← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر الرسول ﷺ - ١٤٢٣/ ٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هذا بيَمِينٍ آثمةٍ تبوأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٢٣/ ٥٤)، وأبو داود في كتاب "الأيمان والنذور"، باب (ما جاء في تغليظ اليمين عند منبر النبي ﷺ ) (٣٢٤٦)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٤٣٧)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وابن حبان (١٠/ ٢١٠) كلهم من طريق هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن نِسْطاس، عن جابر ﵁ مرفوعًا. وهذا لفظ النسائي وابن ماجه وابن حبان، ولفظ أبي داود: "لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار" أو "وجبت له النار"، ونحوه لابن ماجه. وهذا الإسناد رجاله ثقات، أخرج لهم الشيخان، غير عبد الله بن نسطاس المدني، فقد وثقه النسائي وابن عبد البر (١)، واحتج به مالك، فروى عنه هذا الحديث في "موطئه" (٢/ ٧٢٧)، وقال الذهبي: (لا يعرف، تفرد عنه هاشم بن هاشم) (٢).

стр. 4412

والحديث له شواهد منها: حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد أو أمة يحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة، ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار". رواه ابن ماجه (٢٣٢٦)، وأحمد (١٤/ ٩٩)، والحاكم (٤/ ٢٩٧) من طريق الحسن بن يزيد بن فروخ، قال: سمعت أبا سلمة يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: … الحديث، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين، فإن الحسن بن يزيد هذا هو أبو يونس القوي العابد)، وهذا فيه نظر، فإن الحسن بن يزيد لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما (١)، وهو ثقة، كما في "التقريب"، ثم إن أبا حاتم قد رَدَّ هذا وقال: (ليس هو بأبي يونس، ولكنه الحسن بن يزيد الضمري) (٢). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (على منبري) أي: عند منبري، كما تقدم في رواية أبي في اود، ويحتمل بقاؤها على معناها (٣). قوله: (بيمين آثمة) أي: كاذبة، كما في حديث أبي أمامة: "من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه عدلًا ولا صرفًا" (٤)، وسميت اليمين بهذا كتسميتها فاجرة اتساعًا حيث وصفت بوصف صاحبها؛ أي: ذات إثم. قوله: (تبوأ مقعده من النار) أي: اتخذ لنفسه منزلًا في النار، يقال: تبوأ الرجل المكان: إذا اتخذه سكنًا. • الوجه الثالث: الحديث دليل على عظيم إثم من حلف على منبر رسول الله ﷺ كاذبًا في يمينه؛ لأن هذا المكان محل تعظيم ومحل اقتداء وتَأَسٍّ بالنبي ﷺ ، ومحل تذكر لما كان يقوله ﷺ على هذا المنبر، فجاء هذا الحالف بأضداد هذه الأوصاف، فاستحق هذا الوعيد.

стр. 4413

• الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تغليظ اليمين بالمكان، والمراد بتغليظ اليمين: أن يحلف المدعى عليه باليمين في زمان أو مكان يُعتقد أنَّه يوقع الرهبة في نفس الحالف مما يجعله لا يقدم على الحلف باليمين إلَّا إذا كان صادقًا فيما يقول: فالتغليظ بالمكان كأن يحلف بين الركن والمقام في مكة، أو عند منبره ﷺ في المدينة، وفي المسجد في غيرهما، والتغليظ بالزمان سيأتي. ومسألة التغليظ في اليمين موضع خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من قال بتغليظ اليمين، وهم المالكية، والشَّافعية، بل نسبه ابن حجر إلى الجمهور (١)، ونقله عنه الشوكاني (٢)، على خلاف بينهم في المقدار الذي ينبغي أن تغلظ فيه اليمين، ودليلهم هذا الحديث، وحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ الآتي. وقد ذكروا تغليظ اليمين في كل أمر عظيم خطره، مثل القصاص والطلاق واللعان. وذهبت الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى أنَّه لا يشرع التغليظ لا في زمان ولا مكان، وهو اختيار البخاري، فقد بوب في "صحيحه" بقوله: (بابٌ: يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين، ولا يصرف من موضع إلى غيره)، واستدلوا بأن الأحاديث الواردة في أحكام اليمين لم تخص مكانًا دون مكان -كما يقول البخاري - مثل حديث: (اليمين على المدعى عليه)، وحديث: (شاهداك أو يمينه). وأجابوا عن حديث الباب بأنه ليس فيه ما يدل على جواز التغليظ بالمكان، وإنَّما يدل على تعظيم ذنب الحالف على منبره ﷺ كاذبًا، وكذا حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ الآتي يدل على عظم ذنب الحالف بعد العصر لا على التغليظ في الزمان.

стр. 4414

والقول الثالث: أن تغليظ اليمين راجع إلى اجتهاد القاضي (١)، بحسب ما يراه من مصلحة القضية وحال المتخاصمين وقوة إيمانهم أو ضعفه، فإن رأى التغليظ غَلَّظَ، كأن يكون المدعى عليه رجلًا مبطلًا متهاونًا باليمين، ولو غلظ عليه لاحتمل ألا يحلف، وإن لم يحيى التغليظ فلا بأس بتركه، كما لو كان المنكر رجل صدق. وقد ورد عن جماعة من الصحابة ﵃ طلب التغليظ على خصومهم في الإيمان بالحلف بين الركن والمقام، وعلى منبره ﷺ ، وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك (٢). لكن لو أَبى الحالف التغليظ لم يكن ناكلًا؛ لأنه قد بذل الواجب عليه، وقيل: بل يعتبر، إذ لو لم يُلْزَمْ به ما كان فيه زجر. والظاهر الأول، لحديث: "من حُلف له بالله فليرض" (٣)، قال الشوكاني: (الحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو بألفاظ مخصوصة) (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4415

ما جاء في تغليظ اليمين الكاذبة بعد العصر ١٤٢٤/ ٧ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةُ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ: رجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" ومنها: في كتاب "الشهادات"، باب (اليمين بعد العصر) (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨) من طريق الأعمَش، عن أبي صالح، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ مرفوعًا، وهذا لفظ مسلم. • الوجه الثاني: في شرع ألفاظه: قوله: (ثلاثة) أي: ثلاثة أشخاص، وهو مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة إفادتها التقسيم، والخبر (لا يكلمهم الله) (١). قوله: (لا يكلمهم الله يوم القيامة) الكلام المنفي هنا هو كلام الرضا واللطف، وهذا وعيد شديد؛ لأن الله تعالى يكلم أهل الإيمان، ونفي الكلام عن هؤلاء دليل على إثبات أصله؛ لأنه لما نفاه عن قوم دل على ثبوته

стр. 4416

لغيرهم (١)، وقد قال ﷺ : "ما منكم من أحد إلَّا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" (٢)، وهذا اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز. ويحتمل أن الحديث على ظاهره وأن الله تعالى لا يكلمهم أصلًا، وأنهم يذهب بهم إلى النار بدون سؤال ولا محاسبة، وعلى هذا يكون حديث الباب مخصِّصًا لحديث: (ما منكم من أحد. .. ) (٣). قوله: (ولا ينظر إليهم) أي: نظر رحمة ولطف بهم وإحسان إليهم، وهذا ليس بتأويل، إنما التَّأويل لو قيل: (لا ينظر إليهم) أي: لا يرحمهم، وهنا أثبتنا النظر، وقصرناه على نوع، فقلنا: نظر رحمة، وهذه العبارة تثبت أصل النظر؛ لأن الله تعالى لا يحجب بصره شيء أبدًا في أي وقت كان. قوله: (ولا يزكيهم) إما بمعنى لا يثني عليهم ولا يشهد لهم بالإيمان بسبب أفعالهم؛ لأن التزكية بمعنى التوثيق والتعديل، أو لا يطهرهم من دنس الذنوب بل يَرِدُونَ يوم القيامة وهم متدنسون بالذنوب العظائم ومتلوثون بالجرائم. قوله: (ولهم عذاب الميم) أي: عقوبة شديدة موجعة؛ لأنه لما عظمت ذنوبهم عظمت عقوبتهم. والتنصيص على العدد لا ينافي الزائد، فالذي ذكر من الوعيد لا ينحصر في هؤلاء الثلاثة، بل ورد في أحاديث أخرى. قوله: (رجل) بالرفع بدل من ثلاثة. قوله: (على فضل ماء) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: على ما فاضلٍ عن كفايته، وهذا قيد لابُدَّ منه إشارة إلى أنَّه غير محتاج إليه ومع ذلك منع من هو محتاج إليه.

