← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

للضمير، وإنما يكون ما سبق من الكلام متضمنًا له؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] فالضمير ﴿هُوَ﴾ يعود على العدل الذي تضمنه لفظ ﴿اعْدِلُوا﴾، وعود الضمير على النعلين أرجح بدليل رواية مسلم: (أو ليخلعهما) ولأنه يقال: نَعَلَ وانتعل، كما حكاه الجوهري (١)، وعلى هذا فالضمير يعود على مذكور. والفعل (ينعل) يجوز فيه ضم الياء من أنعل الرباعي، ويجوز فتحها من نعل الثلاثي، يقال: أنعل رجله ونَعَلَها: إذا ألبسها نعلًا، وهذا إن كان الضمير يعود للقدمين، فإن عاد على النعلين تعين فتح الياء (٢)، يقال: نَعَلَ يَنْعَلُ من باب فتح: لَبِسَ النعل، وقد ذكر القاضي عياض أن هذه اللفظة بالفتح (٣)، وهذا أحسن لقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ [طه: ١٢] ولقوله في الحديث: "وليخلعهما" فيكون معنى (ليَنْعلهما جميعًا) يلبس نعلهما جميعًا. قوله: (جميعًا) حال؛ أي: في آن واحد فلا يمشي في نعل واحدة. قوله: (أو ليخلعهما) أي: النعلين، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (لِيُحْفِهِمَا أو لِيُنْعِلْهما جميعًا) وهي بالحاء المهملة والفاء من الحفاء، يقال: حَفِيَ الرِجل يَحْفَى من باب تعب حفاءً: إذا مشى بغير نعل ولا خف (٤). قال النووي: (وكلاهما صحيح، ورواية البخاري أحسن) (٥). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المسلم منهي عن أن يمشي بنعل واحدة أو خف واحد، بل يخلعهما جميعًا أو يلبسهما جميعًا، وهذا النهي وإن كان ظاهره التحريم لكنه محمول عند الجمهور على كراهة التنزيه، بل نقل فيه الإجماع غير واحد منهم النووي (٦)؛ لأنه من باب الأدب والإرشاد، وخالف فيه ابن حزم الظاهري فقال: (ولا يحل المشي في خف واحد ولا نعل واحدة) (٧) ومال الصنعاني إلى هذا (٨).

стр. 4552

وقد اختلفوا في علة هذا النهي، فقيل: لأن النعال شرعت لوقاية الرِّجل عما في الأرض من شوك أو حجر أو حرارة ونحو ذلك، فإذا انفردت إحدى الرجلين بالنعل احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيته، ولا يأمن مع ذلك العِثَار، وقيل: لأن هذا من باب العدل بين الجوارح، وقيل: لئلا يكون من باب الشهرة فترفع إليه الأبصار، وقيل: لئلا ينسب إلى اختلال الرأي وضعفه (١)، وقيل: لأنها مشية الشيطان، وقد ورد في هذه العلة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة" (٢). وقيل غير ذلك. ° الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذا النهي مخصوص بحالة المشي، بخلاف ما لو وقف أو جلس وعليه نعل واحدة، وذلك لانتفاء المفاسد المذكورة أو بعضها، وقيل: ذِكْرُ المشي تمثيل، فالوقوف والجلوس كذلك لا سيما وأن النعل زينة، فيكون فيه تزيين إحدى الرجلين دون الأخرى (٣)، وهذا ليس من العدل. والله تعالى أعلم.

стр. 4553

ما جاء من الوعيد فيمن جرّ ثوبه خيلاء ١٤٦٠/ ١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ اللهُ إلى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. ° الكلام عليه من وجوه: ° الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في أول كتاب "اللباس"، باب (قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]) (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) (٤٢) من طريق مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم يخبرونه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. ورواه البخاري (٣٦٦٥) من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إنَّ أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول الله ﷺ : "إنك لست تصنع ذلك خيلاء". ورواه مسلم بهذا التقييد (٢٠٨٥) (٤٤) وليس فيه: فقال أبو بكر. ° الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا ينظر الله) أي: لا ينظر الله يوم القيامة نظر رحمة ولطف وإحسان، وهذا إثبات لأصل النظر وقَصْرٌ للنفي على نوع منه؛ لأن الله تعالى لا يحجب بصره شيء أبدًا في أي وقت كان، وتقدم هذا في باب "الدعاوى". وقد جاء الحديث -كما تقدم- من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه وفيه: (يوم القيامة) ولعل التقييد به؛ لأن يوم القيامة هو محل نظر الرحمة

стр. 4554

العظيمة المستمرة التي لا تنقطع، بخلاف رحمة الدنيا فقد تنقطع ويأتي ما يخالفها (١). قوله: (إلى مَنْ جَرَّ ثوبه) كناية عن إطالة الثوب وإسباله؛ لأنه إذا أطاله مسَّ الأرض وإذا مشى جرّه، ويدل لهذا قوله ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٢). ومَنْ: صيغة عموم، تتناول الرجال والنساء في هذا الوعيد، وقد فهمت ذلك أم سلمة ﵄، فقد روى الترمذي والنسائي هذا الحديث من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر وزادا: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يرخينه شبرًا" فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: "فيرخينه ذراعًا ولا يزدن عليه" (٣)، وقد روى مسلم حديث ابن عمر من طريق أيوب، عن نافع، وكأنه أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع (٤). قوله: (خيلاء) بضم الخاء المعجمة وكسرها مع فتح الياء فيهما والمد، هو البطر والكبر والإعجاب، يقال: خال الرجل خالًا واختال اختيالًا: إذا تكبر، وكأنه مأخوذ من التخيل وهو الظن؛ لأن المختال يظن أنه بصفة عظيمة بلباسه أو مركبه أو نحو ذلك (٥). ° الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم جر الإزار خيلاء وكبرًا وإعجابًا، وأن هذا من كبائر الذنوب (٦)، لثبوت الوعيد عليه بأن الله تعالى لا ينظر لفاعله يوم القيامة؛ وذلك لأنه اجتمع في حقه أمران: الإسبال، والتكبر، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك، إلا ما اسْتُثْني من الحرب أو ثَمَّ حاجة تدعو إليه من مرض أو غيره (٧).

стр. 4555

وهذا حكم عام في الثياب والعباءات والسراويل وغيرها، وقد روى البخاري من طريق شعبة قال: لقيت محارب بن دِثَار على فرس … فسألته عن هذا الحديث، وفيه: فقلت لمحارب: أَذَكَرَ إزاره؟ قال: ما خصَّ إزارًا ولا قميصًا (١). ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، وإنما جاء الحديث بلفظ الإزار؛ لأنه كان غالب لباس القوم في ذلك الوقت، فلما لبس الناس القميص ونحوه كان حكمه حكم الإزار في النهي، والخطاب إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كما هو مقرر في الأصول، وثَمَّ أمر آخر لتخصيص الإزار وهو كون الإزار يسترخي بسبب الحركة والمشي، فينزل إلى المرتبة المحذورة، بخلاف القميص فإنه لا يسترخي، إلا إذا كان من أصله طويلًا. وأما الإسبال لغير الخيلاء وإنما يفعله الإنسان مجاراةً لهواه، أو للمجتمع الذي يعيش فيه، أو تساهلًا، فهو موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بتحريمه، وهو رواية في مذهب الحنابلة، واختاره القاضي عياض، وابن العربي من المالكية، وإليه مال الحافظ ابن حجر (٢)، وهو اختيار الشيخ الألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين (٣)، واستدلوا بحديث الباب وما جاء في معناه من الأدلة الدالة على تحريم الإسبال للخيلاء. وقالوا: إن التقييد بالخيلاء خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب لا يعمل بمفهومه، كما هو مقرر في الأصول، ولإن الإسبال يستلزم الخيلاء، لإنه يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، قال ابن العربي: إلا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فِيَّ؛ فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته

