← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

تسويل الشيطان وتزيينه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] أي: ليسوءهم، وقد نهينا عن اتباع طرقه ومسالكه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]، ثم إن هذا التناجي فيه إيذاء للمؤمن، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]، قال ابن رجب: (تضمنت النصوص أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه من قول أو فعل بغير حق) (١). وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك أنه قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد؛ لأنه قد نهي أن يُتْرَكَ واحد، قال: ولا أرى ذلك ولو كانوا عشرة أن يتركوا واحدًا، قال ابن بطال: وهذا القول يستنبط من هذا الحديث؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين له (٢). وقال القرطبي: (بل وجود المعنى في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون المنع أولى) (٣). ولا فرق في ذلك بين الحضر والسفر لعموم الحديث، وهو قول الجمهور (٤)، وقد يكون السفر أعظم من أجل أن الخوف فيه أغلب على المرء والوحشة إليه أسرع، وقد ورد في هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " … ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة يتناجى اثنان دون صاحبهما" (٥). ° الوجه الخامس: دلّ الحديث بمفهومه على أنهم إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين لإمكان أن يتناجى الاثنان الآخران، وقد أفتى بذلك راوي الحديث عبد الله بن عمر ﵄، فقد روى البخاري في "الأدب المفرد" من

стр. 4517

طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر ﵄ رفعه، وفيه: قال أبو صالح: فقلت لابن عمر: فأربعة؟ قال: لا يضرك (١). ° الوجه السادس: محل النهي عن تناجي اثنين دون الثالث إذا كان الثالث معهما في ابتداء النجوى، فأما إذا انفرد اثنان فتناجيا، ثم جاء ثالث أثناء تناجيهما فليس عليهما قطع التناجي لأجله، لعدم وجود المعنى الذي دلّ عليه الحديث. ° الوجه السابع: ظاهر الحديث أن النهي عن التناجي إنما هو إذا تأذى به مسلم، أما إذا لم يحصل به أذية فلا بأس بالتناجي، بأن يتناجي اثنان بحضرة جماعة، أو يتناجى اثنان بعد استئذان الثالث، والله تعالى أعلم.

стр. 4518

ما جاء في النهي عن إقامة الإنسان من مجلسه ١٤٥١/ ٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَفَسَّحُوا، وَتَوَسَّعُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاستئذان"، باب (﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا. .. ﴾ [المجادلة: ١١]) (٦٢٧)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مقعده. . .. " الحديث. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري: "نهى أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا". وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يقيم) بالرفع على أن (لا) نافية، وجاء في رواية مسلم من طريق الليث، عن نافع بلفظ: (لا يقيمنَّ) وهذه صيغة نهي مؤكدة بنون التوكيد، فيكون مبينًا لصيغة النفي وأنها بمعنى النهي، ولفظ البخاري: "نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر". قوله: (الرجل) أي: والمرأة كذلك، وذكر الرجل لكونه أشرف. قوله: (من مجلسه) بفتح الميم وكسر اللام مكان الجلوس، ولفظ مسلم: "من مقعده" كما تقدم.

стр. 4519

قوله: (ولكن تفسَّحوا وتوسعوا) أي: وليقل الرجل لأهل المجلس: تفسحوا وتوسعوا، وهما بمعنى واحد، فالعطف تفسيري، وقيل: لكل لفظ معنى، فمعنى الأول أن يوسعوا فيما بينهم للداخل بحيث يجد مكانًا يجلس فيه، ومعنى الثاني أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل في آخر المجلس مكان للداخل، وهذا أحسن من القول بالترادف؛ لأنه أكثر فائدة (١). ° الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا يجوز لمسلم أن يقيم غيره من مكانه ثم يجلس هو فيه، هذا ظاهر النهي في الحديث، فمن سبق إلى موضع مباح في مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره أن يقيمه منه، وليس الحديث خاصًّا بموضع الطاعة بل يشمل من سبق إلى موضع مخصوص لتجارة أو حرفة أو غيرهما فيكون أحق بهذا المكان، وليس لغيره أن يجلس فيه. والحكمة من ذلك منع استنقاص حق المسلم المقتضي للضغائن والأحقاد، والحث على التواضع وأسباب التآلف والمودة، وهذا إنما يكون بجلوس الشخص انتهى به المجلس، سواء أكان ذلك في صدر المجلس أو أسفله، فإذا دخل المسجد فإنه ينتهي إلى طرف الصف أو إلى سَدِّ الفرجة إن كان في الصف فرجة ولا يقيم أحدًا، وإذا دخل المجلس انتهى حيث ينتهي الجلوس. وذلك لأن طلب القادم محلًا مخصوصًا قد سبقه إليه غيره فيقيمه منه ليجلس هو فيه أو يضغطه به بغي وعدوان وليس ذلك من شأن أهل الإيمان (٢). لكن لو قام القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث الجواز، وقد روى مسلم من طريق الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه (٣)، وهذا محمول من ابن عمر ﵄ أنه كان لا يقبل

стр. 4520

الإيثار تورعًا (١)؛ لأنه يخشى أن الذي آثره كان مستحييًا ولم تطب نفسه، أو أنه آثره، والإيثار بالقرب مكروه، أو خلاف الأوْلَى، فكان ابن عمر ﵄ يمتنع عن ذلك؛ لئلا يرتكب أحد بسببه مكروهًا أو خلاف الأولى (٢). فإذا قام لك إنسان فينبغي أن تتورع كما فعل ابن عمر ﵄، إلا إذا علمت أن ذلك عن محبة لك وتقدير فلا بأس. ° الوجه الرابع: ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث ليس عامًّا في الناس بل هو خاص بغير المجانين ومن يحصل منه الأذى كآكل البصل والثوم النيء إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم، لعموم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، لكن قد يقال: إن ما ذكر من الأمور النادرة، ولو فُتح باب الاستثناء لكثر. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه إذا دخل المجلس إنسان ولم يجد مكانًا فيه، فإن الجالسين مأمورون بأن يوسعوا فيما بينهم للداخل أن يقعد أو ينضم بعضهم إلى بعض حتى يبقى له في المجلس مكان يقعد فيه، فأي الأمرين فعلوا أصابوا السنّة، بشرط ألا يحصل ضرر على الجالسين، فإن حصل عليهم ضرر لم يلزمهم شيء من ذلك، لكن من حسن المعاملة ينبغي أن يُعتذر له حتى ينصرف وهو طيب النفس، لعموم قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (٤). وهذا دليل واضح على أن الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم، حيث جاءت بهذه الآداب الكريمة والأخلاق العالية التي هي كفيلة بإنشاء مجتمع فاضل متأدب بآداب الإسلام. والله تعالى أعلم.

