وذلك لأن الحديث قد رواه عن قَتَادة جماعة، منهم سعيد بن أبي عروبة -كما تقدم- وجرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان العطار، وموسى بن خلف، وهؤلاء ذكروا هذه اللفظة من كلام النبي ﷺ .
ورواه عن قَتَادة شعبة بن الحجاج، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا هذه اللفظة مطلقًا، لا من كلام النبي ﷺ ولا من كلام غيره، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قَتَادة.
ورواه همام بن يحيى عن قَتَادة، وجعل هذه اللفظة من كلام قَتَادة، فقد روى الدَّارَقُطني (٤/ ١٢٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٢)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٤٠ - ٤١) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، حدَّثنا همام، عن قَتَادة، عن النضر بن أَنس، عن بشير بن نهيك، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أن رجلًا أعتق شقصًا من مملوك، فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه، قال قَتَادة: إن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه.
قال الدَّارَقُطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: (ما أحسن ما رواه همام وضبطه، وفصل بين قول النبي ﷺ وبين قول قَتَادة!).
فالإمام أحمد وابن المنذر والدارقطني والبيهقي والخطيب والحاكم والخطابي وغيرهم جزموا بالإدراج، وأن هذه اللفظة من كلام قَتَادة (١).
قال الإِمام أحمد -كما في رواية الميموني-: (حديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهشام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء) (٢).
وقال البيهقي: (قد اجتمع شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع من قَتَادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابه وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف ابن أبي عروبة ومن وافقه في إدراج
стр. 4447
السعاية في الحديث) (١).
وذهب آخرون إلى عدم الإدراج، وأن لفظة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) من كلام النبي ﷺ ، وممن قال بذلك البخاري ومسلم حيث رويا الحديث بتمامه وأدخلاه في كتابهما، وجزما برفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ .
وكذا ابن دقيق العيد في "شرحه على العمدة" (٢)، وابن عبد الهادي في "التنقيح" (٣)، ولما ذكر الحديث في "المحرر" سكت عن الإدراج (٤)، ووجهة نظر هؤلاء أن هذه الجملة من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قَتَادة، وقد تابعه جرير بن حازم وحجاج وغيرهما -كما تقدم- وسعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قَتَادة من غيره، لكثرة ملازمته له وأخذه عنه، فإنه كان أكثر ملازمة لقَتَادة من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكن روايتهما في عدم ذكر هذه الجملة لا تنافي رواية سعيد؛ لأنهما اقتصرا في رواية الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدًا حتَّى يُتوقف في زيادة سعيد؛ لأن ملازمته لقَتَادة أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، مع أنَّه لم ينفرد؛ فإن البخاري قد روى الحديث من رواية جرير بن حازم؛ لينفي التفرد عن سعيد، ثم أشار إلى ثلاثة تابعوهما على ذكرها، فقال: (تابعه -أي: سعيد- حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قَتَادة … اختصره شعبة)، وقوله: (اختصره شعبة) إجابة عن إشكال: وهو أنَّه إذا كان شعبة أحفظ الناس لحديث قَتَادة -كما تقدم- فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب: بأن شعبة اختصر الحديث، وغيره ساقه بتمامه، وهذا لا يؤثر، إضافة إلى أن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وخلاصة ذلك أن رواية سعيد بهذه الزِّيادة قد قويت بهذه المتابعات، ورواية شعبة لا تنافيها؛ لأنها من قبيل اختصار الحديث، والعلم عند الله تعالى.
стр. 4448
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما:
قوله: (شركًا له) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة؛ أي: حصة ونصيبًا، سواء أكان ذلك قليلًا أم كثيرًا، كان يُعْتِقَ نصفه أو ربعه أو ثلثه.
قوله: (في عبد) اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، ومؤنثه أمة من غير لفظه، وحكي: عبد وعبدة (١).
قوله: (فكان له مال) الضمير يعود على من أعتق نصيبه.
قوله: (يبلغ ثمن العبد) أي: قيمة بقية العبد، والمراد: ما لم يعتق منه.
قوله: (قوم عليه قيمة عدل) الفعل مبني لما لم يسم فاعله، وهو من التقويم؛ أي: التقدير؛ والمعنى: تقدر قيمة ذلك العبد تقديرًا عادلًا فلا يزاد في قيمته ولا ينقص، فيقوم كاملًا لا عتق فيه، وتعرف قيمته، وذلك من عارف بقيمة السلع موثوق بدينه وأمانته.
قوله: (فأعطى شركاءه حصصهم) أعطى: بفتح الهمزة مبنيًّا للفاعل في رواية الأكثر، وشركاءه: منصوب على المفعولية؛ أي: فيعطي ذلك المعتِق -بكسر التاء- شركاءه قيمة حصصهم من هذا العبد ويعتق عليه العبد جميعه، وروي (فأُعطي شركاؤه) بضم الهمزة مبنيًّا لما لم يسم فاعله، و (شركاؤه) بالرفع نائب فاعل.
وهذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: إن ذلك لازم عليه لا محيص عنه.
قوله: (وعَتَقَ عليه العبد) بفتح العين والتاء؛ أي: وصار جميع العبد حرًّا، وولاؤه لمن أعتقه.
قوله: (وإلَّا فقد عتق منه ما عتق) أي: وإن لم يكن للمُعْتِقِ نصيبه مال؛ فقد عتق من العبد نصيبه، وما عدا ذلك يبقى رقيقًا.
стр. 4449
قوله: (وإلا قوم عليه) مبني لما لم يسم فاعله؛ والمعنى: أن المعتِق -بكسر التاء- إن لم يكن له مال يفي بقيمة الباقي؛ قدر أهل الخبرة قيمة هذا العبد وصارت دينًا على العبد.
قوله: (واستسعي) مبني لما لم يسم فاعله؛ أي: أُلزم العبد اكتساب ما يفك بقية رقبته من الرق، بأن يكتسب ويعمل حتَّى يحصل قيمة أنصباء شركاء المعتق، فسمي تصرفه في كسبه سعاية، وقيل: المراد أن يخدم سيده الذي لم يعتقه بقدر ما له فيه من الرق (١).
قوله: (غير مشقوق عليه) بالنصب حال من نائب الفاعل، وهو العبد؛ أي: لا يكلف المملوك ما يشق عليه في السعاية، وعلى المعنى الثاني: أنَّه لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا فوق حصته من الرق.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء، وأن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره أنَّه يلزمه عتق باقيه وخلاصه كله من ماله، إذا كان غنيًّا قادرًا على دفع قيمة أنصباء شركائه الذين لم يعتقوا نصيبهم، ويصير العبد حرًّا؛ لأن تبعيض العتق يضر بالعبد ولا تتم به المصلحة.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون ذكرًا أو أنثى على قول الجمهور، إما لأن لفظ العبد في الحديث يراد به جنس الرقيق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، فإنه يتناول الذكر والأنثى، وإما على طريق الإلحاق بنفي الفارق، كما هو معلوم من باب القياس في الأصول (٢).