стр. 4417

قوله: (بالفلاة) هي الأرض الواسعة المقفرة، جمعها فلوات وفَلًا وفُلي كعُصي وعَصًا. قوله: (يمنعه من ابن السبيل) أي: المسافر، والسبيل هو الطَّرِيق سمي به لملازمته له. قوله: (بسلعة) أي: بمتاع، وهي بكسر السين، جمعها سِلَعٌ، وهو اسم لكل ما يُتَّجَرُ به. قوله: (بعد العصر) خص بعد العصر لشرف الزمان، لارتفاع الملائكة بالأعمال إلى الله تعالى، وإلَّا فاليمين الفاجرة محرمة كل وقت، أو لأن العصر هي الوسطى فلها من الخصوصية ما يؤكد على مصليها أن يظهر عليه التحفظ والاهتمام بأمور دينه ودنياه ويختم نهاره بالتسبيح والأذكار لا بالأيمان الكاذبة. قوله: (لَأَخَذَهَا) أي: لقد أخذها؛ بمعنى: اشتراها، ودخول اللام وحدها على الماضي المثبت المتصرف قليل، والغالب تصديرها باللام الجوابية وقد، وفي رواية للبخاري: "لقد أُعطي بها كذا وكذا" فيشمل الكذب في قيمة السلعة التي اشتراها بها، والكذب في السوم. قوله: (فصدقه) أي: المشتري، فاشترى السلعة بذلك الثمن الذي حلف أنَّه أخذها به اعتمادًا على حلفه. قوله: (وهو على غير ذلك) الضمير عائد على مصدر الفعل (أخذها) أي: والأخذ (على غير ذلك) أي: على غير ما حلف عليه. قوله: (ورجل بايع إمامًا) أصل البيع في كلام العرب المعاوضة في الأموال وغيرها، ثم سميت المعاقدة والمعاهدة مبايعة، إما لأن البيعة تكون بمد الباع وأخذ الكف، أو لما فيها من المعاوضة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. والمراد بالإمام: الإِمام الأعظم.

стр. 4418

قوله: (لا يبايعه إلَّا للدنيا) أي: لأجل شيء يحصل له من متاع الدنيا. قوله: (فإن أعطاه) الفاء تفسيرية، تفسر مبايعته للإمام للدنيا. قوله: (وفَى) أي: أدى ما عليه من الطاعة مع أن الوفاء واجب مطلقًا. • الوجه الثالث: في الحديث وعيد عظيم وزجر شديد لمن اتصف بواحدة من الصفات المذكورة بأن الله تعالى لا يكلمهم يوم القيامة كلام محبة ورضا، ولا ينظر إليهم نظر رحمة ولطف، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فحالهم حال المغضوب عليهم لعظم جرمهم. وهذا وعيد، وقد يتوب الله عليهم ويرحمهم فضلًا منه ، وقد يوفقهم لتوبة صادقة في الدنيا. • الوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على إثبات صفة الكلام لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لأن نفي الكلام عن هؤلاء دليل على أن الله تعالى يكلم من أطاعه، ومثل هذا في الاستدلال قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. • الوجه الخامس: في الحديث دليل على تحريم منع الآخرين من الماء الفاضل عن حاجة الإنسان، وأنه يجب على الإنسان بذل ما فضل عن كفايته، ولا سيما إذا كان طالب الماء مسافرًا وفي أرض فلاة، قال ابن بطَّال: (فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل) (١). وقد ورد في بعضى الروايات عند البخاري: "ورجل منع فضل مائه، فيقول الله: اليومَ أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" (٢)، ولا يلزم من ذلك مواجهته بهذا الكلام؛ لئلا يعارض هذا ما تقدم أول الحديث من أن الله تعالى لا يكلم هؤلاء، فيكون الكلام لله تعالى بلا مخاطبة، ويحتمل أن

стр. 4419

يكون الكلام من الملائكة الذين يتولون عذابه أو غير ذلك (١). أما على القول بأن الكلام المنفي هو كلام الرضا والمحبة فلا إشكال، والله أعلم. • الوجه السادس: الحديث دليل على تحريم اليمين الكاذبة التي يَقْصِدُ بها أكل مال أخيه بالباطل، بان يحلف البائع أنَّه اشتراها بكذا أو أنَّه أُعطي بها كذا، ليغر المشتري، فيشتريها منه بزيادة عن ثمنها الأصلي، ولا سيما إذا كان الحلف في زمان فاضل، فهذا قد ارتكب إثمًا عظيمًا؛ لأنه جمع بين الكذب وبين اليمين بالله تعالى وهو كاذب، وبين الحلف في زمن فاضل، وبين خداعه للمشتري وأكله مال أخيه بالباطل. • الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تغليظ اليمين في الزمان (٢)، بأن يكون الحلف بعد العصر أو يوم الجمعة ونحو ذلك، وقد تقدم أن الحديث ليس فيه دلالة على ذلك، وأن الصواب أن التغليظ مرجعه إلى اجتهاد القاضي. • الوجه الثامن: تحريم مبايعة الإِمام لأجل غرض من أغراض الدنيا؛ لأنها بيعة مبنية على غرض فاسد، والواجب أن تكون البيعة لأجل مقاصد الإمامة من إقامة شعائر الله ونصرة دينه والنصح للرعية. والله تعالى أعلم.

стр. 4420

إذا تداعى اثنان شيئًا بيد أحدهما وأقاما بينة ١٤٢٥/ ٨ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلَينِ اخْتَصَمَا في نَاقَةٍ، فَقَال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ هِيَ في يَدِهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢٠٩) -كما سيذكره الحافظ مع الحديث الذي بعده- والبيهقي (١٠/ ٢٥٦) من طريق زيد (١) بن نعيم، حدَّثنا محمد بن الحسن، حدَّثنا أَبو حنيفة، عن هيثم الصيرفي، عن الشعبي، عن جابر- ﵁ أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ناقة، فقال كل واحد منهما: نُتجت هذه الناقة عندي وأقام بينة … الحديث. وهذا سند ضعيف، كما قال الحافظ؛ لأن فيه زيد بن نعيم، قال عنه الذهبي: (لا يعرف في غير هذا الحديث) ثم ساق حديثه هذا وقال: (هذا حديث غريب، أخرجه الدَّارَقُطني) (٢). وأعله ابن القطان بزيد بن نعيم، وبأبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن (٣). • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (في ناقة) على وزن فَعَلَة بالتحريك، وهي الأنثى من الإبل، تجمع على نياق، كثمرة وثمار، أو على نُوقٍ مثل بدنة وبُدْنٍ.

