عظم شأن القضاء
١٤٠٣/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أنّهُ لَمْ يَقْضِ بَينَ اثْنَينِ في عُمُرِهِ". رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيهَقيُّ، ولَفْظُهُ: "في تَمْرةٍ".
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن حبان (١١/ ٤٣٩) في كتاب "القضاء"، باب (ذكر الإخبار عن وصف مناقشةِ الله في القيامة الحاكمَ العادلَ إذا كان في الدنيا) من طريق عمرو (١) بن العلاء اليشكري، عن صالح بن سَرْج (٢)، عن عمران بن حطان، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.
وهذا سند ضعيف، صالح بن سرج ذكره البخاري في "تاريخه" (٣)، وابن أبي حاتم (٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره العقيلي، ورَوَى عن عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: (صالح بن سرج كان من الخوارج) (٥) وذكره الذهبي في "الضعفاء" وقال: (مجهول)، وذكره ابن حبان
стр. 4342
في "الثقات" (١).
وعمرو بن العلاء روى عنه جمع، وذكره البخاري في "تاريخه" (٢)، وابن أبي حاتم (٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) ولم يذكر فيه توثيقًا، فهو مجهول الحال.
وعمران بن حطان أخرج له البخاري في المتابعات (٥)، وهو صدوق، وقال "العقيلي: (لا يتابع على حديثه، وكان يرى رأي الخوارج، ولا يتبين سماعه من عائشة ﵂) (٦)، وتبعه على هذا ابن عبد البر (٧)، ولما نقل الحافظ ابن حجر في "المقدمة" كلام العقيلي أشار إلى ثبوت سماعه منها في "الصحيح" (٨) وقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩).
وقد رواه أحمد (٤١/ ١٠ - ١١) بهذا الإسناد أن عمران بن حطان قال: دخلت على عائشة فذاكرتها حتى ذكرنا القاضي … الحديث.
ولَمَّا رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥) قال: (لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن العلاء).
والحافظ سكت عن الحديث، وكأنه يرى أنه صالح للاستدلال.
وقد رواه أحمد (٤١/ ١١)، والبيهقي (١٠/ ٩٦) بهذا الإسناد، ولفظه: "ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط"، ولما أورد المنذري لفظ ابن حبان وأحمد قال: (كذا في أصلٍ من المسند، والصحيح: تَمْرةٍ وعُمُرِهِ، وهما متقاربان في الخط، ولعل أحدهما تصحيف، والله أعلم) (١٠).
° الوجه الثاني: هذا الحديث -لو صحَّ- يفيد خطر القضاء وعظم أمره،
стр. 4343
وشدة حساب القضاة يوم القيامة، وإذا كان هذا في القاضي العادل فكيف بقضاة الجور والجهالة؟! وعلى القاضي الذي يريد النجاة ما يلي:
١ - أن يستعين بالله تعالى وأن ينبعث من قلبه شعور صحيح بالافتقار إلى الله تعالى أن يلهمه الصواب، ويدله على الحق، ويعينه على تنفيذه.
٢ - أن يحتاط لنفسه ببذل الجهد والطاقة في استنباط الحكم الشرعي وتطبيقه على القضية بعد تصورها وتفهمها.
٣ - أن يكون جلساؤه ومستشاروه من أهل العلم والحق والإنصاف.
٤ - أن يبتعد عن قرناء السوء من الكُتاب والأعوان وأصحاب القلوب المريضة والنفوس الدنيئة الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة.
وهذا الحديث من ضمن الأحاديث الواردة في عظم شأن القضاء، مع أنه ورد أحاديث في فضل القضاء بعضها تقدم، فإما أن يقال بترجيح الأحاديث الواردة في فضل القضاء؛ لكونها أصح، أو يقال بالجمع، فتكون أحاديث التحذير محمولة على من طلب القضاء ولم يف بحقه، إما لأنه لا علم له بالحق، أو أنه لا يقدر على الصدع به، وتنفيذ ما قضى به.
وأما أحاديث الترغيب فهي لمن وليه بلا طلب، وسلك فيه مسلك الخوف والرجاء، فبذل جهده في معرفة الحق وفي تنفيذه ولم تأخذه في الله لومة لائم. والله تعالى أعلم.
стр. 4344
ما جاء في أن المرأة لا تتولى القضاء
١٤٠٤/ ١٣ - عَنْ أَبي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النبِي ﷺ قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً"، رَوَاهُ الْبُخَارِي.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "المغازي"، باب (كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر) (٤٤٥٢) من طريق عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁ قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل (١) بعد ما كدت أن ألحق باصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
وهذا فيه بيان سبب الحديث.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لن يفلح) الفلاح: اسم جامع لكل مطلوب محبوب وسلامة من كل مكروه.
قوله: (قوم) نكرة في سياق النفي، فيعم كل قوم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمراد بالقوم هنا: الرجال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال الشاعر:
стр. 4345
وما أدري وسوف إِخَالُ أدري … أقوم آلُ حِصْنٍ أم نساءُ
قوله: (أمرهم) أي: الأمر الذي يعنيهم ويهمهم وهو أمرهم العام، أما الأمور الخاصة كولاية وقف أو يتامى أو إدارة مدرسة ونحو ذلك فلا بأس، وقد جعل عمر ﵁ وقفه إلى بنته حفصة ﵂ (١).
قوله: (امرأة) بالنصب مفعول (ولوا) وفي رواية للترمذي والنسائي من طريق حميد الطويل، عن الحسن: (وَليَ أمرَهم امرأةٌ) وهو فاعل.
° الوجه الثالث: الحديث يدل على أن المرأة لا تتولى القضاء، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، ويؤيد ذلك أمران:
الأول: أن القاضي لا بد أن يبرز للناس ويحضر محافل الرجال، والمرأة ليست كذلك، بل ربما كان كلامها فتنة وحضورها فتنة، ثم إن مجلس القضاء يحضره أصناف الرجال من حميد الأخلاق وقبيحها، وهذا أمر لا يناسب المرأة أن تراه.
الثاني: أن القضاء من كمال الولايات يُحتاج فيه إلى تمام العقل وكمال الرأي، والمرأة ليست كذلك فهي قليلة الرأي ناقصة العقل، ومواجهةُ مشكلات القضاء ومعضلاته تحتاج إلى رباطة جأشٍ وثبوت قدم، والمرأة بمقتضى خلقتها وتكوينها مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لها بعد عبادة ربها، وهي مهمة الأمومة وحضانة النشء وتربية الأجيال، ولها من الأعمال ما يتفق مع أنوثتها ورقة عاطفتها، ثم هي يعرض لها عوارض تتكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قوتها وتوهن عزيمتها، وهذا أمر لا يجادل فيه إلا مكابر معاند.
ولهذا لم يولِّ النبي ﷺ أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء، ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلك لم يخل منه الزمان غالبًا.
والقول الثاني: أنه يجوز أن تتولى المرأة القضاء في جميع الخصومات،
стр. 4346
ونسب هذا القول إلى ابن جرير الطبري (١)؛ لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية، فيجوز أن تكون قاضية بالأولى؛ لأن المفتي يبين الحكم الشرعي بناءً على اجتهاده، والقاضي يبين ذلك ويلزم به بسلطة الدولة.