стр. 4521

استحباب لعق الأصابع بعد الطعام ١٤٥٢/ ٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ، حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأطعمة"، باب (لعق الأصابع ومَصَّهَا قبل أن تُمسح بالمنديل) (٥٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣١) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : … وذكر الحديث. وهذا لفظ مسلم؛ لأن لفظة: (طعامًا) ليست عند البخاري. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا أكل أحدكم طعامًا) هذا لفظ مسلم، وفي رواية: (من طعام)، والمراد ما كان فيه رطوبة تعلق بالأصابع، بخلاف ما كان جافًا لا رطوبة فيه فلا يأتي فيه هذا النهي. قوله: (فلا يمسحْ يده) بالجزم على أن (لا) ناهية، والمعنى: لا يُزِلْ أثر الطعام بمنديل ونحوه. قوله: (حتى يَلْعَقَها) بفتح التحتية والمهملة؛ أي: يلحسها هو بلسانه، تقول: لَعِقْتُ الشيء -بالكسر- من باب تَعِبَ أَلْعَقُه -بالفتح- لَعَقًا، ويتعدى بالهمزة كما سيأتي. قوله: (أو يُلْعِقَها) أو: للتنويع، والفعل بضم التحتية وكسر المهملة من

стр. 4522

الرباعي المتعدي ألعق، وهو ينصب مفعولين، والثاني هنا محذوف؛ أي: أو يلعقها غيره كزوجته -مثلًا- إذا كانت لا تكره لعقها. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أدب من آداب الطعام وهو استحباب لعق الأصابع مما علق بها من الطعام قبل مسحها بمنديل أو نحوه، أو غسلها بالماء، وذلك من باب المحافظة على بركة الطعام والتنظيف لها. والقول بالاستحباب هو مذهب الجمهور، لما ثبت من السنّة القولية، كما تقدم، والسنّة العملية، كما سيأتي. وذهب ابن حزم إلى أن ذلك فرض، فقال: (وما سقط من الطعام ففرض أكله، ولعق الأصابع بعد تمام الأكل فرض، ولعق الصحفة إذا تم ما فيها فرض.) (١)، وتبعه على هذا الصنعاني (٢). وقد ثبت التصريح بالعلة في هذا الإرشاد النبوي الكريم في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: "إنكم لا تدرون في أيَّهِ البركة" (٣)، وهذه البركة شاملة لحصول التغذية بهذا الطعام وسلامة عاقبته من الأذى، والتقوي به على طاعة الله تعالى وغير ذلك. وفيه تربية على التواضع والمحافظة على عدم إهمال شيء من فضل الله كالمأكول والمشروب وإن كان تافهًا حقيرًا في العرف؛ لأن التنصيص على علة لا يلزم منه أنه ليس ثَمَّ علة أخرى (٤). ويمكن أن نضيف تطبيق السنّة والأمر بها حتى بما يعده الناس في العرف دناءة (٥). ° الوجه الرابع: في هذا الحديث رد على من كره لعق الأصابع أو الصحفة استقذارًا، فإن الاستقذار إنما يكون لو أنه لعقها أثناء الأكل ثم

стр. 4523

أعادها إلى الطعام وعليها أثر ريقه، أما لعقه ما تبقى عليها بعد الأكل أو ما يبقى في الإناء فهو جزء من أجزاء ما أكله. ° الوجه الخامس: استدل بعض العلماء بقوله: "فلا يمسح يده" على جواز الأكل بجميع أصابع اليد، لكن الأكل بثلاث أصابع - الوسطى والسبابة والإبهام - هو السنّة، كما في حديث كعب بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها) (١). وذلك لأن الأكل بهذه الصفة أدل على عدم الشره، وأقرب إلى التواضع، وفيه -كما يقول ابن القيم- راحة لآلات الطعام والمعدة فلا يشبع إلا بعد طول، لكن هذا محمول على الطعام الذي تكفي فيه ثلاثة أصابع، أما الطعام الذي لا تكفي فيه ثلاثة أصابع كالرز -مثلًا- فلا بأس بأن يأكل بأكثر. ° الوجه السادس: قد يشكل على بعض الناس إلعاق الأصابع لغيره، والحق أن هذا ممكن والحمد لله، فقد يكون بين الرجل وزوجته من المحبة ما يسهل على كل واحد منهما أن يلعق أصابع الآخر، وقد يتأتى هذا من الولد لأبيه، والنبي ﷺ لا يقول إلا حقًّا (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4524

بعض آداب السلام ١٤٥٣/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "وَالرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي". ° الكلام عليه من وجده: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الاستئذان"، باب (تسليم القليل على الكثير) (٣٢٣١) من طريق همام بن منبه، وفي باب (يسلم الصغير على الكبير) (٣٢٣٤) من طريق عطاء بن يسار، ورواه البخاري (٦٢٣٢)، ومسلم (٢١٦٠) من طريق ثابت بن الأحنف مولى عبد الرحمن بن زيد، ثلاثتهم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. وهذا لفظ البخاري، وعزوه للمتفق عليه فيه نظر، فإن لفظة: "ليسلم الصغير على الكبير" ليست عند مسلم، كما نص على ذلك الحافظ نفسه (١). وقوله: وفي رواية لمسلم: "والراكب على الماشي" هذا هو لفظ مسلم في الحديث بالإسناد المذكور، وهو أيضًا عند البخاري بالإسناد نفسه كما تقدم.

стр. 4525

° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (ليسلم) بكسر اللام وهي لام الأمر، والمضارع بعدها مجزوم بها، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولفظ "الصحيحين": (يسلم) بدون اللام، قال الحافظ: ("يسلم": كذا للجميع بصيغة الخبر، وهو بمعنى الأمر، وقد ورد صريحًا في رواية عبد الرزاق، عن معمر عند أحمد بلفظ: "ليسلم") (١). قوله: (والمارُّ) هذا لفظ البخاري، ولهما: والماشي. ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الصغير مأمور بالسلام على الكبير، وذلك لأجل حق الكبير، ولأن الصغير مأمور بتوقير الكبير والتواضع له. والصحيح من قولي أهل العلم وجوب رد البالغ إذا سلم عليه صبي (٢)؛ لعموم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] أي: سواء حياكم صبي أو بالغ. فإن بدأ الكبير بالسلام على الصغير حاز الفضيلة وأدرك صفة التواضع، وقد نقل النووي اتفاق العلماء على استحباب السلام على الصبيان (٣)؛ لحديث أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله (٤)، وعنه: أن رسول الله ﷺ مرَّ على غلمان فسلم عليهم (٥). قال ابن بطال: (في السلام على الصبيان تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بآداب الإسلام) (٦). وأضاف الحافظ: (وفيه طرح الأكابر رداءَ الكِبْرِ، وسلوك التواضع، ولين الجانب) (٧)، وإن هذه الحكم العظيمة إضافة إلى الاقتداء بالنبي ﷺ وصحابته الكرام لداعية للمسلم إلى