ومفهوم قوله: (فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال) أنَّه لا يلزم استسعاء العبد عند يسار المعتِق (٣).
стр. 4450
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أنَّه إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيرًا غير قادر على دفع أنصباء شركائه الذين لم يعتقوا نصيبهم فإنه يعتق من العبد ما قدر عليه، ويبقى رقيقًا فيما بقي من نصيب الشركاء ويكون مبعضًا.
• الوجه الخامس: اختلف العلماء فيما إذا أعتق الشريك نصيبه من عبد بينه وبين غيره وعجز عن عتق باقيه على قولين:
الأول: أنَّه ينفذ العتق في نصيب المعتِق -بكسر التاء- فقط، ولا يطالب المعتِق بشيء، ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقًا كما كان، وهذا قول مالك والشَّافعي وأحمد وأبي عبيد (١)، وهؤلاء يستدلون برواية: (فقد عتق منه ما عتق).
وأجابوا عن جملة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) بأنها مدرجة من كلام الراوي -كما تقدم- وعلى فرض ثبوتها فالاستسعاء باختيار العبد، لقوله: (غير مشقوق عليه) إذ لو كان ذلك لازمًا لحصل له مشقة، ومعلوم أن هذا غير لازم في الكتابة؛ لكونها غير واجبة، فهذا مثلها، وهذا قول البيهقي. أو يقال إن المراد بالاستسعاء: استمرار العبد في خدمة سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق، كما تقدم.
القول الثاني: أن الشريك إذا أعتق نصيبه استسعي العبد وطُلب منه أن يعمل ليحصل نصيب الشريك الذي لم يعتق.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وآخرين (٢)، واستدلوا بما تقدم من لفظة: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) بناءً على ثبوت ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 4451
وأجابوا عن رواية: (فقد عتق منه ما عتق) أي: بإعتاق مالك الحصة حصته، وحصة الشريك تعتق بالسعاية ويكون الرقيق كالمكاتب، وهذا هو الذي جزم به البخاري، كما تقدم عند تخريج الحديث.
والذي يظهر أن قوله: (وإلا فقد عتق منه ما عتق) محمول على ما إذا كان المعتِق فقيرًا والعبد لا قدرة له على السعاية، وقوله: (واستسعي العبد غير مشقوق عليه) على ما إذا كان العبد قادرًا على السعاية (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4452
ما جاء في فضل عتق الوالد
١٤٣٤/ ٧ - عَنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "العتق"، باب (فضل عتق الوالد)
(١٥١٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجزي وَلَدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" وفي رواية: "ولد والده".
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يجزي) بفتح حرف المضارعة؛ أي: لا يكافئ الولد والده على فضله عليه وإحسانه إليه.
قوله: (إلَّا أن يجده مملوكًا) أي: عبدًا رقيقًا.
قوله: (فيعتقه) هكذا في النسخ "البلوغ" والمثبت في "الصحيح" -كما تقدم-: (فيشتريه فيعتقه) وظاهره أن الفاء للتعقيب؛ بمعنى أن الوالد لا يعتق بمجرد الشراء، بل لا بد من الإعتاق بعده، وسيأتي ما فيه.
• الوجه الثالث: الحديث دليل على عظيم حق الوالدين، وأن برهما من أعظم الواجبات، ولذا قرن الله تعالى بر الوالدين والإحسان إليهما بحقه فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال
стр. 4453
تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وسيأتي لهذا مزيد في كتاب "الجامع" إن شاء الله.
• الوجه الرابع: الحديث دليل على أن أفضل بر بالوالدين أو أحدهما هو أن يجد الإنسان أباه أو أمه رقيقًا مملوكًا فيشتريه ويعتقه؛ لأنه أخرجهما من أحكام العتق إلى حرية بني آدم.
• الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن الوالد الرقيق لا يعتق على ولده بمجرد شرائه وملكه له، بل لا بدَّ من إعتاقه بعد الشراء؛ لقوله: (فيعتقه)، وهذا مذهب الظاهرية، وعليه فلا يلزم العتق بالشراء بل إن أراد أن يعتقه فحسن.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أنَّه يعتق بمجرد الشراء (١)، واستدلوا بأن الله تعالى أوجب علينا الإحسان إلى الأَبوين -كما تقدم- وليس من الإحسان أن يبقى والده رقيقًا في ملكه، فإذن يجب عتقه، إما لأجل الملك عملًا بالحديث، أو لأجل الاحسان عملًا بالآية (٢).
وأما لفظة: (فيعتقه) فإن الولد لما كان سببًا في عتق أبيه بشرائه إياه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه، ويؤيد هذا حديث سمرة ﵁ الآتي - الدال على أن مجرد الملك سبب للعتق، فيكون قرينة لحمل لفظة: (فيعتقه) على المعنى المجازي، كلما تقدم، ويصير المعنى: فيشتريه فيعتقه بشرائه له، كما يقال: ضربه فقتله، والضرب هو القتل (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4454
من ملك ذا رحم مَحْرمٍ عَتَقَ عليه
١٤٣٥/ ٨ - عَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٣/ ٣٣٨ - ٣٧٧)، وأَبو داود في كتاب "العتق"، بابٌ (فيمن ملك ذا رحم محرم) (٣٩٤٩)، والتِّرمِذي (١٣٦٥)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ١٣)، وابن ماجة (٢٥٢٤) من طريق حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁.
وهذا الحديث رجال إسناده ثقات، إلَّا أنَّه أُعل بعدة علل:
الأولى: أنَّه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في سماعه منه، لا سيما وأن الحسن مدلس، وقد رواه بالعنعنة، وأما سماعه منه فقد قيل: إنه سمع منه، وقيل: لم يسمع منه شيئًا، وإنَّما هو كتاب، وقيل: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط، وهذا ثابت، وأما غيره فهو محل نظر، وهذا هو الأقرب، وتقدم بيان ذلك في باب (الغسل) من كتاب "الطهارة".
الثانية: أن هذا الحديث تفرد به حمَّاد بن سلمة، قال التِّرمِذي: (هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلَّا من حديث حمَّاد بن سلمة … قال: ويروى عن قَتَادة، عن الحسن، عن عمر هذا الحديث أيضًا)، وقال في "العلل": (سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه عن الحسن، عن سمرة إلَّا من حديث
стр. 4455
حمَّاد بن سلمة) (١)، وقال أَبو داود: (لم يحدث ذلك الحديث إلَّا حمَّاد بن سلمة، وقد شك فيه).
والمراد أنَّه شك في وصله بذكر سمرة ﵁ -كما رواه أَبو داود، والبيهقي (١٠/ ٢٨٩) بسندهما عن موسى بن إسماعيل، عن حمَّاد، عن الحسن، عن سمرة فيما يحسب حمَّاد، قال البيهقي: (فكأنه كان يشك في ذكر سمرة في إسناده) (٢)، ومما يؤيد ذلك كون الحديث جاء عن الحسن بدون ذكر سمرة به.