والقول الثالث: أنه يجوز أن تتولى المرأة القضاء فيما تقبل شهادتها فيه، وهي الأموال، دون الحدود والقصاص؛ لأنها لا تقبل شهادتها فيها، وهذا قول الحنفية، وابن حزم (٢)، جاء في "الهداية": (ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا الحدود والقصاص) (٣)، فهم يديرون القضاء مع الشهادة.
واستدلوا بأن المرأة ليست بحاكم، وإنما هي قاضٍ منفذٌ ومخبر عن الحكم الشرعي كالإفتاء والشهادة، وحديث الباب إنما هو في الولاية وهي الحكم لا في القضاء؛ ولأن القاضي أجير وعامل كبقية موظفي الدولة، والأجير يجوز أن يكون رجلًا وأن يكون امرأة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
كما استدلوا بأن عمر ﵁ استعمل امرأة، وهي الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة على حِسْبَةِ السوق (٤).
والصواب القول الأول لقوة مأخذه، فإن النبي ﷺ لم يقصد بهذا الحديث مجرد الإخبار عن عدم فلاح من يولون امرأة، وإنما أراد به نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة.
وأما ما نسب إلى ابن جرير الطبري فقد أجيب عنه بما يلي:
١ - أنه لم يثبت عنه كما حكاه ابن العربي (٥).
стр. 4347
٢ - أنه لا يُدرى في أي كتاب من كتبه، ولم يعزه أحد إلى مصدر معين.
٣ - على فرض أنه قاله فهي زلة منه خالف فيها أدلة الشرع ومذهب جمهور الأمة، ولا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج على زلة عالم، فقد نهينا عن ذلك.
قال الماوردي: (وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]؛ يعني: في العقل والرأي) (١).
وقياس القضاء على الإفتاء قياس مع الفارق لأمرين:
الأول: أن الإفتاء لا إلزام فيه بخلاف القضاء، كما تقدم أول "القضاء".
الثاني: أن القضاء ولاية، فهو من باب الولايات، بخلاف الإفتاء فإنه ليس كذلك (٢).
وأما قول أبي حنيفة فقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد ﵀ أن أصل التولية عند أبي حنيفة على المنع؛ لكن المراد بذلك أن الإمام إذا ولاها أَثِمَ ونفذ قضاؤها (٣).
والقول بالجواز قول ضعيف؛ لأن قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق؛ لأن أهلية القضاء وشروطه ليست كأهلية الشهادة وشروطها، وإلا يلزم من ذلك صحة تولية العامي الجاهلِ القضاءَ ما دامت شهادته مقبولة. وحَمْل الحديث على الولاية العامة -كما يقول ابن حزم- فيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأما ما روي عن عمر ﵁ فهو أثر ضعيف مسلسل بالعلل، كما تقدم، ولذا قال عنه ابن العربي: (لم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 4348
نهي القاضي أن يتخذ حاجبًا يمنع الناس عنه
١٤٠٥/ ١٤ - عَنْ أَبي مَرْيَمَ الأزدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَال: "مَنْ وَلَاهُ الله شَيئًا مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو مريم الأزدي، ويقال: الأسدي، واسمه: عمرو بن مرة الجهني، وبهذا جزم البخاري في "تاريخه"، ونقل عنه الترمذي في "العلل" أنه قال: (أبو مريم هذا هو عمرو بن مرة الجهني، وحديثه في الشاميين)، وتبعه أبو حاتم، والترمذي، والبزار، والبغوي، وابن عبد البر، وابن الأثير وآخرون، قال ابن عبد البر: (كان إسلامه قديمًا، وشهد مع رسول الله ﷺ أكثر المشاهد، ومات في خلافة معاوية). وقال آخرون: إنهما شخصان، ومنهم الحاكم فقد جعل حديث عمرو بن مرة شاهدًا لحديث أبي مريم الأزدي، وهو الظاهر من صنيع الإمام أحمد في "مسنده"، ومنهم الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة". وتبعهم الحافظ ابن حجر، وعلل لذلك بأن سند الحديثين مختلف، وكذا سياق المتن (١).
° الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الخراج والإمارة والفيء"، بابٌ
стр. 4349
(فيما يلزم الإمام من أمر الرعية) (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٣) من طريق يحيى بن حمزة، عن يزيد بن أبي مريم أن القاسم بن مُخَيمِرَةَ أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره، قال: دخلت على معاوية، فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان (١) -وهي كلمة تقولها العرب- فقلت: حديثًا سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره" قال: فجعل رجلًا على حوائج الناس.
وهذا لفظ أبي داود، وأما الترمذي فإنه لم يسق لفظه، وإنما أحال على حديث قبله بمعناه، كما سيأتي، والظاهر أن الحافظ ساق حديث الباب بمعناه.
وهذا الحديث رجاله ثقات، وقد سكت عنه الحافظ هنا، وقال في "فتح الباري": (إسناده جيد) (٢).
ورواه الترمذي (١٣٣٢)، وأحمد (٢٩/ ٥٦٥)، والحاكم (٤/ ٩٤) من طريق علي بن الحكم قال: حدثني أبو حسن أن عمرو بن مرة قال لمعاوية: يا معاوية إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخَلّة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" فجعل معاوية رجلًا على الناس.
وهذا سند ضعيف، أبو حسن هو الجزري، تفرد بالرواية عنه علي بن الحكم، فهو مجهول، كما قال الذهبي في "الميزان" (٣)، قال الترمذي: (حديث عمرو بن مرة حديث غريب، وقد روي من غير هذا الوجه، وعمرو بن مرة الجهني يكنى أبا مريم)، وقال ابن المديني عن الجزري: (روى عن عمرو بن مرة، وعنه علي بن الحكم مجهول، ولا أدري أسمع من عمرو بن مرة أم لا؟) (٤).
стр. 4350
وله شاهد من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ولي من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن أولي الضّعْفَة والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة".
رواه أحمد (٣٦/ ٣٩٤) بإسناد قال عنه المنذري: (جيد) (١)، مع أن فيه شريكًا القاضي، وهو سيء الحفظ، وقال أبو حاتم: (هذا حديث منكر) (٢).
° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (من ولاه الله شيئًا) هذه نكرة في سياق الشرط، فتعم كل ولاية صغيرة كانت أم كبيرة، فيدخل في ذلك الولاية الكبرى وما دونها من إمارات المدن والقضاء وسائر الوظائف.
قوله: (فاحتجب) إما أن المراد به منع أرباب الحاجات من الوصول إليه فيعسر عليهم رفع حوائجهم أو إنهاؤها، أو أن المراد: امتنع من الخروج إليهم.
قوله: (عن حاجتهم وفَقْرِهِمْ) الحاجة: ما يهتم به الإنسان وإن لم تبلغ حد الضرورة بحيث لو لم تحصل لاختل أمره. والفقر: هو الاضطرار، وقيل: هما متقاربان، والتكرار للتوكيد.
وقوله: (وفَقْرِهِمْ) هكذا في المخطوطة (٣)، وهو الموافق لما في "سنن أبي داود"، وفي بعض نسخ"البلوغ" (وفقيرهم).