стр. 4421

قوله: (نُتجت عندي) بضم النون مبني لما لم يسم فاعله، ومعناه: تولَّدت عندي، وأصل هذا الفعل من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول. وعند البيهقي (فأقام كل واحد منهما البينة أنَّها دابته نَتَجَها) ونتَجَتِ الناقة: وضعت عندك. قوله: (وأقاما بينة) هكذا في نسخ "البلوغ" بألف الاثنين، وفي "السنن": "وأقام بينة" بدون ألف، وكذا في "سنن البيهقي"، ومعناها: وأقام كل واحد منهما بينة، لِتُوافِقَ الروايات، وعند البيهقي في رواية أخرى: (فأقام كل واحد منهما البينة). • الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أنَّه إذا تداعى اثنان عينًا كدابة، وكانت العين بيد واحد منهما، وأقام كل واحد منهما بينة على أن العين له، فإن العين تكون لمن هي في يده، وهو المسمى عند الفقهاء بالداخل؛ لأنهما استويا في الدعوى وفي البينة، وللذي هي في يده سبب تقوَّى به على خصمه، حيث إن العين بيده، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم المالكية والشَّافعية (١). والقول الثاني: أن العين تكون للخارج منهما -وهو من لم تكن العين بيده- فيقضى له بها ببينة؛ لأنه مُدَّعٍ أحضر بينة، والبينة قد شرعت في حقه، وتلغى بينة الداخل، عملًا بحديث: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"، فإنه يدل على أن بينة المدعى عليه لا تسمع بحال، وإنما عليه اليمين عند الحاجة إليها؛ ولأن الغالب أن بينة المدعى عليه تعتمد على يده ومشاهدة العين عنده، بخلاف بينة المدعي فإنها أقدمت على الإخبار بشيء خلاف الظاهر، فأُخِذَ بها إذا كانت عادلة. ومن المعلوم أن كلًّا منهما مدع، لكن يقال: إن الآخر مُدَّعٍ عليه؛ لأن العين في يده. وهذا مذهب الإِمام أحمد، وهو المشهور عنه، وهو من المفردات، وهو

стр. 4422

قول إسحاق (١)، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف. وذكر الموفق رواية ثانية عن أحمد: إن شهدت بينة الداخل -وهو من في يده العين- بسبب الملك، كان تقول البينة: إن الدابة -مثلًا- نُتجت في ملكه أو اشتراها قدمت؛ لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد المجردة. والله تعالى أعلم.

стр. 4423

ما جاء في رد اليمين على المدعي ١٤٢٦/ ٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالبِ الْحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الدَّارَقُطني (٤/ ٢١٣)، والحاكم (٤/ ١٥٠)، والبيهقي (١٠/ ١٨٤) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا محمد بن مسروق، عن إسحاق بن الفرات، عن اللَّيث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) فتعقبه الذهبي بقوله: (لا أعرف محمدًا، وأخشى أن يكون الحديث باطلًا)، فهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن فيه محمد بن مسروق، وقد تفرد به، كما قال الذهبي (١)، وهو مجهول، قال ابن القطان: (لا تعرف حاله)، وذكر أَبو حاتم وغيره: أن سليمان بن عبد الرحمن -وهو ابن بنت شرحبيل الدمشقي- كان كثير الرواية عن المجاهيل (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣). وفيه -أيضًا- إسحاق بن الفرات، وهو مختلف فيه، قال أَبو حاتم: (شيخ ليس بالمشهور)، وقال أَبو سعيد بن يونس: (في أحاديثه أحاديثُ كانها مقلوبة)، وقال الذهبي في "الكاشف": (ثقة يُغرب)، وقال عبد الحق عقب

стр. 4424

حديثه هذا: (إسحاق ضعيف)، وقال أَبو عوانة الإسفراييني: (ثقة) (١). والحديث ضعفه ابن الجوزي فقال: (فيه مجاهيل) فتعقبه الذهبي فقال: (بل هو منكر) (٢). • الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على ثبوت رد اليمين على طالب الحق وهو المدعي، ومن ذلك: أن المدعى عليه إذا توجهت إليه اليمين وأبى أن يحلف فإن اليمين ترد على المدعى، فإذا حلف استحق ما ادعاه وقُضي له به. وقد تقدم أن حديث الباب ضعيف، لكن يستدل لذلك بما تقدم من قضاء النبي ﷺ بالشاهد واليمين، فالنبي ﷺ جعل اليمين في جانب المدعي إذا أقام شاهدًا واحدًا، لقوة جانبه بالشاهد؛ فلأن يحكم له باليمين مع قوة جانبه بنكول (٣) خصمه أولى وأحرى؛ ولأنه إذا نكل المدعى عليه وأبي أن يحلف ظهر صدق المدعي وقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه، كالمدعى عليه قبل النكول. كما يستدل بحديث القسامة، ووجه الاستدلال: أن اليمين جعلت في جانب المدعي لقوة جانبه باللّوْثِ، فإذا تقوى جانب المدعي بنكول المدعى عليه شرعت اليمين في حق المدعي. وقد ورد عن الصحابة ﵃ قضايا حكموا فيها بنكول المدعى عليه من غير رد اليمين على المدعي، كما ورد عنهم الحكم برد اليمين، وهذا ليس من الاختلاف، بل هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به، فرد المدعى عليه اليمين، فإن المدعي إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه، ومثل ذلك لو اختلف زيد وعمرو في قدر الدين، فقال زيد: خمسة آلاف، وقال عمرو: ثلاثة، ونكل

стр. 4425

عمرو - المدعى عليه - عن اليمين، فترد على المدعي فإن حلف وإلا قُضي عليه. وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حُكم عليه بالنكول، ولم ترد اليمين على المدعي. ومثال ذلك: لو باع زيد سيارة على عمرو على أنَّها سليمة، ثم تبين بها عيب، فإن زيدًا يحلف أنَّه باع السيارة وما بها عيب يعلمه، فإن امتنع من اليمين قُضي عليه بالنكول؛ لأن المدعى عليه يعلم ذلك، والمدعي لا يمكن أن يعلمه. وهذا التفصيل نسبه ابن القيم إلى شيخه ابن تيمية، وقال: (هذا الذي اختاره شيخنا ﵀ هو الحق في مسألة النكول ورد اليمين) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4426

ما جاء في الحكم بقول القافة ١٤٢٧/ ١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْم مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: "ألَمْ تَرَي إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زيدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، فَقَال: هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه" ومنها في كتاب "الفرائض"، باب (القائف) (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩) من طريق اللَّيث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: … وذكرت الحديث. واعلم أن أكثر العلماء يذكرون هذا الحديث في كتاب "اللعان" ومنهم المجد ابن تيمية في "المنتقى" (١)، وابن عبد الهادي في "المحرر" (٢)، والمقدسي في "العمدة" (٣)، وابن دقيق العيد في "الإلمام" (٤)، وذلك من باب إثبات النسب، وأن إلحاق القافة يفيد ذلك، ولعل الحافظ ذكره في "الدعاوى والبينات" لبيان أن قول القائف بينة، ولما تحدث ابن القيم عن الطرق التي يحكم بها الحاكم، ذكر منها: الحكم بالقافة (٥).

стр. 4427

• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ذاتَ يومٍ) منصوب على الظرفية الزمانية، لإضافته إلى زمان، وهي ملازمة لذلك، فلا تقبل الجر بمن ولا غيره من أحوال الإعراب. قوله: (مسرورًا) حال من فاعل (دخل). قوله: (تبرق) بفتح المثناة الفوقية وضم الراء من باب نصر؛ أي: تضيء وتستنير من الفرح والسرور. قوله: (أسارير وجهه) جمع أسرار وأَسِرَّة، ومفرد أسرار: سُرٌّ -بكسر السين وضمها مع تشديد الراء-، ومفرد أَسِرَّة: سَرَرٌ بالفتح، فأسارير جمع الجمع. والأسارير في الأصل خطوط الكف (١)، ثم أطلقت على المخطوط التي في الجبهة مرادًا بها ما يظهر على وجه من سَرَّهُ أمر من الإضاءة والبريق، قال ابن الأثير: (بريق الأسارير: ما يعرض لها من البشاشة عند الفرح والاستبشار بالشيء السار) (٢). قوله: (ألم تري) أي: ألم تعلمي، فالمراد من الرؤية هنا: الإخبار أو العلم، وفي رواية البخاري في "المناقب": "ألم تسمعي ما قال المدلجي" وهذا استفهام يراد به التقرير؛ يعني: أن هذا مما يتعين أن تعلميه فاعلمي. قوله: (إلى مجزز المدلجي) بضم الميم وفتح الجيم، ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى، اسم فاعل، قيل: لم يكن اسمه مجززًا، وإنما قيل له ذلك لأنه كان إذا أسر أسيرًا جَزَّ ناصيته وأطلقه، وهو مجزز بن الأعور ابن جعدة بن مدلج الكناني، قال الحافظ: (لكني لم أر من ذكر اسمه) (٣)، وقد ذكره في "الإصابة" وقال: (أغفل ذكره جمهور من صنف في الصحابة،