وعبارة البخاري وأبي داود فيها تضعيف الحديث، ولذا قال البيهقي: (وقد أشار البخاري إلى تضعيف الحديث، وقال علي بن المديني: هذا عندي منكر) (٣)، وقال: (غير حمَّاد يرويه عن قَتَادة، عن عمر بن الخطاب ﵁، وعن قَتَادة، عن الحسن من قوله) (٤).
الثالثة: أنَّه اختلف فيه حمَّاد وشعبة، عن قَتَادة، فوصله حمَّاد -كما تقدم- وشعبة أرسله، فإنه رواه عن قَتَادة، عن الحسن مرسلًا، ذكره الزيلعي في "نصب الراية" والحافظ في "التلخيص" وقال: (شعبة أحفظ من حمَّاد) (٥)؛ لأن حمادًا يخطئ في حديثه عن قَتَادة كثيرًا، كما قال الإِمام مسلم (٦).
والمقصود أن هذا الإسناد ضعيف، للاختلاف فيه على الحسن البصري، إضافة إلى العلة الأصلية، وهي رواية الحسن بالعنعنة مع أنَّه مدلس.
قال البيهقي: (الحديث إذا انفرد به حمَّاد بن سلمة، ثم يشك فيه، ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه، وجب التوقف فيه) (٧).
ورواه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٢)، وأَبو داود (٣٩٥١)(٣٩٥٢)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ١٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة. والنَّسائي -أيضًا - (٥/ ١٤)
стр. 4456
من طريق هشام الدستوائي كلاهما عن قَتَادة، عن الحسن قوله. وقَرَنَ قَتَادة عندهم بالحسن جابر بن زيد.
قال أَبو داود: (وسعيد أحفظ من حمَّاد).
والحديث له شاهد من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا، رواه ابن ماجة (٢٥٢٥)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ٢٣) من طريق ضمرة بن ربيعة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم عتق".
قال النَّسائي: (لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان، غير ضمرة، وهو حديث منكر، والله أعلم).
ورواية عمر ﵁ الموقوفة التي أشار إليها التِّرمِذي أخرجها أَبو داود (٣٩٥٠)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ١٤ - ١٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر"، وقَتَادة لم يدرك عمر ﵁، لكن روي من وجه آخر عن عمر ﵁، رواه النَّسائي (٥/ ١٥ - ١٦) من طريق الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر ﵁، وذكر الاختلاف فيه على الحكم.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من ملك) عام فيدخل فيه الملك بالشراء أو بالهبة وغير ذلك.
قوله: إذا رحم) بفتح الراء وكسر الحاء، أصله موضع تكوين الولد في بطن أمه، ثم استعمل للقرابة، فيقع على كل من بينك وبينه نسب يوجب تحريم النكاح، وهو القريب الذي يحرم نكاحه لو كان أحدهما رجلًا والآخر امرأة.
قوله: (محرم) بفتح الميم وسكون الحاء وفتح الراء مخففة، ويقال: محرم بالتشديد بصيغة اسم المفعول من التحريم، والمحرم: من لا يحل نكاحه من الأقارب كالأب والأخ والعم ومن في معناهم، كما سيأتي.
стр. 4457
وهو بالجر على الجوار كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وماءُ شَنٍّ باردٍ، وكان القياس النصب؛ لأنه صفة لـ (ذا رحم) لا نعتٌ لـ (رحم).
قوله: (فهو حر) أي: ذو الرحم المحرم ذكرًا كان أم أنثى يعتق على مالكه بسبب ملكه له.
• الوجه الثالث: يستدل الفقهاء بهذا الحديث على أن من ملك شخصًا بينه وبينه رحم محرمة للنكاح فإنه يعتق عليه بمجرد ملكه له، ويكون حرًّا، فإذا ملك أباه أو أمه أو أخته أو عمه أو عمته أو نحوهم بشراء أو بهبة أو غنيمة أو إرث عتق عليه، ويدخل في عموم الحديث الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأخوال والخالات، والأعمام والعمات لا أولادهم.
وهذا قول عمر وابن مسعود ﵄، والحسن وجابر بن زيد وعطاء وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشكور من مذهب الإِمام أحمد (١).
وذهب الشَّافعي إلى أنَّه لا يعتق بالملك إلَّا الآباء والأبناء، أما الآباء فلحديث: "لا يجزي ولد والده … ، وأما الأبناء فبالقياس على الآباء، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (٢).
وهذا مبني على عدم صحة حديث سمرة ﵁.
وقال مالك: يعتق الآباء والأبناء، والإخوة والأخوات قياسًا على الآباء (٣).
وقالت الظاهرية: لا يعتق أحد من الأقارب بمجرد الملك، سواء الوالد أو الولد أو غيرهما، بل لا بد من إنشاء العتق، مستدلين بحديث أَبي هُرَيرَةَ ﵁ المتقدم (٤)، والراجح القول الأول؛ لأن حديث الباب يعتضد بقول الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
стр. 4458
حكم من أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله
١٤٣٦/ ٩ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيرُهُم، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَينَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَينِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَة، وَقَال لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الإيمان"، باب (من أعتق شركًا له في عبد) (١٦٦٨) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵄ أن رجلًا أعتق … وذكر الحديث.
• الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ستة مملوكين له) أي: ستة أعبد، وقد جاء في رواية أبي داود، والنَّسائي، بلفظ: "ستة أعبد" (١).
قوله: (عند موته) على حذف مضاف؛ أي: عند مرض موته، وظاهر هذا أنَّه نجَّز عتقهم في هذه الحال.
قوله: (فدعا بهم رسول الله ﷺ ) أي: طلب هؤلاء المماليك الستة ليحضروا إليه ﷺ .
стр. 4459
قوله: (فجزأهم أثلاثًا) بتشديد الزاي المعجمة، ويجوز تخفيفها، لغتان مشهورتان؛ أي: قسمهم ثلاث حصص، كل عبدين على حدة.
قوله: (ثم أقرع بينهم) أي: هيأهم للقرعة، والقرعة -بضم القاف-: استهام يتعين به نصيب الإنسان، ولها طرق كثيرة.
قوله: (وأرق أربعة) بتشديد القاف، فعل ماض معدى بالهمزة، من رق الثلاثي اللازم، يقال: رَقَّ الشخص يَرِقُّ - بالكسر - من باب ضرب فهو رقيق، ويتعدى بالحركة وبالهمزة، فيقال: رقَّقته وأرقُّه من باب قتل، وأرققته فهو مرقوق (١)؛ والمعنى هنا: أبقى حكم الرق على الأربعة.
