← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

حكم الوفاء بالاعتكاف المنذور حال الشرك ١٣٩١/ ٢٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَال: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في رِوَاية: فَاعْتَكَفَ لَيلَةً. * الكلام عليه في وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" وأولها: في كتاب "الاعتكاف"، باب (الاعتكاف ليلًا) (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله … وذكر الحديث. ورواه البخاري (٢٠٤٣) من طريق أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ … وفيه: (فاعتكف ليلة). وسأذكر -إن شاء الله- غرض الحافظ من ذكر هذه الرواية. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قلت: يا رسول الله) لم يبين في هذه الرواية مكان السؤال، وقد كان ذلك حين رجع رسول الله ﷺ من حنين، كما ثبت في "الصحيحين" (١). قوله: (نذرت) أي: أوجبت على نفسي. قوله: (في الجاهلية) أي: قبل إسلام عمر ﵁، وفي رواية مسلم:

стр. 4307

(فلما أسلمت سالت) سميت الجاهلية بذلك لغلبة الجهل على أهلها، وأصل الجاهلية ما قبل بعثة الرسول ﷺ . قوله: (أن أعتكف ليلة) في تأويل مصدر مفعول نذرت؛ أي: نذرت اعتكاف ليلة، وقد جاء في "الصحيحين" ذكر اليوم، ففي رواية البخاري: (قال: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره النبي ﷺ أن يفي به) ولا منافاة بينهما؛ لأن الليلة يدخل فيها اليوم، والعكس بالعكس. قوله: (فاعتكف ليلة) قصد الحافظ بهذه الرواية بيان أن عمر ﵁ لم يزد على نذره شيئًا وأن الاعتكاف لا صوم فيه. * الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نذر العبادة من الكافر حال كفره، قال الخطابي: (فيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفق حكم الإسلام كان معمولًا به) (١). * الوجه الرابع: الحديث دليل على أن النذر ينعقد من الكافر وأنه يجب الوفاء عليه متى أسلم إذا لم يف به حال كفره، وهذا مذهب الإمام أحمد وجماعة من الشافعية، وهو قول البخاري، وابن جرير، ونصره القرطبي، وعزاه لمذهب المالكية تخريجًا مبنيًّا على أن القول الصحيح المشهور من مذهب مالك أن الكفار مخاطبون بالأوامر والنواهي (٢)، والحديث صريح الدلالة على ذلك، فإنه ﷺ أمر عمر ﵁ بالوفاء بنذره، وهذا دليل على صحته وانعقاده. وقال الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية: إن النذر لا ينعقد من الكافر (٣)؛ لأن نذر الطاعة قربة، والقربة لا تصح من الكافر حتى يسلم؛ لأنه ليس من أهل العبادة والطاعة. وأجابوا عن الحديث بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إن الرسول ﷺ أراد

стр. 4308

أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فأمر عمر ﵁ بالوفاء، أو أن المراد بالحديث أمر عمر ﵁ بأن يأتي باعتكاف شبيه بما نذره؛ لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، لا أنه أُمِرَ بالوفاء، فيكون ما أمره به غير ما أوجبه على نفسه، بل أمره به الآن على أنه طاعة لله . قال ابن دقيق العيد: (وظاهر الحديث خلافه، فإن دلَّ دليل أقوى من هذا الظاهر على أنه لا يصح التزامُ الكافرِ الاعتكافَ احتيج إلى هذا التأويل وإلا فلا) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4309

كتاب القضاء القضاء مصدر قضى يقضي قضاءً، فهو قاضٍ، ويطلق في اللغة على معان عدة منها: إحكام الشيء، والفراغ منه، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ [فصلت: ١٢]، وبمعنى إمضاء الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] وبمعنى الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ أي حكم، وهي أبلغ من الإيجاب في معناها. وجميع معاني القضاء في اللغة لا تخرج عن معنى إمضاء الشيء وإتمامه واحكامه والفراغ منه قولًا أو فعلًا (١). واصطلاحًا: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات (٢). فقولنا: (تبيين الحكم الشرعي) جنس يشمل القاضي والمفتي. وقولنا: (والإلزام به) هذا قيد يخرج المفتي؛ لأنه لا يُلزم بالحكم الشرعي. وقولنا: (وفصل الخصومات) فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين ببيان حكم الشرع في القضية مع الإلزام، لنشر العدل والوئام بين الناس، ولئلا تذهب الحقوق ويعتدى على الضعفاء. والأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ

стр. 4310

النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وأما السُّنة فحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر، متفق عليه. وسيأتي شرحه إن شاء الله. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس. وأما العقل، فهو أن القضاء من ضرورات الاجتماع، به ينتشر العدل، ويعم الأمن، ويُدفع القوي عن الضعيف، ويُنصف المظلوم من الظالم، ولولا القضاء لعمَّت الفوضى، واختل الأمن، وفسد النظام، وساد الاضطراب. وهو فرض كفاية، وهذا موضع اتفاق بين الفقهاء، يرتفع الإثم عن الأمة بقيام بعضهم به، وإلا أثموا جميعًا؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبًا عليهم، كالجهاد والإمامة، قال أحمد: (لا بدَّ للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟) (١). والقضاء تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة (٢). وعلى إمام المسلمين القائم بأمرهم أن ينصب قاضيًا يكتفى به، بأن يكون أفضل الموجودين علمًا وورعًا؛ لأن منصب القضاء من أكمل المناصب، فينبغي أن يكون متوليه أكمل من يوجد؛ ولأن الأفضل أقرب إلى حصول المقصود من القضاء، وعلى من تعين عليه القضاء لكونه يصلح، أو لم يوجد غيره أن يجيب إن طُلب للقضاء؛ لأن فرض الكفاية يكون فرض عين إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد، كغسل الميت، وتكفينه، والإمامة، والأذان، وإسعاف المريض، ونحو ذلك من فروض الكفايات. والله تعالى أعلم.

стр. 4311

أصناف القضاة ١٣٩٢/ ١ - عَنْ بُرَيدَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولَ الله ﷺ : "الْقُضَاةُ ثَلَاثةٌ: اثْنَانِ في النَّارِ، وَوَاحِدٌ في الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ في الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الأقضية"، بابٌ (في القاضي يخطئ) (٣٥٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٩٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٦) من طريق خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرماني، ورواه الترمذي (١٣٢٢ م) من طريق شريك، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة السلمي، والحاكم (٤/ ٩٠) من طريق عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، ثلاثتهم (أبو هاشم، وسعد بن عبيدة، وحكيم بن جبير) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا. قال أبو داود بعد سياق إسناده عنده: (هذا أصح شيء فيه، يعني حديث بريدة: القضاة ثلاثة). وخلف بن خليفة متكلم فيه، والأكثرون على توثيقه، قال ابن معين والنسائي: (ليس به بأس) وقال أبو حاتم: (صدوق) (١). وهو من رجال