стр. 4556

ذيله دالة على تكبره) (١). كما استدلوا بالأحاديث التي ورد فيها الوعيد الشديد على الإسبال من غير تفريق بين الخيلاء وغيرها، ومنها: ما تقدم من قوله ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" فثبت فيه الوعيد بهذه العقوبة العظيمة، من غير تفريق بين الخيلاء وغيرها، وهذا يدل على تعذيب هذا الجزء من البدن بالنار، وهو ما نزل من الكعب، وهو نظير قوله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" (٢). وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الإسبال إذا لم يكن للخيلاء فهو مكروه كراهة تنزيه لا كراهة تحريم (٣)، واستدلواء بحديث الباب من وجهين: الأول: أن هذا الوعيد مقيد بالخيلاء، ومفهومه أنه إن تجرد الإسبال عن الخيلاء لم يثبت فيه الوعيد، ولا يصل إلى درجة التحريم، وتكون الأدلة المطلقة محمولة على المقيدة. والوجه الثاني: أن قول النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" دليل على أن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيرها، وإذا كان لغيرها فليس داخلًا في الوعيد. والقول الأول أرجح، لقوة مأخذه، ثم إن في البعد عن الإسبال احتياطًا للنفس والدين، وبعدًا عن موجبات العقوبة، وملازمة لسنة النبي ﷺ في اللباس (٤). ومما يؤيد هذا الاختيار ما تقدم من قول أم سلمة ﵂: (فكيف تصنع النساء بذيولهن؟) فهذا يدل على أن أم سلمة ﵂ فهمت الزجر عن الإسبال

стр. 4557

مطلقًا، سواء للخيلاء أم لا، فسألت عن حكم النساء، ولو فهمت أن التحريم مختص بالخيلاء لما سألت عن حكنم النساء في جر ذيولهن لستر أقدامهن. وما يؤيد هذا -أيضًا- قوله ﷺ لبعض أصحابه: "وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة … " (١) فجعل النبي ﷺ الإسبال كله من المخيلة. وأما قولهم: إن الأدلة الناهية عن الإسبال مطلقًا محمولة على الأدلة المقيدة للتحريم بالخيلاء، فمؤدى هذا حمل المطلق على المقيد، وهذا فيه نظر؛ لأن الأحاديث في هذا الباب ليست من باب حمل المطلق على المقيد؛ لإن الإسبال إن قصد به الخيلاء فعقوبته أن الله تعالى لا ينظر إلى فاعله يوم القيامة، وإن لم يقصد به الخيلاء فعقوبته أن الله تعالى يعذب فاعله بالنار بقدر ما نزل من الكعبين، وعلى هذا فهما عملان مختلفان، رتب عليهما عقوبتان مختلفتان، ومن شرط حمل المطلق على المقيد الاتفاق في الحكم والسبب أو في الحكم فقط دون السبب، وهنا قد اختلف الحكم، فيمتنع الحمل (٢). وأما الاستدلال بفعل أبي بكر ﵁ فهو مردود من وجوه عديدة، منها: ١ - أن أبا بكر ﵁ لم يقصد الإسبال، وإنما كان أحد شقي إزاره يسترخي بغير اختياره، إذا تحرك بمشي أو غيره، وفرق بين من يرخي ثوبه قصدًا، ومن يسترخي ثوبه بلا قصد، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسترخي بدون قصد لم يحرم، كالذي وقع من أبي بكر ﵁، وإن كان الثوب زائدًا على قدر لابسه بأن نزل عن الكعبين فهذا هو المحرم. ٢ - أن أبا بكر ﵁ حريص على إصلاح إزاره وتعاهده بحيث لا يدعه يتجاوز الكعبين، قال الحافظ ابن حجر: "كأن شَدَّهُ كان ينحلُّ إذا تحرك بمشي

стр. 4558

أو غيره بغير اختياره، فإذا كان محافظًا عليه لا يسترخي، لأنه كلما كاد يسترخي شَدَّهُ" (١). ٣ - أن الحديث دليل على تحريم الإسبال؛ وأن المسلم لا يطيل ثوبه إلى ما دون الكعبين، وقد فهم أبو بكر ﵁ ذلك، فسأل النبي ﷺ عن حاله. ٤ - أن النبي ﷺ شهد لأبي بكر ﵁ بأنه لا يفعل ذلك خيلاء، فمن يزعم أنه نال شهادة كهذه بعد أبي بكر ﵁؟! لا سيما وقد نهى النبي ﷺ بعض الصحابة عن الإسبال مطلقًا، وبين أنه من المخيلة! مع أن بعضهم لم تخطر الخيلاء بباله، ولكن من الناس من يبحث عن المتشابه من النصوص؛ لعله يجد ما يشهد لفعله، والواجب رد المتشابه من النصوص إلى المحكم؛ ليتضح المراد (٢). ولا يجوز للرجل أن يسبل ثوبه؛ مجاراة لمجتمعه الذي يكثر فيه الإسبال، ويقول: هذه عادة المجتمع، وهذا هو العرف الذي سار عليه غالب الناس؛ فإن هذه علة باطلة؛ لأن العمل بالعرف له شروط وضوابط، ومنها: ألا يخالف دليلًا من أدلة الشرع أو قاعدة من قواعده، وقد نص علماء الأصول على أنه لا عبرة بالعرف مع وجود النص. ° الوجه الرابع: تحريم الإسلام الإسبال مبني على حكم عظيمة، ومصالح جَمَّة، وفيه درء المفاسد عن الناس، ومن ذلك: ١ - أن الإسبال مظنة الخيلاء وذريعة إليها، والوسائل لها أحكام المقاصد، وقد جاءت الشريعة بسد ذرائع المحرمات، يقول الحافظ ابن حجر: (إن الإسبال يستلزم جَرَّ الثوب، وجَرُّ الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما رواه ابن عمر مرفوعًا إلى النبي ﷺ بقوله: " … وإياك وجَرَّ الإزار، فإن جر الإزار من المَخِيلة") (٣).

стр. 4559

٢ - أن الإسبال فيه تشبه بالنساء؛ لأن المرأة هي التي أمرت أن يكون لباسها أنزل من الكعبين لستر قدميها، كما تقدم في حديث أم سلمة ﵂. ٣ - أن الإسبال فيه إسراف؛ لأن هذا الجزء من الثوب لا داعي له، فيكون داخلًا في الإسراف الذي ثبت النهي عنه في الكتاب والسنّة، قال الحافظ ابن حجر: (إن كان الثوب زائدًا على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف، فينتهي إلى التحريم) (١). ٤ - أن المسبل لا يأمن تَعَلُّقَ النجاسة بثوبه؛ لأن الثوب إذا كَثُرت ملامسته الأرض لم يؤمن أن يعلق به شيء من الأوساخ والنجاسات. * الوجه الخامس: المستفاد من الأحاديث في موضوع لباس الرجل أن طول القميص وما في معناه أربعة أقسام: ١ - السنّة: إلى نصف الساق (٢). ٢ - الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب. ٣ - كبيرة من كبائر الذنوب: ما نزل عن الكعبين بلا خيلاء. ٤ - من جرّ ثوبه خيلاء وهو أشد من الذي قبله. وبهذا يتضح أنه لا حرج في نزول الثوب عن نصف الساق إلى ما فوق الكعبين (٣)، بل إن من فعل مثل ذلك من باب تأليف القلوب، وترغيب من حوله في تقصير الثياب إلى هذا الحدِّ، قد يكون مأجورًا بهذه النية، خاصة إذا كان في مجتمع ينتشر فيه الإسبال، ويظن أهله أن الأمر إما تشمير إلى نصف الساق أو إسبال. والله تعالى أعلم.