قوله: (احتجب الله دون حاجته) أي: عامله بمثل فعله يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وإذا احتجب الله دون حاجته منعه فضله وعطاءه ورحمته.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على عظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على من تولى للمسلمين أمرًا صغيرًا كان أم كبيرًا؛ لأن الولاية تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ويؤيد هذا عمومات الشريعة في عظم الأمانة والقيام على مصالح المسلمين.
стр. 4351
° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه يجب على من ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يبرز إليهم ولا يحتجب عنهم، بل يقابلهم ويسمع ما عندهم، ليقضي ما يتعين عليه قضاؤه، ويوجه إلى ما يحتاجون إليه.
قال الحافظ ابن حجر: (في هذا الحديث وعيد شديد لمن كان حاكمًا بين الناس فاحتجب عنهم بغير عذر؛ لما في ذلك من تأخير الحقوق أو تضييعها) (١).
° الوجه السادس: استدل الفقهاء ومنهم الإمام الشافعي بهذا الحديث على أنه لا ينبغي للقاضي أن يتخذ حاجبًا (٢).
وذهب آخرون إلى أنه ينبغي للقاضي أن يتخذ حاجبًا يدخل الخصوم إلى القاضي بالترتيب كل خصمين على حدة حسب المواعيد التي أعطيت لهم، وهذا أمر لازم ولا سيما في زماننا هذا، لما في ذلك من المصالح، ومنها: لئلا يتدافع الخصوم إلى مجلس القضاء فيحصل الاضطراب، ومنها: حصول الهدوء والسكينة في مجلس القاضي، وهذا له أثر في التثبت والاستماع لحجة كل واحد من الخصمين.
ومنها: عدم إطلاع الناس على أسرار موضوع النزاع بين المتخاصمين؛ لئلا تذاع الأسرار لو دخل الناس دفعة واحدة.
وأجابوا عن الحديث بأن المراد به الاحتجاب الذي يؤدي إلى تأخير القضاةِ النظرَ في حاجات الناس وفَضّ الخصومات بينهم (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4352
ما جاء في تحريم الرشوة في الحكم
١٤٠٦/ ١٥ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ في الْحُكْمِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ الترْمِذِي، وَصحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.
١٤٠٧/ ١٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵄، عِنْدَ الأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائي.
* الكلام عليهما من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أحمد (١٥/ ٨)، والترمذي في أبواب "الأحكام"، باب (ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم) (١٣٣٦)، وابن حبان (١١/ ٤٦٧) من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
وقد اختلفت نسخ الترمذي في الحكم على هذا الحديث، ففي طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (٣/ ٦٢٢) التي أكمل بها تحقيق أحمد شاكر: (حديث حسن صحيح)، وأما المطبوع مع "تحفة الأحوذي" (١) ففيه: (حديث حسن) وكذا في طبعة الرسالة (٣/ ١٧٣) وهو المثبت في "تحفة الأشراف" (١٠/ ٤٦٩)، وهو الذي ذكر الحافظ هنا.
والحديث في إسناده عمر بن أبي سلمة، وقد ضعفه غير واحد من قبل
стр. 4353
حفظه، قال أبو حاتم: (هو عندي صالح صدوق في الأصل، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال العجلي: (لا بأس به)، وقال الجوزجاني: (ليس بقوي في الحديث) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق يخطئ).
وقول الحافظ: (رواه أحمد والأربعة) وهم منه، فإنه لم يخرج الحديث من الخمسة إلا الترمذي وأحمد.
وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقد تقدم تخريجه في باب (الربا) من كتاب "البيوع" (٨٤٤)، وهو حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، ونقل عن الدارمي أنه قال: (حديث أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أحسن شيء في هذا الباب وأصح).
ولعل الحافظ ذكر حديث أبي هريرة ﵁ ثم جعل هذا شاهدًا له؛ لأن في حديث أبي هريرة زيادة لفظة: (في الحكم) وهي مناسبة لكتاب القضاء، كما سيأتي.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي) تقدم شرح هذا في كتاب "البيوع" وأن الرشوة: ما يدفع من مال ونحوه كمنفعة، ليتوصل به إلى ما لا يحل.
فالرشوة قد تكون مالًا، وهذا هو الغالب، وقد تكون منفعة يُمَكنهُ منها أو يقضيها له.
قوله: (في الحكم) هذا تنصيص على بعض أفراد العام، وهو لا يقتضي تخصيص الرشوة بذلك، بل تحريمها عام في الحكم وغيره، لكن تخصيص الرشوة بالحكم أعظم؛ لأن فيه تبديلًا لحكم الشرع بخلاف غيره.
стр. 4354
والرشوة في الحكم: أن يُعْطَى القاضي ما يكون له أثر في تغيير الحكم أو تخفيفه واعتباره في صالح الراشي.
° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الرشوة وأنها من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قد توعد أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، وقد مضى في "البيوع" الكلام على ذلك.
° الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الرشوة في الحكم وأنها من كبائر الذنوب، وقد تقدم في "البيوع" ذكر شيء من مفاسدها، وإذا كانت الرشوة حرامًا مطلقًا لا يجوز قبولها، فإنها في باب القضاء والحكم أشد تحريمًا، لما يترتب عليها من تضييع الحقوق على أهلها، وأكل أموال الناس بالباطل، وتغيير حكم الله تعالى؛ لأن المرتشي سيحكم بما يرضي دافع الرشوة من إثبات باطل أو نفي حق، فانتشار الرشوة بين القضاة يفضي -ولابدَّ- إلى تعطيل الأحكام الشرعية، والمحاباة فيها، وضياع الأمانات.
والرشوة في الحكم قد تكون في طريق الحكم وذلك بتلقين الحجة للراشي أو تقوية حجته أو إضعاف حجة الآخر، وقد تكون في الحكم نفسه بأن يحكم للراشي ما هو من حق الطرف الآخر، وقد تكون في تنفيذ الحكم، فيعمل على إضعافه وعدم العناية بتنفيذه أو تخفيفه.
وهذا يوجب فسق الحاكم وعدم نفوذ حكمه؛ لأنه أَكَلَ السحت، وغَيّرَ حكم الله تعالى، كما تقدم.
فإن أعطى القاضي شيئًا ليقضي له بحقه لم يحل له الأخذ وصار هذا سببًا في فسقه؛ لأن القضاء واجب عليه فما أخذه في مقابلة أمر أوجبه الله عليه وهو يأخذ على ذلك رزقًا من بيت المال، فما أخذه فهو حرام عليه وحرام على المعطي؛ لأنه سبب في إفساد الحاكم وتأثيمه، وهذا اختيار الشوكاني (١).
стр. 4355
والقول الثاني: أنها حرام على الحاكم دون المعطي؛ لأنها لاستيفاء حقه، فهي كَجُعْلِ الآبق وأجرة الوكالة في الخصومة، وهذا قول الجمهور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر) (١).
وإن رشاه ليحكم له بغير حقه فقد أكل السحت، وغير شرع الله تعالى، فيكون أقبح مما قبله؛ لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور.
° الوجه الخامس: ذكر العلماء أن ما يأخذه القضاة من الأموال أربعة أقسام (٢):
الأول: الرشوة، وقد مضى حكمها.