стр. 4526

أن يحرص على السلام على الصبيان الذي صار في هذا الزمان في عداد السنن المهجورة. وقد صحح النووي أنه لا يجب الرد على الصبي؛ لأنه ليس من أهل الفرض، قال: (لكن الأدب والمستحب له الجواب) (١). لكن لو تعارض الصِّغَرُ المعنوي والحسي كان يكون الأصغرُ أعلمَ من الكبير، فقد ذكر الحافظ أنه لم يرَ فيه نقلًا، ثم استظهر اعتبار السن، أخذًا بظاهر الحديث من باب تقديم الحقيقة على المجاز (٢). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المار مأمور بالسلام على القاعد تشبيهًا له بالداخل على أهل المنزل، أو لأن القاعد على حال وقار وسكون وثبوت فله بذلك مزية على الماشي؛ لأن حاله على الضد من ذلك، أو لأن المار يكون متعليًا على القاعد فأمر بالسلام عليه. ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أن العدد القليل مأمور بابتداء السلام على العدد الكثير، وذلك لفضيلة الجماعة، فإن لهم حقًّا على القلة. ° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الراكب مأمور بابتداء السلام على الماشي؛ لأن الراكب يكون متعليًا على الماشي، ولئلا يتكبر بركوبه، فأمر بذلك ليرجع إلى التواضع. قال ابن العربي: (حاصل ما في هذا الحديث أن المفضول بنوعٍ ما يبدأ الفاضل، فإذا تساوى المتلاقيان مثل راكبين أو ماشيين فكل منهما مأمور بابتداء السلام، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ليحصل على امتثال السنّة، ويحوز الفضائل المرتبة على ذلك، فإن الحرص على البدء بالسلام دليل الاهتمام بآداب الشريعة وخلوص النية والحرص على اكتساب الثواب) (٣). أما بالنسبة

стр. 4527

إلى رد السلام فيما لو تلاقى شخصان وسَلَّمَ كل واحد على صاحبه، فإن الرد واجب على كل واحد منهما للآخر، لكن إن وقع السلامان معًا وجب الرد؛ لعموم الأدلة، وإن سلم أحدهما بعد الآخر كفى سلام المتأخر ردًّا على سلام الأول، وبعض العلماء يشترط على المتأخر أن ينوي بسلامه الرد على صاحبه (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4528

ما جاء في سلام الجماعة ورَدِّهِمْ ١٤٥٤/ ٨ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلَّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيهَقِيُّ. ° الكلام عليه من وجهين: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود في كتاب "الأدب"، باب (ما جاء في رد الواحد عن الجماعة) (٥٢١٠)، والبيهقي (٩/ ٤٩) قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي، ثنا سعيد بن خالد الخزاعي قال: حدثني عبد الله بن الفضل، حدثنا عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال أبو داود: رفعه الحسن بن علي، قال: (يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم). وهذا سند ضعيف؛ لأن فيه سعيد بن خالد الخزاعي المدني، وهو ضعيف، قال البخاري: (فيه نظر)، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: (ضعيف الحديث)، وقال الدارقطني: (ليس بالقوي)، وقال ابن حبان: (كان ممن يخطئ حتى لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد) (١). ولما ذكر الدارقطني في "العلل" الاختلاف في سنده قال: (والحديث

стр. 4529

غير ثابت، تفرد به سعيد بن خالد، عن عبد الله بن الفضل، وليس بالقوي، يعني سعيد بن خالد) (١)، وضعفه -أيضًا- الحافظ في "الفتح" (٢). والحديث له شواهد كلها ضعيفة، ذكرها الألباني ثم قال: (لعل الحديث بهذه الطرق يتقوّى فيصير حسنًا، بل هذا هو الظاهر، والله أعلم) (٣). والذي يظهر أن حديث الباب ضعيف لا يحتج به، فقد تفرد به سعيد بن خالد الخزاعي، على أن ابن عبد البر قد ذكر علة ثانية، وهي أن عبد الله بن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع، بينهما الأعرج في غير ما حديث (٤). وشواهده كلها معلولة، لا تقوى على رفعه من الضعف إلى درجة الحسن، والله أعلم. وأما عزو الحافظ الحديث لأحمد فإني لم أجده في "المسند" ولا عزاه إليه الحافظ لا في "أطراف المسند" ولا في "الفتح" (٥). ° الوجه الثاني: يستدل العلماء بهذا الحديث على أنه يجزئ الواحد في السلام عن الجماعة، كما يجزئ الواحد في رد السلام عن الجماعة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (٦)؛ لأن رد السلام من الجماعة من فروض الكفاية، إذا قام به من يكفي أجزأ عن غيرهم، لكن لو كان في الجماعة رجال وصبيان فَرَدَّ صبي، فهل يسقط الفرض عنهم بذلك؟ قولان، فمن أهل العلم من اشترط في المراد أن يكون مكلفًا، وعليه فلا يسقط الفرض برد الصبي؛ لأنه ليس أهلًا للفرض، والرد فرض، وقال آخرون: يسقط، وذكر النووي أنه أصح الوجهين عند الشافعية (٧)، وهو قول وجيه.

стр. 4530

والأفضل في الابتداء أن يسلم الجميع، لقوله ﷺ : "أفشوا السلام"، كما أن الأفضل أن يرد الجميع. ونقل ابن عبد البر عن الطحاوي أن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة كان ينكر الحديث الدال على أنه يرد الواحد، ويقول: لا يجزئ إلا أن يردوا جميعًا، فهو يفرق بين ابتداء السلام الذي هو سنّة، وبيّن ردّه الذي هو واجب (١). وكأن الطحاوي يميل إلى هذا الرأي، ويرى أنه لم يصح في هذا الباب شيء يعتمد عليه، وهذا جيد في نظري، فإن الحديث ضعيف لا يقوى على إسقاط حكم شرعي ثابت بالأحاديث الصحيحة، وهو وجوب رد السلام، فيبقى فرض عين على كل واحد من الجماعة حتى يثبت الدليل الناقل له عن ذلك (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4531

النهي عن السلام على أهل الكتاب ١٤٥٥/ ٩ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث تقدم تخريجه والكلام عليه في آخر "الجهاد" برقم (١٣١٩)، وقد رواه مسلم في كتاب "السلام"، باب (النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم؟) (٢١٦٨) من طريق عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقول الحافظ: (وعنه) هكذا في المخطوطة (١) ونسخ "البلوغ"، وظاهره أنه من حديث علي ﵁ لأنه هو الذي قبله، وهذا وهم من الحافظ أو من النساخ؛ لأن هذا حديث أبي هريرة ﵁ وقد سبق في كتاب "الجهاد"، ثم إن الأحاديث التي بعده كلها من أحاديث أبي هريرة ﵁، وقد ساقها بلفظ الإحالة على ما قبلها. ° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ أحدًا من اليهود أو النصارى بالسلام، وذلك لأن ابتداء السلام عليهم فيه مفاسد، منها:

