كان يكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هكَذَا»، ثمّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثمّ مَسَحَ الشِّمالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفّيْهِ الأرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثمّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفّيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمار بن ياسر بن عامر العنسي، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، أسلم قديماً هو وأبوه وأمه، وعذبهم المشركون، وكان النبي ﷺ يمر بهم وهم يعذبون في مكة فيقول: «صبراً يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (١)، وقد شهد مع النبي ﷺ الغزوات كلها، وعن علي ﵁ قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ فقال: «ائذنوا له، مرحباً بالطيِّب المطيَّب» (٢)، وقد تواترت

стр. 494

الأحاديث عن النبي ﷺ أن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قتل مع علي ﵁ في صِفِّين، سنة سبع وثلاثين (١) ﵁. الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «التيمم ضربة» (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨) من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: كنت جالساً مع عبد الله - أي: ابن مسعود - وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا بَرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله ﷺ … الحديث، واللفظ لمسلم. وأما رواية البخاري فقد أخرجها في: باب «المتيمم هل ينفخ فيهما؟» من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصلّ، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «كان يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هذا لفظ البخاري، وفي مسلم نحوه، ولفظه: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك .. ». الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (بعثني في حاجة) أي: أرسلني في غرض، وكان مع إحدى السرايا.

стр. 495

قوله: (فتمرغت في الصعيد) أي: تقلبت على الأرض كما تتقلب الدابة، ليشمل التراب جميع جسده، قياساً منه للتيمم من الجنابة على الغسل منها، والصعيد: وجه الأرض أو التراب، على الخلاف المتقدم. قوله: (يكفيك) أي: يغنيك عن التمرغ في الصعيد أو عن الاغتسال بالماء. قوله: (أن تقول بيديك) أي: تفعل بكفيك، فأطلق القول وأراد به الفعل. قوله: (هكذا) ها: للتنبيه، والكاف للتشبيه؛ أي: مثل ما أقول بيدي. قوله: (وظاهرَ كفيه) بنصب (ظاهر) معطوفاً على مفعول (مسح) والتقدير: ومسح ظاهر كفيه، أي: مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى، كما ورد مفسراً عند أبي داود. قوله: (ووجهه) بالنصب أي: ومسح وجهه. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز التيمم من الجنابة إذا لم يجد الماء، وأن التيمم ليس خاصاً بالحدث الأصغر، بل يكون مع الحدث الأكبر، وقد دل على ذلك القرآن - أيضاً - في قوله تعالى بعد طهارة الماء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، فذكر الله تعالى سببين لطهارة التيمم، أحدهما: الحدث الأصغر ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والثاني: الحدث الأكبر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع، كما تقدم في باب «الغسل». الوجه الخامس: أن كيفية التيمم من الجنابة مثل كيفية التيمم عن الحدث الأصغر، فيضرب الأرض بكفيه ضربة واحدة، ويمسح يده اليسرى على باطن كفه اليمنى؛ وظاهر كفيه ووجهه، وعند أبي داود: (ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، ولفظ الإسماعيلي: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك)، وهي
следующие страницы →