قال الخطابي: (يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة؛ ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهتها) (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4377
ما جاء في قبول شهادة من ظهرت استقامته
١٤١٣/ ٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَال: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤخَذُونَ بِالْوَحْي في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأَخُذُكُم الآنَ بِمَا ظَهَرَ لنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (الشهداء العدول) (٢٦٤١) من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الله بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: … وذكر الحديث. وتمامه: (فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن أناسًا) وقع في بعض النسخ: (إن ناسًا) بحذف همزته تخفيفًا، وعليه مشى ابن علان في شرحه لـ"رياض الصالحين" (١)، وإثبات الهمزة هو الموافق لما في "الصحيح".
قوله: (كانوا يؤخذون بالوحي) أي: يعرف الصادق فيهم من الكاذب بإعلام الله تعالى رسوله ﷺ عنهم بواسطة الوحي في زمنه ﷺ .
قوله: (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم) وقع في بعض نسخ
стр. 4378
"البلوغ": (نؤاخذكم) والمثبت هو الموافق لما في "الصحيح"؛ والمعنى: أننا نعمل بالظاهر، وأما الباطن فهو لله تعالى المطلع على النيات، فمن أظهر لنا خيرًا وإيمانًا وعدالة (أمِنَّاه) أي: صيرناه عندنا أمينًا وقربناه، ومن أظهر لنا سوءًا أو شرًّا، عاملناه بما أظهر، فأبغضناه وحاسبناه، ولو قال: إن نيته حسنة؛ لأننا لا نحكم إلا بالظاهر، والله يتولى السرائر.
• الوجه الثالث: استدل العلماء بكلام عمر ﵁ على أن الواجب أخذ الناس بما ظهر من أعمالهم وتصرفاتهم، وأما البواطن والنيات فهي إلى الله تعالى.
فمن أظهر الخير والاستقامة قبلت شهادته وأُمِنَ على ما هو عليه من أمور المسلمين كولاية وقف أو يتيم ونحو ذلك، ومن أظهر غير ذلك من المعاصي والخيانات ونحو ذلك مما يدل على ضعف إيمانه وقلة أمانته، فإنه لا يؤمن ولا يوثق بشهادته.
وهذا يدل على قبول شهادة من ظهر منه الخير والاستقامة نظرًا إلى ظاهر حاله، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدَّل من الصلاح من غير كشف عن حقيقة سريرته؛ لأن هذا متعذر إلا بالوحي، وقد انقطع (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4379
ما جاء في شهادة الزور من التغليظ والوعيد
١٤١٤/ ٦ - عَنْ أَبي بَكرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ في أَكبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، في حَدِيثٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (ما قيل في شهادة الزور) (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧) من طريق سعيد الجُريري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثًا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، ألا وقول الزور"، وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وهذا لفظ مسلم.
وقد جاء في بعض نسخ "البلوغ": (متفق عليه في حديث طويل)، وليس في المخطوطة -التي سبق وصفها- لفظة: (طويل)، وهو الأقرب؛ لأن الحديث بهذا السياق لا يوصف بأنه طويل.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بأكبر الكبائر) أي: أعظم الكبائر، وهذا يدل على أن الكبائر أنواع، وقد تقدم تعريف الكبيرة: في "الأيمان والنذور".
قوله: (شهادة الزور) هي تعمد الكذب في الشهادة، والزور بالضم: الكذب، والشرك بالله تعالى والباطل، والزَّوَرُ بالتحريك: الميل، وزَوَّرَ: زَيَّنَ الكذب، وزَوَّرَهُ: حسنه.
стр. 4380
فأصل المادة من الازورار وهو الميل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف: ١٧]، فالزور قول يستعمل في كل ميل عن الحق، ومن ذلك الكذب والباطل، وشهادة الزور، وعلى هذا فقول الزور أعم من شهادة الزور، لكن في هذا الحديث يحمل قول الزور على شهادة الزور؛ لأن قول الزور لو حمل على غير شهادة الزور لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، ولا ريب أن مراتب الكذب متفاوتة حسب ما يترتب عليه من أضرار ومفاسد، كما سيأتي بيان ذلك في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم شهادة الزور وأنها من كبائر الذنوب بل هي من أكبر الكبائر، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، وقد جاءت النصوص بتحريم شهادة الزور والنهي عنها والتغليظ على متعاطيها، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الزور، وقيل: لا يشهدون، من الشهادة، ورجح الأول ابن كثير، وابن تيمية، وقال ابن سعدي: (لا يحضرون، ومن باب أولى لا يشهدون) (١).
ثم إن الأصل في الشهادة أن تكون سندًا لجانب الحق ومعينة للقضاة على إقامة العدل وإعطاء صاحب الحق حقه، فإذا تخلَّت عن وظيفتها، فكانت سندًا للباطل ومضللة للقضاة، فإنها تحمل حينئذٍ جريمتين كبيرتين:
الأولى: عدم تأديتها وظيفتها الأساسية وهي مساندتها الحق، فتكون من هذه الناحية أسوأ حالًا من كتمان الشهادة.
الثانية: قيامها بجريمة إيجابية تُهضم فيها الحقوق ويُظلم البُرآء.
стр. 4381
• الوجه الرابع: في الحديث بيان لخطر شهادة الزور وما فيها من المفاسد العظيمة؛ لأن النبي ﷺ اهتم بها، ومن مفاسدها:
١ - أكل أموال الناس بالباطل.
٢ - ضياع الحقوق وطمس معالم العدل، فيحرم صاحب الحق من حقه.
٣ - إعانة الظالم على ظلمه وإعطاء المال لغير مستحقه.
٤ - تضليل القضاة فيحكمون بما هو خلَاف الحق بناءً على هذه الشهادة الباطلة.
• - تقويض أركان الأمن، فتكثر الجرائم اتكالًا على وجود هؤلاء المفسدين.
• الوجه الخامس: اهتم النبي ﷺ بشهادة الزور فكررها، وأتى بحرف التنبيه، واعتدل في جلسته؛ لأن الناس يتساهلون بها لكونها أسهل على اللسان؛ ولأن الحوامل عليها كثيرة من الرشوة ومحبة المشهود له أو قرابته أو عداوة المشهود عليه؛ ولأن ضررها يتعدى إلى الفرد والمجتمع، وقد يسفك بها دم أو يؤخذ بها مال.
وهذا بخلاف الإشراك بالله فإنه ينبو عنه قلب المسلم؛ ولأنه لا تتعدى مفسدته غالبًا إلى غير المشرك، والعقوق يصرف عنه كرم الطبع وحسن الخلق والمروءة، وضرره على العاق نفسه. والله تعالى أعلم.
стр. 4382
ما جاء في اشتراط العلم بالمشهود به
١٤١٥/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال لِرَجُلٍ: "تَرَى الشَّمْسَ؟ "، قَال: نَعَمْ، قَال: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ.
* الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٠٧)، والحاكم (٤/ ٩٨)، والبيهقي (١٠/ ١٥٦) من طريق عمرو بن مالك البصري، عن محمد بن سليمان بن مسمول (١)، حدثنا عبيد الله بن مسلمة بن وهرام، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄: ذُكِرَ عند رسول الله ﷺ الرجل يشهد بالشهادة، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا ابن عباس فلا تشهد إلا على أمر يضيء لك كضياء هذه الشمس" وأومأ بيده إلى الشمس.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) فتعقبه الذهبي بقوله: (واهٍ، فعمرو قال ابن عدي: كان يسرق الحديث (٢)، وابن مسمول ضعفه غير واحد).
والحديث مداره على محمد بن مسمول، وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي،
стр. 4383
ونقل ابن عدي عن البخاري أنه قال: (سمعت الحميدي يتكلم في محمد بن سليمان بن مسمول)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي، ضعيف الحديث، كان الحميدي يتكلم فيه) (١). ولما ذكر ابن عدي بعض مرويات ابن مسمول قال: (ولمحمد بن سليمان بن مسمول غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده ولا متنه).
وأما عمرو بن مالك فقد قال عنه ابن عدي: (منكر الحديث عن الثقات، يسرق الحديث) (٢).
• الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه يقينًا كما تُعلم الشمس بالمشاهدة، والحديث وإن كان ضعيفًا فإن معناه صحيح؛ لأنه يدل على أن الشاهد لا بد أن يشهد عن علم، والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، وهذا معنًى دلت عليه العمومات، وذلك لأن الشهادة إخبار عن أمر واقع، فلا بد أن يكون المخبر قد علم هذا الأمر يقينًا.
وقد استدل بعض العلماء على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فقد ذكر القرطبي أن هذه الآية تدل على أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالمًا بها، ثم ذكر حديث الباب (٣).
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦] فإن معنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم، أو يعمل بما لا علم له (٤)، وعلى هذا فلا تجوز الشهادة بلا علم؛ لأن الشهادة بلا علم غير مقبولة، ومن هذا الشَّكُّ في الشهادة وعدم التحقق منها.
وعلم الشاهد بالمشهود به يحصل بأحد أمرين:
стр. 4384
الأول: رؤية المشهود به، وهذا يكون في الأفعال، كالقتل والغصب والسرقة والإتلاف والعيوب في المبيع ونحو ذلك من الأشياء المرئية.
الثاني: السماع، وهو ضربان:
الأول: سماع من المشهود عليه، كأن يسمعه يُقِرُّ أن لفلان عليه دَينًا، أو استأجر منه داره، أو اشترى منه سيارة، وما أشبه ذلك.
الضرب الثاني: السماع من جهة الاستفاضة، وتسمى شهادة السماع أو شهادة الاستفاضة وهي لقب لما صرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماعٍ من غير معين، والمراد به: انتشار الخبر وشيوعه بأن يشتهر المشهود به بين الناس، فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضًا، فيشهد الشاهد على واقعة لم يشهدها ببصره ولم يدركها بسمعه.
ولا تقبل شهادة الاستفاضة إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، كالنسب والولادة والنكاح والموت والرضاع والمُلْكِ المطلق، ونحو ذلك؛ لأنه لو منع من الشهادة بالاستفاضة فيما ذكر لوقع الناس في حرج عظيم، وتعطلت الأحكام؛ لأن مثل هذه الأمور تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة، كالنسب. وقد عقد البخاري بابًا لشهادة الاستفاضة فقال: (باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم) وذكر أربعة أحاديث في الرضاع (١).
ولا تقبل شهادة الاستفاضة في الحد؛ لأنه يطلب في الزنا -مثلًا- وصف الجريمة وصفًا دقيقًا، يدل على معاينة، وهذا لا يمكن في حال الاستفاضة، وهكذا القصاص، وبقية الحدود؛ ولأن العقوبات مما يحتاط لدرئها وإسقاطها -كما تقدم- والشهادة بالاستفاضة مبنية على غلبة الظن.
وأكثر طرق العلم: الرؤية والسماع، وقد يدرك العلم بغيرها من الحواس
стр. 4385
الأخرى، كالشم والذوق واللمس، فتجوز الشهادة به كالسمع والبصر، كما نص عليه أهل العلم (١).
وللفقهاء شروط لقبول شهادة الاستفاضة، وأهمها أن يكون الشاهد قد سمعها من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة (٢)، فإنه مأخوذ من فيض الماء لكثرته، وأقل عدد يقع العلم بخبرهم أربعة، وقيل: عدلان، وقيل: يكفي عدل واحد إذا سكن القلب إليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وجده المجد (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 4386
جواز القضاء بشاهد ويمين
١٤١٦/ ٨ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَقَال: إِسنَادةُ جَيِّدٌ.
١٤١٧/ ٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
• الكلام عليهما من وجوده:
• الوجه الأول: في تخريجهما:
حديث ابن عباس ﵄ رواه مسلم في كتاب "الأقضية"، باب (القضاء باليمين والشاهد) (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٤٣٥) من طريق سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄.
وهذا الحديث مما اختلف في صحته، فصحَّحه قوم، وأعلَّه آخرون، فممَّن صحح الحديث الإمام مسلم حيث أورده في "صحيحه"، والنسائي، فقد قال عقبه: (هذا إسناد جيد، وسيف ثقة، وقيس ثقة … )، وقال الشافعي: (حديث ابن عباس ثابت عندنا عن رسول الله ﷺ الذي لا يَرُدُّ أحد من أهل العلم مثله لو لم يكن فيها غيره مع أن معه غيره مما يشده) (١).
ونقل الحافظ عن البزار أنه قال: (في الباب أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس) (٢).
стр. 4387
وقد أعله البخاري بالانقطاع، فقد قال الترمذي: (سألت محمدًا -يعني البخاري- فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث) (١).
كما أعله -أيضًا- الطحاوي فقال: (حديث ابن عباس منكر؛ لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء، فكيف يحتجون بمثل هذا؟) (٢).
أما العلة الأولى فلا ريب أنها من أعلم خلق الله تعالى بالحديث، وسماع عمرو بن دينار من ابن عباس ثابت، أثبته البخاري نفسه، وسفيان بن عيينة وأبو حاتم (٣)؛ لأنه لقي ابن عباس وأكثر من الرواية عنه، والبخاري لا يريد نفي السماع مطلقًا كما هو صريح عبارته، وإنما يعل هذا الحديث بذاته، أو أنه -كما يقول بعض العلماء- يشير بذلك إلى بعض الروايات التي فيها طاوس أو جابر بن زيد بين ابن دينار وابن عباس، فقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق عبد الله بن محمد بن ربيعة، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس به (٤).
ولعل هذا جاء من قِبَلِ بعض الضعفاء، فإن الذين زادوا طاوسًا كلهم ضعفاء، أما الثقات فرووه عن الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء، كما يقول البيهقي (٥).