стр. 4560

الأمر بالأكل باليمين والشرب بها ١٤٦١/ ١٤ - وَعَنْهُ ﵁، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وإذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِه، فَإن الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ويشْرَبُ بِشِمَالِهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه مسلم في كتاب "الأشربة"، باب (آداب الطعام والشراب وأحكامهما) (٢٠٢٠) من طريق الزهري، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن جده ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: … وذكر الحديث. * الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المؤمن مأمور بأن يأكل بيمينه وأن يشرب بيمينه، ومنهي عن الأكل أو الشرب بشماله؛ لأن هذا من عمل الشيطان، فهو الذي يأكل بشماله ويشرب بشماله؛ لأنه لاستقذاره وخساسته يستعمل الخسيس في النفيس (١)، والرسول ﷺ علل هذا النهي بأن الشيطان يفعل ذلك، ومخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به (٢). وقد نهينا عن اتباع الشيطان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ [النور: ٢١]. وقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الأكل والشرب باليمين مندوب؛ لأن النهي فيه من باب الأدب والإرشاد؛ ولأنه من باب تكريم اليمين

стр. 4561

وتشريفها على الشمال (١). وذهب جماعة من أهل العلم منهم: ابن عبد البر، وابن حزم، وابن أبي موسى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم إلى وجوب الأكل والشرب باليمين، وتحريم الأكل والشرب بالشمال، قال ابن القيم: (وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد)، ولما ذكر ابن علّان الاستحباب قال: (وقيل: وجوبًا؛ لما في غيره من الشَّرَهِ ولحوق الضرر بالغير، وانتصر له السبكي، وعليه نص الشافعي في "الرسالة" ومواضع من "الأم" … ) (٢)، وهذا قول قوي؛ لأن الأدلة الواردة في هذا الباب صحيحة وصريحة في الدلالة على المراد، وذلك لما يلي: أولًا: أن النبي ﷺ نهى عن استعمال الشمال في الأكل والشرب، وبيّن أنه من عمل الشيطان، وعليه فمن أكل أو شرب بشماله فقد تشبّه بالشيطان. ثانيًا: صيغ الأمر الواردة في هذا الباب مع صيغ النهي، ولا صارف لها عن ظاهرها الذي هو الوجوب والتحريم. ثالثًا: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند النبي ﷺ بشماله، فقال: "كُل بيمينك" قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكِبْرُ"، قال: فما رفعها إلى فيه (٣). فهذا الذي امتنع من الأكل بيمينه وأصر على الأكل بشماله كبرًا وعنادًا دعا عليه النبي ﷺ لأنه لم يكن له عذر، وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ حتى شُلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم، وهذا دليل واضح على أن هذا قد ترك واجبًا، وارتكب محرمًا، فاستحق أن يُدعى عليه لمخالفته الحكم

стр. 4562

الشرعي، وعدم قبوله ما أمره به النبي ﷺ ، والقول بأن الدعاء عليه ليس لامتناعه عن الأكل بيمينه، وإنما لكبره عن امتثال الأمر النبوي، واختلاقه علة هو كاذب فيها، هذا خلاف ظاهر الحديث (١). ومما يؤسف عليه أن الأكل والشرب بالشمال من العادات التي انتشرت بين المسلمين، وهذا من الجهل بالسنّة، أو قلة المبالاة وضعف العناية بآداب الشريعة، فينبغي الإنكار على من فعل ذلك، كما أنكر النبي ﷺ ، والأكل باليمين أيسر وأحسن وأخف. وإذا كانت اليد اليمنى فيها طعام فليس هذا بعذر للشرب بالشمال، كما يفعله بعض الناس؛ لأنه بإمكانه إمساك الإناء بمعاونة اليد اليسرى، على أنه في زماننا هذا وجدت هذه الكؤوس من البلاستيك، فيمكن إمساكها باليمين ولو حصل لها شيء من التأثر؛ لأنها سترمى في الغالب ولا تستعمل مرة ثانية (٢). * الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الشيطان يأكل ويشرب، والأصل حمل الكلام على حقيقته، والشيطان من عالم الغيب، ولا نعلم من أعماله وأحواله إلا ما أخبرنا به نبينا ﷺ ، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط … " الحديث (٣)، فهذا يدل على أن له جوفًا يتغذى ويحيل الطعام والشراب، وكذا حديث ابن مسعود ﵁ قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل فقال: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، قال: "بال الشيطان في أذنه" (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 4563

النهي عن الإسراف والخيلاء في الأكل واللباس والصدقة ١٤٦٢/ ١٦ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيرِ سَرَفٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي (٤/ ١٩ - ٢٠)، والنسائي في كتاب "الزكاة"، باب (الاختيال في الصدقة) (٥/ ٧٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥)، وأحمد (١١/ ٢٩٤، ٣١٢) من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا، في غير مخيلة ولا سرف، إن الله يحب أن تُرى نعمته على عبده". وهذا السياق لأحمد، ولأبي داود نحوه، إلا أنه لم يذكر الاستثناء، وقال: "إن الله يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده". ولفظ النسائي وابن ماجه: "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة"، وقد جاء في إسناد الطيالسي: حدثنا همام عن رجل .. وهذا المبهم هو قتادة كما صرحت به بقية الروايات، وفي رواية للبيهقي في "الشعب" (١١/ ١٧٤ - ١٧٥): عن رجل أظنه قتادة. وروى الترمذي هذا الحديث (٢٨١٩) مقتصرًا على الزيادة، وعلّق أوله البخاري في "صحيحه" في أول كتاب "اللباس" بصيغة الجزم، قال الحافظ:

стр. 4564

(هذا الحديث من الأحاديث التي لا توجد في البخاري إلا معلقة، ولم يصله في مكان آخر، وقد وصله أبو داود الطيالسي … ) (١). وهذا الحديث سنده حسن، وعزوه لأبي داود وهم من الحافظ، إلا إن كان قصده أبا داود الطيالسي، كما تقدم في سياق كلامه من "الفتح" فكان عليه أن يقيده؛ لأن أبا داود إذا أُطلق فالمراد أبو داود السجستاني صاحب "السنن"، ثم إن الحافظ ساق الحديث بلفظ الإفراد، وهو في جميع المصادر بلفظ الجمع، كما مرَّ. وروى الحديث عبد الرزاق (١١/ ٢٧٠) - ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (١١/ ١٧٣) - عن معمر، عن قتادة، عن النبي ﷺ بنحوه مرسلًا. ورواية معمر عن قتادة متكلم فيها (٢). * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وتصدق) الظاهر أن المراد بالصدقة هنا: صدقة التطوع؛ لأن الصدقة الواجبة المحددة المقدار كالزكاة وصدقة الفطر لا يتصور فيها الإسراف. قوله: (في غير سرف) بفتح السين والراء المهملتين وهو ضد القصد، وهو في اللغة يطلق على معان منها: مجاوزة الحد، والمراد هنا: مجاوزة الحد في كل فعل أو قول، وهو في الإنفاق أشهر (٣). والفرق بين الإسراف والتبذير: أن الإسراف أعم من التبذير؛ لأن التبذير مختص بإنفاق المال في السرف أو المعاصي، والإسراف مجاوزة الحد المشروع في كل شيء، فهو في النفقة والمال والماء والإفراط في الكلام أو القتل وغير ذلك، والتبذير أشد من الإسراف؛ لأنه مأخوذ من مادة بذر التي تدل -فيما يقول ابن فارس- على معنى واحد، وهو نثر الشيء وتفريقه، وقد

стр. 4565

جاء عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ في تفسير: ﴿الْمُبَذِّرِينَ﴾ أنهم الذين ينفقون المال في غير حقه، ولهذا قال بعض العلماء: الإسراف صرف المال فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، والتبذير: صرفه فيما لا ينبغي، وقريب منه قول الماوردي: (التبذير: الجهل بمواقع الحقوق، والسرف: الجهل بمقادير الحقوق)، فالتبذير ليس في الكثرة والقلة، وإنما هو في موضع الإنفاق، ولهذا كان المبذرون إخوان الشياطين؛ لأنهم ينفقون في الحرام، ويرى آخرون أن الإسراف والتبذير معناهما واحد، والأول أرجح؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهذا فوق الأول (١). قوله: (ولا مخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة بوزن عظيمة مفعلة من اخقال: إذا تكبّر، فالمخيلة بمعنى التكبر والعُجب، وهي كالخيلاء. * الوجه الثالث: هذا الحديث يبين المنهج السليم الذي ينبغي للإنسان أن يسير عليه في حياته: في أكله وشربه وملبسه وصدقته؛ لأن فيه الحث على استعمال المال في الأمور النافعة في الدين والدنيا وتجنب الأمور الضارة. * الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الإسراف ومجاوزة الحد، وفيه إرشاد إلى القصد والتوازن والاعتدال في كل شأن من شؤون الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] ففي الآية توجيه رباني إلى القصد والاعتدال، نهي عن الإمساك والبخل ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، ونهي عن الإسراف ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ والنهاية إن فعلت ذلك ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ أي: تلام على ما فعلت، ﴿مَحْسُورًا﴾ أي: حاسر اليد فارغها، فإذا جمعت هذه الآية مع آية سورة الفرقان -الآتية- تبين لك منهج الإسلام. وقد جاء ذكر الإسراف في القرآن الكريم في آيات كثيرة، ووُصِفَتْ به