الثاني: الهدية: والفرق بينها وبين الرشوة أنهما يشتبهان في الصورة، ويفترقان في القصد، فإن الراشي قصد بالرشوة التوصل إلى ما لا يحل، كما تقدم، وأما المهدي فقصده ايستجلاب المودة، فإن قصد المكافأة فهو معاوض، وإن قصد الربح فهو مستكثر (٣).
وأما حكم الهدية للقاضي ففيها تفصيل:
فإن كان للمهدي خصومة لم يجز للقاضي أن يقبلها منه مطلقًا، سواء أكان يهاديه قبل القضاء أم لا؛ لأن الهدية يقصد بها استمالة قلب القاضي، ليعتني به في الحكم، فتشبه الرشوة، وتأخذ حكمها إن أهدى إليه ليحكم له بغير حقه (٤).
وإن لم يكن له خصومة فإن كان لا يهاديه قبل ولايته القضاء فإنه لا يقبلها، لأن قبولها ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته والعناية به، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته (٥).
стр. 4356
واستثنى بعض العلماء ما إذا كان المهدي قريبًا للقاضي وكان من ذي الرحم المحرم، فإن للقاضي أن يقبل هديته ولو لم يكن يهدي إليه قبل القضاء، لعدم التهمة (١).
وإن كان مما يهاديه قبل القضاء لم تحرم استدامتها؛ لأنها لم تكن من أجل الولاية، لوجود سببها قبل الولاية، قال بعض العلماء: إلا إذا كانت هديته بعد القضاء أكثر، فإنه يرد الزيادة؛ لأنه إنما زاد لأجل القضاء ليميل إليه إن وقعت خصومة، والأحوط عدم قبولها مطلقًا، قال القاضي أبو يعلى: (يستحب له التنزه عنها) (٢).
قال علاء الدين الطرابلسي المتوفى سنة (١٠٣٢ هـ): (والأصوب في زماننا عدم القبول مطلقًا؛ لأن الهدية تورث إذلال المهدي وإغضاء المهدي إليه، وفي ذلك ضرر القاضي، ودخول الفساد عليه) (٣).
وذلك لأن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها.
القسم الثالث مما يأخذه القضاة: الأجرة: وهي ما يأخذه القاضي من الخصوم، فإن كان له رَزْقٌ من بيت المال حرمت الأجرة بالاتفاق؛ لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم، فلا وجه للأجرة.
وإن لم يكن له رزق من بيت المال جاز له أخذ الأجرة.
الرابع- الرزق: وهو بالكسر، المال الذي يصرف للقاضي من بيت المال كل شهر (٤)، وهو ما يعرف الآن بالراتب، وهذا أمر قد قررته الشريعة الإسلامية، ونص عليه جميع الفقهاء، وقد ورد في السنة ما يدل على أن الرسول ﷺ أول من سَنَّ رزق القضاة، لكنه لم يكن بشكل منظمٍ شهريًّا، وإنما حسب الأحوال، وقد نقل ابن الجوزي في "تاريخ عمر بن الخطاب ﵁ "عن
стр. 4357
الحسن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يرزقان المؤذنين والأئمة والمعلمين والقضاة (١).
وذلك لأن القاضي عامل، فله في بيت المال ما يكفيه ويكفي عياله؛ لئلا يتعرض لما في أيدي الناس، أو يشتغل بأعمال لا تتفق ومنصب القضاء كالتجارة أو غيرها من المهن. والله تعالى أعلم.
стр. 4358
ما جاء في جلوس الخصمين بين يدي الحاكم
١٤٠٨/ ١٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيرِ ﵄ قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ أنَّ الْخَصْمَينِ يَقْعُدَانِ بَينَ يَدَي الْحَاكِم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجهين:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الأقضية"، باب (كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي) (٣٥٨٨)، والحاكم (٤/ ٩٤) من طريق مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: … فذكره.
وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وهو ضعيف متفق على ضعفه، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (أُراه ضعيف الحديث، لم أر الناس يحمدون حديثه)، وقال أبو حاتم: (صدوق، كثير الغلط، ليس بالقوي) (١).
° الوجه الثاني: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن السنة أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي، وحديث الباب وإن كان ضعيفًا، لكن المعنى يقتضي ذلك؛ لأن جلوس الخصمين أمام القاضي هو من باب العدل بينهما؛ لأنهما لو لم يجلسا على هذه الصفة لجلس واحد عن يمينه والآخر عن شماله، وهذا فيه ما فيه؛ ولأن جلوسهما على هذه الصفة أمكن للقاضي في العدل بينهما في لحظه ولفظه، قال ابن رشد: (أجمعوا على أنه واجب على
стр. 4359
القاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس، وألا يسمع من أحدهما دون الآخر … ) (١).
وقد نص الفقهاء على أنه يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في مجلسه وفي الدخول عليه، ولا يجوز له أن يرفع أحد الخصمين عن الآخر، أو يقبل عليه، أو يقوم له دون خصمه، أو يشاوره؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته.
فإن ترافع إليه مسلم وكافر رفع مجلس المسلم على مجلس الكافر.
والقول الثاني: أنه لا فرق بين مجلس المسلم ومجلس الكافر، بل يراعي العدل وسلوك ما يوصل إلى استظهار الحقوق، وقد يكون في تقديم المسلم على الكافر كسر لقلب الكافر فيتلعثم عن ذكر حجته، ويكون ذلك مفضيًا إلى عدم تبين الحجة، وهذا هو الصواب (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 4360
باب الشهادات
الشهادات: جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد شهادة، وإنما جمع المصدر لإرادة الأنواع (١)؛ لأن الشهادة قد تكون على الأموال أو الحدود أو الرضاع، وغير ذلك، ولها في اللغة معانٍ منها: الحضور، والخبر، والاطلاع على شيء، قال ابن فارس: (الشهادة: الإخبار بما قد شوهد) (٢)، وقال الجوهري: (الشهادة: خبر قاطع) (٣)، سميت بذلك من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده.
واصطلاحًا: الإخبار عما يعلمه بلفظ شهدت أو أشهد، ونحوهما كسمعت، ورأيت، وتحققت، وعلمت، ونحو ذلك.
وعلى هذا فلا يشترط في أداء الشهادة لفظ معين، بل تصح بكل لفظ دل على اليقين، وهذا قول المالكية (٤)؛ لأن المقصود من الشهادة بعث الاطمئنان إلى علم القاضي أو غيره بأن ما شهد به الشاهد حق وصدق، وهذا لا يتوقف على لفظ معين.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وذكر أنه رواية عن أحمد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن اشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا قول أحد من الصحابة ﵃، ولا يتوقف إطلاق لفظ الشهادة لغةً على ذلك) (٥).
стр. 4361
والحكمة من مشروعية الشهادة: أنها طريق من طرق الأثبات، بها تحفظ الأموال والدماء والأعراض، وبها تنفذ الأحكام، وهي تلي الإقرار في القوة الظاهرة، وإذا كانت بهذه المنزلة فالواجب على القضاة -في هذا الزمان- التحري والتثبت والبحث عن ديانة وأمانة من يؤديها؛ لضعف الإيمان وفساد الذمم.
وتحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية، والمراد بتحمل الشهادة: التزام الإنسان بها، والمراد بأدائها: أن يشهد بها عند القاضي أو غيره، ووجه كون ذلك فرضًا أنه لو لم يكن فرضًا لامتنع الناس من التحمل والأداء، فيؤدي إلى ضياع حقوق الناس، وأما كونه على الكفاية فلأن الحاجة المذكورة تندفع بشهادة من تقوم به الكفاية، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والظاهر أن (مِن) للتبعيض، ويكون ذلك مخصصًا لعموم الآيات التي تفيد الإيجاب مطلقًا، ثم إن المعنى يؤيد ذلك، كما تقدم (١).
стр. 4362
ما جاء في الثناء على من أتى بالشهادة قبل أن يُسألها
١٤٠٩/ ١ - عَنْ زَيدِ بْنِ خالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أن النَّبِي ﷺ قَال: "ألَا أخْبِرُكُمْ بِخَيرِ الشُّهَدَاءِ؟ الّذِي يَأتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْألهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* الكلام عليه من وجوه:
° الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الأقضية"، باب (بيان خير الشهود) (١٧١٩) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.
° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ألا أخبركم) بتخفيف اللام، أداة استفتاح وتنبيه تفيد التوكيد، لينتبه السامع لما بعدها (١).
قوله: (بخير الشهداء) جمع شهيد بمعنى شاهد؛ لأن فعيلًا بمعنى فاعل إذا كان وصفًا غير مضعف ولا معتل اللام، يجمع على فعلاء، مثل كريم وكرماء، قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ويجمع شاهد على شهود كحاضر وحضور.
стр. 4363
والمراد بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم ثوابًا عند الله تعالى.
قوله: (الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها) بضم الياء على صيغة الفعل الذي لم يسم فاعله؛ أي: قبل أن تطلب منه الشهادة.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه، وهذا محمول عند أهل العلم على ما إذا كان صاحب الحق لا يعلم بهذه الشهادة، أو أنه نسيها فإنه يشرع للشاهد أن يشهد ولو لم يطلب منه صاحبُ الحقِّ الشهادةَ، حفظًا لحق أخيه المسلم أن يضيع، فهو لا يفعل ذلك تساهلًا في الشهادة أو استخفافًا بها أو طمعًا في مال أو نحوه، ولكن ليؤدي الواجب ويحفظ حق أخيه.
وهذا تفسير الإمام مالك، ويحيى بن سعيد شيخ مالك وغيرهما، قال ابن عبد البر: (هذا أولى ما قيل في تفسير الحديث، ولا يسع الذي عنده شهادة لغيره أن يكتمها ولا أن يسكت عنها، إلا أن يعلم أن حق الطالب يثبت أو قد يثبت بغيره، فإن كان كذلك فهو في سعة، وأداؤها مع ذلك أفضل، وسواء شهد أحد قبله أو معه أو لم يشهد، إذا كان الحق مالًا؛ لأن اليمين فيه مع الشاهد الواحد) (١).
وهذا التوجيه للحديث مبني على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد حتى تطلب منه الشهادة، وعلل الفقهاء لذلك بنفي التهمة؛ لأن الذي يبادر بالشهادة قبل أن تطلب منه قد يتهم بمنفعة المشهود له أو مضرة المشهود عليه، وأما على القول بجواز الشهادة وإن لم يستشهد فالأمر واضح، ولهذا الكلام تتمة عند الحديث الآتي. والله تعالى أعلم.
стр. 4364
ما جاء في ذم من يشهد ولا يستشهد
١٤١٠/ ٢ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ خَيرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد) (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥) من طريق شعبة، حدثنا أبو حمزة قال: سمعت زَهْدَمَ بن مُضَرِّبٍ قال: سمعت عمران بن حصين ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثة- ثم يكون بعدهم قوم … " الحديث. وهذا لفظ مسلم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن خيركم قرني) على حذف مضاف؛ أي: أهل قرني، ودل على ذلك حديث ابن مسعود ﵁: "خير الناس قرني … " (١)، والمراد بهم: المسلمون في زمن النبي ﷺ ، والقرن من العلماء من يحدده بالوصف فيقول: القرن هم الطائفة من الناس اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة كالصحبة -مثلًا-. أو يقال: هو العصر المرتبط وصفه بأكثر أهله، ومنهم من حده
стр. 4365
بالزمن على أقوال أشهرها: أن القرن مائة سنة، وهو الذي رجحه صاحب "القاموس" (١)، واستقر عليه الأمر.
وقد ذكر الحافظ أن آخر قرن الصحابة سنة مائة وعشرة إلى مائة وعشرين من البعثة، وآخر قرن التابعين سنة مائة وثمانين من الهجرة، وآخر قرن تابع التابعين سنة مائتين وعشرين، وهذا يدل على أن القرن لا يحدد بمائة؛ لأن قرن التابعين حوالي سبعين أو ثمانين، وتابع التابعين حوالي خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمن (٢).
وإنما كان خير الناس قرن النبي ﷺ لفضلهم في العلم والإيمان والأعمال الصالحة، لغلبة الخير فيه وكثرة أهله، وقلة الشر وأهله، واعتزاز الإسلام وكثرة العلم والعلماء، واشتداد الإنكار على من ابتدع كالخوارج والقدرية ونحوهم.
قوله: (ثم الذين يلونهم) هم أهل القرن الثاني، وهم التابعون، لظهور الإسلام فيهم وقربهم من نور النبوة، وما ظهر فيه من البدع استعظم وأنكر وأزيل، أو خَفَّ أثره.
قوله: (ثم الذين يلونهم) هم أهل القرن الثالث، وهم تابعو التابعين، وهذا القرن دون الأوليين لكثرة ظهور الباع، لكن العلماء فيه متوافرون، وقد تصدى كثير منهم لإنكارها، والإسلام إذ ذاك ظاهر، والجهاد قائم.
قوله: (ثم يكون قوم) فاعل (يكون) لأنها تامة؛ أي: يجيء قوم، والتعبير بـ (قوم) يدل على أنه ليس كل أصحاب القرن على هذه الأوصاف؛ لأنه لم يقل: ثم يكون الناس.
قوله: (يشهدون ولا يستشهدون) أي: يشهدون قبل أن تطلب منهم الشهادة، لتسرعهم في أدائها وعدم اهتمامهم بها، وهذا بظاهره يعارض حديث زيد بن خالد المتقدم؛ لأن هذا في سياق الذم، وذاك في سياق المدح.
стр. 4366
وقيل معناه: يشهدون وهم ليسوا أهلًا لتحمل الشهادة؛ لفسقهم أو لاستخفافهم بأمرها، ويؤيد هذا (ويخونون ولا يؤتمنون) كما يؤيده رواية ابن ماجه: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل وما يُستشهد، ويحلف وما يُستحلف" (١)، وعلى هذا فيكون الحديث وصفًا لهم بشهادة الزور.
قوله: (ويخونون ولا يؤتمنون) الخيانة: مصدر خان بمعنى نقض العهد، وبمعنى الخيانة في الأمانة؛ والمعنى: يخونون من ائتمنهم على مال أو عرض أو غيرهما ولا يؤتمنون لخيانتهم الظاهرة، ولم يقل: يؤتمنون ويخونون؛ لبيان أن الخيانة وصف ثابت لهم، فهم لخيانتهم لا يؤتمنون.