وأما العلة الثانية وهي الانقطاع بين قيس بن سعد وعمرو بن دينار ففيها نظر، فإن قيس بن سعد عاصر عمرو بن دينار وشاركه في الرواية عن عطاء، وثلاثتهم مكيون، وقد كان قيس مع عمرو بن دينار في مكة منذ ولد قيس إلى
стр. 4388
أن مات، فالمعاصره ثابتة، وهي تكفي إذا كان الراوي غير مدلس، إن لم نقل بثبوت التلاقي (١). ثم إن أئمة الحديث لم يقبلوا هذا من الطحاوي ولم يعرجوا عليه، وهذا البخاري مع استبعاده لصحته بظنه أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس لم يعرج على هذه العلة ولا اعتبرها، وهذا يقضي أن الحديث ثابت عنده عن عمرو، ولو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرولما تركه البخاري (٢).
وقد ذكر الحافظ في "البلوغ" أبا داود والنسائي ومقولة النسائي، ولعل الغرض من ذلك الإشارة إلى أن الحديث فيه كلام، وإلا فإن عادة الحافظ أن ما رواه البخاري أو مسلم يسكت عنه، وقد لا يورد أحدًا غيرهما، وكذا يقال في ذكره حديث أبي هريرة بعد حديث ابن عباس ﵄ مع أن اللفظ واحد، وليس في أحدهما زيادة على الآخر؛ لعله ذكره لبيان أن هذا الأصل فيه أحاديث أخرى غير ما في "صحيح مسلم".
وحديث أبي هريرة ﵁ رواه أبو داود في كتاب "الأقضية"، باب (القضاء بالشاهد واليمين) (٣٦١٠)، والترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
قال الترمذي: (حديث حسن غريب).
ورواه أبو داود (٣٦١١)، وابن حبان (١١/ ٤٦٢) من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة به، وفيه: قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني.
قال أبو داود بعد الرواية السابقة: (وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في
стр. 4389
هذا الحديث، قال: أخبرني الشافعي، عن عبد العزيز قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلًا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعدُ يحدثه عن ربيعة عنه، عن أبيه) (١).
ونسيان الراوي الثقة للحديث إذا حدث عنه ثقة لا يقدح فيه على القول الراجح، وهو رأي الجمهور (٢).
وهذا الحديث رجاله ثقات (٣)، قال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: هو صحيح (٤).
وله طريق آخر، أخرجه البيهقي (١٠/ ١٦٩) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
ثم روى البيهقي بعده بسنده عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: (ليس في هذا الباب -يعني: القضاء باليمين مع الشاهد- حديث أصح من هذا).
واعلم أن القضاء بالشاهد واليمين قد روي عن النبي ﷺ من طرق كثيرة (٥)، وروي القضاء به عن الخلفاء الراشدين ﵄ -كما سيأتي-.
• الوجه الثاني: الحديث دليل على أن للقاضي أن يحكم بالشاهد الواحد ويمين المدعي، وذلك إذا أقام المدعي شاهدًا وعَجَزَ عن الإتيان بشاهد آخر فإنه يقضي له بشاهده ويمينه.
ويجب تقديم الشهادة على اليمين، فيشهد الشاهد أولًا ثم يحلف
стр. 4390
صاحب الحق، وهو المدعي؛ لأنه إذا أتى بشاهد فالنصاب لم يتم، لكن ترجح جانبه بإحضار هذا الشاهد، فصارت اليمين في جانبه؛ لأنها تشرع في جانب أقوى المتداعيين، كما سيأتي إن شاء الله.
وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (١)، وقد روي القضاء بذلك عن عدد من الصحابة ﵃ منهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ما نقله ابن قدامة، وهو قول جماعة من التابعين (٢)، وروى مالك عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل له على الكوفة أن اقض باليمين مع الشاهد (٣).
قال مالك: (مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، يحلف صاحب الحق مع شاهده ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف، أُحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه) (٤)، ومثل هذا قال الإمام أحمد (٥).
والقول الثاني: أنه لا يقبل القضاء بالشاهد مع اليمين، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول الشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي، بل قال محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- يفسخ القاضي القضاء به؛ لأنه خلاف القرآن (٦).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ووجه الدلالة: أن الآية نص صريح في اشتراط العدد في الشهود، فلا يجوز أقل من هذا العدد بمفهوم المخالفة؛ لأن الله تعالى ألزم الحاكم بهذا العدد من نصاب الشهادة، كقوله
стр. 4391
تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ولا يجوز الاقتصار على ما دون هذا العدد، فكذا في الشهادة (١).
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الآتي: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" قالوا: فالنبي ﷺ جعل اليمين على المدعى عليه، وجَعْلُهَا على المدعي مخالفة لهذا الحديث، ثم إن اعتبار اليمين بينة غير جائز، وإلا لأدى إلى التكرار في الحديث.
كما استدلوا بحديث الأشعث بن قيس، وفيه: فقال النبي ﷺ للمدعي: "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" وسيأتي الحديث. ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نفى أن يستحق الخصم شيئًا بغير شاهدين، فدل على أنه لا يحكم له بشاهد مع يمينه.
وأما حديث الباب فقد طعن فيه كثير من علماء الحنفية، ومنهم الطحاوي، والكاساني، وابن التركماني (٢)، وقد تقدم بيان ذلك، قالوا: وأحاديث القضاء بالشاهد واليمين زيادة على ما في القرآن، والزيادة نسخ.
والصواب في هذه المسألة هو القول الأول، لقوة دليله فإن الحكم بالشاهد واليمين رواه عدد من الصحابة ﵃، ومضت به السنة، وأحاديث العمل بالشاهد واليمين هي زيادة على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ … ﴾ والزيادة على نص القرآن من وظائف السنة الصحيحة، وهذا له نظائر كثيرة.
وأما الاستدلال بالآية فليس بصريح لما يلي:
١ - أن الله تعالى أمر أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقم بهذا النصاب من الشهادة، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك، فطريق الحكم شيء، وطريق حفظ الحقوق شيء آخر.
стр. 4392
٢ - أن الحاكم يحكم -عند الحنفية وغيرهم- بالنكول، واليمين المردودة على طالب الحق، وشهادة المرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهن، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن (١).
٣ - سلمنا باعتبار مفهوم المخالفة في الآية لكنه منسوخ بحديث ابن عباس ﵄ وغيره.
وأما حديث: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"، فلا دلالة فيه، لأمور ثلاثة:
الأول: أن اليمين التي على المدعى عليه هي اليمين الدافعة، واليمين مع الشاهد هي اليمين الجالبة فهي غيرها، ومن ثَمَّ فلا مخالفة للحديث، بل الحديث باق على أصله، وحديث الباب إثبات ليمين أخرى (٢).