стр. 4566

أمم الكفر والضلال، قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. ونفى الله تعالى المحبة عن المسرفين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقد وصف الله عباد الرحمن بالقصد والاعتدال في الإنفاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]. إن الإسراف إضاعة للمال، وفقر في المآل، وهو ينافي شكر الله تعالى على النعمة؛ لأن من شكر نعمة المال صرفه فيما أذن فيه من المنافع، وهو سوء تصرف ينبئ عن الأثرة والأنانية وعدم الإحساس بما عليه الفقراء والمحتاجون. والإسراف يدعو إلى الترف والتنعم والتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها، فحيث كان السرف وكانت المخيلة كان الترف حتمًا. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عن بعض فوائد الاعتدال في الإنفاق: (ومن فوائد ذلك: أن في الاعتدال سرَّ بركة، وما عال من اقتصد، وأنَّه يمنع العبد الندم، فإنَّ المسرف في الإنفاق إذا أملق واحتاج لعبت به الحسرات، وجعل يقول بلسان مقاله، أو لسان حاله: يا ليتني لم أفعل ذلك. وأما المقتصد فإنه لا يندم العاقل على نفقة وضعها في محلها، وأقام بها واجبًا من الواجبات، أو سَدَّ بها حاجة من الحاجات، فإنَّ المال لا يقصد إلا لمثل هذه الحالة. وأيضًا فإنَّ المسرف في النفقات، لا بد أن يكون مترفًا معتادًا أمورًا، إذا عجز عنها شق عليه الأمر مشقة كبيرة، وكبر عليه الصبر، وثقل عليه حمله بخلاف المعتدل، فإنَّه سالم من هذه الحالة. وأيضًا فإنَّ الاعتدال في النفقة أحد قسمي الرشد. فالرشد الذي هو معرفة تدبير الدنيا أن يعرف الطرق التي يحصلها فيها، فيسلك النافع منها، ثم

стр. 4567

إذا حصلت عرف كيف يصرفها ويبذلها، وعِلْمُ التدبير من العلوم النافعة دينًا ودنيًا، وشرعًا وعقلًا) (١). * الوجه الخامس: الحديث دليل على إباحة الأكل والشرب من ملاذ الدنيا المباحة؛ لأن هذه بها قوام الحياة، وفيه نهي عن الإسراف والخيلاء فيهما، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال ابن كثير: (لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن) (٢). قال أبو الدرداء ﵁: (من فقه الرجل رفقه في معيشته ((٣). وقد نص الفقهاء على كراهة الأكل الكثير حتى يصاب بالتُّخمَةِ، وقال بعضهم: بالتحريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإسراف في الأكل مذموم) (٤). وقد أجمع الأطباء على أن اكتساب الصحة في عدم الشبع، وأن الشبع يجلب الوهن في الجسم ويُسْلِمُهُ للكسل والخمول، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف عن العبادة، ويحرك ما كَمَنَ من الأدواء، ويزيل قوة الشباب ونضارته. * الوجه السادس: الحديث دليل إباحة اللباس، وهو من نِعَم الله تعالى على عباده، يستر بدن الإنسان ويحفظه دون عاديات الجو وتقلباته، إضافة إلى أنه زينة وجمال، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي الحديث نهي عن الإسراف والخيلاء في اللباس، أما الخيلاء فقد تقدم الكلام فيه. وأما الإسراف في اللباس فهو أن يلبس الملابس ذات القيمة العالية وحالته المالية أقل من ذلك، وهذه ظاهرة موجودة لدى النساء حيث تلبس

стр. 4568

بعض النساء ثوبًا غالي الثمن لا تلبسه إلا مرة واحدة، أضف إلى ذلك متابعة الموضات والمستجدات وإنفاق الأموال في اتخاذ الزينة وتجميع الأثاث، ومن الإسراف كثرة عدد ثياب الشتاء وثياب الصيف مما يزيد عن الحاجة. * الوجه السابع: الحديث دليل على أن المسلم مأمور بالصدقة إذا كان عنده شيء فاضل عن كفايته وكفاية أهله وعياله، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنّة في الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين، وفي مشاريع الخير وأبواب البر والإحسان، وقد مضى ذلك في "الزكاة". وفيه نهي عن الإسراف في الصدقة، ومن الإسراف في الصدقة أن ينفق أمواله ويدع ما أوجب الله عليه من سداد ديني أو نفقة أهله وأولاده ومن يمون، والواجب على المسلم أن يتحرى بالصدقة مواضعها، وأن يبدأ بمن يعول لقوله ﷺ : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول" وقد مضى هذا -أيضًا- في "الزكاة". وينبغي أن يُعلم أن الإسراف في المآكل والمشارب وتوابع ذلك أمر نسبي، يختلف من شخص إلى آخر، ويختلف من زمان أو مكان عن زمان ومكان آخر، والضابط لهذا أن الإسراف مجاوزة الحد. والله تعالى أعلم.

стр. 4569

باب البر والصلة البر: بالكسر تقدم تعريفه، وأنه اسم جامع للطاعات كلها الظاهرة والباطنة، والظاهر أن المراد به هنا: برّ الوالدين، وهو ما يقابل العقوق، فيفسر بالإحسان إلى الوالدين قولًا وفعلًا. والصلة: بكسر الصاد، مصدر وَصَلَهُ كوعده عدة، والصلة ضد القطيعة، والمراد بها هنا: صلة الرحم، وهي العطف والرحمة، والمراد بها: الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والرفق بهم ورعاية أحوالهم، وإن بعدوا أو أساؤوا، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر (١). وقد ذكر الحافظ هنا أحاديث تتعلق ببر الوالدين والحرص على رضاهما والحذر من عقوقهما، وأحاديث تتعلق بصلة الرحم والحذر من القطيعة، وأحاديث تتعلق بالإحسان إلى الجار وبذل المعروف، وتحريم الهجر.

стр. 4570

فضل صلة الرحم وثمرتها ١٤٦٣/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيهِ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (من بُسط له في الرزق بصلة الرحم) (٥٩٨٥) من طريق محمد بن معن، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سرّه أن يبسط عليه في رزقه … " الحديث. ورواه مسلم (٢٥٥٧) (٢٠) من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سرّه أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره فليصل رحمه". ورواه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢١) من طريق عقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: يزمن أحب أن يبسط له في رزقه … " الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من أحب) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "من سره … " وهو عند مسلم -أيضًا- أي: من سرّه وأفرحه.

стр. 4571

قوله: (أن يبسط عليه) بضم الياء على صيغة المبني لما لم يسم فاعله؛ أي: يوسع عليه في رزقه، ويكثر ويبارك له فيه، فيكون البسط بمعنى السعة والكثرة، وبمعنى البركة. قوله: (في رزقه) أي: مأكله ومشربه ومسكنه وعلمه؛ لأن الرزق اسم لكل ما ينتفع، وهو رزق عام، وهو رزق الأبدان، ورزق خاص، وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين (١). قوله: (وأن ينسأ له) بضم الياء وسكون النون بعدها سين مهملة ثم همزة؛ أي: يؤخر له، يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ؛ أي: أَخَّرَ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] أي: تأخير حرمة الشهر الحرام إلى غيره؛ لأن الكفار إذا احتاجوا إلى القتال في شهرٍ محرم قاتلوا فيه، وحرّموا بدله شهرًا آخر. قوله: (في أثره) أي: في أجله، وسمي الأجل أثرًا؛ لأنه يتبع العمر، فيوجد بوجوده وينقطع بانقطاعه، قال كعب بن زهير: والمرءُ ما عاش ممدود له أَمَلٌ … لا ينقضي العُمْرُ حتى ينتهي الأثرُ وأصله من أثر مشيه على الأرض، فإن من مات لا يبقى له حركة، فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر، وتأخير الأجل بصلة الرحم على حقيقته، كما سيأتي. قوله: (فليصل) المراد بالصلة: الإحسان إلى الأرحام، إما بالفعل وذلك بزيارتهم وتفقد أحوالهم، وإدخال السرور عليهم، وإيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، وإما بالمال بالنفقة عليهم بشروطها، أو بالصدقة بشروطها، أو بالهدية، أو بالوصية لهم، أو الوقف عليهم على ما هو مبين في كتب الفقه.