стр. 4532

١ - الوقوع في النهي الثابت في السنّة، والأصل في النهي التحريم، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول الحنابلة، ورجحه النووي (١)، وحَمْلُهُ على الكراهة؛ لعموم أحاديث الأمر بإفشاء السلام قول ضعيف؛ لأنها مخصوصة بهذا الحديث، وذهب فريق ثالث إلى جواز ابتدائهم بالسلام لضرورة أو حاجة أو سبب، وهو قول جماعة، منهم علقمة والنخعي (٢)، والصواب الأول؛ لأن حديث الباب نص صحيح صريح في المراد، ولا يصرف عن ظاهره إلا بدليل. ٢ - أن السلام عليهم نوع من الإكرام والذُّلِّ لهم، وهم ليسوا أهلًا للإكرام. ٣ - أن السلام عليهم سبب للتحاب معهم والتواد، والله تعالى قد نهى عن ذلك، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ٤ - أن السلام عليهم فيه إذهاب وهج الحسد من قلوبهم، وهم قد حسدونا على السلام، كما في حديث عائشة ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين" (٣)، فإذا سلم عليهم أدخل السرور على أفئدتهم لتشريكهم في هذه التحية. وإذا نُهي المسلم عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وهم أهل كتاب فغيرهم من المشركين كالهندوس والبوذيين أولى. ومما يؤسف عليه أن من المسلمين من لم يقم لهذا النهي وما اشتمل عليه من الحكم والأسرار أي اعتبار، فتراه لا يفرق بين مسلم وكافر في التحية، فيسلم على الكافر كما يسلم على المسلم، ويظن ذلك من المحامد

стр. 4533

والآداب المطلوبة، وسبب هذا كثرة وفود الكفار إلى ديار المسلمين واختلاطهم بهم وكثرة سفر المسلمين إلى ديارهم مما أذهب الغيرة، وأضعف واجب البراءة والعداوة للكافرين في قلوب كثير من الناس. ° الوجه الثالث: مفهوم النهي عن ابتدائهم بالسلام أنه لا نهي عن ردِّ السلام عليهم، وقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك" (١). وقد نقل النووي اتفاق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن من الفقهاء من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، ومنهم من قال: لا بأس به (٢)، وأما صيغة الرد فإنه لا يقال: وعليكم السلام، بل يقال: عليكم أو وعليكم، -بالواو- وهو الأرجح. ويرى ابن القيم أن الذمي إذا قال: سلام عليكم، أن الذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليكم السلام، قال: لأن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فندب إلى الفضل، وأوجب العدل (٣). ° الوجه الرابع: يرى بعض فقهاء الشافعية جواز ابتداء الذمي بغير لفظ السلام، مثل: كيف أصبحت، كيف أمسيت، كيف حالك؟ ونحو ذلك، وقال بهذا النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ الألباني، والشيخ محمد العثيمين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن خاطب الذمي بكلام غير السلام مما يؤنسه به فلا بأس بذلك) (٤) لكن منهم من أطلق، ومنهم من قيد ذلك بالحاجة إليه أو بما فيه مصلحة، كالتأليف لقلبه ونحو ذلك من المقاصد؛ لأن النهي المذكور في الحديث إنما هو عن السلام، وهو عند الإطلاق إنما يراد به

стр. 4534

السلام المعهود المتضمن لاسم الله تعالى، ولفظ السلام فيه من الفضائل ما ليس في مثل الألفاظ المذكورة، فإن لفظ السلام يتضمن الإكرام والدعاء -كما تقدم- أما هذه الألفاظ وما شابهها فهي مجرد تحية وترحيب وسؤال (١). وذهبت الحنابلة في المشهور عندهم إلى أنه لا يجوز ابتداء الذمي بمثل هذه الألفاظ؛ لأنها بمعنى السلام، فهي مقيسة عليه، لكن هذا قياس مع الفارق؛ لما تقدم. وقد نص الإمام أحمد على كراهة ذلك فقال -في رواية أبي داود-: (أكرهه، هذا عندي أكثر من السلام) وكأن فقهاء الحنابلة اعتمدوا على هذا (٢). ° الوجه الخامس: في الحديث دليل على أنه لا يجوز توسعة الطريق لليهود والنصارى بل نضطرهم إلى أضيقها؛ لأن فسح الطريق لهم نوع إكوام لهم، وهم لا يستحقونه، والمراد بالحديث حال المشي على الأقدام، وأما في السيارة ونحوها فهذا غير مراد؛ لما يترتب عليه من الخطر. ° الوجه السادس: الحديث دليل على أن الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق فإن المسلم لا يفسح له؛ لأن هذا من إكرامه، بل يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم، إذلالًا للكتابي وإشعارًا بعزة الإسلام، وهذا مقيد عند العلماء بقيدين: الأول: أن هذا عند الزحام وضيق الطريق، فيركب المسلمون صدر الطريق، ويكون الذمي في أضيقه، فإن خلت الطريق من الزحام أو كانت واسعة فلا بأس.

стр. 4535

الثاني: أن هذا التضييق مقيد بحيث لا يقع الذمي في ضرر، كأن يقع في حفرة أو يصدمه جدار ونحوه (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4536

صفة تشميتِ العاطس وجوابهِ ١٤٥٦/ ١٠ - وَعَنْهُ، عَنِ النبي ﷺ قَال: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ. وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإذَا قَال لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلِحُ بَالكُمْ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، بابٌ (إذا عطس كيف يُشَمَّتُ؟) (٦٢٢٤) من طريق عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الحمد لله) الحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، واللام للاستحقاق، بمعنى أن الله تعالى وحده هو المستحق للحمد حقيقة، و (الله) اسم الله تعالى الخاص به، ومعناه: المألوه؛ أي: المعبود محبة وتعظيمًا. قوله: (أخوه) لفظ البخاري: (وليقل له أخوه أو صاحبه) وهو شك من الراوي، والمراد بالأخوة: أخوة الإسلام، والتعبير بأحد هذين اللفظين تحريض على التشميت وحث عليه. قوله: (يرحمك الله) يحتمل أن تكون جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى، فيكون المراد بها الدعاء بالرحمة، ويحتمل أن تكون خبرية لفظًا ومعنى، فيكون المراد بها الإخبار عن طريق البشارة، وهذه الجملة تفسير للتشميت، أو