الثاني: أن هذا الحديث في اليمين المجردة، وحديث الباب في اليمين المقرونة ببينة وهي الشاهد؛ لأنه لما قوي جانب المدعي بالبينة ناسب أن تكون اليمين معه -كما تقدم- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (البينة في الدعاوى عند أكثر العلماء هي: ما تبين الحق وتظهره وتوضحه، كالدليل والآية والعلامة، فمتى ترجح جانب أحدهما مثل أن يقيم المدعي شاهدًا، فإنه يحلف مع شاهده، ويُقضى له بشاهد ويمين، كما مضت به سنة رسول الله ﷺ ، وهو قول أكثر العلماء) (٣).
الثالث: أن لفظ البينة اسم عام لكل ما أبان الحق وأظهره، وعليه فالحكم بالشاهد واليمين داخل تحت مسمى البينة، ولو سلمنا بدلالة الحديث لكان من قبيل الخاص مع العام، فتقدم دلالة أحاديث الشاهد واليمين لأنها خاصة.
وأما حديث: "شاهداك أو يمينه" فلا دلالة فيه على نفي الاستحقاق بالشاهد واليمين؛ لأن البينة غير محصورة بالشاهدين، بدليل قبول الشاهد
стр. 4393
والمرأتين، فدل على أن المراد بـ"شاهداك" بينتك، وإنما خص الشاهدين بالذكر؛ لأنه الأكثر الأغلب، فالمعنى: شاهداك أو ما يقوم مقامهما (١). ولو سلمنا بدلالة الحديث لكان من قبيل العام وأحاديث الشاهد واليمين من قبيل الخاص فتقدم.
قال الشوكاني: (جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين غير نافق في سوق المناظرة عند من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية، وأقل نصيب من إنصاف) (٢).
• الوجه الثالث: القضاء بالشاهد واليمين يكون في الأموال أو ما يؤول إليها، كالبيع والشراء والإجارة ونحوها؛ لأن الأموال أقل خطرًا من سائر الحقوق الأخرى، ويخرج من ذلك الحد والقصاص فإنهما لا يثبتان بالشاهد واليمين، وكذا النكاح وحقوقه كالطلاق والرجعة (٣)، وقد ذكر ابن قدامة أن العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه لا تثبت بشاهد ويمين قولًا واحدًا (٤).
وقد دل على ذلك ما جاء في رواية أبي داود من طريق محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار … قال عمرو: (في الحقوق)، وعند أحمد: قال عمرو: (إنما ذاك في الأموال) (٥). وهذا التخصيص وإن كان من كلام الراوي فإنه أعلم بتفسير ما روى من غيره، قال الخطابي: (هذا خاص بالأموال دون غيرها؛ لأن الراوي وَقَفَهُ عليها، والخاص لا يُتعدى به محله، ولا يقاس على غيرهن، واقتضاءُ العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاية فعل، والفعل لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاص، فلما قال الراوي: (هو في الأموال) كان مقصورًا عليه) (٦). والله تعالى أعلم.
стр. 4394
باب الدعاوى والبينات
الدعاوى: بكسر الواو وفتحها، جمع دعوى، والدعوى في الأصل هي الطلب، قال تعالى ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وألفها للتأنيث، والمراد هنا: قول مقبول عند القاضي يقصد به المدعي طلب حق قِبَلَ غيره، أو دفع غيره عن حق نفسه، وتقدم هذا في "القسامة".
والبينات: جمع بينة بمعنى الحجة والعلامة، وهي في كل موضع بحسبه، والمراد بها هنا: الشاهدان أو الثلاثة أو الأربعة، أو الشاهد واليمين على قول الجمهور، كما تقدم.
وقال ابن القيم: (البينة اسم لما يبين الحق ويظهره من الشهود وقرائن الحال، فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو بالشاهد واليمين) (١).
وسميت البينة بذلك لأنها تبين الحق وتوضحه بعد خفائه، من بان الشيء إذا ظهر.
стр. 4395
ما جاء في أن الدعوى لا تقبل إلا ببينة
١٤١٨/ ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رجَال وَأمْوَالهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
- وَللْبَيْهقِيِّ بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنكَرَ".
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "التفسير"، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] (٤٥٥٢) من طريق عبد الله بن داود، ومسلم (١٧١١) من طريق ابن وهب، كلاهما عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث.
وهذا لفظ مسلم، وأما البخاري فقد رواه في الموضع المذكور وفيه قصة امرأتين كانتا تخرزان في بيت، فخرجت إحداهما وقد أُنْفِذَ بِإشْفَى في كفها، فادَّعت على الأخرى … الحديث.
وساقه في كتاب "الرهن" (٢٥١٤) من طريق نافع، عن ابن أبي مليكة، قال: كتبت إلى ابن عباس، فكتب إليَّ: أن رسول الله ﷺ قضى: أن اليمين على المدعى عليه، كذا مختصرًا، ولمسلم نحوه.
ورواه البيهقي (١٠/ ٢٥٢) من طريق الحسن بن سهل، حدثنا عبد الله بن
стр. 4396
إدريس، عن ابن جريج وعثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، وذكر قصة المرأتين، وفيه اللفظ المذكور.
ولعل الحافظ ذكر رواية البيهقي لأنها أفادت فائدتين:
الأولى: بيان أن البينة على المدعي.
الثاني: تفسير المدعى عليه بأنه المنكر.
وقد صحح الحافظ هذا الحديث هنا، وحسنه في "فتح الباري" (١).
ورجاله ثقات إلا الحسن بن سهل، فقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٢)، وقد روى عنه أبو زرعة، وأبو زرعة لا يحدث إلا عن ثقة (٣)، لكن أصحاب ابن جريج رووا الحديث بلفظ: "اليمين على المدعى عليه" كما تقدم، فالظاهر أن هذا اللفظ تفرد به عبد الله بن إدريس عن ابن جريج، ولذا أعرض عنه الشيخان.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لو يعطى الناس بدعواهم) لو: حرف امتناع لامتناع هذا هو المشهور عند النحاة؛ أي: تقتضي امتناع الجواب لامتناع الشرط.
بدعواهم؛ أي: بمجرد دعواهم وطلبهم بان لهم حقًّا قبل فلان دون ما يثبت ذلك.
قوله: (لادعى ناس … ) بحذف الهمزة، أصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا، وهو اسم جمع كقوم ورهط، واحده إنسان من غير لفظه.
ومعنى (لادعى ناس) أي: لأخذ ناس وسفكوا، وعبر بالدعوى؛ لأنها السبب في الأخذ والسفك؛ والمعنى: امتنع أخذ ناس أموال قوم لامتناع الإعطاء بالدعوى، فالكلام جاء على معنى النفي؛ لأن لو تفيد النفي؛ أي: لا يعطى الناس بدعواهم المجردة لكن بالبينة يعطون، ومفعول (يعطى) الثاني
стр. 4397
محذوف، والتقدير: لو يعطى الناسُ الأموال أو الدماءَ. وقوله: (دماء رجال) لا مفهوم له؛ لأنه خرج مخرج الغالب.