قوله: (وينذرون ولا يوفون) بكسر الذال من باب ضرب، وفي لغة بضمها من باب قتل؛ أي: يلزمون أنفسهم ما ليس بواجب عليهم ولا يوفون به.
قوله: (ويظهر فيهم السِّمَنُ) بكسر السين وفتح الميم هو كثرة الشحم واللحم، وذلك لإفراطهم وتوسعم في المآكل والمشارب ورغبتهم في الدنيا ونيل شهواتها وغفلتهم عن الدار الآخرة.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل القرون الثلاثة الأُول من هذه الأمة، وأن الصحابة ﵁ أفضل ممن جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين، لظهور الإسلام والعلم والإيمان والعمل الصالح، وقربهم من نور النبوة وسبقهم إلى الجهاد ومحاربة البدع والمبتدعة.
وقد جاء هذا المعنى في عدة أحاديث، ومنها حديث ابن مسعود ﵁ في "الصحيحين" (٢)، وحديث عائشة ﵄ (٣)، وحديث أبي سعيد ﵁ (٤)، وحديث النعمان بن بشير في "المسند" وغيره (٥).
стр. 4367
وهذه الأفضلية من حيث الجملة لا من حيث الأفراد، فقد يوجد في تابع التابعين من هو أفضل من التابعين، وقد يوجد في التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة، أما فضل الصحبة فلا يناله أحد غير الصحابة؛ لأنه وصف خاص بهم لا يتعداهم إلى غيرهم، وكذا الأوصاف التي لا توجد في غيرهم، أو لها أثر فيمن بعدهم، كالذَبِّ عن رسول الله ﷺ والهجرة إليه ونصرته، وضبط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه من بعدهم، والإنفاق في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، قال الشوكاني: (مزية الصحابة فاضلة مطلقًا باعتبار مجموع القرن، فإذا اعتبرت كل قرن قرن فالصحابة خير القرون، ولا ينافي هذا تفضيل الواحد من أهل القرن أو الجماعة على الواحد أو الجماعة من أهل قرن آخر) (١).
ومسألة المفاضلة من المسائل التي لا يترتب عليها كبير فائدة، فلا ينبغي إعطاؤها أكثر مما تستحق، وهي من الأمور الظاهرة، والغيب علمه عند الله تعالى.
وقد شك الراوي في أفضلية القرن الرابع فقال: (لا أدري أقال بعد قرنه مرتين أو ثلاثة) فيكون المعول على اليقين وهو أن القرون المفضلة ثلاثة، وقد ورد في حديث النعمان عند أحمد إثبات القرن الرابع (٢)، لكنه من طريق عاصم بن بهدلة، وفي حفظه شيء، فلا يُحتج بما تفرد به عن الثقات (٣).
ولا شك أن القرن الرابع فيه خيرية؛ لقربه من القرون المفضلة، لكن لم يثبت التنصيص على ذلك.
• الوجه الرابع: في الحديث دليل على ذم من يأتي لأداء الشهادة قبل أن تطلب منه؛ لأن هذا يدل على تسرعه في الشهادة وعدم الاهتمام بها،
стр. 4368
ويشكل على هذا حديث زيد بن خالد ﵁ المتقدم الدال على فضل من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها.
وقد اختلف العلماء في طريق الخروج من هذا التعارض الظاهر بين الحديثين، فمنهم من قال بالجمع بينهما، ومنهم من قال بالترجيح. فمن قال بالترجيح رجح حديث عمران ﵁ لاتفاق البخاري ومسلم عليه، وانفراد مسلم بحديث زيد بن خالد ﵁، وذهب ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد على حديث عمران؛ لكونه من رواية ثقات أهل المدينة، وحديث عمران من رواية أهل العراق، أو أن المراد بالشهادة فيه: اليمين، أي: يحلف أحدهما قبل أن يستحلف، ويحلف حيث لا تراد منه اليمين (١).
ومن قال بالجمع حمل حديث زيد بن خالد على من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها فيأتي إلى ورثته فيعلمهم بذلك، وحديث عمران على من يؤدي الشهادة قبل أن يدعى لأدائها، أو أنهم يشهدون وليسوا أهلًا لتحمل الشهادة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصحيح أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: "ثم يفشو فيهم الكذب، حتى يشهد الرجل وما يستشهد"، ولهذا قرن ذلك بالخيانة، وبترك الوفاء بالنذر … ) (٢).
وقيل: إن حديث زيد بن خالد في حقوق الله تعالى التي لا طالب لها، أو ما فيه شائبة منها كالعتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق ونحو ذلك، فيؤدي الشهادة من غير أن تطلب منه، وحديث عمران في حقوق الآدميين.
وقيل: إن حديث زيد من باب الكنايات، فهو كناية عن السرعة والمبادرة بأداء الشهادة وعدم التأخر، فكأنه لشدة مبادرته يؤديها قبل أن يُسألها.
стр. 4369
وكل هذا مبني على القول بأنه لا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة وأن من يفعل ذلك فهو مذموم، وحكى الطحاوي عن جماعة من أهل العلم جواز أداء الشهادة ولو لم يُسألها (١)، وقالوا: هو محمود مأجور، واستدلوا بحديث زيد بن خالد، وحملوا حديث عمران على أنه في شهادة الزور، كما حكاه الترمذي عن جماعة من أهل العلم (٢).
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على ذم التهاون بالنذور وعدم الوفاء بها؛ لأن النبي ﷺ سوى بين من يخون أمانته ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا.
• الوجه السادس: ذم الخيانة في الأمانة والعهود والحث على أدائها، وقد عد النبي ﷺ الخيانة في الأمانة من علامات النفاق، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب "الجامع" -إن شاء الله تعالى-.
• الوجه السابع: في الحديث دليل على ذم التنعم في الدنيا والاعتناء بأسباب السمن من الإقبال على الشهوات والعناية بالمطاعم والمشارب، قال الحافظ: (وإنما كان السمن مذمومًا؛ لأن السمين غالبًا يكون بليد الفهم ثقيلًا عن العبادة، كما هو مشهور) (٣).
وليس المراد ذم مطلق السمن، فإنه لا يخلو منه زمان ولا عيب فيه؛ لأنه قد يكون بغير اختيار الإنسان، وإنما الذم على شيء يكون هو السبب فيه، قال ابن الملقن: (لا شك في ذم السمن للرجال لمن استعمله وأحبه، دون من طُبع عليه) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 4370
من لا تقبل شهادتهم
١٤١١/ ٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرو ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ الْبَيتِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
١٤١٢/ ٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَويٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَة"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
• الكلام عليهما من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقد رواه أحمد (١١/ ٥٠١)، وأبو داود في كتاب "الأقضية"، باب (من ترد شهادته) (٣٦٠٠) من طريق محمد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة خائن … " الحديث، وتمامه: (وتجوز شهادته لغيرهم)، القانع: الذي ينفق عليه أهل البيت. وهذا لفظ أحمد.