стр. 4537

التسميت الوارد في أول أحاديث الباب "وإذا عطس فحمد الله فَسَمِّتْهُ". قوله: (فليقل) أي: مقابلة للدعاء بمثله ومكافأة للجميل. قوله: (يهديكم الله) أي: يرشدكم الله إلى ما يحب ويرضى، ويثبتكم ويسددكم ويعينكم. قوله: (ويصلح بالكم) البال هو الحال، تقول: ما بالك؟ أي: ما حالك؟ والمعنى: يصلح حالكم وشأنكم، وقيل: البال: القلب، تقول: خطر ببالي؛ أي: بقلبي (١)، وقيل البال: رخاء العيش، يقال: هو رَخِيُّ البال، والمعنى الأول أنسب لعمومه ما بعده، وقد يقال: إن الثاني أنسب؛ لأنه إذا صلَح القلب صلَح الحال (٢). وقد جاء إفراد الدعاء للعاطس وجمعه للمجيب ولو كان مفردًا فيهما، وهذا -والله أعلم- لأن الرحمة مدعو بها للعاطس وحده؛ لما أصابه مما تنحل به أعصابه ويضر سمته لولا الرحمة، وأما الهداية فمدعو بها لجميع المؤمنين ومنهم المخاطب، فلذا جمع الضمير (٣). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن العاطس مأمور بحمد الله تعالى بعد عطاسه؛ لأن العطاس نعمة من الله؛ لخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء من بدن الإنسان، ثم النعمة الثانية بقاء أعضاء بدنه على التئامها وهيئتها (٤). ولهذا يُحِسُّ العاطس بالخفة والنشاط بعد عطاسه. قال ابن هبيرة: (إذا عطس الإنسان استدل بذلك على صحة بدنه وجودة هضمه واستقامة قوته، فينبغي له أن يحمد الله، ولذلك أمره الرسول ﷺ أن يحمد الله) (٥). وقد ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته .. " الحديث (٦)؛ لأن العطاس دليل النشاط، والتثاؤب دليل الكسل، وقد

стр. 4538

نقل النووي الاتفاق على أن الحمد على العطاس مستحب (١)، وقال شارح "الأدب المفرد": (ظاهر الأمر الوجوب، ولكن لم يقل به أحد) (٢). وصفة الحمد: الحمد لله، أو الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله على كل حال، والصيغة الأولى هي الثابتة في "الصحيحين" وما عداها فالظاهر أنه شاذ (٣)، على أن ابن بطال قد ذكر اختلاف السلف في ذلك، وذكر أن كل صيغة قال بها طائفة (٤)، وصحح النووي أن العاطس مخير (٥). ° الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من سمع العاطس يحمد الله فإنه مأمور بأن يقول له: يرحمك الله، قال ابن دقيق العيد: (ظاهر الأمر الوجوب) (٦)، ويؤيد هذا قوله ﷺ : "فحق على كل مسلم أن يشمته" فوصفه بأنه حق، وأتى بـ (على) الظاهرة في الوجوب، وقد قال بالوجوب العينيِّ الظاهرية (٧)، وبعض المالكية (٨)، ومنهم ابن العربي، قال ابن القيم: (وهو الصواب للأحاديث الصريحة الظاهرة في الوجوب من غير معارض) (٩). والقول الثاني: أن تشميت العاطس فرض كفاية كرد السلام، وهذا قول الحنفية والحنابلة، ورجحه ابن رشد، وقال الحافظ ابن حجر: (وهو الراجح من حيث الدليل) (١٠). والقول الثالث: أنه مستحب، وهو قول الشافعي (١١)، وبعض المالكية، حملًا للأمر على الندب والأدب (١٢).

стр. 4539

والذي يظهر -والله أعلم- هو القول الأول، فإن الأحاديث ظاهرة في أن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله. ولا يجزئ تشميت الواحد عنهم، فإن قوله: (وليقل له أخوه. .. ) أمر ورد في عموم المكلفين مخاطبًا به كل فرد منهم، ومثل هذا لا يسقط إلا بفعل الجميع (١). ° الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي للعاطس أن يكافئ من دعا له بالرحمة بأن يدعو له بالهداية وإصلاح البال. ° الوجه السادس: ظاهر الحديث أن تشميت العاطس مشروع إذا قال: الحمد لله، وقد جاء هذا صريحًا في حديث أنس ﵁ قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله شمت هذا ولم تشمتني، قال: (إن هذا حمد الله ولم تحمد الله" (٢)، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: (بَابٌ: لا يشمَّت العاطس إذا لم يحمد الله) (٣). وعن أبي موسى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه" (٤). وعلى هذا فإذا عطس ولم يحمد فإنه لا يشمت، لقوله: "فلا تشتموه" واختار هذا ابن العربي، وقد نقل ابن بطال الإجماع على ذلك (٥)، قال الحافظ: (هو منطوقه، ولكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه؟ الجمهور على الثاني) (٦). وفي هذا تعزير له وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد (٧). والقول الثاني: أنه يُذكّر الحمد؛ لأن هذا من باب النصيحة والأمر بالمعروف والتعاون على البر والتقوى، واختار هذا النووي (٨).

стр. 4540

والصواب الأول، لقوة مأخذه، قال ابن القيم: (وظاهر السنّة يقوّي قول ابن العربي؛ لأن النبي ﷺ لم يشمت الذي عطس ولم يحمد الله، ولم يذكره … ولو كان تذكيره سنّة لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها) (١). لكن لو أخبر فيما بعد بهذا الأدب النبوي من باب التعليم لكونه جاهلًا لكان أفضل، وقد روى أبو نُعيم بسنده عن ابن حميد قال: عطس رجل عند ابن المبارك فلم يحمد الله، فقال ابن المبارك: إيش يقول العاطس إذا عطس؟ قال: يقول: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله (٢). فإن حمد الله ولم يسمعه الإنسان فإنه لا يشمته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضهم دون بعض فمن أهل العلم من قال: يشمته من سمعه دون غيره؛ لأنه لم يسمعه، ورجح هذا النووي (٣)، وقال آخرون: يشمتونه؛ لأنهم عرفوا عطاسه وحمده بتشميت غيره، ورجح هذا ابن العربي، واستظهره ابن القيم فقال: (والأظهر أنه يشمته إذا تحقق أنه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمت للحمد، وإنما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمَّتُ أخرسَ ورأى حركة شفتيه بالحمد، والنبي ﷺ قال: فإن حمد الله فشمتوه"، هذا هو الصواب) (٤). لكن قد يرد على كلام ابن القيم أمران: الأول: أن تنظيره بالأخرس فيه نظر؛ لأن الأخرس قامت إشارته مقام عبارته لعجزه عن النطق، بخلاف الناطق فإنه قادر على الكلام، فاعتبر في حق المشمت سماع حمده حتى يشمته (٥). الثاني: أنه قد يكون مَنْ عند العاطس جهلة لا يفرقون في التشميت بين الحامد وغيره، والتشميت متوقف على من علم أنه حَمِدَ، فيمتنع تشميت من لم يُسمع حَمْدُهُ ولو شمته من عنده؛ لأنه لا يَعْلَمُ هل حمد أو لا (٦).