قوله: (ولكنَّ اليمينَ على المدعى عليه) ضُبطت في "صحيح مسلم" بتشديد النون، وذكر الجرداني (١) في شرحه على "الأربعين" أنها بالتخفيف (٢)، والمدعي: هو الذي يدعي الحق فيضيف الشيء إلى نفسه، والمدعى عليه: هو الذي عليه الحق، وهو المراد بقوله: (من أنكر) وهذا من أحسن التعاريف للمدعي والمدعى عليه، فالمدعي من يضيف الشيء إلى نفسه، والمدعى عليه من ينكر، وهو أقرب إلى لفظ الحديث؛ لأنه سمى المدعى عليه منكرًا.
ومعنى (ولكن اليمين على المدعى عليه) أي: إن اليمين القاطعة للنزاع إذا لم يكن بينة على المدعى عليه، والا فإن أول الحديث دليل على أن المدعي لا بد له من بينة، والمراد باليمين هنا: اليمين الدافعة؛ لأنها تبرئ ذمته من الدعوى.
• الوجه الثالث: هذا الحديث من جوامع الكلم، وهو أصل من أصول القضاء والحكم، وعليه يدور غالب الأحكام، قال القرطبي: (هذا الحديث أصل من أصول الأحكام وأعظم مرجع عند التنازع والخصام) (٣)، ومثله قال ابن دقيق العيد (٤). وقال ابن العطار: (هذا الحديث أصل عظيم، وقاعدة من القواعد الفقهية في باب الدعوى والبينات، وهو أن كل من ادعى دعوى فأنكر المدعى عليه، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إلا في مسائل … ) (٥)؛ لأن الحديث يقتضي ألا يُحكم لأحد بمجرد دعواه -وإن كان شريفًا- بحق من الحقوق -وإن كان يسيرًا- حتى يستند المدعي إلى ما يقوِّي دعواه، وإلا فالدعاوى متكافئة، والأصل براءة الذمم من الحقوق حتى يرد الدليل الناقل عن ذلك.
стр. 4398
• الوجه الرابع: الحكمة من جعل البينة على المدعي واليمين على من أنكر؛ أن المدعي يدعي أمرًا خفيًّا، فهو بحاجة إلى حجة قوية لإظهاره، والبينة حجة قوية؛ لأنها قول من ليس بخصم، فجعلت في جانب المدعي، وأما اليمين فهي أقل قوة؛ لأنها كلام أحد الخصمين، والمدعى عليه لا يدعي أمرًا خفيًّا، وإنما يتمسك بالأصل، وهو براءة الذمة، فصلحت له الحجة الأضعف، وهي اليمين، فجعلت في جانبه.
• الوجه الخامس: اختلف العلماء هل البينة على المدعي أبدًا واليمين على المدعى عليه أبدًا؟
القول الأول: أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه -وهو المنكر- أبدًا، وهذا قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخاري (١)، فطردوا ذلك في كل دعوى، وقالوا: لا يحلف إلا المدعى عليه، ولهذا لا يقضون بالشاهد واليمين كما تقدم، حتى في القسامة يحلِّفون المدعى عليه، لحديث: "تأتوني بالبينة على من قتله" قالوا: ما لنا بينة، قال: "فيحلفون" ولكن ضعف الحفاظ هذه الرواية لمخالفتها لروايات "الصحيحين": "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته". وتقدم هذا في "القسامة".
والقول الثاني: أنه لا يلزم أن تكون اليمين في جانب المدعى عليه، بل في جانب أقوى المتداعيين، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، بل سائر علماء الأمة، كما يقول ابن القيم (٢).
واستدلوا بما تقدم من قضاء النبي ﷺ بالشاهد واليمين، وفي القسامة جعلت اليمين في جانب المدعي؛ لأنه قوي جانبه باللوث.
وأجابوا عن حديث: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) بأجوبة تقدمت، وهي:
١ - أنه حديث عام دخله التخصيص بمثل حديث الشاهد واليمين.
стр. 4399
٢ - أن اليمين في هذا الحديث هي اليمين الدافعة بخلاف اليمين التي على المدعي.
٣ - أن لفظ البينة اسم عام لكل ما أبان الحق وأظهره، والشاهد مع يمين المدعي بينة. على أن ابن القيم قال عن هذا الحديث: (ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة … ) (١).
• الوجه السادس: في الحديث دليل على عناية الإسلام بمصالح الناس من حفظ دمائهم وأموالهم وإصلاح مجتمعهم وعدم اختلافهم ليحصل لهم الأمن على دمائهم وأموالهم. والله تعالى أعلم.
стр. 4400
ما جاء في القرعة على اليمين
١٤١٩/ ٢ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أَن النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأمرَ أنْ يُسْهَمَ بَينَهُمْ في الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
• الكلام عليه من وجهين:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الشهادات"، باب (إذا تسارع قوم في اليمين) (٢٦٧٤) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين … الحديث.
• الوجه الثاني: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث على قولين:
الأول: أن معناه: أن اليمين إذا توجهت على اثنين وأرادا الحلف وتنازعا أيهم يبدأ، فلا يقدم أحدهما بالتشهي ولكن بالقرعة، وعلى هذا فيكون القوم المذكورون في الحديث مدعى عليهم بعين في أيديهم -مثلًا- وأنكروا ولا بينة للمدعي، فتوجهت عليهم اليمين فتسارعوا إلى الحلف.
القول الثاني: أن معناه أن يتنازع اثنان عينًا ليست في يد واحد منهما ولا بينة لواحد منهما، فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واستحقها، وعلى هذا المعنى اقتصر الخطابي (١)، ويؤبد هذا حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي ﷺ ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي ﷺ : "استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها" (٢). والمعنى: اقترعا على اليمين؛ أيَّ كَوْنٍ كان هذا الاقتراع؛ أي: سواء أحبا ذلك الاستهام أو كرهاه.
стр. 4401
ووجه القرعة: أنه إذا تساوى الخصمان فترجيح أحدهما بدون مرجح لا يسوغ، فلم يبق إلا المصير إلى ما فيه التسوية بين الخصمين وهو القرعة، وهذا نوع من التسوية المأمور بها بين الخصوم. والله تعالى أعلم.