стр. 4572

وقد تكون الصلة بالقول بالدعاء لهم، وأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، والسؤال عنهم ولا سيما إذا كانوا بعيدين، فيتم ذلك عن طريق وسائل الاتصال الموجودة كالهاتف. قوله: (رحمه) الرحم: بفتح الراء وكسر الحاء المهملة هو موضع تكوين الولد في بطن أمه، والمراد بهم: الأقارب، ويقع ذلك على كل من بينك وبينه نسب وقرابة سواء أكان ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ -ويقال: مُحَرَّمٍ- أم لا (١)، كالأم والأب والابن والبنت والعم والعمة والخال والخالة، وولد العم وولد الخال، فكل من بينك وبينه صلة من قبل أبيك أو من قبل أمك أو من قبل ابنك أو من قبل ابنتك فهو من الأرحام وسيأتي -إن شاء الله- ضابط من تجب صلته. * الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز محبة البسط في الرزق، خلافًا لمن كره ذلك، ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أرشد إلى الطريق الموصل لذلك، وأخبر أن الإنسان يسره بَسْطُ رزقه، فدل على أنه لا محذور فيه. * الوجه الرابع: في الحديث حث على صلة الرحم وعظيم أثرها على الإنسان حيث كانت سببًا في بسط الرزق وطول العمر، وهما مما يحبه الإنسان، وقد تكاثرت النصوص في وجوب الصلة، والحث عليها، ومن ذلك حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" (٢). وهذه فائدة ثالثة، وهي أن الله تعالى يصل من وصل رحمه برحمته ولطفه وإعانته بإحسانه ونِعَمه.

стр. 4573

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه" (١)، وهذه فائدة رابعة، وهي أن صلة الرحم علامة الإيمان بالله واليوم الآخر. ومن ثمار صلة الرحم: تقارب الأسر، وتوادهم، وعطف بعضهم على بعض، وهي في الوقت نفسه رفعة للواصل وعزة ومحبة وكرامة. ومن حكمة الإسلام أنه لم يحدد نوعًا من أنواع الصلة، بل ترك ذلك لعادة الناس في كل زمان ومكان، ثم إن ذلك يختلف باختلاف القدرة والحاجة، فالصلة أنواع ودرجات. يقول القاضي عياض: (الصلة درجات، بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها ولو بالسلام … وهذا بحكم القدرة على الصلة وحاجتها إليه، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلة يسمى قاطعًا، ولا من قصر عما ينبغي له ويقدر عليه يسمى واصلًا) (٢). وقد رأيت كلامًا نفيسًا لابن بلبان يذكر صورًا كثيرة مما تحصل به الصلة، فيقول: (اعلم أن المراد بصلة الرحم موالاتهم ومحبتهم أكثر من غيرهم؛ لأجل قرابتهم، وتأكيد المبادرة إلى صلحهم عند عداوتهم، والاجتهاد في إيصالهم كفايتهم بطيب نفس عند فقرهم، والإسراع إلى مساعدتهم ومعاونتهم عند حاجتهم، ومراعاة جبر خاطرهم مع التعطف والتلطف بهم، وتقديمهم في إجابة دعوتهم، والتواضع معهم في غناه وفقرهم وقوته وضعفهم، ومداومة مودتهم ونصحهم في كل شؤونهم، والبداءة بهم في الدعوة والضيافة قبل غيرهم، وإيثارهم في الإحسان والصدقة والهدية على من سواهم؛ لأن الصدقة عليهم صدقة وصلة في معناها الهدية ونحوها، ويتأكد فعل ذلك مع الرَّحَمِ الكَاشِحِ المُبْغِضِ، عساه أن يرجع عن بغضه إلى مودة قريبه ومحبته، وفي الحديث: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم

стр. 4574

اثنتان صدقة وصلة" (١). * الوجه الخامس: أجمع أهل العلم على وجوب صلة الرحم في الجملة، وتحريم قطعها، لكن اختلفوا في ضابط الرحم التي تجب صلتها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الرحم التي تجب صلتها هي الرحم المَحْرَمُ، كالأباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأجداد والجدات، والأولاد وأولادهم، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وهذا هو المشهور عند الحنفية، وقول المالكية، وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة (٢). واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٣). وذلك لأن الجمع بين الزوجات يورث بينهن العداوة والبغضاء غالبًا، فنهى الشرع أن يكون التعدد بين القريبات، خشية أن يفضي ذلك إلى قطيعة الرحم التي أمر الله بصلتها، مما يفيد وجوب صلة الرحم المحرم. فإن كان الرحم غير محرم كأولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات لم تجب صلته، بدليل جواز الجمع في النكاح بين بنات العم وبنات الخال؛ لعدم النص بالتحريم فيهما، ولأن إحداهما تحل لها

стр. 4575

الأخرى لو كانت ذكرًا ولو وقع بينهما شيء من القطيعة، وهذا يدل على أن صلتها ليست بواجبة (١). القول الثاني: أن الرحم التي تجب صلتها هي الرحم من ذوي الميراث دون غيرهم ممن لا يرث، واختار هذا القول بعض الفقهاء، كالقاضي عياض من المالكية، والنووي من الشافعية، وغيرهما (٢). واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك" (٣). وتخصيص الرحم الواجب صلته بذوي الميراث فيه نظر من وجهين: الأول: أن الحديث الذي استدلوا به ليس فيه تخصيص الصلة بذوي الميراث دون غيرهم، بل ظاهره الأقرب فا لأقرب، قال القرطبي: (وقوله: "ثم أدناك أدناك" يعني: أنك إذا قمت ببر الأبوين تعيَّن عليك القيام بصلة رحمك، وتبدأ منهم بالأقرب إليك نسبًا فالأقرب .. ) (٤) وقال الحافظ ابن حجر: (المراد بالدنوِّ: القرب إلى البار) (٥). الثاني: أنه يترتب على هذا القول عدم صلة الأخوال والخالات، لكونهم غير وارثين، وهذا يعارض حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الخالة بمنزلة الأم" (٦). والقول الثالث: أن جميع الأقارب تجب صلتهم، سواء أكان يرثه أم لا، وسواء أكان ذا محرم أم لا، وهذا قول في مذهب الحنفية، وهو المشهور عند المالكية، وهو ظاهر مذهب الشافعية، ونقل ابن مفلح أن الإمام أحمد

