← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وقد أعل البخاري رواية عكرمة، عن ابن عباس مشيرًا إلى الاختلاف، فإن الترمذي لما سأله عن هذا الإسناد، قال: (روى بعضهم هذا الحديث عن عكرمة، عن علي) (١)، وقال البيهقي: (حديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه (٢)، وهذا المذهب إنما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو أنه يعتق بقدر ما أدى، وفي ثبوته عن النبي ﷺ نظر، والله أعلم) (٣). وهذا الموقوف رواه النسائي في "الكبرى" (٥/ ٥٢)، وابن أبي شيبة (٩/ ٣٩٦) من طريق إسماعيل بن علية، وعبد الرزاق (٨/ ٤١٢) عن معمر، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة، عن علي ﵁ قال: (يُوْدَى المكاتب بقدر ما أدى) هذا لفظ إسماعيل، ولفظ معمر: (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى). ورواه النسائي في "الكبرى" (٥/ ٥٢) من طريق سفيان، عن خالد، عن عكرمة، عن علي ﵁ قال: (إذا أدى النصف فهو غريم) (٤)، وقد علق الترمذي رواية خالد هذه في "جامعه" (٢/ ٥٣٨). فاتفاق اثنين من أصحاب عكرمة وهما: أيوب وخالد الحذاء على وقفه على علي ﵁ يؤيد كلام البيهقي، لكن رواية عكرمة عن علي معلولة بالإرسال، فقد قال أبو زرعة: (عكرمة عن علي ﵁ مرسل) (٥)، ومثل هذا قال البيهقي. لكن رواه النسائي (٨/ ٤٦) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، عن علي ﵁، ورواه عبد الرزاق (٨/ ٤١٠) عن معمر، عن قتادة، أن عليًّا (٦) قال في المكاتب: (يورث بقدر ما أدى، ويجلد الحد بقدر ما أدى، ويعتق بقدر ما أدى، وتكون ديته بقدر ما أدى)، وقال زيد بن ثابت:

стр. 4482

(هو عبد ما بقي عليه درهم)، وهذا السياق لعبد الرزاق، وقد تُكُلِّم في رواية حماد ومعمر عن قتادة (١). وروى عبد الرزاق (٨/ ٤٠٦)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٦) عن سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن الشعبي أن عليًّا قال في المكاتب يعجز قال: يعتق بالحساب … فمجيء الحديث عن علي ﵁ من طريق خلاس وهو ابن عمرو الهَجَري، وهو ثقة -كما في "التقريب"- وطريق الشعبي يؤيد رجحان الوقف على علي ﵁. مما يدل على تضعيف كون الحديث مرفوعًا، كما تقدم في كلام البيهقي. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يودى) بضم الياء وسكون الواو وتخفيف الدال مضارع مبني لما لم يسم فاعله من ودى يدي دية: أي يعطى دية المكاتب. قوله: (بقدر ما عتق منه) أي: بحصة ما صار منه حرًّا بأداء بعض نجوم الكتابة. قوله: (دية الحرِّ) بالنصب على أنه مفعول ثان. قوله: (وبقدر ما رقَّ منه) أي: ويعطى المكاتب دية العبد بقدر ما بقي منه عبدًا، فإذا قتل مكاتب وقد أدى نصف كتابته، فله نصف دية الحر ونصف دية العبد. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المكاتب إذا أدى بعض أقساط دين الكتابة أنه يكون مبعضًا، بعضه حر وبعضه رقيق، ويثبت له من الحرية بقدر ما أدى، ويترتب على ذلك تبعض أحكامه، ومنها أنه إذا قتل فإن فيه دية حر ودية رقيق، بقدر ما فيه من الحرية وما بقي فيه من الرق، فمن نصفه حر ونصفه رقيق يكون على قاتله نصف دية حر ونصف قيمته.

стр. 4483

والقول بأن المكاتب إذا أدى بعض نجوم الكتابة يعتق، وتكون ديته بقدر ما أدى هو قول علي ﵁، كما تقدم، وتقدم مذهب الجمهور وهو أنه لا يثبت له شيء من أحكام الأحرار لا دية ولا غيرها حتى يستكمل حريته. وهذا الحديث معارض لحديث عمرو بن شعيب الدال على أنه عبد ما بقي عليه درهم، مما يفيد أنه لا يتبعض لا في الدية ولا في غيرها، وعلى هذا فالأظهر البقاء على حديث عمرو بن شعيب حتى يرد دليل واضح لا شبهة فيه يقتضي التبعيض فيما لو قتل، وكذا الحد وغيره من الأحكام (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4484

ما جاء في أن النبي ﷺ لم يترك رقيقًا ١٤٤٤/ ٥ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ -أَخِي جُوَيرِيةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ ﵄ قَال: مَا تَرَكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيئًا إلا بَغْلَتَهُ الْبَيضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي المصطلقي أخو جويرية بنت الحارث أم المؤمنين زوج النبي ﷺ و ﵄، له ولأبيه صحبة، عداده في أهل الكوفة، وكان أبوه صهر عبد الله بن مسعود ﵁، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه الحارث بن أبي ضرار، وعن أخته جويرية، وابن مسعود ﵃، وروى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود (١). قال الحافظ في "التقريب": (هو صحابي قليل الحديث بقي إلى بعد الخمسين) ﵁. * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في مواضع من "صحيحه"، وأولها في كتاب "الوصايا"، باب (الوصايا وقول النبي ﷺ : "وصية الرجل مكتوبة عنده") (٢٧٣٩) من طريق زهير بن معاوية الجعفي، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الحارث ﵁.

стр. 4485

ورواه -أيضًا- في "الجهاد" (٢٨٧٣) من طريق يحيى، حدثنا سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق قال: سمعت عمرو بن الحارث … الحديث. قال الحافظ: (وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من عمرو بن الحارث في الخمس من هذا الكتاب) (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أخي جويرية أم المؤمنين) أخي: بالجر عطف بيان لعمرو، وأم المؤمنين: أي في الحرمة والاحترام، ووجوب الإكرام والتوقير والإعظام (٢). وجويرية: بالضم، هي بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جُذيمة، وجذيمة: هو المصطلق بن عمرو، سباها النبي ﷺ في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق سنة خمس أو ست -كما تقدم في الجهاد- وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس ﵁، فكاتبها، فقضى عنها النبي ﷺ كتابتها، ثم أعتقها وتزوجها، وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برة، فَحَوَّلَ رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة (٣). وسيرد لها ذكر في أحاديث (الذكر والدعاء) من كتاب "الجامع"، ماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين، ولها خمس وستون سنة ﵂ (٤). قوله: (ما ترك إلا بغلته البيضاء … ) هذا الحصر إضافي؛ لأنه ﷺ قد ترك ثيابًا ومتاع بيته، لكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر. قوله: (ولا عبدًا ولا أمة) أي: ولا ترك رقيقًا باقيًا على رقه، بل جميع ما ذكر في الأخبار من أرقاء النبي ﷺ إما مات وإما أعتقه. قوله: (ولا شيئًا) هذا تعميم بعد تخصيص؛ أي: ولا شاة ولا بعيرًا،