стр. 4402
ما جاء من الوعيد لمن اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة
١٤٢٠/ ٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ الْحَارثيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الْجَنَّةَ"، فَقَال لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: "وَإِنْ قَضِيبٌ مِنْ أرَاكٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٤٢١/ ٤ - وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَال امْرئٍ مُسْلِم هُوَ فيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
أما الأول: فهو أبو أمامة، إياس بن ثعلبة الحارثي البلوي الأنصاري الخزرجي، حليف بني حارثة بن الحارث من الأنصار، وهو ابن أخت بُردة بن نِيَارٍ، وهو غير أبي أمامة الباهلي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، والصحيح ما ذُكِرَ على ما قرره ابن عبد البر، وعزاه ابن حجر للأكثر، وقال أبو حاتم: اسمه ثعلبة بن سهل، له صحبة، روى عن النبي ﷺ ثلاثة أحاديث، أحدها: حديث الباب على ما ذكر ابن عبد البر، وذكر أنه لم يشهد بدرًا؛ لأن أمه مرضت، فرده النبي ﷺ ، فلما رجع النبي ﷺ وجدها قد ماتت، فصلى عليها، روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن كعب بن مالك، وغيرهما (١).
стр. 4403
أما الثاني: فهو أبو محمد الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي، اسمه معديكرب باسم جده، والأشعث لقب له، لشعث في رأسه، كان شريفًا في قومه ورئيسًا مطاعًا في الجاهلية والإسلام، قدم على رسول الله ﷺ سنة عشر في سبعين رجلًا من قومه، ثم ارتد عن الإسلام بعد موت النبي ﷺ ، ثم رجع في خلافة أبي بكر ﵁، وزوجه أبو بكر -بعد أن رجع عن ردته- أخته أم فروة بنت أبي قحافة، في قصة طويلة، وهي أم محمد الذي كني به. خرج الأشعث مع سعد بن أبي وقاص إلى العراق وشهد اليرموك، وبها أصيبت عينه، ثم شهد القادسية بالعراق، والمدائن وغيرها، ثم نزل الكوفة ومات بها سنة أربعين، وقيل: اثنتين وأربعين (١) ﵁.
• الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث أبي أمامة فقد رواه مسلم في كتاب "الإيمان" باب (وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار) (١٣٧) من طريق العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرَقَةِ (٢)، عن معبد بن كعب السَّلَمِي، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث.
وأما حديث الأشعث بن قيس فقد رواه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" ومنها: في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] (٦٦٧٦)(٦٦٧٧)، ومسلم (١٣٨) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" قال: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيَّ نزلت، كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلى النبي ﷺ فقال: "هل لك بينة؟ " فقلت:
стр. 4404
لا، قال: "فيمينه" قلت: إذن يحلف، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "من حلف على يمين صبر … " وذكر بقية الحديث، وفي آخره: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا … ﴾ إلى آخر الآية. وهذا لفظ مسلم.
• الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (من اقتطع) افتعل من القطع؛ أي: أخذ؛ لأن من أخذ شيئًا لنفسه فقد قطعه عن مالكه، وعبر بـ (اقتطع) دون قطع؛ لأنه أخص لإشعاره بالعمد.
قوله: (حق امرئ مسلم) هذا لفظ يعم المال وغيره، فيدخل فيه من حلف على غير مال كجلد ميتة وآلة طَرَبٍ وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحد القذف ونصيب الزوجة في القسم.
قوله: (بيمينه) لفظ مطلق، لكنه مقيد باليمين الفاجرة، كما في الحديث الآتي، ولعل هذا غرض الحافظ من إيراد حديث الأشعث بعد حديث أبي أمامة ﵁.
قوله: (فقد أوجب الله له النار) هذا من أحاديث الوعيد التي يرى سلف هذه الأمة كالإمام مالك والإمام أحمد أنها لا تفسر؛ ليكون أقوى في الردع والزجر عن تعاطي الأيمان الفاجرة، ويرى آخرون أنها تفسر وتحمل على من استحل ذلك ومات عليه، فإنه يكفر ويخلد في النار، أو أنه مستحق للنار، والله تعالى قد يعفو عنه إن شاء، وهذا قول ضعيف، والصواب الأول (١)، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب "الجامع" إن شاء الله تعالى.
قوله: (وإن كان شيئًا يسيرًا) خبر كان، واسمها يعود على ما تقدم؛ أي: وإن كان المقتطع شيئًا يسيرًا.
قوله: (وإن قضيب من أراك) بالرفع في نسخ "البلوغ"، قال النووي: (هكذا بالرفع في بعض الأصول أو أكثرها، وفي كثير منها: (وإن قضيبًا) بالنصب على أنه خبر لكان المحذوفة، أو أنه مفعول لفعل محذوف
стр. 4405
تقديره: وإن اقتطع قضيبًا) (١).
وأما الرفع فعلى أنه نائب فاعل لفعل مقدر؛ أي: وإن اقتُطع، وجاء في بعض النسخ (وإن كان قضيبًا … ) وهو واضح (٢).
والقضيب: هو الغصن المقطوع، فعيل بمعنى مفعول، والأراك: شجر معروف يستأك بأعواده بل هو أفضل ما يستاك به. وهذا مبالغة في القلة.
قوله: (من حلف على يمين) أي: حلف بالله تعالى؛ لأنه المراد عند الإطلاق، والمراد باليمين: الأمر المحلوف عليه؛ أي: من حلف على أمر. وقد ورد في حديث ابن مسعود: (من حلف على مال امرئ مسلم) (٣)، لكن لفظ "الصحيحين": (على يمينِ صبرٍ) بالإضافة، وهي بفتح الصاد وإسكان الباء، ويمين الصبر: هي اليمين التي تَلْزم ويُجبر الحالف عليها، يقال: صَبَرْته صبرًا: حلَّفته جَهْدَ القسم (٤).
قوله: (مال امرئ مسلم) نكرة مضافة، فتفيد العموم، ويؤيد العموم ما تقدم في حديث أبي أمامة: فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (وإن قضيبٌ من أراك).
وذكر المسلم خرج مخرج الغالب، وكأن ذلك لأن الخطاب مع المسلمين، وإلا فالذمي مثل المسلم في هذا الحكم، وقيل: إن هذا الوصف له مفهوم، وأن هذه العقوبة العظيمة مختصة بمن اقتطع مال المسلم لا مال الذمي، وإن كان اقتطاع مال الذمي محرمًا فله عقوبة أخرى.
قوله: (هو فيها فاجر) أي: هو في الإقدام عليها؛ أي: على اليمين فاجر، والفاجر: هو الذي يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا والباطل حقًّا، والمراد بالفجور لازمه وهو الكذب، وفي بعض الروايات: (يمين كاذبة).
стр. 4406
قوله: (لقي الله وهو عليه غضبان) الغضب صفة من صفات الله تعالى، مقتضاها كراهة المغضوب عليه والانتقام منه.
وخص هذا الفعل بالغضب دون غيره لكونه ارتكب أمورًا عظيمة، وهي اليمين الفاجرة، وهي اليمين الغموس، ورَدُّ الحق باطلًا، وأخذ مال المسلم بغير حق، مع ما في ذلك من الاستهانة باليمين وتضليل القضاة إن كان الحكم عن طريق القاضي.