قوله: (وقال له قولًا شديدًا) أي: غلظ له بالقول والذم والوعيد كراهية لفعله وسوء تصرفه حيث زاد عتقه على الثلث، ومنع الورثة حقوقهم، وقد جاء في رواية عند أبي داود من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي زيد الأنصاري؛ بمعنى هذا الحديث وقال: -يعني: النبي ﷺ : "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين" (٢).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على أن العتق في مرض الموت يأخذ حكم الوصية، فلا ينفذ إلَّا فيما أذن فيه الشرع وهو الثلث فأقل، فإذا كان العتق لجماعة من العبيد ولم يحملهم الثلث وقد تساوت قيمتهم -ويغتفر التفاوت اليسير- وكان لهم ثلث صحيح كستة أعبد، قيمة كل اثنين منهم ثلث المال، جعلنا كل اثنين منهم ثلثًا، وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن وقع لهما سهم الحرية عتقا، ورقَّ الباقون، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم؛ لأن قول الراوي: (فجزأهم ثلاثًا) ظاهره أنَّه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد.
стр. 4460
وذهبت الحنفية إلى أنَّه يعتق من كل عبد ثلثه، ويسعى كل واحد منهم في ثلثي قيمته للورثة (١)، كما تقدم في حديث السعاية، قالوا: وحديث الباب مخالف للقياس، وذلك لأن السيد قد أوجب لكل واحد من عبيده الستة العتق، ولو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه.
والصواب الأول فإن قوله: (فأعتق اثنين وأرق أربعة) نص صريح في أنَّه لم يُعْتِقْ منهم إلَّا اثنين، وفيه رد على الحنفية القائلين يعتقون جميعًا.
والقول بالاستسعاء فيه ضرر كبير؛ لأن الورثة لن يحصل لهم شيء في الحال، وقد لا يحصل من السعاية شيء، أو يحصل شيء يسير لا قيمة له، ثم إن فيه ضررًا على العبيد لإلزامهم السعاية من غير اختيارهم (٢).
وقولهم: إن الحديث مخالف للقياس فلا يعمل به، مردود؛ لأن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولو سلمنا أنَّه ليس بفاسد لكان القياس مع هذا الحديث كالدليلين المتعارضين، فيكون الأخذ بالحديث أولى، لكثرة الاحتمالات الواردة على القياس بخلاف النص (٣).
• الوجه الرابع: الحديث نص واضح في صحة اعتبار القرعة شرعًا لتمييز الحقوق، والقول بمشروعيتها هو قول الجمهور من أهل العلم، لدلالة الكتاب والسنة القولية والعملية على ذلك، وفعلها الصحابة ﵃، وقد تقدم الكلام على مسألة القرعة في باب (القسم) من كتاب "النكاح" (٤). والحمد لله رب العالمين.
стр. 4461
من أعتق مملوكه وشرط خدمته
١٤٣٧/ ١٠ - عَن سَفِينَةَ ﵁ قَال: كُنْتُ مَمْلُوكًا لأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالت: أَعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا عِشْتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
• الكلام عليه من وجوه:
• الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو سفينة -بفتح السين (١) - مولى رسول الله ﷺ وخادمه ﷺ ، وكنيته أَبو عبد الرحمن، واختلف في اسمه على واحد وعشرين قولًا، سردها الحافظ في "الإصابة"، فقيل: مهران، وقيل: مروان، وقيل غيرهما، كان أصله فارسيًّا، فاشترته أم سلمة ﵂، ثم أعتقته واشترطت عليه ما ذكر في حديث الباب، وقال أَبو حاتم: "كان من مولدي الأعراب، فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه). وكان ﵁ رجلًا قويًّا، وقد روى الإِمام أحمد بسنده عن سعيد بن جُمْهان (٢)، عن سفينة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فكلما أعيا بعض القوم ألقى عليَّ سيفه وترسه ورمحه، حتَّى حملت من ذلك شيئًا كثيرًا، فقال النبي ﷺ : "أنت سفينة" (٣)، روى عن النبي ﷺ وأم سلمة وعلي ﵄ وروى عنه ابناه: عبد الله وعمر، وسالم بن عبد الله بن عمر وغيرهم (٤).
стр. 4462
• الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣٦/ ٢٥٥)، وأَبو داود في كتاب "العتق"، بابٌ (في العتق على الشرط) (٣٩٣٢)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ٤١ - ٤٢)، وابن ماجة (٢٥٢٦)، والحاكم (٢/ ٢١٣ - ٢١٤) من طريق سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة قال: كنت مملوكًا لأم سلمة … وذكر الحديث، وتمامه: فقلت: إن لم تشترطي على ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت، فاعتقتني واشترطت عليَّ. وهذا لفظ أبي داود، وهذه الزِّيادة ليست عند أحمد.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي، والحديث في سنده سعيد بن جُمْهان الأسلمي، وهو مختلف فيه، وقد وثقه جماعة منهم الإِمام أحمد وابن معين والنَّسائي وأَبو داود، وقال البخاري: (في حديثه عجائب)، وقال الساجي: (لا يتابع على حديثه)، وقال أَبو حاتم: (شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن عدي: (روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره، وأرجو أنَّه لا بأس به، فإن حديثه أقل من ذلك) (١)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق له أفراد).
• الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق مدة معلومة، فيقع العتق منجزًا مع اشتراط نفعه للمعتق أو اشتراط نفعه لغير المعتق، قال البغوي: (لو قال رجل لعبد: أعتقتك على أن تخدمني شهر) فقبل، عتق في الحال، وعليه خدمة شهر. . .) (٢).
وقد استدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز العتق المعلق على شرط، قال ابن رشد: (اتفقوا على جواز اشتراط الخدمة على المعتَق مدة معلومة بعد العتق وقبل العتق) (٣).
والظاهر - والله أعلم - أن قصة سفينة ليست من باب تعليق العتق على الشرط، وإنما هي من باب استثناء منافع العبد (٤)، وبينهما فرق؛ لأنه على الأول لا يقع العتق إلَّا بوقوع الشرط، وعلى الثاني يقع العتق في الحال، والله أعلم.
стр. 4463
ما جاء في أن الولاء لمن أعتق
١٤٣٨/ ١١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ في حَدِيثٍ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم تخريجه وشرحه في كتاب "البيوع" برقم (٧٩١)، وقد رواه البخاري في أكثر من عشرين موضعًا من "صحيحه"، ومنها في كتاب "المكاتب" (٢٥٦٠) من طريق يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
ورواه مسلم (١٥٠٤)(٧) من عدة طرق، ومنها: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة ﵂.
وقد ذكره الحافظ في "البيوع" مطولًا للاستدلال به على صحة الشروط المشروعة وبطلان غيرها، وساقه هنا مختصَرًا مقتصِرًا على القدر المطلوب.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إنما) أداة قصر، تفيد قصر الولاء لمن أعتق، سواء أكان رجلًا أم امرأة، ونفيه عمن لم يعتق، وقوة هذا الكلام قوة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق.
قوله: (الولاء لمن أعتق) الولاء: بالمد أصله السلطة والنصرة ويطلق على القرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة؛ أي: الولاء الذي سببه العتق، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.