стр. 4312

مسلم (١)، قال ابن سعد: (تغير قبل موته واختلط) (٢) وقال الحافظ: (صدوق اختلط في الآخر). ولم يتضح سماع من روى هذا الحديث عنه، قبل الاختلاط أم بعده. وفي إسناد الترمذي شريك، وهو ابن عبد الله النخعي، وهو سيء الحفظ. وفي إسناد الحاكم عبد الله بن بكير الغنوي، قال فيه الذهبي متعقبًا قول الحاكم: (صحيح الإسناد): (ابن بكير الغنوي منكر الحديث). ومثله أو شر منه شيخه حكيم بن جبير، فقد قال عنه الدارقطني: (متروك) (٣). أما ابن بكير فقد قال عنه الذهبي -أيضًا-: (ضعفوه، ولم يترك) (٤)، وهذا أخف من قوله: (منكر الحديث)، وقال الساجي: (من أهل الصدق وليس بقوي) (٥)، وذكر له ابن عدي عدة مناكير (٦)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧)، ثم إنه قد تُكُلِّمَ في سماع عبد الله بن بريدة من أبيه (٨). والحديث له عدة طرق، قال الحافظ: (قد جمعتها في جزء مفرد) (٩). وقال الحاكم: (تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة) (١٠)، وقال ابن عبد الهادي في "المحرر": (إسناده جيد) (١١)، وقال في "التنقيح": (هو حديث حسن أو صحيح) (١٢). * الوجه الثاني: الحديث دليل على عناية الإسلام بالقضاء وأنه لا يُولَّى

стр. 4313

إلا من كان أهلًا له دينًا وعلمًا وورعًا ونزاهة إن وجد وإلا يولى الأمثل فالأمثل، وعناية الإسلام بالقضاء تتمثل في بيان صفات القاضي الناجي يوم القيامة، وصفات ضده؛ ليعمل القاضي على تحقيقها في نفسه وابتعاده عن ضدها. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الناجي من القضاة هو من عرف الحق وقضى به بين الخصمين، والعمدة في ذلك العمل بالحق، فإن من عرفه ولم يعمل به فهو ومن حكم بجهل في النار. ° الوجه الرابع: في الحديث تحذير من معرفة الحق وعدم القضاء به لينال من حطام الدنيا ومتاعها الزائل أو يميل مع من يرجو نفعه من قريب، أو وجيه من أمير أو وزير، أو نحو ذلك. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجاهل لا يولى القضاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية وأصر على ذلك عاملًا بالجهل والظلم فهو فاسق ولا تنعقد أحكامه) (١)، ولو أصاب في حكمه فهو ملوم وظالم؛ لأنه لا يحل له الإقدام على الحكم وهو جاهل. ° الوجه السادس: في الحديث دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا؛ لقوله: (رجل عرف الحق … ورجل لم يعرف الحق) ومفهومه أن المرأة لا تتولى القضاء، وهذا مفهوم لقب، وهو ليس بحجة عند الأصوليين، لكن نقول عَضَدَ هذا المفهوم منطوق قوي، وهو قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٢)، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله. والله تعالى أعلم.

стр. 4314

عِظَمُ منصب القضاء ١٣٩٣/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ وُليَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّينٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصحّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ حِبّانَ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (١٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وأبو داود في كتاب "الأقضية"، بابٌ (في طلب القضاء) (٣٥٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٣٩٨)، وابن ماجه (٢٣٠٨) من طريق عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقرن أبو داود وأحمد بالمقبري: الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز، وفي هذا الإسناد عبد الله بن جعفر وهو المخرمي: وهو صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي متكلم فيه، فقد وثقه ابن معين وابن حبان، ونقل الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه قال: (ثقة)، وقال النسائي عنه بعد سيأتي الحديث: (ليس بذاك القوي) (١)، وقال الحافظ: (صدوق له أوهام). وروى الحديث أبو داود (٣٥٧١)، والترمذي (٢٣٢٥) من طريق الفضيل بن سليمان، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).

стр. 4315

والفضيل بن سليمان فيه ضعف، وعمرو بن أبي عمرو صدوق. والحديث له طرق أخرى كثيرة، ذكر شيئًا منها ابن المديني في "العلل" ثم محمد بن خلف المعروف بوكيع في "أخبار القضاة" (١)، وأعله ابن الجوزي فقال: (هذا حديث لا يصح) (٢). قال الحافظ ابن حجر: (وليس كما قال، وكفاه قوة تخريج النسائي له) (٣)، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف في هذا الحديث على سعيد المقبري وعن الجمع بين المقبري والأعرج، ثم قال: (والمحفوظ عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة) (٤). ولم أجد الحديث في "صحيح ابن حبان" في مظانه، ولا عزاه إليه الحافظ في "التلخيص" ولا في "الدراية" تبعًا لأصله "نصب الراية" (٥). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من ولِّيَ القضاء) بضم الواو وتشديد اللام مكسورة بصيغة المبني لما لم يسم فاعله، من التولية؛ أي: من جعل قاضيًا، ويؤيد هذا ما جاء في بعض الروايات: (من جُعل قاضيًا)، ويجوز فتح الواو وكسر اللام مخففًا بصيغة المبني للمعلوم؛ أي: تصدى للقضاء وتولاه (٦). ولفظ: (القضاء) منصوب على كلا الوجهين، لكنه على الأول مفعولٌ ثانٍ، وعلى الثاني مفعول، والفاعل ضمير مستتر. قوله: (فقد ذبح بغير سكين) المراد به الذبح من حيث المعنى؛ لأن القاضي بين عذاب الدنيا إن رشد وعدل وبين عذاب الآخرة إن جار وفسد. وإنما عُدِلَ عن الذبح بالسكين ليكون أبلغ في التحذير لأمرين: الأول: لأجل أن يعلم أن ما يُخاف من هلاك دينه دون بدنه.

стр. 4316

الثاني: أن الذبح بالسكين يريح وبغيرها من الخشب والقصب وغيرهما يكون الألم فيه أكثر (١). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أهمية منصب القضاء وعظيم أمره؛ لأن القاضي إن حكم بغير الحق مع علمه به أو جهله له فهو في النار، وإن أصاب الحق فقد أتعب نفسه في إرادة الوقوف عليه وطلبه له وتسويته بين الخصمين، ثم تطبيق ما تبين له على القضية، وتنفيذ ذلك على الواقع، فهو في تعب ونصب، ولا ريب أن القاضي العادل في جهد متواصل وقلق مستمر إلى أن يبين له وجه الحق، وهذا الجهد وهذا القلق لا يحصل إلا لمن أتعب نفسه في الوصول إلى الحق ثم قام بتنفيذه، ولعل من بعض معاني هذا الحديث تشبيه الجهد والقلق بالذبح بغير سكين (٢). ولا ينبغي حمل هذا الحديث على التحذير من القضاء بصورة مطلقة؛ لأن هذا من باب التناقض، والشريعة منزهة عن التناقض (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 4317