• الوجه الرابع: في الحديث وعيد شديد وتغليظ أكيد لمن اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، وإنما اقتطعه بخصومته الفاجرة ويمينه الكاذبة، وهذا يدل على تحريم أخذ أموال الناس بالدعاوى الكاذبة والأيمان الفاجرة وأن ذلك من كبائر الذنوب المتوعد عليها بغضب الله تعالى، لقوله: (لفي الله وهو عليه غضبان) ومَنْ غَضِبَ الله عليه فهو في عداد الهالكين الذين حرمهم جنته وأوجب لهم عذابه.
• الوجه الخامس: وجوب الحذر من حقوق الخلق بالأيمان الكاذبة مهما كانت قليلة، لقوله: (وإن قضيبٌ من أراك) فإن هذا يدل على أن استحقاق النار يكون بمجرد اليمين الكاذبة في اقتطاع الحق وإن كان شيئًا يسيرًا لا قيمة له في عرف الناس. والله تعالى أعلم.
стр. 4407
إذا تداعى اثنان شيئًا ولا بينة لهما
١٤٢٢/ ٥ - عَنْ أبي مُوسى ﵁ أَنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا إلى النَّبيّ ﷺ في دَابَّةٍ، لَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا بَينَهُمَا نِصْفَينِ. رَوَاهُ أَحَمْدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَهذَا لَفْظُهُ، وَقَال: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وأبو داود في كتاب "الأقضية"، باب (الرجلين يدعيان شيئًا وليس لهما بينة) (٣٦١٣)، والنسائي في "المجتبى" (٨/ ٢٤٨) وفي "الكبرى" (٥/ ٤٢٩)، وابن ماجه (٢٣٣٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أن رجلين … وذكر الحديث.
وهذا لفظ النسائي -كما قال الحافظ- قال في "الكبرى": (إسناد هذا الحديث جيد).
والحديث في سنده ومتنه اختلاف، ومقولة النسائي هذه موجودة في "الكبرى" دون الصغرى، ولم يذكرها المزي في "التحفة" (١) أما في سنده فإن الحديث مداره على قتادة، ما عدا رواية سماك بن حرب الآتية، وقد اختلف فيه على قتادة اختلافًا كثيرًا، وقد روي موصولًا كما تقدم، وروي مرسلًا، ذكر هذا الاختلاف الدارقطني في "العلل" (٧/ ٢٠٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٥٤).
ومن وجوه الاختلاف ما رواه البيهقي (١٠/ ٢٥٥) من طريق محمد بن
стр. 4408
جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلًا، لم يذكر فيه أبا موسى في الإسناد، وقد ذكر الترمذي في "العلل" أنه سأل محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث فقال: (يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال البخاري: روى حماد بن سلمة، قال: قال سماك بن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث) (١).
قال البيهقي بعد إيراد كلام البخاري: (وإرسال شعبة هذا الحديث عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه في رواية غندر عنه كالدلالة على ذلك، والله أعلم) (٢)؛ أي: كالدلالة على صحة ما قال البخاري من أن الحديث مرسل، وعلى هذا فأبو بردة لم يسمع الحديث من أبيه أبي موسى الأشعري ﵁ وإنما سمعه من سماك بن حرب، وقد حدث به سماك عن تميم بن طرفة، وقد جاء ذلك عند ابن أبي شيبة (٦/ ٣١٦) (١٠/ ١٥٦) من طريق أبي الأحوص، وعند الطحاوي في "شرح المشكل" (١٢/ ٢٠٦) من طريق حماد بن سلمة، وعند البيهقي (١٠/ ٢٥٨ - ٢٦٠) من طريق أبي عوانة، ثلاثتهم عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرًا، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى به رسول الله ﷺ بينهما نصفين … الحديث، وهذا السياق كما ترى مخالف لسياق المتن السابق. وتميم بن طرفة تابعي ثقة.
وأما الاختلاف في متنه، فقد رواه أبو داود في "المراسيل" (٣٣٠) من طريق أبي الأحوص، ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال: وجد رجل مع رجل ناقة له، فارتفعا إلى النبي ﷺ فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، قال النبي ﷺ : "إن شئت فخذها بما اشتراها به، وإن شئت فدع".
وهذا سند حسن إلى مرسله، وسفيان الثوري ممن روى عن سماك بن حرب قبل التغير (٣).
стр. 4409
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في دابة) الدابة في اللغة اسم كل ما يَدِبُّ على الأرض، وخصها أهل العرف بذوات الأربع، والظاهر أن هذه الدابة كانت بعيرًا، فقد جاء في رواية أبي داود: (أن رجلين ادعيا بعيرًا أو دابة … )، وفي رواية: (أن رجلين ادعيا بعيرًا … ).
قوله: (ليس لواحد منهما بينة) أي: ليس لواحد منهما بعينه بينة بل لهما؛ والمعنى: أن كلًّا منهما له بينة، أو لا بينة أصلًا، وهذا أظهر، ويدل للمعنى الأول رواية أبي داود من طريق همام، عن قتادة: (أن رجلين ادعيا بعيرًا على عهد رسول الله ﷺ فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسم النبي ﷺ بينهما نصفين) (١). وهذا على أنها قصة واحدة.
• الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أنه إذا ادعى اثنان عينًا كبعير أو شاة ونحوهما، وليس لواحد منهما بينة، فإن العين بينهما. قال الموفق: (لا نعلم في هذا خلافًا) (٢)، وذلك لاستوائهما في الملك باليد؛ لأن ظاهر الحديث أن العين بيدهما معًا كدابة يركبانها، أو أرضًا بينهما ونحو ذلك، وذلك لأن يد كل واحد منهما على نصفها، وإنما قلنا: إن ظاهر الحديث أن العين بيدهما؛ لأنها لو كانت بيد أحدهما لما جعلت نصفين، وإنما تكون لمن هي بيده بيمينه، إلا إن كان له بينة فإنه يقضى له ببينته.
ومثل هذا لو أقام كل واحد منهما البينة على دعواه تساقطتا وصارتا كالعدم، وحَكَمَ الحاكم بما ادعياه بينهما نصفين لاستوائهما في البينة.
وعلى هذا فما ورد في حديث أبي موسى بروايتيه -لو صَحَّ- يحتمل فيه أن القصة واحدة، ولما تعارضت البينتان تساقطتا فصار كمن لا بينة له، وبهذا يجمع بين الروايات.
ويحتمل أن البعير كان في يد غيرهما فلما أقام كل واحد منهما شاهدين
стр. 4410
على دعواه نُزِعَ البعير من يد المدعى عليه وأُعطي لهما، ويدل لذلك رواية النسائي: (ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل واحد منهما شاهدين، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين، نزعت من يد الثالث، ودفعت إليهما) (١).
وهذا كله من الاضطراب في حديث أبي موسى ﵁.