стр. 4464
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الولاء لمن أعتق الرقيق لا لمن باعه ولا لغيره؛ لأن الحديث سيق مساق الحصر كما تقدم، ووجه ذلك ما تقدم من كون الرقيق في حكم المعدوم إذ لا تصرف له في نفسه، وإنما يتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة، فكان عتقه كإخراجه من العدم إلى الوجود، لما في عتقه من تخليصه من أسر الرق وملك نفسه ومنافعه وتكميل أحكامه وتمام تصرفه، فاستحق معتقه الولاء الذي هو عُلقة وارتباط بين المعتِق والمعتَق، كعلقة وارتباط النسب، وتترتب عليها أحكام شرعية، لكنها أقل من أحكام النسب، ومنها أن المعتق يرث عتيقه ولا ينعكس، وغير ذلك من الأحكام المدونة في كتب الفقه. والله تعالى أعلم.
стр. 4465
من أحكام الولاء
١٤٣٩/ ١٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ". رَوَاهُ الشَّافِعيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَينِ بِغَيرِ هذَا اللَّفْظِ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم ذكره في باب "الفرائض" برقم (٩٥٨)، وقد أخرجه الشافعي (٢/ ٥٩ "ترتيب مسنده") ومن طريقة الحاكم (٤/ ٢٣١)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢) عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
قال الحاكم: (صحيح الإسناد)، ورده الذهبي مشنِّعًا عليه بقوله: (قلت: بالدَّبُّوس!) (١).
وعلة الحديث محمد بن الحسن وهو الشيباني، ويعقوب بن إبراهيم وهو أبو يوسف القاضي، صاحبا أبي حنيفة، وهما وإن كانا فقيهين كبيرين في مذهب الحنفية إلا أنهما ليسا من الإثبات في الرواية، فقد ضعفهما غير واحد من الأئمة، وذكرهما الذهبي في "الضعفاء"، فقال عن محمد بن الحسن: (ضعفه النسائي وغيره)، وقال عن يعقوب: (قال البخاري: تركوه، وقال
стр. 4466
الفلاس: كان أبو يوسف صادقًا كثير الغلط) (١)، ثم إن الحديث فيه علة أخرى وهي تفرد أبي يوسف عن ابن دينار وهو ممن لا يحتمل تفرده.
والحديث أعلَّه البيهقي، فقال: (هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، … وروي من أوجه أُخر ضعيفة، وأصح ما روي فيه حديث هشام بن حسان، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره، وهذا مرسل" (٢).
ورواه ابن حبان (١١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) عن أبي يعلى الموصلي، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن دينار، به.
وفي هذا الإسناد زاد بشر بن الوليد عبيد الله بن عمر (٣)، وبشر بن الوليد متكلم فيه، فقد أثنى عليه الإمام أحمد، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وقال صالح جَزَرَة: (هو صدوق، ولكنه لا يعقل، كان قد خَرِفَ)، وقال الآجُري: سألت أبا داود أبشر بن الوليد ثقة؟ قال: (لا). قال البيهقي عن الإسناد الأول: (كذا رواه -يعني الشافعي- عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، وكأنه رواه محمد بن الحسن للشافعي من حفظه فزلَّ عن ذكر عبيد الله بن عمر في إسناده … )، وقال: (هذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، ورواه الجماعة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته).
وقول الحافظ: (وأصله في "الصحيحين" بغير هذا اللفظ) يشير بذلك إلى
стр. 4467
ما تقدم في كتاب "البيوع" برقم (٧٩٧) وهو حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. رواه البخاري برقم (٢٥٣٥) من طريق شعبة، وبرقم (٦٧٥٦) من طريق سفيان، ومسلم (١٥٠٦) من طريق سليمان بن بلال، ثلاثتهم عن عبد الله بن دينار، سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: …
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الولاء) الولاء: بفتح الواو مع المد، لغة: السلطة والنصرة، ويطلق على القرابة، فيقال: بينهما ولاء؛ أي: قرابة، والمراد هنا: ولاء العتاقة، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، وتقدم هذا.
قوله: (لحمة كلحمة النسب) اللُّحْمة: بضم اللام وسكون الحاء، ويجوز فتح اللام، هي القرابة والعلاقة، وأصل اللَّحمة: بفتح اللام، والضم لغة: خيوط النسيج العرضية في الثوب يُلحم بها السَّدَى وهو ما يُمَدُّ طولًا؛ والمعنى: أن الولاء ارتباط وعلقة بين المعتق وعتيقه كعلقة وارتباط النسب؛ ومعنى تشبيهه بلحمة النسب: أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث، كما تخالط اللحمة سَدَى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد؛ لما بينهما من المداخلة الشديدة (١).
قوله: (لا يباع ولا يوهب) أي: لا يجوز التنازل عنه بثمن ولا بغير ثمن لشخص آخر؛ لأن هذه العصوبة أمر معنوي، كالنسب الذي لا يتأتى انتقاله من شخص إلى شخص آخر، فلو قال: يا فلان بعتك قرابتي من أخي أو وهبتك إياها؛ ما صار أخًا لهذا الشخص، فكذا ولاء العتق.
* الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على النهي عن بيع الولاء وعن هبته؛ لأن الرسول ﷺ شبهه بالنسب، والنسب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض، ووجه التشبيه: أن السيد لما أعتق عبده أخرجه من حيِّز المملوكية التي
стр. 4468
ساوى بها البهائم إلى حيز المالكية التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات والجمادات، فأشبه بذلك الولادة التي هي سبب لإخراج المولود من العلم إلى الوجود وإلى التفرغ لعبادة الله تعالى (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4469
باب المُدَبَّرِ والمُكَاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ
المدبر: بفتح الباء مشددةً بوزن اسم المفعول، من وقع عليه التدبير، وهو مصدر دبر العبد والأمة تدبيرًا، والتدبير في اللغة: النظر في عواقب الأمور.
وشرعًا: تعليق العتق بالموت، سمي تدبيرًا؛ لأنه يعتق بعد ما يدبر سيده؛ أي: يموت، والممات دبر الحياة، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وبهذا راجع للأول (١).
ولفظ التدبير مختص بالعتق بعد الموت، فلا يستعمل في غيره من وصية أو وقف أو غيرهما.
والمكاتب: بفتح التاء هو العبد الذي وقعت عليه الكتابة.
والكتابة لغة: اسم مصدر، بمعنى المكاتبة، يقال: كاتب السيد عبده يكاتبه مكاتبة، وأصل الكتابة: الشيء المكتوب، ثم كثر استعمالها في المكاتبة وإن لم يُكتب شيء.
وشرعًا: شراءُ العبدِ نفسَهُ من سيده.
وذلك بأن يقع عقد بين الرقيق وسيده على أن يدفع الرقيق له مبلغًا من المال نجومًا -أي: أقساطًا- ليصير بذلك حرًّا.
والأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع.
стр. 4470
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ [النور: ٣٣]، وأما السنة فأحاديث الباب، وقد أجمعت الأمة على مشروعية الكتابة.
وأما أم الولد: فهي التي ولدت من سيدها في ملكه، بأن يطأها السيد فتضع ما تبين فيه خلق إنسان، فتعتق بموته من رأس ماله، ولا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء.