стр. 4428

لكن ذكره أَبو عمر في "الاستيعاب" (١)، وذكره ابن يونس في فتوح مصر، وقال: (لا أعلم له رواية) والظاهر أنَّه كان مسلمًا وقت هذه الحادثة؛ قال الحافظ ابن حجر: لأن النبي ﷺ رضي بخبره وسُرَّ به، فهو دليل على أنَّه اعتمد خبره، ولو كان كافرًا لما اعتمده في حكم شرعي. والله أعلم (٢). والمدلجي: نسبة إلى بني مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، وقد اشتهر بنو مدلج بالقيافة، وكذا بنو أسد، لكنه ليس خاصًّا بهم على الصحيح. والقائف: هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر، سمي بذلك لأنه يقفو الأشياء؛ أي: يتبعها، فالقائف يعرف الناس بالشبه، فيلحق إنسانًا بإنسان لما يدرك من الشبه الذي يراه بينهما مما يخفى على غيره (٣). وقد جاء عند البخاري في "المناقب" قول عائشة ﵂: (دخل عليَّ قائف والنبي ﷺ شاهد. .) (٤). قوله: (نظر آنفًا) بالمد على المشهور، ويجوز القصر؛ بمعنى قريبًا، أو بمعنى الآن، وهو ظرف زمان منصوب بالفتحة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَال آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وهو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته؛ أي: ماذا قال في أول وقت يقرب منا. قوله: (إلي زيد بن حارثة) هو زيد بن حارثة بن شراحيل، يرجع نسبه إلى القبائل القحطانية، كان قد اختُطف من أمه في الجاهلية في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق، واشتراه حكيم بن حزام، وأعطاه عمته خديجة بنت خويلد ﵁ ما بقيمة أو بهبة، ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه، فدعي زيد بن محمد، ثم أُلغي التبني في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة بنزول سورة الأحزاب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وفي زيد وزوجه زينب بنت

стр. 4429

جحش ﵂ نزلت الآيات من سورة الأحزاب، ولم يُسَمَّ أحد من الصحابة ﵃ في القرآن غيره (١). وزيد أول من أسلم بعد علي ﵁ على ما قاله ابن إسحاق، كان بطلًا عظيمًا وفاضلًا كريمًا، استشهد في معركة مؤتة سنة ثمان (٢) ﵁. قوله: (وأسامة بن زيد) هو أسامة بن زيد بن حارثة ﵄، ولد سنة سبع قبل الهجرة، وأسلم قديمًا؛ لأن أباه كان من السابقين، كما تقدم، أمَّره النبي ﷺ على جيش عظيم إلى الروم يبلغ نحو ثلاثة آلاف، فيهم كبار المهاجرين والأنصار، فمات النبي ﷺ قبل أن يتوجه، فأنفذه أَبو بكر ﵁، فكان هذا البعث آخر بعث بعثه النبي ﷺ وأول بعث بعثه أَبو بكر ﵁، كان عمر ﵁ يجلّه ويكرمه، ويفضله في العطاء على ابنه عبد الله بن عمر، ويقول: إنه أحب إلى رسول الله ﷺ .. ، وقد روى عنه من الصحابة أَبو هريرة وابن عبَّاس ﵄، ومن كبار التابعين أَبو عثمان النهدي وعروة بن الزُّبَير وآخرون، اعتزل الفتن، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين على ما صححه ابن عبد البر (٣). قوله: (هذه أقدام بعضها من بعض) هذه رواية مختصرة، وأوضح منها رواية سفيان، عن ابن شهاب: (فقال يا عائشة ﵂: ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعضًا (٤). وفي رواية لمسلم بعد هذا: (وكان مجززٌ قائفًا). وكان الأولى بالحافظ أن يذكر هذه الزِّيادة المفيدة، أو يورد الحديث بهذا اللفظ، لما فيها من الدلالة على صدق القيافة، ودفع توهم من يقول: لعل هذا القائف حاباهما بذلك لما عرف من كونهم يطعنون في نسب أسامة.

стр. 4430

فهذا سياق أدل على المراد وأوضح في المقصود لقوله: "قد غطيا رؤوسهما". وكان أهل الجاهلية يقدحون في نسب أسامة؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان أَبوه زيد أبيض من القطن، كما جاء في رواية أبي داود (١)؛ لأن أسامة جاء على أمه أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حبشية، وأيمن ولدها من عبيد بن عمرو بن الخزرج، فولدت له أيمن، ويقال: إن عبيدًا حبشي من موالي الخزرج. فلما قضى هذا القائف بإلحاق نسب أسامة بأبيه زيد مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف سُرَّ النبي ﷺ لكون ذلك زاجرًا لهم عن الطعن في النسب. وقد أثار القاضي عياض -هنا- إشكالًا، فقال: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة؛ لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود (٢). قال الحافظ: (يحتمل أنَّها كانت صافية، فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك) (٣). وفي "شرح الأُبّي" قال: (لم أر من المؤرخين من ذكر أنَّها كانت سوداء، إلَّا أحمد بن سعيد الصيرفي، فإنه ذكر في "تاريخه" بسنده إلى ابن سيرين أنَّها كانت سوداء، وأُراه ليس بصحيح؛ لأنه لو صح لم ينكر الناس لونه، إذ لا يبعد أن يلد الأبيضُ الأسودَ من السوداء … ) (٤). وأما كونها حبشية فلا يلزم منه أنَّها سوداء، فقد يكون المعنى أنَّها من مهاجرة الحبشة، كما قال عمر ﵁ لأسماء بنت عميس: (آلحبشية هذه؟) (٥).

стр. 4431

• الوجه الثالث: في الحديث دليل على جواز اضطجاع الرجل مع ولده في لحاف واحد، وهذا من قوله: "وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما" فإن ظاهر قوله: "قطيفة" أنَّه لحاف واحد. • الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز العمل بقول القائف في إلحاق النسب حيث يشتبه إلحاق الولد بأحد الواطئين في طهر واحد، بشرط عدم ما هو أقوى منه كالفراش، فإن وجد الفراش فالحكم به مقدم مطلقًا، ولهذا تقدم في "اللعان" في قصة الرجل الذي ولدت امرأته غلامًا أسود أنَّه ﷺ لم يمكنه من نفيه، ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثرا لوجود الدليل القوي وهو الفراش. ووجه الاستدلال من الحديث: إقرار النبي ﷺ هذا القائف على قوله: (هذه أقدامٌ بعضها من بعض) وسروره بذلك، ولا يسر النبي ﷺ إلَّا بحق، والإقرار حجة شرعية؛ لأنه أحد أقسام السنة. صحيح أن نسب أسامة كان ثابتًا بالفراش، ولكن سرور النبي ﷺ دليل على اعتبار قول القائف، فَسُرَّ بموافقة قوله للفراش، لا أنَّه أثبت النسب بقوله، فزالت بذلك تهمة القدح في نسبه بتلك الشهادة. والقول بجواز العمل بقول القافة هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعي وأحمد، وعلى هذا فالقيافة من القرائن الدالة على ثبوت النسب؛ لأنها تبين الشبه بين الولد وأصله (١). والقول الثاني: أنَّه لا يجوز العمل بقول القائف في إثبات النسب، والولد إذا ادعاه اثنان حكم به لهما، وهذا قول الحنفية، قالوا: والحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، والشبه قد يوجد في الأجانب وينتفي عن الأقارب (٢).