стр. 4541

° الوجه السابع: استدل العلماء بقوله بقوله ﷺ : "وليقل أخوه: يرحمك الله" على أن الكافر إذا عطس وحمد فإنه لا يدعى له بالرحمة، وإنما يقال له: يهديكم الله ويصلح بالكم، لما ورد في حديث أبي موسى ﵁ قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم" (١). ° الوجه الثامن: لم يبين في هذا الحديث الحد الذي ينتهي إليه تشميت العاطس، وقد دلّت السنّة أنه يُشَمَّتُ مرة واحدة، فإن زاد عطاسه عن ذلك لم يشمت، وقد ورد في هذا حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وعطس رجل عنده فقال: "يرحمك الله" ثم عطس أخرى، فقال له رسول الله ﷺ : "الرجل مزكوم" (٢). والمعنى: أنك لست ممن يُشمت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس (٣). وظاهر هذا أن العاطس لا يشمت إلا في الأولى، وفي الثانية يقال له: (أنت مزكوم)، وقد حكى ابن العربي القول بهذا عن بعض العلماء. قال ابن القيم: (وقوله: "الرجل مزكوم" تنبيه على الدعاء له بالعافية؛ لأن الزكمة علة، وفيه اعتذار عن ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها فيصعب أمرها، فكلامه ﷺ كله حكمة ورحمة وعلم وهدى) (٤). وقد روى أبو داود بسنده عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال سعيد: لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي ﷺ أنه قال: "يُشَمَّتُ المسلم إذا عطس ثلاث مرات، فإن زاد فهو زكام" (٥). وظاهر

стр. 4542

هذا أنه يشمت إلى الثلاث. قال ابن عبد البر: (وهي زيادة يجب قبولها، والقول بها أولى). وقد حكى ابن العربي القول بهذا عن بعض العلماء، واختار هذا القول، كما اختاره النووي من بعده. وقد ذكر ابن مفلح أنه لا يشمت أكثر من ثلاث مرات، وقال: (هذا هو المنصوص عن الإمام أحمد ومالك وغيرهم) (١). وقال صالح بن أحمد لأبيه: تشمت العاطس في مجلسه ثلاثًا؟ قال: أكثر ما فيه ثلاث. ومثله نقله البغوي عن إبراهيم النخعي، والحسن البصري (٢). ° الوجه التاسع: ينبغي للعاطس أن يخفض صوته بالعطاس ولا يرفعه؛ لئلا يزعج أعضاءه، وعليه أن يغطي فمه ووجهه بيده أو بثوبه، أو بأي شيء آخر عند العطاس، لئلا يخرج من فمه شيء يؤذي جليسه أو يقع على ثوبه أو على طعام إن كان بحضرة طعام، أو يخرج منه شيء يفحش منظره؛ لأنه لا يملك نفسه عن العطاس، فلا يأمن ما يخرج منه. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا عطس وضع يده، أو ثوبه على جبهته، وخفض -أو غضَّ- من صوته (٣). وعليه أن يحذر أن يلوي عنقه يمينًا أو شمالًا صيانة لجليسه؛ لأنه قد يتضرر بذلك، فإنه لا يأمن الالتواء (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4543

ما جاء في الشرب قائمًا ١٤٥٧/ ١١ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الأشربة"، باب (كراهية الشرب قائمًا) (٢٠٢٦) من طريق عمر بن حمزة، أخبرني أبو غطفان المرِّي أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحد منكم قائمًا فمن نسي فليستقئ. وعمر بن حمزة -وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب- وإن احتج به مسلم فقد تكلم فيه الأئمة، فقال عنه الإمام أحمد فيما نقله ابنه عبد الله: (أحاديثه أحاديث مناكير) (١)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وضعفه ابن معين في رواية، وقال في أخرى: (صالح ليس بذاك)، وقال ابن عدي: (يكتب حديثه)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢) وقال: (كان ممن يخطئ)، وقال الحاكم: (حديثه مستقيم) (٣)، وقال الحافظ في "التقريب": (ضعيف). وقد ذهب أبو الوليد الباجي إلى تضعيف الحديث فقال: (هذا الحديث رواه عمر بن حمزة، ولا يحتمل مثل هذا) (٤)، وتبعه على هذا القاضي عياض فقال: (لم يدخل مالك في "موطئه" ولا البخاري في "صحيحه" أحاديث النهي

стр. 4544

عن الشرب قائمًا، فأدخلا إباحة ذلك من الأحاديث والأثار؛ إذ لم يصح عندهم النهي عن ذلك، والله أعلم (١). وذهب آخرون إلى تصحيح الحديث، ومنهم النووي، والحافظ ابن حجر، فإنه قال في رده على القاضي عياض: (وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء" رواه أحمد، فالحديث بمجموع طرقه صحيح، والله أعلم) (٢). لكن هذا الحديث من رواية معمر، عن الأعمش، وقد تفرد به، وهو كوفي، ورواية معمر عن أهل العراق تُكُلِّمَ فيها، فقد قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: (إذا حدثك معمر عن العراقيين فَخَفْهُ، إلا عن الزهري وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة والبصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا) (٣). قال الباجي: (والذي يظهر لي أن الصحيح من حديث أبي هريرة إنما هو موقوف عليه)، وتابعه القاضي عياض فنقل عن بعض الشيوخ أنه قال: (والأظهر من هذا موقوف على أبي هريرة). ° الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن أن يشرب وهو قائم، وقد حمل ابن حزم هذا النهي على التحريم فقال: (ولا يحل الشرب قائمًا … ) (٤)، ومال الصنعاني إلى هذا (٥). وأما الجمهور فقد اختلفت كلمتهم في هذا الحديث وما في معناه،

стр. 4545

كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (١) وما يأتي من حديث أنس ﵁، وسبب ذلك أنه ورد أحاديث أخرى من السنّة الفعلية معارضة في ظاهرها لهذا النهي، ومنها حديث ابن عباس ﵄ قال: (شرب النبي ﷺ قائمًا من زمزم) (٢). وعن النزال بن سَبْرة قال: أُتي عليٌّ ﵁ على باب الرحبة (٣) بماء، فشرب قائمًا، فقال: (إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت) (٤). ومفاد ذلك جواز الشرب قائمًا، وهذا من تعارض القول والفعل عند الأصوليين. فمن أهل العلم من ذهب إلى النسخ، وأن أحاديث جواز الشرب قائمًا ناسخة لأحاديث النهي، بقرينة عمل بعض الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم (٥) ﵃ وكذا من جاء بعدهم من التابعين بالجواز، وهذا رأي الأثرم وابن شاهين، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز متمسكًا بأن الجواز على البراءة الأصلية، وأحاديث النهي ناقلة عن البراءة مقررة لحكم الشرع (٦)، وهذا مسلك ضعيف، فإن النسخ لا يُصار إليه مع إمكان الجمع ولو ثبت التاريخ، ولهذا عدَّ النووي القول بالنسخ غلطًا فاحشًا (٧). وذهب آخرون إلى أن أحاديث الجواز خاصة بالنبي ﷺ ؛ لأنها فعل، وأحاديث النهي عامة للأمة؛ لأنها قول، وهذا مسلك ضعيف أيضًا؛ لأن فعل علي ﵁ ينفي الخصوصية.