التحذير من طلب القضاء ١٣٩٤/ ٣ - وَعَنْهُ ﵁ قال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ ستحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِي. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب (ما يكره من الحرص على الإمارة) (٧١٤٨) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إنكم ستحرصون) السين للاستقبال، والفعل المضارع بكسر الراء، ويجوز فتحها، وهذه الجملة قد أكدت بإن والسين واسمية الجملة تنزيلًا لغير المنكر منزلة المنكر، وذلك لأن حالهم من الزهد في الدنيا والإعراض عن زهرتها يشعر باستبعاد طلبهم للإمارة فضلًا عن الحرص عليها. قوله: (على الإمارة) بكسر الهمزة، ويدخل فيها الإمارة العظمى وهي الخلافة وولاية أمر الأمة، والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد، كما يدخل في ذلك ولاية القضاء، وهذه مناسبة الحديث لكتاب القضاء. قوله: (وستكون ندامة يوم القيامة) ظاهر هذا الإطلاق في كل من تولى إمارة، لكنه مقيد بمن دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فهذا هو الذي يندم على

стр. 4318

ما فَرَطَ منه إذا جوزي يوم القيامة، وكأنه حذف مثل هذا التقييد هنا تنفيرًا منها وتبعيدًا عنها. قوله: (فنعم المرضعة) وقع في بعض نسخ "البلوغ" (فنعمت) بالتاء، والمثبت في بعضها بدونها، وهو الموافق لما في "الصحيح"؛ أي: فنعم المرضعة في الدنيا، فضرب المرضعة مثلًا للإمارة وما توصله لصاحبها من حظوظ الدنيا ولذاتها من المال والجاه والكرامة ونفوذ الكلمة وتذلل الناس، ففيه تشبيه الإمارة بالمرضعة؛ لأنها تدر على صاحبها المنافع كما تدر المرضعة باللبن. قوله: (وبئست الفاطمة) اسم فاعل من الفطم، وهو فصل الصبي عن الرضاعة، والمراد أنه عند الانفصال عن الإمارة بموت أو عزل ونحوهما يحرم الأمير ويفصل عن الخيرات والمنافع، وتبقى التبعات والمهالك. يقول المهلب: (حرص الناس على الإمارة ظاهر للعيان، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم، ويستبيحون حريمهم، ويفسدون في الأرض حتى يصلوا بالإمارة إلى لذاتهم، ثم لا بد أن يكون فطامهم إلى سوء من الحال؛ لأنه لا يخلو أن يُقتل عليها أو يُعزل عنها وتلحقه الذلة، أو يموت عليها، فيطالب في الآخرة بالتبعات، فيندم حينئذٍ) (١). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم شأن الإمارة وكثرة تبعاتها ومسؤولياتها في الدار الآخرة؛ لأن ما تعلق بالخلق فأمره عظيم، وصاحبه على خطر جسيم، وهذا كما تقدم مقيد بمن دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، وقد ورد عن أبي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة" (٢). أما إن كان أهلًا للولاية وعدل فيها فله أجر عظيم تظاهرت النصوص

стр. 4319

به، كحديث السبعة الذين يظلهم الله، وفيه: "الإمام العادل" (١). ° الوجه الرابع: لا فرق في ذلك بين الإمارة الكبرى والصغرى، وكذا ولاية القضاء، ولا ريب أن التبعة على حسب المسؤولية، فكلما عظمت المسؤولية عظمت التبعة. ومن ولي القضاء قاصدًا بذلك الجاه والرئاسة ومنافع الدنيا فهذا مذموم، وهو على خطر عظيم، ويخشى أن يكون له نصيب من قول النبي ﷺ : "ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" (٢). أما من تعين عليه لكونه لم يوجد من يقوم مقامه، وإذا تركه تولاه من لا يحسن ولا يقوم بحقه فهذا مأجور ومُعان، وكذا يقال فيمن تولى الولاية العامة أو الخاصة إذا أدى الذي عليه من نشر ألوية العدل وبسط بساط الإنصاف. والله تعالى أعلم.

стр. 4320

أجر الحاكم إذا اجتهد في حكمه أصاب أو أخطأ ١٣٩٥/ ٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمّ أَصابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُم أَخْطَأ فَلَهُ أَجْرٌ"، مُتفَق عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب (أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ) (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا حكم الحاكم) أي: أراد الحكم، لقوله: (فاجتهد) لأن الاجتهاد قبل الحكم لا بعده، وتأويل الفعل بالإرادة له نظائر، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، والحكم هو القرار الذي يصدره القاضي أو غيره، لينهي به الخصومة بين المتنازعين. قوله: (فاجتهد) الفاء عاطفة على الشرط على التأويل المذكور، وقد تكون الفاء للترتيب الذكري، ويبقى الفعل (حَكَمَ) على أصله. والاجتهاد لغة: بذل الجهد لإدراك أمر شاق. والاجتهاد هنا نوعان:

стр. 4321

١ - اجتهاد في معرفة الحكم الشرعي وتطبيقه على هذه القضية، وهو بهذا الاعتبار: بذل الجهد لإدراك الحكم الشرعي بطريق الاستنباط. ٢ - اجتهاد في تنفيذ ذلك الحق على القريب والصديق وضدهما بحيث يكون الناس في هذا الباب عنده سواء، لا يفضل أحدًا على أحد، ولا يُميله الهوى، ولا تستهويه الأغراض. قوله: (ثم أصاب) أي: وافق حكم الله تعالى في هذه المسألة. قوله: (فله أجران) أي: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته الحق؛ لأن في إصابته الحق إظهارًا له وعملًا به. قوله: (فله أجر) أي: أجر واحد على اجتهاده في طلب الصواب، والخطأ مغفور له. ° الوجه الثالث: في الحديث بشارة عظيمة للقضاة، فإن القاضي إذا اجتهد وبذل ما يستطيع في الوصول إلى الحكم الشرعي حتى وصل باجتهاده إلى ما يظن أنه الحق في القضية ثم حكم به فإن له أجرين إن كان حكمه صوابًا موافقًا لمراد الله تعالى، وإن كان خطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، ولا يأثم بخطئه؛ لأنه غير مقصود. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القاضي الذي يؤجر إذا أخطأ هو من كان عالمًا مجتهدًا، أما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فلا أجر له بل هو آثم، وقد تقدم قول النبي ﷺ : "القضاة ثلاثة … فذكر منهم: ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار". قال الخطابي: (إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعًا لآلة الاجتهاد عارفًا بالأصول وبوجوه القياس. فأما من لم يكن محلًّا للاجتهاد فهو متكلف، ولا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل حديث ابن بريدة عن أبيه) (١).