стр. 4486

ولا شيئًا مما يتمول، وفي حديث عائشة ﵂: (ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء) (١). قوله: (إلا بَغْلَتَهُ البيضاء) البَغْلُ: هو الحيوان المولد من فرس أنثى وحمار، وهذه البَغْلَةُ هي التي أهداها المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبي ﷺ ، وهي التي كان يختص بركوبها واسمها دلدل، وكان له بغال أُخر (٢). قوله: (وسلاحه) أي: ما خلَّفه من السلاح من درع ومغفر وسيف ونحوها مما هو مذكور في كتب السير (٣). قوله: (وأرضًا جعلها صدقة) الضمير يعود للأرض، والجملة صفة؛ أي: جعلها صدقة حال حياته، لما جاء في رواية للبخاري في "الجهاد" من طريق سفيان، عن أبي إسحاق: (وأرضًا بخيبر جعلها صدقة) (٤)، وفي رواية من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: (وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة) (٥)، ولم يضف الأرض إليه كسابقيها؛ لاختصاصهما به دونها؛ لأن غلتها كانت عامة له ولغيره من عياله وفقراء المسلمين، وأراد بها أرض بني النضير أو فَدَكَ، أو سهم خيبر، أو الكل. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على ما كان عليه النبي ﷺ من التقلل من الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها، ولذا توفي ﷺ وما عنده شيء من الدنيا إلا بغلته التي كان يركبها، وسلاحه الذي كان يقاتل به، والأرض التي جعلها صدقة، وقد جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا أَرْصُدُهُ لدين" (٦). وهذا يدل على أنه ﷺ

стр. 4487

لم يكن جماعًا للدنيا، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان ﷺ يدخر نفقة أهله سنة، ومع ذلك ينفق منها النفقة الكثيرة حتى تنتهي قبل السنة. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومُؤنة عاملي فهو صدقة" (١). وعن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا نورث ما تركناه صدقة" (٢). وروى البخاري بسنده عن عروة، عن عائشة أن فاطمة والعباس ﵄ أتيا أبا بكر ﵁ يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فَدَكَ وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال" (٣). الوجه الخامس: ذكر الحافظ هذا الحديث في هذا الباب للاستدلال به على أن أم الولد تعتق بموت سيدها، بناءً على أن النبي ﷺ توفي وخلف مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ التي توفيت في أيام عمر ﵁، فدل على أنها عتقت بوفاته ﷺ ، وهذا ليس بصريح؛ فإنه يحتمل أنه ﷺ أعتقها في حياته بعد ما ولدت إبراهيم، لكن تبقى دلالة الحديث على أنه ﷺ كان يحرص على عتق رقيقه وتحريرهم، وأن جميع ما ذكر في الأخبار من أرقاء النبي ﷺ إما أن يكون قد مات قبل النبي ﷺ ، وإما أن الرسول ﷺ قد أعتقه، والله تعالى أعلم.

стр. 4488

ما جاء في أن أم الولد تعتق بموت سيدها ١٤٤٥/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سيِّدها فَهِيَ حرّة بَعدَ مَوْتهِ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁. * الكلام مع عليه من وجهين: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه ابن ماجه في كتاب "العتق"، باب (أمهات الأولاد) (٢٥١٥)، وأحمد (٤/ ٤٨٤)، والحاكم (٢/ ١٩) من طريق شريك، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: أيما امرأة ولدت من سيدها … الحديث. وهذا لفظ الحاكم، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد) فتعقبه الذهبي بقوله: (قلت: حسين متروك). فهذا الحديث إسناده ضعيف، كما قال الحافظ، بل هو ضعيف جدًّا؛ لأن فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وقد ضعفه أكثر أصحاب الحديث -كما يقول البيهقي (١) - قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف، حسين بن عبد الله تركه علي بن المديني وأحمد بن حنبل والنسائي، وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاري: يقال: إنه كان يتهم بالزندقة) (٢)، وقال الحافظ في "التقريب": (ضعيف جدًّا). وفيه -أيضًا- شريك، وهو ابن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ؛

стр. 4489

لكنه لم ينفرد به، فقد توبع، فقد رواه الدارقطني (٤/ ١٣١) من طريق الفضل بن موسى، عن سفيان الثوري، عن حسين بن عبد الله به. وهذا يدل على أن شريكًا قد حفظه، فانحصرت العلة في حسين بن عبد الله، قال ابن عبد البر: (لا يصح من جهة الإسناد؛ لأنه انفرد به حسين بن عبد الله … وحسين هذا ضعيف متروك الحديث) (١). وروى مالك في "الموطأ" (٢/ ١٣١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورِّثها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة)، ورواه البيهقي (١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣) من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر ﵄، قال البيهقي: (وغلط فيه بعض الرواة … فرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو وهم لا يحل ذكره) وسبقه إلى هذا الدارقطني فقال عن وقفه: (إنه هو الصواب)، وتقدم هذا في "البيوع" عند الحديث (٧٩٢). ورواه البيهقي (١٠/ ٣٤١) من طريق خُصيف الجزري، عن عكرمة، عن عمر ﵁ بمثله، وله طرق أخرى عند الدارقطني (٤/ ١٣٤)، والبيهقي. وقد رجح الدارقطني والبيهقي وعبد الحق وغيرهم وقفه على عمر ﵁، وكذا قال الحافظ في "التلخيص" (٢). الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن السيد إذا وطئ أمته صارت أم ولد، بشرط أن تضع ما تبين فيه خلق آدمي سواء أكان حيًّا أم ميتًا، وتكون حرة بعد وفاة سيدها تعتق عتقًا قهريًّا من رأس المال، فهي مقدمة على كل شيء حتى الدين والوصية. وقد تقدم في "البيوع" الكلام على بيع أم الولد مستوفى، والحمد لله رب العالمين.