стр. 4546

وذهب فريق ثالث إلى الجمع بين الأدلة، وهو أن أحاديث النهي محمولة على التنزيه، فهي نهي أدب وإرشاد حتى يكون تناول الماء على سكون وطمأنينة، وأحاديث شربه ﷺ قائمًا محمولة على الجواز، ولا يكون ذلك مكروهًا في حقه ﷺ أصلًا؛ لأنه ﷺ فعله لبيان الجواز، والبيان واجب عليه ﷺ ، وهذا قول الخطابي وابن جرير وابن بطال والنووي وآخرين (١)، وهذا هو الصواب؛ لأن فيه عملًا بالأحاديث كلها. وقد ذكر ابن القيم أن أكثر شربه ﷺ كان وهو قاعد، فينبغي للمسلم أن يحرص على ما كان هديًا معتادًا للنبي ﷺ ، فإنه هو الأفضل وهو الأكمل، فإن شرب قائمًا أحيانًا أو لحاجة فلا بأس إن شاء الله. وأما الأكل قائمًا فلم يثبت فيه نهي، لكن ورد في حديث قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا. قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أَشَرُّ أو أخبث (٢). والمعنى إنه إذا نُهي عن الشرب قائمًا فالأكل من باب أولى؛ ولعل ذلك لطول زمن الأكل بالنسبة لزمن الشرب (٣)، والنهي فيه ليس للتحريم، بل هو لكراهة التنزيه (٤) بدليل حديث ابن عمر ﵁ قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام (٥).

стр. 4547

° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من شرب قائمًا واستطاع أن يقيء فليفعل، والأمر فيه محمول على الاستحباب لا على الوجوب، وقد نقل القاضي عياض -كما تقدم- أنه لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب قائمًا ليس عليه أن يتقيأ، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاء لا يمنع ثبوت الاستحباب، وذكر الناسي في الحديث من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا أُمر الناسي بالاستقاء وهو غير مخاطب، فالعامد المخاطب المكلف أولى، وكل هذا مبني على ثبوت الحديث، وقد تقدم الكلام فيه، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: (الظاهر -والله أعلم- أن هذا منسوخ؛ لأن الرسول ﷺ شرب قائمًا مرات كثيرة ولم يستقئ، وهو ﵊ أكثر الناس امتثالًا، فلعله منسوخ، أو وَهْمٌ من بعض الرواة) (١). والله تعالى أعلم.

стр. 4548

ما جاء في صفة الانتعال ١٤٥٨/ ١٢ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، فإذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشَّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ". ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث ذكر الحافظ من رواه مع الحديث الذي يليه، وقد رواه البخاري في كتاب "اللباس"، باب (ينزع نعله اليسرى) (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٨) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع" وهذا لفظ البخاري. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا انتعل أحدكم) أي: لبس النعل، يقال: تنعَّل وانتعل: لبس نعله. قوله: (فإذا نزع) لفظ البخاري: (وإذا نزع)، وفي رواية عند مسلم: (وإذا خلع) أي: أراد خلع النعل. قوله: (ولتكن اليمنى) جملة مستأنفة فيها معنى التأكيد لما قبلها، أو أنها إجمال لما تقدم. قوله: (أولَهما تنعل) بضم التاء، والانتعال: لبس النعل، كما مرَّ،

стр. 4549

وجملة (تنعل) في محل نصب خبر (تكن)، وقوله: (أولهما) بالنصب ظرف لقوله: (تنعل)، و (آخرهما) بالنصب ظرف لقوله: (تنزع). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب البدء بالرَّجل اليمنى عند لبس النعل وتأخير لبس الرجل اليسرى، وذلك لأن لبس النعل كرامة للرجل والرِّجل اليمنى أحق بذلك؛ لأن السنّة استحباب الابتداء باليمين في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة. ° الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب البدء بخلع نعل الرِّجل اليسرى وتأخير خلع اليمنى؛ لأن بقاء الرِّجل في النعل كرامة، وتقدم أنها أحق بها؛ لأن السنّة استحباب البداءة باليسار في كل ما هو ضد التكريم. وقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على أن الأمر في هذا الحديث للاستحباب والأدب (١)، وقال ابن عبد البر: (من مشى في نعل واحد أو خف واحدة، أو بدأ في انتعاله بشماله فقد أساء وخالف السنّة، وبئس ما صنع إذا كان بالنهي عالمًا، ولا يحرم عليه مع ذلك لُبْسُ نعله ولا خفّه، ولكن لا ينبغي له أن يعود، فالبركة والخير في اتباع أدب رسول الله وامتثال أمره ﷺ " (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 4550

النهي عن المشي في نعل واحدة ١٤٥٩/ ١٣ - وَعَنْهُ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِمَا. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "اللباس"، باب (لا يمشي في نعل واحدة" (٥٨٥٥)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٨) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشِ أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا … " الحديث. وهذا لفظ مسلم. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يمشِ) المضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الياء. قوله: (في نعل واحدة) النعل: مؤنثة بدليل وصفها بالمؤنث، قال ابن سيده: (النعل والنعلة: ما وَقَيْتَ به القدم من الأرض) (١) وقال ابن الأثير: (هي التي تلبس في المشي، تسمى الآن تاسومة) (٢)، وهذا أخص من الأول؛ لأن ابن سيده أطلق النعل على كل ما تُوقَى به القدم. قوله: (ولينعلهما) لفظ مسلم في النسخ المطبوعة بدون واو، والضمير يعود على النعلين، وقيل: على القدمين وإن لم يجر لهما ذكر؛ لأنه تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو النعل، وهذا مشهور في لغة العرب، وهو ألا يذكر مرجع