стр. 4432

واعتذروا عن العمل بالحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه؛ لأن نسب أسامة كان ثابتًا ومعلومًا إلى زيد ﵁، وإنَّما كان الكفار يقدحون في نسبه لاختلاف اللون، فلا يصح أن يكون الحديث دليلًا على إثبات النسب بقول القائف. والقول الأول هو الراجح لأمور ثلاثة: الأول: أن قول القائف: (هذه أقدامٌ بعضها من بعض) هو في قوة: هذا ابن هذا. الثاني: أن الرسول ﷺ أقر هذا القائف على حكمه، وظاهره أنَّه تقرير لإلحاق بالقيافة مطلقًا، ولو كان هذا لا يجوز شرعًا لبين النبي ﷺ له ذلك، ولو كانت القيافة باطلة لم يحصل بذلك سرور، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. الثالث: أن عمر وعليًّا ﵄ قد حكما بقول القافة، قال ابن القيم: (ولا يعرف قط في الصحابة ﵃ من خالف عمر وعليًّا ﵄ في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة، وبحضرته المهاجرون والأنصار فلم ينكره منكر … ) (١). وقولهم: (إن القيافة تخمين) ليس بصحيح لأمرين: الأول: أن القيافة لا يقبل فيها كلام كل أحد، بل هي استناد إلى ظن غالب ورأي راجح وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة والمعرفة. الثاني: أن هذا تعليل في مقابلة نص. وأما اعتذارهم عن عدم العمل بالحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه، فهذا صحيح، لكن نقول: إن القيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش -كما تقدم- وسرور النبي ﷺ واستبشاره لتعاضد الأدلة لإثبات النسب، لا بقول القائف وحده، ولو لم تصح القيافة دليلًا لم يسر النبي ﷺ ، فمجرد سروره كافٍ في اعتبار قول القائف.

стр. 4433

ومع ترجيح العمل بقول القائف إلَّا أنَّه يمكن الاستفادة من تحليل البصمات، ومن الطب الحديث في مجال التحاليل أو البصمة المخبرية للدم، وقرينة التحليل أو البصمة أقوى وأثبت من قرينة الشبه، واحتمال الخطا فيه قليل جدًّا، لكنها تعتبر مؤيدة لحكم القافة فيما ذهبوا إليه من إلحاق النسب بالشبه (١). • الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنَّه يُكتفى بالإلحاق في القيافة بقائف واحد؛ لأنه ﷺ اكتفى بخبر مجزز وسُرَّ به؛ ولأن ذلك من باب الخبر؛ ولأن القائف كالطبيب والبيطار الواحد فيؤخذ بقوله إذا لم يوجد سواه. وقيل: لا بدَّ من اثنين، كالشهادة، والحكم بالمثل في جزاء الصيد. والصواب الأول، قال ابن القيم: (والقائف أولى من الطبيب والبيطار؛ لأنهما أكثر وجودًا منه، فإذا اكتفي بالواحد منهما مع عدم غيره فالقائف أولى. … ) (٢). وقد اشترط العلماء في القائف أن يكون عدلًا مُجَرَّبًا في الإصابة؛ لأنه أمر علمي، فلابدَّ من العلم بذلك، ويكفي أن يكون مشهورًا لا سيما بالإصابة، وهذا حق، فإن الخبر لا يقبل ولا ينفذ الحكم به إلَّا ممن اتصف بهذين الوصفين: العدالة والإصابة. • الوجه السادس: استحباب الفرح والتبشير بالأخبار السارة وإشاعتها ولا سيما ما فيه إزالة ريبة أو قالة سوء؛ لأنه ﷺ سُرَّ بقول مجزز. • الوجه السابع: تشوُّف الشارع الحكيم إلى صحة الأنساب وإلحاقها بأصولها وعدم إضاعتها، ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب من شهادة المرأة الواحدة على الولادة، والدعوى المجردة مع الإمكان، وظاهر الفراش (٣).

стр. 4434

• الوجه الثامن: في الحديث دليل على جواز قبول شهادة من يشهد قبل أن يُستشهد عند عدم التهمة؛ لأن مجززًا لم يطلب منه شهادة، والتهمة عنه منتفية. • الوجه التاسع: استدل العلماء بهذا الحديث على جواز الشهادة على المرأة المنتقبة والاكتفاء بمعرفتها ولو لم ير وجهها. والله تعالى أعلم.

стр. 4435

كتاب العتق العتق لغة: يطلق على معانٍ منها: الخلوص، ومنه سمي البيت العتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة، فلم يملكه جبار، وقال الأزهري: (هو مشتق من قولهم: عَتَقَ الفرس: إذا سبق ونجا، وَعَتَقَ الفرخ: إذا لطار واستقل؛ لأن العبد يتخلص بالعتق، ويذهب حيث شاء) (١). وشرعًا: تخليص الرقبة من الرق. والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع. أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال تعالى في بيان بعض أفعال الخير: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أي: عتق الرقيق. وأما السنة فقد ورد في فضل العتق وأحكامه أحاديث كثيرة، ومنها ما ذكره الحافظ هنا. وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به. وقد حث الإسلام على عتق الرقاب، ورغَّب فيه، وجعل له أسبابًا كثيرة، منها ما هو قهري، ومنها ما هو اختياري، كما هو مدون في كتب الفقه. وقد ضيَّق الإسلام مورد الرق، إذ جعل الناس كلهم أحرارًا، فألغى رق السبي والنهب والسلب، كما ألغى رق الاستدانة أو الوفاء بالديون، ولم يُبْقِ إلَّا رقَّ الأسرى في الحروب، مع احترام الأسير، والحث على إطلاق سراحه

стр. 4436

ببدل أو بغير بدل، على حسب المصلحة التي يراها الإِمام، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. وقد جعل الإسلام العتق من أفضل القُرب، واعتبره أول مرتبة في كفارة القتل، والظهار، والجماع في نهار رمضان، وفرض نصيبًا من الزكاة لعتق الرقاب. ثم جاء بقواعد معاملة الرقيق، وهي تجمع بين العدالة والرحمة، من ضمان الغذاء والكساء لهم، مثل أوليائهم، وعدم تكليفهم ما لا يستطيعون، وحفظ كرامتهم واعتبار إنسانيتهم، حتَّى أن مَن لطَم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه، وتقدم شيء من ذلك في "النفقات". وبعد هذا الموقف العادل، والمعاملة الرحيمة، يأتي أعداء الإسلام من المستشرقين، أو الماديين الملحدين ليصفوه بأنه يُقِرُّ الرق، ويبارك مُلَّاك الرقيق، ورَوَّجوا باطلهم القائم على تصيُّد الشبهات الواهية، وتلفيق الأكاذيب، والافتراء على الله تعالى وعلى شريعته وأحكام دينه، مع أن تاريخهم يشهد أنهم هم الذين أنشأوا الرق، بل لم يكفهم استرقاق الأفراد، فعمدوا إلى استرقاق الأمم والشعوب، كما فعلت أوروبا المعاصرة عندما اتصلت بأفريقيا، وسامتها سوء العذاب. ثم إن الرق في اليهودية والنصرانية مقرر ثابت، عن طريق التسلط والقهر، ولم يرد في الإسلام نص واحد يأمر بالاسترقاق، على حين وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدعو إلى العتق والتحرير. وإذا كان الأمر كذلك فإن مثل هؤلاء لا يريدون معرفة الحق، والوصول إلى غاية سامية، بل غرضهم التشكيك وزرع الشُّبه؛ لأنه يسوؤهم انتشار الإسلام وامتداد نوره، فبسطوا ألسنتهم بالسوء، وسخَّروا أقلامهم للطعن في هذا الدين، والافتراء على تعاليمه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 4437

ما جاء في فضل العتق ١٤٢٨/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ١٤٢٩/ ٢ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَة ﵁: "أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتينِ مُسْلِمَتَينِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ". ١٤٣٠/ ٣ - وَلأَبي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ﵁: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ". • الكلام عليها من وجوه: • الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو كعب بن مرة، ويقال: مرة بن كعب البهزي السُّلمي -بضم المهملة-، قال ابن عبد البر: (الأكثر يقولون: كعب بن مرة، له صحبة) سكن البصرة ثم الأردن، له أحاديث يرويها شُرحبيل بن السِّمْط، وأَبو الأشعث الصنعاني، وأَبو صالح الخولاني وغيرهم، قال ابن عبد البر: (له أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة، يروونها عن شرحبيل بن السمط، عن كعب بن مرة السلمي البهزي، وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل بن السمط، عن عمرو بن عبسة، والله أعلم)، مات ﵁ بالأردن سنة تسع وخمسين، وقيل: سبع وخمسين (١).