стр. 4576

نص عليه (١). واستدلوا بعموم الأدلة المتقدمة في صلة الرحم والحث عليها. والقول الأول أرجح -في نظري- وهو أن الرحم الذي تجب صلته هو الرحم المَحْرَمُ، وأما غير المحرم كأولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات، فليست صلتهم واجبة، إنما هي مستحبة، فيصلها بما يلائمها، ومما يؤيد هذا أن أولاد الأعمام وأولاد الأخوال قد يكونون إناثًا، وقد حرم الشرع الخلوة والنظر والاختلاط بالقريبات من غير المحارم، كابنة العم وابنة الخال، وهذا ينافي الصلة التي تقتضي في غالب أحوالها الزيارة والجلوس والمحادثة، لكن تبقى صلة السؤال عنهم وتفقد أحوالهم؛ لأن الصلة أنواع ودرجات. أما ما استدل بها أصحاب القول الثالث من العمومات، فإن غاية ما تفيده استحباب الصلة والحث عليها، وهذا لا نزاع فيه، وما أحسن قول أبي الخطاب (ومعلوم أن الشرع لم يُرِدْ صلة كل ذي رحم وقرابة، إذ لو كان ذلك لوجب صلة جميع بني آدم، فلم يكن بُدٌّ من ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها وإكرامها، ويحرم قطعها، وتلك قرابة الرحم المحرم) (٢). * الوجه السادس: في الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، فكما وصل رحمه بالبر والإحسان وأدخل السرور على قلوبهم وصل الله عمره ووصله في رزقه وفتح له من أبواب الرزق وبركاته ما لا يحصل له بدون ذلك. * الوجه السابع: الحديث دليل على إثبات الأسباب وأن الله تعالى هو الخالق للأسباب ومسبباتها، وأن أسباب الخير توصل إلى الخير بإذن الله تعالى، ورَبْطُ المُسَبَّبَاتِ بالأسباب لا يقتضي خلاف علم الله تعالى السابق ولا ينافيه. يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (كما أن الصحة وطيب الهواء

стр. 4577

وطيب الغذاء واستعمال الأمور المقوية للأبدان والقلوب من أسباب طول العمر فكذلك صلة الرحم جعلها الله سببًا ربانيًّا؛ فإن الأسباب التي تحصل بها المحبوبات الدنيوية قسمان: أمور محسوسة تدخل في إدراك الحواس ومدارك العقول، وأمور ربانية إلهية قدرها من هو على كل شيء قدير ومَنْ جميع الأسباب وأمور العالم منقادة لمشيئته … ) (١). * الوجه الثامن: استدل بهذا الحديث الجمهور من أهل العلم على أن العمر يزيد وينقص، فتكون الزيادة في العمر حقيقية، وهي زيادة بالنسبة لعلم الملك الموكل بالآجال، وأما ما سبق في علم الله تعالى وقضاه في الأزل فلا زيادة فيه ولا نقصان، وعليه تحمل الآيات الواردة بان الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبو وائل، وكعب الأحبار، وجمع كثير وجم غفير -كما يقول الشيخ مرعي الكرمي في رسالته (٢) - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، والشوكاني في "رسالته" (٤)، واستدلوا -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] فإن هذه الآية عامة تتناول العمر والرزق والسعادة والشقاء وغير ذلك، ولا يجوز تخصيصها إلا بمخصص (٥). كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] فإن معنى الآية على ما يقتضيه ظاهرها: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عُمُرِ ذلك المعمر إلا في كتاب، وهو اللوح المحفوظ (٦). وذهب جماعة من أهل العلم -منهم ابن حبان وأبو العباس القرطبي

стр. 4578

والنووي- إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. وبحديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه … وفيه: ثم يبعث الله ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله، وشقيٌّ أو سعيد" (١). وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الزيادة بأنها محمولة على المجاز لا على الحقيقة، على اختلاف بينهم في معنى الزيادة، والأكثرون منهم على أنها كناية عن البركة في العمر، بالتوفيق إلى الطاعة، والاستفادة من زمن الحياة فيما ينفع في الآخرة. وقد حصل بين الفريقين ردود ومناقشات، لا داعي لإيرادها خشية الإطالة، ويرجع إليها في مظانِّها (٢). والذي يظهر -والله أعلم- أن الجميع متفقون على أن الأعمار التي قدرها الله تعالى لا مجال للزيادة فيها ولا النقصان، بدلالة القرآن على ذلك، وإنما حصل الخلاف لمجيء الأحاديث التي يوهم ظاهرها خلاف هذا. والحق أن حملها على الحقيقة متعين؛ لأن هذا هو الأصل في باب دلالات الألفاظ، وأن الزيادة لمن وصل رحمه إنما هي باعتبار ما في صحف الملائكة، وهي زيادة سببها فعل العبد وكسبه، والله تعالى قد ربط بين الأسباب والمسببات، وأمر بها شرعًا، ورتب عليها جزاء قدريًّا علمه -سبحانه- وقدره في الأزل، فإن فعل العبد ما رتب عليه القضاء كان له كذا وكذا، وإن لم يفعل لم يكن شيء، وهذا هو المراد بقول تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. والله تعالى أعلم.

стр. 4579

ما جاء في إثم قاطع الرحم ١٤٦٤/ ٢ - عَنْ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ" يَعْني: قَاطِعَ رَحِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (إثم القاطع) (٢٩٨٤) من طريق عُقيل بن خالد، ومسلم (٢٥٥٦) من طريق سفيان، كلاهما عن ابن شهاب، أن محمد بن جبير بن مطعم قال: إن جبير بن مطعم ﵁ أخبره أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قاطع". زاد مسلم: (قال سفيان: يعني قاطع الرحم)، وبهذا يتبين أن التفسير الذي ذكر الحافظ هو من أحد رواة الحديث، وهو سفيان بن عيينة. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يدخل الجنة) هذا من نصوص الوعيد، وهي إما أن تفسر، وإما أن تُمرَّ كما جاءت، خشية القول على الله بلا علم، وهذا أبلغ في الرح والزجر والتخويف، وهذا مذهب كثير من السلف كالإمام مالك وأحمد وغيرهما، فإن فسرت فإن المراد: نفي الدخول المطلق الذي لا يسبقه عذاب، وليس نفيًا لمطلق الدخول؛ لأن القاطع ليس كافرًا تحرم عليه الجنة، بل مآله إلى الجنة قطعًا، لكنه دخول يسبقه عذاب بقدر ذنبه، ومن المقرر أن كل ما دون الشرك من المعاصي فهو تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء عذَّب، وإن شاء غفر، ونصوص الشرع يصدق بعضها

стр. 4580

بعضًا، ويقيد بعضها بعضًا (١). قوله: (قاطع) هذا لفظ مجمل يحتمل عدة معانٍ، ولذا فسّره الراوي سفيان بن عيينة، وكأن قاطع الرحم لعظيم إثمه ومزيد الاعتناء به لا ينصرف هذا اللفظ إلا إليه. والقاطع: اسم فاعل من مادة قطع التي تدل على صَرْمٍ وإبانة شيء من شيء، وقَطَعَ رَحِمَهُ: عقها ولم يصلها، والقطع والقطيعة: الهِجران وضد الوصل (٢). * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم قطيعة الرحم، وأن ذلك من كبائر الذنوب؛ لثبوت الوعيد على القطيعة من الكتاب والسنّة، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢] والمعنى: أنكم إن أعرضتم وتوليتم أفسدتم في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الأرحام، وعدتم إلى ما كنتم فيه من الجاهلية، تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام، فيصيبكم تشتت وتفرق وبغض، بعدما جمعكم الله، وألَّف بينكم، ففي الآية نهى عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا (٣). وفي الآية عقوبة أخروية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٣] أي: أبعدهم عن رحمته، وعقوبة دنيوية: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] فجعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلهم آذان، ولكن لا تسمع سماع إذعان وقبول، ولهم أعين، ولكن لا يبصرون بها العبر والآيات، ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات (٤). وقال تعالى عن المَثَلِ الذي ضربه في الآيات التي قبل هذه الآية: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ

стр. 4581

يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]. فجعل من صفات الفاسقين قطع ما أمر الله بوصله، وهو قطع عام، يدخل فيه قطع الرحم، بل روى ابن جرير بسنده، عن قتادة أنه فسر الآية بقطيعة الرحم والقرابة، ورجح هذا ابن جرير، بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (١) [محمد: ٢٢]. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" (٢). * الوجه الرابع: لم يرد في نصوص الشريعة بيان لما تكون به القطيعة، وهي تحصل إما بالإساءة إلى الرحم، وهذا أشد أنواع القطيعة، وإما بترك الإحسان إليهم فلا يصلهم ببره ولا يمدهم بإحسانه ولا بإرشاده ونصحه، ومن برّهم زيارتهم والسلام عليهم وخدمتهم، وعيادة مريضهم وإجابة دعوتهم، وضد ذلك قطيعة. ومن مظاهر القطيعة: تحزيب الأقارب، وتأليب بعضهم على بعض لأدنى سبب، فيترتب على ذلك تفريق كلمتهم، وتشتيت شملهم، فتظهر الأحقاد والضغائن، ويحصل التباعد، وينشأ الصغار منهم على عدم معرفة أقاربهم وأرحامهم. وهذا من الخطأ البيّن، خطأ في سماع الوشايات، وخطأ في ترتيب الأحكام عليها. * الوجه الخامس: ما جاء في نصوص الكتاب والسنّة من الوعيد هو من نتائج قطيعة الرحم ومضارها، ففي القطيعة انقطاع الصلة بالله تعالى، والبعد عن رحمته ورضاه، وقطيعة الرحم تثير العداوة، وتورث الأحقاد، وتقطع أواصر العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأُسر، وهي سبب في التشتت والتفرُّق، وهذا أمر محسوس، والله المستعان.