стр. 4322

° الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية وأن القاضي لا بد أن يكون من أهل الاجتهاد، والمراد به: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الأصلية، فيكون القاضي عالما بمصادر الشريعة مع كيفية الاستنباط. قال ابن هبيرة: (اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولَّى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فقال: يجوز … ) (١). وهذا الشرط بحسب الإمكان، فإذا لم يوجد إلا قاض مقلدٌ فإنه يولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن شروط القضاء ومنها الاجتهاد: (هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره فيولى لعدم: الأنفعُ من الفاسقين وأقلُّهما شرا، وأعدلُ المقلدين وأعرفُهما بالتقليد)، قال ابن مفلح: (وهو كما قال) (٢). وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصواب في هذه المسألة، وهو موافق لمذهب الحنفية فإنهم يعتبرون الاجتهاد شرط فضيلة وكمال، فيصح قضاء المقلد إذا خلا الزمن من مجتهد يتولى القضاء، قال المرداوي: (وعليه العمل من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس) (٣). ° الوجه السادس: الحديث دليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب واحد، وهو من وافق الصواب في علم الله تعالى. ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ جعل المجتهدين قسمين: قسمًا مصيبًا وقسمًا مخطئًا، ولو كان كل منهم مصيبًا لم يكن لهذا التقسيم معنى. ومن قال: كل مجتهد مصيب، احتج بأنه ﷺ جعل له أجرًا واحدًا، ولو كان لم يصب لم يؤجر، ووصفه بالخطأ محمول على من ذَهَلَ عن النص أو اجتهد في أمر قطعي خالف فيه الإجماع، لكن يرد على ذلك أنه ﷺ اعتبره مخطئًا وأثبت له الأجر، فهذا يدل على أنه غير مصيب، وما اعتذروا به عن وصفه بالخطأ تخصيص لا دليل عليه، والحديث عام.

стр. 4323

° الوجه السابع: الحديث دليل على فضل الحاكم الذي على هذا الوصف وأنه يغنم الأجر في كل قضية يحكم بها، ولهذا كان القضاء من أعظم فروض الكفايات؛ لأن الحقوق بين الخلق كلها مضطرة إلى القضاء عند التنازع أو الاشتباه، فعلى القاضي أن يجاهد نفسه على تحقيق هذا الاجتهاد الذي تبرأ به ذمته وينال به الخير والأجر العظيم. والله تعالى أعلم.

стр. 4324

النهي عن القضاء حال الغضب ١٣٩٦/ ٥ - عَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غضْبَانُ"، مُتَّفَق عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب (هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟) (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من طريق عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: كتب أبي وكتبت له (١) إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان ألا تحكم بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يحكم) ضبطت في نسخ "البلوغ" بضم الميم، فتكون (لا) نافية، وضبطت في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي لـ"صحيح مسلم" بسكونها على أن (لا) ناهية، وعلى هذا مشى النووي في ظاهر كلامه، ويؤيد ذلك لفظ البخاري، كما تقدم. وهذا النهي ظاهره التحريم، وعند الجمهور للكراهة، وكأنهم جعلوا الصارف له أنه ﷺ قضى للزبير بعد أن أغضبه الأنصاري، كما

стр. 4325

سيأتي؛ ولأن النهي ليس لذات الغضب وإنما لكونه مظنة تشويش الذهن. قوله: (وهو غضبانُ) بلا تنوين؛ لأنه ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون، والجملة حال من الفاعل، والغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام، قال ابن فارس: (الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة) (١). وسيأتي لهذا مزيد في كتاب "الجامع" -إن شاء الله تعالى-. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن القاضي منهي عن القضاء حال الغضب، وذلك لما يحصل للنفس بسببه من تشوش الفكر وانشغال القلب الذي يؤدي إلى اختلال النظر وعدم استيفائه على الوجه المطلوب، فيخرج بذلك عن دائرة العدل وإصابة الحق، وقد يميل في حكمه في حق المغضوب عليه إذا كان غضبه من أحد الخصمين، ونَهْيُ القاضي عن القضاء حال الغضب دليل واضح على عناية الشريعة بحقوق الناس ولو في حال الخصومة والنزاع، قال الموفق ابن قدامة: (لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان) (٢). وظاهر النهي التحريم، ولا موجب لصرفه عن معناه الحقيقي إلى الكراهة، وأما قصة الزبير مع خصمه فلا تصلح قرينة صارفة؛ إذ لا يصح إلحاق غيره ﷺ به في مثل ذلك؛ لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضاه وغضبه، بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه من الخطأ، وهذا اختيار الشوكاني (٣). ومن أهل العلم من قال بالتفصيل، وهو أنه إن كان الغضب مشوشًا بحيث يفضي إلى عدم تمييز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه، وإن كان غضبًا يسيرًا لا يمنعه من النظر والفكر فأقل أحواله الكراهة، وهذا التفصيل هو الأقرب، واختاره الصنعاني (٤). وقصة الزبير رواها عبد الله بن الزبير أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير

стр. 4326

عند النبي ﷺ في شراج الحرة (١) التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرّح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْرِ" (٢) فقال الزبير: إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ … ﴾ [النساء: ٦٥] (٣). ° الوجه الرابع: يقاس على الغضب منع الحاقن أو المريض أو الخائف أو الجائع أو من اعتراه ملل شديد أو حزن غالب وسائر ما يتعلق بالقلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وهذا الإلحاق من القياس الجلي؛ لثبوت علة الأصل بالإجماع، وهي تشويش الفكر وانشغال القلب، وكان الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب كثرة الأسباب المهيجة له من قِبَلِ الخصوم، واستيلاؤه على النفس وصعوبة مقاومته دون غيره. وإذا كان الغضب بهذه الصفة فإنه ينبغي للقاضي أن يجتهد في الأخذ بالأسباب التي تصرف الغضب أو تخففه، من التخلق بالحلم والصبر وتوطين النفس على ما يسمعه من الخصوم، فإن هذا عون كبير -بتوفيق الله- على دفع الغضب أو تخفيفه. ° الوجه الخامس: يؤخذ من إطلاق الغضب في هذا الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الغضب لله تعالى، أو يكون لغير الله تعالى كحظ النفس، وذلك لوجود المعنى الذي من أجله نُهي القاضي عن القضاء حال الغضب، خلافًا لمن خص الحديث بما إذا كان الغضب لغير الله تعالى، فأجازه إذا كان الغضب لله؛ لأنه يؤمن معه من التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس، وهذا مخالف لظاهر الحديث وللمعنى، كما تقدم. ° الوجه السادس: استدل العلماء بهذا الحديث على أن القاضي إذا