ولفظ أبي داود وأحمد -أيضًا- (١١/ ٦٧١): (أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْرِ على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم) وعند أحمد: (على غيرهم).
والفرق بين هذه الرواية وما قبلها أن الأولى قول، وهذه الرواية فعل.
والحديث في سنده محمد بن راشد وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: (كان صدوقًا حسن الحديث)، وسليمان بن موسى هو الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، كما قال الحافظ، وهو يروي أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، ولعل منها هذا الحديث.
стр. 4371
والحديث سكت عنه الحافظ هنا، وقال في "التلخيص": (سنده قوي) (١)، وقال البيهقي: (لا يصح في هذا عن النبي ﷺ شيء يعتمد عليه) (٢)، وكلام البيهقي هذا لا يعني إهمال ما جاء في هذا الحديث؛ لأنها معانٍ جاء الشرع باعتبارها، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه أبو داود في "الأقضية"، باب (شهادة البدوي على أهل الأمصار) (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٢٣٦٧)، والحاكم (٤/ ٩٩) من طريق ابن الهاد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … وذكر الحديث.
وهذا سند رجاله ثقات، قال المنذري: (رجال إسناده احتج بهم مسلم في "صحيحه") (٣)، وقال ابن عبد الهادي: (إسناده جيد) (٤)، وقد سكت الحاكم عن هذا الحديث، وقال الذهبي: (لم يصححه المؤلف، وهو حديث منكر مع نظافة سنده)، وقال البيهقي: (هذا الحديث مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، فإن كان حَفِظَهُ فقد قال أبو سليمان الخطابي ﵀: يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة … إلخ كلامه) (٥)، وسأذكره إن شاء الله.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (لا تجوز شهادة خائن) أي: لا تقبل، والمراد بالخائن: من يخون فيما ائتمن عليه، سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين، أو ما ائتمنه الناس من الأموال والودائع والأمانات، فإن من ضيع شيئًا من أوامر الله أو ارتكب شيئًا مما نهاه الله عنه لم يكن عدلًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
стр. 4372
قوله: (ولا ذي غِمْرٍ) بكسر الغين المعجمة وسكون الميم هو الحقد وزنًا ومعنى، قال أبو داود عقب الحديث: (الغِمْرُ: الحِنَةُ والشحناء)، وهي بالحاء المهملة المكسورة بعدها نون مخففة مفتوحة.
قال الخطابي: (ذو الغِمْرِ: هو الذي بينه وبين الشهود عداوة ظاهرة) (١).
قوله: (على أخيه) أي: المسلم، فلا تقبل شهادة عدو على عدوه، سواء أكان أخاه من النسب أو أجنبيًّا، قالوا: وهذا خرج مخرج الغالب، فلا يشهد مسلم على كافر إذا كانت عداوة غير الدين.
قوله: (ولا تجوز شهادة القانع) هو السائل والمستطعم، وأصل القنوع السؤال، وقيل: هو الخادم الذي ينفق عليه أهل البيت، وقد جاء هذا التفسير في رواية أحمد، كما تقدم، وجاء في بعض نسخ "سنن أبي داود": (والقانع: الأجير التابع، مثل الأجير الخاص).
قوله: (بدوي) هو الأعرابي من سكان البادية، وهو مفرد بدو، كروم ورومي وترك وتركي، ونحوهما مما يفرق بين مفرده وجمعه بالياء (٢).
قوله: (صاحب قرية) هو الحضري الذي يسكن القرى والمدن، والقرية لفظ يطلق على كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها (٣).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الخائن لا تقبل شهادته؛ لأن خيانته دليل على أنه لا تقوى عنده تمنعه من ارتكاب المحظورات، ومنها الكذب، فلا يحصل الاطمئنان إلى خبره، فلا تصح شهادته.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على عدم قبول شهادة من يضمر العداوة والشحناء للمشهود عليه بحيث يفرح لحزنه ويحزن لفرحه، فإذا شهد عليه لم تقبل شهادته، لئلا يتخذ قبول الشهادة ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة؛ لأن مثل هذا لا يؤمن أن يتقول على المشهود عليه بغير حق، لكن إن
стр. 4373
شهد له قبلت شهادته لعدم المحذور، وهو خشية الإضرار بالمشهود له، وقد دل على هذا قوله: (على أخيه) فإن مفهوم أنه إن شهد لأخيه قبلت.
وهذا إذا كانت العداوة من أجل أمر دنيوي، أما إذا كانت من أجل أمر من أمور الدين فإن شهادته تقبل عليه؛ لأن العدالة المشروطة لصحة الشهادة هي العدالة في الدين، وعدالة الشاهد تمنعه من ارتكاب محظور في دينه (١).
ثم إن العداوة في الدين ليست حقدًا فلا تدخل في لفظ الحديث.
• الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن الشاهد إذا كان فيه وصف يخشى معه أن يميل فيشهد بخلاف الحق فإن شهادته لا تقبل كالخادم لأهل البيت؛ لأنه مظنة تهمة دفع الضرر عنهم وجلب الخير لهم.
• الوجه السادس: استدل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب بهذا الحديث على أن شهادة الوالد لولده وإن نزل، وشهادة الولد لوالده وإن علا أنها لا تقبل (٢)، وعللوا ذلك بالتهمة، لقوة القرابة بينهم التي تدعو الشاهد إلى أن يشهد بما يخالف الواقع.
والقول الثاني: تقبل شهادة الوالد لولده والعكس، وهذا قول الظاهرية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)؛ لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار.
وقد ذكر ابن القيم أن الشهادة لا تُردُّ بسبب القرابة، لعدم الدليل، وإنما ترد بوجود التهمة، لثبوت النص، كما في حديث الباب، فالتهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًّا، وقال: (هذا هو الصواب، وهو القول الذي ندين الله به) (٥). واختار هذا الشوكاني، فقال: (فمن كان معروفًا
стр. 4374
من القرابة ونحوهم بمتانة الدين البالغة إلى حد لا يؤثر معها محبة القرابة، فقد زالت حينئذٍ مظنة التهمة، ومن لم يكن كذلك فالواجب عدم القبول لشهادته؛ لأنه مظنة التهمة) (١). واختاره -أيضًا- الشيخ عبد الرحمن السعدي (٢).
• الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب التحري في باب الشهادات ومعرفة من تقبل شهادته ومن ترد؛ لأن الله تعالى أمر بإشهاد العدل، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن رشد: (اتفق المسلمون على اشتراط العدالة في قبول شهادة الشاهد) (٣).
والعدالة: استقامة الدين؛ لأن من لا صلاح له في الدين لا يؤمن أن يشهد على غيره بالزور.
واستقامة الدين: هي أداء الفرائض واجتناب المحارم، وذلك بألا يرتكب كبيرة ولا يلازم صغيرة، فالصلاح في الدين هو الشرط الأول للعدالة.
والشرط الثاني: المروءة (٤)، ومعناها: أن يفعل ما يحمده الناس عليه من الآداب والأخلاق من السخاء وبذل الجاه، وحسن المعاملة، وحسن الجوار ونحو ذلك، ويترك ما يذمه الناس عليه، كالغناء، أو الأكل في السوق، أو المشي مكشوف الرأس، أو النوم بين الجالسين، ونحو ذلك مما ذكر الفقهاء، وفي بعضها يُرجع إلى العرف.