стр. 4438

• الوجه الثاني: في تخريجها: أما حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ فقد رواه البخاري في كتاب "العتق"، باب (في العتق وفضله) (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩) (٢٤) من طريق واقد بن محمد قال: حدثني سعيد بن مُرجانة صاحب علي بن الحسين قال: قال لي أَبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : … وذكر الحديث، وفي آخره: قال سعيد: فانطلقت حين سمعت الحديث من أَبي هُرَيرَةَ ﵁ فذكرته لعلي بن الحسين فأعتق عبدًا له قد أعطاه به ابن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار. وهذا لفظ مسلم. وأما حديث أبي أمامة ﵁ فقد انفرد به التِّرمِذي، فرواه في أَبواب "النذور والأيمان" باب (ما جاء في فضل العتق) (١٥٤٧) من طريق عمران بن عيينة - وهو أخو سفيان بن عيينة - عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم، عن النبي ﷺ قال: … وذكر مثل حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁، وزاد: "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكَاكه من النار، يُجزئ كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فِكاكها من النار يُجزئ كل عضو منها عضوًا منها". قال التِّرمِذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وفي سنده سالم بن أبي الجعد، وهو ثقة يرسل كثيرًا -كما في "التقريب" - وقد اختلف عليه في إسناده، فإنه جعله هنا من مسند أبي أمامة، ثم إنه تفرد به عمران بن عيينة، وقد قال عنه الحافظ في "التقريب": (صدوق له أوهام). وأما حديث كعب بن مرة فقد رواه أَبو داود في كتاب "العتق"، باب "أي الرقاب أفضل؟) (٣٩٦٧)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ٨)، وابن ماجة (٢٥٢٢)، وأحمد (٢٩/ ٦٠٢) من طريق عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شُرَحْبيل بن السِّمْطِ أنَّه قال لكعب بن مرة أو مرة بن كعب: حدَّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، وذكر نحوًا من حديث أبي أمامة ﵁.

стр. 4439

وهذا سند ضعيف لانقطاعه؛ لأن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من شرحبيل، قال أَبو داود: (سالم لم يسمع من شرحبيل مات شرحبيل بصفين)، وصفين سنة سبع وثلاثين، وسالم مات سنة مائة على أحد الأقوال، ويدل لذلك قول أبي زرعة: (سالم بن أبي الجعد عن عمر وعثمان وعلي مرسل) (١)، ومن المعلوم أن عليًّا ﵁ مات سنة أربعين، فمعنى هذا أن سالمًا لم يسمع من شرحبيل قطعًا لكونه مات قبل الأربعين. وروى هذا الحديث النَّسائي (٥/ ٧) من طريق منصور، عن سالم، عن كعب بن مرة، ولفظه: " … وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فهو فكاكها من النار، كل عظم منها عظمٌ منها". قال الحافظ: (إسناده صحيح) (٢). والحديث يشهد له ما قبله إن سلم الأمر من الاختلاف على سالم بن أبي الجعد؛ لأن مدار الحديثين عليه، ويؤيد هذا رواية النَّسائي، والله أعلم. • الوجه الثالث: في شرح ألفاظها: قوله: (أيما امرئ) هذا لفظ مسلم -كما تقدم- ولفظ البخاري: "أيما رجل" وأي: شرطية دخلت عليها (ما) وهي من صيغ العموم، وفي رواية من حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁: "من أعتق رقبة مسلمة. . ." (٣)، وكل هذه صيغ عموم. قوله: (امرئ مسلم) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري خلا من هذا القيد، وهو لإخراج الكافر؛ لأنه لا يثبت الأجر للمعتق - بالكسر - إلَّا إذا كان مسلمًا، وأما العتق الصادر من الكافر فإنه وإن كان يصح وينفذ إلَّا أنَّه لا ثواب له، ولا ينجو بسببه من النار. قوله: (أعتق امرأً مسلمًا) هذا قيد في الرقبة المُعْتَقَةِ، وهو يفيد أن هذه الفضيلة لا تنال إلَّا بعتق الرقبة المسلمة، وإن كان في عتق الكافرة فضل لكنه لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر.

стр. 4440

قوله: (استنقذ الله) أي: وَقَى وأنقذ وخلص بكل عضو منه عضوًا منه من النار. قوله: (بكل عضو منه عضوًا منه من النار) أي: أنقذ الله عوض كل عضو من أعضاء المعتق - بالفتح - عضوًا من أعضاء المعتق - بالكسر - ونجاه من جهنم يوم القيامة، وفي رواية في "الصحيحين": "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه" (١). قوله: (كانتا فكاكه من النار) كتبت في جميع نسخ "البلوغ" بكسر الفاء، والمشهور الفتح، وكسرها لغة حكاها ابن السكيت، ومنعها الأصمعي والفراء (٢). والمعنى: كانتا خلاص المعتق - بالكسر - من نار جهنم. قوله: (يجزئ كل عضو منها عضوًا منه) يروى بالهمز من الإجزاء، ذكره شارح (جامع التِّرمِذي) وقال: (كذا في النسخ الحاضرة)، ثم قال: (الظاهر أن نسخ التِّرمِذي مختلفة في هذا اللفظ) (٣)، وكذا رأيته في "الكبرى" للنسائي مضبوطًا بالهمز (٤). ويروى بضم الياء التحتانية وفتح الزاي غير مهموز، كذا ضبطه الشوكاني مستندًا إلى نسخة "المنتقى" (٥)؛ أي: يقضي وينوب. • الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل عتق الرقاب وتخليصها من الرق وأن هذا من أجَلِّ الطاعات وأعظم القربات، ومن أسباب العتق من النار؛ لأنه أعتق هذا الرقيق لله تعالى، فكان جزاؤه أن يعتقه الله من النار؛ لأن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزي المعتق للعبد بالعتق من النار (٦)، وهذا - والله أعلم - لكون الرقيق في حكم المعدوم إذ لا تصرف له في نفسه، وإنَّما يُتصرف فيه كما يُتصرف في الدابة، فكان عتقه كإخراجه من العدم إلى الوجود؛ لما في عتقه من تخليصه من ضرر الرق، وملك نفسه ومنافعه وتكميل أحكامه وتمكنه من التصرف في نفسه وشؤون حياته على حسب إرادته واختياره في حدود الشرع.