стр. 4490

ما جاء في فضل إعانة المكاتب ١٤٤٦/ ٧ - عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا في عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكاتَبًا في رَقَبَتِهِ، أَظلهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ". رَوَاهُ أَحمَدُ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو سهل بن حُنيف بن واهب الأنصاري الخزرجي ﵁، يكنى أبا أسعد أو أبا عبد الله، كان من السابقين، شهد بدرًا، وثبت يوم أُحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذٍ على الموت، وشهد الخندق والمشاهد كلها، روى عنه ابناه: أبو أمامة أسعد (١)، وعبد الله، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم، استخلفه علي ﵁ على البصرة بعد الجمل، ثم شهد معه صفين، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وتقدم في "الجنائز" (٢) أن عليًّا ﵁ صلى عليه وكبر ستًّا وقال: إنه بدري، رواه عبد الرزاق وغيره، والحديث في "صحيح البخاري" وليس فيه ذكر العدد (٣). * الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه أحمد (٢٥/ ٣٦٢) من طريق عبد الله بن عمرو، والحاكم (٢/ ٨٩ - ٩٠، ٢١٧) من طريق زهير بن محمد، وعمرو بن ثابت،

стр. 4491

ثلاثتهم عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، عن أبيه مرفوعًا. قال الحاكم في الموضع الثاني: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، فتعقبه الذهبي بقوله: (بل عمرو رافضي متروك). فهذا سند ضعيف؛ لأن مداره على عبد الله بن سهل بن حنيف، وهو في عداد المجاهيل لم يرو عنه سوى عبد الله بن عقيل، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، قال الهيثمي: (عبد الله بن سهل بن حنيف لم أعرفه) (١)، وكذا قال أبو زرعة العراقي (٢). وعبد الله بن عقيل تقدم الكلام عليه في أكثر من موضع، وقد قال فيه الذهبي بعد أن ساق جملة من أقوال الأئمة فيه: (حديثه في مرتبة الحسن) (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بِأَخَرَة). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أو غارمًا) اسم فاعل من غرمت الدية والدين أغرم غُرمًا وغرامة من باب تعب: أديته (٤)، وأصل الغرم في اللغة: اللزوم، وسمي الغارم غارمًا؛ لأن الدين قد لزمه، والغارم هو المدين إما لإصلاح ذات البين، وهذا لا تشترط عسرته، وإما غارم لنفسه، وهو من نزلت به مصيبة في المال لا يستطيع احتمالها، كوجوب دين عليه في نفقة أو زواج أو علاج أو نحو ذلك، وهذا تشترط عسرته. قوله: (أو مكاتبًا في رقبته) هذا على حذف مضاف؛ أي: في تحرير رقبته، وذلك بإعانته على سداد دين الكتابة. قوله: (أظله الله يوم لا ظل إلا ظله) هذه الإضافة للتشريف كبيت الله، وهذا ظل حقيقي فلا يمس هؤلاء حر الشمس ولا وهجها، ولا أحد يملك

стр. 4492

الظل غيره في ذلك اليوم، وقد مضى الكلام على ذلك في كتاب "الزكاة" عند الحديث (٦٣١). الوجه الرابع: يستدل الفقهاء بهذا الحديث -ومنهم فقهاء الشافعية- في باب "الكتابة" على فضل إعانة المكاتب على سداد ديون كتابته (١). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف" (٢). وقد نص الفقهاء على أنه يستحب للسيد أن يضع عن مكاتبه ربع مال الكتابة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وعللوا للاستحباب بأن الكتابة عقد معاوضة، فلا يجب فيه الإيتاء، كسائر عقود المعاوضات. وقال الشافعي وإسحاق بوجوب حَطِّ الربع، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وظاهر الأمر الوجوب، وقد ورد عن علي ﵁ أنه قال في تفسير هذه الآية: (يُحطُّ عنه الربع) (٤). وظاهر الآية أن ذلك لا يتقدر بقدر معين. والقول الثاني: أن المراد بالآية إعطاء المكاتب من الزكاة ما يستعين به على التحرر من الرق، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن جرير (٥). وأما المجاهد فقد تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة في فضل الإنفاق

стр. 4493

في سبيل الله وإعانة الغزاة، وفي حديث زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا" (١)، وقد تقدم في أول "الجهاد" الكلام على ذلك. وأما إعانة الغارم في عسرته فهو داخل في عموم قوله ﷺ : "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٢). والله تعالى أعلم. انتهى الجزء التاسع وبليه -بعون الله وتوفيقه- الجزء العاشر وأوله: كتاب "الجامع"

стр. 4494

كتاب الجامع باب الأدب هذا الكتاب عقده الحافظ المجموعة من الأبواب، ذكر تحتها مائة وواحدًا وثلاثين حديثًا في الآداب، ومساوئ الأخلاق، والبر والصلة، والزهد والورع، والذكر والدعاء. وذلك أن الحافظ لما جمع أحاديث الأحكام الشرعية مرتبة على الأبواب الفقهية رأى أن يلحق بذلك كتابًا جامعًا يورد فيه الأحاديث التي يحتاجها المؤمن -ولا سيما طالب العلم- في باب الآداب وتوابعه. والأدب لغة: بفتح الهمزة والدال مصدر أَدِبَ الرجل -بكسر الدال وضمها لغة- إذا صار أديبًا في خلق أو علم. ومادة (أدَبَ) تؤذن بالاجتماع، ومن معانيها الدعاء وتجميع الناس إلى الطعام، والآدِب هو الداعي، وسمي الآدِبُ بهذا؛ لأنه يأَدِبُ الناس ويدعوهم إلى المحامد وينهاهم عن القبائح. أما في الاصطلاح: فقد تنوعت عبارة العلماء في تعريفه وهي تكاد تلتقي عند معنى واحد، قال أبو زيد الأنصاري: (الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل)، وقال ابن القيم: (حقيقة الأدب: استعمال الخلق الجميل)، وقال الحافظ ابن حجر: (استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا) (١).

стр. 4495

ولقد أحسن الحافظ في هذا المنهج وأجاد، فإن العلماء قد اهتموا بهذا الباب اهتمامًا عظيمًا، بل أفردوه في مصنفات مستقلة مثل: "الأدب المفرد" للبخاري، و"مكارم الأخلاق" و"مساوئ الأخلاق" وهما للخرائطي، و"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" لابن حبان، وغيرها كثير، ووجه عناية العلماء بهذا النوع من العلم أن الأدب يحتاج إلى معرفته أو معرفة كثير منه كل مؤمن حريص على اكتساب الفضائل والبعد عن الرذائل. فينبغي لطالب العلم خصوصًا ولكل مؤمن عمومًا أن يأخذ بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، وأن يبتعد عن مناقصها ومفاسدها، وأن يكون قدوة لغيره في المحافظة على ما جاءت به الشريعة في هذا الباب، وفي هذا تصفية السلوك، وتهذيب الأخلاق، وتقويم العادات، وإصلاح الأفراد والمجتمعات. يقول عبد الله بن المبارك ﵀: (من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة) (١). ويقول ابن القيم: (أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبَوَاره، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلب حرمانها بمثل قلة الأدب) (٢).