стр. 4471
حكم بيع المُدَبَّرِ
١٤٤٠/ ١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيرُهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ ﷺ فَقَال: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمِائَةِ درهم. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفي لَفْظٍ لِلْبُخَارِي: فَاحْتَاجَ. وَفي رِوَايَةٍ للنَّسَائِيِّ: وَكَانَ عَلَيهِ دَينٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأعْطَاهُ، وَقَال: "اقْضِ دَينَكَ".
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم مختصرًا في كتاب "البيوع" برقم (٧٨٧)، وقد رواه البخاري في عدة مواضع من "صحيحه"، ومنها في كتاب "كفارات الأيمان"، باب (عتق المدبر) (٦٧١٦)، ومسلم (٩٩٧) من طريق عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ أن رجلًا من الأنصار دبر مملوكًا له، ولم يكن له مال غيره، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن النَّحام بثمانمائة درهم … هذا لفظ البخاري.
ورواه البخاري في "البيوع"، باب (بيع المزايدة) (٢١٤١) من طريق الحسين المكتب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه.
ورواه النسائي في "الصغرى" (٨/ ٢٤٦)، وفي "الكبرى" (٥/ ٤٤) من طريق محاضر بن المورِّع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن
стр. 4472
جابر بن عبد الله ﵄ قال: أعتق رجل من الأنصار غلامًا له عن دبر وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه النبي ﷺ بثمانمائة درهم فأعطاه، فقال: "اقض دينك، وأنفق على عيالك".
وهذا سند حسن، محاضر بن المورع تكلم فيه أبو حاتم وأحمد، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال النسائي: (ليس به بأس) (١)، وقال ابن عدي: (محاضر هذا قد روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة … ولم أر في رواياته حديثًا منكرًا فأذكره، إذا روى عنه ثقة) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق له أوهام).
لكنه تفرد عن الأعمش بهذه الزيادة على ما في "الصحيحين"، وقد ذكر الإمام مسلم في "التمييز" أن المحفوظ في حديث جابر ﵁ هو ذكر البيع، وأن ما جاء من الزيادات كذكر الدين فَخَطَأٌ لم يحفظ (٣). والحديث رواه البخاري (٢٢٣٠) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل به مختصرًا، بلفظ: أن النبي ﷺ باع المدبر.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (غلامًا له) أي: عبدًا، وأصل الغلام الابن الصغير، وقد يطلق على الرجل باعتبار ما كان، وهذا الغلام كان قبطيًّا اسمه يعقوب، مات في إمارة ابن الزبير.
قوله: (عن دُبُر) بضم الدال والباء؛ أي: بعد موته، وأصل الدبر: خلاف القُبُل من كل شيء، ومنه يقال لآخر الأمر: دُبُر، وأصله ما أدبر عنه الإنسان، ومنه دَبَّرَ الرجل عبده تدبيرًا، إذا أعتقه بعد موته (٤)، بأن يقول السيد لرقيقه: أنت حر بعد موتي.
قوله: (نُعيم بن عبد الله) بضم النون هو نعيم بن عبد الله بن أَسيد -بفتح
стр. 4473
الهمزة- القرشي العدوي المعروف بابن النَّحام (١)، وقد وقع كذلك في رواية للبخاري (٢٢٤٨) وقال القاضي عياض: الصواب إسقاط ابن (٢)، وتبعه النووي وآخرون، فيكون النحام لقبًا لـ (نُعيم) مستدلين بحديث: (دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة من نُعيم)، ورجح الحافظ إثباتها؛ لأن هذا جاء في الروأيات الصحيحة، والحديث المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولعل أباه -أيضًا- كان يقال له النحام.
أسلم قبل عمر ﵁ ولكن لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة؛ لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر قال له قومه: أقم على أي دين شئت، استشهد ﵁ بأجنادين (٣) في آخر خلافة أبي بكر ﵁ سنة ثلاث عشرة، وقيل: في اليرموك (٤) سنة خمس عشرة (٥).
* الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز بيع العبد المدبر قبل موت سيده، وقياسًا على بيع العبد الموصى بعتقه، فإنه جائز إجماعًا (٦).
وظاهر الحديث أن النبي ﷺ باع هذا المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئًا غيره، لما في رواية للبخاري: (أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج … )، وفي الرواية الأخرى: (لم يكن له مال غيره)، والقول بأنه لا يباع إلا لحاجة من دين أو نفقة هو قول الحسن وعطاء، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن دقيق العيد (٧).
стр. 4474
والقول الثاني: جواز بيعه مطلقًا، سواء باعه لحاجة أم لا، وهذا قول الشافعي، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (١)، قالوا: إنه لما جاز بيعه في صورة من صور البيع؛ جاز في كل صورة؛ ولأنه شبيه بالوصية التي يجوز الرجوع عنها ما دام الموصي في حال الحياة.
وأجابوا عن قوله: (فاحتاج) بأنه لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكره لبيان السبب في المبادرة لبيعه، ليتبين للسيد جواز البيع، ولولا الحاجة لكان عدم البيع أولى.
والقول الثالث: أنه لا يجوز بيع المدبر، وهو قول ابن عمر وسعيد بن المسيب والشعبي وآخرين، وهو قول أبي حنيفة ومالك (٢)؛ لأن المدبر استحق العتق بموت سيده فأشبه أم الولد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
والقول الأول فيه وجاهة كما ترى؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة (٣).
* الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية التدبير وصحته، وهذا أمر متفق عليه، لكن الخلاف في نفوذه، هل هو من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب الجمهور إلى أنه يحسب من الثلث، قياسًا على الوصية بجامع النفوذ بعد الموت.
وذهبت الظاهرية وجماعة من السلف إلى أنه يحسب من رأس المال، قياسًا على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان من ماله في حياته (٤)، والقول الأول أقوى، لقوة مأخذه.
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه ينبغي لمن ليس عنده سعة في الرزق وبسطة في المال أن يهتم بنفسه ومن يعول من زوجته وأولاده فهم
стр. 4475
أولى من غيرهم، وقد جاء في هذا الحديث عند مسلم زيادة: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك). أما من وسع الله عليه في رزقه فعليه أن يغتنم الفرص وينفق في طرق الخير، قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].
* الوجه السادس: في نظر النبي ﷺ في مصلحة هذا الرجل وبيعه مدبره دليل على مشروعية نظر الإمام أو من ينيبه في مصالح رعيته وأمره إياهم بما فيه الرفق لهم وبإبطال ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها (١)، والله أعلم.
стр. 4476
حكم المكاتب يؤدي بعض كتابته
١٤٤١/ ٢ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَال: "الْمُكَاتبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيهِ مِنْ مُكَاتبَتِهِ دِرْهَمٌ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بإسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثةِ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ.
* الكلام عليه من وجهين:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أبو داود في أول كتاب "العتق"، بابٌ (في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجز أو يموت) (٣٩٢٦) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثني سليمان بن سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.