стр. 4551

للضمير، وإنما يكون ما سبق من الكلام متضمنًا له؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] فالضمير ﴿هُوَ﴾ يعود على العدل الذي تضمنه لفظ ﴿اعْدِلُوا﴾، وعود الضمير على النعلين أرجح بدليل رواية مسلم: (أو ليخلعهما) ولأنه يقال: نَعَلَ وانتعل، كما حكاه الجوهري (١)، وعلى هذا فالضمير يعود على مذكور. والفعل (ينعل) يجوز فيه ضم الياء من أنعل الرباعي، ويجوز فتحها من نعل الثلاثي، يقال: أنعل رجله ونَعَلَها: إذا ألبسها نعلًا، وهذا إن كان الضمير يعود للقدمين، فإن عاد على النعلين تعين فتح الياء (٢)، يقال: نَعَلَ يَنْعَلُ من باب فتح: لَبِسَ النعل، وقد ذكر القاضي عياض أن هذه اللفظة بالفتح (٣)، وهذا أحسن لقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ [طه: ١٢] ولقوله في الحديث: "وليخلعهما" فيكون معنى (ليَنْعلهما جميعًا) يلبس نعلهما جميعًا. قوله: (جميعًا) حال؛ أي: في آن واحد فلا يمشي في نعل واحدة. قوله: (أو ليخلعهما) أي: النعلين، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (لِيُحْفِهِمَا أو لِيُنْعِلْهما جميعًا) وهي بالحاء المهملة والفاء من الحفاء، يقال: حَفِيَ الرِجل يَحْفَى من باب تعب حفاءً: إذا مشى بغير نعل ولا خف (٤). قال النووي: (وكلاهما صحيح، ورواية البخاري أحسن) (٥). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن أن يمشي بنعل واحدة أو خف واحد، بل يخلعهما جميعًا أو يلبسهما جميعًا، وهذا النهي وإن كان ظاهره التحريم لكنه محمول عند الجمهور على كراهة التنزيه، بل نقل فيه الإجماع غير واحد منهم النووي (٦)؛ لأنه من باب الأدب والإرشاد، وخالف فيه ابن حزم الظاهري فقال: (ولا يحل المشي في خف واحد ولا نعل واحدة) (٧) ومال الصنعاني إلى هذا (٨).

стр. 4552

وقد اختلفوا في علة هذا النهي، فقيل: لأن النعال شرعت لوقاية الرِّجل عما في الأرض من شوك أو حجر أو حرارة ونحو ذلك، فإذا انفردت إحدى الرجلين بالنعل احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيته، ولا يأمن مع ذلك العِثَار، وقيل: لأن هذا من باب العدل بين الجوارح، وقيل: لئلا يكون من باب الشهرة فترفع إليه الأبصار، وقيل: لئلا ينسب إلى اختلال الرأي وضعفه (١)، وقيل: لأنها مشية الشيطان، وقد ورد في هذه العلة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة" (٢). وقيل غير ذلك. ° الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذا النهي مخصوص بحالة المشي، بخلاف ما لو وقف أو جلس وعليه نعل واحدة، وذلك لانتفاء المفاسد المذكورة أو بعضها، وقيل: ذِكْرُ المشي تمثيل، فالوقوف والجلوس كذلك لا سيما وأن النعل زينة، فيكون فيه تزيين إحدى الرجلين دون الأخرى (٣)، وهذا ليس من العدل. والله تعالى أعلم.

стр. 4553

ما جاء من الوعيد فيمن جرّ ثوبه خيلاء ١٤٦٠/ ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ اللهُ إلى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في أول كتاب "اللباس"، باب (قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]) (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) (٤٢) من طريق مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم يخبرونه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. ورواه البخاري (٣٦٦٥) من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إنَّ أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله ﷺ : "إنك لست تصنع ذلك خيلاء". ورواه مسلم بهذا التقييد (٢٠٨٥) (٤٤) وليس فيه: فقال أبو بكر. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا ينظر الله) أي: لا ينظر الله يوم القيامة نظر رحمة ولطف وإحسان، وهذا إثبات لأصل النظر وقَصْرٌ للنفي على نوع منه؛ لأن الله تعالى لا يحجب بصره شيء أبدًا في أي وقت كان، وتقدم هذا في باب "الدعاوى". وقد جاء الحديث -كما تقدم- من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه وفيه: (يوم القيامة) ولعل التقييد به؛ لأن يوم القيامة هو محل نظر الرحمة

стр. 4554

العظيمة المستمرة التي لا تنقطع، بخلاف رحمة الدنيا فقد تنقطع ويأتي ما يخالفها (١). قوله: (إلى مَنْ جَرَّ ثوبه) كناية عن إطالة الثوب وإسباله؛ لأنه إذا أطاله مسَّ الأرض وإذا مشى جرّه، ويدل لهذا قوله ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٢). ومَنْ: صيغة عموم، تتناول الرجال والنساء في هذا الوعيد، وقد فهمت ذلك أم سلمة ﵄، فقد روى الترمذي والنسائي هذا الحديث من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر وزادا: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يرخينه شبرًا" فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: "فيرخينه ذراعًا ولا يزدن عليه" (٣)، وقد روى مسلم حديث ابن عمر من طريق أيوب، عن نافع، وكأنه أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع (٤). قوله: (خيلاء) بضم الخاء المعجمة وكسرها مع فتح الياء فيهما والمد، هو البطر والكبر والإعجاب، يقال: خال الرجل خالًا واختال اختيالًا: إذا تكبر، وكأنه مأخوذ من التخيل وهو الظن؛ لأن المختال يظن أنه بصفة عظيمة بلباسه أو مركبه أو نحو ذلك (٥). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم جر الإزار خيلاء وكبرًا وإعجابًا، وأن هذا من كبائر الذنوب (٦)، لثبوت الوعيد عليه بأن الله تعالى لا ينظر لفاعله يوم القيامة؛ وذلك لأنه اجتمع في حقه أمران: الإسبال، والتكبر، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، إلا ما اسْتُثْني من الحرب أو ثَمَّ حاجة تدعو إليه من مرض أو غيره (٧).

стр. 4555

وهذا حكم عام في الثياب والعباءات والسراويل وغيرها، وقد روى البخاري من طريق شعبة قال: لقيت محارب بن دِثَار على فرس … فسألته عن هذا الحديث، وفيه: فقلت لمحارب: أَذَكَرَ إزاره؟ قال: ما خصَّ إزارًا ولا قميصًا (١). ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، وإنما جاء الحديث بلفظ الإزار؛ لأنه كان غالب لباس القوم في ذلك الوقت، فلما لبس الناس القميص ونحوه كان حكمه حكم الإزار في النهي، والخطاب إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كما هو مقرر في الأصول، وثَمَّ أمر آخر لتخصيص الإزار وهو كون الإزار يسترخي بسبب الحركة والمشي، فينزل إلى المرتبة المحذورة، بخلاف القميص فإنه لا يسترخي، إلا إذا كان من أصله طويلًا. وأما الإسبال لغير الخيلاء وإنما يفعله الإنسان مجاراةً لهواه، أو للمجتمع الذي يعيش فيه، أو تساهلًا، فهو موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بتحريمه، وهو رواية في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي عياض، وابن العربي من المالكية، وإليه مال الحافظ ابن حجر (٢)، وهو اختيار الشيخ الألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (٣)، واستدلوا بحديث الباب وما جاء في معناه من الأدلة الدالة على تحريم الإسبال للخيلاء. وقالوا: إن التقييد بالخيلاء خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب لا يعمل بمفهومه، كما هو مقرر في الأصول، ولإن الإسبال يستلزم الخيلاء، لإنه يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، قال ابن العربي: إلا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فِيَّ؛ فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته
следующие страницы →