стр. 4496

ما جاء في حق المسلم على أخيه ١٤٤٧/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَسَمِّتْهُ، وَإذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "السلام"، بابٌ (مِنْ حق المسلم للمسلم رَدُّ السلام) (٢١٦٢) (٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. ورواه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) (٤) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حق المسلم على المسلم خمس … " وذكرها بدون: "وإذا استنصحك فانصحه". * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (حق المسلم) المراد بالحق هنا: الأمر المطلوب على وجه التأكيد، بحيث لا ينبغي تركه، وهو بهذا يعم وجوب العين والكفاية والندب (١). قوله: (ست) أي: ست خصال، وهذا لا ينافي رواية الخمس، إما لأن

стр. 4497

العدد لا مفهوم له ما لم يوجد قرينة، كما هو مقرر في الأصول؛ لأن للمسلم على أخيه حقوقًا كثيرة يجمعها قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١)، وأحاديث أخرى. وإما لأن محل العمل بمفهوم العدد ما لم يعلم خلافه، فإن علم خلافه بأدلة أخرى لم يعمل به، وذلك لأن الحقوق المتأكدة كثيرة، على أنه قد يقال بترجيح رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ لإمامته ولاتفاق الشيخين عليها. واقتصر على ما ذكر، إما لأنها المشروعة إذ ذاك وما عداها شرع بعد، وإما لأنها الأنسب بحال السامعين لشدة احتياجهم إليها (٢). قوله: (إذا لقيته فسلم عليه) أي: ابدأه بالسلام ندبًا عينيًّا إن كنت وحدك، وإلا فعلى الكفاية على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله-. قوله: (وإذا دعاك فأجبه) أي: إذا دعاك لحضور وليمة أو غيرها فأجب دعوته، ويحتمل العموم فيشمل حتى الدعوة لمساعدته ومعاونته على حمل شيء ونحو ذلك. قوله: (وإذا استنصحك فانصحه) السين والتاء للطلب؛ أي: طلب منك النصح، وهو الدعاء إلى ما فيه صلاح المنصوح قولًا أو فعلًا (٣). وقوله: (فانصحه) هكذا في نسخ "البلوغ"، والذي في "صحيح مسلم": (فانصح له) وهي اللغة الفصيحة التي نزل بها القرآن، قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدى بنفسه، فيقال: فانصحه. والنصيحة: مشتقة من نَصَحَ الرجل ثوبه: إذا خاطه، أو من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، وسيأتي مزيد لهذا عند شرح حديث تميم الداري ﵁ برقم (١٥٤١).

стр. 4498

قوله: (وإذا عطس فحمد الله) بفتح الطاء في الماضي وكسرها في المضارع من باب ضرب، وفي لغة بضمها في المضارع من باب قتل. قوله: (فسمته) أمر من التسميت -بالسين المهملة- وقد وقع في بعض نسخ "البلوغ": (فشمته) بالشين المعجمة، والأول هو المثبت في "صحيح مسلم"، وهما بمعنى واحد؛ لأن معناهما: يرحمك الله، أي: أعطاك الله رحمة يرجع بها ذلك العضو إلى حاله قبل العطاس من غير تغيير. قال أبو عبيدة: (التشميت هو الدعاء، وكل داع لأحد بخير فهو مُشَمِّتٌ له .. وفي هذا الحرف لغتان: سَمَّتَ وشَمَّتَ، والشين أعلى في كلامهم وأكثر) (١) فإن كان بالمهملة فهو مأخوذ من السمت، وهو القصد والطريق المستقيم، ويكون المعنى: رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه؛ لأن العاطس ينحلُّ كل عضو في رأسه وما يتصل به، وإن كان بالمعجمة فمعناه: صان الله شوامته؛ أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال (٢). قوله: (وإذا مرض فعده) أمر من العيادة، وهو من باب نصر، تقول: عدت المريض عيادة: إذا زرته، وسميت عيادة لتكررها، والمريض أعم من أن يكون معروفًا أم غير معروف، قريبًا أم بعيدًا. قوله: (وإذا مات فاتبعه) أي: امشِ خلف جنازته من منزله أو من موضع الصلاة عليه إلى المقبرة، وعليه الناس اليوم. والمراد بذلك السير مع جنازة أخيك المسلم حتى يُفرغ من دفنه، وعدم التخلف عنه لأداء راتبة أو نحو ذلك مما يخل بمعنى الاتباع. * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من سمات الدين الإسلامي أنه دين المحبة والمودة والتآلف بين المسلمين، ومن هنا جاء الإسلام ببيان الحقوق التي تنمي المحبة وتحقق المودة وتزيد في التآلف، وهي حقوق يسيرة

стр. 4499

على من يسرها الله عليه لا سيما في حق من اعتادها، ومن قام بها كان قيامه بغيرها أولى. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن السلام من محاسن الإسلام ومن أسباب المحبة والتآلف بين المسلمين، وهذا أمر مشاهد، فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة من كل آفة: السلامة من الأمراض والشرور والمعاصي، والسلامة من النار، وفيه الدعاء بالرحمة والبركة الجالبة لكل خير، وفي السلام إحياء سنّة النبي ﷺ ، وأداء حق المسلم، ولهذا ذكر العلماء أنه ينبغي لكل واحد من المتلاقيين أن يحرص على أن يبدأ بالسلام، سواء عرفه أم لم يعرفه، تحقيقًا لفوائد السلام، وتحصيلًا للفضائل المرتبة عليه، قال النبي ﷺ : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (١)، وقال ﷺ : "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٢)، وقال ﷺ : "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام" (٣). ومما يؤسف عليه أن غالب سلام الناس -اليوم- إنما هو للمعرفة، فمن عرفه سلَّم عليه، ومن لم يعرفه لم يسلم عليه، وهذا فيه مخالفة لإرشاد النبي ﷺ حينما سألة رجل أيُّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٤)، قال النووي: (أي: لا تخص به المعارف كما يفعله بعض الناس تكبرًا أو تهاونًا، ويتضمن هذا ألا يكون بينك وبين أحد معاداة ونحوها مما يمنع في العادة عن السلام بسبب. والله أعلم) (٥). ثم إن في تخصيص السلام بالمعرفة تفويتًا لفوائد السلام، وما رُتِّب عليه من الأجر، قال

стр. 4500

عمار بن ياسر ﵁ (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار) (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة" (٢). * الوجه الخامس: ظاهر الحديث أن الأمر بابتداء السلام للوجوب، وقد نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية القول بالوجوب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقال: ظاهر ما نقل عن الظاهرية وجوبه، لكن نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن ابتداء السلام سنّة، ورده فرض (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. فإن صح

стр. 4501

هذا الإجماع فهو القرينة الصارفة، وقد استدل ابن عبد البر على أن السلام سنّة بحديث: "من سلِّم على قوم فقد فَضَلَهُمْ بعشر حسنات وإن ردوا عليه" (١)، وبحديث المتهاجرين: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، وسيأتي شرحه إن شاء الله. وصفة السلام المأمور به لها أقل ولها أكمل، فأقله: السلام عليكم، وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا يزاد على ذلك (٢). وأما الجواب فأقله: وعليكم السلام، فإن حذف الواو وقال: عليكم السلام، أجزأ ذلك وكان جوابًا. وأكمله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، قال ابن كثير: (أي: إذا سلَّم عليكم المسلم فردّوا عليه أفضل مما سلَّم، أو رُدّوا عليه بمثل ما سلَّم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة) (٣). وأما ابتداء اللقاء بمثل: صباح الخير، أو صبحك الله بالخير، أو صباح النور، أو كيف أصبحت، كيف أمسيت، حياكم الله، فليس بسلام شرعي، بل نص بعض العلماء على كراهة: صباح الخير، صباح النور، مساء الخير (٤)، بخلاف: صبحك الله بالخير، إذا جاءت بعد السلام، وذكر النووي أن من ابتدأ اللقاء بمثل هذه الألفاظ فإنه لا يستحق جوابًا زجرًا له، عن تركه لفظ السلام، وهو التحية المأمور بها، لكن لو أجابه بالدعاء فحسن، قال ابن