стр. 4327

حكم في حال غضبه فإن حكمه لا ينفذ؛ لأنه منهي عن القضاء في هذه الحال، والنهي يقتضي الفساد، وهذا رواية في مذهب أحمد. والقول الثاني: أنه ينفذ حكمه إن صادف الحق، وعزاه ابن حجر إلى الجمهور (١)، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (٢)، واستدلوا بحكم النبي ﷺ في قصة الزبير مع الأنصاري وهو في حال الغضب. والقول الثالث: أنه إن كان الغضب قبل أن يتضح الحكم لم ينفذ؛ لأنه شغله عن استيضاح الحق، أما إذا حدث بعد اتضاح الحكم فلا يمنع من نفوذ حكمه، واستدلوا بقصة الزبير أيضًا، وهذا قول ثالث في مذهب أحمد، كما ذكر ابن القيم، وذكره الموفق ابن قدامة في "الكافي" (٣)، وذكره الحافظ ابن حجر وقال: (إنه تفصيل معتبر) (٤). والذي يظهر أن الاستدلال بقصة الزبير غير مستقيم، لأمور ثلاثة: ١ - أن حكمه ﷺ فيها كان قبل الغضب، إلا أن يقال: إن حكمه الثاني بعد غضبه فيه زيادة على الأول؛ لأنه في الأول أمر الزبير أن يترك بعض حقه، وفي الثاني أمره أن يستوفي جميع حقه. ٢ - أن النهي في حديث الباب لا يتناول النبي ﷺ ، كما تقدم، وهذا اختيار النووي، فإنه لما ذكر حديث اللقطة وفيه: (قال: يا رسول الله، فضالَّة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، ثم قال: ما لك ولها .. ) الحديث. قال النووي: (وفيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب، وأنه نافذ، لكن يكره ذلك في حقنا، ولا يكره في حق النبي ﷺ ؛ لأنه لا يُخاف عليه في الغضب ما يُخاف علينا. والله أعلم) ورجح هذا ابن الملقن، وضَعَّفَ ما عداه. ٣ - أن هذا غضب يسير (٥). والله تعالى أعلم.

стр. 4328

ما جاء في صفة القضاء ١٣٩٧/ ٦ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَقَاضَى إِلَيكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ للأَوَّلِ حَتى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْري كَيفَ تَقْضِي"، قَال عَليٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوّاهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ. ١٣٩٨/ ٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِم مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاس ﵄. * الكلام عليهما من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث علي ﵁ فقد رواه أحمد (٢/ ١٠٣)، وأبو داود في كتاب "الأقضية"، باب (كيف القضاء) (٣٥٨٢)، والترمذي (١٣٣١) من طريق سماك بن حرب، عن حنش، عن علي ﵁ قال: … وذكر الحديث. وهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن)، وفي سنده حنش وهو ابن المعتمر، وهو متكلم فيه، قال أبو حاتم: (هو عندي صالح، ليس أراهم يحتجون بحديثه)، وقال البخاري: (يتكلمون في حديثه)، وقال أبو داود: (ثقة)، وقال النسائي: (ليس بالقوي). وفيه سماك بن حرب وهو متكلم فيه أيضًا، وهو صدوق اختلط بأخرة. وقال ابن عبد الهادي: (رواه ابن المديني في كتاب "العلل" وقال: هذا حديث كوفي، وإسناده صالح) (١)، ولم أقف على رواية ابن المديني هذه في المطبوع من "العلل".

стр. 4329

وهذا الحديث مروي عن علي ﵁ من طرق بعضها مطول وبعضها مختصر، ومعظم طرقه فيها مقال، لكنه بمجموعها حديث حسن. وروى الحديث ابن حبان (١١/ ٤٥١) من طريق أسباط بن نصر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ برسالة … وذكر الحديث، وفيه: "إن الناس سيتقاضون، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضِ لواحد حتى تسمع كلام الآخر، فإنه أجدر أن تعلم لمن الحق". وهذا سند ضعيف؛ لأن في رواية سماك عن عكرمة اضطرابًا، قال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة (١)، ثم هو من رواية أسباط، وقد يكون أخطأ في المتن والإسناد. وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه الحاكم (٤/ ٨٨) من طريق شَبَابة بن سَوَّار، حدثنا ورقاء بن عمر، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: بعث النبي ﷺ إلى اليمن عليًّا، فقال: "علمهم الشرائع، واقض بينهم"، قال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره فقال: "اللهم اهده للقضاء". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، وسكت عنه الذهبي، ومسلم -وهو ابن كيسان- متكلم فيه، وهو ضعيف جدًّا (٢)، فلا أظن الحديث يصح، فضلًا عن أن يكون على شرط الشيخين. هذا وقد رأيت من علق على "البلوغ" ذكر أن الشاهد الذي أشار إليه الحافظ هو حديث ابن عباس ﵄ الآتي في "الشهادات" برقم (١٤١٥) ولم يتضح لي وجه كونه هو الشاهد. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (إذا تقاضى إليك رجلان) أي: ترافع إليك خصمان.

стр. 4330

قوله: (لا تقضِ للأول) أي: من الخصمين وهو المدعي. قوله: (حتى تسمع كلام الآخر) أي: المدعى عليه. قوله: (فسوف تدري كيف تقضي) رواية أبي داود: "فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، وعند ابن حبان -كما تقدم-: "فإنه أجدر أن تعلم لمن الحق"؛ والمعنى: أنك إذا سمعت كلام الخصمين اتضحت لك القضية وعرفت كيف تطبق الحكم عليها. قوله: (قال علي … ) الظاهر أن القائل ذلك هو حنش بن المعتمر الكناني الكوفي صاحب علي ﵁. قوله: (فما زلت قاضيًا بعد) ظرف مبني على الضم؛ أي: بعد تعليم النبي ﷺ له، وفي رواية أحمد: "فما زلت بعد ذلك قاضيًا". ° الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي القاضي عن الحكم للمدعي حتى يسمع كلام المدعى عليه، حتى ولو كان كلام الأول مقنعًا وحجته واضحة؛ لأن من العدل في القضاء سماع حجة كل واحد من الخصمين والاستفصال عما لديه، كما أن ذلك أدعى إلى وضوح القضية ومعرفة حكمها. وهذا التوجيه النبوي للقاضي هو من جملة الأحاديث الدالة على عناية الإسلام بالقضاء، وبيان طريق الحكم وصفته. وهذا النهي يقتضي الفساد، فإذا حكم قبل سماع الإجابة من المدعى عليه كان حكمه باطلًا، ولا يلزم قبوله، بل يتوجه عليه نقضه وإعادته على وجه الصحة أو يعيده حاكم آخر. ومحل النهي هو ما إذا كان المدعى عليه حاضرًا، ولم يسمع منه القاضي، فإن سكت المدعى عليه بعد طلب الجواب منه وأصر على عدم الجواب اعتبر ناكلًا وقضي عليه بالنكول. والقول الثاني: أنه لا يقضى عليه بالنكول، والنكول: الامتناع عن اليمين. ولكن ترد اليمين على المدعي، فإن حلف قضى له وإلا صرفهما؛ لأنه لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي.

стр. 4331

والقول الثالث: أنه يجبر المدعى عليه على اليمين بحبس أو ضرب ولا يقضى عليه بالنكول ولا بِرَدِّ يمين، وتفصيل ذلك في كتب الفقه (١). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن القاضي لا يحكم على الغائب؛ لأن النبي ﷺ إذا منع القاضي من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران في مجلس الحكم حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولى بالمنع، لإمكان أن يكون معه حجة تبطل دعوى الحاضر (٢)؛ ولأن القضاء عليه مع النظر في القضية إذا حضر تطويل لا فائدة فيه، والقول بأنه لا يُحكم على الغائب هو قول القاضي شريح، وأبي حنيفة، وجماعة من السلف (٣)، ولو قيد بما إذا لم يماطل في الحضور لغير عذر، لكان أولى. والله تعالى أعلم.