стр. 4441

وقد دل الحديث على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق الرقبة المسلمة، لما يحصل في عتق المؤمن من المنافع العظيمة كالجهاد والشهادة والمعونة على إقامة شرائع الدين، وأما عتق الكافر فلا خلاف في جوازه من باب التطوع، وأما كونه عن كفارة فهو موضع خلاف مذكور في أَبوابه. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن إعتاق كامل الأعضاء أفضل من عتق ناقصها، ليحصل الاستيعاب المستفاد من قوله: (استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار) وعلى هذا فلا ينبغي أن يكون المعتق - بالفتح - ناقصًا بعور أو شلل وشبههما، ولا معيبًا بعيب يضر بالعمل، ويخلُّ بالسعي والاكتساب (١). • الوجه السادس: استدل الفقهاء بحديث أبي أمامة ﵁ على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى؛ لأن الحديث جعل عتق الأنثى على النصف من عتق الذكر، فالرجل إذا أعتق الذكر أو أعتق امرأتين كان ذلك فِكاكه من النار، وإذا أعتق امرأة واحدة كانت فكاك نصفه من النار، والمرأة إذا أعتقت الأمة كانت فكاكها من النار. ووجه ذلك أن جنس الرجال أفضل؛ ولأن عتق الذكر فيه من المعاني والمنافع ما ليس في عتق الأنثى، من الجهاد وولاية القضاء وقبول الشهادة والإمامة وغير ذلك مما يختص بالرجال إما شرعًا وإما عادة، وهذا لا يعني الحط من قيمة المرأة، فإن نصوص الشريعة سوَّت بين الذكر والأنثى في أصل الخلق والتكليف والثواب والعقاب، وللمرأة دور كبير في المجتمع في إعداد الناشئة وتربية الأجيال، وإنَّما المراد أن ما يحصل من الرجل بعد عتقه من النفع أكثر مما يحصل من الأنثى، على أن بعض العلماء قال: إن عتق الأنثى أفضل؛ لأنه يكون ولدها حرًّا، سواء تزوجها حر أو عبد، وقال آخرون: عتق الأنثى للأنثى أفضل، وهذا رواية عن أحمد (٢)، والله أعلم.

стр. 4442

ما جاء في أي الرقاب أفضل للعتق ١٤٣١/ ٤ - عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَال: "إِيمَانٌ باللهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ"، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ؟ قَال: "أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. • الكلام عليه من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "العتق"، باب (أي الرقاب أفضل؟) (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرَاوحٍ، عن أبي ذر ﵁ قال: … وذكر الحديث، وتمامه: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تعين ضائعًا أو تصنع لأخرق" قال: فإن لم أفعل؟ قال: "تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تَصَدَّقُ بها على نفسك" هذا لفظ البخاري. • الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فأي الرقاب أفضل) جمع رقبة، وهو الرقيق، وسمي الرقيق رقبة: لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، والمراد: الإنسان، من إطلاق البعض على الكل؛ والمعنى: أي المماليك أحب إلى الله تعالى أن يعتق. قوله: (أعلاها ثمنًا) بالعين المهملة (١)، وهو الموافق لما في البخاري، وقد ذكر الحافظ أنَّها رواية الأكثر (٢)، وفي بعض نسخ "البلوغ" بالغين المعجمة، وهو الموافق لما في طبعة الناصر لـ"صحيح البخاري"، وهي طبعة

стр. 4443

متقنة، وقد ذكر الحافظ أنَّها رواية الكُشْمِيهني والنسفي، ونقل عن ابن قُرقُول (١) - صاحب "المطالع" - أن معناهما متقارب، ورواية مسلم: "أكثرها ثمنًا" وهي تبين المراد، كما يقول الحافظ. قوله: (وأنفسها عند أهلها) أفعل تفضيل من النفاسة، يقال: نَفُس الشيء -بضم الفاء- نفاسة: كَرُمَ، فهو نفيس؛ والمعنى: أكرمها وأكثرها رغبة عند أهلها. قوله: (ضائعًا) بالضاد المعجمة، هكذا في "الصحيحين"، وهو لفظ جميع رواة البخاري كما جزم به عياض وغيره، وقال النووي: الأكثر في الرواية بالمعجمة (٢)، وصوب الدَّارَقُطني، والقرطبي (٣) (صانعًا) بالصاد المهملة والنون، وهو الموجود في طبعة الناصر، وعلل ذلك الدَّارَقُطني بوجود المقابلة بالأخرق، وهو الذي ليس بصانع، ولا يحسن العمل، وقد فسرت رواية: (ضائعًا) -بالضاد المعجمة- بأن المراد: ذو الضياع من فقر أو عيال، فيرجع إلى الأول (٤). وقد اقتصر ابن بطَّال على هذا المعنى، فقال: (قوله: "تعين ضائعًا" أي: تعين فقيرًا) (٥). • الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الإيمان عمل، وأنه أفضل الأعمال، بل هو أصلها الذي تقوم عليه، ولا إشكال في تقديم الإيمان بالله ورسوله على غيره؛ لأنه أفضل ما افترض الله على عباده مطلقًا. • الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى، وعن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" (٦).

стр. 4444

قال المهلب: (إنما قرن الجهاد في سبيل الله بالإيمان به؛ لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتَّى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى يفشو الإسلام وينتشر، فكان الجهاد ذلك الوقت أفضل من كل عمل) (١). وهذا يتمشى مع رأي القائلين إن اختلاف أجوبة النبي ﷺ عن أفضل الأعمال لاختلاف الأوقات، بان يكون العمل في وقت أفضل منه في غيره، فيكون تقديم الجهاد وقرنه بالإيمان بالله تعالى لعظم الحاجة إليه في إظهار الدين في أول الإسلام، أو أنَّه محمول على الجهاد الواجب وقت النفير إليه. • الوجه الخامس: الحديث دليل على أن أفضل الرقاب التي يراد إعتاقها ما كان أكثرها قيمة وأكثرها نفاسة وأحبها وأكرمها عند أهلها لحسن أخلاقها وكثرة منافعها، والقاعدة في هذا: أنَّه كلما كان العتيق أفضل في نفسه كان أفضل في العتق، سواء أكان رجلًا أم امرأة، قال القرطبي: (هذا الحديث يدل على أن المعيب ليس كالصحيح، ولا الكبير مثل الصغير، ولا القليل القيمة مثل الكثير، لتفاوت ما بينهم، ولما شهد حديث أبي أمامة وغيره بتفاوت ما بين الذكر والأنثى، لزم منه التفاوت بين من ذكرناهم في ذلك، والله تعالى أعلم) (٢).

стр. 4445

ما جاء فيمن أعتق شركًا له في عبد ١٤٣٢/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقًا، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ١٤٣٣/ ٦ - ولَهُمَا عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁: "وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ"، وَقِيلَ: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ في الْخَبَرِ. • الكلام عليهما من وجوه: • الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن عمر ﵄ فقد رواه البخاري في كتاب "العتق"، باب (إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء) (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوِّم العبد عليه قيمة عدل … " الحديث. وأما حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ فقد رواه البخاري في "العتق"، باب (إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة) (٢٥٢٧)، ومسلم (١٥٠٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن النَّضْر بن أَنس، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أعتق نصيبًا -أو شقصًا- في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوِّم عليه … ) الحديث. وقد تكلم الأئمة في لفظة: (واستسعي غير مشقوق عليه) هل هي من كلام النبي ﷺ أو أنَّها مدرجة في الخبر؟

стр. 4446

وذلك لأن الحديث قد رواه عن قَتَادة جماعة، منهم سعيد بن أبي عروبة -كما تقدم- وجرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان العطار، وموسى بن خلف، وهؤلاء ذكروا هذه اللفظة من كلام النبي ﷺ . ورواه عن قَتَادة شعبة بن الحجاج، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا هذه اللفظة مطلقًا، لا من كلام النبي ﷺ ولا من كلام غيره، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قَتَادة. ورواه همام بن يحيى عن قَتَادة، وجعل هذه اللفظة من كلام قَتَادة، فقد روى الدَّارَقُطني (٤/ ١٢٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٢)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٤٠ - ٤١) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، حدَّثنا همام، عن قَتَادة، عن النضر بن أَنس، عن بشير بن نهيك، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن رجلًا أعتق شقصًا من مملوك، فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه، قال قَتَادة: إن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه. قال الدَّارَقُطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: (ما أحسن ما رواه همام وضبطه، وفصل بين قول النبي ﷺ وبين قول قَتَادة!). فالإمام أحمد وابن المنذر والدارقطني والبيهقي والخطيب والحاكم والخطابي وغيرهم جزموا بالإدراج، وأن هذه اللفظة من كلام قَتَادة (١). قال الإِمام أحمد -كما في رواية الميموني-: (حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهشام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء) (٢). وقال البيهقي: (قد اجتمع شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع من قَتَادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابه وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف ابن أبي عروبة ومن وافقه في إدراج

стр. 4447

السعاية في الحديث) (١). وذهب آخرون إلى عدم الإدراج، وأن لفظة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) من كلام النبي ﷺ ، وممن قال بذلك البخاري ومسلم حيث رويا الحديث بتمامه وأدخلاه في كتابهما، وجزما برفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ . وكذا ابن دقيق العيد في "شرحه على العمدة" (٢)، وابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣)، ولما ذكر الحديث في "المحرر" سكت عن الإدراج (٤)، ووجهة نظر هؤلاء أن هذه الجملة من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قَتَادة، وقد تابعه جرير بن حازم وحجاج وغيرهما -كما تقدم- وسعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قَتَادة من غيره، لكثرة ملازمته له وأخذه عنه، فإنه كان أكثر ملازمة لقَتَادة من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكن روايتهما في عدم ذكر هذه الجملة لا تنافي رواية سعيد؛ لأنهما اقتصرا في رواية الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدًا حتَّى يُتوقف في زيادة سعيد؛ لأن ملازمته لقَتَادة أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، مع أنَّه لم ينفرد؛ فإن البخاري قد روى الحديث من رواية جرير بن حازم؛ لينفي التفرد عن سعيد، ثم أشار إلى ثلاثة تابعوهما على ذكرها، فقال: (تابعه -أي: سعيد- حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قَتَادة … اختصره شعبة)، وقوله: (اختصره شعبة) إجابة عن إشكال: وهو أنَّه إذا كان شعبة أحفظ الناس لحديث قَتَادة -كما تقدم- فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب: بأن شعبة اختصر الحديث، وغيره ساقه بتمامه، وهذا لا يؤثر، إضافة إلى أن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وخلاصة ذلك أن رواية سعيد بهذه الزِّيادة قد قويت بهذه المتابعات، ورواية شعبة لا تنافيها؛ لأنها من قبيل اختصار الحديث، والعلم عند الله تعالى.

стр. 4448

• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (شركًا له) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة؛ أي: حصة ونصيبًا، سواء أكان ذلك قليلًا أم كثيرًا، كان يُعْتِقَ نصفه أو ربعه أو ثلثه. قوله: (في عبد) اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، ومؤنثه أمة من غير لفظه، وحكي: عبد وعبدة (١). قوله: (فكان له مال) الضمير يعود على من أعتق نصيبه. قوله: (يبلغ ثمن العبد) أي: قيمة بقية العبد، والمراد: ما لم يعتق منه. قوله: (قوم عليه قيمة عدل) الفعل مبني لما لم يسم فاعله، وهو من التقويم؛ أي: التقدير؛ والمعنى: تقدر قيمة ذلك العبد تقديرًا عادلًا فلا يزاد في قيمته ولا ينقص، فيقوم كاملًا لا عتق فيه، وتعرف قيمته، وذلك من عارف بقيمة السلع موثوق بدينه وأمانته. قوله: (فأعطى شركاءه حصصهم) أعطى: بفتح الهمزة مبنيًّا للفاعل في رواية الأكثر، وشركاءه: منصوب على المفعولية؛ أي: فيعطي ذلك المعتِق -بكسر التاء- شركاءه قيمة حصصهم من هذا العبد ويعتق عليه العبد جميعه، وروي (فأُعطي شركاؤه) بضم الهمزة مبنيًّا لما لم يسم فاعله، و (شركاؤه) بالرفع نائب فاعل. وهذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: إن ذلك لازم عليه لا محيص عنه. قوله: (وعَتَقَ عليه العبد) بفتح العين والتاء؛ أي: وصار جميع العبد حرًّا، وولاؤه لمن أعتقه. قوله: (وإلَّا فقد عتق منه ما عتق) أي: وإن لم يكن للمُعْتِقِ نصيبه مال؛ فقد عتق من العبد نصيبه، وما عدا ذلك يبقى رقيقًا.

стр. 4449

قوله: (وإلا قوم عليه) مبني لما لم يسم فاعله؛ والمعنى: أن المعتِق -بكسر التاء- إن لم يكن له مال يفي بقيمة الباقي؛ قدر أهل الخبرة قيمة هذا العبد وصارت دينًا على العبد. قوله: (واستسعي) مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: أُلزم العبد اكتساب ما يفك بقية رقبته من الرق، بأن يكتسب ويعمل حتَّى يحصل قيمة أنصباء شركاء المعتق، فسمي تصرفه في كسبه سعاية، وقيل: المراد أن يخدم سيده الذي لم يعتقه بقدر ما له فيه من الرق (١). قوله: (غير مشقوق عليه) بالنصب حال من نائب الفاعل، وهو العبد؛ أي: لا يكلف المملوك ما يشق عليه في السعاية، وعلى المعنى الثاني: أنَّه لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا فوق حصته من الرق. • الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء، وأن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره أنَّه يلزمه عتق باقيه وخلاصه كله من ماله، إذا كان غنيًّا قادرًا على دفع قيمة أنصباء شركائه الذين لم يعتقوا نصيبهم، ويصير العبد حرًّا؛ لأن تبعيض العتق يضر بالعبد ولا تتم به المصلحة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون ذكرًا أو أنثى على قول الجمهور، إما لأن لفظ العبد في الحديث يراد به جنس الرقيق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، فإنه يتناول الذكر والأنثى، وإما على طريق الإلحاق بنفي الفارق، كما هو معلوم من باب القياس في الأصول (٢). ومفهوم قوله: (فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال) أنَّه لا يلزم استسعاء العبد عند يسار المعتِق (٣).

стр. 4450

• الوجه الرابع: الحديث دليل على أنَّه إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيرًا غير قادر على دفع أنصباء شركائه الذين لم يعتقوا نصيبهم فإنه يعتق من العبد ما قدر عليه، ويبقى رقيقًا فيما بقي من نصيب الشركاء ويكون مبعضًا. • الوجه الخامس: اختلف العلماء فيما إذا أعتق الشريك نصيبه من عبد بينه وبين غيره وعجز عن عتق باقيه على قولين: الأول: أنَّه ينفذ العتق في نصيب المعتِق -بكسر التاء- فقط، ولا يطالب المعتِق بشيء، ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقًا كما كان، وهذا قول مالك والشَّافعي وأحمد وأبي عبيد (١)، وهؤلاء يستدلون برواية: (فقد عتق منه ما عتق). وأجابوا عن جملة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) بأنها مدرجة من كلام الراوي -كما تقدم- وعلى فرض ثبوتها فالاستسعاء باختيار العبد، لقوله: (غير مشقوق عليه) إذ لو كان ذلك لازمًا لحصل له مشقة، ومعلوم أن هذا غير لازم في الكتابة؛ لكونها غير واجبة، فهذا مثلها، وهذا قول البيهقي. أو يقال إن المراد بالاستسعاء: استمرار العبد في خدمة سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق، كما تقدم. القول الثاني: أن الشريك إذا أعتق نصيبه استسعي العبد وطُلب منه أن يعمل ليحصل نصيب الشريك الذي لم يعتق. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وآخرين (٢)، واستدلوا بما تقدم من لفظة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) بناءً على ثبوت ذلك عن النبي ﷺ .
следующие страницы →