стр. 4502

علان: (هذه الألفاظ كلها لا أصل لها في التحية ولم يثبت منها شيء) (١). وأما ما ذكر ابن مفلح في "الآداب الشرعية" من النقول عن الإمام أحمد وبعض الأحاديث الدالة على جواز الابتداء بمثل ذلك فالظاهر من نقله أن التحية بمثل هذه الألفاظ لا بأس بها عند الحنابلة، ويكتفى بها عن السلام، وإن كان السلام أفضل وأكمل، وقد نقل الحافظ ابن حجر بعض الأحاديث والآثار عن السلف في قولهم: كيف أصبحت ونحوها (٢). والظاهر -والله أعلم- أن مثل هذه الألفاظ لا تقوم مقام السلام، وإنما هي سؤال عن الحال يؤتى بها بعد تمام السلام بصيغته الشرعية، وقد ثبت من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ كان يمر على نسائه فيسلم على كل واحدة منهن: "سلام عليكم، كيف أنتم يا أهل البيت؟ .. " الحديث (٣)، ولعل ما نقل عن أحمد أو غيره محمول على أن ذلك قيل بعد السلام، أو أن الراوي اقتصر على ما بعد السلام (٤). وأما رد السلام بمثل: أهلًا، أو أهلًا ومرحبًا ونحو ذلك مما تساهل فيه الناس، فليس برد شرعي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. ومثل هذه الجمل ليست بأحسن من لفظ السلام ولا مثله، فعلى الإنسان أن يرد السلام بمثله أو أحسن منه، ثم يردفه بما شاء من ألفاظ الترحيب. * الوجه السادس: مفهوم قوله: (إذا لقيته فسلم عليه) أنه لا يسلم عليه إذا فارقه، ولكن هذا المفهوم عارضه منطوق، وهو قوله ﷺ : "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحقَّ من الآخرة" (٥).

стр. 4503

* الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب إجابة الدعوة لما فيها من إكرام الداعي وجلب المودة والألفة بين الأُسر خصوصًا والمسلمين عمومًا، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الدعوة إلى وليمة عرس أو غيرها من الولائم، وأن الحضور إليها كلها واجب، وهذا مذهب عبد الله بن عمر ﵄، وبعض التابعين، وأهل الظاهر، وبعض الشافعية، وذهب الجمهور إلى أن الإجابة سنّة مؤكدة، والقول بالوجوب قوي، وقد تقدم بحث ذلك في كتاب "النكاح" مع ذكر شروط حضور الدعوة (١). * الوجه الثامن: في الحديث دليل على وجوب النصح لأخيك المسلم إذا طلب منك ذلك، وظاهر الحديث أن النصيحة لا تجب إلا إذا طلبها، أما إذا لم يأت يطلب النصح ففيه تفصيل، فإن كان عليه ضرر أو إثم فيما سيقدم عليه وجب عليك نصحه؛ لأن هذا من إزالة الضرر والمنكر عن المسلمين، وإن لم يكن فيه ضرر ولا إثم ولكنك ترى غيره أنفع له لم يجب عليك نصحه، بل يندب؛ لأنه من الدلالة على الخير والمعروف (٢)، وسيأتي التفصيل في موضوع النصيحة في شرح حديث تميم الداري ﵁ المشار إليه آنفًا. * الوجه التاسع: الحديث دليل على وجوب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، ومفهوم الحديث أنه إذا لم يحمد فإنه لا يشمت؛ لأنه هو الذي فوت على نفسه النعمتين: نعمة الحمد لله، ونعمة دعاء أخيه له المرتب على الحمد، ومن فوائد التشميت تحصيل المودة والتآلف بين المسلمين، وتأدب العاطس بكسر النفس عن الكبر والحمل على التواضع لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه إنسان إلا من عصم الله (٣). وستأتي صفة التشميت، وصفة الرد، وبعض الأحكام والفوائد المتعلقة بالعطاس عند حديث أبي هريرة ﵁ الآتي.

стр. 4504

* الوجه العاشر: الحديث دليل على وجوب عيادة المريض، ولا خلاف بين أهل العلم أنها مطلوبة، وإنما الخلاف في وجوبها. فذهب الجمهور إلى أنها سنّة (١)، واستدلوا بأدلة ظاهرها الوجوب، ومنها حديث الباب، وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني" (٢)، قال سفيان: والعاني: الأسير. قالوا: وما ورد من الأمر بها فهو محمول على زيادة الترغيب في عيادة المريض (٣). القول الثاني: أن عيادة المرض واجبة، وبه قالت الظاهرية، وهو قول البخاري، فإنه بوّب في "صحيحه" فقال: (باب وجوب عيادة المريض) (٤)، واستدلوا بما ورد في الشرع من الأمر بها، والأمر للوجوب. القول الثالث: أنها واجب كفائي، وبه قال بعض فقهاء الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وهذا قول قوي، يتمشّى مع نصوص الأمر بها. واعلم أن الذين قالوا: إنها سنّة قالوا: قد تصل إلى حد الوجوب في حق ذوي الأرحام، فعيادة الأب واجبة؛ لأنها من البر المأمور به شرعًا، وعيادة الأخ واجبة من أجل صلة القرابة (٦). فالقاعدة في هذا: أنه كلما كان للمريض حق عليك من قرابة، أو صحبة، أو جوار، كانت عيادته آكد. وظاهر الأحاديث أن العيادة عامة لكل مريض، فيدخل في ذلك المغمى عليه، ومَنْ في غرفة العناية، وإن كان لا يعلم بعائده؛ لأن مشروعية عيادة

стр. 4505

المريض لا تتوقف على مجرد علم المريض بعائده، بل هناك مقاصد أخرى، منها: جَبْرُ خاطرِ أهله، والدعاء للمريض، وحصول الأجر، وغير ذلك (١). وقد ورد عن جابر ﵁ قال: (مرضت مرضًا فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي عليَّ، فتوضأ، ثم صب عليَّ من وضوئه، فأفقت) (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4506

ما جاء في حث الإنسان على نظره إلى من هو دونه ١٤٤٨/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الزهد والرقائق" (٢٩٦٣) (٩) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. ورواه البخاري (٦٤٩٠)، ومسلم (٢٩٦٣) (٨) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّلَ عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه". وبهذا يتبين أن عزو الحديث للمتفق عليه غير جيد، ولعل الحافظ أراد أصل الحديث، وابن عبد الهادي لما ساق هذا الحديث ومعه أحاديث أخرى قال: (متفق على هذه الأحاديث، واللفظ فيها كلها لمسلم، وبعض ألفاظه أتم من ألفاظ البخاري، فإن فيها زيادات لم يذكرها البخاري" (١).