стр. 4582

ما جاء في تحريم عقوق الأمهات ١٤٦٥/ ١٣ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَال، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضاعَةَ المَالِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه البخاري في كتاب "الأدب"، باب (عقوق الوالدين من الكبائر) (٥٩٧٥)، ومسلم (٥٩٣) من طريق ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة ﵁، عن النبي ﷺ قال: … وذكر الحديث. * الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إن الله حرم عليكم) أي: حظر ومنع على وجه الإلزام. قوله: (عقوق الأمهات) مصدر عَقَّ الولد أباه، من باب قعد: إذا عصاه وترك الإحسان إليه، فهو عاق (١). وأصل العق: الشق، ومنه سميت العقيقة التي تذبح عن المولود على أحد القولين، وعق والده: شَقَّ عصا طاعته (٢). وضابط العقوق: صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل تأذيًا ليس بالهين عرفًا، قال القرطبي: (عقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما: موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما .. ) (٣).

стр. 4583

والأمهات: جمع أُمَّهة، وهو لفظ خاص بمن يعقل، وأما لفظ الأم فهو شامل لمن يعقل ومن لا يعقل. واقتصر على الأمهات؛ لأن أكثر العقوق إنما يقع على الأمهات لضعفهن؛ ولأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء، وقد جاء في رواية عند مسلم: " … وعقوق الوالدين"، وفي حديث أبي بكرة ﵁ -المتقدم في الشهادات-: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين .. " الحديث. قوله: (ووأد البنات) هكذا في رواية مسلم، ورواية البخاري بتقديم ما بعده عليه. والوأد: بسكون الهمزة، مصدر وَأَدَ بنته من باب وعد: دفنها حية، فهي موءودة (١)، وخص البنات بالذكر؛ لأنه هو الواقع في عصر الجاهلية، فتوجه النهي إليه، لا لأن الحكم مخصوص بالبنات. قوله: (ومنعًا وهات) منعًا: مصدر منع، وهو منصوب على أنه مفعول به معطوف على عقوق؛ أي: وحرم عليكم منعًا وهات. وهاتِ: اسم فعل أمر بمعنى أعطني، ومعنى (منعًا) منع الإنسان ما يطلب بذله من مال أو منفعة، و (هات) طلب الإنسان ما لا حق له فيه من مال أو منفعة. قوله: (وكره لكم) قيل: إن معناها: أبغض من أفعالكم، فيكون لفظ كره على بابه، وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم. وقيل: إن معناها: حرم؛ لأن الكراهة في لسان الشارع معناها التحريم، والحرام يكرهه الله ورسوله، وهذا رأي ابن القيم، ويكون هذا من باب اختلاف التعبير (٢). قوله: (قيل وقال) بالنصب على المفعولية لقوله: (كره) وهما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين، بدليل دخول (أل) عليهما، فيقال: كثرة القيل والقال، وأُبقِيَ فتحهما؛ ليدل على ما كانا عليه، وجمع بينهما للتنبيه على منع ذلك، سواء عرف القائل أو لم يعرف.

стр. 4584

ومعناهما: كثرة الكلام والمجادلة فيما لا يعني، والخوض في أخبار الناس وتصرفاتهم، أو نقل الكلام بدون تثبت فيه، قال العلماء: لا يستعمل القيل والقال إلا في الشر (١). قوله: (وكثرة السؤال) يشمل كثرة سؤال المال في حال إباحة سؤاله، وكثرة الاستفهام عما لا حاجة إليه من العلم، ويدخل في ذلك ما إذا كان على وجه إعنات المسؤول وإدخال الملل والسآمة عليه، ويشمل كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمور حياته مما يدخل في سؤال الإنسان ما لا يعنيه، وإنما حمل السؤال في الحديث على جميع ما ذكر؛ لأنه اسم جنس محلى بـ (أل) فيعم (٢). قوله: (وإضاعة المال) يشمل بذله وإنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، ويشمل ترك حفظه حتى يضيع، أو يكون عرضة للسراق والضياع، وتكون إضاعة المال بتولية ناقصي العقول عليه كالصغار والسفهاء ونحوهم، وتكون بإهمال رعايته والعناية بعمارته حتى تذهب منفعته والاستفادة منه. وإنما نهي عن ذلك كله لأن الله تعالى جعل الأموال قيامًا لمصالح الناس الدينية والدنيوية، فإذا أضاعه فقد أفسده، والله لا يحب المفسدين، وإذا أضاعه تعرض لما في أيدي الناس بالسؤال (٣). * الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم عقوق الأمهات؛ لأن الوالدين أحق الناس بالرعاية والولاية والإحسان لما لهما من فضل، وهو من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الكبائر، لما تقدم في حديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين … " الحديث (٤). قال الذهبي: (انظر كيف قرن الإساءة إليهما وعدم البر بهما والإحسان

стр. 4585

إليهما بالإشراك) (١). ولعقوق الوالدين مظاهر كثيرة يجمعها ما تقدم من كل قول أو فعل فيه إضرار بهما أو أذية لهما، ومن ذلك إبكاء الوالدين، أو إدخال الحزن عليهما، أو شتمهما ولعنهما، أو إغاظتهما بالمنكرات من وسائل اللهو والطرب وشرب الدخان، أو عدم احترامهما وقت الجلوس معهما أو عدم سماع كلامهما، ومن ذلك التخلي عنهما وقت الكِبَرِ الذي هو وقت الحاجة إلى برهما والقيام بمصالحهما، وكذا إيثار الزوجة وتقديمها على الوالدين، إلى غير ذلك. أما ما ليس فيه أذية لهما، وإنما هو هوى عندهما أو تعنت في شيء فإن مخالفتهما فيه لا يعد عقوقًا، كما لو طلبا منه ترك بعض السنن مما لا يضرهما فعله، فلا تعد مخالفتهما عقوقًا، ومثل هذا لو أمرته أمه أو أبوه بطلاق زوجته، وهي زوجة صالحة لم تؤذهما بشيء، ولكنهما لم يرضيا عنها فإنه لا يلزم طلاقها، ولا يعد عاقًّا إذا لم يطلقها، فإن آثار الطلاق ومضاره عظيمة، وعلى الولد مداراة والديه وأن يتحلى بالحكمة والصبر، ورحم الله والدًا أعان ابنه على برّه وأبعده عما يكون سببًا في عقوقه، وقد روى أبو نعيم أن كعب الأحبار سئل عن العقوق، فقال: إذا أمرك أبواك فلم تطعهما، فقد عققتهما، وإذا دعوا عليك، فقد عققتهما العقوق كله (٢). * الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم وأد البنات، وذلك بدفنهن والقضاء عليهن وهن أحياء، وهذا من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] وإذا كان هذا في عامة الناس فكيف بالقرابة؟ فكيف بالمخلوق الضعيف؟! فوأد البنات إساءة ظن بالله تعالى، وقتل نفس بغير حق، وقطيعة رحم. وهذه عادة كانت شائعة أيام الجاهلية يفعلون هذا تخلصًا من العار أو خشية الفقر.