والقول بقسمة العين عند تعارض البينتين هو قول للشافعي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة ورواية عن أحمد، لما تقدم، وقال الشافعي ورواية عن أحمد ذكرها الخرقي إنه لا بدَّ من الحلف فيصير المختلفان كمن لا بينة له، فيحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به (٢).
والأول أظهر لوجود البينة في كل نصف من العين، والبينة الراجحة يحكم بها من غير يمين. والله تعالى أعلم.
стр. 4411
ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر الرسول ﷺ -
١٤٢٣/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هذا بيَمِينٍ آثمةٍ تبوأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٢٣/ ٥٤)، وأبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (ما جاء في تغليظ اليمين عند منبر النبي ﷺ ) (٣٢٤٦)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٤٣٧)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وابن حبان (١٠/ ٢١٠) كلهم من طريق هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن نِسْطاس، عن جابر ﵁ مرفوعًا.
وهذا لفظ النسائي وابن ماجه وابن حبان، ولفظ أبي داود: "لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار" أو "وجبت له النار"، ونحوه لابن ماجه.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، أخرج لهم الشيخان، غير عبد الله بن نسطاس المدني، فقد وثقه النسائي وابن عبد البر (١)، واحتج به مالك، فروى عنه هذا الحديث في "موطئه" (٢/ ٧٢٧)، وقال الذهبي: (لا يعرف، تفرد عنه هاشم بن هاشم) (٢).
стр. 4412
والحديث له شواهد منها: حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد أو أمة يحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة، ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار". رواه ابن ماجه (٢٣٢٦)، وأحمد (١٤/ ٩٩)، والحاكم (٤/ ٢٩٧) من طريق الحسن بن يزيد بن فروخ، قال: سمعت أبا سلمة يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: … الحديث، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين، فإن الحسن بن يزيد هذا هو أبو يونس القوي العابد)، وهذا فيه نظر، فإن الحسن بن يزيد لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما (١)، وهو ثقة، كما في "التقريب"، ثم إن أبا حاتم قد رَدَّ هذا وقال: (ليس هو بأبي يونس، ولكنه الحسن بن يزيد الضمري) (٢).
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (على منبري) أي: عند منبري، كما تقدم في رواية أبي في اود، ويحتمل بقاؤها على معناها (٣).
قوله: (بيمين آثمة) أي: كاذبة، كما في حديث أبي أمامة: "من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه عدلًا ولا صرفًا" (٤)، وسميت اليمين بهذا كتسميتها فاجرة اتساعًا حيث وصفت بوصف صاحبها؛ أي: ذات إثم.
قوله: (تبوأ مقعده من النار) أي: اتخذ لنفسه منزلًا في النار، يقال: تبوأ الرجل المكان: إذا اتخذه سكنًا.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على عظيم إثم من حلف على منبر رسول الله ﷺ كاذبًا في يمينه؛ لأن هذا المكان محل تعظيم ومحل اقتداء وتَأَسٍّ بالنبي ﷺ ، ومحل تذكر لما كان يقوله ﷺ على هذا المنبر، فجاء هذا الحالف بأضداد هذه الأوصاف، فاستحق هذا الوعيد.
стр. 4413
• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تغليظ اليمين بالمكان، والمراد بتغليظ اليمين: أن يحلف المدعى عليه باليمين في زمان أو مكان يُعتقد أنَّه يوقع الرهبة في نفس الحالف مما يجعله لا يقدم على الحلف باليمين إلَّا إذا كان صادقًا فيما يقول:
فالتغليظ بالمكان كأن يحلف بين الركن والمقام في مكة، أو عند منبره ﷺ في المدينة، وفي المسجد في غيرهما، والتغليظ بالزمان سيأتي.
ومسألة التغليظ في اليمين موضع خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من قال بتغليظ اليمين، وهم المالكية، والشَّافعية، بل نسبه ابن حجر إلى الجمهور (١)، ونقله عنه الشوكاني (٢)، على خلاف بينهم في المقدار الذي ينبغي أن تغلظ فيه اليمين، ودليلهم هذا الحديث، وحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ الآتي.
وقد ذكروا تغليظ اليمين في كل أمر عظيم خطره، مثل القصاص والطلاق واللعان.
وذهبت الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى أنَّه لا يشرع التغليظ لا في زمان ولا مكان، وهو اختيار البخاري، فقد بوب في "صحيحه" بقوله: (بابٌ: يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين، ولا يصرف من موضع إلى غيره)، واستدلوا بأن الأحاديث الواردة في أحكام اليمين لم تخص مكانًا دون مكان -كما يقول البخاري - مثل حديث: (اليمين على المدعى عليه)، وحديث: (شاهداك أو يمينه).
وأجابوا عن حديث الباب بأنه ليس فيه ما يدل على جواز التغليظ بالمكان، وإنَّما يدل على تعظيم ذنب الحالف على منبره ﷺ كاذبًا، وكذا حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ الآتي يدل على عظم ذنب الحالف بعد العصر لا على التغليظ في الزمان.
стр. 4414
والقول الثالث: أن تغليظ اليمين راجع إلى اجتهاد القاضي (١)، بحسب ما يراه من مصلحة القضية وحال المتخاصمين وقوة إيمانهم أو ضعفه، فإن رأى التغليظ غَلَّظَ، كأن يكون المدعى عليه رجلًا مبطلًا متهاونًا باليمين، ولو غلظ عليه لاحتمل ألا يحلف، وإن لم يحيى التغليظ فلا بأس بتركه، كما لو كان المنكر رجل صدق.
وقد ورد عن جماعة من الصحابة ﵃ طلب التغليظ على خصومهم في الإيمان بالحلف بين الركن والمقام، وعلى منبره ﷺ ، وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك (٢).
لكن لو أَبى الحالف التغليظ لم يكن ناكلًا؛ لأنه قد بذل الواجب عليه، وقيل: بل يعتبر، إذ لو لم يُلْزَمْ به ما كان فيه زجر.
والظاهر الأول، لحديث: "من حُلف له بالله فليرض" (٣)، قال الشوكاني: (الحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو بألفاظ مخصوصة) (٤). والله تعالى أعلم.
стр. 4415
ما جاء في تغليظ اليمين الكاذبة بعد العصر
١٤٢٤/ ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةُ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ: رجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" ومنها: في كتاب "الشهادات"، باب (اليمين بعد العصر) (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨) من طريق الأعمَش، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم.
• الوجه الثاني: في شرع ألفاظه:
قوله: (ثلاثة) أي: ثلاثة أشخاص، وهو مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة إفادتها التقسيم، والخبر (لا يكلمهم الله) (١).
قوله: (لا يكلمهم الله يوم القيامة) الكلام المنفي هنا هو كلام الرضا واللطف، وهذا وعيد شديد؛ لأن الله تعالى يكلم أهل الإيمان، ونفي الكلام عن هؤلاء دليل على إثبات أصله؛ لأنه لما نفاه عن قوم دل على ثبوته