وهذا سند حسن -كما قال الحافظ- لما تقدم في عدة مواضع من أن مرويات عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من قبيل الحديث الحسن إذا لم ينفرد بأصل لم يروه غيره، ولم يخالف من هو أوثق منه.
وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذه منها، وسليمان بن سليم الشامي القاضي بحمص، ثقة عابد -كما في "التقريب".
وروى الحديث أحمد (١١/ ٣٣٧)، وأبو داود (٣٩٢٧) في الموضع السابق، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٥٢ - ٥٣)، والحاكم (٢/ ٢١٨) كلهم من طريق همام، حدثنا عباس الجُريري، ورواه الترمذي (١٢٦٠) من طريق يحيى بن أبي أُنيسة، والنسائي (٥/ ٥٢)، وابن ماجه (٢٥١٩) من طريق حجاج، ثلاثتهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواقٍ فهو عبد، وأيما عبد
стр. 4477
كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد". ولفظ الترمذي وابن ماجه والنسائي في الموضع الثاني أخصر.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد) وسكت عنه الذهبي، وعباس الجُريري -بضم الجيم- ثقة، روى له الجماعة (١)، والحجاج -وهو ابن أرطاة- مدلس، ويحيى بن أبي أُنيسة ضعيف، وقد نقل البيهقي عن الشافعي ما يدل على ضعف هذا الحديث (٢).
* الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء فهو عبد تجري عليه أحكام الرقيق، وهذا مذهب الجمهور (٣)، وهو مروي عن عمر وزيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة ﵃، وجماعة من التابعين (٤).
ومما يؤيد ذلك حديث عائشة ﵄ في قصة بريرة، فإن بريرة قد بيعت على عائشة ﵂ بعد أن كاتبت، ولو كان المكاتب يصير بنفس الكتابة حرًّا لامتنع بيعها (٥).
وعلى هذا فلو مات العبد قبل استكمال أداء دين الكتابة ولو قليلًا فهو رقيق، ماله الذي وراءه كله لسيده، وكذا لو قتل فهو رقيق يُضمن بقيمته (٦). وفي المسألة خلاف تراجع له الكتب المطولة، وبعضه يأتي في الحديث الذي بعد هذا، وقد ذكر ابن القيم في المسألة ستة أقوال (٧). والله تعالى أعلم.
стр. 4478
حكم المكاتب عنده ما يؤدي
١٤٤٢/ ٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُن مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحِّحَهُ التِّرْمذِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٤٤/ ٧٣)، وأبو داود في كتاب "العتق"، بابٌ (في المكاتب يؤدي بعض كتابته … ) (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١)، والنسائي في "الكبرى" (٥/ ٥٤)، وابن ماجه (٢٥٢٠) من طريق الزهري، قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وفي سنده نبهان -وهو مولى أم سلمة ومكاتبها- وهو مجهول، لم يذكروا في الرواة عنه إلا الزهري (١)، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، مع أن الدارقطني لما ذكر في "العلل" طريق محمد بن عبد الرحمن عن نبهان، أفاد: أنه غير محفوظ، والمحفوظ عن الزهري (٢)، وقال الإمام أحمد: (نبهان روى حديثين عجيبين؛ يعني: هذا الحديث، وحديث: "أفعمياوان أنتما؟ ")، وقال ابن حزم: (لا يوثَّق)، وقال ابن عبد البر: (مجهول)، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وهذا من تساهله، وقال الحافظ في "التقريب": (مقبول)، أي: حيث يتابع وإلا فهو لين، وقد تفرد بهذا الحديث فلم يتابع.
стр. 4479
* الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: إن المكاتب إذا كان معه من المال ما يفي بما عليه من دين الكتابة فإن مولاته التي كاتبته تحتجب منه؛ لأنه قد صار حرًّا، وإن لم يكن سلم هذا المال إليها، وهذا أحد الأقوال في مسألة المكاتب يؤدي بعض ما عليه، وهو أنه إذا ملك ما يؤدي عتق بنفس ملكه قبل أدائه، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١)، وعلى هذا القول فلو مات بعد ملكه ما يؤدي قبل الأداء مات حرًّا، يُدفع إلى سيده مقدار كتابته والباقي لورثته، وهذا الحديث معارض لحديث عمرو بن شعيب المتقدم؛ لأن ظاهر هذا أن العبد له حكم الحر إذا كان عنده ما يؤدي به دين الكتابة، وحديث عمرو يدل على أنه رقيق ما بقي عليه درهم.
* الوجه الثالث: ظاهر الأمر بالاحتجاب الوجوب.
والقول الثاني: أن الأمر بالاحتجاب منه للندب، والصارف له حديث عمرو بن شعيب، فإنه قد دل على أن حكم المكاتب قبل تسليم جميع مال الكتابة حكم العبد، والعبد يجوز له النظر إلى سيدته كما هو مذهب أكثر السلف (٢).
والصواب أنه لا يكون حكمه حكم الأحرار بمجرد وجوده لما يؤدي، بل هو عبد ما بقي عليه درهم، فكيف إذا كان دين الكتابة كله عنده لم يؤد منه شيئًا؟!
وحديث أم سلمة ضعيف لا يعتمد عليه لما تقدم، والمعول على حديث عمرو بن شعيب.
ومما يدل على ضعف حديث أم سلمة عمل عائشة ﵄ بخلافه، فقد روى ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يسار، عن عائشة ﵄ قال: استأذنت عليها، فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان بن يسار، قالت: كم عليك من مكاتبتك؟ قلت: عشر أواق، قالت: ادخل، فإنك عبد ما بقي عليك درهم (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 4480
ما جاء في دية المكاتب
١٤٤٣/ ٤ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: "يُوْدَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبَقَدْرِ مَا رقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث رواه أحمد (٣/ ٤١٥) (٤/ ١٨٦)، وأبو داود في كتاب "الديات"، بابٌ (في دية المكاتب) (٤٥٨١)، والنسائي (٨/ ٤٦) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في المكاتب: "يعتق منه بقدر ما أدى دية الحر، وبقدر ما رق منه دية العبد" هذا لفظ أحمد في الموضع الأول، وفي الموضع الثاني بلفظ "البلوغ" (١).
وهذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنه معلول؛ لأنه قد اختلف في وصله وإرساله (٢)، فإن هذا الحديث مداره على عكرمة مولى ابن عباس ﵄، وقد رواه عنه يحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد القطان، وخالد الحذاء، وفي أسانيده اختلاف كثير.
فقد روي عن عكرمة موصولًا بذكر ابن عباس كما تقدم، وروي عن عكرمة مرسلًا ليس فيه ابن عباس، وروي عن عكرمة من قوله، كما روي عن عكرمة بذكر علي ﵁، وروي عنه عن علي موقوفًا.
стр. 4481
وقد أعل البخاري رواية عكرمة، عن ابن عباس مشيرًا إلى الاختلاف، فإن الترمذي لما سأله عن هذا الإسناد، قال: (روى بعضهم هذا الحديث عن عكرمة، عن علي) (١)، وقال البيهقي: (حديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه (٢)، وهذا المذهب إنما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو أنه يعتق بقدر ما أدى، وفي ثبوته عن النبي ﷺ نظر، والله أعلم) (٣).
وهذا الموقوف رواه النسائي في "الكبرى" (٥/ ٥٢)، وابن أبي شيبة (٩/ ٣٩٦) من طريق إسماعيل بن علية، وعبد الرزاق (٨/ ٤١٢) عن معمر، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة، عن علي ﵁ قال: (يُوْدَى المكاتب بقدر ما أدى) هذا لفظ إسماعيل، ولفظ معمر: (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى).
ورواه النسائي في "الكبرى" (٥/ ٥٢) من طريق سفيان، عن خالد، عن عكرمة، عن علي ﵁ قال: (إذا أدى النصف فهو غريم) (٤)، وقد علق الترمذي رواية خالد هذه في "جامعه" (٢/ ٥٣٨).
فاتفاق اثنين من أصحاب عكرمة وهما: أيوب وخالد الحذاء على وقفه على علي ﵁ يؤيد كلام البيهقي، لكن رواية عكرمة عن علي معلولة بالإرسال، فقد قال أبو زرعة: (عكرمة عن علي ﵁ مرسل) (٥)، ومثل هذا قال البيهقي.
لكن رواه النسائي (٨/ ٤٦) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، عن علي ﵁، ورواه عبد الرزاق (٨/ ٤١٠) عن معمر، عن قتادة، أن عليًّا (٦) قال في المكاتب: (يورث بقدر ما أدى، ويجلد الحد بقدر ما أدى، ويعتق بقدر ما أدى، وتكون ديته بقدر ما أدى)، وقال زيد بن ثابت:
стр. 4482
(هو عبد ما بقي عليه درهم)، وهذا السياق لعبد الرزاق، وقد تُكُلِّم في رواية حماد ومعمر عن قتادة (١).
وروى عبد الرزاق (٨/ ٤٠٦)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٦) عن سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن الشعبي أن عليًّا قال في المكاتب يعجز قال: يعتق بالحساب …
فمجيء الحديث عن علي ﵁ من طريق خلاس وهو ابن عمرو الهَجَري، وهو ثقة -كما في "التقريب"- وطريق الشعبي يؤيد رجحان الوقف على علي ﵁. مما يدل على تضعيف كون الحديث مرفوعًا، كما تقدم في كلام البيهقي.
* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يودى) بضم الياء وسكون الواو وتخفيف الدال مضارع مبني لما لم يسم فاعله من ودى يدي دية: أي يعطى دية المكاتب.
قوله: (بقدر ما عتق منه) أي: بحصة ما صار منه حرًّا بأداء بعض نجوم الكتابة.
قوله: (دية الحرِّ) بالنصب على أنه مفعول ثان.
قوله: (وبقدر ما رقَّ منه) أي: ويعطى المكاتب دية العبد بقدر ما بقي منه عبدًا، فإذا قتل مكاتب وقد أدى نصف كتابته، فله نصف دية الحر ونصف دية العبد.
* الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المكاتب إذا أدى بعض أقساط دين الكتابة أنه يكون مبعضًا، بعضه حر وبعضه رقيق، ويثبت له من الحرية بقدر ما أدى، ويترتب على ذلك تبعض أحكامه، ومنها أنه إذا قتل فإن فيه دية حر ودية رقيق، بقدر ما فيه من الحرية وما بقي فيه من الرق، فمن نصفه حر ونصفه رقيق يكون على قاتله نصف دية حر ونصف قيمته.
стр. 4483
والقول بأن المكاتب إذا أدى بعض نجوم الكتابة يعتق، وتكون ديته بقدر ما أدى هو قول علي ﵁، كما تقدم، وتقدم مذهب الجمهور وهو أنه لا يثبت له شيء من أحكام الأحرار لا دية ولا غيرها حتى يستكمل حريته.
وهذا الحديث معارض لحديث عمرو بن شعيب الدال على أنه عبد ما بقي عليه درهم، مما يفيد أنه لا يتبعض لا في الدية ولا في غيرها، وعلى هذا فالأظهر البقاء على حديث عمرو بن شعيب حتى يرد دليل واضح لا شبهة فيه يقتضي التبعيض فيما لو قتل، وكذا الحد وغيره من الأحكام (١). والله تعالى أعلم.
стр. 4484
ما جاء في أن النبي ﷺ لم يترك رقيقًا
١٤٤٤/ ٥ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ -أَخِي جُوَيرِيةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ ﵄ قَال: مَا تَرَكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيئًا إلا بَغْلَتَهُ الْبَيضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
* الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي المصطلقي أخو جويرية بنت الحارث أم المؤمنين زوج النبي ﷺ و ﵄، له ولأبيه صحبة، عداده في أهل الكوفة، وكان أبوه صهر عبد الله بن مسعود ﵁، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه الحارث بن أبي ضرار، وعن أخته جويرية، وابن مسعود ﵃، وروى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود (١). قال الحافظ في "التقريب": (هو صحابي قليل الحديث بقي إلى بعد الخمسين) ﵁.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الوصايا"، باب (الوصايا وقول النبي ﷺ : "وصية الرجل مكتوبة عنده") (٢٧٣٩) من طريق زهير بن معاوية الجعفي، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الحارث ﵁.
стр. 4485
ورواه -أيضًا- في "الجهاد" (٢٨٧٣) من طريق يحيى، حدثنا سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق قال: سمعت عمرو بن الحارث … الحديث.
قال الحافظ: (وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من عمرو بن الحارث في الخمس من هذا الكتاب) (١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أخي جويرية أم المؤمنين) أخي: بالجر عطف بيان لعمرو، وأم المؤمنين: أي في الحرمة والاحترام، ووجوب الإكرام والتوقير والإعظام (٢). وجويرية: بالضم، هي بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جُذيمة، وجذيمة: هو المصطلق بن عمرو، سباها النبي ﷺ في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق سنة خمس أو ست -كما تقدم في الجهاد- وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس ﵁، فكاتبها، فقضى عنها النبي ﷺ كتابتها، ثم أعتقها وتزوجها، وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برة، فَحَوَّلَ رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة (٣).
وسيرد لها ذكر في أحاديث (الذكر والدعاء) من كتاب "الجامع"، ماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين، ولها خمس وستون سنة ﵂ (٤).
قوله: (ما ترك إلا بغلته البيضاء … ) هذا الحصر إضافي؛ لأنه ﷺ قد ترك ثيابًا ومتاع بيته، لكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر.
قوله: (ولا عبدًا ولا أمة) أي: ولا ترك رقيقًا باقيًا على رقه، بل جميع ما ذكر في الأخبار من أرقاء النبي ﷺ إما مات وإما أعتقه.
قوله: (ولا شيئًا) هذا تعميم بعد تخصيص؛ أي: ولا شاة ولا بعيرًا،