стр. 4507

* الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (أسفل منكم) بالنصب ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (هو)، والجملة صلة الموصول، والمراد: أسفل في أمور الدنيا من جاهٍ ومسكن ومركب ودَخْلٍ مالي ونحو ذلك، بدليل الرواية الثانية، وخرج بذكر المال والخَلْقِ ما إذا نظر لمن فُضِّل عليه في العلم والدين والاجتهاد في العبادة ومعالجة النفس بدفع الأخلاق السيئة وجلب الحسنة، فهذا أمر محمود (١). قوله: (فهو) أي: قصر النظر عمن هو فوقه. قوله: (أجدر) أفعل تفضيل بمعنى أحرى وأليق وأحق. قوله: (ألا تزدروا) أي: تحتقروا أو تعيبوا، وذلك أن الإنسان إذا نظر إلى من هو دونه قنع وشكر، وإذا نظر إلى من هو فوقه احتقر ما هو فيه من النعمة. * الوجه الثالث: اشتمل الحديث على وصية نافعة وكلمة جامعة لأنواع الخير، وبيان المنهج السليم الذي يسير عليه المسلم في هذه الحياة، ولو أن الناس أخذوا بهذه الوصية الجامعة لعاشوا صابرين شاكرين راضين، وهذا نوع من التربية الرفيعة التي لا تصلح حياة الفرد بغيره ولا تستقر بدونه؛ لأنه من أعظم الأسباب المعينة على شكر نعمة الله تعالى على عبده. فالوصية الأولى: أن ينظر الإنسان إلى من هو دونه وأقل منه في أمور الدنيا من مسكن ومركب وملبس ودَخْلٍ وصحة وخِلْقَةٍ ونحو ذلك؛ لأنه إن فعل ذلك استفاد فائدتين عظيمتين: الأولى: أنه يستعظم ويستكثر ما أعطاه الله من الخير وفضله به على غيره، ولا يحتقر ما هو فيه من نعمة وسعادة، وهذا من أقوى أسباب الشكر لله تعالى والثناء عليه، فينظر إلى من سُلب نعمة العقل فيحمد ربه على كمال العقل، وينظر إلى من ابتلي بالأمراض وأصناف الأسقام وهو معافى، ويرى من ابتلي بما هو أفظع من ذلك بانحراف الدين وفساد العقيدة والوقوع في

стр. 4508

المعاصي، والله تعالى قد حفظه من ذلك أو من كثير منه، وينظر إلى من ابتلي بالهم والوسواس والقلق النفسي وهو قد عافاه الله تعالى، فمنّ عليه براحة القلب وسعة الصدر، وينظر إلى من ابتلي بالفقر المدقع أو الدين المفظع ويعلم ما صار إليه من السلامة من الأمرين، وهكذا .. الفائدة الثانية: أنه إذا نظر إلى من هو دونه ارتاح قلبه، واطمأنت نفسه، ورضي بما قسم الله له، فعاش راضيًا سعيدًا قانعًا. الوصية الثانية: ألا ينظر الإنسان إلى من هو فوقه في أمور الدنيا إما في منزله أو سيارته أو هيئته أو دخله ونحو ذلك؛ لأنه إن فعل ذلك وقع في ثلاثة أمور كلها مكروهة: الأول: أنه يستقل نعمة الله عليه ويزدريها ويحتقرها، وهذا من أكبر الصوارف عن الشكر؛ لأنه يرى أن ما أعطيه قليل، ومتى فقد الشكر ترحلت عنه النعم، وتسابقت إليه النقم، وامتحن بالغم الملازم والحزن الدائم. الثاني: أنه يتعب نفسه ولا يزال يعيش مهمومًا؛ لأنه يريد اللحاق بمن فضلوا عليه في متاع الدنيا، فيشغل قلبه وتكثر همومه، ويزداد تعبه في طلب اللحاق بهؤلاء، وقد تركبه الديون، وتلزمه حقوق الناس. الثالث: أنه قد ينشأ عنده شيء من الحقد على من فوقه أو الحسد فيتمنى زوال النعمة عنه. * الوجه الرابع: هذا الحديث خاص في أمور الدنيا كما تقدم، أما في أمور الآخرة وأحوال الدين فإنه ينبغي للموفَّق أن ينظر إلى من هو فوقه فيقتدي به ويستمر، ويتأسى بالأخيار في فعل الطاعات والمبادرة بها، والبعد عن المعاصي والحذر منها، فيستفيد من ذلك زيادات تقربه إلى مولاه، ولا ينظر إلى الكسالى الذين لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم، قال الحسن البصري: (إذا رأيت الناس في خير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا) (١).

стр. 4509

وللطبري كلمة قيمة على حديث الباب نقلها عنه ابن بطال، فهو يقول: (هذا حديث جامع لمعاني الخير، وذلك أن العبد لا يكون بحال من عبادة ربه مجتهدًا فيها؛ إلا وجد من هو فوقه في ذلك، فمتى طلب نفسه باللحاق بمن هو فوقه استقصر حاله التي هو عليها، فهو أبدًا في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حالة خسيسةٍ من دنياه إلا وجد من أهلها من هو أخسّ منه حالًا، فإذا تأمل ذلك وتفكره وتبين نعم الله عليه؛ علم أنها وصلت إليه ولم تصل إلى كثير من خلقه، فَضَّلَهُ الله بها من غير أمر أوجب ذلك له على خالقه، ألزم نفسه من الشكر علميها أن وفق لها ما يعظم به اغتباطه في معاده) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4510

ما جاء في تفسير البر والإثم ١٤٤٩/ ٣ - عَنِ النوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ والإثْم؟ فَقَال: "الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ. وَالإثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو النواس -بفتح النون وتشديد الواو- بن سِمْعَانَ -بكسر السين وفتحها، والكسر أشهر وقد اقتصر عليه ابن الأثير- بن خالد بن عمرو الكلابي، وقد وقع في "صحيح مسلم" نسبته للأنصار، قال الحافظ أبو علي الجياني: (هذا وهم، وصوابه الكلابي)، وقال المازري: (المشهور في نسب النواس: الكلابي، إلا أن يكون حليفًا للأنصار)، وتبعه على هذا القاضي عياض (١)، للنواس ولأبيه صحبة ﵄، قال: (أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة (٢) إلا المسألة (٣)، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء، قال: فسألته عن البر والإثم .. ). سكن الشام، وهو معدود فيهم، وروى عنه جبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني (٤).