والقول الثاني: أن العدالة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فكل مَرْضِيِّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (هذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره) (٦).
• الوجه الثامن: استدل بحديث أبي هريرة ﵁ من قال: لا تجوز
стр. 4375
شهادة بدوي على صاحب القرية وهو الحضري، وهو قول مالك في عقود المعاوضات، كالبيع والشراء، وقال الإمام أحمد: أخشى ألا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية، قال الموفق: (فيحتمل هذا ألا تقبل شهادته، وهو قول جماعة من أصحابنا) (١). وقال ابن مفلح: (وهو المنصوص) (٢).
قالوا: ولأن البدوي يغلب عليه الجفاء في الدين، وقلة معرفة الأحكام الشرعية، وعدم ضبطه ومعرفته لما يلقى عليه ويسمعه. قالوا: ولأن شهادة البدوي لا تخلو من تهمة، قال مالك: (الذي يُشهد بدويًّا ويدع جيرته من أهل الحضر هو عندي مريب) (٣).
والقول الثاني: أن شهادة البدوي على القروي صحيحة ومقبولة مطلقًا، سواء أكانت في العقود المالية أو غيرها، إذا كان عدلًا يقيم الشهادة.
وهذا قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة في المشهور (٤)، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵁ أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال … الحديث (٥). فقد قبل النبي ﷺ شهادة الأعرابي في إثبات دخول رمضان، وهو نص في الصوم، فيقاس عليه غيره من الأحكام.
كما استدلوا بالعمومات الواردة في قبول شهادة كل من يصلح للشهادة بدون تفريق بين بدوي أو حضري، فيكون البدوي داخلًا تحت العمومات في هذا الباب.
وهذا القول هو الراجح، وحديث الباب محمول على من لم تعرف عدالته من أهل البادية؛ لأن الغالب أن البدوي لا يستقر بمكان، فيصعب إحضاره لأداء الشهادة، كما يصعب استحضار من يسأله الحاكم عن عدالته (٦).
стр. 4376
قال الخطابي: (يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة؛ ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهتها) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4377
ما جاء في قبول شهادة من ظهرت استقامته
١٤١٣/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَال: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤخَذُونَ بِالْوَحْي في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأَخُذُكُم الآنَ بِمَا ظَهَرَ لنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (الشهداء العدول) (٢٦٤١) من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الله بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: … وذكر الحديث. وتمامه: (فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن أناسًا) وقع في بعض النسخ: (إن ناسًا) بحذف همزته تخفيفًا، وعليه مشى ابن علان في شرحه لـ"رياض الصالحين" (١)، وإثبات الهمزة هو الموافق لما في "الصحيح".
قوله: (كانوا يؤخذون بالوحي) أي: يعرف الصادق فيهم من الكاذب بإعلام الله تعالى رسوله ﷺ عنهم بواسطة الوحي في زمنه ﷺ .
قوله: (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم) وقع في بعض نسخ
стр. 4378
"البلوغ": (نؤاخذكم) والمثبت هو الموافق لما في "الصحيح"؛ والمعنى: أننا نعمل بالظاهر، وأما الباطن فهو لله تعالى المطلع على النيات، فمن أظهر لنا خيرًا وإيمانًا وعدالة (أمِنَّاه) أي: صيرناه عندنا أمينًا وقربناه، ومن أظهر لنا سوءًا أو شرًّا، عاملناه بما أظهر، فأبغضناه وحاسبناه، ولو قال: إن نيته حسنة؛ لأننا لا نحكم إلا بالظاهر، والله يتولى السرائر.
• الوجه الثالث: استدل العلماء بكلام عمر ﵁ على أن الواجب أخذ الناس بما ظهر من أعمالهم وتصرفاتهم، وأما البواطن والنيات فهي إلى الله تعالى.
فمن أظهر الخير والاستقامة قبلت شهادته وأُمِنَ على ما هو عليه من أمور المسلمين كولاية وقف أو يتيم ونحو ذلك، ومن أظهر غير ذلك من المعاصي والخيانات ونحو ذلك مما يدل على ضعف إيمانه وقلة أمانته، فإنه لا يؤمن ولا يوثق بشهادته.
وهذا يدل على قبول شهادة من ظهر منه الخير والاستقامة نظرًا إلى ظاهر حاله، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدَّل من الصلاح من غير كشف عن حقيقة سريرته؛ لأن هذا متعذر إلا بالوحي، وقد انقطع (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4379
ما جاء في شهادة الزور من التغليظ والوعيد
١٤١٤/ ٦ - عَنْ أَبي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ في أَكبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، في حَدِيثٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (ما قيل في شهادة الزور) (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧) من طريق سعيد الجُريري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثًا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، ألا وقول الزور"، وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وهذا لفظ مسلم.
وقد جاء في بعض نسخ "البلوغ": (متفق عليه في حديث طويل)، وليس في المخطوطة -التي سبق وصفها- لفظة: (طويل)، وهو الأقرب؛ لأن الحديث بهذا السياق لا يوصف بأنه طويل.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بأكبر الكبائر) أي: أعظم الكبائر، وهذا يدل على أن الكبائر أنواع، وقد تقدم تعريف الكبيرة: في "الأيمان والنذور".
قوله: (شهادة الزور) هي تعمد الكذب في الشهادة، والزور بالضم: الكذب، والشرك بالله تعالى والباطل، والزَّوَرُ بالتحريك: الميل، وزَوَّرَ: زَيَّنَ الكذب، وزَوَّرَهُ: حسنه.
стр. 4380
فأصل المادة من الازورار وهو الميل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف: ١٧]، فالزور قول يستعمل في كل ميل عن الحق، ومن ذلك الكذب والباطل، وشهادة الزور، وعلى هذا فقول الزور أعم من شهادة الزور، لكن في هذا الحديث يحمل قول الزور على شهادة الزور؛ لأن قول الزور لو حمل على غير شهادة الزور لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، ولا ريب أن مراتب الكذب متفاوتة حسب ما يترتب عليه من أضرار ومفاسد، كما سيأتي بيان ذلك في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم شهادة الزور وأنها من كبائر الذنوب بل هي من أكبر الكبائر، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، وقد جاءت النصوص بتحريم شهادة الزور والنهي عنها والتغليظ على متعاطيها، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الزور، وقيل: لا يشهدون، من الشهادة، ورجح الأول ابن كثير، وابن تيمية، وقال ابن سعدي: (لا يحضرون، ومن باب أولى لا يشهدون) (١).
ثم إن الأصل في الشهادة أن تكون سندًا لجانب الحق ومعينة للقضاة على إقامة العدل وإعطاء صاحب الحق حقه، فإذا تخلَّت عن وظيفتها، فكانت سندًا للباطل ومضللة للقضاة، فإنها تحمل حينئذٍ جريمتين كبيرتين:
الأولى: عدم تأديتها وظيفتها الأساسية وهي مساندتها الحق، فتكون من هذه الناحية أسوأ حالًا من كتمان الشهادة.
الثانية: قيامها بجريمة إيجابية تُهضم فيها الحقوق ويُظلم البُرآء.