стр. 4332

حكم القاضي ينفذ ظاهرًا لا باطنًا ١٣٩٩/ ٨ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵄ قالت: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ ألحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مما أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا فَإنّمَا أقطَعُ لَهُ قطْعَةً مِنَ النّارِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأحكام"، باب (موعظة الإمام للخصوم) (٧١٦٩)، ومسلم (١٧١٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : … وذكرت الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إنكم تختصمون إلي) أي: تتحاكمون وترفعون المخاصمة إلي للقضاء. قوله: (ولعل بعضكم أن يكون) لعل: بمعنى عسى، قال الطيبي: (أَنْ) زائدة تشبيهًا لـ (لعل) بـ (عسى)؛ أي: لعله يكون (١). قوله: (ألحن) في رواية للبخاري ومسلم: "أبلغ من بعض"، وألحن أفعل تفضيل من لَحِنَ كفَرِحَ: إذا فَطِنَ بما لا يَفْطَنُ به غيره، ويقال: لَحِنَ

стр. 4333

كفَطِنَ وزنًا ومعنى. واللَّحَنُ: بالفتح الفطنة، وبالسكون الخطأ في القول، والمراد أنه إذا كان أفطن كان في الغالب أقدر وأبلغ في حجته من الآخر، فيزين كلامه بحيث يظنه القاضي صادقًا في دعواه. وقد جاء في بعض روايات البخاري ومسلم: "فأحسب أنه صادق فأقضي له" (١). ولا بد في التركيب من تقدير محذوف ليصح معناه؛ أي: وهو كاذب، ويسمى هذا عند أهل الأصول دلالة الاقتضاء؛ لأن هذا المحذوف اقتضاه الظاهر المذكور بعده، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطر فعدة. قوله: (على نحوٍ مما أسمع منه) أي: من الدعوى والبينة أو اليمين، وقد تكون باطلة في نفس الأمر، وقد جاء في رواية -كما تقدم-: "فأحسب أنه صادق". قوله: (فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا) أي: أعطيته بالقضاء من مال أو غيره. قوله: (فإنما أقطع له قطعة من النار) أي: إذا كان الذي قضيت له بحسب الظاهر لا يستحقه بحسب الباطن، فهو عليه حرام يؤول به إلى النار. وقوله: (قطعة من نار) تمثيل يفيد شدة التعذيب على من تعاطى ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. وفي الرواية المذكورة لمسلم: "فلا يأخذه" وفي أخرى: "فليحملها أو يذرها". ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن القاضي يحكم على نحو ما يسمع من الخصمين من قوة الحجة ووضوح البرهان، وأنه لا إثم عليه في ذلك؛ لأنه مأمور بالحكم بالظاهر، والإثم والتبعة على من كسب القضية بالباطل؛ لقوله: (إنما أقطع له قطعة من النار). وقد بوب البخاري على هذا

стр. 4334

الحديث في كتاب "المظالم" بقوله: (بابُ إثمِ من خاصم في باطل وهو يعلمه). والقاضي قد يغتر ببعض الخصوم؛ لبلاغته وحسن أسلوبه وقوة كلامه، وربما التبس الأمر بسبب ذلك، لكن يجب على من كسب القضية بمثل هذا أن يعلم أنه متى عرف أن الحكم في غير حقه وأنه لم يصادف الصواب في نفس الأمر فإن حكم القاضي لا ينفعه ولو كان الحاكم هو الرسول ﷺ . ° الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن حكم الحاكم لا يغير حكمًا شرعيًّا في الباطن، فلا يحل حرامًا، فإذا شهد شاهدا زورٍ لإنسان بمال فحكم له به الحاكم بناءً على ذلك لم يحل هذا المال للمحكوم له، قال ابن فرحون: (حكم الحاكم لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا على من علمه في باطن الأمر؛ لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر، وهو الذي يعتد به، ولا يُنقل الباطن عند من علمه عما هو عليه من التحليل والتحريم) (١). ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على غيره؛ لأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر من البينة واليمين ونحو ذلك، مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك، وإن كان النبي ﷺ يفترق عن غيره في اطلاعه على بعض ما يطلعه الله عليه من الغيوب الباطنة في ذلك في أمور خاصة لا في الأحكام العامة. وإنما كلِّف النبي ﷺ بالحكم بالظاهر مع إمكان إطلاع الله إياه على الباطن فيحكم بيقين نفسه من غير حجة أو يمين؛ ليكون قدوة وتشريعًا للأمة. ° الوجه السادس: في الحديث تسلية للحكام؛ لأنه إذا كان النبي ﷺ قد يغتر بأحد الخصوم لقوة حجته فيحكم له، فإن غيره من باب أولى وأحرى، ولا سيما إذا ضعف الإيمان وانتشر الكذب وكثرت الحيل، والله المستعان. ° الوجه السابع: اتفق الأصوليون على أن النبي ﷺ لا يُقَرُّ على خطأ

стр. 4335

في الأحكام، ولا معارضة بين هذا وبين ما دل عليه الحديث، كما تقدم؛ لأن حكم الرسول ﷺ نوعان: ١ - حكم مبني على اجتهاد، وهذا هو الذي لا يقر فيه على الخطأ. ٢ - حكم مبني على ما كلف به من البينة، وهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه فإنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما أستقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشهادة الشاهدين -مثلًا- فإذا كانا شاهدي زور فالتقصير منهما، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. ° الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على أن القاضي لا يحكم بعلمه، وذلك بأن يتحاكم إليه شخصان وهو يعلم أن المدعي صادق فيما ادعاه، فإنه لا يحكم بذلك بل لا بد من البينة، وهذا هو ظاهر المذهب عند الحنابلة، وقول مالك، وأحد قولي الشافعي، وهو اختيار ابن القيم (١). ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر أنه إنما يحكم بما يسمع، ومفهومه أنه لا يحكم بما يعلم؛ لأن الحديث جاء بأسلوب القصر، كما في رواية: "فإنما أقضي له بما أسمع" (٢). والقول الثاني: أن للقاضي أن يحكم بعلمه، واستدلوا بقصة هند زوجة أبي سفيان لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فقال رسول الله ﷺ : "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (٣). فحكم لها النبي ﷺ من غير بينة ولا إقرار، لعلمه بصدقها وأنها زوجة أبي سفيان. ولأن علم القاضي أقوى من الشهادة؛ لأنه يتيقن ما علمه، والشهادة قد تكون كذبًا، وهذا قول آخر للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية،