стр. 4586

* الوجه الخامس: في الحديث تحذير بليغ من منع صاحب الحق حقه والمماطلة في أداء الديون والحقوق إلى أربابها، ويزداد الأمر قبحًا إذا كان الإنسان مع هذه الخصلة الذميمة يطلب ما ليس له به حق، ويحاول الاستيلاء على حق الآخرين بلا مسوغ شرعي، فهذا عين الظلم والعدوان؛ لأنه مانع للحق الذي عليه، ومغتصب لما ليس له بحق. * الوجه السادس: في الحديث حث على قلة الكلام وعدم التوسع فيه، وألا يكون الإنسان ثرثارًا مهذارًا ليس له هم إلا الخَرْطُ (١) والكلام في الناس؛ لأن الإكثار من الكلام الذي لا فائدة فيه يقسي القلب، ويفضي إلى الكذب والخطأ وعدم التثبت، وهو سبب من أسباب تنافر القلوب والوقوع في الفتن، وهو اشتغال بما يضر ولا ينفع عما ينفع، وفيه إضاعة للأوقات التي ينبغي صرفها فيما ينفع، فينبغي للمؤمن أن يحذر ذلك كله، وألا يتكلم إلا بما فيه نفع، وألا ينقل مما يسمع إلا الكلام النافع، ويحذر أن يحدث بكل ما سمع. * الوجه السابع: في الحديث تحذير من كثرة السؤال كسؤال الدنيا من غير حاجة ولا ضرورة، أو السؤال عما لا يعني الإنسان وعما ليس منه فائدة؛ لأنه ضياع للوقت وربما أدى إلى ما لا تُحمد عقباه، والمؤمن الحق يشتغل بما يعنيه وما ينفعه ويدع ما لا يعنيه وما لا ينفعه. * الوجه الثامن: في الحديث نهي عن إضاعة المال، وذلك بصرفه في غير الوجوه الشرعية أو بإهماله وعدم العناية به، وهذا يقع ممن يكون ناظرًا على وقف قلَّ ريعه، فتراه يهمله حتى تنقطع منفعته بالكلية، وإضاعة المال ضرر اقتصادي ينبئ عن سوء التصرف. وفي جميع ما تقدم دليل بيّن على كمال الشريعة برعايتها لحفظ الوقت واللسان والمال والشرف وحقوق الآخرين. والله تعالى أعلم.

стр. 4587

ما جاء في فضل رضا الوالدين ١٤٦٦/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَينِ، وَسَخَطُ اللهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَينِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِم. * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب "البر والصلة"، باب (ما جاء من الفضل في رضا الوالدين) (١٨٩٩)، وابن حبان (٢/ ١٧٢) من طريق خالد بن الحارث، والحاكم (٤/ ١٥١، ١٥٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد" هذا لفظ الحديث عند الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ الإفراد، وقد جاء بلفظ التثنية عند البيهقي في "شعب الإيمان" (١٣/ ٥٢٦، ٥٢٧). وقد تابع ابنَ الحارث وابنَ مهدي على رفع الحديث أبو إسحاق الفزاري، كما في "الفوائد" لأبي الشيخ، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١)، كما تابعهما آخرون، لكنها متابعات لا يُفرح بها، لأن رواتها ما بين صدوق، وذي خطأ، ومن لا يعرف. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)

стр. 4588

وسكت عنه الذهبي، وهذا فيه نظر؛ فإن عطاء وهو العامري الطائفي ليس من رجال مسلم، كما يفهم من ترجمته في "التهذيب" وغيره (١)، وقد ذكره البخاري في "تاريخه، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن القطان: (مجهول الحال) (٣)، وتبعه على هذا الذهبي فقال: (عطاء العامري والد يعلى عن أويس الثقفي لا يعرف إلا بابنه) (٤). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)!. وفي الحديث علة أخرى وهي أن الترمذي لما رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة موقوفًا على عبد الله بن عمرو ولم يرفعه. قال الترمذي: (وهذا أصح، … ولا نعلم أحدًا رفعه غير خالد بن الحارث، عن شعبة … )، وقال في "العلل" (٦): (أصحاب شعبة لا يرفعون هذا الحديث، ورفعه خالد بن الحارث)، وقد تقدم متابعة ابن مهدي والفزاري لخالد بن الحارث على رفعه. وقد تابع محمد بن جعفر على وقفه جمع من الثقات الأثبات، منهم آدم بن أبي أياس عند البخاري في "الأدب المفرد" (٢) وهو ثقة، والنضر بن شُميل عند البغوي في "شرح السنة" (١٣/ ١١)، وسفيان الثوري، كما عند ابن وهب في "الجامع" (٩٢)، ومسلم بن إبراهيم الأزدي وهو ثقة مأمون، أخرج حديثه المزي في "تهذيب الكمال" (١٣٣/ ٢٥) فهؤلاء خمسة من الثقات رووه موقوفًا، وسادسهم هشيم بن بشير، فقد رواه عن يعلى بن عطاء موقوفًا في أصح الروايتين عنه، كما عند الخطيب في "الجامع" (٢/ ٢٣٠). والذي يظهر -والله أعلم- قوة القول بأن الحديث موقوف، لما يلي: ١ - أن رواة الموقوف كلهم ثقات أثبات، بينما رواة المرفوع فيهم الصدوق وذو الخطأ ومن لا يعرف.

стр. 4589

٢ - أن محمد بن جعفر الذي رواه موقوفًا من أثبت الناس في شعبة، قال عبد الله بن المبارك: (إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غُنْدَر حكم فيما بينهم)، وكذا آدم بن أبي إياس فقد عدّه الإمام أحمد من الستة أو السبعة الذين يضبطون الحديث عن شعبة (١)، وسفيان الثوري قرين لشعبة بل هو أثبت من شعبة. ٣ - أن الترمذي صحح وقفه كما تقدم، وكذا البغوي (٢). ٤ - يبدو أن رواية الرفع لم تشتهر عن غير خالد بن الحارث إلا في أواخر القرن الثالث، وهذا مما يشكك في ثبوت الرفع عن غير خالد، فهذا الترمذي يقول عن وقفه: (وهذا أصح) والبزار يقول: (سمعت بعض أصحابنا يذكره عن سهل بن حماد، عن شعبة مرفوعًا وأنكرته عليه) بينما اشتهرت رواية الوقف عند المتقدمين وأخرجوها مثل ابن وهب، والبخاري في "الأدب المفرد" والترمذي. * الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل بر الوالدين والعمل على رضاهما وإدخال السرور عليهما؛ لأن النبي ﷺ جعل رضا الرب ومحبته لعبده في رضا والديه وبرهما، وجعل غضب الرب في غضب الوالدين بسبب عقوقه لهما؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين، فمن أحسن إليهما فقد أطاع الله، ومن أساء إليهما فقد أغضب الله. * الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب برّ الوالدين، وتحريم عقوقهما؛ لأن رضاهما عن الولد لا يتم إلا ببرهما والرفق بهما والإحسان إليهما والتلطف معهما في أقواله وسكناته ونظره، وألا يتعرض لسبهما ولا لعنهما ولا سيما في حال الكبر، ومِنْ برّهما موافقتهما على أغراضهما، فإذا أمرا أو أحدهما بأمر وجبت طاعتهما ما لم يكن فيه معصية، ومن برّهما الترحم عليهما والدعاء لهما وصلة صديقهما من بعدهما.

стр. 4590

وقد عظم الله حق الوالدين، فأمر بعبادته وتوحيده وجعل برهما مقرونًا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾ [لقمان: ١٤]. ولا عجب في هذا، فإن للوالدين من الفضل والمعروف ما ليس لأحد غيرهما من الخلق كائنًا من كان، فهما السبب المحسوس المباشر في وجود الولد، وقد عانيا من المشقات على ولدهما الشيء الكثير، من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم، ومن تربية وإنفاق وعناية في حال الطفولة من قبلهما، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بما انفردت به. * الوجه الرابع: ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل بعضهم الإجماع على هذا؛ لأن النبي ﷺ جعل لها ثلاثة أرباع البر والطاعة، وجعل للأب ربعًا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ : من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمك" قال: ثم مَنْ؟ قال: (ثم أبوك" (١) قال القرطبي: (معنى ذلك: أن حقهما -وإن كان واجبًا- فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه) (٢). والله تعالى أعلم.
следующие страницы →