стр. 4511

° الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "البر والصلة والآداب"، باب (تفسير البر والإثم) (٢٥٥٣) من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان الأنصاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم … وذكر الحديث. ° الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: ﵁ هكذا في نسخ "البلوغ" والأولى: عنهما؛ لأن لأبيه صحبة، كما تقدم. قوله: (البر) بكسر الباء، وفعله: بَرَّ يَبَرُّ من باب علم يعلم، وقد فسره النبي ﷺ بحسن الخلق، وهذا جواب جامع موجز، معناه: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كقوله ﷺ : "الحج عرفة" (١)، أو أن حسن الخلق جامع لجميع أنواع البر، فيفسر حسن الخلق: بالتخلق بأخلاق الشريعة والتأدب بآداب الله التي شرعها لعباده؛ لأن البر يطلق على فعل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ … ﴾ [البقرة: ١٧٧]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لفظ البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به) (٢). ويطلق على ما يقابل العقوق فيفسر بالإحسان والصلة إلى الوالدين. وقد يأتي البر مقرونًا بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فيكون المراد بالبر: معاملة الخَلْق بالإحسان، وبالتقوى معاملة الخالق بفعل طاعته واجتناب معصيته، وقد يكون المراد بالبر: فعل الواجبات، وبالتقوى: اجتناب المحرمات (٣). يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: (البر والتقوى لله: إذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، فإنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، وترك

стр. 4512

ما يكرهه الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، وإذا جُمِعَ بينهما نحو: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فسر البر بالقيام بعقائد الإيمان وأخلاقه، وأعمال البر كلها القاصرة والمتعدية، وفسرت التقوى باتقاء ما يسخط الله من الكفر والفسوق والعصيان) (١). قوله: (حسن الخلق) الحسن: ضد القبح، والخلق: بضم الخاء واللام، ويجوز سكون اللام، اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خلق عليها، قال عبد الله بن المبارك في تفسير حسن الخلق: (هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) (٢). وهذا حسن الخلق مع الناس، وأما حسن الخلق مع الله تعالى فهو أن يفعل ما فرض عليه طَيِّبَ النفس منشرح الصدر، وينتهي عما حرم عليه راضيًا به غير متضجر منه، ويرغب في النوافل ويترك الكثير من المباح (٣). قوله: (والإثم) هو في الأصل: الذنب بجميع أنواعه، يقال: أثم إثمًا ومأثمًا: إذا وقع في الذنب. قوله: (ما حاك في صدرك) أي: تردد واختلج في صدرك فأثر في القلب اضطرابًا وقلقًا ونفورًا، بحيث لم ينشرح له الصدر ولم يطمئن إليه القلب، والفعل حاك يحيك يدور على معنى التأثير، ومنه قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف؛ أي: ما أثَّر، وما يحيك كلامك في فلان؛ أي: ما يؤثر فيه (٤). قوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) المراد بالكراهة: الكراهة الدينية، والمراد بالناس: أهل العلم والدين والفضل، كما تفيده أداة التعريف، وإنما أحاله النبي ﷺ على هذا الإدراك القلبي لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يدرك ذلك من نفسه.

стр. 4513

° الوجه الرابع: في الحديث ترغيب في حسن الخلق وبيان لفضله؛ لأن النبي ﷺ فسّر البر بحسن الخلق، ومعنى ذلك: أن جميع أنواع البر كلها في حسن الخلق، وهذا أوجز لفظ وأبلغه، وإذا أحسن العبد خُلُقَهُ أحبَّه الله وأحبَّه الناس، ومن أحبه الله تعالى فاز بجنته ورضوانه، ومن أحبه الناس ألفوه وعاش بينهم سعيدًا، ولا يكرم العبد نفسه بمثل حسن الخلق، ولا يهينها بمثل سوء الخلق، وقد روى أبو نعيم بسنده عن عكرمة أنه قال: (لكل شيء أساس، وأساس الإسلام: الخلق الحسن)، وعن ابن سيرين قال: (كانوا يرون حسن الخلق عونًا على الدِّين) (١) وسيأتي زيادة كلام على حسن الخلق في باب "الترغيب في مكارم الأخلاق" إن شاء الله تعالى. ° الوجه الخامس: دلَّ الحديث على أن للإثم علامتين: علامة داخلية وهي ما يتركه في النفس من قلق واضطراب وعدم اطمئنان إلى حله وإقدام على فعله، وعلامة خارجية وهي كراهية اطلاع وجوه الناس وأخيارهم عليه؛ خشية أن يذم ويلام على فعله، وهذا يدل على أن صاحب الخير الموفق للبر لا يقدم على شيء لا تطمئن نفسه إليه، بخلاف أهل الفسوق والمعاصي فإنهم لا يترددون في الآثام، بل يقدم الواحد منهم على المعصية منشرح الصدر مرتاح البال! ° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الإثم مستقبح عند ذوي الفِطَرِ السليمة والعقول النيرة، ووجه ذلك: أن النفس مجبولة على محبة اطلاع الناس على خيرها وكراهة اطلاعهم على شرها، مما يدل على أن ذا الفطرة السليمة لا يجاهر بالإثم بل يستتر به ويخفيه. والله تعالى أعلم.

стр. 4514

ما جاء في نهي الاثنين عن التناجي دون الثالث ١٤٥٠/ ٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثةً، فَلَا يَتَنَاجى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أن ذلِكَ يُحْزِنُهُ". مُتَّفَقُ عَلَيهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ. ° الكلام عليه من وجوده: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاستئذان"، باب (إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة) (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤) من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : … وذكر الحديث. ولفظ البخاري: "أَجْلَ أن ذلك يحزنه" بدون لفظة (من)، وفي طبعة الناصر: "أَجْلَ أن يحزنه" (١)، ولفظ مسلم: "من أجل أن يحزنه". وروى البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٢١٨٣) (٣٦) من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث". ولعل الحافظ أورد حديث ابن مسعود ﵁ لأنه أتم من حديث ابن عمر ﵄ حيث نص على علة النهي. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (فلا يتناجى اثنان) أصل التناجي: التحدث سرًّا، والمراد

стр. 4515

بالتناجي هنا: أن يتحدث شخصان سرًّا بحيث لا يسمعهما الثالث؛ أي: لا يدري ما يقولان، وإن سمع بعض الكلمات، وفي معنى ذلك: إذا تحدثا جهرًا بلغة أجنبية لا يفهمها. وهذه الجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها بمعنى النهي، بدليل ثبوت الألف المقصورة على صورة الياء، ولو كانت لا ناهية لحذفت الألف للجزم، وذكر القرطبي (١)، وتبعه الحافظ (٢)، أنه في بعض النسخ من "الصحيح" بجيم فقط على النهي "فلا يتناجَ". وخص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى، وإلا فلو تناجى خمسة أو عشرة وتركوا واحدًا فكذلك، لوجود المعنى، بل قد يكون وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد (٣). قوله: (حتى تختلطوا بالناس) أي: يختلط الثلاثة بالناس بحيث يكثر العدد، ويتمكن كل واحد من وجود من يناجيه. قوله: (من أجل أن ذلك يحزنه) تعليل للنهي، وهو بضم الياء من أحزن الرباعي، والمعنى: أن حكمة النهي عن تناجي اثنين وترك الثالث هي أن الثالث يحزن، إما لاعتقاده أنهما لا يريانه أهلًا لمناجاتهما، وهذا إذا أحسن الظن بهما، أو لاعتقاده أن هذا التناجي من أجل تدبير شيء يسوءه، وهذا إذا أساء الظن بهما. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على كمال الشريعة وعنايتها بمكارم الأخلاق ورعايتها لمصالح العباد، وحرصها على كل ما ينشر المحبة بين المسلمين، والنهي عن كل ما يؤدي إلى إدخال الأذى أو الحزن على أحد من المسلمين. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على نهي الاثنين عن التناجي إذا كان في المجلس شخص ثالث، وظاهر النهي أنه للتحريم بدليل تعليله بقوله: "من أجل أن ذلك يحزنه" وقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن إحزان المؤمنين من