стр. 4336

بل يرى ابن حزم أن حكم القاضي بعلمه من أقوى ما يحكم به (١)، واختار هذا القول الشوكاني ونصره في رسالة مستقلة (٢)، حتى إنه لم يذكر خلاف العلماء وأدلتهم، مما يدل على أنه في مجال ترسيخ مبدأ جواز حكم القاضي بعلمه، لا في مجال البحث العلمي، كما هو في كتابه "نيل الأوطار" (٣). والقول الثالث: ما كان من حقوق الله تعالى كالحدود فإنه لا يحكم بعلمه، كما لو رأى رجلًا يزني بامرأة؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على العفو والمسامحة، وما كان من حقوق الآدميين وهي الأموال، فما علمه قبل ولايته لم يحكم به؛ لأنه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم، وما علمه في ولايته حكم به، وهذا قول أبي حنيفة (٤)، وذكره ابن الملقن قولًا للشافعي (٥)، وهو ظاهر اختيار البخاري، فإنه بوب على حديث عائشة في قصة هند بقوله: (باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يَخَفِ الظنون والتهمة) (٦). والقول الأول أرجح لقوة مأخده؛ ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمة القاضي والحكم بما يشتهي ثم يحيله على علمه، والقاضي أحوج ما يكون إلى نفي التهمة عن نفسه -ولا سيما في هذا الزمان- وقد قال الشافعي: (لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه) (٧)، وإذا كان في هذا الزمن الأول فما الظن بهذا الزمان؟! وقد أفتى متأخرو الحنفية بعدم حكم القاضي بعلمه لفساد الزمان (٨). وقد استثنى الفقهاء ثلاث مسائل يجوز فيها للقاضي أن يحكم بعلمه:

стр. 4337

١ - عدالة الشهود أو جرحهم. ٢ - ما علمه في مجلس الحكم فإنه يحكم به. ٣ - ما استفاض واشتهر (١). ° الوجه التاسع: في الحديث دليل على مشروعية موعظة الخصمين وتحذيرهما من الكذب بأن يدعي الإنسان ما ليس له ويأتي ببينة كاذبة، وقد بوب البخاري على هذا الحديث -كما تقدم- بقوله: (باب موعظة الإمام الخصوم) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4338

ما جاء في نصرة الضعيف لأخذ الحق له ١٤٠٠/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كَيفَ تُقَدَّسُ أمّةٌ لَا يُؤخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ. ١٤٠١/ ١٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيدَةَ ﵁، عِنْدَ الْبَزَّارِ. ١٤٠٢/ ١١ - وآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ ﵁، عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. * الكلام عليها من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث جابر ﵁ فقد رواه ابن حبان (١١/ ٤٤٥) من طريق الفضل بن العلاء، حدثنا ابن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ مرفوعًا. وهذا الحديث رجاله رجال الصحيح، إلا الفضل بن العلاء، روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال ابن معين: (لا بأس به)، وقال علي بن المديني: (ثقة) (١)، وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو موصوف بالتدليس. ورواه ابن حبان -أيضًا- (١١/ ٤٤٣) من طريق مسلم بن خالد، عن ابن خثيم به. ورواه ابن ماجه (٤٠١٠) من طريق يحيى بن مسلم، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر .. فذكر الحديث بطوله وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم". والحديث مداره على عبد الله بن خُثيم، وهو متكلم فيه، فقد قال النسائي: (ليس بالقوي في الحديث) ومرة قال: (ثقة) وقال ابن معين:

стр. 4339

(أحاديثه ليست بالقوية)، ومرة قال: (ثقة)، وقال أبو حاتم: (ما به بأس صالح الحديث)، وقال ابن المديني: (منكر الحديث) (١). وأما حديث بريدة ﵁ فقد رواه البزار في "مسنده" (١٠/ ٣٣٤)، والبيهقي (١٠/ ٩٤) من طريق منصور بن أبي الأسود، وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٥٧)، والبيهقي (٦/ ٩٥) من طريق عمرو بن أبي قيس، والدارمي في "نقضه على المريسي" (١/ ٤١٩) من طريق خالد بن عبد الله، ثلاثتهم عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، وهو سليمان، عن أبيه قال: سأل رسول الله ﷺ جعفرًا ﵁ حين قدم من الحبشة: ما أعجبُ شيء رأيتَه؟ قال: رأيت امرأة تحمل على رأسها مِكْتَلًا من طعام، فمر فارس فركضه فأبدره (٢)، فجلست تجمع طعامها، ثم التفت فقالت: ويل لك، إذا وضع المَلِكُ ﵎ كرسيه فأخذ للمظلوم من الظالم، فقال رسول الله ﷺ تصديقًا لقولها: "لا قدست أمة، أو كيف تقدس أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها وهو غير مُتَعْتَعٍ" (٣). قال البزار: (هذا الخبر لا نعلم رواه عن عطاء بن السائب إلا منصور بن أبي الأسود، ولا نعلم له عن بريدة طريقًا غير هذا الطريق)، وقال الحافظ: (ومنصور لا أدري سمع من عطاء قبل اختلاطه أو بعده فيحرر)، وعمرو بن أبي قيس صدوق له أوهام. وأما حديث أبي سعيد ﵁ فقد رواه ابن ماجه (٢٤٢٦) فقال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عثمان أبو شيبة، ثنا ابن أبي عبيدة (أظنه قال) ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دينًا كان عليه … وساق الحديث بطوله وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "أولئك خيار الناس؛ إنه لا قُدّستْ أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع".

стр. 4340

وابن أبي عبيدة هو محمد بن أبي عبيدة، ثقة (١)، وأبوه عبد الملك بن معن أو أبو عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ثقة أيضًا (٢)، لكن ينظر في تفرد محمد بن أبي عبيدة عن أبيه؛ فإنه لا يحتمل، لأن له عن أبيه، عن الأعمش غرائب وإفرادات كما قال ابن عدي (٣). وحديث الباب له شواهد، منها حديث ابن عباس ﵄ رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ١١٨) وحديث معاوية ﵁ عنده -أيضًا- (١٩/ ٣٨٥، ٣٨٧) (٢٠/ ٣١٣) وحديث عبد الله بن أبي سفيان ﵁ عند ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ١١٣). ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (كيف تُقَدَّس أمة) ضُبط بضم التاء وفتح القاف وتشديد الدال مفتوحة مبنيًّا لما لم يسم فاعله، و (أمة) نائب فاعل، وضبطه بعضهم بفتح التاء وإسكان القاف وضم الدال مبنيًّا للمعلوم، مضارع قَدُسَ من باب كَرُمَ، فعلى الأول معناه: كيف تُطَهَّرُ أمة وتنزه من الذنوب لا يُنتصف لضعيفها من قويها. وعلى الثاني معناه: كيف تَطْهُرُ أمة من الذنوب وتصير مباركة طيبة (٤). قوله: (من شديدهم) أي: من قويهم إذا ظلم، يقال: شَدَّ الشيء يَشِدُّ من باب ضرب، شدًا: قوي، فهو شديدٌ (٥). * الوجه الثالث: في هذه الأحاديث دليل على أنه يجب أن يؤخذ من القوي للضعيف الذي لا يستطيع أن يقدم حجته أو أن يبلغها بل يُغلب، وعلى الأمة وعلى أعيانها وأمرائها وعلمائها وقضاتها أن ينصفوا الضعيف وألا يدعوا الشديد يعتدي عليه أو يغلبه. وقد جاء في معنى هذه الأحاديث حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٦). والله تعالى أعلم.

стр. 4341

عظم شأن القضاء ١٤٠٣/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أنّهُ لَمْ يَقْضِ بَينَ اثْنَينِ في عُمُرِهِ". رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، ولَفْظُهُ: "في تَمْرةٍ". * الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه ابن حبان (١١/ ٤٣٩) في كتاب "القضاء"، باب (ذكر الإخبار عن وصف مناقشةِ الله في القيامة الحاكمَ العادلَ إذا كان في الدنيا) من طريق عمرو (١) بن العلاء اليشكري، عن صالح بن سَرْج (٢)، عن عمران بن حطان، عن عائشة ﵂ مرفوعًا. وهذا سند ضعيف، صالح بن سرج ذكره البخاري في "تاريخه" (٣)، وابن أبي حاتم (٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره العقيلي، ورَوَى عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: (صالح بن سرج كان من الخوارج) (٥) وذكره الذهبي في "الضعفاء" وقال: (مجهول)، وذكره ابن حبان

стр. 4342

في "الثقات" (١). وعمرو بن العلاء روى عنه جمع، وذكره البخاري في "تاريخه" (٢)، وابن أبي حاتم (٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) ولم يذكر فيه توثيقًا، فهو مجهول الحال. وعمران بن حطان أخرج له البخاري في المتابعات (٥)، وهو صدوق، وقال "العقيلي: (لا يتابع على حديثه، وكان يرى رأي الخوارج، ولا يتبين سماعه من عائشة ﵂) (٦)، وتبعه على هذا ابن عبد البر (٧)، ولما نقل الحافظ ابن حجر في "المقدمة" كلام العقيلي أشار إلى ثبوت سماعه منها في "الصحيح" (٨) وقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩). وقد رواه أحمد (٤١/ ١٠ - ١١) بهذا الإسناد أن عمران بن حطان قال: دخلت على عائشة فذاكرتها حتى ذكرنا القاضي … الحديث. ولَمَّا رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥) قال: (لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن العلاء). والحافظ سكت عن الحديث، وكأنه يرى أنه صالح للاستدلال. وقد رواه أحمد (٤١/ ١١)، والبيهقي (١٠/ ٩٦) بهذا الإسناد، ولفظه: "ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط"، ولما أورد المنذري لفظ ابن حبان وأحمد قال: (كذا في أصلٍ من المسند، والصحيح: تَمْرةٍ وعُمُرِهِ، وهما متقاربان في الخط، ولعل أحدهما تصحيف، والله أعلم) (١٠). ° الوجه الثاني: هذا الحديث -لو صحَّ- يفيد خطر القضاء وعظم أمره،

стр. 4343

وشدة حساب القضاة يوم القيامة، وإذا كان هذا في القاضي العادل فكيف بقضاة الجور والجهالة؟! وعلى القاضي الذي يريد النجاة ما يلي: ١ - أن يستعين بالله تعالى وأن ينبعث من قلبه شعور صحيح بالافتقار إلى الله تعالى أن يلهمه الصواب، ويدله على الحق، ويعينه على تنفيذه. ٢ - أن يحتاط لنفسه ببذل الجهد والطاقة في استنباط الحكم الشرعي وتطبيقه على القضية بعد تصورها وتفهمها. ٣ - أن يكون جلساؤه ومستشاروه من أهل العلم والحق والإنصاف. ٤ - أن يبتعد عن قرناء السوء من الكُتاب والأعوان وأصحاب القلوب المريضة والنفوس الدنيئة الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة. وهذا الحديث من ضمن الأحاديث الواردة في عظم شأن القضاء، مع أنه ورد أحاديث في فضل القضاء بعضها تقدم، فإما أن يقال بترجيح الأحاديث الواردة في فضل القضاء؛ لكونها أصح، أو يقال بالجمع، فتكون أحاديث التحذير محمولة على من طلب القضاء ولم يف بحقه، إما لأنه لا علم له بالحق، أو أنه لا يقدر على الصدع به، وتنفيذ ما قضى به. وأما أحاديث الترغيب فهي لمن وليه بلا طلب، وسلك فيه مسلك الخوف والرجاء، فبذل جهده في معرفة الحق وفي تنفيذه ولم تأخذه في الله لومة لائم. والله تعالى أعلم.

стр. 4344

ما جاء في أن المرأة لا تتولى القضاء ١٤٠٤/ ١٣ - عَنْ أَبي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النبِي ﷺ قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً"، رَوَاهُ الْبُخَارِي. * الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر) (٤٤٥٢) من طريق عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁ قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل (١) بعد ما كدت أن ألحق باصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". وهذا فيه بيان سبب الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لن يفلح) الفلاح: اسم جامع لكل مطلوب محبوب وسلامة من كل مكروه. قوله: (قوم) نكرة في سياق النفي، فيعم كل قوم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمراد بالقوم هنا: الرجال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال الشاعر:

стр. 4345

وما أدري وسوف إِخَالُ أدري … أقوم آلُ حِصْنٍ أم نساءُ قوله: (أمرهم) أي: الأمر الذي يعنيهم ويهمهم وهو أمرهم العام، أما الأمور الخاصة كولاية وقف أو يتامى أو إدارة مدرسة ونحو ذلك فلا بأس، وقد جعل عمر ﵁ وقفه إلى بنته حفصة ﵂ (١). قوله: (امرأة) بالنصب مفعول (ولوا) وفي رواية للترمذي والنسائي من طريق حميد الطويل، عن الحسن: (وَليَ أمرَهم امرأةٌ) وهو فاعل. ° الوجه الثالث: الحديث يدل على أن المرأة لا تتولى القضاء، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ويؤيد ذلك أمران: الأول: أن القاضي لا بد أن يبرز للناس ويحضر محافل الرجال، والمرأة ليست كذلك، بل ربما كان كلامها فتنة وحضورها فتنة، ثم إن مجلس القضاء يحضره أصناف الرجال من حميد الأخلاق وقبيحها، وهذا أمر لا يناسب المرأة أن تراه. الثاني: أن القضاء من كمال الولايات يُحتاج فيه إلى تمام العقل وكمال الرأي، والمرأة ليست كذلك فهي قليلة الرأي ناقصة العقل، ومواجهةُ مشكلات القضاء ومعضلاته تحتاج إلى رباطة جأشٍ وثبوت قدم، والمرأة بمقتضى خلقتها وتكوينها مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لها بعد عبادة ربها، وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربية الأجيال، ولها من الأعمال ما يتفق مع أنوثتها ورقة عاطفتها، ثم هي يعرض لها عوارض تتكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قوتها وتوهن عزيمتها، وهذا أمر لا يجادل فيه إلا مكابر معاند. ولهذا لم يولِّ النبي ﷺ أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء، ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلك لم يخل منه الزمان غالبًا. والقول الثاني: أنه يجوز أن تتولى المرأة القضاء في جميع الخصومات،
следующие страницы →