стр. 4516

تسويل الشيطان وتزيينه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] أي: ليسوءهم، وقد نهينا عن اتباع طرقه ومسالكه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]، ثم إن هذا التناجي فيه إيذاء للمؤمن، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، قال ابن رجب: (تضمنت النصوص أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه من قول أو فعل بغير حق) (١). وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك أنه قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد؛ لأنه قد نهي أن يُتْرَكَ واحد، قال: ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحدًا، قال ابن بطال: وهذا القول يستنبط من هذا الحديث؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين له (٢). وقال القرطبي: (بل وجود المعنى في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون المنع أولى) (٣). ولا فرق في ذلك بين الحضر والسفر لعموم الحديث، وهو قول الجمهور (٤)، وقد يكون السفر أعظم من أجل أن الخوف فيه أغلب على المرء والوحشة إليه أسرع، وقد ورد في هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " … ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة يتناجى اثنان دون صاحبهما" (٥). ° الوجه الخامس: دلّ الحديث بمفهومه على أنهم إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين لإمكان أن يتناجى الاثنان الآخران، وقد أفتى بذلك راوي الحديث عبد الله بن عمر ﵄، فقد روى البخاري في "الأدب المفرد" من

стр. 4517

طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر ﵄ رفعه، وفيه: قال أبو صالح: فقلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك (١). ° الوجه السادس: محل النهي عن تناجي اثنين دون الثالث إذا كان الثالث معهما في ابتداء النجوى، فأما إذا انفرد اثنان فتناجيا، ثم جاء ثالث أثناء تناجيهما فليس عليهما قطع التناجي لأجله، لعدم وجود المعنى الذي دلّ عليه الحديث. ° الوجه السابع: ظاهر الحديث أن النهي عن التناجي إنما هو إذا تأذى به مسلم، أما إذا لم يحصل به أذية فلا بأس بالتناجي، بأن يتناجي اثنان بحضرة جماعة، أو يتناجى اثنان بعد استئذان الثالث، والله تعالى أعلم.

стр. 4518

ما جاء في النهي عن إقامة الإنسان من مجلسه ١٤٥١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاستئذان"، باب (﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا. .. ﴾ [المجادلة: ١١]) (٦٢٧)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مقعده. . .. " الحديث. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري: "نهى أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا". وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يقيم) بالرفع على أن (لا) نافية، وجاء في رواية مسلم من طريق الليث، عن نافع بلفظ: (لا يقيمنَّ) وهذه صيغة نهي مؤكدة بنون التوكيد، فيكون مبينًا لصيغة النفي وأنها بمعنى النهي، ولفظ البخاري: "نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر". قوله: (الرجل) أي: والمرأة كذلك، وذكر الرجل لكونه أشرف. قوله: (من مجلسه) بفتح الميم وكسر اللام مكان الجلوس، ولفظ مسلم: "من مقعده" كما تقدم.

стр. 4519

قوله: (ولكن تفسَّحوا وتوسعوا) أي: وليقل الرجل لأهل المجلس: تفسحوا وتوسعوا، وهما بمعنى واحد، فالعطف تفسيري، وقيل: لكل لفظ معنى، فمعنى الأول أن يوسعوا فيما بينهم للداخل بحيث يجد مكانًا يجلس فيه، ومعنى الثاني أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل في آخر المجلس مكان للداخل، وهذا أحسن من القول بالترادف؛ لأنه أكثر فائدة (١). ° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز لمسلم أن يقيم غيره من مكانه ثم يجلس هو فيه، هذا ظاهر النهي في الحديث، فمن سبق إلى موضع مباح في مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره أن يقيمه منه، وليس الحديث خاصًّا بموضع الطاعة بل يشمل من سبق إلى موضع مخصوص لتجارة أو حرفة أو غيرهما فيكون أحق بهذا المكان، وليس لغيره أن يجلس فيه. والحكمة من ذلك منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن والأحقاد، والحث على التواضع وأسباب التآلف والمودة، وهذا إنما يكون بجلوس الشخص انتهى به المجلس، سواء أكان ذلك في صدر المجلس أو أسفله، فإذا دخل المسجد فإنه ينتهي إلى طرف الصف أو إلى سَدِّ الفرجة إن كان في الصف فرجة ولا يقيم أحدًا، وإذا دخل المجلس انتهى حيث ينتهي الجلوس. وذلك لأن طلب القادم محلًا مخصوصًا قد سبقه إليه غيره فيقيمه منه ليجلس هو فيه أو يضغطه به بغي وعدوان وليس ذلك من شأن أهل الإيمان (٢). لكن لو قام القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث الجواز، وقد روى مسلم من طريق الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه (٣)، وهذا محمول من ابن عمر ﵄ أنه كان لا يقبل

стр. 4520

الإيثار تورعًا (١)؛ لأنه يخشى أن الذي آثره كان مستحييًا ولم تطب نفسه، أو أنه آثره، والإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأوْلَى، فكان ابن عمر ﵄ يمتنع عن ذلك؛ لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى (٢). فإذا قام لك إنسان فينبغي أن تتورع كما فعل ابن عمر ﵄، إلا إذا علمت أن ذلك عن محبة لك وتقدير فلا بأس. ° الوجه الرابع: ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث ليس عامًّا في الناس بل هو خاص بغير المجانين ومن يحصل منه الأذى كآكل البصل والثوم النيء إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم، لعموم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، لكن قد يقال: إن ما ذكر من الأمور النادرة، ولو فُتح باب الاستثناء لكثر. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه إذا دخل المجلس إنسان ولم يجد مكانًا فيه، فإن الجالسين مأمورون بأن يوسعوا فيما بينهم للداخل أن يقعد أو ينضم بعضهم إلى بعض حتى يبقى له في المجلس مكان يقعد فيه، فأي الأمرين فعلوا أصابوا السنّة، بشرط ألا يحصل ضرر على الجالسين، فإن حصل عليهم ضرر لم يلزمهم شيء من ذلك، لكن من حسن المعاملة ينبغي أن يُعتذر له حتى ينصرف وهو طيب النفس، لعموم قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (٤). وهذا دليل واضح على أن الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم، حيث جاءت بهذه الآداب الكريمة والأخلاق العالية التي هي كفيلة بإنشاء مجتمع فاضل متأدب بآداب الإسلام. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →